← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سائرَ السَّنَةِ"؟ فقال: نعم. رواه سفيان بن عُيَيْنة، عن جعفر الأحمر (١)، عن إبراهيم بن محمد بن (٢) المُنتشِر، وكان من أَفضل أهل زمانه، أنه بلَغَه أنَّه مَنْ وسَّعَ على عيالِهِ يومَ عاشوراءَ وَسَّعَ (٣) الله عليه سائرَ سنتِهِ. فقال ابنُ عُيينَة: جرَّبناه منذُ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا إلا خيرًا. وقول حَرْبٍ: "إن أَحمَد لم يَرَهُ شيئًا" إنما أرادَ به الحديثَ الذي يُروَى مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، فإنه لا يصِحُّ إسنادُهُ. وقد رُوِي من وجوهٍ متعددةٍ لا يصِحُّ منها شيءٌ (٤). ومِمَّن قال ذلك محمدُ بن عبد الله بن عبد الحكم (٥). وقال العقيلي: هو غيرُ محفوظٍ. وقد رُوِي عن عُمَرَ من قوله، وفي إسناده مجهول لا يُعْرَفُ. وأما اتخاذُهُ مأتمًا كما تفعَلُهُ الرافضَةُ لأجل قتل الحسين بن علي ﵄ فيه، فهو من عَمَلِ مَنْ ضَلَّ سعيُهُ في الحياةِ الدنيا وهو يحسَبُ أنَّه يُحْسِنُ صُنعًا، ولم يأمر الله ولا رسولُه باتخاذ أيَّامِ مصائبِ الأنبياءِ وموتهم مأتمًا، فكيف بمن دُونَهم. ومن فضائل يوم عاشوراء أنه يومٌ تاب الله فيه على قوم. وقد سبَقَ حديثُ علي الذي خرَّجه الترمذي (٦) أن النبي ﷺ قال لرجل: "إنْ كُنْتَ صائمًا شهرًا بعدَ رمضانَ فصُمِ المحرَّمَ؛ فإنَّ فيه يومًا تابَ الله فيه على قوم ويتوبُ فيه على آخرين". وقد صَحّ من حديث أبي إسحاق (٧)،

стр. 107

عن الأسود بن يزيد (١)، قال: سألتُ عبيدَ بنَ عُمَير (٢) عن صيام يوم عاشوراءَ، فقال: المحرَّمُ شَهْرُ الله الأصم، فيه يومٌ تِيبَ فيه على آدمَ، فإن اسَتطعت ألا يمرَّ بك إلَّا صُمْتَه [فافعل] (٣). كذا رُوي عن شُعبة، عن أبي إسحاقَ. ورَوَاه إسرائيلُ (٤) عن أبي إسحاقَ، ولفظه: قال: إنَّ قومًا أذْنَبُوا فتابوا فيه فتيبَ عليهم، فإن استطعتَ إلا يمر بك إلَّا وأنتَ صائمٌ فافْعَلْ. ورواه يونُس عن أبي إسحاقَ، ولفظُه، قال: إنَّ المحرَّمَ شهرُ الله، وهو رأسُ السنةِ تُكتبُ فيه الكتُبُ، ويؤرَّخُ فيه التاريخُ، وفيه تُضربُ الوَرِقُ (٥)، وفيه يومٌ تابَ فيه قومٌ فتابَ الله عليهم، فلا يمرُّ بكَ إلا صُمْتَه، يعني يومَ عاشوراء. وروى أبو موسى المَدِيني من حديث أبي موسى مرفوعًا: "هذا يومٌ تابَ اللهُ فيه على قوم، فاجعلُوه صلاةً وصومًا". يعني يومَ عاشوراءَ. وقال: حسنٌ غريبٌ، وليس كما قال. ورَوَى بإسناده عن علي، قال: يومُ عاشوراء هو اليومُ الذي تِيبَ فيه على قوم يُونُسَ. وعن ابن عباس، قال: هو اليومُ الذي تِيبَ فيه على آدمَ. وعن وَهْب أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: أنْ مُرْ قومَكَ يتقرَّبوا (٦) إليَّ في أوَّلِ عشرِ المحرمِ، فإذا كان يومُ العاشرِ فليخرجوا إليَّ حتى أغفِرَ لهم. ورَوَى عبدُ الرزاق (٧)، عن ابن جُريجٍ، عن رجلٍ، عن عِكْرِمَةَ، قال: هو يومٌ تابَ اللهُ فيه على آدمَ، يومُ عاشوراء. ورَوَى عبد الوهاب الخفَّافُ، عن سعيد، عن قَتَادَةَ، قال: كنا نتحدث أن اليومَ الذي تِيبَ فيه على آدمَ يومُ عاشوراءَ، وهبَطَ فيه آدمُ إلى الأرض يومُ عاشوراءَ.

стр. 108

وقوله ﷺ في حديث علي: "ويتُوبُ فيه على آخرِينَ" حَثَّ للنَّاسِ على تجديدِ التوبةِ النَّصُوحِ في يوم عاشوراءَ، وترجِيَةٌ لِقَبُولِ التوبةِ مِمَّن تابَ فيه إلى الله مِن ذنوبه، [تابَ الله عليه] (١)، كما تابَ فيه على مَن قبلَهم. وقد قال الله تعالى عن آدَم: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (٢). وأخبَرَ عنه وعن زَوْجِه (٣) أنهما قالا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (٤). كتب عُمَرُ بن عبد العزيز إلى الأمصار كتابًا وقال فيه: قولوا كما قال أبوكم آدم ﵇: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (٤). وقولوا كما قال نُوحٌ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ (٥). وقولوا كما قالَ موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (٦). وقولوا كما قال ذو النون (٧): ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٨). اعترافُ المُذنِب بذنبِه مَع النَّدَم عليه توبةٌ مقبولةٌ. قال الله : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٩)، وقال النبي ﷺ : "إنّ العَبْدَ إذا اعترَفَ بذنبِهِ ثمَّ تابَ تابَ الله عليه" (١٠). وفي دعاء الاستفتاحِ الذي كان النبي ﷺ يستفتحُ به: "اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إلَه

стр. 109

إلا أَنْتَ، ظَلَمْتُ نفسِي واعْتَرَفْتُ بذَنْبِي فاغْفرْ لي إنَّه لا يغفرُ الذنُوبَ إلا أَنْتَ" (١). وفي الدُّعاء الذي علَّمه النبيُّ ﷺ للصدِّيق أنْ يقولَه في صلاته: "اللهمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظلمًا كثيرًا ولا يغفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنْتَ؛ فاغفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِن عندِكَ، وارْحَمْنِي، إنكَ أنتَ الغفورُ الرَّحيمُ" (٢). وفي حديث شداد بن أوس، عن النبي ﷺ : "سيِّدُ الاستغفارِ أَنْ يقولَ العَبْدُ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلهَ إلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا على عهدِك ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعوذُ بكَ من شرِّ ما صنعتُ، أَبوءُ بنعمَتكَ عليَّ، وأبوءُ بذنبِي، فاغْفِرْ لي، إنه لا يغفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنْتَ" (٣). الاعترافُ يمحو الاقترافَ، كما قيل: فإنَّ اعْتِرَافَ المرءِ يَمْحُو اقتِرَافَهُ … كما أن إنْكارَ الذُّنُوب ذُنُوبُ لمّا أُهْبطَ (٤) آدمُ من الجنةِ بكَى على تلك المعاهد - فيما يُرْوَى - ثلاثمائة عام، وحُقَّ لهَ ذلك. كان في دَارٍ لا يجوعُ فيها ولا يَعْرَى، ولا يَظمأ فيها ولا يَضْحَى (٥)، فلمَّا نزَلَ إلى الأرضِ أصابَهُ ذلك كلُّه، فكان إذا رأى جبريلَ ﵇ يتذكَّرُ برؤيته تلك المعاهِدَ، فيشتدُّ بكاؤه حتى يبكيَ جبريلُ ﵇ لبكائِه، ويقولُ له: ما هذا البكاءُ يا آدمُ؟ فيقولُ: وكيفَ لا أبكي وقد أُخْرِجْتُ من دارِ النعمةِ إلى دار البؤسِ. فقال له بعضُ ولدِهِ: لقد آذيْتَ أهلَ الأرضِ ببكائكَ، فقال: إنما أبكي على أصواتِ الملائكةِ حولَ العرش. وفي رواية، قال: إنما أبكي على جِوار ربِّي في دارٍ تربتُها

стр. 110

طيبةٌ، أسمَعُ فيها أصواتَ الملائكةِ. وفي رواية، قال: أبكي على دارٍ لو رأيتَها لزَهقَتْ نفسُكَ شوقًا إليها. ورُوي أنه قال لولده: كُنا نَسْلًا مِن نَسْلِ السَّماءِ، خُلِقْنا كخلقِهم، وغُذِّينا بغذائهم، فسبَانا عدوُّنا إبليسُ؛ فليس لنا فرحٌ ولا راحة إلا الهَمُّ والعَنَاءُ حتى نُرَدَّ إلى الدَّارِ التي أُخْرِجْنَا منها. فحيَّ على جَنَّاتِ عَدْنٍ فإنَّها … منازِلُكَ الأولى وفيها المُخَيم ولكِننا سَبْيُ العَدُوِّ فهلْ تُرى … نَعُودُ إلى أوطانِنا ونُسَلِمُ لمَّا التقى آدمُ وموسى ﵉ عاتَبَه (١) موسى على إخراجه نفسَهُ وذريّتَه من الجنة، فاحتجَّ آدمُ بالقدَرِ السابِقِ (٢). والاحتجاج بالقَدرِ على المصائب حَسَن، كما قال النبي ﷺ : "إنْ أصابَكَ شيء فلا تَقُلْ لو أني فعلْتُ كذا كان كذا (٣)، ولكن قُلْ قَدَّرَ الله وما شاءَ فَعَلَ" (٤)، [كما قيل] (٥): واللهِ لولا سابِقُ الأقدارِ … لم تبعُدْ قَط دارُكُمْ عن دارِي مِن قَبْل النأي جرية المقدار (٦) … هل يمحو العبدُ ما قَضَاهُ البارِي لمَّا ظهرَتْ فضائلُ آدمَ ﵇ على الخلائق بسجود الملائكة له، وبتعليمه أسماء كل شيءٍ وإخبارِه الملائكةَ بها، وهم يَستمِعُون له كاستماع المتعلّم من معلِّمِه،

стр. 111

حتى أقرُّوا بالعَجزِ عن علمه، وأقرُّوا له بالفضلِ، وأسْكِنَ هو وزوجتُه الجنةَ، ظَهَرَ الحسَدُ من إبليسَ وسَعَى في الأذى، وما زالتِ الفضائلُ إذا ظهرَتْ تُحْسَدُ، كما قيل: لا ماتَ حُسَّادُكَ بَلْ خُلِّدُوا … حتى يَروْا منكَ الذي يُكْمِدُ لا زلْتَ محسُودًا على نِعْمةٍ … فإنَّما الكاملُ مَن يُحْسَدُ فما زالَ يحتالُ على آدمَ حتى تسبَّب في إخراجه من الجنةِ، وما فهِمَ الأبلَهُ أن آدمَ إذا خرجَ منها كَمُلَتْ فضائلُه، ثم عاد إلى الجنَّةِ على أكملِ مِن حالِه الأوَّلِ. إنما أهلَكَ إبليسَ العُجْبُ بنفسِه، ولذلك قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ (١). وإنما كَمُلَتْ فضائلُ آدم باعترافهِ على نفسه ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (٢). كان إبليس كلَّما أوقَدَ نار الحسدِ لآدم فاح بها ريحُ طِيبِ آدم واحترَقَ إبليسُ. وإذا أراد الله نشْر فضيلةٍ … طُوِيتْ أتاحَ لها لسان حَسُود لولا اشْتعالُ النَّارِ فيما جَاوَزتْ … ما كان يُعْرَفُ طيبُ عَرْفِ العُودِ (٣) قال بعضُ السَّلفِ: آدمُ أُخرِج من الجنةِ بذنْبٍ واحدٍ، وأنتُم تعملُون الذنوب وتُكثِرون منها، وتُرِيدون أن تدخلوا بها الجنة! [كما قيل] (٤): تَصِلُ الذنوت إلى الذنوب وتَرْتَجي … درجُ الجنان بها وفوز العابِد ونسِيت أن الله أخرجَ آدمًا … منها إلى الدُّنيا بذنْبٍ واحد [وقال: بِفرْدِ خطيئةٍ وبفرْدِ ذَنْبٍ … من الجنَّاتِ (٥) أُخْرِجَتِ البَرايا فقلْ لي كيف ترجو في دخولٍ … إليها بالألوف من الخطايا] (٦)

стр. 112

احذرُوا هذا العدوَّ الذي أخرج أباكم من الجنة؛ فإنَّه ساعٍ في منعكم من العود إليها بكل سبيلٍ، والعداوةُ بينَكم وبينَهُ قديمة؛ فإنه ما أُخرجَ مِن الجنة وطُرِدَ عن الخِدمَةِ إلا بسبب تكبُّرِه على أبيكم وامتناعِهِ من السجود له لمَّا أُمِرَ به. وقد أُبلِسَ (١) من الرَّحمة وأيِسَ من العَوْدِ إلى الجنةِ، وتحقَّقَ خلودهُ في النارِ، فهو يجتهِدُ على أن يُخلِّدَ معه في النار بني آدمَ؛ بتحسينِ الشركِ؛ فإن عجِزَ قنعَ بما دونَه مِن الفُسُوقِ والعصيانِ، وقد حذَّرَكم مولاكم منه، وقد أُعذرَ مَن أنذر، فخذوا حِذرَكم ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ (٢). العَجبُ مِمن عَرَفَ ربَّه ثم عصاهُ، وعَرَفَ الشيطان ثم أطاعه، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ (٣). رَعَى اللهُ مَنْ نَهْوَى وإنْ كان مَا رعَى … حَفِظْنا لَهُ العَهْدَ القَدِيمَ فَضَيَّعا وصاحَبْتَ قومًا كُنْتُ أنهاكَ عنهُمُ … وَحَقِكَ ما أبقيْتَ للصلحِ مَوْضِعا لمَّا أُهبِطَ آدمُ إلى الأرض وُعِدَ العودَ إلى الجنةِ هو ومَن آمن مِن ذريَّتِه واتبعَ الرُّسُلَ ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾ (٤). فليُبَشَّر المؤمنونَ بالجنةِ، هي إقْطَاعُهم، وقد وصل مَنْشُورُ الإقْطَاعِ مَعَ جبريلَ إلى محمد ﷺ ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٥). إنما خرَجَ الإقطاعُ عمَّن خرَجَ عن الطاعةِ، فأما مَنْ تابَ وآمَنَ فالإقطاعُ مردودٌ عليه. المؤمنون في دارِ الدنيا في سَفَرِ جِهادٍ، يجاهِدُون فيه النفوسَ والهوَى، فإذا انقضَى سَفَرُ الجِهادِ عادُوا إلى وطنهم الأوَّلِ الذي كانوا فيه في صُلْبِ أبيهم (٦). تكفَّلَ الله للمجاهدِ في سبيله أنْ يردَّه إلى وطنِه بما نالَ من أجرٍ أو غنيمةٍ.

стр. 113

وصلتْ إليكم مَعْشَرَ الأمَّةِ رسالة من أبيكُم إبراهيمَ مع نبيِّكم محمد ﵉، قال رسولُ الله ﷺ : "رأيتُ ليلةَ أسري بي (١) إبراهيمَ، فقال: يا محمد، أقرئ أمَّتَك مني السَّلامَ وأخبرْهُم أن الجنةَ عَذبةُ الماءِ، طيبةُ التربةِ، وأنها قِيعانٌ، وأن غِراسَها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" (٢). وخرَّج النسائي، والترمذي، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ "من قال سبحانَ الله العظيم وبحمده، غُرِسَتْ له نَخْلَةٌ في الجنة" (٣). وخرَّج ابنُ ماجه، عن أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: "مَنْ قال (٤) سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يُغرسُ لك بكل واحدةٍ شجرة في الجنة" (٥). وخرَّجه الطبراني (٦) من حديث ابن عباس مرفوعًا. وخرجه ابنُ أبي الدنيا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "مَن قال سبحانَ الله العظيم بني له بُرجٌ في الجنة". ورُوي موقوفًا (٧). وعن الحسن (٨)، قال: الملائكةُ يعمَلُون لبنِي آدمَ في الجِنان يَغرِسُونَ وَيبْنُونَ، فربَّما أمسَكُوا، فيقالُ لهم: [ما لكم] (٩) قد أمسكتم؟ فيقولون: حتى تأتِينا النفقات. وقال الحسن: فابعثوهم (١٠)، بأبي أنتم وأمي على العمل (١١). وقال بعضُ السلف:

стр. 114

بلغني أنَّ دُورَ الجنَّةِ تُبْنَى بالذكْرِ، فإذا أُمسِكَ عن الذكْر أمسكُوا عن البناء، فيقال لهم، فيقولون: حتى تأتينا نفقة. أرضُ الجنةِ اليومَ قِيعانٌ (١) والأعمَالُ الصَّالِحةُ لها عُمران، بها تُبْنَى القُصُورُ وتُغْرَسُ أرضُ الجِنانِ، فإذا تكامَلَ الغراسُ والبُنيانُ انتَقَل إليه السكَّانُ. رأى بعض الصالحين في منامه قائلًا يقولُ له: قد أُمِرْنا بالفراغِ من بناءِ داركَ، واسمُها دارُ السُّرورِ، فأبْشِرْ؛ وقد أُمِرْنا بتنجيدِها وتزيينها والفراغِ منها إلى سبعةِ أيام. فلمَّا كان بعدَ سبعة أيامٍ مات، فرؤي في المنام فقال: أُدْخِلْتُ دارَ السرور [وأنا في سرور] (٢)، فلا تسألْ عمَّا فيها. لم يُرَ مثلُ الكريم إذا حل به مطيع (٣). رأى بعضُهم كأنَّه أُدخِلَ الجنَّةَ وعُرِضَ عليه منازلُه وأزواجُه، فلمَّا أرادَ أنْ يخرُجَ تعلَّقَ به أزواجُهُ، وقالوا له: باللهِ حَسِّنْ عملَكَ، فكلَّما حسنْتَ عملَكَ ازْدَدْنا نحنُ حُسْنًا. العاملون اليومَ يُسْلِفُونَ رؤوسَ أموالِ الأعمالِ فيما تشتهِي الأنفُسُ وتلَذُّ الأعينُ، إلى أجل يومِ المزيدِ في سُوقِ الجنةِ، فإذا حَل الأجلُ دخلُوا السُّوقَ فحمَلُوا منه ما شاؤوا بغير نقدِ ثَمَنٍ، على قدرِ ما سَلَفَ مِن تعجيلِ رأسِ مال السلفِ، لكن بغير مكيال ولا ميزان. فيا مَن عَزَمَ أنْ يُسْلِفَ اليومَ إلى ذلك المَوسِمِ، عَجِّلْ بتقبيضِ (٤) رأسِ المال، فإن تأخيرَ التقبيضِ يُفسِدُ العقدَ. فللهِ وادِيها (٥) الذِي هُوَ مَوْعدُ الـ … مزيدِ لِوَفْدِ الحُبِّ لو كنْتَ منهُمُ فما شِئتَ خذْ مِنْهُ بلا ثَمَنٍ لَهُ … فقدْ أسْلَفَ التُّجَّارُ فيه وأَسْلَمُوا (٦) وفي الحديث: "إن الجنَّةَ تقولُ: يا رب! ائتني بأهلِي وبما وَعَدْتَني؛ فقد كَثُرَ حَريرِي وإسْتَبْرَقي وسُنْدُسِي ولؤلؤي ومَرجاني [وزبرجدي] (٧) وفِضتي وذهبي وأباريقي وخَمرِي وعَسَلي ولبَنِي، فاتِني بأهلي وبما وعدتنِي".

стр. 115

وفي الحديث أيضًا: "من سأل الله الجنةَ شفعتْ له الجنةُ إلى ربِّها وقالت: اللهم أدخِلْه الجنَّةَ" (١). وفي الحديث أيضًا: "إنَّ الجنة تُفتح في كلِّ سحرٍ، ويقالُ لها: ازدادي طيبًا لأهلِكِ، فتزدادُ طيبًا، فذلك البردُ الذي يجدُه الناسُ في السَّحَر". قلوبُ العارِفينَ تستنشِقُ أحيانًا نسيمَ الجنةِ. قال أنس بن النضر (٢) يومَ أُحُدٍ: واهًا لريح الجَنَّةِ، والله أني لأجِدُ ريحَ الجنةِ مِن قِبَلِ أُحُدٍ، ثم تقدَّمَ فقاتَلَ حتى قُتِلَ. [كما قيل] (٣): تَمرُّ الصَّبا صفحًا (٤) بِسَاكِنِ ذِي الغَضا (٥) … ويَصْدَعُ قلبي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها قَرِيبةُ عَهْدٍ بالحبيبِ وإنما … هَوَى كُل نفسٍ حيثُ (٦) حل حَبيبُها كم لله من لطفٍ وحكمةٍ في إهباطِ آدمَ إلى الأرض، لولا نزولُهُ لما ظَهَرَ جِهادُ المجاهدينَ واجتهادُ العابدين المجتهدين، ولا صَعِدَتْ زَفَراتُ أنفاسِ التائبين، ولا نزلَتْ قطراتُ دموعِ المذنبين. يا آدم! إن كنْتَ أُهْبِطْتَ من دار القرب ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ (٧)، إن كان حصَلَ لك بالإخراج مِنَ الجنةِ كسرٌ، فأنا عند المُنكَسِرةِ قلوبُهُم من أجلي، إن كان فاتَكَ في السماء سماعُ زَجَلِ المُسبِّحين (٨)، فقد تعوَّضْتَ (٩) في الأرضِ بسماع أنينِ المذنبينَ. أنينُ المذنبين أحبُّ إلينا من زَجَلِ المسبِّحينَ. زَجَلُ المسبِّحين ربَّما يَشُوبُه الافتخارُ، وأنينُ المُذْنِبينَ يَزينُهُ الانكسارُ. "لو لم تُذْنِبُوا لَذَهَبَ الله بكم، وجاءَ بقوم يُذْنِبُونَ ثم يَسْتَغفِرُون فَيَغْفِرُ لهم" (١٠).

стр. 116

سبحان مَن إذا لطفَ بعبده في المِحن قلبَها مِنحًا، وإذا خذَلَ عبدًا لم ينفعْهُ كثرَةُ اجتهادِه، وعادَ عليه وبَالَا. لُقِّنَ آدمُ حجَّتَه وأُلقِي إليه ما تُتقبَّلُ به توبتُه، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (١). وطُردَ إبليسُ بعد طولِ خدمتِه فصارَ عملُه هباءً منثورًا، ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢). إذا وضَعَ عَدْلَهُ على عَبْدٍ لم تَبْقَ له حَسَنَةٌ، وإذا بَسَطَ فضلَه على عبدٍ لم تَبْقَ له سيئَةٌ. يُعْطِي ويمْنَعُ من يشاء (٣) كما يَشَا … وهِباتُهُ لَيْسَتْ تُقارِنُها الرُّشا (٤) لمَّا ظهرَ فضلُ آدمَ على الخلائقِ بالعلمِ، وكان العِلْمُ لا يكمُلُ بدون العمَلِ بمقتضاه، والجنَّةُ ليسَتْ دارَ عمل ومجاهدةٍ، وإنما هي دارُ نعيمٍ ومشاهدةٍ، قيل له: يا آدمُ! اهبِطْ إلى رباطِ الجهادِ، وصابِرْ جُنودَ الهَوَى بالجِدِّ والاجتهاد، واذْرِ (٥) دُمُوعَ الأسَفِ على البِعَادِ، فكأنكَ بالعيشِ الماضي وقد عادَ على أكملِ من ذلك الوجه المعتاد، [كما قيل] (٦): عُودُوا إلى الوَصْلِ عُودُوا … فالهجْرُ صَعْبٌ شَدِيدُ لو ذاقَ طَعْمَ الفِراقِ رَضْوَى (٧) … لَكَادَ مِنْ وَجْدِهِ يَمِيدُ قَدْ حَمَّلُوني عَذَابَ شوقٍ … يَعجِزُ عن حَمْلِهِ الحَدِيدُ قُلْتُ وقلبي أسيرُ وَجْدٍ … متَيَّمٌ في الجَفَا عَمِيدُ (٨) أنتُم لنا في الهَوَى مَوالٍ … ونحنُ في أسرِكُم عَبيدُ (٩) * * *

стр. 117

المجلس الثالث في قدوم الحاج في "الصحيحين" (١) عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ حَجَّ هذا البيت فلم يَرْفُثْ، ولم يَفْسُقْ، رَجَعَ من ذنوبه كيوم وَلَدَته أُمُّه". مباني الإِسلام الخمسُ؛ كلُّ واحدٍ منها يُكفِّرُ الذنوبَ والخطايا وَيهدِمُها، ولا إله إلَّا الله لا تُبقي ذنبًا ولا يسبِقُها عَمَل؛ والصَّلواتُ الخمسُ؛ والجُمعَةُ إلى الجُمعةِ، ورَمَضَانُ إلى رمَضَانَ مُكفِّرَاتٌ لِما بينَهُنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ؛ والصَّدَقَةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النَّارَ؛ والحجُّ الذي لا رَفَثَ فيه ولا فُسُوقَ، يرجِعُ صاحبُه من ذنوبهِ كيومِ ولَدَتْه أمُّه. وقد استنبَطَ معنى هذا الحديث من القرآنِ طائفةٌ من العلماء، وتَأوَّلُوا قولَ اللّه تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٢)، بأنَّ مَن قَضَى نُسُكَهُ ورجَعَ منه فإنَّ آثامَه تَسقُطُ عنه إذا اتَّقَى الله في أَداءِ نُسُكِهِ، وسواءٌ نَفَرَ في اليوم الأوَّلِ من يَوْمَي النَّفْرِ متعجِّلًا، أو تأخَّر (٣) إلى اليوم الثاني. وفي مسند أبي يعلَى الموصلي (٤) عن النبي ﷺ ، قال: "من قضَى نُسُكَهُ، وسَلِمَ المُسلمونَ مِن لسانِهِ ويدِهِ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ وما تأخَّر". وفي الصحيحين (٥) عن النبي ﷺ ، قال: "الحجُّ المبرورُ ليس له جَزاءٌ إلَّا الجنَّةُ". وفي صحيح مسلم (٦) عنه ﷺ ، قال: "الحجُّ يهدِمُ ما قبلَه". فالحجُّ المبرورُ يُكفِّرُ السيئاتِ ويُوجِبُ دُخُولَ الجنَّاتِ. وقد رُوي أنه ﷺ سُئلَ عن بِرِّ الحجِّ، فقال: "إطعام الطعامِ، وطيبُ الكلامِ" (٧).

стр. 118

فالحجُّ المبرورُ ما اجتمع فيه فِعلُ أعمالِ البِرِّ مع اجتنابِ أعمالِ الإثمِ، فما دعا الحاجُ لنفسِهِ ولا دعا له غيرُهُ بأحسَنَ من الدُّعاءِ بأنْ يكونَ حجُّهُ مبرورًا. ولهذا يُشرَعُ للحاج إذا فَرَغَ من أعمالِ حَجّه وشَرَعَ في التحلُّل من إحرامِهِ بِرَمْي جَمْرَةِ العَقَبَةِ يومَ النَّحْرِ أنْ يقول: اللهم اجعلْهُ حجًّا مبرورًا، وسَعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا. رُوي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر من قولهما، وروي عنهما مرفوعًا. وكذلك يُدعَى للقادم من الحج بأن يجعَلَ الله حجَّه مبرورًا. وفي الأثر أن آدمَ ﵇ لمَّا حجَّ البيتَ وقضَى نُسُكَهُ أتتْهُ الملائكةُ، فقالوا له: يا آدمُ! بَرَّ حجُّك! لقد حَجَجْنا هذا البيتَ قبلَكَ بألفي عام. وكذلك كان السَّلَفُ يَدعُون لمن رَجَعَ من حَجِّه. لمَّا حجَّ خالدٌ الحذَّاءُ (١) ورجَعَ، قال له أبو قِلابةَ (٢): بَرَّ العمَلُ! معناه: جعَلَ الله عملَكَ مبرورًا. للحجِّ المبرورِ علاماتٌ لا تخفَى: قيل للحسن: الحجُّ المبرورُ جزاؤه الجنة. قال: آيةُ ذلك أن يرجِعَ زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة. وقيل له: جزاءُ الحجِّ المبرور (٣) المغفرةُ. قال: آيةُ ذلك أن يَدَعَ سيئَ ما كان عليه من العمل. الحجّ المبرورُ مثلُ حجِّ إبراهيمَ بن أدهم (٤) مع رفيقه الرَّجُلِ الصَّالحِ الذي صحِبَهُ من بَلْخ (٥)، فرجَعَ من حجِّه زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، وخرَجَ عن مُلْكِهِ ومالِه وأهلِه وعشيرتِه وبلادِه، واختارَ بلادَ الغُرْبَةِ، وقَنَعَ بالأكلِ من عملِ يدِه؛ إمَّا من الحصاد، أو من نِظَارَةِ البساتينِ.

стр. 119

حجَّ مرَّةً مع جماعةٍ من أصحابه، فشرَطَ عليهم في ابتداء السَّفَرِ ألَّا يتكلَّمَ أحدُهم إلا الله تعالى، ولا ينظرَ إلا له. فلمَّا وصَلُوا وطافُوا بالبيت رأوا جماعةً من أهلِ خُراسانَ في الطوافِ معهم غُلامٌ جميلٌ قد فُتِنَ النَّاسُ بالنظر إليه، فجَعَلَ إبراهيمُ يسارِقُهُ النظرَ ويبكي، فقال له بعضُ أصحابه: يا أبا إسحاق! ألم تقُلْ لنا لا تنظروا (١) إلا لله تعالى؟ فقال: ويحكَ! هذا ولدي، وهؤلاء خدمي وحشَمِي، [ثم أنشد] (٢): هَجَرْتُ الخَلْقَ طُرًّا في هواكَ … وأيتمْتُ العِيالَ لكي أَرَاكَا فلو قطَّعْتَنِي في الحبِّ إرْبًا … لَما حَنَّ الفؤادُ إلى سوَاكا قال بعضُ السَّلَف: استِلامُ الحجَرِ الأسوَدِ هو ألَّا يعودَ إلى مَعْصيةٍ. يشير إلى ما قاله ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أن الحجَرَ الأسودَ يمينُ اللهِ في الأرضِ، فمن استلَمَه وصافَحَه فكأنما صافَحَ الله وقبَّلَ يمينَه. وقال عكْرمَةُ: الحجَرُ الأسودُ يمينُ اللهِ في الأرضِ، فَمَنْ لم يدرِكْ بَيْعَةَ رسولِ الله ﷺ فَمَسَحَ. الرُّكْنَ فقد بايَعَ الله ورسولَه. وورد في حديثٍ أن الله لمَّا استخرَجَ من ظهر آدمَ ذرّيَّتَه وأخذَ عليهم الميثاقَ، كتبَ ذلك العهدَ في رَقٍّ (٣)، ثم استودَعَه هذا الحَجَر، فمِنْ ثَمَّ يقولُ مَنْ يستَلِمهُ: وفاء بعهدِكَ. فمستلِمُ الحجَر يبايعُ الله على اجتناب معاصيه (٤)، والقيام بحقوقه ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ (٥). يا مُعَاهِدينا على التَّوبةِ! بينَنا وبينَكم عهودٌ أكيدَةٌ، أوَّلُها: يومَ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٦). والمقصُودُ الأعظمُ مِن هذا العهدِ ألَّا تعبُدُوا إلَّا إياهُ. وتمامُ العَمَل بمقتضاهُ أن اتَّقُوا اللّه حقَّ تقواه (٧). وثانيها: يومَ أرسَلَ إليكم رسولَه وأنزلَ عليه في كتابه ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (٨).

стр. 120

قال سهل التُّسْتَريُّ (١): منْ قال لا إله إلا الله فقد بايَعَ الله، فحرامٌ عليه إذ بَايعَهُ أنْ يعصِيَهُ في شيءٍ مِن أمرِهِ، في السِّرِّ والعَلانيةِ، أو يُوالِي عدوَّه، أو يُعادِي وليَّهُ. يا بَني الإسلام منْ عَلَّمَكُمْ … بَعْدَ إذْ عاهَدْتُمُ نَقْضَ العُهُودِ كلُّ شَيءٍ في الهوَى مُسْتحْسَنٌ … ما خَلا الغَدْرَ وإخْلافَ الوُعُودِ وثالثها: لِمن حَجَّ إذا استلَم الحجَرَ فإنَّه يجدَّدُ البَيْعَةَ، ويلتزِمُ الوفاءَ بالعهدِ المتقدِّم، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٢). الحرُّ الكريمُ لا ينقُضُ العَهْدَ القديمَ. أَحَسِبْتُمُ أنَّ الليالي غَيَّرَتْ … عقدَ الهَوَى لا كانَ مَنْ يَتَغَيَّرُ يَفْنَى الزَّمانُ وليسَ نَنْسَى (٣) عَهْدَكُمْ … وعلى مَحَبَّتِكُم أَمُوتُ وأُحْشَرُ (٤) إذا دعتْكَ نفسُكَ إلى نقضِ عهدِ مولاكَ فقُلْ لها: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ (٥). اجتاز بعضُهم على منظورٍ مُشْتَهى، فهمَّتْ عينُه أن تمتدَّ، فصاحَ: حَلَفْتُ بِدِينِ الحُبِّ لا خُنْتُ عَهْدَكُمْ … وذلك عَهْدٌ لو عَرَفْتَ وَثيِقُ تاب بعضُ من تقدَّمَ، ثم نقَضَ، فهتَفَ به هاتفٌ بالليل يقول: سأتْرُكُ ما بيني وبينَكَ واقِفًا … فإن عُدْتُ عُدْنا والوِدَادُ مُقِيمُ تُواصِلُ قومًا لَا وفاءَ لِعَهْدِهِم (٦) … وتَتْرُكُ مِثْلِي والحِفاظُ قَدِيمُ من تكرَّرَ منه نقضُ العهدِ لم يُوثَقْ بمعاهدتِه. دخل بعضُ السَّلفِ على مريض مكروبٍ فقال له: عاهِدِ الله على التوبةِ لعلَّه أن يُقيلَكَ صَرْعَتَكَ (٧). فقال: كنتُ كلَّما مَرِضْتُ عاهدْتُ اللّه على التَّوبةِ فيُقيلني، فلمَّا كان هذه المرة ذهبْتُ أعاهِدُ كما كنْتُ

стр. 121

أعاهِدُ، فهتفَ بي هاتفٌ من ناحيةِ البيت: قد أقلْنَاكَ مرارًا فوجدناك كَذَّابًا، ثم مات عن قريبٍ. لا كان من ينقُضُ العَهْدَ لا كانْ (١) … ما ينقض العَهْدَ إلا كل خوَّانْ [غيره] (٢): تُرَى الحيّ الأُلى بانُوا … على العَهْدِ كما كَانُوا أم الدَّهْرُ بهم خَانا … ودَهرُ المَرْءِ خَوَّانُ إذا عَزَّ بغيرِ الله … يومًا مَعْشَر هانُوا مَنْ رَجَعَ مِن الحج فلْيُحافِظْ على ما عاهَدَ اللّهَ عليه عندَ استلامِ الحَجَر. حجَّ بعضُ من تقدَّمَ فباتَ بمكةَ مع قوم، فدعتْهُ نفسُه إلى معصيةٍ، فسمعَ هاتفًا يقولُ: ويلك! ألم تحجَّ؟ فعصَمَهُ الله من ذلك. قبيحٌ بمن كمَّلَ القيامَ بمباني الإسلام الخَمْسِ (٣) أن يشرَعَ في نَقْضِ ما بَنَى بالمعاصِي. في حديثٍ مرسَل خرَّجه ابنُ أبي الدنيا أَنَّ النبي ﷺ قال لرجل: "يا فلَان! إنَّكَ تبني وتهدِمُ"، يعني تعمَلُ الحسناتِ والسيئاتِ. فقال: يا رسولَ الله، سوف أبني ولا أهدِمُ. خُذْ في جِدٍّ فقد تَوَلَّى العُمرُ … كَمْ ذا التَّفْرِيطُ قد تَدَانَى الأمرُ أَقْبِلْ فَعَسَى يُقْبَلُ مِنْكَ العُذرُ … كَمْ تبنِي كم تَنْقُضُ كم ذا الغَدْرُ علامةُ قَبُولِ الطَّاعةِ أن تُوصَلَ بطاعةٍ بعدَها، وعلامَةُ ردِّها أن تُوصَلَ بمعصيةٍ. ما أحسن الحسنةَ بعد الحسنَةِ، وأقبَحَ السيئةَ بعدَ الحَسَنةِ (٤)!! ذنبٌ بعدَ التوبةِ أقبَحُ مِن سبعين قبلَها. النَّكْسَةُ أصعَبُ من المرضِ الأوَّلِ. ما أوحشَ ذُلَّ المعصيةِ بعدَ عِزِّ الطاعة! ارْحَمُوا عزيزَ قومٍ بالمعاصِي ذلَّ، وغنِيَّ قومٍ بالذُّنوبِ افتَقَرَ. سَلُوا الله الثباتَ

стр. 122

إلى المماتِ، وتعوَّذُوا من الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ (١). كان الإمامُ أحمدُ يدعو ويقولُ: اللهمَّ أعِزَّني بطاعتِكَ ولا تذلَّني بمعصيتِكَ. وكان عامة دعاءِ ابراهيمَ بن أدهَم: اللهم انقلْنِي مِن ذُلِّ المعصيةِ إلى عزِّ الطاعةِ. وفي بعضِ الآثارِ الإلهيةِ: يقول الله ﵎: أنا العزيزُ، فَمَنْ أرادَ العِزَّ فليُطِع العَزِيزَ. ألا إنَّما التَّقوَى هِيَ العِزُّ والكَرَمْ … وحبُّكَ للدُّنيا هُوَ الذُّلُّ والسَّقَمْ وليسَ على عَبْدٍ تقيٍّ نَقِيصَةٌ … إذا حقَّقَ التَّقْوَى وإنْ حاكَ أو حَجَمْ الحاج إذا كان حجُّه مَبرورًا غُفِرَ له ولمن استغفرَ له، وشُفِّعَ فيمن شُفِّعَ فيه. وقد رُوِيَ أن الله تعالى يقولُ لهم يومَ عرفَةَ: "أفيضُوا مغفورًا لكُم ولمن شَفَعْتُم فيه" (٢). وروى الإِمامُ أحمدُ بإسناده عن أبي موسى الأشعري، قال: "إن الحاجَّ لَيشفَعُ في أربعمائة بيتٍ من قومِه، ويُبارَكُ في أربعينَ من أُمَّهاتِ البعيرِ الذي يحمِلُهُ، ويخرجُ من خطاياهُ كيومِ ولدتْهُ أمُّه، فإذا رَجَعَ من الحجِّ المبرورِ، رجَعَ وذنْبُهُ مغفورٌ، ودُعاؤه مستجابٌ" (٣). فلذلك يُستَحَبُّ تلقيهِ والسلامُ عليه وطلبُ الاستغفارِ منه. وتلقِي الحاج مَسْنُونٌ. وفي "صحيح مسلم" (٤)، عن عبد الله بن جعفر، قال: كان النبي ﷺ إذا قدِمَ من سَفَرٍ تُلقِّيَ بصبيانِ أهلِ بيته" (٥)، وإنه قدِمَ مِن سَفَرٍ فسُبِقَ بي إليه، فَحَمَلَني بين يدَيه، ثم جِيء بأحدِ ابنَيْ فاطِمة، فأرْدَفَهُ خَلْفَه، فأُدْخِلْنا المدينةَ، ثلاثةً على دابَّة. وقد ورد النهيُ عن ركوبِ ثلاثةٍ على دابةٍ في حديثٍ مرسل، فإنْ صَحَّ حُمِلَ على رُكوبِ

стр. 123

ثلاثةِ رجالٍ؛ فإنَّ الدَّابةَ يشُقُّ عليها حملهم بخلافِ رجلٍ وصغيرين. وفي المسند و"صحيح الحاكم" (١)، عن عائشةَ، قالت: أقبلْنا مِن مكَّةَ في حجٍّ أو عمرةٍ، فتلقانا غِلمانٌ من الأنصار كانوا يتلقَّوْن أهاليهم إذا قدِمُوا. وكذلك السَّلامُ على الحاج إذا قدِمَ ومصافحتُه، وطلبُ الدعاء منه. وفي المسند (٢) بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا لقيتَ الحاجّ فسلِّمْ عليه، وصافِحْه، ومُرْهُ أن يستغفرَ لك قبلَ أن يدخلَ بيتَه؛ فإنه مغفورٌ له". وفيه أيضًا عن حبيب بن أبي ثابت (٣)، قال: خرجْتُ مع أبي نتلقَّى الحاجَّ ونسلِّمُ عليهم قبلَ أن يتدنسُوا. ورَوَى معاذُ بن الحكم، قال (٤): حدثنا موسى بن أعين، عن الحسن، قال: إذا خرج الحاجّ فشيِّعُوهم وزوِّدُوهم الدعاء وإذا قَفَلُوا فالتقوهم (٥) وصافحوهم قبل أن يخالِطُوا الذنوبَ؛ فإِن البركةَ في أيديهم. ورَوى أبو الشيخ الأصبهاني (٦) وغيرُه من رواية ليث (٧)، عن مجاهد، قال: قال عمر: يُغفَرُ للحاج ولمن استغفَرَ له الحاج بقيَّةَ ذي الحجَّةِ، ومحرَّم، وصفَرَ، وعشْرٍ من ربيع الأول. وفي مسند البزار وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "اللهم اغفِرْ للحاجِّ، ولِمَن اسْتَغفَرَ له الحاج" (٨).

стр. 124

ورَوى أبو معاوية الضَّريرُ، عن حجاج، عن الحكم، قال: قال ابن عباس: لو يعلَمُ المقيمُونَ ما للحاج عليهم من الحق لأتَوْهُم حينَ يَقْدَمُون حتَّى يقبِّلُوا رواحِلَهم (١)؛ لأنهم وفدُ اللّهِ في جميعِ الناسِ. ما للمنقطِعِ حيلةٌ سِوى التعلُّقِ بأذيالِ الواصِلينَ. هل الدَّهرُ يومًا بوَصْلٍ يَجُودُ … وأيَّامُنا باللِّوَى (٢) هَلْ تَعُودُ زَمَانٌ تَقَضَّى وعَيْشٌ مَضَى … بِنَفْسِيَ واللهِ تلكَ العُهُودُ ألا قُلْ لِزوَّارِ دَارِ الحَبِيب … هنيئًا لكُمْ في الجِنانِ الخُلُودُ أَفِيضُوا علينا مِنَ الماء فَيضًا … فنحنُ عِطاشٌ وأنتُمْ وُرُودُ أحبُّ ما إلى المُحبِّ سؤالُ مَنْ قدِمَ مِن ديارِ الحَبيبِ. عارِضَا بي رَكْبَ الحجازِ أسائلـ … ـه متى عهدُهُ بأيَّامِ سَلْعِ (٣) واستملَّا (٤) حديثَ مَن سَكَنَ الخَيفَ (٥) … ولا تَكْتُباهُ إلَّا بِدَمْعِي فاتنِي أَنْ أَرَى الدِّيارَ بطرفِي … فلَعلِّي أَرَى الدِّيارَ بسَمْعِي مَنْ مُعيدٌ (٦) أيَّامَ جَمعٍ على ما … كانَ منها وأينَ أيَّامُ جمعِي لقاءُ الأحبابِ لِقاحُ الألبابِ، وأخبارُ تلك الديار أَحْلَى عند المحبينَ مِن الأسمارِ. إذا قدِمَ الرَّكْبُ يَمَّمْتُهُم … أُحيِّي الوُجُوهَ قُدُومًا ووِرْدا وأسألهُمْ عن عَقيقِ (٧) الحِمَى … وعَنْ أرض نجْدٍ وَمَنْ حَلَّ نَجْدا حَدِّثُوني عن العَقِيقِ حَديثًا … أَنْتُمُ بالعَقِيقِ أَقْرَبُ عَهْدا (٨) أَلَا هَلْ سمِعْتُم ضَجِيجَ الحَجيجِ … على ساحةِ الخيفِ والعِيسُ تُحْدَا فذِكْرُ المشاعِرِ والمَرْوَتَيْنِ … وذِكْرُ الصَّفا يطرُدُ الهَمَّ طَرْدَا

стр. 125

أرواحُ القَبُولِ تَفُوحُ مِنَ المقبُولينَ، وأنوارُ الوُصُولِ تَلوحُ على الواصِلينَ. تفوحُ أرواحُ نَجْدٍ مِن ثيابهم … عندَ القُدُوم لِقُرْب العَهْدِ بالدّارِ أَهْفُو إلى الرَّكْب تَعْلُو لي ركائبُهُم … مِنَ الحِمَى في أُسَيْحاقٍ وأَطْمارِ (١) يا راكبانِ قِفا لِي واقْضِيَا وَطَرِي … وحَدِّثانيَ عن نَجْدٍ بأخْبارِ [أهلًا وسهلًا بزوَّار الحبيب ويا … طُوبَى لكُمْ فَلأنْتُم خَيْرُ زُوّارِ يا مَرْحبًا بالقريبِ العَهْدِ من جُدُرِ الـ … ـبيتِ العتيقِ وتقبيلٍ لأحجارِ بشراكُمُ نِلْتُمُ الفَوْزَ العظيمَ وَعُدْ … تُمْ ظافرين بآمال وأَوْطارِ قد قلْتُ للرَّكْبِ إذْ لاحَتْ أوائلهم … كأنجمٍ زهرَتْ حسنًا وأقمارِ مِن نظرةِ القُرْبِ قد لاحَتْ مترجمة … على وجوههمُ آثار أنوارِ مِن الكآبةِ قد عُوفُوا كما حُفِظُوا … في ذلك القصدِ مِن وَعْثاء أسفارِ كيف نجادٌ وهل جادَتْ مرابعه … جود السَّحاب بتهتانٍ ومِدْرارِ قَنعْتُ مِن رؤيةِ الأحباب معجزةً … بطيب ذِكْرٍ ونِشْدَانٍ لأخبارِ بالله كيفَ حِمَى سَلْعٍ … ومنعرَجِ اللِّوى ومَا فيه مِن طَلْحٍ وأشجارِ وأَبْرَقِ الجذْع والأعلام من إضَمٍ … والمأزِمَانِ سقاها الله من دارِ كيف الرِّياضُ بأكنافِ العقيق وهَلْ … أَمَالَ باناتها ريحُ الصَّبا السَّاري وهل نزلتُمْ على وادي العروس … وَرَويتُمْ بهِ العِيسَ في وِردٍ وإصدارِ لله أنتُمْ وقَدْ لاحَتْ قِبابُ قُبا … عند الصَّباحِ لقصَّادٍ وزُوَّارِ وهل رأيتُم عَروسَ الكون سافرةً … تُجلَى بأعينِ جُلَّاسٍ وحُضَّارِ قد أبرزت لمحبِّيها محاسنَها … لطفًا بتشهير أذيالٍ وأستارِ ما اختارت … الملوك … إلَّا حفاظًا لأحداقٍ وأبصارِ لولاهُ ما كادَتِ الأبْصَارُ تبصِرُهُ … خوفًا على العين من … أنوارِ والعاشقون حواليها لِذِي وَلَهٍ … يهزهم مزعجا وَجْدٍ وتِذْكارِ

стр. 126

طُوبَى لعينٍ رأَتْ ذاكَ الجنابَ لَقَدْ … رأت جلاءً لأبدانٍ وإبصارِ وَجْهٌ تعفَّرَ في ذاكَ التُّراب بَدَتْ … عليه نَضْرَةُ حُسْنٍ عند إبصارِ تُرَى خَطَرْتُ لكم يومًا عَلى خلَدٍ … لصاحبٍ ساعةً في الدَّهر أو … يقول بعده: وإخَجْلَةَ المتواني عند رؤية مَنْ … قد فاز سابقةً من غير إقصارِ ما لي وإن بَعُدَت بي عن ديارِهم … عوائقٌ من آثامي وأوزارِي إلَّا حنينٌ إليها كلَّما خَمَدَتْ … نيرانه هاجَهُ وَجْدِي وتِذكاري ولا أزالُ وإنْ شطَّت وإن قَرُبَتْ … أثني بجهدي في جهرِي وإسراري على نبيٍّ له في الفضلِ منزلةٌ … علياء يقصُرُ عنها كل مختار محمَّدٍ موضح الإِشكال … الآمال واضعُ أغلال وآصارِ يا سيّدَ الرُّسْلِ يا أَسْمَى الأنام عُلى … يا خير الورى يا صفوةَ الباري عليك أَزكَى سلامُ اللهِ ما صَدَحَتْ … وَرقاءُ أو سحَرت أنفاسُ أسحارِ] (١) ما يُؤهَّلُ للإكثارِ منَ التردُّدِ إلى تلك الآثار إلَّا محبوب (٢) مختار. حجَّ عليّ بن الموفَّق (٣) ستين حَجّةً، قال: فلما كان بعدَ ذلك جلسْتُ في الحجْرِ أفكِّرُ في حالي وكثرةِ تردادِي إلى ذلك المكانِ، ولا أدرى هَل قُبِلَ مِنِّي حجّي أم رُدَّ. ثم نِمْتُ فرأيتُ في منامي قائلًا يقولُ لي: هل تدعو إلى بيتِك إلَّا مَن تحِبُّ؟ قال: فاستيقظْتُ وقد سُرِّيَ عنِّي. ما كلَ من حجَّ قُبِلْ، ولا كُلُّ مَن صلَّى وُصِل. قيل لابن عمرَ: ما أكثرَ الحاجَّ! قال: ما أقلَّهُم! وقال: الرَّكْبُ كثيرٌ، والحاجُّ قليلٌ. حجَّ بعضُ المتقدمين فتُوفي في الطريق في رجوعِهِ، فدَفَنَه أصحابُه ونَسُوا الفأسَ

стр. 127

في قبرِهِ، فنَبَشُوه ليأخذوا الفأسَ، فإذا عُنقُه وَيداهُ قد جُمِعَتْ في حَلْقَةِ الفأسِ، فردُّوا عليه الترابَ، ثم رجَعُوا إلى أهلِه فسألوهم عن حالِهِ، فقالوا: صحِبَ رجلًا فأخَذَ مالَهُ، فكان يَحُجُّ منه. إذا حَجَجْتَ بمالٍ أصلُهُ سُحُتٌ … فما حَجَجْتَ ولكنْ حَجَّتِ العِيرُ لا يَقبَلُ الله إلا كُلَّ صالِحةٍ … ما كل مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللهِ مَبْرُورُ مَنْ حَجُّهُ مَبْرورٌ قليلٌ، ولكنْ قد يُوهَبُ المسيءُ للمحسنِ. وقد رُويَ أن الله تعالى يقول عشيَّةَ عَرَفَةَ: "قد وَهَبْتُ مسيئكم لمحسِنِكُم". حجَّ بعضُ المتقدمينَ، فنامَ ليلةً، فرأى مَلَكَيْنِ نَزَلا من السَّماءِ، فقال أحدُهما للآخر: كم حجَّ العامَ؟ قال: ستمائة ألفٍ، فقال له: كم قُبِلَ منهم؟ قال: ستةٌ، قال: فاستيقظَ الرجُلُ وهو قَلِقٌ ممَّا رأى. فرأى في الليلة الثانية كأنَّهما نزلا وأعادا القولَ، وقال أحدهما: إن الله وَهَبَ لكل واحدٍ من الستةِ مائةَ ألفٍ. كان بعضُ السَّلفِ يقولُ في دعائه: اللهم إن لم تقبلْني فهبني لمن شئتَ من خَلْقِكَ. مَنْ رُدَّ عليه عملُه ولم يُقْبَلْ منه فقد يعوَّضُ ما يعوَّضُ المُصَابُ، فيُرحَمُ بذلك. قال بعضُ السَّلفِ في دعائه بعرفةَ: اللهم إن كنتَ لم تَقْبَلْ حَجِّي وتَعَبِي ونَصَبِي، فلا تَحْرِمْنِي أجرَ المُصيبةِ على ترككَ (١) القَبُولَ مِني. وقال آخر منهم: اللهم ارحمني؛ فإنَّ رحمتَكَ قريبٌ من المحسنين، فإن لم أكن محسنًا فقد قلت ﴿وكانَ بالمؤمِنينَ رَحِيمًا﴾ (٢)، فإن لم أكُنْ كذلك فأنا شيءٌ، وقد قلْتَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُل شَيء﴾ (٣)، فإن لم أكنْ شيئًا فأنا مصابٌ بِرَدِّ عَمَلِي وتعَبي ونَصَبِي، فلا تحرمْنِي ما وعدْتَ المُصَابَ من الرَّحْمةِ. قال هلالُ بن يساف (٤): بلغنِي أن المسلم إذا دعا الله فلم يستجبْ له كُتِبَ له حسنةٌ. خرَّجه ابنُ أبيَ شيبةَ. يعني جزاءً لمصيبةِ رَدِّهِ.

стр. 128

ومن كانَ في سُخْطِهِ مُحْسِنًا … فكيفَ يكونُ إذا ما رَضِي قُدُومُ الحاجِّ يُذكِّرُ بالقُدُومِ على اللهِ . قَدِمَ مسافر فيما مضَى على أهله، فَسُروا به، وهناك امرأة مِن الصَّالحات، فَبكَتْ وقالَتْ: أَذْكَرَنِي هذا بقُدُومِه القُدُومَ على اللهِ ، فمِنْ مَسْرُورٍ ومَثْبُورٍ (١). قال بعضُ الملوك لأبي حازمٍ (٢): كيفَ القُدُومُ على الله تعالى؟ فقال أبو حازم: أمَّا قُدُومُ الطائعِ على الله تعالى فكَقُدُوم الغائب على أهلِه المشتاقين إليه، وأمَّا قُدُومُ العاصِي فكَقُدوم [العبدِ] (٣) الآبقِ على سَيِّدِه الغضبان. لَعَلَّكَ غَضْبَانُ وَقلبِيَ غافِل … سَلامٌ على الدّارَيْن إنْ كُنْتَ رَاضِيا في بعض الآثار الإسرائيلية: يقولُ اللهُ : ألا طَالَ شوقُ الأبرارِ إليَّ، وأنا إلى لقائهم أشَدُّ شَوْقًا. كم بين الذين ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ (٤) وبين الذين ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾ (٥). قال علي ﵁: تتلقَّاهُم الملائكةُ على أبواب الجنة ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (٦). ويَلْقَى كُل غِلمانٍ صاحبَهم يُطِيفُونَ به فِعْلَ الوِلْدان بالحَميم جاء من الغَيبةِ، ويقولون (٧): أبشِرْ فقدْ أعدَّ الله لكَ مِن الكرامةِ كذا وكذا (٨)، وينطلِقُ غُلامٌ من غلمانِهِ إلى أزواجِهِ مِن الحُور العِينِ، فيقول: هذا فلان، باسمِه في الدنيا، فيقلْنَ: أَنتَ رأيتَه؟ فيقول: نعم. فيستخَفُّهُنَّ الفَرَحُ حتى يخرُجْنَ إلى أُسْكُفةِ الباب (٩). قال أبو سليمان الدارانيُّ: تَبْعَث الحَوْراءُ من الحُورِ الوَصِيفَ من وَصَائفِها، فتقول: ويحَكَ! انظُرْ ما فُعِلَ بوليّ الله، فتستبطِئُه فتبعثُ وصيفًا آخَرَ، فيأتي الأوَّلُ

стр. 129

فيقولُ: تركْتُه عندَ الميزانِ، ويأتي الثاني فيقول: تركْتُه عندَ الصِّراطِ، ويأتي الثالث فيقولُ: قد دخل باب الجنة، فيستخفُّهَا (١) الفرَحُ فتقفُ على باب الجنة، فإذا أتاها اعتَنَقَتْهُ، فيدخُلُ خياشيمَهُ مِن ريحها ما لا يخرُجُ أبدًا. قَدْ أُزْلِفَتْ جنَّةُ النعِيمِ فيا … طُوبَى لِقَوْمٍ برَبْعِها نَزَلُوا أكوابُها (٢) عَسْجَدٌ يُطافُ بها … والخمرُ والسلسبيلُ والعسَلُ والحورُ تلقاهُمُ وَقَدْ كُشفَتْ … عن الوجوه بها الأستار والكِللُ * * *

стр. 130

وظيفة شهر صفر في "الصحيحين" (١) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنَّه قال: "لا عَدْوَى ولا هامَةَ ولا صفَرَ". فقال أعرابي: يا رسولَ الله، فما بالُ الإبل تكونُ في الرَّملِ كأنها الظِّباءُ فيخالطُها البَعيرُ الأجرَبُ فيُجْرِبُها؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "فمن أعْدَى الأول"؟. أما العَدْوَى فمعناها أنَّ المرضَ يتعدّى من صاحبِه إلى مَن يُقارِبُه مِنَ الأصحَّاءِ فيمرَضُ بذلك. وكانت العَرَبُ تعتقِدُ ذلك في أمراض كثيرةٍ منها الجرَبُ، ولذلك سأل الأعرابيُّ عن الإبل الصحيحة يُخالِطُها البعيرُ الأجرَبُ فتجربُ، فقال النَّبيُّ ﷺ : فَمَنْ أَعْدَى الأول؟ ومُرادُه أن الأوَّلَ لم يجرَبْ بالعَدْوَى بل بقضاءِ اللهِ وقدَرِه، فكذلك الثاني وما بعدَه. وقد وردَتْ أحاديثُ أشكَلَ على كثيرٍ من الناس فهمُها، حَتَّى ظَنَّ بعضُهم أنها ناسخةٌ لقوله: لا عَدْوَى، مثل ما في الصحيحين (٢)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصحٍّ". والمُمْرِضُ: صاحبُ الإِبل المريضةِ، والمُصِحُّ: صاحبُ الإبلِ الصَّحيحةِ.

стр. 131

والمرادُ النَّهيُ عن إيراد الإبل المريضةِ على الصحيحة. ومثل قوله ﷺ : "فِرَّ من المَجْذُوم فراركَ من الأسدِ" (١). وقوله ﷺ في الطاعون: "إذا سَمِعتم به بأرض فلا تدخلُوها" (٢). ودخولُ النَّسخِ في هذا كما تخيَّلَه بعضُهم لا معنَى له؛ فإن قوله "لا عَدْوَى" خبرٌ محضٌ لا يُمكنُ نسْخُه إلَّا أن يقال: هو نهيٌ عن اعتقادِ العَدْوَى، لا نَفْيٌّ لها. ولكن يمكن أنْ يكونَ ناسخًا للنهي في هذه الأحاديث الثلاثةِ وما في معناها. والصحيح الذي عليه جُمهورُ العلماءِ أنه لا نَسْخَ في ذلك كلِّه (٣)، ولكن اختلفوا في معنى قوله "لا عدوى"، وأظهرُ ما قيل في ذلك أنه نَفيٌ لما كان يعتقدُه أهلُ الجاهليةِ مِن أن هذه الأمراضَ تُعْدِي بطبعها من غير اعتقادِ تقديرِ اللهِ لذلك، ويدُلُّ على هذا قولُه "فمن أعْدَى الأول"، يشير إلى أن الأول إنما جَرِبَ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ، فكذلك الثاني وما بعده. وخرَّج الإمامُ أحمد (٤) والترمذي من حديث ابن مسعود، قال: قال رَسُول الله ﷺ : "لا يُعدِي شيءٌ شيئًا" قالها ثلاثًا. فقال أعرابي: يا رسولَ الله! النُّقْبَةُ (٥) مِنَ الجَرَب تكونُ بمِشْفَرِ البَعيرِ أو بِذَنَبِه في الإبل العظيمةِ، فتَجْرَبُ كلُّها. فقال رسولُ الله ﷺ : "فما أَجْرَبَ الأول؟ لَا عَدْوى ولا هَامَةَ ولا صَفَرَ، خَلَقَ الله كل نَفْس وكَتَبَ حياتَها ومُصَابَها ورِزْقَها". فأخبَرَ أن ذلك كلَّه بقضاءِ الله وقَدَرِه، كما دَلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٦). فأما نهيُهُ ﷺ عن إيرادِ المُمْرِضِ على المُصِحِّ، وأمرُه بالفرارِ من المَجْذُومِ،

стр. 132

ونهيُهُ عن الدخولِ إلى موضعِ الطَّاعونِ، فإنَّه مِن بابِ اجتِناب الأسبابِ التي خَلَقَها اللهُ تعالى، وجعلَها أسبابًا للهلاكِ أو الأذَى. والعبدُ مأمورٌ باتقاءَ أسباب البَلاء إذا كان في عافيةٍ منها، فكما أنه يُؤمَرُ أن لا يُلْقيَ نفسَه في الماءِ، أو في النار، أو يدخُلَ تحتَ الهَدْمِ ونحوِهِ، مِمَّا جرت به (١) العادَةُ بأنَّه يُهلِكُ أو يُؤذِي، فكذلك اجتِنابُ مقارَبَةِ المريضِ كالمجذومِ، أو القُدومِ على بلدِ الطاعونِ؛ فإنَّ هذه كلَّها أسبابٌ للمرضِ والتَّلَفِ؛ والله تعالى هو خالقُ الأسبابِ ومُسَبَباتها، لا خالِقَ غيرُه، ولا مقدِّرَ غيرُه. وقد رُوي في حديثٍ مرسل خرَّجَه أبو داود في "مراسيله" أن النبيَّ يكون مَرَّ بحائطٍ مائلٍ فأسرَعَ وقالَ: "أخافُ مَوْتَ الفَوَاتِ" (٢). ورُوي متصلًا، والمرسَلُ أصَحُّ. وهذه الأسبابُ التي جعلها الله أسبابًا يخلُقُ المُسبِّبات بها كما دَلَّ عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (٣). وقالت طائفة: إنه يخلُقُ المسبّباتِ عِندَها لا بِها. وأمَّا إذا قَوِيَ التوكُّلُ على الله تعالى والإِيمانُ بقضائِه وقدَرِه، فقوَيتِ النَّفْسُ على مباشرَةِ بعضِ هذه الأسباب اعتمادًا على الله ورجاءً منه ألَّا يحصُلَ به ضررٌ، ففي هذه الحال تجوزُ مباشرةُ ذلك، لا سيَّما إذا كان فيه مصلحة عامَّةٌ أو خاصّةٌ. وعلى مثل هذا يُحملُ الحديثُ الذي خرجه أبو داود (٤) والترمذي أن النبي ﷺ أَخَذَ بيدِ مَجْذوم، فأدخَلَهَا مَعَهُ في القَصْعَةِ، ثم قال: "كُلْ باسْم اللهِ، ثقة باللهِ، وتوكُّلًا عليه". وقد أخذَ بهِ الإِمامُ أحمد. وقد رُوي نحو ذلك عن عُمَرَ وابنِه عبدِ اللهِ وسلمان ﵃.

стр. 133

ونظيرُ ذلك ما رُوي عن خالد بن الوليد ﵁ مِن أَكْلِ السُّمِّ (١). ومنه مشيُ سعدِ بن أبي وقاص، وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متنِ البَحْرِ (٢). ومنه أمرُ عُمَرَ ﵁ لتميم (٣) حيثُ خرجَتِ النارُ من الحَرَّةِ أن يَرُدَّها، فدخلَ إليها في الغار التي خرجَتْ منه (٤). فهذا كلُّه لا يصلُحُ (٥) إلا لخواصّ من الناس، قوي إيمانهم بالله وقضائِه وقدَرِه، وتوكُّلُهم عليه وثقتُهم به. ونظير ذلك دخولُ المفاوِزِ (٦) بغير زادٍ، فإنَّه يجوزُ لمن قوي يقينُه وتوكُّلُه خاصَّةً. وقد نصَّ عليه أحمد وإسحاق وغيرُهما من الأئمة. وكذلك تَرْك التكسُّبِ والتَّطَبُّبِ. كلُّ ذلك يجوز عند الإِمام أحمد لمن قوِي توكُّلُه؛ فإنَّ التوكُّلَ أعظَمُ الأسبابِ

стр. 134

التي تستجلَبُ بها المنافعُ ويُسْتَدفَعُ بها المَضارُّ، كما قال الفُضَيل: لو علم الله منكَ إخراجَ المخلوقينَ من قلبك لأعطاكَ كل ما تُريدُ. وبذلك فسَّرَ الإِمامُ أحمد التوكُّلَ، فقال: هو قطعُ الاسْتِشْرَافِ (١) باليأسِ مِنَ المخلوقين، قيل له: فما الحجَةُ فيه؟ قال: قولُ إبراهيَم ﵇ لمَّا أُلقي في النارِ، فعرَضَ له جبريلُ ﵇، فقال: ألكَ حاجة؟ قال: أمَّا إليكَ فلا. فلا يُشْرَعُ تركُ الأسبابِ الظاهرةِ إلَّا لمن تعوَّضَ عنها بالسَّببِ الباطِن، وهو تحقيقُ التوكُّلِ عليه، فإنَّه أقوى من الأسباب الظاهرة لأهله، وأنفَعُ منها. فالتوكُّلُ عِلْمٌ وعمَلٌ؛ فالعِلْمُ معرفةُ القَلْب بتوحيدِ الله بالنَّفْعِ والضرِّ، وعامةُ المؤمنين تعلمُ ذلك. والعمَلُ هو ثقة القلب بالله تعالى وفراغه من كلِّ ما سواه، وهذا عَزيزٌ ويختصُّ به خواصُّ المؤمنين. والأسبابُ نوعان: أحدهما: أسبابُ الخير، فالمشروع أنَّه يفرَحُ بها، ويستبشِرُ، ولا يَسْكُنُ إليها، بل إلى خالقِها ومسبِّبها، وذلك هو تحقيقُ التوكُّلِ على اللهِ والإِيمان بهِ، كما قال تعالى في الإِمداد بالملائكة: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ (٢). ومِن هذا الباب الاستبشارُ بالفألِ، وهو الكلِمةُ الصالحةُ يسمعُها طالِبُ الحاجَة، وأكثرُ الناسِ يَرْكَنُ بقلبِه إلى الأسباب وَينْسَى المسبِّبَ لها، وقلَّ مَن فعَلَ ذلك إلَّا وُكِلَ إليها وخُذِلَ، فإنَّ جميعَ النِّعمِ مِنَ الله وفضلِه، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٤)، [كما قيل] (٥): لا نِلْتُ خَيْرًا ما بَقِيـ … تُ ولا عَدَانِي الدَّهْرَ شرّ إن كُنْتُ أعلَمُ أن غَيـ … ـر اللهِ يَنْفَعُ أو يَضُرّ

стр. 135

ولا تُضافُ النِّعمُ إلى الأسبابِ، بل إلى مُسبِّبها ومُقدِّرِها، كما في الحديث الصحيح (١) عن النبي ﷺ أنه صلَّى بهم الصبحَ في إثر سماءٍ (٢)، ثم قال: "أتدرون ما قال ربُّكم الليلةَ؟ قال: أصبَحَ مِن عبادي مؤمن بي وكافرٌ؛ فأمَّا المؤمنُ فقال: مُطِرْنا بفضلِ اللّهِ ورحمتِه، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكبِ؛ وأما الكافرُ فقال: مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب". وفي صحيح مسلم (٣)، عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا عَدْوَى، ولا هامَةَ، ولا نَوْءَ، ولا صفَرَ". وهذا مما يَدُلُّ على أن المرادَ نفيُ تأثيرِ هذه الأسبابِ بنفسها من غير اعتقادٍ أنَّها بتقدير اللّه وقضائِه، فمن أضافَ شيئًا من النِّعمِ إلى غيرِ الله مع اعتقادِه أنَّه ليس من الله فهو مُشرِك حقيقةً، ومع اعتقادِ أنَّه من اللهِ فهو نوعُ شِركٍ خفيٍّ. والنوع الثاني: أسبابُ الشرِّ، فلا تُضافُ إلَّا إلى الذُّنوب؛ لأنَّ جميعَ المصائب إنما هي بسبب الذُّنوب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٥)، فلا تضافُ إلى شيءٍ من الأسباب سِوى الذنوبِ، كالعَدْوَى أو غيرها. والمشروعُ: اجتنابُ ما ظهرَ منها واتقاؤه بقدْرِ ما وردَتْ به الشريعةُ، مثل اتقاء المجذوم. والمريضِ، والقدومِ على مكانِ الطاعونِ. وأما ما خَفِي منها فلا يُشْرَعُ اتقاؤه واجتنابُه، فإنَّ ذلك مِن الطيرةِ المَنهيِّ عنها؛ والطِّيرَةُ مِن أعمالِ أهلِ الشرِّكِ والكُفْرِ، وقد حكاها الله تعالى في كتابه عن قوم فرعونَ وقوم صالح وأصحابِ القريةِ التي جاءها المرسلون. وقد ثبتَ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا طيَرةَ" (٦).

стр. 136

وفي حديثٍ: "مَنْ ردَّتْهُ الطيرَةُ فقد قَارَفَ الشِّرْكَ" (١). وفي حديثِ ابن مسعود المرفوع: "الطِّيرةُ مِن الشِّرْكِ، وما منّا إلا (٢)، ولكنَّ الله يذهِبُهُ بالتَّوَكُّلِ" (٣). والبحثُ عن أسباب الشر من النظرِ في النجوم ونحوِها هو من الطِّيرَةِ المَنهيِّ عنها؛ والباحثونَ عن ذلكَ غالبًا لا يشتغلون بما يدفعُ البلاءَ من الطاعاتِ، بل يأمرون بلزومِ المنزلِ وتركِ الحركةِ، وهذا لا يمنَعُ نُفوذَ القضاء والقَدَرِ. ومنهم من يَشتَغِلُ بالمعاصي، وهذا مما يُقوِّي وقوعَ البَلاءِ ونُفوذَهُ. والذي جاءت به الشريعة هو تركُ البحث عن ذلك، والإعراضُ عنه، والاشتغالُ بما يدفَعُ البلاءَ (٤)؛ مِن الدُّعاءِ، والذِّكْر، والصدقةِ، وتحقيق التوكُّل على الله ، والإيمان بقضائه وقدره. وفي "مسند ابن وهب" أن عبد الله بن عمرو بن العاص الْتَقَى هو وكعبٌ (٥)، فقال عبد الله لكعبٍ: علمُ النُّجوم؟ قال كعب: لا خَيْر فيه، قال عبد اللهِ: لم؟ قال: ترَى فيه (٦) ما تكرَهُ، يُريدُ الطِّيرَةَ. فقال كعب: فإن مضى، وقال: اللهم لا طَيْرَ إلا طيرُكَ، ولا خَيْرَ إلا خَيْرُكَ، ولا رَبَّ غيرُكَ. فقال عبد الله: ولا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلَّا بك (٧). فقال كعب: جاء بها عبد الله، والذي نفسي بيده إنَّها لرأسُ التوكُّل وكنزُ العَبْدِ في الجنةِ، ولا يقولهُنَّ عبدٌ عند ذلك ثم يمضي إلا لم يضرَّه شيءٌ. قال عبد الله: أرأيتَ إن لم يمضِ وقَعَدَ؟ قال طَعِمَ قلبُهُ طَعْمَ الإشراكِ.

стр. 137

وفي "مراسيل" (١) أبي داود أن النبيَّ ﷺ ، قال: "ليس عبدٌ إلا سيدخُلُ قلبَهُ طِيَرةٌ، فإذا أحَسَّ بذلك، فلْيقُلْ: أنا عبدُ الله، ما شاءَ الله، لا قوةَ إلا بالله، لا يأتي بالحسناتِ إلا اللهُ، ولا يذهَبُ بالسيِّئاتِ إلَّا الله، أشهدُ أن الله على كل شيء قدير. ثم يَمضي لوجهِهِ". وفي مسند الإمام أحمد (٢) عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: مَن رجعَتْهُ الطيرةُ مِن حاجتِهِ فقد أشرَكَ. وكفَّارةُ ذلك أن يقولَ أحدُهم: اللهمّ لا طَيْرَ إلَّا طيرُكَ، ولا خَيْرَ إلا خيرُكَ، ولا إلهَ غيرُك. وخرَّج الإمام أحمد، وأبو داود (٣) من حديث عروة بن عامر القرشي، قال: ذُكِرَت الطيرَةُ عند رسولِ الله ﷺ فقال: "أحسَنُها الفَألُ، ولا تَرُدُّ مسلمًا، فإذا رأى أَحدُكم مَا يكرهُ فليقُلْ: اللهم لا يأتي بالحسناتِ إلا أنتَ، ولا يدفَعُ السيئاتِ إلا أنت، ولا حَوْلَ ولا قوة إلا بكَ". وخرجه أبو القاسم البَغويُّ (٤)، وعنده: "ولا تضُرُّ مسلمًا". وفي صحيح ابن حِبَّانَ (٥) عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا طِيرَةَ، والطِّيرَةُ على مَن تطيَّرَ". وقال النخعيُّ: قال عبد الله بن مسعود: لا تضرُّ الطيرَةُ إلَّا من تطيَّر. ومعنى هذا أن من تطيَّر تطيُّرًا منهيًّا عنه، وهو أن يعتمِدَ على ما يسمعُه أو يراهُ مما يتطيَّرُ به حتى يمنعَهُ ممَّا يُريدُ من حاجته، فإنَّه قد يُصيبُه ما يكرهُه. فأمَّا من توكَّلَ على الله، ووثِقَ به، بحيثُ علَّقَ قلبَه بالله خوفًا ورجاء وقطعَهُ عن الالتفاتِ إلى هذه الأسباب المخوفَةِ، وقال ما أُمِرَ به من هذه الكلماتِ، ومضى، فإنه لا يضرُّه ذلك (٦).

стр. 138

وقد رُوي عن ابن عباس ﵄ أنه كان إذا سمعَ نَعْقَ (١) الغُرابِ قال: اللهم لا طَيْرَ إلا طَيرُكَ، ولا خَيْرَ إلا خيْرُكَ. وكذلك أمرَ النبيُّ ﷺ عند انعقادِ أسباب العذاب السَّماويةِ المخوفةِ، كالكسُوفِ، بأعمالِ البِر؛ من الصَّلاةِ، والدُّعاءِ، والصَّدَقةِ، وَالعِتْقِ، حتى يُكشَفَ ذلك عن الناس. وهذا كله مما يدُلُّ على أن الأسبابَ المكروهةَ إذا وُجِدَت فإنَّ المَشروعَ الاشتغالُ بما يُرْجَى به دَفْعُ العذاب المَخُوفِ منها؛ من أعمالِ الطَّاعاتِ، والدُّعاءِ، وتحقيقِ التوكُّلِ على الله والثقة به، فإن هذه الأسبابَ كلَّها مُقْتضياتٌ لا مُوجباتٌ، ولها موانعُ تمنعُها. فأعمالُ البِرِّ والتَّقْوَى والدُّعاءُ والتوكُّلُ من أعظم ما يُستدفَعُ به. ومن كلام بعضِ الحكماء المتقدِّمين: ضجيجُ الأصواتِ في هياكِلِ العباداتِ بأفنانِ (٢) اللغاتِ تُحَلِّلُ ما عَقَدَتهُ الأفلاكُ الدائراتُ؛ وهذا على زعمهم واعتقادِهم في الأفلاك. وأما اعتقادُ المسلمين فإنَّ الله وحدَه هو الفاعلُ لما يشاءُ، ولكنَّه يعقِدُ أسبابًا للعذابِ، وأسبابًا للرحمةِ؛ فأسبابُ العذابِ يُخوفُ الله بها عبادَه ليتوبوا إليه ويتضرعوا إليه، مَثلُ كُسوفِ الشمس والقمرِ؛ فإنّهَما آيتان من آيات الله يخوِّفُ الله بهما عبادَه؛ لينظرَ من يحدثُ له توبةً، فدَلَّ على أن كسوفَهما (٣) سببٌ يُخشَى منه وُقوعُ عذابٍ. وقد أمرَ عائشةَ ﵂ أن تستعيذَ مِن شرِّ القَمَرِ، وقال: هو الغاسِقُ إذا وَقَبَ. وقد أَمَرَ الله تعالى بالاستعاذةِ مِن شر غاسقٍ إذا وَقَبَ، وهو الليلُ إذا أظلم؛ فإنه ينتشر فيه شياطينُ الجِنِّ والإنس. والاستعاذة مِن القَمَرِ؛ لأنه آية الليل، وفيه إشارة إلى أن شرَّ الليلِ المَخُوفِ لا يندفِعُ بإشراقِ القَمَرِ فيه، ولا يَصِيرُ بذلك كالنَّهارِ، بل يُستعاذُ منه وإن كان مقمرًا. وخرَّج الطَّبراني (٤) من حديث جابرٍ مرفوعًا: "لا تَسُبُّوا اللَّيلَ، ولا النَّهارَ، ولا

стр. 139

الشمسَ، ولا القَمَرَ، ولا الرِّيحَ؛ فإنَّها رحمةٌ لِقومٍ، وعذابٌ لآخرين". ومثلُ اشتدادِ الرِّياح؛ فإن الرِّيح كما قال النبي ﷺ مِن رَوْحِ الله، تأتي بالرحمةِ، وتأتي بالعذابِ (١). وأَمَرَ إذا اشتدَّتِ الريحُ أن يُسألَ الله خيرَها وخيرَ ما أُرْسِلَتْ به، ويُستعَاذَ به من شَرِّها وشَرِّ ما أرسِلَتْ (٢) به. وقد كان النبي ﷺ إذا رأى ريحًا أو غيمًا تغيَّر وجْهُهُ، وأقبَلَ وأدْبَرَ، فإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عنه، ويقول: قد عُذِّبَ قومٌ بالرِّيح. ورأى قومٌ السِّحابَ، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٣). وأسبابُ الرحمةِ يُرجّي بها عبادَهُ، مثلُ الغيمِ الرطب والريحِ الطيبةِ، ومثلُ المطرِ المعتادِ عند الحاجة إليه، ولهذا يقال عند نزوله: اللهم سُقْيا رحمةٍ ولا سُقْيا عذابٍ. وأمَّا من اتَّقى أسبابَ الضَّرَرِ بعدَ انعقادِها بالأسباب المنهِيِّ عنها، فإنه لا ينفعُه ذلك غالبًا، كمن ردَّتْهُ الطيرَةُ عن حاجته خشيةَ أن يُصيبَهُ ما تطيَّرَ به، فإنَّه كثيرًا ما يُصاب بما خشي (٤) منه، كما قاله ابنُ مسعودٍ، ودَل عليه حديثُ أنس المتقدِّم. وكمن اتَّقَى الطَّاعونَ الواقِعَ في بلدِهِ بالفِرارِ منه، فإنَّه قلَّ أن يُنجيَهُ ذلك. وقد فَرَّ كثيرٌ مِن المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ من الطاعون فأصابهم، ولم ينفعهُم الفِرارُ، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ

стр. 140

مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (١). وقد ذُكِرَ كثيرٌ مِن السَّلفِ أنَّهم كانوا قد فَرُّوا من الطَّاعون فأصابهم. وفَرَّ بعضُ المتقدِّمين من طاعونٍ وَقَعَ، فبينا هو يَسيرُ باللَّيلِ على حمارٍ له إذ سمعَ قائلًا يقول: لنْ يُسْبَقَ اللهُ على حِمارٍ … ولَا عَلَى ذي مَيْعَةٍ مُطَارِ (٢) أو يأتيَ الحَتْفُ على مِقْدَارِ … قَدْ يُصْبِحُ الله أمام السَّارِي فأصابَهُ الطاعونُ، فمات. وأمَّا قولُه ﷺ : "لا هامَةَ" فهو نفيٌ لِما كانَتِ الجاهليةُ تعتقدُه أن الميتَ إذا ماتَ صارَتْ روحُه، أو عظامُه، هامةً، وهو طائر يطير. وهو شبيه باعتقادِ أهلِ التناسخِ؛ أن أرواحَ الموتى تنتقلُ إلى أجسادِ حيواناتٍ من غير بَعثٍ ولا نُشورٍ، وكل هذه اعتقاداتٌ باطلةٌ جاءَ الإسلامُ بإبطالِها وتكذيبِها. ولكن الذي جاءتْ به الشريعةُ "إنَّ أرواحَ الشُّهداءِ في حواصل طيرٍ خُضْرٍ تأكُلُ مِن ثمار الجنَّةِ، وترِدُ من أنهارِ الجنة، إلى أَن يَرُدَّها الله تعالى إلى أجسادها يوم القيامة (٣) ". [ورُوي أيضًا "إنَّ نَسَمَةَ المؤمن طائر يعلُقُ في شجر الجَنَّة حتى يرجعهَا الله إلى أجسادِها يومَ القيامة"] (٤). وأمَّا قولُه ﷺ "ولا صَفَرَ" فاختُلف في تفسيرِه؛ فقال كثيرٌ من المتقدمين: الصَّفَرُ داءٌ في البطن، يقال: إنه دُودٌ فيه، كبارٌ كالحيّاتِ، وكانوا يعتقدون أنَّه يُعْدِي، فنفَى (٥) ذلك النبيُّ ﷺ .

стр. 141

وممن قال هذا من العلماء ابنُ عُيَينة، والإمامُ أحمدُ وغيرُهما. ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلًا في قوله "لا عَدْوَى". وقد يقال: هو من باب عَطفِ الخاصِّ على العام، وخصَّه بالذكر؛ لاشتهارِهِ عندهم بالعَدْوَى. وقالت طائفة: بلِ المرادُ "بصَفَر" شهرُ صفرَ، ثم اختلفوا في تفسيره، على قولين: أحدُهما: أن المرادَ نفيُ ما كانَ أهلُ الجاهلية يفعلونه في النَّسيء (١)، فكانوا يُحِلُّونَ المُحرَّمَ ويُحَرِّمُونَ صَفَرَ مكانَه؛ وهذا قولُ مالكٍ. والثاني: أن المرادَ أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يَسْتَشْئِمُونَ بصفَرَ ويقولون: إنه شهر (٢) مشؤوم، فأبطَلَ النَّبيُّ ﷺ ذلك؛ وهذا حكاه أبو داود (٣) عن محمد بن راشد المكحولي، عمَّن سمعَه يقول ذلك. ولعل هذا القولَ أشبهُ الأقوالِ. وكثيرٌ من الجُهَّالِ يتشاءَم بصفَرَ، وربَّما ينهَى عن السَّفرِ فيه. والتشاؤمُ بصفَرَ هو من جنسِ الطيرةِ المَنهيِّ عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام كيومِ الأربعاء. وقد رُوي أنَّه يومُ نحسٍ مستمرٍ؛ في حديثٍ لا يَصِح، بل في "المسند" عن جابرٍ ﵁ أن النبي ﷺ دعا على الأحزاب يوم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فاستجيبَ له يومَ الأربعاء بين الظهرِ والعصرِ؛ قال جابر: فما نَزَلَ بي أمرٌ مهم غائظ إلا توخّيْتُ ذلك الوقتَ، فدعوتُ الله فيه، فرأيتُ الإجابةَ، أَو كما قال. وكذلك تشاؤم أهلِ الجاهلية بشوَّال في النِّكاح فيه خاصّةً. وقد قيلَ: إن أصلَه أن طاعونًا وقَعَ في شوال في سنةٍ من السنين، فمات فيه كثير من العرائسِ، فتشاءم بذلك أهلُ الجاهلية. وقد وَرَدَ الشَّرْعُ بإبطالِهِ، قالت عائشةُ ﵂: "تزوَّجَني رسولُ الله ﷺ في

стр. 142

شَوَّال، وبَنَى بي في شَوَّال، فأيُّ نسائِهِ كانَ أحظَى عندَه منّي! وكانت عائشةُ تَسْتَحِبُّ أنْ تُدْخِلَ نِسَاءَها في شَوَّال" (١). وتزوَّجَ النبيُّ ﷺ أمَّ سَلَمَةَ في شَوَّالٍ أيضًا (٢). فأمَّا قولُ النبي ﷺ "لا عَدْوَى ولا طِيَرَة، والشؤمُ في ثلاثٍ؛ في المرأة، والدَّارِ، والدَّابَّةِ"، خَرَّجاه في "الصحيحين" (٣) مِن حديثِ ابن عُمَرَ، عن النبي ﷺ ، فقد اختلفَ الناسُ في معناه أيضًا؛ فروي عن عائشة ﵂ أنَّها أنكرَتْ هذا الحديثَ، أنْ يكونَ من كلامِ النبيِّ ﷺ ، وقالت: إنَّما قال: كانَ أهلُ الجاهلية يقولون ذلك (٤)، خرَّجه الإمام أحمد (٥). وقال مَعْمَر: سمِعْتُ مَن يفسِّر هذا الحديثَ، يقول: شؤمُ المرأةِ إذا كانت غيرَ وَلُودٍ، وشؤمُ الفَرَسِ إذا لم يكن يُغزَى عليه (٦) في سبيل اللّه، وشؤمُ الدَّارِ جارُ السّوء. رُوي (٧) هذا المعنى مرفوعًا من وجوهٍ لا تَصِحُّ. ومنهم من قال: قد رُوِي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا شؤمَ، وإن يَكنِ اليُمْنُ في

стр. 143

شيءٍ ففي ثلاثةٍ"، فذكَرَ هذه الثلاثة (١). وقال: هذه الرواية أشبه بأصُولِ الشرعِ؛ كذا قاله ابن عبد البر، ولكن إسناد هذه الرواية لا يُقاوِمُ ذلك الإسنادَ. والتحقيقُ أنْ يقالَ في إثباتِ الشؤم في هذه الثلاثِ، ما ذكرناه في النهي عن إيرادِ المريض على الصحيح، والفرارِ منَ المجذومِ، ومن أرضِ الطاعونِ؛ إنَّ هذه الثلاثَ أسبابٌ يقدِّر اللهُ تعالى بها الشؤمَ واليُمْنَ ويَقْرِنُه بها، ولهذا يشرع لمن استفادَ زوجةً، أو أمَةً، أو دابَّةً أنْ يسألَ الله تعالى مِن خيرها وخيرِ ما جُبِلتْ عليه، ويستعيذَ بهِ من شرِّها وشرِّ ما جُبِلَتْ عليه، كما في حديث عمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ الذي خرَّجه أبو داود (٢) وغيرُه. وكذا ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل (٣) ذلك. وقد أمرَ رسولُ الله ﷺ قومًا سكنوا دارًا فقلَّ عددُهُم، وقل مالهم أن يتركوها ذَميمةً (٤). فترْكُ ما لا يجدُ الإنسانُ فيه بركةً مِن دارٍ أو زوجةٍ أو دابَّةٍ غيرُ منهي عنه. [وكذلك مَن اتَّجَر في شيءٍ فلم يربحْ فيه ثلاثَ مراتٍ، فإنَّه يتحوَّل عنه] (٥). رُوي ذلك عن عُمرَ بن الخطاب ﵁، فإنْ (٦) بُورك له في شيء فلا يتغير عنه. ففي "المسند" (٧) و"سنن ابن ماجة" عن عائشة ﵂ مرفوعًا "إذا كان لأحدكم رِزْقٌ في شيءٍ فلا يَدَعْهُ حتَّى يتغيَّر له، أو يتنكَّرَ له".

стр. 144

وأمَّا تخصيصُ الشؤم بزمانٍ دونَ زمانٍ، كشهرِ صفَرَ أو غيره، فغيرُ صحيحٍ، وإنَّما الزَّمانُ كلُّه خلقُ (١) الله تعالى، وفيه تقعُ أفعالُ بني آدمَ. فكلُّ زمانٍ شَغَلَه المؤمنُ بطاعةِ اللهِ، فهو زمان مبارَك عليه، وكُلُّ زمانٍ شَغَلَه العبدُ بمعصيةِ اللهِ تعالى فهو مشؤومٌ عليه. فالشؤمُ في الحقيقة هو مَعْصِيةُ اللهِ تعالى، كما قال ابنُ مسعودٍ ﵁: إنْ كان الشؤم في شيءٍ ففيما بين اللّحيين (٢)، يعني اللسان. وقال: ما من شيء أحوجُ إلى طول سجنٍ من لسانٍ. وقال عَدِيُّ (٣) بن حاتم: أيمنُ أمرٍ (٤) وأشأمُهُ بينَ لحييهِ، يَعني لسانَه. وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ ، قال: "حُسْنُ الملكَةِ نَمَاءٌ، وسُوءُ الملَكَةِ شؤمٌ، والبِرُّ زِيادةٌ في العمرِ، والصدقة تمنَعُ (٥) ميتة السوء" (٦). فجَعَلَ سُوءَ الملَكَةِ شؤمًا. وفي حديثٍ آخَرَ: "لا يدخُلُ الجنَّةَ سَيّئُ الملكَةِ (٧) "وهو مَن يُسيءُ إلى مماليكه ويظلِمهُم. وفي الحديث: "إنَّ الصَّدَقَة تدفَعُ مِيتةَ السُّوءِ" (٨). ويروى من حديث عليٍّ مرفوعًا: "باكِرُوا بالصَّدَقةِ فإنَّ البَلاءَ لا يتخطَّاها".

стр. 145

خرَّجه الطبراني (١). وفي حديثٍ آخر: "إنَّ لِكُلِّ يومٍ نَحْسًا، فادْفَعُوا نَحْسَ ذلك اليومِ بالصَّدَقةِ" (٢). فالصَّدَقةُ تمنَعُ وقُوعَ البَلاءِ بعدَ انعقادِ أسبابِهِ، وكذلك الدُّعاءُ. وفي الحديث: "إنَّ البَلاءَ والدُّعاءَ يلتقيان بينَ السَّماءِ والأرضِ، فيعتلجانِ إلى يوم القيامة". خرَّجه البزار والحاكم (٣). وخرَّج الترمذي من حديث سلمان مرفوعًا: "لا يردُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ" (٤). وقال ابن عباس: لا ينفَعُ الحذَرُ من القَدَرِ، ولكن الله يمحو بالدُّعاء ما يشاء من القَدَرِ (٥). وعنه قال: "الدُّعاءُ يدفَعُ القَدَرَ، وهو إذا دَفَعَ القَدَرَ فهو مِنَ القَدَرِ". وهذا كقولِ النبيِّ ﷺ لما سُئلَ عن الأدوية والرُّقى: هل تَرُدُّ مِن قَدَرِ اللهِ شيئًا؟ فقال: "هي من قَدرِ اللهِ تعالى" (٦). وكذلك قال عمر ﵁ لمَّا رَجَعَ من الطاعون، فقال له أبو عُبيدَةَ: أفرارًا (٧) مِن قدَر اللهِ؟ فقال عُمَرُ: نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللهِ إلى قَدَرِ اللهِ؟ فإنَّ الله تعالى يقدِّرُ المقاديرَ ويقدِّرُ ما يدفَعُ بعضَها قبلَ وقوعِهِ. وكذلك الأذكارُ المشروعةُ تدفَعُ البَلاءَ. وفي حديث عثمانَ ﵁ عن النبي ﷺ : "مَنْ قال حينَ يُصبحُ
следующие страницы →