وأما التعصّب العقدي، فقد كان الرّجل كما يظهر ممّن يغالون في إثبات الصّفات للبارئ ويتمسّكون بظاهر النصوص تمسكا لا يقوم على فهم صحيح لأصول العقيدة الإسلامية، فصار من المتحرّقين على الإمام أبي الحسن الأشعري، إمام الأشاعرة، بحيث ألّف كتابا في ثلبه، فأقام الأشاعرة عليه الدّنيا من أجل ذلك. قال الذّهبيّ: «وكان من غلاة السّنة صنّف كتابا في الصّفات ... فتكلّم فيه الأشاعرة لذلك، ولأنّه كان ينال من أبي الحسن الأشعري» «١».
من هنا نستطيع القول بأنّ النّقد الذي وجّه إلى الأهوازيّ إنّما كان ينصبّ في القراءات على أسانيده فيها وليس على المادة العلمية التي احتوتها كتبه المؤلّفة في هذا العلم. ودليلنا على ذلك أنّ أئمة هذا الشّأن قد تلقّوها عنه بالقبول كما أشار إلى ذلك الإمامان: الذّهبيّ وابن الجزري، بل إنّنا لم نجد عالما من علماء هذا الفنّ قد تكلّم في كتبه أو وجد أخطاء فاحشة مجاوزة للحدّ فيها، وإلا كانوا أشاروا إليه ونبّهوا عليه وردّوه في كتبهم، فالمهم في تقويم مثل هذا العالم هي المادة العلمية التي احتوتها كتبه، وهي مادة متقنة جمعها من المصنّفات السّابقة وعني بتنظيمها، ولم تعد الأسانيد في عصره الذي شاع فيه التّدوين وانتشر انتشارا واسعا سوى تقليد يحرص عليه الطّلبة والعلماء، لا فائدة كبيرة ترتجى منه «٢».
وتشير النصوص الكثيرة التي وقفنا عليها في تراجم القراء إلى أنّ كتب الأهوازي كانت من بين الكتب البارزة التي يعنى طلبة القراءات بدراستها وروايتها على شيوخهم طوال أعصر امتدّت إلى القرن التّاسع الهجري في الأقل مما يدلّل على أهميتها وشيوعها ومنزلتها بين الكتب التي من بابتها «٣».
стр. 37
الفصل الثاني كتاب الوجيز
أولا- منهج الكتاب:
يبدا الكتاب بذكر القراء الثّمانية في الأمصار الخمسة، وأنّه يشتمل على ست عشرة رواية عن كلّ قارئ منهم روايتان، فيبدأ بالقارئ الأول وهو نافع رواية قالون وورش، والثّاني قارئ مكة ابن كثير الدّاري رواية قنبل والبزّي، والثّالث قارئ الشّام ابن عامر اليحصبي رواية ابن ذكوان وهشام، والرابع عاصم بن أبي النّجود رواية أبي بكر وحفص، والخامس حمزة رواية خلف وخلّاد، والسادس الكسائي رواية أبي عمر الدّوري وأبي الحارث المروزي، والسابع أبو عمرو بن العلاء رواية اليزيدي وشجاع، والثامن يعقوب الحضرمي رواية رويس وروح.
ثم يبدأ المؤلف برسم الخطوط العريضة للمنهج الذي يسير عليه في هذا الكتاب فيقول في مقدمة كتابه: «وعرّيته من العلل وكثرة الرّوايات ولم أذكر عنهم فيه كثيرا من أخبارهم وحكاياتهم وسيرهم، إذ قد ذكرت ذلك في المصنّفات الكبار فمن أرادها فليطلبها من تلك يجدها على نهاية الشّرح والبيان إن شاء الله».
فميزة الكتاب إذن الإيجاز والاختصار، وليس من شأنه أن يذكر العلل والأخبار، فحجم هذا الكتاب لا يحتمل ذلك، فمن أراد التوسّع فإنّ للمؤلف كتبا أخرى تفي بذلك الغرض نحو كتابي: «الإيضاح» و «الاتضاح» كما سيذكره فيما بعد «١».
ويحاول المؤلف أن يترجم لكلّ قارئ من هؤلاء القراء الثّمانية ورواتهم على وجه يتوخّى في ذلك الإيجاز والاختصار، كما أنّه يتوخّى البيان والإفهام، ثم يوضّح لنا منهجه أكثر تفصيلا فيقول: «وكلّ ما يكثر دوره من حروف القرآن المختلف فيها فلكلّ أصل منه باب في كتابي هذا يشتمل على استيفائه، ولم أعد شيئا منه في مواضعه من السّور بعد ذكره في بابه إلا أحرفا يسيرة لا بدّ من إعادتها خوف الالتباس، وكلّ حرف مختلف فيه مذكور في ترجمته أسماء الأقل منهم ثم أقول والباقون بعد ذلك، إلا الياءات المحذوفات والمثبتات والمفتوحات والمسكّنات لم أجعل لها بابا، وذكرتها بشرح الاختلاف فيها معدودة في آخر كلّ سورة ليكون أبين في الفهم وأسهل في الحفظ».
стр. 38
ينقسم الكتاب إلى قسمين: القسم الأول يتعلق بمواد الأصول كأبواب الإدغام والإمالة والهمز وغيرها. والقسم الثاني يتعلّق بفرش الحروف، ويؤلف هذا القسم معظم حجم الكتاب.
أما القسم الأول فإنّ المؤلف قد جمع في كلّ باب من أبواب الأصول حروفه التي تخصّه كالحروف التي تخصّ باب الإدغام، وباب الإمالة وباب الهمز وغير ذلك، إلا أنه قد يعيد بعض هذه الحروف في مواضعها من السّور خوفا من الالتباس، وسنتطرق إلى ذلك عند كلامنا على منهجه في فرش الحروف ونضرب الأمثلة على ذلك.
القراء الثّمانية:
وبعد أن رسم المؤلّف خطّته العامة للكتاب أخذ يشرح أحوال القراء الثّمانية وسند المؤلف الذي ينتهي إلى هؤلاء القراء، فذكر الشّيوخ الذين تلقّى عنهم تلك القراءات، والذين اعتمد عليهم في كلّ الكتاب. فمثلا في قراءة نافع يسوق المؤلّف سند شيوخه إلى ذلك القارئ عن طريق راوييه، ثم يشرع بالتّعريف بذلك القارئ والترجمة له باختصار ذاكرا ما قيل عن اسمه وشيوخه الذين قرأ عليهم، وشيئا من حياته وأخباره، وما قيل فيه، وذكر وفاته. وكذلك الحال بالنسبة للراويين اللذين يرويان عنه القراءة بالطريقة نفسها.
أبواب الكتاب:
يتناول المؤلّف أبواب هذا الكتاب بأسلوب يتّسم بالإيجاز والجمع والاستقصاء، فهو يتكلّم على كلّ باب بصورة مركّزة محاولا حصر كلّ مادة في بابها، ومبتعدا عن ذكر العلل والأخبار. والمواد التي عالجها المؤلف في هذا الكتاب هي المواد نفسها التي نجدها في كتب القراءات وحججها مع اختلاف في طريقة العرض، حيث جمعت تلك المواد على وفق نسق خاص أملاه على المؤلف الإيجاز والاختصار.
ولا بدّ لنا أن نلقي هنا بعض الضّوء على أبواب الكتاب بصورة عامة لتكوين فكرة واضحة عن مضامين الكتاب ومنهجه وطريقة عرض مادته.
يبدأ الكتاب بباب الاستعاذة وقد تحدّث فيه بألفاظ يسيرة، وخصّها بالحديث فيما يتعلق بإخفاء الاستعاذة والجهر بها ولم يستطرد بالكلام عليها، وكذلك الحال بالنسبة لباب البسملة، فقد عالج فيها الإخفاء والجهر بها والتّسمية وتركها بين السّور.
ثم يأتي ذكر باب تغليظ اللام وترقيقها في اسم الله تعالى، حيث خصّ هذا الباب باسم الله تعالى، ولم يتحدّث المؤلف عن ترقيق اللام وتفخيمها بصورة عامة كما هو الحال في كتب القراءات الأخرى التي تجعل باب ترقيق اللام موضوعا عاما قد يدخل ضمنه بحث
стр. 39
اللام في لفظ الجلالة كالذي نراه في «الكشف» و «النشر».
ثم يأتي بعد ذلك موضوع الإدغام والإظهار، وقد جعله في عدة أبواب:
الباب الأول في إدغام وإظهار الحروف التي لا تعرف حركتها أي الحروف السّواكن نحو دال قد وذال إذ وتاء التأنيث.
والباب الثاني في الحروف التي سكّنت لعلة وأصلها الحركة كالأفعال المجزومة، نحو قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ (التوبة ٨٠)، ويَنْشُرْ لَكُمْ (الكهف ١٦)، أو الأفعال المتصلة بالضمائر نحو اتَّخَذْتُمُ* (البقرة ٥١ وغيرها)، وَأَخَذْتُمْ (آل عمران ٨١)، ثُمَّ أَخَذْتُ (فاطر ٢٦).
والباب الثالث في ذكر اختلافهم في الغنّة وأحكامها ومذاهبهم في إظهارها وإدغامها، فيتحدّث في هذا الباب عن إدغام الغنّة وإظهارها عند اللام والراء نحو قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة ٢)، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا* (البقرة ٢٤، ٢٧٩)، غَفُورٌ رَحِيمٌ* (البقرة ١٧٣ وغيرها).
والباب الرابع في إدغام المثلين والمتجانسين في كلمة أو كلمتين، ويستعرض فيه إدغام أبي عمرو للمثلين والمتجانسين، وضرب الأمثلة الكثيرة على ذلك، نحو قوله تعالى: لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ (البقرة ٢٠)، الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ (الأنعام ٦١)، النُّبُوَّةَ ثُمَّ (آل عمران ٧٩)، الْمَلائِكَةُ ظالِمِي* (النساء ٩٧، النحل ٢٨).
ثم يأتي بحث الهمز وقد جعله في أبواب كالذي رأيناه عند دراستنا لباب الإدغام والإظهار وجعله في قسمين: القسم الأول فيما يتعلّق بالهمزة الساكنة، والقسم الثاني ما يتعلّق بالهمزة المتحركة، وكلّ قسم منهما جعله في أبواب، وراعى في تقسيمه للأبواب فاء الاسم أو الفعل وعينه ولامه.
فالقسم الأول وهو ما يتعلق بالهمزة السّاكنة قسّمه إلى الأبواب الآتية:
الباب الأول في الهمزة السّاكنة في محل الفاء في الأسماء والأفعال نحو يُؤْمِنُ* (البقرة ٢٣٢ وغيرها)، يا صالِحُ ائْتِنا (الأعراف ٧٧)، لِقاءَنَا ائْتِ (يونس ١٥).
والباب الثاني في الهمزة السّاكنة في محل العين في الأسماء نحو (الكأس) (الصافات ٤٥ وغيرها)، والْبَأْسِ* (البقرة ١٧٧ وغيرها)، والرَّأْسُ (مريم ٤).
والباب الثالث في الهمزة الساكنة في محل اللام في الأفعال نحو أَخْطَأْتُمْ (الأحزاب ٥)، نَبَّأْتُكُما (يوسف ٣٧)، فَادَّارَأْتُمْ (البقرة ٧٢).
والباب الرابع في الهمزة الساكنة للجزم في الأفعال نحو قوله تعالى: اقْرَأْ* (الإسراء ١٤، العلق ١، ٢)، وهَيِّئْ لَنا (يوسف ٣٧)، فَادَّارَأْتُمْ (البقرة ٧٢).
والباب الرابع في الهمزة الساكنة للجزم في الأفعال نحو قوله تعالى: اقْرَأْ* (الإسراء ١٤، العلق ١، ٢)، وهَيِّئْ لَنا (الكهف ١٠)، ونَبِّئْ عِبادِي (الحجر ٤٩).
стр. 40
وفي كلّ هذه الأبواب عالج المؤلف اختلاف القراء في إثبات الهمز وتركه.
وبعد أن أنهى البحث فيما يتعلّق بالهمزة الساكنة أخذ بالكلام على الهمزة المتحركة وبالطّريقة عينها التي عالج بها موضوع الهمزة الساكنة.
فالباب الأول في الهمزة المتحركة في محل الفاء في الأسماء والأفعال وقسم هذا الباب إلى قسمين: القسم الأول يختلف إعراب الهمزة وإعراب الحرف الذي قبلها نحو قوله تعالى: يَؤُساً (الإسراء ٨٣)، مُؤَجَّلًا (آل عمران ١٤٥)، ومُؤَذِّنٌ* (الأعراف ٤٤، يوسف ٧٠).
والقسم الثاني يتفق إعرابها وإعراب الحرف الذي قبلها نحو قوله تعالى: تَأَخَّرَ* (البقرة ٢٠٣، الفتح ٢)، وتَأَذَّنَ* (الأعراف ١٦٧، إبراهيم ٧)، و (مآب) (آل عمران ١٤ وغيرها).
والباب الثاني في الهمزة المتحركة في محل العين في الأسماء والأفعال نحو قوله تعالى: يَسْأَمُونَ (فصلت ٣٨)، وسَأَلَ (المعارج ١)، وفَسْئَلُوا* (النحل ٤٣، الأنبياء ٧)، والْفُؤادَ* (الإسراء ٣٦ وغيرها).
والباب الثالث في الهمزة المتحركة في محل اللام في الأسماء والأفعال نحو قوله تعالى: قُرِئَ* (الأعراف ٢٠٤، الانشقاق ٢١)، واسْتُهْزِئَ* (الأنعام ١٠ وغيرها)، و (منشئون) (الواقعة ٧٢)، ومَوْطِئاً (التوبة ١٢٠)، و (مالئون) (الصافات ٦٦، الواقعة ٥٣).
وأخيرا باب الهمزة المتحركة في أول الكلم نحو (إنك)، و (لأنه)، و (كأن)، و (بأنهم) ونحو ذلك.
وحين انتهى من بحث الهمزة المفردة أتى إلى بحث المد والقصر الذي عالجه في باب واحد سماه: «باب تمكّن المدّ للهمز» تناول فيه اختلاف القراء في أحوال المد وعدم المد من حيث طول المدّ وقصره في كلمة أو كلمتين كقوله: بأن ابن كثير وأبا عمرو ويعقوب وقالون عن نافع، وهشاما عن ابن عامر لا يمدون الألف والواو والياء إذا أتى بعدهن همزة وكانا من كلمتين بل يمكّنون حرف المد في ذلك من غير وقفة ولا زيادة مد كقوله تعالى: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (البقرة ٤)، فِي آذانِهِمْ* (البقرة ١٩ وغيرها)، وَفِي أَنْفُسِكُمْ (الذاريات ٢١) ونحو ذلك.
ثم ذكر أنه إذا كان حرف المد والهمزة في كلمة واحدة فإنهم أجمعوا على المد وإنهم يتفاضلون فيه على قدر مذاهبهم في التّجويد والتّحقيق ومثّل لذلك بنحو قوله تعالى: مِنَ السَّماءِ ماءً* (البقرة ٢٢ وغيرها)، وسُوءَ الْعَذابِ* (البقرة ٤٩ وغيرها)، وجِيءَ* (الزمر ٦٩، الفجر ٢٣)، وسِيءَ* (هود ٧٧، العنكبوت ٣٣).
стр. 41
ثم جاء إلى باب الهمزتين في كلمة أو كلمتين، وهو باب طويل نسبيا، تناول فيه المد والقصر في الهمزتين والاستفهام والخبر موضحا اختلاف القراء في ذلك، فذكر مثلا في قوله تعالى: أَأَنْذَرْتَهُمْ* (البقرة ٦، يس ١٠)، وما كان مثله نحو أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ (المائدة ١١٦)، وأَ أَقْرَرْتُمْ (آل عمران ٨١)، وأَ أَشْفَقْتُمْ (المجادلة ١٣) إذا اجتمعتا مفتوحتين في كلمة فإنّ نافعا وأبا عمرو ورويسا عن يعقوب بهمزة واحدة ممدودة، وأنّ ابن كثير بهمزة واحدة قصيرة في جميع ذلك، وهشاما عن ابن عامر بهمزتين بينهما مدة إلا في سبع كلمات منهن، قوله تعالى: آمَنْتُمْ بِهِ في سورة الأعراف (١٢٣)، وآمَنْتُمْ لَهُ في سورة طه (٧١) والشعراء (٤٩)، وءَ أَعْجَمِيٌّ في سورة فصلت (٤٤)، وأَ آلِهَتُنا في سورة الزخرف (٥٨)، وأَنْ كانَ ذا مالٍ في سورة القلم (١٤) فإنهن بهمزة واحدة ممدودة. وقوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ في سورة الأحقاف (٢٠) فإنه بهمزتين مقصورتين.
الباقون: بهمزتين مقصورتين في جميع ذلك حيث كان.
وذكر اختلافهم في الاستفهام في نحو قوله تعالى: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ في سورة الأعراف (٨١)، وأَ إِذا ما مِتُّ في سورة مريم (٦٦)، وإِنَّا لَمُغْرَمُونَ في سورة الواقعة (٦٦).
ثم أتى إلى باب الاستفهامين الذي ختم به البحث فيما يتعلّق بموضوع الهمز فلخّص فيه مذاهب القراء الثّمانية واختلافهم في هذا الباب في كل سور القرآن، كقوله بأنّ نافعا يستفهم بالأول ويأتي بالثاني على الخبر حيث اجتمع الاستفهامان إلا في سورة النمل والعنكبوت، فإنّه كان يستفهم فيهما بالثاني ويأتي بالأول على الخبر، وهكذا يستعرض باقي القراء بالأسلوب نفسه.
وبعد أن انتهى من بحث موضوع الهمز شرح بحث الإمالة، وهو مقسّم على أبواب عدّة ذكرها على النحو الآتي:
الباب الأول في الإمالة والتّفخيم في الألف التي بعدها راء مكسورة في الأسماء نحو قوله تعالى: عَلى أَبْصارِهِمْ (البقرة ٧، ٢٠ وغيرها)، عَلى آثارِهِمْ* (المائدة ٤٦ وغيرها)، مِنْ أَنْصارٍ* (البقرة ٢٧٠ وغيرها)، عُقْبَى الدَّارِ* (الرعد ٢٢، ٢٤، ٤٢) فيذكر أن أبا عمرو والدّوري عن الكسائي: بكسر جميع الباب، وقالون عن نافع؛ كل ذلك بين الفتح والكسر وهو إلى الفتح أقرب، وورشا بفتح جميع ذلك من غير إفراط.
والباب الثاني في إمالة الألف التي قبلها راء في الأسماء والأفعال وذلك نحو قوله تعالى: الذِّكْرى * (الأنعام ٦٨ وغيرها)، وبُشْرى * (البقرة ٩٧ وغيرها) وافْتَرى * (آل عمران ٩٤ وغيرها)، وتَراهُمْ* (الأعراف ١٩٨ وغيرها)، وأُخْراكُمْ (آل عمران ١٥٣).
стр. 42
والباب الثالث في إمالة الألف المنقلبة من الياء في الأسماء والأفعال والمشبهة بالمنقلبة من الياء في الأسماء مثل قوله تعالى: الْهَوى * (النساء ١٣٥ وغيرها)، والزِّنى (الإسراء ٣٢)، ويَحْيى * (آل عمران ٣٩ وغيرها) وشَتَّى* (طه ٥٣ وغيرها)، والْحَوايا (الأنعام ١٤٦)، وضِيزى (النجم ٢٢)، و (سيماهم) (البقرة ٢٧٣ وغيرها)، ويَتَمَطَّى (القيامة ٣٣)، واصْطَفى * (البقرة ١٣٢ وغيرها). وتعرض في هذا الباب إلى أواخر الآي واختلاف القراء في ذلك، وهي في إحدى عشرة سورة: طه والنجم وسأل والقيامة والنازعات وعبس والأعلى والشمس والليل والضحى واقرأ.
والباب الرابع في إمالة أحرف بأعيانها نحو قوله تعالى: (أحياكم) (البقرة ٢٨، الحج ٦٦)، وأَوْصانِي (مريم ٣١)، وحَقَّ تُقاتِهِ (آل عمران ١٠٢)، وأَنْسانِيهُ (الكهف ٦٣)، ومَرْضاتِي (الممتحنة ١)، ومَحْيايَ (الأنعام ١٦٢)، وطُغْيانِهِمْ* (البقرة ١٥ وغيرها)، وجَبَّارِينَ* (المائدة ٢٢، الشعراء ١٣٠)، وكَمِشْكاةٍ (النور ٣٥).
والباب الخامس في إمالة حروف الهجاء التي في أوائل السور نحو قوله تعالى:
كهيعص في سورة مريم (١) وطه في سورة طه (١) ويس في سورة ياسين (١)، وتعرض لاختلاف القراء في ذلك.
والباب الأخير من أبواب الإمالة عقده لما قبل هاء التأنيث في حال الوقف نحو قوله تعالى: فاقِرَةٌ (القيامة ٢٥)، وخاسِرَةٌ (النازعات ١٢)، وخَلِيفَةً* (البقرة ٣٠، ص ٢٦)، وحَبَّةٍ* (البقرة ٢٦١ وغيرها)، و (طامة) (النازعات ٣٤). وذكر في هذا الباب الحروف الموانع للامالة وهي تسعة: الحاء والخاء والعين والغين والصاد والضاد والطاء والظاء والقاف نحو قوله تعالى: الشُّقَّةُ (التوبة ٤٢)، والنَّطِيحَةُ (المائدة ٣)، وخَصاصَةٌ (الحشر ٩).
وحين انتهى المؤلف من بحث الإمالة والتفخيم جاء إلى باب ذكر اختلافهم في حال الوقف، وتعرّض فيه إلى الإشمام في الإعراب في حال الوقف كما في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة ٥)، وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ (آل عمران ١٤٤)، وَمِنَ الْأَحْزابِ (الرعد ٣٦)، وذكر اختلافهم فيما إذا كان في الكلمة همزة متطرّفة مفتوحة قبلها ألف نحو قوله تعالى: وَيُمْسِكُ السَّماءَ (الحج ٦٥)، ونَسُوقُ الْماءَ (السجدة ٢٧)، وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ (النساء ٥).
وتعرض للوقف في حال تخفيف الهمز في نحو قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ (التكوير ٨)، وهُزُواً* (البقرة ٦٧ وغيرها)، وكُفُواً (الإخلاص ٤)، ودِفْءٌ (النحل ٥)، ومَوْئِلًا (الكهف ٥٨)، وخَطِيئَةً (النساء ١١٢).
стр. 43
وتعرّض لأنواع الوقف فذكر الوقف الحسن عند أبي عمرو، والوقف غير التّام عند عاصم، ووقف الضّرورة عند حمزة، والوقف التام عند الباقين.
ثم شرح ما يتعلّق برسم المصحف في حال الوقف من حيث حذف الياء وإثباتها، وذكر مذهب يعقوب في ذلك، فذكر أنّ يعقوب يصل ويقف على كل ياء محذوفة من وسط الآي وهي في ست وثمانين موضعا، فمثل ما هو في وسط الآي قوله تعالى: دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ (البقرة ١٨٦)، وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (البقرة ١٩٧). ومثل ما في أوائل الآي نحو قوله تعالى: فَارْهَبُونِ* (البقرة ٤٠، النحل ٥١)، وَلا تَكْفُرُونِ (البقرة ١٥٢). كما أنه يقف على كل ياء محذوفة عند ساكن بياء نحو قوله تعالى: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ (النساء ١٤٦)، وبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ* (طه ١٢، النازعات ١٦) والْجَوارِ الْكُنَّسِ (التكوير ١٦)، وفَما تُغْنِ النُّذُرُ (القمر ٥). وأنّه يقف بهاء على مثل قوله تعالى: «وهوه»، «وهيه»، «لهيه». وأنّ روحا يقف على مثل قوله تعالى: (عليّ)، (إليّ)، (لدي)، (بم)، (فيم) بهاء حيث كن.
وعقد بابا في ذكر تجريد الرّواية وتجريد التّلاوة عنهم. وعرض في هذا الباب إلى مذاهب القراء في التّجويد، فأبو عمرو وابن كثير ويعقوب مثلا كانوا يؤثرون التّخفيف والتّسهيل، وكذلك نافع إلّا ورشا، فإنّه قرأ بالتّجويد والتّمطيط، وإشباع الحركات، ومراعاة المشدد، وتخفيف المخفف، واستيفاء حروف المد، وتصحيح الهمزات، وتعديل المدّات، وإشباع الضّم قبل الواو، وترتيل الحروف، والتّوقف على الحروف وإخراجها من مخارجها بلا تكلّف، وإعطاء كلّ حرف حقّه من البيان
والإخفاء والإدغام والتّشديد والتّخفيف والحركة والسّكون. ثم عرض بعد ذلك لمذهب عاصم ثم ابن عامر، ثم أشار إلى أنّه قد شرح ذلك شرحا وافيا في كتابيه «الإيضاح» و «الاتّضاح».
وتحدّث في آخر الكتاب عن التّكبير عند ابن كثير بكلام يسير أشار فيه إلى أنّ ابن كثير إذا ختم «والضّحى» كبّر إلى آخر القرآن موصولا بالتّسمية.
وجعل هذا الباب عند آخر كلامه لفرش الحروف في سورة الفلق. وأشار ابن الجزري «١». إلى أنّ بعض المؤلفين من لم يذكر هذا الباب أصلا كابن مجاهد في «سبعته» وابن مهران في «غايته»، وكثير منهم يذكره مع باب البسملة متقدّما كالهذليّ وابن مؤمن، والأكثرون أخّروه لتعلّقه بالسّور الأخيرة، ومنهم من يذكره في موضعه عند سورة والضّحى وأ لم نشرح كأبي العز القلانسيّ والحافظ أبي العلاء الهمذانيّ وابن شريح، ومنهم من أخّره إلى بعد إتمام الخلاف وجعله آخر كتابه، وهم الجمهور من المشارقة والمغاربة وهو الأنسب لتعلّقه بالختم والدّعاء وغير ذلك.
стр. 44
فرش الحروف:
وبعد أن أنهى المؤلف مباحثه في الأصول شرع في القسم الأكبر من كتابه وهو ما يتعلّق بفرش الحروف، ويمتاز هذا البحث بما يأتي:
١ - يسير في ترتيب السّور حسب الترتيب المتّبع في المصحف إلا أنّه قد يخالف في تسمية بعض السّور كتسميته لسورة الإسراء بسورة بني إسرائيل والتكوير بكوّرت والنّبأ بالتّساؤل وغير ذلك.
٢ - قد يخالف ترتيب تسلسل بعض الآيات في بعض سور القرآن كتقديمه لقوله تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ في سورة البقرة (٢٧٣) على قوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا (٢٦٧). وقدم قوله تعالى: حَتَّى يَمِيزَ في سورة آل عمران (١٧٩) على قوله تعالى:
وَلا يَحْزُنْكَ (١٧٦)، وقدم الآية (٩٢) من سورة الأنعام وهي قوله تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى على قوله تعالى: تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ (٩١).
٣ - يتطرّق أحيانا عند كلامه على فرش بعض الحروف إلى أمور تتصل بمواد الأصول كالإدغام والإمالة والهمز والوقف وما إلى ذلك، مع أنّه قد يكون ذكر ذلك في بابه في القسم الأول من الكتاب، كالذي نراه في قوله تعالى: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ في سورة النساء (٩٠) حيث نصّ المؤلف على أنّ يعقوب وحده قرأ هذه الآية «حصرة صدورهم» بالنصب والتنوين والباقون قرءوا ذلك بإسكان التّاء. ثم تطرّق إلى موضوع الإدغام والإظهار فذكر أنّ نافعا وابن كثير وعاصما قد أظهروا التاء، في حين أدغمها الباقون. وفي سورة هود عند قوله تعالى: وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ (٦٦) ذكر فيها أنّ نافعا والكسائي قرآ ذلك بفتح الميم. ثم تطرّق إلى الإدغام والإظهار فذكر أنّ شجاعا عن أبي عمرو بالإدغام، واليزيدي عنه إذا آثر ذلك، والباقون بالإظهار.
٤ - كما أنّه يذكر أحيانا حروفا تدخل ضمن أبواب الأصول الصّرفة، مع أنّه قد يكون ذكر ذلك فيما تقدّم من تلك الأبواب. فمن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: فِيهِ الْقُرْآنُ (١٨٥) فيوضّح فيه اختلاف القراء في همزه وعدم همزه، فذكر أنّ ابن كثير وحده بغير همز وما كان منه حيث كان اسما، وتابعه حمزة إذا وقف، والباقون بالهمز فيهما في الحالين حيث كان.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران: التَّوْراةَ (٣) حيث ذكر مذاهب القراء في إمالة هذا الحرف، فذكر أنّ ابن كثير وعاصما ويعقوب وهشاما عن ابن عامر- بالفتح، وقالون عن نافع بين الفتح والكسر وهو إلى الفتح أقرب، والباقون بالكسر.
وفي سورة هود يذكر اختلاف القراء في إدغام قوله تعالى: ارْكَبْ مَعَنا (٤٢) فيشير إلى
стр. 45
أنّ نافعا وابن عامر، والبزّي عن ابن كثير، وخلفا عن حمزة، وروحا عن يعقوب بالإظهار، والباقون بالإدغام.
٥ - يشير في أحيان كثيرة عند كلامه على فرش بعض الحروف إلى ورود تلك الحروف في سور أخرى، ثم نراه قد يذكرها ثانية عند سورها التي قد أشار إليها سلفا. من ذلك قوله تعالى: أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ عند سورة البقرة (٣٣) حيث ذكر عن ابن عامر بكسر الهاء من غير همز، ثم أشار إلى نظير ذلك في سورتي الحجر والقمر. وفي سورة البقرة (٥١) عند قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا بعد أن ذكر قراءة أبي عمرو ويعقوب هذا الحرف بغير ألف أشار إلى نظيرية في سورتي الأعراف وطه. ومنها أيضا قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ (البقرة ١١٧)، فذكر أنّ ابن عامر وحده بنصب النّون وأشار إلى المواضع الأخرى من سور القرآن فذكر نظير ذلك في سورة آل عمران فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ (٤٧، ٤٨) فقط، والنحل ومريم ويس والمؤمن. وفي سورة النساء عند قوله تعالى: يُدْخِلْهُ* (١٣، ١٤) يذكر قراءة نافع وابن عامر هذا الحرف بالنون في الموضعين ويشير بعد ذلك إلى نظير هذا الحرف في سورة الفتح والتّغابن والطّلاق.
٦ - ينبّه عند كلامه على بعض الحروف إلى إجماع القراء على قراءة ما عند آخر الحرف غالبا كالذي نراه في قوله تعالى: قِيلَ في سورة البقرة (١١)، فإنّه يشير بعد أن يتعرّض لمذاهب القراء واختلافهم في هذا الحرف من حيث ضم القاف وإشمام الضم والكسر يشير أخيرا إلى إجماع القراء على كسر قاف قوله تعالى: أَصْدَقُ .. قِيلًا في النساء (١٢٢)، وأَقْوَمُ قِيلًا (المزمل ٦)، وقِيلًا سَلاماً (الواقعة ٢٦)، وقِيلِهِ يا رَبِّ (الزخرف ٨٨) أربعة أحرف لا غير. وفي سورة البقرة أيضا عند قوله تعالى: إِثْمٌ كَبِيرٌ (٢١٩)
فبعد أن ذكر قراءة هذا الحرف بالثّاء والباء أشار إلى أنّهم أجمعوا على الياء في قوله تعالى:
وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ (٢١٩). وفي سورة التوبة (٩٩) ذكر اختلاف القراء في رفع وإسكان الرّاء من قوله تعالى قُرْبَةٌ (٩٩) ثم إجماعهم على رفع راء قوله تعالى: قُرُباتٍ (٩٩).
٧ - وفي أحيان أخرى ينبّه المؤلف على مخالفة بعض القراء أصولهم لبعض الحروف نحو قوله تعالى في سورة البقرة (٩٠): أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ وبابه فقد ذكر اختلاف القراء في تخفيف وتشديد ما كان من الإنزال ثم أعقب ذلك بمخالفتهم لأصولهم في خمس كلمات: في سورة الأنعام الآية (٣٧)، وفي سورة النّحل (١٠١)، وفي سورة الإسراء (٨٢، ٩٣)، وفي سورة لقمان (٣٤) وفي الشّورى (٢٨). وفي سورة الرعد (٥) عند قوله تعالى: (أئذا)، (أئنا) ذكر اختلاف القراء في هذين الحرفين من حيث الاستفهام والخبر ثم ذكر اختلافهم في سورة النّمل والعنكبوت والواقعة والنّازعات.
٨ - لم يجعل لبعض موادّ الأصول أبوابا وإنّما ذكر ذلك من خلال بحثه لفرش
стр. 46
الحروف، فمن ذلك ياءات الإضافة والياءات المحذوفات لم يجعل لها أبوابا كما ذكر في المقدمة، وإنّما ذكرها عند آخر كلّ سورة، ونحو باب هاء الكناية فإنّه لم يذكر لها بابا وإنّما نجد ذلك في ثنايا البحث عند كلامه على فرش الحروف. كما أنّه لم يجعل لترقيق الراءات وتفخيمها بابا، ولم يجعل لتغليظ اللام بابا، وإنّما ذكر بابا في ترقيق وتفخيم اللام عند لفظ الجلالة خاصّة.
٩ - جعل المؤلف سورة فاتحة الكتاب ضمن بحثه لفرش الحروف، أي أنّه جعلها في بداية بحثه لسور القرآن، فكان موضعها قبل سورة البقرة، في حين نجد أنّ كتب القراءات الأخرى تضعها بعد ذكر باب الاستعاذة والبسملة.
١٠ - لم يفرّق المؤلف بين علامات الإعراب التي هي الرّفع والنّصب والجر والجزم، وبين حركات البناء التي هي الضم والفتح والكسر والوقف، وهذا ما كان يسير عليه الكوفيون، ومنهم الفرّاء في كتابه (معاني القرآن) حيث اتبع الطريقة نفسها «١».
ثانيا- رواة الوجيز وأهميته:
عني تلامذة الأهوازي برواية «الوجيز»، فأصبح من الكتب المتداولة بين المعنيين بقراءة القراءات وإقرائها المدة الطويلة وحتى عصر ابن الجزري في الأقل.
وعلى الرّغم من أنّ الكثير من تلامذته قد قرءوا الكتاب على مؤلّفه أو سمعوه منه إلّا أنّ رواية الكتاب انتشرت عن طريق ثلاثة من تلامذته النّجب وهم: أبو الحسن علي بن أحمد بن عليّ المصّيني الأبهري الضّرير المقرئ راوي نسختنا من الكتاب، وأبو الوحش سبيع بن المسلّم بن عليّ بن هارون الدّمشقي المقرئ المعروف بابن قيراط الدّمشقي المتوفى سنة ٥٠٨ هـ-، وأبو عليّ الحسن بن القاسم بن عليّ الواسطيّ المقرئ المعروف بغلام الهرّاس شيخ قراء العراق المتوفى سنة ٤٦٨ هـ-.
١ - رواية المصّيني «٢»:
وقد روى الكتاب عن المصّيني مقرئ الدّيار المصرية الشّريف الخطيب أبو الفتوح ناصر بن الحسن بن إسماعيل الزيدي «٤٨٢ - ٥٦٣ هـ-»، قال الذّهبيّ: «قرأ بالرّوايات على أبي الحسن عليّ بن أحمد الأبهري .. انتهت إليه رئاسة الإقراء بالدّيار المصرية وكان من جلّة العلماء في زمانه، قرأ عليه بالرّوايات أبو الجود غياث بن
стр. 47
فارس» «١».
ورواه عن الشّريف الخطيب شيخ القراء بديار مصر الأستاذ أبو الجود غياث بن فارس بن مكي اللّخمي المنذري المصري «٥١٨ - ٦٠٥ هـ-» الذي قرأ القراءات على الشّريف الخطيب وغيره وتفرّد عنه مدة طويلة، فصار أكثر المتصدّرين للإقراء بمصر في منتصف القرن السّابع الهجري هم من أصحابه وأصحاب أصحابه «٢».
ورواه عن أبي الجود شيخ القراء بالدّيار المصرية في وقته الإمام المقرئ الكبير المسند كمال الدّين أبو الحسن عليّ بن شجاع بن سالم الهاشميّ العبّاسيّ الضّرير «٥٧٢ - ٦٦١ هـ-» «٣».
وبهذا السّند المذكور وصلت إلينا نسخة «الوجيز» الخطّية الفريدة التي اعتمدناها في التّحقيق «٤».
وبهذا السّند قرأ العلّامة شمس الدّين ابن الجزري «٥» القرآن الكريم كله بقراءات «الوجيز» على شيوخه الثّلاثة: أبي عبد الله محمد بن عبد الرّحمن بن عليّ الحنفي المعروف بابن الصّائغ «٧٠٤ - ٧٧٦ هـ-» «٦»، وأبي محمد عبد الرّحمن بن أحمد بن عليّ بن المبارك ابن البغدادي «٧٠٢ - ٧٨١ هـ-» «٧»، وأبي بكر بن ايدغدي بن عبد الله الشمسي ابن الجندي «٦٩٩ - ٧٦٩ هـ-» «٨»، بحقّ قراءتهم على مسند عصره وشيخ زمانه تقي الدّين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الخالق الصّائغ المصري الشافعي «٦٣٦ - ٧٢٥ هـ-» الذي رواه قراءة وسماعا عن الكمال الضّرير.
٢ - رواية ابن قيراط:
стр. 48
رواه عن أبي الوحش سبيع بن قيراط عالمان دمشقيان معروفان هما:
أ- أبو القاسم عليّ بن الحسن بن الحسن ابن الماسح الكلابيّ الدّمشقيّ الشافعيّ المعروف بجمال الأئمة معيد المدرسة الأمينية والمدرّس بالمجاهدية «٤٨٨ - ٥٦٢ هـ-» قال الذّهبيّ: «وقرأ بالرّوايات على جماعة منهم: أبو الوحش سبيع صاحب الأهوازيّ ...
وحدّث بكتاب الوجيز للأهوازي عن أبي الوحش» «١».
ب- الفقيه أبو البركات الخضر بن شبل بن الحسين الحارثيّ المعروف بابن عبد خطيب دمشق ومدرّس العمادية والغزالية، والمجاهدية «٤٨٦ - ٥٦٢ هـ-» «٢». قال ابن الجزري في ترجمته: «روى الوجيز للأهوازي عن سبيع بن قيراط سماعا عنه» «٣».
وقد رواه عن ابن الماسح وأبي البركات الحارثي الشّيخ تقي الدّين أبو عبد الله محمد ابن الحسن بن عيسى اللرستاني العدل المتوفى بالقاهرة سنة ٦١٢ هـ-، قال المنذريّ: «سمعت منه وسألته عن مولده فذكر ما يدلّ تقديرا أنّه في سنة ثمان عشرة أو تسع عشرة وخمس مائة، وسمع معنا مع كبر سنّه على بعض شيوخنا. وكان شيخا صالحا على سمت أهل الخير» «٤»، وقال ابن الجزري في ترجمته: «حدّث بالوجيز للأهوازي عن عليّ بن الحسن الكلابي والخضر بن شبل الحارثي» «٥».
ورواه عن اللرستاني ثلاثة من كبار علماء مصر في القرن السابع الهجري هم «٦»:
أ- حافظ مصر زكي الدّين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري صاحب «التكملة» و «الترغيب والترهيب» وغيرهما «٥٨١ - ٦٥٦ هـ-» «٧».
ب- شيخ القراء بالدّيار المصرية الإمام كمال الدّين أبو الحسن علي بن شجاع ابن سالم الضّرير الهاشميّ العباسيّ «٥٧٢ - ٦٦١ هـ-» قال ابن الجزري: وسمع الوجيز للأهوازي من محمد بن الحسن بن عيسى اللرستاني» «٨»، وذكر أنّ سماعه كان في سنة ٦٠٥ هـ- «٩».
стр. 49
ج- الشّيخ معين الدين أبو الفتح عبد الهادي بن عبد الكريم بن عليّ القيسي المصري المقرئ الشّافعي» ٥٧٧ - ٦٧١ هـ-» «١».
وبهذا الطّريق أيضا قرأ العلّامة شمس الدين ابن الجزري القرآن الكريم كلّه بقراءات «الوجيز» على شيوخه الثّلاثة: ابن الصّائغ وابن البغدادي وابن الجندي بحق قراءتهم على أبي عبد الله الصّائغ الذي رواه قراءة وسماعا عن الكمال الضّرير، كما هي الحال بالنسبة لرواية المصيني المقدّم ذكرها «٢».
وروى العلامة شمس الدّين ابن الجزري «الوجيز» من هذا الطّريق بسند دمشقي في غاية العلو، فقرأه بدمشق على شيخه شيخ القراء أبي العباس أحمد ابن إبراهيم بن داود
ابن المنجي المعروف بابن الطّحان «٧٠٢ - ٧٨٢ هـ-» «٣»، عن أبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن هبة الله ابن الشّيرازي الدّمشقي «٦٢٩ - ٧٢٣ هـ-» «٤»، عن جدّه أبي نصر محمد بن هبة الله بن محمد الشّيرازي «٥»، عن الخضر بن شبل الحارثي، عن أبي الوحش سبيع، وقال ابن الجزري: «هذا سند صحيح في غاية العلو تسلسل لنا إلى المؤلف بالدّمشقيين وبدمشق إلى المؤلف» «٦».
٣ - رواية غلام الهرّاس «٧»:
رواه عنه مقرئ العراق صاحب التّصانيف أبو العز محمد بن الحسين بن بندار القلانسيّ الواسطيّ «٤٣٥ - ٥٢١ هـ-» «٨».
ورواه عن أبي العز أبو النّجم هلال بن أبي الهيجاء بن أبي الفضل المسيبي المعروف بابن الزريقا الخطيب بنهر الملك «٩»، ولكنّ روايته عنه لم تنتشر.
كما رواه عن أبي العز القلانسي الإمام المحقّق صاحب التّصانيف المشهورة أبو محمد عبد الله بن عليّ بن أحمد البغدادي المقرئ النّحوي المعروف بسبط أبي منصور
стр. 50
الخيّاط «٤٦٤ - ٥٤١ هـ-» «١».
ورواه عن سبط الخيّاط العلامة تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي البغدادي المقرئ النّحوي الذي صار شيخ القراء والنّحاة بدمشق «٥٢٠ - ٦١٣ هـ-» «٢».
قال الذّهبيّ: «قرأ القرآن تلقينا على أبي محمد سبط الخياط وله نحو من سبع سنين وهذا نادر، وأندر منه أنّه قرأ بالرّوايات العشر وهو ابن عشر حجج، وما علمت هذا وقع لأحد أصلا، وأعجب من ذلك أنّه عمّر الدّهر الطّويل، وانفرد في الدّنيا بعلو الإسناد في القراءات وعاش بعد ما قرأها بعدّة كتب ثلاثا وثمانين سنة، وهذا لا نظير له في الإسلام» «٣»، وأشار ابن الجزري إلى أنّ الكندي قرأ «الوجيز» على سبط الخيّاط، عن أبي العز، عن غلام الهرّاس «٤».
وقد بقي «الوجيز» يتداول بين الطّلبة لدراسته وبين العلماء للإفادة منه والنّقل عنه، فنقل عنه غير واحد كالذّهبيّ وابن الجزري، وأصبحت مقدمته التي ذكر فيها طرقه مصدرا من مصادر مؤلّفي طبقات القراء «٥»، ونظرا لأهميته ذكره ابن الجزري في مقدمة كتابه «النّشر» وأشار إلى الطّرق التي رواه بها إلى مؤلّفه «٦». وإنّ انتشار رواية الكتاب بين العلماء ممّا ذكرنا قبل قليل لتدلّ دلالة أكيدة على المنزلة الرفيعة التي احتلّها هذا الكتاب بين كتب القراءات.
ثالثا- وصف النّسخة الخطّية:
اعتمدت في تحقيق الكتاب على نسخة مصوّرة عن النّسخة المحفوظة في مكتبة جستربتي بدبلن وهي نسخة فريدة برواية أبي الحسن عليّ بن أحمد الأبهري المصيني عن
стр. 51
المؤلف، إذ لم أوفّق في العثور على نسخة أخرى مع طول بحثي وتنقيري في فهارس المخطوطات.
تتكوّن النّسخة من مائة وعشر ورقات، في كلّ ورقة صفحتان، مسطرة الصّفحة ثلاثة وعشرون سطرا، ويحتوي السطر على ١١ - ١٢ كلمة. وخطّ النّسخة اعتيادي لا ينتمي إلى قاعدة من قواعد الخطّ المنسوبة، وهو خطّ جيد بالجملة. وقد كتبت عناوين السّور، وكلمة «قوله» التي تسبق الآيات القرآنية بخط غليظ فتميّزت عن باقي الكتاب.
وقد فرغ النّاسخ من كتابة النّسخة لأربع خلون من ذي الحجة سنة ٦٥٧ هـ- كما نصّ على ذلك في آخرها، ولكنّه لم يذكر اسمه.
وجاء في طرّة النّسخة عنوان الكتاب وهو: «الكتاب الوجيز في شرح قراءات القراء الثّمانية أئمة الأمصار الخمسة، وهم السّبعة المشهورون ويعقوب، رضوان الله عليهم.
تأليف الإمام الأوحد أبي عليّ الحسن بن عليّ بن إبراهيم بن يزداد الأهوازي المقرئ- نضّر الله وجهه-».
وقد قوبلت النّسخة على الأصل المنتسخ منه، فظهرت آثار المقابلة على حواشيها، وقرئت على شيخ القراء بالبلاد المصرية الإمام العلامة كمال الدّين عليّ بن شجاع بن سالم الهاشمي العباسي الضّرير «٥٧٢ - ٦٦١ هـ-» في جمادى الآخرة سنة ٦٥٨ هـ- كما يظهر من طبقة السّماع في آخر الكتاب ونصّها:
«يقول الشّيخ الفقيه الإمام العلامة كمال الدّين شيخ الفقهاء والقراء المتصدّرين أبو الحسن عليّ بن شجاع بن سالم القرشيّ العباسيّ المتصدّر بمصر والقاهرة «١» المحروسة نفع الله به: قرأ عليّ جميع هذا الكتاب، وهو كتاب «الوجيز» في القراءات الثّمان «تصنيف الإمام أبي عليّ الأهوازي ﵀ صاحب هذه النّسخة الفقيه الأجلّ المقرئ الأعز زين الدّين حسن بن أبي الحسن بن صالح بن نباتة، وأخبرته به: عن الإمام أبي الجود ﵀ عن الشّريف الخطيب، عن الأبهري، عن المصنّف. وعن الشّيخ الصّالح تقي الدّين اللرستاني بسماعه عن أبي القاسم عليّ بن الحسن الكلابي وأبي البركات الخضر بن شبل الحارثي، كلاهما عن أبي الوحش سبيع بن المسلّم عن مصنّفه وسمع بسماعه آخرون مثبتون في أول هذا الجزء. وصحّ ذلك في عدة مجالس بقراءة زين الدّين. وأجزت للجميع رواية ذلك عني بالسّند المذكور وبما يصحّ لهم من أسانيدي فيه وفي غيره وبذلك أذن الشّيخ كمال الدّين المذكور في الكتابة عنه لضرته، وكتب العبد الفقير إلى عفو ربه عبد القوي بن عطايا بن عبد القوي بن عطايا القرشي وهو ممّن سمع جميع الكتاب المذكور. وكتب في العشر
стр. 52
الأوسط «١» من جمادى الآخرة الذي من سنة ثمان وخمسين وست مائة أحسن الله إليه بمنّه وكرمه. الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه، وحسبنا الله ونعم الوكيل» «٢».
وقد اتلفت الرطوبة طبقة السّماع التي في طرّة النّسخة فأصبحت قراءتها متعذّرة.
وفي حاشية الورقة (٢٨) سماع بخط عيسى بن عمر بن خالد بن عبد المحسن الخشّاب الشافعي «٣» بسماعه الكتاب على الكمال الضّرير سنة ٦٥٨ هـ-.
رابعا- نهج العمل في التّحقيق:
١ - لقد نظمت النّصّ على نسق واحد من أوله إلى آخره بما يفيد فهم النّصّ فهما جيدا ويظهر معانيه ودلالاته واضحة، فجعلت قراءة كلّ قارئ في فقرة مستقلة ثم تليها القراءة التي بعدها وهلمّ جرا.
٢ - اعتمدت في ضبط الآيات القرآنية على المصحف الشّريف، ولم أكتف بما يكتبه النّاسخ بل قمت بالتثبّت من ذلك بالرجوع إلى المصحف الكريم عند ورود كل آية أو جزء من آية.
٣ - في فرش الحروف اعتمدت قراءة حفص عن عاصم في أول ذكرها، ولم أتقيد بطريقة المؤلف حيث إنه لم يلتزم بذكر قراءة حفص في كلّ المواضع، كما أنني وضعت قراءة حفص بين قوسين مزهرين، والقراءات الأخرى بين قوسين مزدوجين.
٤ - التزمت ترقيم حروف القرآن جميعها اعتمادا على المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وسرت على ذلك في كلّ الكتاب عند بحثي لمواد الأصول ولمواد فرش الحروف، على أنّني لم أذكر ترقيم بعض الحروف التي يكثر سورها في المصحف كونها حروفا عامة كأن تكون حروف جر أو حروف نصب أو حروف عطف وغير ذلك.
٥ - جعلت ترقيم الآيات ضمن مادة المتن الأصلية ولم أضعها في الهامش، كما ذكرت أرقام الآيات عند ورود كلّ سورة بجانبها، ولم أذكر ذلك في الهامش إلا في حالة إشارة المؤلّف إلى ورود حرف ما بمواضع عديدة فعند ذلك فقط أشير إلى أرقام تلك الآيات في الهامش.
٦ - إذا وردت الآية في موضع أو موضعين نصصت على السّور التي وردت فيها تلك الآية، أما إذا وردت في مواضع متعدّدة فرأيت أن أشير إلى موضع واحد ثم أتبعه بقولي:
وغيرها.
стр. 53
٧ - أما إذا تكررت الآية القرآنية في عدّة مواضع فإنّني أنبّه إلى ذلك بالإشارة إلى تلك السّور التي ورد فيها الحرف القرآني، وأحيل القارئ إلى تخريجات تلك الآية في
موضعها من السّورة مشيرا إلى رقمها، فالحرف الذي يذكر في سورة البقرة مثلا ثم يتكرّر في غيره من السّور فإنّني أنبه عليه ولا أعيد القول فيه.
٨ - التزمت بترتيب المؤلف لتسلسل الآيات ولم أغير من ذلك شيئا فهو قد يقدّم بعض الآيات التي تستحقّ التّأخير، ويؤخّر بعض ما يستحقّ التّقديم، وهو ما نجده واضحا عند بحثه للأصول في القسم الأول من الكتاب خاصّة.
٩ - وقعت في نصّ المخطوطة بعض الأخطاء اللّغوية أو حصل بعض السّهو في بعض آيات نصّ التّنزيل، فأصلحت ذلك في المتن وأشرت إليه في الهامش، لإيماني أنّ ذلك لا يجوز في مثل هذا الكتاب، ولاحتمال كونها من أخطاء النّساخ.
١٠ - لما كان المؤلف يقوم عند بحثه لفرش الحروف بشرح حروف القرآن في كلّ سورة مرتّبة حسب ترتيب المصحف، ويتناول كلّ سورة من بدايتها إلى نهايتها ليشرح اختلاف القراء في حروفها، فإنّني اقتصرت على ذكر رقم الآية من دون ذكر اسم السّورة لأنّه في هذه الحالة يتناول سورة واحدة، وتكرار ذكرها ليس له معنى.
١١ - وقد التزمت بأسماء السّور حسبما أثبت المؤلف لها من أسماء مغايرة لما هو معروف مشهور في المصاحف المطبوعة المتداولة، نحو تسميته لسورة الإسراء «بني إسرائيل»، ولسورة النبأ: «التساؤل» وهلمّ جرا.
١٢ - وخرّجت القراءات القرآنية على الكتب المعنية بها، من كتب القراءات، وكتب حجج القراءات وعللها، وكتب إعراب القرآن، والتّفاسير، وكلّ ما له صلة بذلك.
١٣ - التزمت بتنظيم المصادر في الهامش الواحد حسب وفيات مؤلّفيها سواء أكان ذلك عند تخريج القراءات أم في الدّراسة، فهذا منهج محمود مطلوب لما فيه من الفوائد والعوائد.
١٤ - أما بالنسبة لأسماء الأعلام الواردة في المتن فقد عنيت بضبطها على كتب التّراجم المعنيّة، ولما كانت النّسخة فريدة فقد اضطررت إلى تصحيح بعض الهفوات التي وقع فيها النّاسخ اعتمادا على هذه الكتب إذا لم أجد لها وجها، وإن كان ضعيفا، فأصلحتها في المتن، وعلّلت ذلك في الهامش، على أنّني أبقيت على بعض الأوهام القليلة التي أيقنت أنّها من كلام المؤلف وعلّقت عليها في الهامش.
١٥ - وقد عنيت عناية بالغة بمقابلة أسماء الأعلام والمادة التراجمية التي احتوتها على أمهات كتب التّراجم المعنية بها، ولا سيما كتب تراجم القراء والمشتبه، فإذا وجدتها متفقة معها سكتّ ولم أعلّق دلالة على صحّة الاسم أو المادة، أما إذا وجدت خلافا فقد عنيت
стр. 54
بالتّعليق ورجّحت الصّواب بعد التعليل وأحلت على الموارد التي أدّت إلى هذا الترجيح.
وهذه الطّريقة فيما أرى هي الأولى بالاتباع لأنّ مثل هذه المقابلات تؤدي- كما يظهر في تعليقاتي على النّص- إلى ضبطه وضبط مادته من غير إثقال هوامش الكتاب بتعريفات لا مسوغ لها يستطيع كلّ أحد أن يستخرجها من الكتب بسهولة ويسر.
ميزات الكتاب وفوائده:
وأرى من المفيد أن ألخص في نهاية هذه المقدمة الوجيزة ميزات كتاب «الوجيز» وفوائده لطلاب الدراسات القرآنية عامة، ولدارسي علم القراءات خاصة، فأقول:
١ - إنه من الكتب المتقدمة زمنيا في علم القراءات، ومؤلفه أحد أبرز العلماء في هذا الفن، لذلك صار مصدرا لكثير من المؤلفين الذين جاءوا بعده.
٢ - وضوح منهج الكتاب، ومراعاة الناحية التعليمية في هذا المنهج، لذا لا نجد فيها إحالات كثيرة، بل قد يعيد المصنف ما يجده ضروريا في موضعه، وهو أمر يساعد طلبة هذا العلم ويرسخ المادة في أذهانهم.
٣ - إن الكتاب من الكتب القليلة التي تبحث في القراءات الثمان، وقراءة يعقوب التي أضافها المصنف للقراءات السبع من القراءات المعتبرة، يظهر ذلك في القائمة التي ذكرها العلامة شمس الدين الجزري في مقدمة «النشر».
٤ - ومما يعلى شأن هذا الكتاب أن مؤلفه ذكر بعضا من أوجه القراءات التي تفرد بذكرها، فما أخذه عن شيوخه.
٥ - إن الكتاب ظل حبيسا في خزائن الكتب الخطية حتى هيأ الله سبحانه الأسباب ليخرج محققا على وفق أحدث الطرائق العلمية في التحقيق والتدقيق، فضلا عن المراجعة الشاملة، والطباعة الأنيقة الفاخرة.
ولا بد لي وقد أنهيت تحقيق هذا الكتاب أن أتقدم بالشكر إلى أستاذي الدكتور حاتم الضامن الذي أشرف على تحقيق النص حين قدمته لنيل رتبة الماجستير من جامعة بغداد، وإلى السيد محمد عبد الكريم على أريحيته وكرمه حين أهداني نسخته المصورة من مخطوطة الوجيز، وإلى ابن عمتي وأستاذي محقق العصر الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف الذي فتح لي خزانة كتبه الغنية بنفائس المخطوطات المصورة، وواكب تحقيق النص فراجعه وقرأه غير مرة حتى ظهر بهذه الهيئة الأدبية البارعة النافعة، جزاهم الله عني خير الجزاء ووفقهم إنه سميع الدعاء.
الدكتور دريد حسن أحمد
стр. 55
طرة النسخة الخطية وتظهر فيها طبقة السماع
стр. 56
آخر النسخة الخطية ويظهر فيها تاريخ النسخ وطبقة سماع
стр. 57
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرّحمن الرّحيم (الحمد لله والصّلاة على رسول الله.
أخبرنا الشيخ الصالح الإمام أبو الحسن عليّ بن أحمد بن عليّ الأبهريّ البصير المقرئ المعروف بالمصيني- أدام الله توفيقه ورضي عنه وعن والديه وأرضاه- وتلوت عليه، قال: قال الشيخ الإمام الأوحد أبو عليّ الحسن بن عليّ بن إبراهيم الأهوازيّ المقرئ ﵁) «١»:
الحمد لله الذي بنعمته حمد، وبهدايته عبد، وبخذلانه جحد، وبتوفيقه سعد، فلا حجّة عليه لمن عصاه، وله المنّة على من هداه، فلا إله إلا هو كفى به وكيلا، وبكتابه سبيلا، وبرسوله محمد ﵌ دليلا، بعثه بأصل شامخ، وفرع باذخ، وشرع للشّرائع ناسخ، فقام بأمره صادعا، ولمن زاغ عن الحقّ قامعا، بالحسنات آمرا، وعن السّيئات زاجرا، صلى الله عليه وعلى آله أولا وآخرا، وباطنا، وظاهرا.
(قال الشيخ أبو عليّ الحسن بن عليّ بن إبراهيم الأهوازيّ ﵀:) «٢» أما بعد حمد الله الرّحيم، والصلاة على رسوله الكريم أبتدئ بذكر شرح ما اختلف فيه القراء الثمانية المشهورون، الأئمة الأعلام المقتدون في الأمصار الخمسة، المذكورون، دون ما اتّفقوا عليه ما لا خلاف فيه، وجعلته كتابا وسمّيته مختصرا وجيزا يشتمل على ستّ عشرة رواية عنهم حسب: عن كل واحد منهم روايتان لا غير وهم:
من أهل المدينة: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ، رواية أبي موسى قالون وأبي القاسم ورش عنه.
ومن أهل مكة: عبد الله بن كثير الدّاري، رواية أبي عمر قنبل وأبي الحسن البزّي عنه.
ومن أهل الشام: عبد الله بن عامر اليحصبي «٣»، رواية عبد الله بن ذكوان، وهشام بن عمّار، عنه.
стр. 58
ومن أهل الكوفة: عاصم بن أبي النّجود الأسديّ رواية أبي بكر بن عيّاش، وحفص ابن سليمان عنه. وحمزة بن حبيب الزّيّات، رواية خلف وخلّاد، عن سليم عنه، والضبي عن رجاله عنه. وعليّ بن حمزة الكسائيّ رواية أبي عمر الدّوري، وأبي الحارث المروزيّ عنه.
ومن أهل البصرة: أبو عمرو بن العلاء المازنيّ، رواية أبي محمد اليزيدي وشجاع ابن أبي نعيم البلخي عنه. ويعقوب بن إسحاق الحضرمي رواية أبي عبد الله رويس وأبي الحسن روح عنه.
وعرّيته من العلل وكثرة الرّوايات، ولم أذكر عنهم فيه كثيرا من أخبارهم وحكاياتهم وسيرهم، إذ قد ذكرت ذلك في المصنفات الكبار، فمن أرادها فليطلبها من تلك يجدها على نهاية الشّرح والبيان إن شاء الله.
وكلّ ما يكثر دوره من حروف القرآن المختلف فيها فلكلّ أصل منه باب في كتابي هذا يشتمل على استيفائه، ولم أعد شيئا منه في مواضعه من السّور بعد ذكره في بابه إلا أحرفا يسيرة لا بدّ من إعادتها خوف الالتباس.
وكلّ حرف مختلف فيه مذكور في ترجمته أسماء الأقل منهم ثم أقول: والباقون بعد ذلك. إلا الياءات المحذوفات والمثبتات والمفتوحات والمسكّنات لم أجعل لها بابا وذكرتها بشرح الاختلاف فيها معدودة في آخر كلّ سورة ليكون أبين في الفهم، وأسهل في الحفظ، وإن أيّد الله سبحانه منه بتوفيق ذكرت ما شرطت من ذلك حسب الطاقة ومبلغ العلم، وفوق كلّ ذي علم عليم.
[باب ذكر القراء الثمانية]
أما قراءة نافع رواية قالون عنه
- قال أبو عليّ-: فإني قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي الحسن عليّ بن الحسن بن عليّ بن عبد الحميد السّميساطي «١» بالبصرة في منزله دار ابن حبيب الصّير في أصحاب القماقم سنة ثلاث وثمانين وثلاث مائة. وأخبرني أنّه قرأ على أبي بكر محمد بن عليّ بن محمد بن عبد الرّحيم المؤدب بسميساط سنة عشرين وثلاث مائة، وأخبره أنّه قرأ على أبي عليّ الحسن بن عليّ بن عمران الشّحامي، وأخبره أنّه قرأ على أبي موسى عيسى بن مينا بن وردان قالون، وأخبره أنّه قرأ على أبي نعيم نافع بن عبد الرّحمن بن أبي نعيم القارئ المدني.
وأما رواية ورش عنه
- قال أبو عليّ-: فإني قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يعقوب بن عليّ العجليّ
стр. 59
اللالكائي بالبصرة في الجامع «١» عند باب الأحنف بن قيس «٢» سنة ثلاث وثمانين وثلاث مائة، وأخبرني أنّه قرأ على أبي بكر أحمد بن نصر بن منصور بن عبد المجيد الشّذائي، وأخبره أنّه قرأ على أبي العباس عبد الله بن أحمد بن الهيثم «٣» البلخي ثم البخاري الملقب دلبة، وأخبره أنّه قرأ على أبي موسى يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصّدفي، وأخبره أنّه قرأ على أبي سعيد، ويقال أبي القاسم، عثمان بن سعيد ورش، وأخبره أنّه قرأ على نافع.
وهو أبو نعيم وقيل: أبو رويم «٤» وقيل: أبو عبد الرّحمن وقيل: أبو الحسن نافع بن عبد الرّحمن بن أبي نعيم مولى جعونة «٥» بن شعوب الليثي حليف حمزة بن عبد المطّلب، وكان يقول: أصلي من أصبهان. قرأ على جماعة منهم: مسلم بن جندب «٦» ويزيد بن رومان، وصالح بن خوات، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع.
وقرأ أبو جعفر على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي وعلى عبد الله بن عباس بن عبد المطّلب، وقرأ على أبي بن كعب وقرأ أبي على النّبي ﷺ . وقرأ الأعرج على أبي هريرة، وقرأ أبو هريرة على أبي بن كعب، وقرأ أبي على النّبي ﷺ .
وكان نافع ﵀ محتسبا فيه دعابة، وقيل: كان عريفا على السّوق في المدينة قرأ وأقرأ وتصدّر في مسجد رسول الله ﷺ سنة مائة.
قال الليث بن سعد: حججت سنة عشر ومائة فقدمت المدينة ونافع إمام النّاس في القراءة لا ينازع.
стр. 60
وقال مالك بن أنس ﵀: قراءة نافع السّنّة.
ولم يزل يقرئ في المدينة إلى أن مات سنة تسع وخمسين ومائة في أيام المهدي.
والأشهر عند أهل النّقل أنّه مات سنة تسع وستين ومائة في أيام الهادي ابن المهدي.
واختلف أيضا في كنية ورش، فقيل: أبو القاسم، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو عمرو. ولد بمصر سنة عشر ومائة «١»، وقرأ على نافع سنة خمس وخمسين ومائة. ومات سنة سبع وتسعين ومائة في أيام المأمون، وله سبع وثمانون سنة.
وأما قالون فهو أبو موسى عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى بن عبد الصّمد بن عمرو بن عبد الله المدني، وجدّه عبد الله سبي من الروم في أيام عمر بن الخطاب ﵁ وبيع في المدينة فاشتراه بعض الأنصار فأعتقه فهو مولى الأنصاري «٢»، وكان أصمّ ولد سنة عشرين ومائة في أيام هشام بن عبد الملك، وقرأ على نافع سنة خمسين ومائة، ومات سنة خمس ومائتين «٣» في أيام المأمون. وله خمس وثمانون سنة.
وأما قراءة عبد الله بن كثير رواية قنبل عنه
- قال أبو عليّ-:
فإنّي قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي العباس أحمد بن محمد بن عبيد الله بن إسماعيل العجليّ، وأخبرني أنّه قرأ على أبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التّميمي، وأخبره أنّه قرأ على أبي عمر محمد بن عبد الرّحمن بن محمد بن خالد بن سعيد ابن جرحة المكيّ، الملقب قنبلا، وأخبره أنّه قرأ على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عون النّبّال القوّاس، وأخبره أنّه قرأ على أبي القاسم وهب بن واضح المكي الملقب أبا الإخريط، وأخبره أنّه قرأ على أبي محمد «٤» إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين مولى بني ميسرة، وقرأ إسماعيل بن عبد الله على أبي داود شبل بن عبّاد مولى عبد الله بن عامر بن كريز، وعلى أبي الوليد معروف بن مشكان، وقرأ على عبد الله بن كثير الدّاري.
وأما رواية البزيّ عنه
- قال أبو عليّ-: فإنّي قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي حفص عمر بن إبراهيم بن أحمد بن كثير الكتانيّ المعروف بابن كوجك ببغداد في مسجد نهر الدّجاج
في الكرخ، وأخبرني أنّه قرأ على أبي الحسن عليّ بن سعيد ابن الحسن بن ذؤابة القزاز، وأخبره أنه قرأ على أبي عبد الرّحمن عبد الله بن محمد بن
стр. 61
إبراهيم «١» وعلى أبي جعفر محمد بن محمد بن أحمد، وعلى أبي العباس أحمد بن محمد: اللهبيين، وأخبروه أنّهم قرءوا على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة مولى بني مخزوم مؤذن المسجد الحرام، وأخبرهم أنه قرأ على أبي القاسم عكرمة بن سليمان بن كثير بن عامر المكي، وأخبره أنه قرأ على شبل ابن عباد وعلى إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، وأخبراه أنهما قرءا على عبد الله بن كثير وهو أبو بكر، وقيل أبو عباد، وقيل أبو معبد عبد الله بن كثير الدّاري، والدّار بطن من لخم، وهو مولى عمرو بن علقمة الكناني.
قرأ على مجاهد بن جبر المخزومي، وقرأ مجاهد على عبد الله بن عباس، وقرأ ابن عباس على أبي بن كعب، وقرأ أبي على النّبيّ ﷺ .
وقيل أيضا: قرأ ابن كثير على درباس مولى عبد الله بن عباس، وقرأ على مولاه، وقرأ على أبي، وقرأ أبي على النّبيّ ﷺ .
وكان ابن كثير عطارا يخضب بالحنّاء، وكان يعظ النّاس ويقصّ عليهم، توفي بمكة سنة عشرين ومائة في أيام هشام بن عبد الملك.
ومات قنبل سنة إحدى وتسعين ومائتين، وله ست وتسعون سنة، وكان قد قطع الإقراء قبل أن يموت بعشر سنين.
ومات البزي سنة خمسين «٢» ومائتين، وله ثمانون سنة.
وأما قراءة عبد الله بن عامر، رواية عبد الله بن ذكوان عنه
- قال أبو عليّ-:
فإنّي قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن هلال السّلميّ بدمشق في منزله درب الحبّالين ... «٣» في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة. وأخبرني أنّه قرأ على أبي الحسن محمد بن النّضر بن مر بن الحر الرّبعي المعروف بابن الأخرم، وعلى أبي الفضل جعفر بن حمدان بن سليمان النّيسابوري المعروف بابن أبي داود، وعلى أبي القاسم عليّ بن الحسين بن أحمد بن محمد بن السّفر «٤» الجرشي البزاز، وأخبروه أنّهم قرءوا على أبي عبد الله هارون بن موسى بن شريك
стр. 62
الأخفش بدمشق بباب الجابية، وأخبرهم أنّه قرأ على أبي عمرو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان القرشي، وأخبره أنّه قرأ على أبي سليمان أيوب بن تميم التّميمي وأخبره أنه قرأ على أبي عمر يحيى بن الحارث الذّماري، وأخبره أنّه قرأ على عبد الله بن عامر اليحصبي، وأخبره أنّه قرأ على رجل قرأ على عثمان ابن عفان ﵁، وقرأ عثمان على النّبيّ ﷺ .
وأما رواية هشام بن عمار عنه
- قال أبو عليّ-: فإني قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن هلال السّلمي بدمشق في منزله، وأخبرني أنّه قرأ على أبي الحسن محمد بن النّضر بن مر بن الحر بن الأخرم وعلى أبي عليّ الحسين بن محمد بن عليّ بن عتاب، وعلى أبيه أبي الحسن «١»، وأخبروه أنّهم قرءوا على أبي عبد الله هارون بن موسى بن شريك الأخفش، وأخبرهم أنّه قرأ على أبي الوليد هشام بن عمار بن نصير بن أبان بن ميسرة السّلمي، وأخبره أنّه قرأ على أيوب بن تميم التّميمي، وعلى عراك بن خالد بن يزيد المري، وسويد بن عبد العزيز، وأخبروه أنّهم قرءوا على يحيى بن الحارث الذّماري، وأخبرهم أنّه قرأ على عبد الله بن عامر اليحصبي.
قال هشام: قال أيوب بن تميم: قرأ ابن عامر على رجل قرأ على عثمان بن عفان ﵁، وقرأ عثمان على النّبيّ ﷺ .
وقال عراك وسويد: قرأ عبد الله بن عامر على المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وقرأ المغيرة على عثمان بن عفان ﵁، وقرأ عثمان على النّبيّ ﷺ .
قال هشام بن عمار: وحدّثنا الوليد بن مسلم، عن يحيى بن الحارث، عن عبد الله بن عامر أنّه قرأ على عثمان بن عفان ليس بينه وبينه أحد.
قال هشام: وحديث عراك عندنا أصحّ.
واختلف في كنية عبد الله بن عامر، فقيل: أبو عمران، وقيل: أبو موسى، وقيل أبو عبد الله، وقيل: أبو عليم. وكان قاضي الجند، وقيل: ولي القضاء بدمشق بعد بلال بن أبي الدّرداء وكان على بناء مسجد دمشق وكان لا يرى فيه «٢» بدعة إلا غيّرها، وقيل: إنه كان
стр. 63
إمام الجامع. ولم يزل مقيما بها إلى أن مات سنة ثماني عشرة ومائة في أيام هشام بن عبد الملك.
ومات عبد الله بن ذكوان في شوال سنة اثنتين وأربعين ومائتين وكان مولده يوم عاشوراء سنة ثلاث وسبعين ومائة، عاش تسعا وستين سنة.
ومات هشام بن عمار سنة خمس وأربعين ومائتين، وله اثنتان وتسعون سنة «١»، وقيل: إنه توفي سنة ست وأربعين ومائتين وله تسع وثمانون سنة.
وأمّا قراءة عاصم بن أبي النّجود رواية أبي بكر بن عياش عنه
- قال أبو عليّ-: فإني قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي الفرج مخلد بن أحمد بن إبراهيم الشّنبوذي، وأخبرني أنّه قرأ على أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه، وأخبره أنّه قرأ الحروف على القاضي أبي بكر شعيب بن أيوب بن رزيق الصّريفيني عن أبي زكريا يحيى بن آدم بن سليمان القرشي على أبي بكر بن عياش، وقرأ أبو بكر بن عياش على عاصم بن أبي النّجود.
وأما رواية حفص بن سليمان عنه ،
- قال أبو عليّ-:
فإني قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن أحمد الطّبري ببغداد، وأخبرني أنّه قرأ على أبي بكر أحمد بن عبد الرّحمن بن الفضل بن الحسن بن البختري الدّقّاق المعروف بالولي، وأخبره أنّه قرأ على أبي جعفر أحمد بن محمد بن حميد الفامي الملقب فيلا، وأخبره أنّه قرأ على أبي حفص عمرو بن الصّبّاح بن صبيح سنة سبع عشرة وثماني عشرة وتسع عشرة وعشرين ومائتين، وأخبره أنّه قرأ على أبي عمرو حفص بن سليمان بن المغيرة الغاضري البزّاز، وأخبره أنّه قرأ على عاصم بن أبي النّجود الكوفي الأسدي.
وهو أبو بكر عاصم بن أبي النّجود الكوفي الأسدي الخيّاط. واسم أبي النّجود بهدلة، وقيل عبد الله، وقيل: بهدلة اسم أمّه، والله أعلم. قرأ على أبي عبد الرّحمن عبد الله بن حبيب السّلمي، وقرأ السّلمي على عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، وقرأ عليّ على النّبي ﷺ .
وقرأ عاصم أيضا على أبي مريم زر بن حبيش الأسدي، وقرأ زر على عبد الله بن مسعود، وقرأ ابن مسعود على النّبي ﷺ .
وكان عاصم ذا علم وفهم وحفظ للقرآن كثير الرّواية للحديث وكان كاتبا.
توفي في طريق الشّام سنة سبع، ويقال سنة: تسع وعشرين ومائة في أيام مروان بن محمد.
واختلف في اسم أبي بكر بن عياش، فقيل: شعبة، وقيل: رؤبة، وقيل: عنترة،
стр. 64
وقيل مطرف «١»، وقيل: عتيق، وقيل: حبيب «٢»، وقيل: اسمه كنيته وغير ذلك. مات ﵀ في جمادى سنة ثلاث وتسعين ومائة وله تسع وتسعون سنة لأن مولده كان سنة أربع وتسعين «٣»، وكان يقول أنا شطر «٤» الإسلام.
ومات حفص سنة تسعين ومائة «٥»، وله ثلاث وتسعون «٦» سنة.
وأما قراءة حمزة بن حبيب الزّيات رواية سليم عنه
- قال أبو عليّ- فإنّي قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن الحسين بن إسماعيل الجبي «٧». وأخبرني أنّه قرأ على أبي الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصّلت ابن شنبوذ، وأخبره أنّه قرأ على أبي الحسن إدريس بن عبد الكريم بن أحمد الحدّاد المعروف بابن الخزاز «٨»، وأخبره أنّه قرأ على أبي
محمد خلف بن هشام بن غالبه البزار «٩» وأخبره أنّه قرأ على أبي عيسى سليم بن عيسى بن سليم بن عامر الحنفيّ، وأخبره أنّه قرأ
стр. 65
على أبي عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة الزّيّات.
وأما رواية خلّاد عن سليم عنه
- قال أبو علي-: وقرأت أيضا بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي عبيد الله محمد بن محمد بن فيروز بن زاذان الكرجي، وأخبرني أنّه قرأ على أبي الحسن عليّ بن محمد بن عمار الأبزاري «١» المعروف بالزّريريّ «٢»، وأخبره أنّه قرأ على أبي عبد الله محمد بن يحيى الخنيسي «٣» بالكوفة، وأخبره أنّه قرأ على أبي عبد الله خلّاد بن خالد الصّيرفي، وقرأ خلّاد على سليم بن عيسى الحنفي، وقرأ سليم على حمزة.
وأما رواية الضّبي عنه
- قال أبو عليّ-: فإنّي قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي بكر محمد بن أحمد بن عليّ الباهلي بالبصرة في مسجد بني لقيط، وأخبرني أنّه قرأ على أبي بكر محمد بن أحمد بن إسماعيل الأدمي «٤» القارئ، وأخبره أنّه قرأ على أبي أيوب سليمان بن أيوب بن يحيى بن الوليد بن أبان الضّبي «٥»، وأخبره أنّه قرأ على أبي المستنير رجاء بن عيسى اللؤلؤي، ويقال: الجوهري، وأخبره أنّه قرأ على عبد الرّحمن بن قلوقا «٦»، وعلى يحيى بن عليّ الخزاز «٧»، وأخبره أنّهما قرآ على حمزة.
وقرأ أبو المستنير أيضا على أبي بكر محمد بن حرب الحذاء المعروف بترك، وعلى إبراهيم بن زربي، وقرآ على سليم، وقرأ سليم على حمزة، وقرأ حمزة على جماعة، منهم: سليمان بن مهران الأعمش، وقرأ الأعمش على جماعة، منهم يحيى بن وثّاب الأسدي، وقرأ يحيى بن وثّاب على جماعة منهم:
أبو عبد الرّحمن السّلمي، وقرأ السّلمي على عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، وقرأ عليّ على النّبيّ ﷺ .
стр. 66
وقرأ حمزة أيضا على حمران بن أعين، وقرأ حمران على عبيد بن نضيلة، وقرأ عبيد على علقمة بن قيس، وقرأ علقمة على عبد الله بن مسعود، وقرأ ابن مسعود على النّبيّ ﷺ .
وكان حمزة ﵀ مقرئا تاجرا يجلب الزّيت من العراق إلى حلوان ويجلب الجبن والجوز من حلوان إلى الكوفة. مات بحلوان سنة ست وخمسين ومائة في أيام المنصور، وله ست وسبعون سنة، وكان مولده سنة ثمانين.
ومات سليم سنة ثمان وثمانين ومائة، وله سبع وستون سنة.
ومات خلف سنة تسع وعشرين ومائتين.
ومات خلاد سنة ثلاثين «١» ومائتين.
وقال الضّبي: جلست مكان أبي المستنير في جامع مدينة المنصور بعد وفاته بثلاثة أيام سنة ثلاثين ومائتين «٢». ومات «٣» سنة إحدى وتسعين ومائتين، أقرأ إحدى وستين سنة ﵀.
وأما قراءة الكسائي رواية أبي عمر الدّوري عنه
- قال أبو عليّ-:
فإنّي قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ابن عبد الله بن يعقوب العجلي بالبصرة في الجامع، وأخبرني أنّه قرأ على أبي بكر أحمد بن نصر بن منصور بن عبد المجيد الشّذائي، وأخبره أنّه قرأ على أبي العباس عبد الله بن أحمد ابن الهيثم البلخي، وأخبره أنه قرأ على أبي عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الدّوري، وأخبره أنّه قرأ على أبي الحسن عليّ بن حمزة الكسائي.
وأما رواية أبي الحارث عنه
- قال أبو عليّ-: فإنّي قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي الحسن محمد بن عبد الرّحيم بن إسحاق بن عوّاد «٤» الأسيدي «٥» العلّاف بالبصرة في بني بهثة «٦»، وأخبرني أنّه قرأ على أبي الطّيب «٧» محمد بن عيسى بن
стр. 67
جعفر الإصطخري، وأخبرني أنّه قرأ على أبي مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى الخاقاني، وأخبره أنّه قرأ على أبي عبد الله محمد بن يحيى الكسائي الصّغير، وأخبره أنه قرأ على أبي الحارث الليث بن خالد المروزي الحاجب «١» وأخبره أنّه قرأ على الكسائي، وهو أبو الحسن عليّ ابن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الكسائي من أهل باكسايا، قرية من سواد العراق. ولد بالكوفة، ونشأ بها، وقرأ على جماعة من أهلها، منهم: حمزة بن حبيب الزّيات، وقرأ حمزة على جماعة، منهم: ابن أبي ليلى، وقرأ ابن أبي ليلى على أخيه، وقرأ أخوه على أبيه، وقرأ أبوه على عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، وقرأ عليّ على النّبيّ ﷺ .
وقرأ الكسائي أيضا على عيسى بن عمر الهمداني، وقرأ عيسى على طلحة بن مصرّف وقرأ طلحة على إبراهيم النّخعي، وقرأ النّخعي على علقمة ابن قيس، وقرأ علقمة على عبد الله بن مسعود، وقرأ ابن مسعود على النّبيّ ﷺ .
وكان الكسائي ﵀ إماما في القراءة، عالما في العربية، معلما الأمين والمأمون، خرج مع الرّشيد في خروجه إلى طوس، مات في قرية من قرى الرّي يقال لها أرنبوية «٢» سنة تسع، ويقال سنة خمس، ويقال: اثنتين وثمانين ومائة «٣»، هكذا أهل القراءة يقولون. وأما أهل التواريخ فإنّهم يزعمون أنّ خروج الرّشيد إلى طوس كان سنة إحدى وتسعين ومائة، والله أعلم.
ومات أبو عمر الدّوري سنة ست وأربعين ومائتين.
ومات أبو الحارث سنة أربعين ومائتين.
وقال أبو عبد الله الكسائي الصّغير: مات أبو الحسن الكسائي ولي أربع سنين.
وأما قراءة أبي عمرو بن العلاء رواية أبي محمد اليزيدي عنه ،
- قال أبو عليّ-: فإنّي قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته بالهمز والإظهار وبالإدغام وترك الهمز، وبترك الهمز مع الإظهار على أبي الحسن عليّ بن الحسين بن عثمان بن سعيد البغدادي المقرئ بالأهواز سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة. وأخبرني أنّه قرأ بها كذلك على
стр. 68
أبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التّميميّ، وأخبره أنّه قرأ على أبي الزّعراء عبد الرّحمن بن عبدوس الهمداني الدّقاق، وأخبره أنّه قرأ على أبي عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الدّوري، وأخبره أنّه قرأ على أبي محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي المعروف باليزيدي، وأخبره أنّه قرأ على أبي عمرو بن العلاء. وأخبرني أبو الحسن البغدادي أنّه قرأ أيضا على أبي الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصّلت بن شنبوذ، وأخبره أنّه قرأ على أبي عيسى موسى بن جمهور، وأخبره أنّه قرأ على أبي الفتح عامر بن عمر أوقية، وأخبره أنّه قرأ على أبي محمد اليزيدي، وأخبره أنّه قرأ على أبي عمرو بن العلاء.
وقال لي أبو الحسن البغدادي: كانت قراءتي على أبي الحسن بن شنبوذ بالإدغام والإظهار وبالهمز وتركه.
وأما رواية شجاع عنه
- قال أبو عليّ-: فإنّي قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته بالهمز والإظهار، وبترك الهمز والإدغام، وبالإظهار وترك الهمز على أبي الحسن عليّ بن إسماعيل بن الحسن البصري القطّان ببغداد وأخبرني أنّه قرأ على أبي بكر أحمد بن محمد بن عمرو البزاز، وأخبره أنّه قرأ على أبي علي الحسن ابن الحباب بن مخلد الدّقّاق، وأخبره أنّه قرأ على أبي جعفر محمد بن غالب بن حرب الضّبي الأنماطي «١»، وأخبره أنّه قرأ على أبي نعيم شجاع بن أبي نصر البلخي، وقرأ شجاع على أبي عمرو بن العلاء.
وهو أبو عمرو بن العلاء بن عمّار بن العريان المازني، وكان يقول: أصلي من كازرون.
واختلف في اسمه فقيل: زبان، وقيل: العريان، وقيل: حميد، وقيل: اسمه كنيته، وغير ذلك. قرأ على جماعة من أهل الحجاز، منهم: مجاهد بن جير، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقرءوا على عبد الله بن عباس، وقرأ ابن عباس على أبيّ بن كعب، وقرأ أبيّ على النّبيّ ﷺ .
стр. 69
وقرأ أبو عمرو- في قول عبد الوارث عنه- على يحيى بن يعمر العدواني، وقرأ يحيى بن يعمر على أبي الأسود ظالم بن عمرو الدّؤلي، وقرأ أبو الأسود على عليّ بن أبي طالب ﵁، وقرأ عليّ على النّبيّ ﷺ .
وكان أبو عمرو لغويا، ولد بمكة سنة سبعين، ونشأ بالبصرة، ومات بالكوفة عند محمد بن سليمان الهاشمي سنة أربع وخمسين ومائة، وله أربع وثمانون سنة في أيام المنصور.
ومات اليزيدي سنة اثنتين ومائتين.
ومات شجاع سنة تسعين ومائة.
وأما قراءة يعقوب رواية رويس عنه
- قال أبو عليّ-: فإنّي قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي الفرج محمد بن أحمد بن إبراهيم الشّنبوذي، وأخبرني أنّه قرأ على أبي بكر محمد بن هارون بن نافع البصري التّمّار، وأخبره أنّه قرأ على أبي عبد الله محمد بن المتوكل اللؤلؤي المعروف برويس، وأخبره أنّه قرأ على يعقوب بن إسحاق الحضرمي.
وأما رواية روح عنه
- قال أبو عليّ-: فإني قرأت بها القرآن من أوله إلى خاتمته على أبي عبيد الله محمد بن محمد بن فيروز بن زاذان الكرجي بالبصرة سنة ثلاث وثمانين وثلاث مائة، وأخبرني أنّه قرأ على أبي العباس محمد بن يعقوب بن الحجّاج بن الزّبرقان بن صخر التّيميّ المعدّل، وأخبره أنّه قرأ على أبي بكر محمد بن وهب بن يحيى بن العلاء بن الحكم الثّقفي، وأخبره أنّه قرأ على أبي الحسن روح بن عبد المؤمن بن قرّة بن خالد البصري، وأخبره أنّه قرأ على يعقوب.
وهو أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي.
قال رويس: قرأ يعقوب على أبي المنذر سلّام بن أبي سليمان الطّويل، وقرأ سلّام على عاصم بن أبي النّجود، وعلى أبي عمرو بن العلاء، وعلى عاصم بن أبي الصّبّاح الجحدري، وقرأ عاصم بن أبي النّجود على أبي عبد الرّحمن السّلمي، وقرأ السّلمي على عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، وقرأ عليّ على النّبيّ ﷺ .
وقرأ أبو عمرو بن العلاء على مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير، وقرآ على عبد الله بن عباس، وقرأ ابن عباس على أبيّ بن كعب، وقرأ أبي على النّبيّ ﷺ .
وقرأ عاصم الجحدري على نصر بن عاصم اللّيثي، وقرأ نصر على أبي الأسود الدّؤلي، وقرأ أبو الأسود على عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، وقرأ عليّ على النّبيّ ﷺ .
وقال روح: قال لي يعقوب: قرأت على شهاب بن شرئفة المجاشعي في خمسة أيام، وقرأ شهاب على مسلمة بن محارب المحاربي في سبعة أيام، وقرأ مسلمة على أبي الأسود ظالم بن عمرو الدّؤلي، وقرأ أبو الأسود على عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه،
стр. 70
وقرأ عليّ على النّبيّ ﷺ .
وقرأ يعقوب أيضا على يونس بن عبيد، وقرأ يونس على الحسن بن أبي الحسن البصري، وقرأ الحسن على حطّان بن عبد الله الرّقاشي، وقرأ حطّان على أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وقرأ أبو موسى على النّبيّ ﷺ .
وأخذ يعقوب أيضا: القراءة عن مهدي بن ميمون عن شعيب بن الحبحاب عن أبي العالية الرّياحي عن زيد بن ثابت، وقرأ زيد على النّبيّ ﷺ .
وأخذ يعقوب أيضا القراءة عن شهاب بن شرنفة ويقال شرنفة وهما لغتان، عن أبي رجاء العطاردي عن أبي موسى الأشعري عن النّبيّ ﷺ .
وقال روح: وقرأ يعقوب على سلّام في سنة ونصف.
وقال أبو حاتم السّجستاني: ما رأيت أقوم بالقراءات ولا أعرف برجالها من يعقوب وأخذتها منه، وكان إمام جامع البصرة في الصّلوات الخمس، ويصلّي ترويحة في كل ليلة من شهر رمضان، فكان إذا أراد أن يتقدّم إلى المحراب شمّر ثيابه وشال سراويله وكشف عن بعض ساقه كأنّه يخوض الوحل، فقيل له في ذلك فقال: المحراب مفعال من الحرب، وقيل أيضا عنه أنّه قال: سمّي المحراب محرابا لأنّه يحارب.
قال أبو حاتم: سمعته يقرأ في شهر رمضان في جامع البصرة (يرضهوا لكم) في سورة الزمر (٧) - بالإشباع- وهذا خلاف قراءته، وكان يعظم عليه أن يسمع اللحن في كتاب الله.
سمعت أبا عبد الله اللالكائي ﵀ يقول بإسناد لا يحضرني حفظه: أنّ بعضهم رأى يعقوب مارا في شارع من شوارع البصرة وهو غضبان وطرف ردائه ينجرّ في الأرض والطّرف الآخر على كتفه، فقال له: إلى أين يا أبا محمد؟ فقال: إلى النار- بالإمالة-، فتعجّبت من ذلك لأن الإمالة ليست من اختياره في قراءته، فجاء «١» إلى مجلسه في الجامع وسأل عن خبره، فقيل له: قرأ عليه رجل فلحن فغضب وقام وانصرف على تلك الحالة.
ولم يزل مقرئا ملازما للإقراء إلى أن مات في ذي الحجة سنة خمس ومائتين في أيام المأمون.
ومات رويس سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
ومات روح سنة خمس وثلاثين ومائتين.
قال أبو عليّ: ثمّ ها أنا ذا مبتدئ بذكر ما شرطت ومنبئ بشرح ما وعدت مبيّنا، ملخّصا، مختصرا، وجيزا ليكون أبلغ في اللفظ، وأسهل في الحفظ، والله أسأل التّوفيق بمنّه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 71
باب الاستعاذة
إبراهيم بن زربي عن سليم عن حمزة: يخفي الاستعاذة حيث ابتدأ بالقراءة في القرآن أجمع.
الباقون: يجهرون بها حيث ابتدءوا بالقراءة، وصفتها على ما قرأت به الجماعة (أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم) كما جاء في نصّ التّنزيل «١».
باب التّسمية
ابن زربي عن سليم عن حمزة: يخفي التّسمية بين السّورتين، ويجهر بها في أوائل الأجزاء في القرآن أجمع.
اليزيدي عن أبي عمرو، وحمزة عن ابن زربي عن سليم عنه: يتركان التّسمية بين السّور، وفي أوائل الأجزاء في القرآن أجمع.
شجاع عن أبي عمرو: يخيّر بين التّسمية وبين تركها بين السّور وفي رءوس الأجزاء في القرآن أجمع وبالوجهين قرأتهما عنه.
الباقون: بالتّسمية وبالجهر بها بين السّور وفي أوائل الأجزاء في القرآن أجمع، وكلّهم يسمّون في فاتحة الكتاب ولا يسمّون بين الأنفال والتّوبة «٢».
باب تغليظ اللام وترقيقها في اسم الله تعالى
شجاع عن أبي عمرو، وروح عن يعقوب: قرأت عنهما بترك تغليظ اللام من اسم الله تعالى حيث كان قبله ضمة أو فتحة مثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ* (البقرة ٢٠ وغيرها)، وكانَ اللَّهُ* (البقرة ١٤٣ وغيرها)، وقالَ اللَّهُ* (آل عمران ٥٥ وغيرها)، وأَنْزَلَ اللَّهُ* (البقرة ٩٠ وغيرها)، ورُسُلُ اللَّهِ (الأنعام ١٢٤)، ونَسُوا اللَّهَ* (التوبة ٦٧، الحشر ١٩)، واعْبُدُوا اللَّهَ* (النساء ٣٦ وغيرها)، ونحو ذلك حيث كان. وعلى ذلك قراءة البصريين عن الجماعة، وعليه ابن مقسم من البغداديين وحده وبه كان يأخذ عن الجماعة.
الباقون: بتغليظ اللام من ذلك، وما كان مثله حيث كان وعليه قراءة البغداديين وأهل الآفاق «٣».
стр. 72
وسمعت أبا الحسن العلّاف البصري يقول: مذهب البصريين قديما والكوفيين حديثا تغليظ اللام من ذلك حيث كان. ومذهب البصريين حديثا والكوفيين قديما ترقيق اللام من ذلك حيث كان.
واجتمعت الجماعة بلا خلاف بينهم على ترك تغليظ اللام من اسم الله تعالى حيث كان قبله كسرة كقوله تعالى: بِاللَّهِ* (البقرة ٨ وغيرها)، ولِلَّهِ* (البقرة ٢٢ وغيرها)، ومِنْ عِنْدِ اللَّهِ* (البقرة ٧٩ وغيرها)، وفِي اللَّهِ* (البقرة ١٣٩ وغيرها)، وفِي كِتابِ اللَّهِ* (الأنفال ٧٥ وغيرها)، وفِي سَبِيلِ اللَّهِ*، (البقرة ١٥٤ وغيرها)، ونحو ذلك حيث كان «١».
باب الإدغام والإظهار في الحروف التي لا تعرف حركتها
وهي: دال قد، وذال إذ، وتاء التأنيث ولام هل وبل، ونون الإعراب.
قال أبو عليّ: أما دال قد فإنّهم قد أجمعوا على إدغامها عند نفسها مثل قوله تعالى: قَدْ دَخَلُوا (المائدة ٦١) ونحوها. واختلفوا في إدغامها عند ثمانية أحرف: عند الجيم والذّال والزّاي والسّين والشّين والصّاد والضّاد والظّاء مثل قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ* (آل عمران ١٨٣ وغيرها)، ووَ لَقَدْ ذَرَأْنا (الأعراف ١٧٩)، وَلَقَدْ زَيَّنَّا (الملك ٥)، قَدْ سَمِعَ اللَّهُ (المجادلة ١)، قَدْ شَغَفَها (يوسف ٣٠)، وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ (آل عمران ١٥٢)، وَلَقَدْ ضَرَبْنا* (الروم ٥٨، الزمر ٢٧)، لَقَدْ ظَلَمَكَ (ص ٢٤) ونحوهن «٢».
أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام عن ابن عامر: بإدغام جميع ذلك حيث كان، إلا أنّ هشاما عن ابن عامر أظهر الدّال في قوله تعالى: لَقَدْ ظَلَمَكَ فقط في سورة صاد (٢٤) ونحوهن «٢».
أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام عن ابن عامر: بإدغام جميع ذلك حيث كان، إلا أنّ هشاما عن ابن عامر أظهر الدّال في قوله تعالى: لَقَدْ ظَلَمَكَ فقط في سورة صاد (٢٤) لا غير.
ابن ذكوان عن ابن عامر: أدغم أربعة منها فقط عند الذّال والزّاي والصّاد والظّاء لا غير، وأظهر عند الأربعة الباقيات.
ورش عن نافع: أدغم عند حرفين منها عند الضّاد والظّاء لا غير.
الباقون: بإظهار جميعهن حيث كان ذلك «٤».
стр. 73
وأما ذال إذ، قال أبو عليّ: اتّفقوا على إدغامها عند نفسها والظّاء مثل قوله تعالى: إِذْ ذَهَبَ (الأنبياء ٨٧)، إِذْ ظَلَمُوا (النساء ٦٤) ونحوهما. واختلفوا في إدغامها عند ستة
أحرف: عند التاء والجيم والدال والزاي والسين والصاد مثل قوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ (البقرة ١٦٦)، وَإِذْ جَعَلْنَا (البقرة ١٢٥)، وإِذْ دَخَلْتَ (الكهف ٣٩)، وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ (الأنفال ٤٨)، إِذْ سَمِعْتُمُوهُ (النور ١٢)، وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ (الأحقاف ٢٩) ونحوهن.
ابن كثير، ونافع، وعاصم، ويعقوب: بإظهار جميعهن في سائر القرآن.
أبو عمرو، وهشام عن ابن عامر: بإدغام جميعهن.
الكسائي، وخلّاد عن سليم عن حمزة: بإظهارها عند الجيم وحدها، وبإدغامها عند الباقيات.
الضّبي عن حمزة، وخلف عن سليم عنه: يدغمانها عند الدّال والتّاء حرفين لا غير، وبإظهارها عند الباقيات.
ابن ذكوان عن ابن عامر: يدغمها عند الدّال لا غير ويظهرها عند الباقيات، هكذا قرأت عنه بالشّام «١».
وأما تاء التأنيث، قال أبو عليّ: أجمعوا على إدغامها عند نفسها والطّاء والدّال مثل قوله تعالى: فَما زالَتْ تِلْكَ (الأنبياء ١٥)، وَقالَتْ طائِفَةٌ (آل عمران ٧٢)، وأُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما (يونس ٨٩) ونحوهن حيث كان ذلك.
واختلفوا في إدغامها عند ستة أحرف: عند الثّاء والجيم والزّاي والسّين والصّاد والظّاء مثل قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ* (القمر ٢٣ وغيرها)، ونَضِجَتْ جُلُودُهُمْ (النساء ٥٦)، خَبَتْ زِدْناهُمْ (الإسراء ٩٧)، أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ (البقرة ٢٦١)، حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (النساء ٩٠)، كانَتْ ظالِمَةً (الأنبياء ١١) ونحوهن.
ابن كثير، وعاصم، وقالون عن نافع، ورويس عن يعقوب: بإظهار جميعهن.
ورش عن نافع، وروح عن يعقوب: بإدغامها عند الظّاء وحدها وبإظهارها عند الباقيات.
ابن ذكوان عن ابن عامر: بإظهارها عند الجيم والسّين والزّاي ثلاثة أحرف لا غير، وبإدغامها عند الباقيات.
الباقون: بالإدغام في جميعهن «٢».
وأما لام هل، قال أبو علي: اختلفوا في إدغامها عند ثلاثة أحرف: عند النّون والتّاء والثّاء فقط مثل قوله تعالى: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ (الكهف ١٠٣)، هَلْ تَرَبَّصُونَ (التوبة ٥٢)،
стр. 74
هَلْ ثُوِّبَ (المطفّفين ٣٦) ونحوهن.
الكسائي وحده أدغمها عند النّون.
حمزة، والكسائي، وهشام عن ابن عامر: بالإدغام عند التّاء والثّاء.
وتابعهما أبو عمرو عند التّاء في الملك (٣) والحاقة (٨) فقط قوله تعالى: هَلْ تَرى * لا غير.
الباقون: بإظهارها عندهن «١».
وأما لام بل، قال أبو عليّ: وأما لام بل فإنّهم أجمعوا على إدغامها عند الرّاء مثل قوله تعالى: بَلْ رَبُّكُمْ (الأنبياء ٥٦)، بَلْ رانَ (المطففين ١٤) ونحوهما.
واختلف فيه عن قالون عن نافع.
وأظهر حفص عن عاصم بَلْ رانَ لا غير، إلا أنّه يقف على اللام وقفة خفيفة يريد بها الإظهار لا الوقف.
واختلفوا في إدغامها عند سبعة أحرف: عند التّاء والزّاي والسّين والصّاد والطّاء والظّاء والنّون مثل قوله تعالى: بَلْ تَأْتِيهِمْ (الأنبياء ٤٠)، بَلْ زَعَمْتُمْ (الكهف ٤٨)، بَلْ سَوَّلَتْ* (يوسف ١٨، ٨٣)، بَلْ ضَلُّوا (الأحقاف ٢٨)، بَلْ طَبَعَ اللَّهُ (النساء ١٥٥)، بَلْ ظَنَنْتُمْ (الفتح ١٢)، بَلْ نَتَّبِعُ* (البقرة ١٧٠، لقمان ٢١) ونحوهن.
الكسائي وحده: بإدغام جميعهن في سائر القرآن.
هشام عن ابن عامر: بإظهارها عند الضّاد والنّون حرفين لا غير وبإدغامها عند الباقيات.
حمزة يدغمها عند التّاء والسّين حرفين لا غير. واختلف عنه عند الطّاء مثل قوله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ (النساء ١٥٥) ونحوه. فقرأته عن خلف عنه بالوجهين، وعن الضّبي وخلّاد بالإظهار.
الباقون: بإظهار جميع ذلك حيث كان «٢».
قال أبو عليّ: ونذكر اختلافهم في نون الإعراب فيما يأتي بعد إن شاء الله.
باب الإدغام والإظهار في الحروف التي سكّنت لعلة وأصلها الحركة
قال أبو عليّ: من ذلك الرّاء السّاكنة عند اللام مثل قوله تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ* (آل عمران ٣١ وغيرها)، واسْتَغْفِرْ لَهُمْ* (آل عمران ١٥٩ وغيرها)، ويَنْشُرْ لَكُمْ (الكهف ١٦)، ونحو ذلك. أدغمها أبو عمرو وحده وأظهرها الباقون «٣».
стр. 75
والذّال عند التّاء في قوله تعالى: اتَّخَذْتُمُ* (البقرة ٥١ وغيرها)، وَأَخَذْتُمْ (آل عمران ٨١ الأنفال ٦٨)، ثُمَّ أَخَذْتُ (فاطر ٢٦) ونحو ذلك حيث كان. أظهرها ابن كثير، وحفص عن عاصم، وأدغمها الباقون «١».
والدّال عند الثّاء في قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ (آل عمران ١٤٥).
والثّاء عند التّاء في قوله تعالى: لَبِثْتُمْ* (الإسراء ٥٢ وغيرها) ولَبِثْتَ* (البقرة ٢٥٩ وغيرها). أظهرهما ابن كثير، ونافع، وعاصم، ويعقوب، وأدغمها الباقون «٢».
والثّاء عند التّاء في قوله تعالى: أُورِثْتُمُوها* (الأعراف ٤٣، الزخرف ٧٢) أدغمها أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام عن ابن عامر، وأظهرها الباقون «٣».
والباء عند الفاء في قوله تعالى: أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ (النساء ٧٤)، وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ (الرعد ٥)، قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ (الإسراء ٦٣)، قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ (طه ٩٧)، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ (الحجرات ١١)، وليس في القرآن غيرهن. أدغمهنّ أبو عمرو، والكسائي، والضّبي، وخلّاد عن حمزة، وأظهرهن الباقون «٤».
والذّال عند التّاء في قوله تعالى: إِنِّي عُذْتُ* (غافر ٢٧، الدخان ٢٠)، وفَنَبَذْتُها (طه ٩٦). أدغمهما أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام عن ابن عامر، وأظهرهما الباقون «٥».
وأدغم الكسائي وحده نَخْسِفْ بِهِمُ في سورة سبأ (٩). وليس في القرآن غيره.
الباقون بالإظهار «٦».
والثّاء عند الذّال في قوله تعالى: يَلْهَثْ ذلِكَ (الأعراف ١٧٦).
ابن كثير، ونافع، وهشام عن ابن عامر: بالإظهار. الباقون بالإدغام «٧». والباء عند الميم في قوله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ في سورة البقرة (٢٨٤)، وارْكَبْ مَعَنا في سورة هود (٤٢).
نافع، وابن عامر، والبزّي عن ابن كثير، وخلف عن سليم عن حمزة، وروح عن يعقوب: بإظهار الباء عند الميم في ذلك.
إلا أنّ عاصما، وابن عامر، ويعقوب رفعوا الباء في سورة البقرة.