قادة النبيّ ﷺ -
جاء هذا الكتاب في (٦٦٩) صفحة، وكانت طبعته الأولى عام ١٩٩٥ م واعتمد الكاتب في تأليفه على (٨٤) مصدراً ومرجعاً عربياً وأجنبياً.
قدّم للكتاب بمقدمة مهمة، كانت بعنوان: (الدروس والعبر من قادة النبيّ ﷺ لحاضر العرب والمسلمين ومستقبلهم) تمنى فيها على الله، أن يجعل حكام العرب والمسلمين يأتسون بالنبيّ ﵊ الذي كان يختار الرجل المناسب، للعمل المناسب، في سائر المجالات العسكرية والمدنية، ليقود شعوبَهم أفضلُ أبنائها، ليريحوا من يقودونهم ويستريحوا، ويقودوا شعوبهم إلى النصر والنجاح في سائر الميادين.
تحدّث عن غزوات النبيّ ﷺ الثماني والعشرين، وعن سراياه السبع والأربعين، تلك التي أثمرت توحيد شبه الجزيرة العربية تحت لواء الإسلام لأول مرة في التاريخ.
وكان عدد قادة تلك السرايا سبعة وثلاثين قائداً، قادوا سبعاً وأربعين سرية، اختارهم النبيّ ﷺ عن معرفة دقيقة بتفصيلات حياتهم، ومعرفة دقيقة بمزاياهم، وكان اختياره الفذّ هذا، من أهمّ الأسباب الدنيوية لانتصاره في أيام الحرب ونجاحه في أيام السلم.
كان الرسول القائد ﷺ يلتزم شرطين في اختياره: الإسلام والكفاية، لذا كان ثلاثون من قادته، ممن أسلموا قديماً، وواحد وعشرون منهم، ممن شهد (بدراً)، وكان هؤلاء جميعاً على جانب عظيم من الإيمان،
стр. 72
وكان واحد منهم أسلم بعد الهجرة، وخمسة أسلموا قبل فتح مكة، وأن أكثر قادته من المهاجرين والأنصار، من السابقين الأولين.
وكان الرسول القائد ﷺ لا يؤمّر أهل الوبر على أهل الحضر، لأنّ أهل المدن أعرف بفنون القتال من البدو، وأصبر على معاناة الحرب، وأقدر على تحمُّل أعباء القتال.
ولما التحق النبيُّ الكريم ﷺ بالرفيق الأعلى خَلَفَه قادةٌ وأمراء، وولاة وقضاة، وعلماء وفقهاء ومحدّثون، قادوا الأمة سياسياً، وعسكرياً، وإدارياً، واقتصادياً، وفكرياً، واجتماعياً، ونجحوا في قيادتها إلى المجد. وتحدّث عن مصائر قادة النبيّ ﷺ ، فأحصى اثنين وعشرين منهم شهداء، وخمسة عشر ماتوا على فرشهم، وهذه أعلى نسبة في القادة الشهداء في تاريخ الحروب القديمة والحديثة، وهي تدل على شجاعتهم، وإقدامهم، وشدّة طلبهم للشهادة، وحرصهم عليها لما يلقى الشهيد من التكريم عند الله تعالى. وقدّم المؤلف جدولاً بيَّن فيه مصارع قادة الرسول القائد ﵊.
ثم تحدّث الكاتب عن المراحل التي تمّ فيها تأليف هذا الكتاب،
منذ كان فكرة وحلماً في نفسه، إلى أن غدا واقعاً يطالعه الناس ..
كانت فكرة الكتاب قد راودته في سن مبكرة، عندما كان طالباً في الكلية العسكرية سنة ١٩٣٧ م، ثم بعد أن صار ضابطاً في كلية الأركان العراقية عام ١٩٤٨ م، حيث كان التاريخ العسكري الاستعماري للبلاد العربية والإسلامية، وتاريخ القادة العسكريين الاستعماريين هو الذي يُدرَّس، بينما لا يجد التاريخ العسكري العربي الإسلامي، ولا تاريخ قادته، أيَّ مجال في المدارس والكلّيات العسكرية العربية والإسلامية، ولهذا قرّر أن يندب نفسه لإخراج كتاب عن قادة النبيّ ﷺ .
стр. 73
تبلورت الفكرة وهو معتقل في سجون الشيوعيين، وتفرّغ تماماً لدراسة قادة الفتوح ومعاركها، ثم خرج من السجن ليكون أسير البيت، فأكبّ على المطالعة والكتابة، فأخرج: قادة فتح العراق والجزيرة، وقادة فتح بلاد فارس، وقادة فتح الشام ومصر، وقادة فتح المغرب العربي بين ١٩٦٤ - ١٩٦٦ م وبرَّ بوعده في تأليف كتاب ضخم عن قادة النبي ﷺ عام ١٩٨١ م وهو هذا الكتاب، الذي هو خطوة على طريق العسكرية العربية الإسلامية.
ثم شرع في الحديث عن قادة النبيِّ ﷺ السبعة والثلاثين، على المنهج الذي سار عليه في ترجمة قادة الفتوح، وكان أول هؤلاء القادة العظام، حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله ﷺ ، وسيّد الشهداء، فتحدث عن نسبه وحياته قبل إسلامه، ثم تحدّث عن إسلامه، ثم وهو والنبيّ ﷺ والهاشميون في شِعْب أبي طالب، ثم عن هجرته، ومؤاخاته مع زيد بن حارثة، ثمّ عن حمله أول لواء في الإسلام عقده له الرسول القائد ﷺ ، ثم في غزوة بدر، حيث كان فارس المسلمين ومغوارهم، وفي غزوة بني قينقاع، ثم في غزوة أحد، ودوره في المعركة الهائلة، واستشهاده غدراً بحربة (وحشيّ)، وحزن الرسول ﷺ والمسلمين عليه، ورثاء شعرائهم إياه، وذكر من تلك المراثي قصائد كعب بن مالك، وقصيدة حسان في شهداء أحد، وقصيدته في رثاء حمزة سيد الشهداء، ثم تحدث عن حمزة الإنسان، وحمزة القائد، وحمزة في التاريخ.
وعلى هذا المنهج كانت تراجم سائر القادة الآخرين، ﵃ وأرضاهم.
***
стр. 74
قادة فتح السند وأفغانستان
يقع هذا الكتاب في (٤٢٢) صفحة، وطُبع لأول مرة عام ١٩٩٨ م واستقى مادته من (١٤٩) مصدراً ومرجعاً عربياً وأجنبياً، وكان ترتيبه الخامس من سلسلة قادة الفتح الإسلامي، وإن تأخر صدوره عن تأليفه عشرين سنة، لإحجام دور النشر عن طباعة كتب اللواء خطّاب، بحجّة أن لصوص الكتب يصوّرونها ويبيعونها بأثمان زهيدة، ويخسر الناشر الأصلي.
في مستهل الكتاب، تحدث عن البلاد الساسانية في عهد الساسانيين، وقبل الساسانيين، عن النظام الاجتماعي، والنظام السياسي، وعن العقائد الدينية، ثم عن قيادة الدولة الساسانية، وتنظيمها، وطبقاتها الأربع: رجال الدين، ورجال الحرب، وكتاب الدواوين، وبقية أبناء الشعب من الفلاحين والعمال وسواهم. تحدث عن الإدارة المركزية، والمالية، وعن الصناعة والتجارة والمواصلات، وعن الجيش، والكتّاب، والموظفين، وعن إدارة الأقاليم، ثم تحدث عن الزردشتية التي هي دين الدولة الساسانية، وعن المانوية والمزدكية، وعن الملوك وعن حقوقهم وواجباتهم، ونسائهم وجواريهم، وعن الشعب .. وعن أشكال الإيرانيين وصفاتهم، وتعليم بناتهم، وعن علومهم، ثم ختم هذا المستهلّ الطويل بالحديث الموجز عن ظروف الدولة الساسانية قبيل الفتح العربي الإسلامي، والظروف التي جابهها القادة الفاتحون، فرأى أن عوامل الفساد والاضطراب قد استفحلت في القرن السادس الميلادي، وانتشرت دسائس الطامعين في العرش، وكثرت مذاهب الشعب، وتبلبلت عقائد
стр. 75
الناس، وانحلت العصبيّة القومية، وانهارت القوى المعنوية، وتدهور مثلهم الأعلى، وانتشر الظلم، وشاع الجهل، وتفشَّى المرض والفقر بين عامة أفراد الشعب الذي كان يعيش تحت وطأة نظام طبقي إقطاعي ظالم، فأصطلحت علل الفناء على بنية الإمبراطورية الساسانية قبيل الإسلام، وأيام الفتح.
ثم تحدّث - بإيجاز شديد - عن انتصار العرب الفاتحين الذين حملوا للدنيا عقيدة الإسلام، وكانوا أولي خبرة ومقدرة أهّلتهم للنصر على تلك الإمبراطورية.
ثم تحدث عن الهند قبل الفتح وأثناءه، عن حدودها وحاكميها، وعن حضارتها، وطبيعتها الجغرافية، وأجناس سكانها، ولغاتهم، وتحدّث عن ديانتهم الهندوسيّة والبوذية، والجينية، ثم انتقل إلى الحديث عن فتح الهند، فجال جولة مركزة في التاريخ، وبداية التفكير بفتحها أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، إلى الحجاج فمحمد بن القاسم الثقفي الذي أنجز فتوحاً عظيمة خلال خمس سنوات (٨٩ - ٩٤ هـ).
ثم تحدّث عن قادة فتح السند: المهلّب بن أبي صُفْرة الأزدي، ومحمد بن القاسم الثقفي، حسب النهج الذي ارتضاه لتراجمه، بذكر النسب والأهل، وشبابه، وجهاده وفتوحه، ثم الإنسان، فالقائد، وذكرِه في التاريخ.
ثم انتقل إلى الحديث عن أفغانستان قبل الفتح وأثناءه، فجال جولة مركزة في التاريخ، ثم تحدّث عن الطبيعة الجغرافية لأفغانستان، عن موقعها، وجبالها، وسهولها، ومُناخها، وأنهارها، وأجناس سكانها، ومدنها، إلى أن وصل إلى فتحها، فبدأ بالمعركة الحاسمة، معركة نَهاوند
стр. 76
بقيادة النعمان بن مُقَرِّن المُزَنيّ، والتي دُعيتْ بفتح الفتوح، ثم بالمعارك التي تلتها مستثمرة النصر المبين فيها، فذكر فتح الأحنف بن قيس التميمي لخراسان، وفتح عاصم بن عمرو التميمي لسجستان.
ثم تحدث عن استعادة فتح خراسان التي نقض أهلها العهد وغدروا إثر استشهاد أمير المؤمنين عمر، وعن استعادة فتح سجستان.
ثم تحدّث بالتفصيل عن قادة فتح أفغانستان: عبد الله بن عامر، والأحنف بن قيس، والربيع بن زياد، وعبد الرحمن العبشميّ، وعاصم ابن عمرو، والأقرع بن حابس، حسب الخطة أو النهج الذي عمل به في سائر تراجمه.
ثم كانت الخاتمة بعنوان: الإسلام والحرب الإجماعية، فعرّف الحرب الإجماعية الحديثة، ثم الحرب الإجماعية في القرآن، وأكدّ أن الإسلام هو الذي وضع أسس الحرب الإجماعية في القرآن العظيم، والحديث النبوي الشريف، وأن المسلمين هم الذين طبّقوا هذه الحرب على عهد الرسول القائد ﷺ ، وفي أيام الفتح الإسلاميّ العظيم في القرن الهجري الأول.
ثم أجرى مقارنة بين الحرب الإجماعية الحديثة، والحرب الإجماعية الإسلامية، فرأى أن الحرب الإجماعية في الإسلام هي حرب وقائية، هدفها حماية نشر الدعوة الإسلامية، والدفاع عن بلاد المسلمين، وإقرار السلام القويّ، سلام الأقوياء.
والحرب الإجماعية في الدول الحديثة هي حرب عدوانية، هدفها استعباد الشعوب، واستغلال الطاقات، والسيطرة على الموارد الاقتصادية والخامات.
والحرب في الإسلام حرب عادلة، هدفها هداية الناس.
стр. 77
وفي الدول الحديثة حرب ظالمة، هدفها التوسع، والقهر، والتضليل، والاستغلال والاستعباد.
والحرب الإجماعية في الإسلام متفوقة تفوقاً كاسحاً على الحرب الإجماعية في الأمم الحديثة كمّاً ونوعاً، وبرهن على ذلك التفوق، ثم قال:
" تلك هي الحرب الإجماعية في الإسلام، طبّقها المسلمون قبل أربعة عشر قرناً خلت. فلا يقولنّ قائل بعد اليوم: إنها من صنع الأجانب نظرية وتطبيقاً، فقد شرحها الإسلام يوم كان الأجانب يغطّون في سبات عميق، فسادوا العالم فكرياً وعسكرياً، وقادوا الحضارة العالمية قروناً طويلة.
فلما تخلَّوا عنها فكراً وتطبيقاً، تخلَّى عنهم النصر، وتكاثرت هزائمهم، وأصبحت بلادهم مستعمرة، وخيراتهم لغيرهم، " فما غُزي قوم في عُقر دارهم إلا ذلُّوا " (١).
" ولن يعود المسلمون إلى سالف عزهم ومجدهم، ما لم ينهضوا بفريضة الجهاد، بما فيها من تكاليف البذل والتضحية والفداء " (٢).
...
стр. 78
قادة الفتح الإسلامي في أرمينية
جاء هذا الكتاب في نحو (٥٠٤) صفحة، وكانت طبعته الأولى عام ١٩٩٨ م استهله ببحث: " إعادة كتابة المعارك العسكريّة العربيّة الإسلاميّة " ووضع لذلك شروطاً ومبادئ، حتى لا تكون فوضى يثير نقعها الحاقدون من الأجانب وأتباعهم وتلاميذهم من أبناء العرب والمسلمين الجاهلين، أو المغرورين بالغرب وأمانته العلميّة، أو الجهلة أصحاب النيّات الحسنة.
أرّخ - في إيجاز شديد - لتطور المعارك العربيّة الإسلاميّة عبر التاريخ، تلك التي بدأت في السنة الثانية للهجرة، إذ قاد الرسول القائد ﷺ ثمانياً وعشرين غزوة، وبعث سبعاً وأربعين سرية، وكان من ثمرة تلك الغزوات المظفّرة، والسرايا المباركة، توحيد شبه الجزيرة العربية تحت لواء الإسلام.
ثم كانت حروب الردّة على عهد الخليفة الصدِّيق، وامتدّت سنة كاملة، انتصر فيها المسلمون انتصاراً باهراً، وقضوا على المرتدّين.
وبدأت معارك الفتح الإسلامي سنة ١١ هـ على عهد الصدّيق، وتصاعدت وامتدت على عهد عمر، وأوائل عهد عثمان، حتى صارت الفتوح طوفاناً عارماً، ما لبث أن توقَّف من جزاء اختلاف المسلمين.
ومنذ سنة مئة هجرية بدأت المعارك الدفاعية عن البلاد الإسلامية، ثم جاء التتار سنة ٦٥٦ هـ واقتحموا بغداد كالضواري المتوحّشة، فقتلوا وأحرقوا، ودمّروا، وقضوا على الخلافة العباسيّة، وعلى معالم الحضارة
стр. 79
الإسلاميّة، وما كان هذا الانهيار الشنيع ليصيب الدولة الإسلاميّة، لو بقيت دولة واحدة، بحماية جيش واحد، ولكنّها كانت دويلات ..
وكان بصيص من نور في المعارك التي خاضها القادة: أسد بن الفرات فاتح جزيرة صقلية، وصلاح الدين الأيوبي، قاهر الصليبيين ومحرر القدس، وبلاد الشام، ومحمد الفاتح، فاتح القسطنطينية، والسلطان قطز قاهر التتار في عين جالوت ..
وبلغ انهيار المسلمين أقصى أمدائه في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، فغزاهم الأوروبيون، واستعمروا بلادهم، وكانت نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ م ونكسة حزيران ١٩٦٧ م وما شئت من الهزائم فيما قبلُ وفيما بعدُ ..
وطالب اللواء خطاب أن تعاد كتابة تلك المعارك بأيد أمينة، واستنباط الدروس والعبر من دراستها، والمصادر الموثوقة متوفرة، وركّز على تاريخ الطبري، وتاريخ ابن الأثير، وتاريخ البلاذري عن فتوح البلدان.
هذا عن إعادة الكتابة في المعارك التاريخية السابقة، أمّا المعارك الدفاعية الحديثة، فمصادرها - غالباً - أجنبية متحيّزة ضدّ العرب والمسلمين، وكتّابها غير ملتزمين بالمثل العليا، الأمر الذي يجعلنا على حذر شديد منها، فقد مضى الوقت الذي كان المؤرّخون يعتبرون العلم عبادة من أجلِّ العبادات، وجاء الزمن الذي أصبح فيه أكثرهم يعتبرون العلم تجارة من أربح التجارات.
وتحدّث خطّاب عن الأسلوب والمناهج في كتابتها، وهو نفسه الأسلوب والمنهاج الذي سار عليه فيما كتب عن معارك الفتوح، ويكون في " تقسيم كل معركة إلى الموقف العام قبل المعركة، والقوات المشاركة
стр. 80
في المعركة للجانبين، وقادة الطرفين، وسير القتال، وخسائر الطرفين، ونتائج المعركة، والدروس المستنبطة من المعركة.
" ومن المناسب جداً أن تكون المعركة موضحة على خريطة أو عدّة خرائط، تعين القارئ والدارس على تفهُّم سير القتال تفهُّما كاملاً " (١).
"والمهمّ في إعادة كتابة تاريخ المعارك، هو الاحتفاظ بالمعلومات الواردة عنها في المصادر التاريخية العربيّة الإسلاميّة المعتمدة، وعدم تشويشها أو بترها، أو إقحام معلومات جديدة عليها لم تقع، فالأمانة المطلقة في النقل مطلوبة للغاية، ومعيد كتابتها مسؤول فقط عن تصنيف المعلومات الواردة عنها، وتبويبها، واستنتاج الدروس التي تفيد العرب والمسلمين في حاضرهم ومستقبلهم، وتوضيحها بالخرائط والمخططات إن أمكن، على أن تُستوفى المعلومات الواردة عنها بكل دقّة وأمانة، بدون زيادة ولا نقصان " (٢).
وبعد هذا البحث القيّم الذي جعله مدخلاً لكتابه، تحدّث عن
أرمينية قبل الفتح الإسلامي وفي أيامه .. تحدّث عن طبيعتها، فذكر موقعها، وأقسامها الإدارية، وجبالها، وأنهارها، وبحيراتها، وسكّانها: الخزر، والأكراد، واللَّكْز، والضارية، والدودانية، والصُّغْد، والأرمن، وعن لغاتها، وعن محافظاتها، ومدنها.
ثمّ تحدّث عن فتحها، فوصف الموقف العام، ويشمل البلاد وأهلها، وحال المسلمين .. ثم جاء إلى فتح عِيَاض بن غَنْم الفهري، وفتح عثمان ابن أبي العاص الثقفي، وفتح سُراقة بن عمرو، وفتح سلمان بن ربيعة
стр. 81
الباهلي، وفتح حبيب بن مَسْلَمَة الفهري، إلى أن وصل إلى (عبرة الفتح) في استقامة السلف الصالح، وتعففهم، ورغبتهم فيما عند الله، لا فيما عند الناس، لذلك انتصروا بمبادئهم العالية، أكثر من انتصارهم بسيوفهم البتّارة. وفي الحرب العادلة التي خاضوها، وهي حرب ضدّ الظلم، والاستغلال، والاستعباد، فاستحوذوا على ثقة الشعوب المغلوبة، فتعاونت هذه الشعوب مع الفاتحين العادلين.
ثم تحدّث عن استعادة فتح أرمينية التي انتقضت وثارت على العرب والمسلمين الذين كانوا يقتتلون فيما بينهم، في فتن كقطع الليل المظلم، ثم استقلت عن الدولة الإسلاميّة.
تحدّث عن جهاد محمد بن مروان، ومَسْلَمَة بن عبد الملك، والجرّاح ابن عبد الله الحكمي، وسعيد بن عمرو، ومروان بن محمد، وكيف استعادوها بصعوبة وتضحيات جسام، ثم خلص إلى العبرة المستخلصة من استعادة فتح أرمينية فقال:
" وكان المسلمون الأولون يحرصون على تعلُّم القرآن الكريم، والحديث الشريف، واللغة والتاريخ، وعلى تعليمها، لتقويم عقولهم وقلوبهم وألسنتهم، لبناء الفرد المسلم إنساناً، ولبناء المجتمع الإسلاميّ أمّة، حتى يربَّى الفرد مثالياً وحتى لا تُقهر الأمة أبداً.
" وكان الفرد يعتبر بالتاريخ ليتأسَّى بالمحسنين، فيسجّل بأعماله صفحات من نور في تاريخ أمته، ويترفّع عن أخطاء المسيئين حتى لا يسوِّد صفحات أمّته، ويلحق بها العار " (١).
стр. 82
وجال اللواء خطاب جولة في التاريخ، وقارن الفاتحين الأولين، بالفاتحين التالين، وكانت فروق واضحة بين الجيلين، فقلَّ المجاهدون، وكثر المحترفون.
وعندما وصل به المطاف إلى العصر الحديث، رأى الخزي في استخزاء العرب والمسلمين، الذين استقلوا في أواخر النصف الأول من القرن العشرين، ولكنهم بقوا يعانون من الاستعمار الفكري البغيض، حتى سيطر الصهاينة على فلسطين والجولان والضفة وسيناء، في غياب الجهاد، وغياب التمسك بالإسلام العظيم.
كانت انتصاراتهم في عصر الفتح الذهبي، وعصر استعادة الفتح، انتصار عقيدة، وحّدت صفوفهم، وجمعت كلمتهم، وجعلتهم كالبنيان المرصوص، فلما غيَّر المسلمون ما بأنفسهم، وانحرفوا عن عقيدتهم، لم ينتصروا قطّ، لأن أنفسهم هانت عليهم، فهانوا على الأمم.
لقد أصبح المسلمون في سنوات معدودات بالإسلام في الأوج، فقادوا العالم عسكرياً وسياسياً وحضارياً، وصاروا خير أمة أخرجت للناس، فلمّا تخلّوا عن الإسلام، صاروا في الحضيض ..
تلك هي عبرة استعادة الفتح (١).
ثم تحدّث عن القادة الفاتحين لأرمينية، والقادة الذين استعادوا الفتح بالتفصيل، وهم الذين ذكرناهم آنفاً، وحسب الخطة التي كان اختطها في المقدمة، وسار على نهجها في كل كتاباته عن المعارك، وعن القادة الفاتحين .. فمثلاً عندما تحدّث عن القائد عياض بن غَنْم الفهري،
стр. 83
فاتح الجزيرة وشطرٍ من أرمينية، تحدّث عن إسلامه، وعن جهاده في العراق، والشام، وتحدّث عنه فاتحاً، وإنساناً، وقائداً، وكذلك كان حديثه عن سائر القادة الفاتحين.
بقي أن نعرف أن اللواء المؤلف رجع إلى (٨٦) مرجعاً ومصدراً عربياً، و (١١) مرجعاً أجنبياً، في تأليف هذا الكتاب القيّم.
***
стр. 84
قادة الفتح الإسلامي
في بلاد ما وراء النهر
جاء هذا الكتاب في (٥٢٤) صفحة، وكانت طبعته الأولى عام ١٩٩٨ م قدّم له بمقدمة قيمة، حول إعادة كتابة التاريخ العسكري العربي الإسلامي، وهو تاريخ فخم يستحقّ الدراسة الواعية لمصلحة العرب والمسلمين في حاضرهم ومستقبلهم، والمصادر الموثوقة متوفرة في مصادرنا العربية الإسلامية، وتتطلب الكتابة بأسلوب حديث يكون وسطاً بين إطناب الغربيين، ومتون العرب، ولاحظ خطّاب العقوق الذي لحق بالقادة الفاتحين، فقد كتب القدامى عن طبقات الفقهاء، والشعراء، والأدباء، والنحاة .. ولكنهم لم يكتبوا عن القادة، وتابعهم في عقوقهم هذا، الكتّاب المعاصرون، مع أن الكتابة عن القادة العسكريين لا تقل أهمية عن كتب الطبقات الأخرى، فهم الذين فتحوا البلاد، وحملوا الإسلام، ونشروا اللغة العربية في البلاد المفتوحة.
ويرى اللواء خطّاب أن الكتابة عن القادة الفاتحين ليس أمراً يسيراً، لعدم وجود الدراسات التفصيلية عن كل قائد، أو لندرتها وضعفها، والذي يريد الكتابة عنهم اليوم، عليه أن يبحر في عالم المصادر العربية الإسلامية الموثوقة، ويجمع شتات ما كُتب عن القائد الذي يرغب في الكتابة عنه .. وهذا يعني أن خطّاباً درس عشرات المصادر ومئاتها، عربية وأجنبية، قبل الشروع في الكتابة عن أولئك القادة الفاتحين.
стр. 85
ويرى أن لا يقتصر الكاتبون على ترجمة المشاهير من القادة، بل لابدّ من الكتابة عن المغمورين أيضاً، والكتابة عن هؤلاء أصعب وأعسر.
كما لابدّ من الكتابة عن العسكرية الإسلامية، ومصادرها متوفرة في القرآن الكريم، والسُّنّة النبوية المطهَّرة، والسيرة النبوية الشريفة، وكتب الفقه الإسلامي، وكتب التاريخ؛ ففي القرآن والحديث والفقه مبادئ العسكرية الإسلامية، وفي التاريخ: التطبيق العملي لتلك المبادئ.
ولابدَّ من عرض العسكرية الإسلامية بأسلوب حديث يفهمه القارئ والمختص، فقد تغيّرت المصطلحات .. ونحن - بهذا - نأمل أن تُدرَّس العسكرية الإسلامية في المدارس والمعاهد والكليّات العسكرية، وأن تصبح العسكرية الإسلامية هي السائدة في القوات المسلحة، وأن يستعيضوا بها عن العقيدة العسكرية الغربية والشرقيّة اللتين جرّتا على العرب والمسلمين الهزائم، فتكاثرت عليهم النكبات، وحلّت الكوارث والمصائب.
ودعا إلى تحقيق كتب التراث العسكري، كما دعا أصحاب الاختصاص إلى التأليف في العقيدة العسكرية العربية الإسلامية.
وبعد هذه المقدّمة القيمة التي تكررت بعض معانيها وأفكارها في كتبه الأخرى، جاء إلى صلب الكتاب، فتحدّث عن بلاد ما وراء النهر قبل الفتح الإسلامي وفي أيامه .. تحدّث عن موقعها، وأقاليمها، ونهريها، وذكر لمحات من تاريخها القديم، ومدنها .. تحدّث عن بخارى وسمرقند، وعن إقليم خُوارزم، عن مدنه وحاصلاته، وعن سائر الأقاليم الأخرى، ثم تحدّث عن فتح تلك البلاد، واستعادة فتحها بعد انتقاضها وانفصالها عن الدولة الإسلامية.
تحدّث عن الأحنف بن قيس، وعن فتح الحكم بن عمر الغفاري،
стр. 86
وفتح عبيد الله بن زياد، وفتح سعيد بن عثمان بن عفان، وفتح سَلْم بن زياد، وأميّة بن عبد الله، وفتح المهلّب بن أبي صُفْرة، ويزيد بن المهلب، وفتح قتيبة بن مسلم الباهلي، وتوقَّف طويلاً عند قتيبة وأعماله الحربية، ثم ذكر فتح عبد الرحمن بن مُسْلم الباهلي، وصالح بن مسلم الباهلي الذي كان له دور كبير في فتح مدينة سمرقند صلحاً.
ثم جاء إلى (عبرة الفتح واستعادة الفتح)، وردّ على مفتريات المؤرخين الغربيين وأذنابهم وتلاميذهم الذين يفتئتون على الحقائق التاريخية، تنفيساً لأحقاد تملأ نفوسهم.
ثم تحدّث بالتفصيل عن أولئك القادة الفاتحين الاثني عشر الذين ذكرناهم آنفاً، حسب المنهاج الذي اختطه لنفسه في مقدّمة هذا الكتاب، وسائر كتب قادة الفتوح الأخرى.
هذا وقد اعتمد الكاتب على (٩٧) مصدراً ومرجعاً عربياً وأجنبياً في تأليف هذا الكتاب القيّم.
***
стр. 87
بين العقيدة والقيادة
يقع هذا الكتاب الكبير في أكثر من ست مئة صفحة، قدّم له الشيخ العلامة محمد أبو زهرة بمقدّمة ضافية بديعة، ثم كانت مقدّمة المؤلف عن معاناته في الجيش العراقيّ الذي كان أكثر ضباطه من الفاسدين المنحرفين، وقد ألف اللواء خطاب هذا الكتاب ليردّ على أولئك الفاسدين الذين يظنون أن لا علاقة بين الضابط والتديّن إلا العلاقة السلبيّة .. فأراد المؤلف أن يوضح الصّلة الوثيقة بين العقيدة والقائد، " وأن القيادة الرشيدة لا بّد أن تدفعها عقيدة مؤمنة، وقلب لم يرتكس في المعاصي، ونفس لم تُدَنَّس بالفسوق والعصيان والانحراف، وإرادة قويّة ضابطة غير خاضعة لهوى يهوي بها، بل هي سيِّدة على النفس حاكمة لها ".
في بحث (العقيدة) ربطٌ وثيق بين العقيدة والقيادة، فقد عَرَّفَ العقيدةَ بأنّها " مُثُلٌ عليا يؤمن بها الإنسان، فيضحّي - من أجلها - بالأموال والنفس، لأنها أغلى من الأموال والنفس ".
وهذا التعريف يحدّد حوافز التضحية، والبذل، والفداء، في المجال العسكري.
ويقرر أن " الجيش لا قيمة له - من الناحية العسكرية - بدون عقيدة تجمع شمله، وتوحّد صفوفه، وتشيع فيه الانسجام الفكريّ الذي بدونه لا يتمّ تعاون ولا اتحاد ".
стр. 88
" وكلُّ جيش في العالم مؤلف من عنصرين: عنصر مادي، وعنصر معنوي ".
" والمعنويات هي العقيدة، وقد أثبت تاريخ الأمم أن الجيوش لا تهزم لقلَّة مواردها، بل لضعف عقيدتها "، وقد قرر عباقرة العسكريين أن المعنويات كانت، ولا تزال، وستبقى عاملاً حاسماً في إحراز النصر.
وعَرَّفَ القيادة بأنها الأعمال التي يضطلع بها القائد في قيادة الجنود، والقائد من كان على رأس الجماعة، وكان للجماعة رأساً يتبعه الناس. ثم تساءل:
ما علاقة القيادة بالعقيدة ؟
وأجاب بأنه لا بد للإجابة على هذا التساؤل، من مراجعة تراثنا العربي الإسلامي أولاً، والمصادر العسكرية الحديثة ثانياً.
وفي بحثه (مع التراث العربي الإسلامي) جال جولات في هذا التراث المتميز بأصالة بحوثه العسكرية، ودقّتها، وشمولها، فقد بلغ العرب في العلوم العسكرية شأواً بعيداً، حتى إن صفات القائد مسطرة ليس في الكتب العسكرية وحسب، بل في كتب الفقه أيضاً .. وقد اقتصر المؤلف على خمسة كتب منها، وكلها تؤكد أن القائد العسكري يجب " أن يجعل رأس سلاحه في حربه: تقوى الله وحده، وكثرة ذكره، والاستعانة به، والتوكل عليه، والفزع إليه، يسأله التأييد والنصر، والسلامة والظفر، وأن يعلم أن ذلك إنما هو من الله جل ثناؤه، لمن شاء من خلقه، وكيف شاء، لا بالأرب منه والحيلة، والاقتدار والكثرة، وأن يبرأ إليه - جلّ وعزّ - من الحول والقوة، في كل أمر ونهي ووقت وحال، وألا يدع
стр. 89
الاستخارة لله في كل ما يعمل به، وأن يترك البغي والحقد، وينوي العفو، ويترك الانتقام عند الظفر، إلا ما كان لله فيه رضا، وأن يستعمل العدل وحُسن السيرة، والتفقد للصغير والكبير بما فيه مصلحة رعيته، وأن يعتمد في كل ما يعمل به في حربه، طلب ما عند ربه ، ليجتمع له به خير الدنيا والآخرة ".
و" أن يكون حسن السيرة، عفيفاً، صارماً، حذراً، متيقظاً، شجاعاً ".
وقرر الماوردي في (الأحكام السلطانية) أنه:
" يجب أن يأخذ جيشه بما أوجبه تعالى من حقوقه، وأمر به من حدوده، حتى لا يكون بينهم تجوّرٌ في دين، ولا تحيُّفٌ في حق ".
وجاء في كتاب (الأحكام السلطانية) للقاضي أبي يعلى: " أن يقصد بقتاله نصرة دين الله تعالى .. ولا يقصد في جهاده استفادة المغنم، فيصير من المتكسبين، لا من المجاهدين ".
وهكذا نقل بعض النُّقول من كتاب (السياسة الشرعية) لابن تيمية، ومن كتاب (الأدلة الرسمية في التعابي الحربية) لمحمد بن مَنْكَلي نقيب الجيش في سلطنة الأشرف شعبان على مصر، ثم انتقل إلى العصر الحديث، وإلى المشير مونتكمري على وجه الخصوص، لإقناع من لا يقنع إلا بما يقوله الأجانب من الشرق أو الغرب.
اقتبس المؤلف من كتاب مونتكمري (السبيل إلى القيادة) عدّة اقتباسات تؤيّد وجهة نظره، في الربط بين القيادة والعقيدة، وخصّ هذا الكتاب، لأنه مبنيٌّ على تجارب عمليّة امتدت خمسين سنة في الخدمة العسكرية.
стр. 90
ومن صفات القائد الناجح عنده، أن يكون متفائلاً دائماً، وأن يكون ذا عزيمة وثبات في وجه المصاعب، وأن يبثّ الثّقة في نفوس رجاله، وأن يكون مخلصاً، فيه غيريّة وإيثار. ثم يتساءل مونتكمري:
" هل من علاقة للدّين بالقيادة؟ ".
ويجيب هو نفسه: " لا يستهوي القائد الكثيرين من الناس، إن لم يتحلَّ بالفضائل الدينية ".
والفضائل الدينية عنده هي: الهُدى، والعدالة، والانضباط والجلادة، ثم يذكر - مونتكمري - أن محمداً ﷺ ، كان من أعظم القادة في كل الأزمان.
ويعتبر العامل الأكبر في نفوذ القائد ونجاحه، هو إخلاصه، وكونه قدوة، وخاصة في الفضائل الدينية، ولا يهمّ أن يكون القائد من الطبقة العليا أو السُّفلى في مجتمعنا، ويقول:
" إنني لا أدري كيف يكون قائداً، إن لم تكن حياته الخاصة فوق الشبهات، فإن لم تكن حياته الخاصة فوق الشبهات، فلن يحترمه الذين يقودهم، ويسحبون ثقتهم منه، وإذا ما حدث ذلك، فستفقد قيادته تأثيرها ".
ويقول: " أعتقد بأن الاستقامة في القضايا المعنوية الكبرى، وفي الفضائل الدينية، أمر ضروري لنجاح القائد ".
ويقول: لقد اقتضت القيادة العسكرية دوماً مهارة فنيّة، وقوة وخصالاً روحية " (١).
стр. 91
ويقول: " يجب أن يكون القائد مستقيماً كلّ الاستقامة " (١).
" ويجب أن يكون ذا يقين باطني يسمو أحياناً فوق العقل " (٢).
وهكذا يستمر استعراض المؤلف كتاب مونتكمري، وفي نُقُوله منه، وهي مهمّة، لأنّها تبيّن صلة العقيدة والتربية والسلوك الحسن، بالقيادة الناجحة.
وأخيراً، يصف اللواء خطاب، المشير مونتكمري بقوله:
" بقي أن تعرف، أنّ مونتكمري متدين إلى أبعد الحدود، لم يدخّن، ولم يعاقر الخمر، ولم يكشف ذيله على حرام، وكان في حياته مستقيماً، متقشفاً، ومع ذلك، فهو أعظم القادة الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ".
فأين من يدّعي أن القيادة والعقيدة متناقضان؟
ويسير اللواء خطاب خطوات (مع القادة الآخرين) كالمشير (ويفل) من أبرز القادة الإنكليز في الحرب الثانية، وآيزنهاور القائد العام لقوّات الحلفاء في أوروبة، وكان متديّناً، ورعاً، ملتزماً بتعاليم الدين - المسيحي طبعاً، وهو الذي صار رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية - وغيرهم من الفرنسيين أو الغربيين عامة، ممن ينهلون من مناهل الدين، ويعانقون بين العقيدة والقيادة، ويخلص إلى القول:
" إن العقيدة ضرورية للغاية، للقائد وللجنود أيضاً، والتمسّك بعقيدة فاسدة، خير من التخلي عن أيّ عقيدة.
стр. 92
" وقد كان من جملة أسباب اندحار العرب في حرب حزيران سنة ١٩٦٧ م هو تخليهم عن عقيدتهم السماوية العظيمة. لذلك انتصرت العقيدة الفاسدة التي يتمسّك بها اليهود، على من لا عقيدة لهم .. ويوم يعود العرب إلى عقيدتهم، فلن يُغْلَبُوا من قلة أبداً ".
ثم انتقل المؤلف إلى بحث (الإسلام والنصر) فكتب عن أثر الإسلام في العرب، وحاول الاقتصار على الناحية العسكرية، لأنها هي التي جعلت لهم مكانة سامية بين الأمم، لأن الدول لا تحترم غير الأقوياء ..
تحدّث عن العرب في الجاهلية؛ عن إيجابياتهم وسلبياتهم، حتى إذا جاء الإسلام، وحَّدَ عقائدهم، وأهدافهم، وصفوفهم، ونظّمهم، ونقَّى أرواحهم، وقضى على سلبياتهم، وأكد مكارم الأخلاق عندهم .. وتسامت تعاليمه بمستواهم العقلي، وكان لعقيدة اليوم الآخر، أثر عظيم في بيع كثير منهم نفوسهم في سبيل إعلاء كلمة الله .. لقد كان فضل الإسلام على العرب عظيماً.
وفي بحث (الإسلام في مجال التربية العسكرية) تحدث عن التدريب الفردي، فعرّفه، وأشار إلى الصفات الخالدة للجندي الحق، كالطاعة، أو الضبط، والصبر، والثبات، والشجاعة، والحذر واليقظة وعدم الاستهانة بالعدو، وأن يجاهد بماله ونفسه في سبيل الله، وأن يكون متقناً لفنون القتال.
ثم تحدث عن التدريب الإجمالي، والحرب العادلة، والحرب النفسية، وعزة الإسلام، ثم انتقل إلى الحديث عن (التطبيق العمليّ في عهد النبوة) .. في مكة المكرمة، حيث تعرّض للأهوال، ثم كانت الهجرة بعد بيعتي العقبة، وفي المدينة المنورة لقي الألاقي من يهود والمنافقين
стр. 93
والمشركين، ثم كان الإذن بالقتال، والجهاد الحاسم في بدر، وأحد، وسائر الغزوات الأخرى، حيث كان الرسول القائد ﷺ قدوة حسنة لسائر المسلمين.
وفي حديثه عن الصحابة الكرام، ذكر ما قدّموه من تضحيات جسام في شتى المجالات والنواحي، الأمر الذي جعل الرسول القائد ﷺ يأمرهم بالهجرة من مكة المكرمة إلى الحبشة.
وفي المدينة المنورة تآخى المهاجرون والأنصار مؤاخاة لم يعرفها التاريخ، ولم يعرف مثلها أو ما هو أدنى منها، وأظهر المسلمون إخلاصاً عجيباً لعقيدتهم، فقاطعوا أقرباءهم وحلفاءهم من يهود ومنافقين، ثم خاضوا معركة بدر، حيث التقى الآباء بالأبناء، والإخوة بالإخوة .. خالفت بينهم المبادئ، ففصلت بينهم السيوف.
وفي معركة أُحد استبسل المسلمون، وقدّموا سبعين شهيداً، كان فيهم أسد الله حمزة بن عبد المطلب. وفي كارثة الرجيع قدّموا ستة شهداء، ويوم الأحزاب زُلزل المسلمون أو كادوا، وكانت محاسبة الغادرين من يهود بني قريظة عادلة، وكان إخلاص الأنصار عجيباً.
وفي الحديبية، وفي مؤتة، وفي سواهما، كان المسلمون وسيبقون مضرب الأمثال في الإخلاص لإسلامهم، والتضحية في سبيل الله تعالى.
ومن يقرأ ما كتبه المؤلف، واستشهد عليه، يجد العجب العجاب.
ثم انتقل الكاتب إلى التطبيق العمليّ في أيام الفتح الإسلاميّ العظيم، أيام الصحابة والتابعين، فتحدّث عن التخطيط الأول للفتح الإسلامي، الذي كان نسيج وحده في تاريخ البشر، لا يشبهه فتح، ولا يدانيه، ولا يقاس به.
وقد كان الرسول القائد ﷺ هو المخطط الأول للفتح الإسلامي،
стр. 94
فهو واضع الخُطّة التمهيدية التي حملت الجيوش الإسلامية على فتح أرض الشام، وتأسيس أول ركن لدولة الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية، على الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، في معركة مؤتة التي كانت نتائجها وآثارها بعيدة المدى، ثم في غزوة تبوك التي كانت إيذاناً بانطلاق الفتح الإسلامي لتحقيق أهدافه.
وتحدّث المؤلف عن (بعث أسامة بن زيد)، وأثره في المرتدين وغيرهم، وتأديب القبائل العربية القاطنة في الشمال، تلك التي ما لبثت أن دخلت في الإسلام، وصارت من الذادة عنه.
وتحدّث عن حروب الردّة التي شملت أكثر العرب إلا أهل المدينة ومكة والطائف، وأقساها كانت معركة اليمامة، كما تحدث عن معركة اليرموك في الشام، ومعركتي الجسر والقادسية في العراق، وفتح المدائن، وما صاحب تلك المعارك من النماذج البطولية، ثم انتقل إلى أفريقية، فالأندلس، وقرر أن انتصار المسلمين في تلك المعارك، كان انتصار عقيدة، وضرب على ذلك أمثلة ناطقة بإيمان أولئك الأبطال الميامين الذين ضَحَّوا بدمائهم، وأموالهم، في سبيل الله.
ثم جاء إلى التطبيق العملي بعد الفتح الإسلامي العظيم على أيدي عدد من القادة المنتصرين: أسد بن الفرات، فاتح جزيرة صقلية، وصلاح الدين الأيوبي، قاهر الصليبيين، وقطز، قاهر التتار، ومحمد الفاتح، فاتح القسطنطينية. وسبب اختيار هؤلاء القادة العظام، ما كان لانتصاراتهم من آثار مصيرية، لأنها كانت انتصارات استراتيجية، وليست تكتيكية .. رفعت شأن العرب والمسلمين، ولا تزال آثارها ونتائجها ظاهرة ملموسة .. وهذه الانتصارات أحرزها قادة متدينون بكل ما في التدين من المعاني، بينما لم نجد قائداً عربياً أو مسلماً واحداً غير متدين، استطاع
стр. 95
إحراز انتصار استراتيجي واحد، منذ انحسر مد الفتح الإسلامي العظيم حتى اليوم .. ولن يستطيع أحد أن يفعل ..
ثم شرع يتحدث عن القائد المنتصر (أسد بن الفرات) تلميذ الإمام مالك بن أنس الذي أوصاه بتقوى الله، والقرآن، والمناصحة لهذه الأمة .. كما تلقى (أسد) العلم على تلاميذ أبي حنيفة في بغداد: أبي يوسف، ومحمد، كما طلب العلم في مصر، وفيها ألف كتابه (المدوّنة الأسدية) التي جمع فيها أجوبة أستاذه ابن القاسم في الفقه، ثم عاد إلى (القيروان) فسمعها و (الموطأ) منه خلقٌ كثير، كما تلقّى الناس العلم عنه، حتى غدا إماماً، فولاّه ابن الأغلب قضاء إفريقية، فأقام في القيروان يقضي بين أهلها بالكتاب والسُّنّة، حتى خرج لغزو صقلية أميراً للجيش، فقد جمع له ابن الأغلب بين الإمارة والقضاء.
خرج أسد بجيشه المؤلف من عشرة آلاف رجل، منهم ألف فارس، حملتهم مئة سفينة، سنة ٢١٢ هـ وفي طريقه إلى (صقلية) فتح جزيرة (قوصرة) صلحاً، وتغلب أسد على الروم في معركة حامية جرت في ميدانٍ بين بالرمو ومازر سُمّي باسم (بلاطه) فيما بعد، وكان الصقليون يفوقون المسلمين عَدَداً وعُدَداً، كانوا مئة وخمسين ألف مقاتل. وفَرَّ الرُّومُ نحو الجبهة الشرقية، وحشدوا جموعهم حول مدينة (سرقوسة)، ولاحقهم أسد بجيشه المنتصر، مستثمراً النصر الذي حققه عليهم، وحاصر (سرقوسة) برّاً وبحراً، وفي ذلك الحين وصل أسطول الإمبراطور البيزنطي من القسطنطينية لنجدة الروم المحاصرين، واشتد القتال، وكانت معارك طاحنة خاضها المسلمون بقيادة الإمام أسد بن الفرات الذي ما لبث أن مات أثناء القتال سنة ٢١٣ هـ/ ٨٢٨ م، وتمكن المسلمون من فتح جزيرة صقلية.
ثم تحدّث الكاتب عن الإمام القائد المنتصر أسد بن الفرات إنساناً،
стр. 96
وقائداً، فقد كان إماماً من أئمة المسلمين، وشيخاً من شيوخ الإفتاء، ورئيساً من رؤوس القضاء، وكان أول من جمع بين القيادة والقضاء، فكان عالماً، ومجاهداً وشهيداً، سقط مضرَّجاً بدمائه، ولم يسقط السيف والقلم من يده.
ثم تحدّث عن صلاح الدين الأيوبي، قاهر الصليبيين، ومحرر بيت المقدس، وبطل معركة حطّين .. الذي كان حسنة من حسنات البطل نور الدين الشهيد، كما كان الفاروق عمر حسنة من حسنات أبي بكر الصدّيق ﵁ .. لأن نور الدين هو الذي جمع الشَّمْل، ورصَّ الصفوف، ووحَّدَ العرب، ووجَّه المسلمين إلى حرب الصليبيين، ومهَّد الطريق لصلاح الدين.
تحدّث عن حياة الأمير نجم الدين أيوب والد صلاح الدين، وأخيه أسد الدين شيركوه عمِّ صلاح الدين .. ثم عن حياة صلاح الدين، ولادةً، ووزيراً، وسلطاناً، وقائداً محنَّكاً مظفَّراً، في عدد من المعارك، كانت تاجها معركة حطين التي هي من المعارك الإسلامية الحاسمة .. فقد حشد صلاح الدين ما أمكنه من الطاقات المادية والمعنوية لمصر والجزيرة وبلاد الشام، ونظّمها من أجل المجهود الحربي الهادف إلى تحرير القدس وسائر البلاد العربية والإسلامية التي احتلّها الصليبيون، وقد أمضى صلاح الدين سبع عشرة سنة في الإعداد والاستعداد، ليقطف الثمرات اليانعة في معركة حطّين الفاصلة.
ثم تحدّث المؤلف عن معارك استثمار الفوز بعد حطين، فكان استيلاء صلاح الدين على قلعة طبريّة التي استعصت عليه من قبل، وعكا ونابلس، وحيفا، وقيساريّة، وصَفُّوريّة، والناصرة، وتبنين، وصيدا، وبيروت، وجبيل، ثم انكفأ فاحتلَّ الرَّمْلة، ويبنا، والدارون، وعسقلان،
стр. 97
وغزّة، وبيت جبرين، والنطرون. وقد تمَّ كلُّ هذا الزَّحف والفتح في أقلَّ من شهر.
كان هدف صلاح الدِّين تحرير القدس، وسحق المملكة الصليبيّة، وإعادة الصلة المباشرة بين مصر وبلاد الشام إلى ما كانت عليه قبل الغزو الصَّليبيّ. وقد استثمر نصره العظيم في (حطّين) فعزل بيت المقدس من الشّمال، ومن المناطق المجاورة لها، ليحرم الصليبيين من الإمداد البريّ، وحتى لا يستفيدوا من الإمداد البحريّ، استعاد الموانئ البحرية، بحيث لم يبق للصليبيين إلا الاعتماد على مواردهم القتالية الذاتية. وبهذا التطويق البريّ والبحريّ، وبفعل معركة حطّين، كانت معنويات الصليبيين منهارة في الحضيض، حتى إنهم كانوا يتوقّعون استسلام المدينة المقدَّسة بين لحظة وأخرى.
وعندما تحرّك صلاح الدين يوم الجمعة في العشرين من رجب سنة ٥٨٣ هـ/ ٢٠ من أيلول ١١٨٧ م إلى الجانب الشمالي من المدينة المقدسة، ونصب عليه المجانيق، وضايقه بالزحف والقتال وكثرة الرماة، حتى تمكّن من إحداث ثغرة في السور - شعر الصليبيون بخطورة الموقف، فبعثوا وفداً منهم إلى صلاح الدين، يطلب الأمان، ووافق صلاح الدين على منحهم الأمان، على أن يسلّم الإفرنج المدينة المقدسة.
ودخل المسلمون بيت المقدس في يوم الجمعة، السابع والعشرين من رجب سنة ٥٨٣ هـ/ الثاني من تشرين الأول سنة ١١٨٧ م ليلة الإسراء والمعراج، بعد احتلال دام زهاء تسعين سنة.
وتحدّث المؤلف عن حصيلة جهاد صلاح الدين وجهده التي دوَّخ بها الصليبيين، وهي تدل على قيادته الفذّة، وجهاده العظيم، فإذا أضفنا إليها توحيده مصر والشام وجزيرة ابن عمر، يكون صلاح الدين من أعظم
стр. 98
قادة المسلمين، جهاداً وجهوداً وإخلاصاً وحميّة وفتوحاً.
وتحدّث عن إنسانية صلاح الدين، وعن دينه وأخلاقه، وعن عبادته، ورأفته، ورحمته، وشهامته، وعدله وعلمه، وشجاعته، وذكائه، وكرمه، وحيائه، ونقائه، فقد كان مثلاً أعلى لرجاله في سائر أحواله.
كما قدّم المؤلف بعض النُّقُول من المصادر الأجنبية التي ما كان يسعها إلا الإشادة بأعماله البطولية، وسجاياه النادرة.
وكذلك فعل المؤلف في حديثه عن الملك المظفَّر قطز، وعن السلطان محمد الفاتح .. تحدَّث عن حياة كلّ منهما، وعن أعماله البطولية، وأخلاقه السامية، ودينه وعبادته .. في حديثه عن قطز مهَّد بالكلام عن التتار، وعن هولاكو وتدمير بغداد، ثم زحفهم إلى جزيرة ابن عمر، واستيلائهم على مدنها، ثم نزولهم على حلب، واستيلائهم عليها، وإحراقهم المساجد، وذبح الناس فيها، حتى سالت الدماء في أزقتها. ثم عن وصولهم إلى دمشق، وغدرهم بأهلها، واعتدائهم على نابلس، والكرك، وبيت المقدس، وغزة.
وتحدث عن موقف أوروبة التي فرحت بانتصارات التتار، وأحلام البابوات في إقامة حلف مع التتار، من أجل نشر النصرانية بينهم، ولضرب المسلمين، كما فاوضهم لويس التاسع على عقد اتفاقية عسكرية تنصُّ على أن يقوم الصليبيون والتتار بعمليات حربية ضد المسلمين، يكون دور التتار غزو العراق، وتدمير بغداد، والقضاء على الخلافة الإسلامية، ويكون دور الصليبيين حماية هذا الغزو التتري من الجيوش المصرية، بعزل مصر عزلاً تاماً عن سائر البلاد العربية.
وصف الأسقف دي مسنيل حملة التتار بقوله:
" لقد كانت الحملة التترية على الإسلام والعرب حملة صليبية
стр. 99
بالمعنى الكامل لها .. حملة مسيحية نسطورية، وقد هلل لها الغرب، وارتقب الخلاص على يد هولاكو وقائده المسيحي (كتبغا) الذي تعلق أمل الغرب في جيشيهما، ليحققا القضاء على المسلمين وهو الهدف الذي أخفقت في تحقيقه الجيوش الصليبية ".
وتحدّث عن زحف التتار باتجاه مصر، وكان قرار ملكها قطز وسائر الأمراء والعلماء، قتال التتار، ولا شيء غير القتال .. وحشد قطز حشوده، ونودي في القاهرة والفسطاط وسائر الأقاليم المصرية بالخروج إلى الجهاد.
جمع قطز أمراء المماليك، وقادة الجيش، وبذل جهداً عظيماً في رفع معنوياتهم المنهارة، واستحثَّ القادرين على حمل السلاح من الشعب المصري على القتال، واستحثَّ الأغنياء على البذل السّخيّ للحرب، وقد قدَّم لجيشه وللناس مثلاً حيّاً بشخصه، في تقديم ماله وروحه في سبيل الله.
كان قرار قطز أن تكون المعركة الفاصلة بينه وبين التتار خارج مصر، فكان قراراً عسكرياً فذاً.
ووصف المؤلف معركة (عين جالوت)، وما سبقها، وما لحقها من استثمار للفوز العظيم، بمطاردة فلول التتار حتى مدينة حلب، حيث ترك التتار ما كان في أيديهم من أسرى المسلمين، كما رموا أولادهم على قوارع الطرق، لينجوا هم بأرواحهم.
وتحدّث المؤلف عن (أسباب النصر) الهائل لجيش المسلمين على جيوش التتار الجرارة، بمعنوياتهم العالية، وتسليحهم، وتدريبهم، وخبراتهم القتالية، ورآها في:
١ - تعاون الملك قطز مع العلماء، فأمر رجاله بالمعروف ونهاهم عن المنكر، فخرج الجيش من مصر تائباً طاهراً.
стр. 100
٢ - تحلي قطز بإرادة القتال.
٣ - إيمان قطز بالله، واعتماده عليه، وكذلك جيشه المؤمن، فعندما اطمأنّ قطز إلى نصر الله، ترجَّلَ عن فرسه، ومرَّغ وجهه في التُّراب، وسجد لله شكراً على نصره المؤزَّر. وبهذا كان انتصار المسلمين في (عين جالوت) انتصار عقيدة، طهر به بلاد الشام من التتار، ثم قضى شهيداً مظلوماً.
والتطبيق العمليُّ الرابع بعد الفتح الإسلامي كان عن السلطان محمد الفاتح، فاتح القسطنطينية، فتحدّث عن أيامه الأولى، عن تعليمه، وتدريبه المبكر على إدارة الدولة عمليّاً في حياة أبيه، كما تدرَّب على القيادة العسكرية، وتحدّث عن المحاولات الأولى لفتح القسطنطينية، وعن أهمّيتها وموقعها الإستراتيجي المنيع، وما كان من أمر آخر الأباطرة: قسطنطين الحادي عشر مع الفاتح، ونقضه العهد الذي كان أبرمه معه، ومعاناة العثمانيين من البيزنطيين، " ولم ينس محمد الفاتح أن بيزنطة هي التي حرّضت تيمورلنك على قتال آبائه وأجداده، فسبّبت ما نزل بالدولة العثمانية من نكبة وبلاء.
ولم ينس أن القسطنطينية تفتح أبوابها لكل خارج على الدولة العثمانية، كما كانت تعتقل الأمراء العثمانيين وتحبسهم لديها، ثم تهدّد بهم السلاطين العثمانيين، وتطلقهم في اللحظة المواتية، وتجرّ على الدولة العثمانية بذلك حرباً أهليّة دامية " إلى آخر ما هنالك من مسوّغات تدفع به إلى فتحها.
ثم تحدّث عن التمهيد للفتح، ضمن خُطّة مُحْكَمة، مُضْنية، ولكن، ما كان منها بُدٌّ لفتح القسطنطينية التي صارت شوكة في خاصرة الدولة العثمانية.
ولأنه توقَّع أن تهبَّ أوروبة لنجدة قسطنطين، عقد محمد الفاتح
стр. 101
سلسلة من الاتفاقات مع البندقية، والمجر، والبوسنة، وغيرها من الدول والإمارات، وشرع في بناء قلعة منيعة على الشاطئ الأوروبي من البسفور، عند مضيق موضع من القناة، وأحكَمَ - بذلك - إغلاق هذا الممرّ المائيّ، ومنع وصول أيِّ إمدادات قد تأتي من اتجاه البحر الأسود، كما نصب المجانيق والمدافع الضخمة على الشاطئ، لتحرق أيَّ قادم إلى القناة، وأحكم الحصار على القسطنطينية التي حشد لها الفاتح الحشود الضخمة من الجيش العثماني النظامي، ومن المجاهدين المتطوّعين الذين جاؤوا من آسية وأوروبة ليشاركوا في هذا الفتح العظيم، وقد بلغ عدد الجميع حوالي مئة وخمسين ألف مقاتل، بينما كان عدد الروم المدافعين عن المدينة خمسين ألف مقاتل.
وقام السلطان الفاتح ببناء السفن الحربيّة، وتصنيع المدافع الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، ومنها المدفع العملاق الذي أطلقوا عليه اسم سلطان المدافع أو المدفع السلطاني، وسعى السلطان إلى شحن الروح المعنوية وبث روح الجهاد والاستشهاد في جنوده، ثم كان الزَّحف، وكانت المعارك الهائلة في البحر والبرّ وعلى الأسوار، وكانت كلُّها ضمن خُطّة مُحْكَمَة تضمن له النجاح، وكان فتح القسطنطينية مَلْحَمَةً من الملاحم الخالدة، وحُقَّ له أن يُسَمَّى فَتْحَ الفُتُوح، ودخل الفاتح المدينة على صهوة جواده، ثم تَرَجَّلَ عن فرسه، واستقبل القِبْلة، وسجد على الأرض، وحَثَا التُّراب على رأسه، شكراً لله على ما منحه من النصر، ثم توجَّهَ نحو كنيسة آيا صوفيا، ولمّا اقترب منها، تناهت إلى سمعه أصوات خافتة حزينة، هي أصوات النصارى الذين لجؤوا إليها، وغلَّقوا عليهم الأبواب، وشرعوا يصلّون ويدعون .. وعندما علم الراهب بمقدم السلطان، فتح له أحد أبواب الكنيسة، وخاف مَنْ فيها من قدوم السلطان، ولكن السلطان الفاتح الإنسان الرحيم طمأنهم، وطلب من الراهب أن يستمروا في صلواتهم،
стр. 102
ثم أمرهم أن يعودوا إلى منازلهم آمنين.
وسجد الفاتح من جديد، شكراً لله على نصره، ثم بعث من رجاله من يطوف في أرجاء المدينة، لتأمين الناس وتطمينهم، والطلب منهم أن يعودوا إلى حياتهم العادية.
وأمر السلطان بتحويل الكنيسة إلى مسجد، وارتفع فيها صوت الأذان، وأدَّى صلاة العصر، وأعلن أنه سوف يصلي صلاة الجمعة القادمة في المسجد الجديد.
وسلك السلطان الفاتح نحو أهل القسطنطينية سياسة التسامح، وأمر جنوده بحسن معاملة الأسرى الذين بين أيديهم، وفدى عدداً من كبار الأسرى من ماله الخاصّ، وطلب من الفارين أن يعودوا إلى منازلهم آمنين مطمئنين، ودعا الناس إلى مزاولة أعمالهم في مصانعهم ومتاجرهم، وطمأن الجميع أن يكونوا أحراراً في ممارسة طقوسهم الدينية.
وهكذا عاد أهل المدينة إلى حياتهم الطبيعية آمنين مطمئنين.
واستاءت أوروبة من هذا الفتح العظيم، وأخذت تكيد وتحشد وتؤلّب، الأمر الذي دفع السلطان الفاتح إلى مواصلة الحرب، والقضاء على كلّ الدول النصرانية القريبة من (بيزنطة) فقد قضى على قوات البلقان، والبلغار، وهزم المجر هزيمة ساحقة.
وهكذا صارت (البوسنة) كلها ولاية عثمانية سنة ٨٦٧ هـ/ ١٤٦٣ م، وأقبل أهلها على اعتناق الإسلام.
وكذلك كان أمر (الهرسك) بعد عام.
وخضعت (أثينة) لحكم العثمانيين سنة ٨٦٤ هـ/ ١٤٦٠ م، بل صارت اليونان كلُّها تابعة للدولة العثمانية.
стр. 103
كما فتح جزر الأرخبيل، والأفلاق، والبغدان، وأماصرة، وإمارة سينوب، وأرضروم، وطرابزون، وسواها .. كما طهّر حدوده الشمالية، فامتدّت دولته حتى البحر الأسود الذي صار بحيرة عثمانيّة.
وعندما استولى على مدينة (أوترانتو) الإيطالية في ١١/ ٨/ ١٤٨٠ م فزع البابا سيكست الرابع، وظن أنّ روما سوف تسقط في أيدي العثمانيين، كما سقطت القسطنطينية من قبل، فَهَمَّ بالفرار من إيطالية، ولكن المنية عاجلت السلطان الفاتح، فمات القائد البطل الذي كان أمّة في رجل في ٤/ ٣/ ٨٨٦ هـ - ٣/ ٥/ ١٤٨١ م.
وحسب منهج المؤلف في حديثه عن قادة الفتوح، تحدّث عن الفاتح الإنسان الذي نشأ نشأة علمية بعيدة عن السياسة والحرب، فقد كان وثيق الصلة بالثقافة، والعلم، والفكر، والفن، والإدارة والحكم، وكان للفاتح في هذه الميادين، مثل ما كان له في ميادين السياسة والحرب.
وقال عنه:
" ويُعَدُّ الفاتح أعظم سلاطين آل عثمان طُرّاً، وأعظم ملوك عصره، ويصحُّ أن يقال: إنه كان محور السياسة الدولية في عهده، وصاحب الكلمة الأولى في الشؤون العالميّة ".
" لقد كان محمد الفاتح فذاً عظيماً في كل ميدان من ميادين الحياة.
لا يكفُّ عن الحرص على المعرفة، حامياً للعلوم والآداب والفنون، أسبغ على أهلها أكرم رعاية وأسناها، وقدَّر كرامة الإنسان، وجعل حرية الضمير، وحرية الفكر والقول مشاعاً لجميع الناس ..
وكان عظيماً فذاً في حروبه وسياسته، قلّما ارتدّ عن غاية استهدفها، لا يبطره الظَّفَرُ إذا انتصر، ولا تُقْعده الهزيمة إذا انكسر.
стр. 104
وكان فذّاً في إدارته لملكه، وحسن حكمه لرعاياه، وسماحته نحو أهل الأديان الأخرى.
وكان فذّاً عظيماً في تديُّنه وورعه وتقواه، وفي استقامته وعدله وتقشُّفه، وفي خضوعه للحقّ، ولو كان مُرّاً ".
وفي الخاتمة تحدَّثَ عن صفة القيادة، والفروق بين القائد العسكري والقائد المدني، وضرورة العقيدة السليمة الراسخة لكل قائد، عسكريّاً كان أم مدنيّاً، وخاصّة القائد العسكريّ، وضرورة توفر أربعة شروط في القائد المتميّز المنتصر:
الطبع الموهوب، والعلم المكتسب، والتجرِبة العمليّة، والعقيدة الراسخة.
كما طالب أن يُقَدَّم القائد المناسب، للقيادة المناسبة، بعيداً عن الهوى وعن المصالح الشخصيّة.
ورأى أن القاسم المشترك بين قادة أمتنا، هو تمسُّكُهم بتعاليم الإسلام ورَغْبَتُهم الصادقة في إعلاء كلمة الله. لقد كانوا قادة (مبادئ) لا قادة (مصالح)، كما كان وراء كل قائد منهم، عالم عامل من علماء الإسلام، يُذْكي الشعور الدينيّ، ويحرّض على القتال، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويرفع المعنويات، ويصاول الحرب النفسيّة، ويبشّر بالنصر، ويكافح الانهزاميين.
ورأى أن اختيار القائد العقيدي مهم جداً، وهو خدمة للجيش والأمة والبلاد، كما أن اختيار القائد غير الملتزم بالعقيدة الراسخة، مهما تكن صفاته القيادية الأخرى، هو من مصلحة العدو دون ريب.
" وقد جَرَّبَ العرب والمسلمون - في ظروف مختلفة، ومناسبات
стр. 105
شتَّى - قادةً لا عقيدة لهم، فكان ضررهم أكبر من فائدتهم، وكان هَدْمُهم أكثر من بنائهم، على الرغم من تيسُّر بعض الصِّفات القيادية المتميّزة في قسم منهم ".
ثم استشهد المؤلف ببعض قادة (إسرائيل) المتمسّكين بالعقيدة الصهيونية التي هي عبارة عن الدين اليهودي، والقوميّة اليهودية، وقال:
" والعقيدة لا تقاوم إلا بعقيدة أصلح منها وأفضل، لها مقوّمات البقاء، لأنّ البقاء للأصلح، وتلك هي سُنَّةُ الحياة ".
" والتمسُّكُ بعقيدة فاسدة، أفضل من عدم التمسك بأية عقيدة .. فقد انتصرت إسرائيل بالعقيدة اليهودية على العرب الذين تخلَّوا عن عقيدتهم .. ".
وهذا قاده إلى الحديث عن (بناء الرجال) .. بناء الفرد، ودور البيت، والروضة والمدرسة، والجامعة، والدولة، في هذا البناء الذي يقود إلى طهر الأفراد، والأسر، والمجتمع، والدولة .. تربية الفرد على التمسك بأهداب الدين، والخلق القويم .. على حُبِّ الفضيلة، وكره الرذيلة .. ذلك أنّ قوّة الأمم ليست بكثرة نفوسها، بل بمتانة مُثُلها العليا، فلم يكن العرب والمسلمون أكثر من الفرس والروم في صدر الإسلام، ومع ذلك، غلبوا الفرس والروم .. بمبادئهم .. وهذا هو طريق النصر.
***
стр. 106
ومضات من نور المصطفى ﷺ -
هذا الكتاب هو تلخيص لحياة الرسول القائد، ﵊، لتكون سهلة المنال، يستفيد منها (العالم والجاهل، والتلميذ والمعلم، والطالب والأستاذ، وتفيد الداعية والدعوة). حاول فيه اختصار السيرة النبوية اختصاراً غير مخل، ليطلع المسلمون على سيرة (قائدنا، وقدوتنا، ورائدنا، وزعيمنا .. سيِّدي ومولاي رسول الله ﷺ ، سيّد القادات، وقائد السادات، رجل الرجال، وبطل الأبطال. إمام المجاهدين، وقائد الغرّ الميامين). (ودراسة سيرته العطرة - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - واجب على كل مسلم؛ حاكماً أو محكوماً، رئيساً أو مرؤوساً، عالماً أو جاهلاً، غنياً أو فقيراً، ضابطاً أو جندياً .. فأعماله تطبيق لتعاليم الإسلام، وأقواله تفصيل للكتاب العزيز، وأخلاقه أخلاق القرآن الكريم ومنهجه طريق الدعاة).
والمؤلف هنا كما هو في كتابه (الرسول القائد) ﷺ ، ولكنه قدم - هنا - لمحات من حياة النبي الكريم ﷺ : من ولادته إلى النبوة، ومن النبوة إلى الهجرة، وحياته في المدينة المنورة، ثم تحدث عن صفاته السامية، خَلْقيّة وخُلُقيّة: عن حسن خُلُقه، حلمه وصفحه، وعن تواضعه، وشفقته ومداراته، وحيائه، ورحمته للعالمين، وعن جوده وشجاعته.
ومنها انتقل إلى (الجهاد) فذكر عدداً من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحدثت عن الجهاد.
стр. 107
ثم قدّم درساً، بل دروساً في بناء الرجال من الرسول القائد ﷺ الذي كان يعرف أصحابه جيداً، فيضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ويحاول الإفادة منهم جميعاً؛ من القائد، ومن الجندي الشجاع، ومن الثري، ومن الفقيه والعالم، والشاعر، والحكيم، ومن رجل الإدارة.
ثم تحدث عن أسباب انتصارات الرسول القائد ﷺ فوجدها في القرار السريع الصحيح، وفي الشجاعة النادرة والإرادة القوية، وفي السيطرة على أعصابه، وفي بُعد نظره، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وفي الثقة المتبادلة بينه وبين جنوده، وفي المحبة المتبادلة بينهم، وفي الشخصية القوية النافذة، وفي القابلية البدنية، وفي تاريخه الشخصي الناصع، وفي معرفته مبادئ الحرب وتطبيقه إياها بحنكة ومهارة.
وتحدث عن جنوده الممتازين المتميزين بالعقيدة الراسخة، والمعنويات العالية، والضبط المتين، والتدريب الجيد، والتنظيم السليم، والتسليح الجيّد.
وأخيراً تحدَّث عن الحرب العادلة التي خاضها النبي ﷺ وأصحابه.
جاء الكتاب في (٨٩) صفحة من القطع الكبير، وكانت طبعته الشَّرْعيَّة الثانية عشرة عام ١٩٨٨ م من منشورات مكتبة النهضة في بغداد.
***
стр. 108
التصور الصهيوني للتفتيت الطائفي والعرقي
كتب اللواء خطاب هذا الكتاب عام ١٩٨٧ م ولم تساعده صحّته لمتابعة هذا البحث القيّم الذي هدف منه إلى تحذير العرب والمسلمين من مكايد اليهود، ليكونوا على بيّنة من أمرهم، وحتى لا يقولوا يوماً: ما جاءنا من نذير، فقد أنذرهم اللواء الباحث الاستراتيجي أكثر من مرّة، ولكن قادتهم عموا وصمّوا، ولم يستمعوا له ولم ينصتوا، ليعوا صوت النذير العريان قبيل وقوع نكبة حزيران، وقبلها وبعدها.
وقد رجع بنا المؤلف إلى العصور القديمة، واستعرض لنا مسيرة الغدر والخيانة لدى يهود منذ السبي البابلي الذي قام به نبوخذ نصر مرتين ضدّ اليهود، ثم ما كان من استقرار قسم منهم في العراق القديم الذي أحسن إليهم سكّانُه، فأساؤوا - أي اليهود - إليهم، وغدروا بهم، وعملوا على تفتيت بلادهم وتمزيقها، وحرّضوا أعداءهم عليهم، وأغروهم بغزوهم، ثم ساعدوهم في غزو العراق، وتقتيل أهله واستعبادهم. كلّ هذا من أجل إضعافه، وإرهاق أهله، لتكون لهم الغلبة عليهم.
ثم انتقل بنا المؤلف إلى (مصاولة الإسلام والمسلمين في عهد الرسالة) حيث ناصبوا النبيَّ ﷺ العداء، وأظهروا النفاق، ولم يرعوا المعاهدة التي أبرمها الرسول القائد ﷺ معهم بُعيْدَ هجرته إلى المدينة.
وقد أحصى المؤلف إحدى عشرة مكيدة لهم، وضرب الأمثلة على تلك المكايد من المصادر الموثوقة، كعهده في الأمانة والصدق فيما يروي من
стр. 109
كتب التاريخ المعتمدة .. ولكنّ الله ردَّ كيدهم في نحورهم، وكانت مكايدهم سبباً في تخليص شبه الجزيرة من شرورهم وآثارهم.
وتابع المؤلف (محاولات اليهود التخريبية على عهد الخلفاء الراشدين) فتحدث عن دورهم في استشهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، على يد أبي لؤلؤة المجوسيّ، ودورهم في إثارة الفتنة على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، التي تولّى كبرها اليهودي ابن السوداء (عبد الله بن سبأ) الذي أعلن الإسلام وأبطن اليهودية، ليفسد أهل البصرة والكوفة ومصر على عثمان وانتهت باستشهاده، وتمزيق وحدة الأمة. وقد تابع ابن السوداء مهمته التضليلية أيام الإمام علي، ﵁، فزعم أن علياً نبي، ثم زعم للناس أن علياً إله، وبعد استشهاد علي، زعم أن علياً لم يُقتل، بل رُفع إلى السماء كعيسى، وأن الذي قُتل شيطان في صورة علي. كما كان له دوره في تمزيق شمل المسلمين، بظهور الخوارج، وبمقتل علي، وفي المعارك التي دارت رحاها بين المسلمين.
وفي (مكايد اليهود) عبر القرون الأربعة عشر التي تلت عهد النبوّة، تحدّث عن مكايد اليهودي ميمون القدّاح الذي ادّعى الإسلام، وأسقط الفرائض عن أتباعه، فلا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حجّ، كما أباح كلَّ المحرّمات، فجوّز نكاح المحارم من الأمهات والأخوات والبنات، ودعاهم إلى الانسلاخ من سائر التعاليم الإسلامية، والضوابط الإنسانية، ومكّن بالغدر والخداع للباطنية، الذين انطلقوا يعيثون فساداً وإفساداً، قتلاً وحرقاً وتدميراً واغتصاباً، ويتعاونون مع الجيوش المعادية الغازية.
وميمون القدّاح هذا - يهوديّ متعصب ليهوديته، وحبرٌ من أحبار يهود، وكان عالماً بالفلسفة والتنجيم، وكان صائغاً في بلدة (السلمية) أعلن إسلامه، وأضمر يهوديته، ثم ألحق نسب ابنه سعيد بنسب آل النبي ﷺ ،
стр. 110
وكان وأتباعه يتعاملون مع اليهود، ويكلون إليهم أمورهم.
وعندما جاء من بعده العبيديون، استوزروا اليهود، فظلم اليهودُ المسلمين.
وتحدّث عن الفتن التي أحدثها القدّاحيون، ثم القرامطة، والأرواح التي أزهقوها، والأموال التي صُرفت، والجهود التي بُذلت، في سبيل إخماد تلك الفتن الشيطانية الباطنية التي أثاروها لتمزيق الأمة.
وفي (مكايد اليهود في التسلل إلى السلطة) تحدث عن المعاملة الطيّبة التي عامل المسلمون بها اليهود، لأنهم أهل ذمّة والذمة تعني العهد والأمان - حتى تسلموا مناصب رفيعة في الدولة العبّاسية، ولكنهم غدروا بالمسلمين عندما جاء التتار واستولوا على بغداد، فساموهم سوء العذاب، وساعدوا على تقتيلهم والتنكيل بهم.
وكذلك فعلوا في الأندلس، عندما استطاعوا التسلل إلى مراكز السلطة، فأثاروا الفتن، وحاكوا المؤامرات، وأوقعوا بين الأمراء، وغدروا بأرباب نعمتهم.
وتحدّث المؤلف عن مكيدة استخدام النساء للتأثير في الذين يريدون السيطرة عليهم، وضرب الأمثال بسفر (أستير)، وسفر (يهوديت)، وبما كان منهم في العصر الحديث، وبعد الهدنة عام ١٩٤٨ م في فلسطين، مع ضباط الأمم المتحدة، من فرنسيين، وهولنديين، وبلجيكيين، حتى صاروا جواسيس لدى اليهود الذين أغرقوهم بالجنس.
وتحدّث عن لجوئهم إلى إنشاء الجمعيات السرية، من أجل تحقيق أهدافهم الخبيثة، لأنهم قلة، ولا يستطيعون فرض هيمنتهم بغيرها، وكان من أهمّ أهدافهم، العمل على تجزئة أمم الأرض، وإثارة الحروب والفتن