← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وممن قال هذا من العلماء ابنُ عُيَينة، والإمامُ أحمدُ وغيرُهما. ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلًا في قوله "لا عَدْوَى". وقد يقال: هو من باب عَطفِ الخاصِّ على العام، وخصَّه بالذكر؛ لاشتهارِهِ عندهم بالعَدْوَى. وقالت طائفة: بلِ المرادُ "بصَفَر" شهرُ صفرَ، ثم اختلفوا في تفسيره، على قولين: أحدُهما: أن المرادَ نفيُ ما كانَ أهلُ الجاهلية يفعلونه في النَّسيء (١)، فكانوا يُحِلُّونَ المُحرَّمَ ويُحَرِّمُونَ صَفَرَ مكانَه؛ وهذا قولُ مالكٍ. والثاني: أن المرادَ أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يَسْتَشْئِمُونَ بصفَرَ ويقولون: إنه شهر (٢) مشؤوم، فأبطَلَ النَّبيُّ ﷺ ذلك؛ وهذا حكاه أبو داود (٣) عن محمد بن راشد المكحولي، عمَّن سمعَه يقول ذلك. ولعل هذا القولَ أشبهُ الأقوالِ. وكثيرٌ من الجُهَّالِ يتشاءَم بصفَرَ، وربَّما ينهَى عن السَّفرِ فيه. والتشاؤمُ بصفَرَ هو من جنسِ الطيرةِ المَنهيِّ عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام كيومِ الأربعاء. وقد رُوي أنَّه يومُ نحسٍ مستمرٍ؛ في حديثٍ لا يَصِح، بل في "المسند" عن جابرٍ ﵁ أن النبي ﷺ دعا على الأحزاب يوم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فاستجيبَ له يومَ الأربعاء بين الظهرِ والعصرِ؛ قال جابر: فما نَزَلَ بي أمرٌ مهم غائظ إلا توخّيْتُ ذلك الوقتَ، فدعوتُ الله فيه، فرأيتُ الإجابةَ، أَو كما قال. وكذلك تشاؤم أهلِ الجاهلية بشوَّال في النِّكاح فيه خاصّةً. وقد قيلَ: إن أصلَه أن طاعونًا وقَعَ في شوال في سنةٍ من السنين، فمات فيه كثير من العرائسِ، فتشاءم بذلك أهلُ الجاهلية. وقد وَرَدَ الشَّرْعُ بإبطالِهِ، قالت عائشةُ ﵂: "تزوَّجَني رسولُ الله ﷺ في

стр. 142

شَوَّال، وبَنَى بي في شَوَّال، فأيُّ نسائِهِ كانَ أحظَى عندَه منّي! وكانت عائشةُ تَسْتَحِبُّ أنْ تُدْخِلَ نِسَاءَها في شَوَّال" (١). وتزوَّجَ النبيُّ ﷺ أمَّ سَلَمَةَ في شَوَّالٍ أيضًا (٢). فأمَّا قولُ النبي ﷺ "لا عَدْوَى ولا طِيَرَة، والشؤمُ في ثلاثٍ؛ في المرأة، والدَّارِ، والدَّابَّةِ"، خَرَّجاه في "الصحيحين" (٣) مِن حديثِ ابن عُمَرَ، عن النبي ﷺ ، فقد اختلفَ الناسُ في معناه أيضًا؛ فروي عن عائشة ﵂ أنَّها أنكرَتْ هذا الحديثَ، أنْ يكونَ من كلامِ النبيِّ ﷺ ، وقالت: إنَّما قال: كانَ أهلُ الجاهلية يقولون ذلك (٤)، خرَّجه الإمام أحمد (٥). وقال مَعْمَر: سمِعْتُ مَن يفسِّر هذا الحديثَ، يقول: شؤمُ المرأةِ إذا كانت غيرَ وَلُودٍ، وشؤمُ الفَرَسِ إذا لم يكن يُغزَى عليه (٦) في سبيل اللّه، وشؤمُ الدَّارِ جارُ السّوء. رُوي (٧) هذا المعنى مرفوعًا من وجوهٍ لا تَصِحُّ. ومنهم من قال: قد رُوِي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا شؤمَ، وإن يَكنِ اليُمْنُ في

стр. 143

شيءٍ ففي ثلاثةٍ"، فذكَرَ هذه الثلاثة (١). وقال: هذه الرواية أشبه بأصُولِ الشرعِ؛ كذا قاله ابن عبد البر، ولكن إسناد هذه الرواية لا يُقاوِمُ ذلك الإسنادَ. والتحقيقُ أنْ يقالَ في إثباتِ الشؤم في هذه الثلاثِ، ما ذكرناه في النهي عن إيرادِ المريض على الصحيح، والفرارِ منَ المجذومِ، ومن أرضِ الطاعونِ؛ إنَّ هذه الثلاثَ أسبابٌ يقدِّر اللهُ تعالى بها الشؤمَ واليُمْنَ ويَقْرِنُه بها، ولهذا يشرع لمن استفادَ زوجةً، أو أمَةً، أو دابَّةً أنْ يسألَ الله تعالى مِن خيرها وخيرِ ما جُبِلتْ عليه، ويستعيذَ بهِ من شرِّها وشرِّ ما جُبِلَتْ عليه، كما في حديث عمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ الذي خرَّجه أبو داود (٢) وغيرُه. وكذا ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل (٣) ذلك. وقد أمرَ رسولُ الله ﷺ قومًا سكنوا دارًا فقلَّ عددُهُم، وقل مالهم أن يتركوها ذَميمةً (٤). فترْكُ ما لا يجدُ الإنسانُ فيه بركةً مِن دارٍ أو زوجةٍ أو دابَّةٍ غيرُ منهي عنه. [وكذلك مَن اتَّجَر في شيءٍ فلم يربحْ فيه ثلاثَ مراتٍ، فإنَّه يتحوَّل عنه] (٥). رُوي ذلك عن عُمرَ بن الخطاب ﵁، فإنْ (٦) بُورك له في شيء فلا يتغير عنه. ففي "المسند" (٧) و"سنن ابن ماجة" عن عائشة ﵂ مرفوعًا "إذا كان لأحدكم رِزْقٌ في شيءٍ فلا يَدَعْهُ حتَّى يتغيَّر له، أو يتنكَّرَ له".

стр. 144

وأمَّا تخصيصُ الشؤم بزمانٍ دونَ زمانٍ، كشهرِ صفَرَ أو غيره، فغيرُ صحيحٍ، وإنَّما الزَّمانُ كلُّه خلقُ (١) الله تعالى، وفيه تقعُ أفعالُ بني آدمَ. فكلُّ زمانٍ شَغَلَه المؤمنُ بطاعةِ اللهِ، فهو زمان مبارَك عليه، وكُلُّ زمانٍ شَغَلَه العبدُ بمعصيةِ اللهِ تعالى فهو مشؤومٌ عليه. فالشؤمُ في الحقيقة هو مَعْصِيةُ اللهِ تعالى، كما قال ابنُ مسعودٍ ﵁: إنْ كان الشؤم في شيءٍ ففيما بين اللّحيين (٢)، يعني اللسان. وقال: ما من شيء أحوجُ إلى طول سجنٍ من لسانٍ. وقال عَدِيُّ (٣) بن حاتم: أيمنُ أمرٍ (٤) وأشأمُهُ بينَ لحييهِ، يَعني لسانَه. وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ ، قال: "حُسْنُ الملكَةِ نَمَاءٌ، وسُوءُ الملَكَةِ شؤمٌ، والبِرُّ زِيادةٌ في العمرِ، والصدقة تمنَعُ (٥) ميتة السوء" (٦). فجَعَلَ سُوءَ الملَكَةِ شؤمًا. وفي حديثٍ آخَرَ: "لا يدخُلُ الجنَّةَ سَيّئُ الملكَةِ (٧) "وهو مَن يُسيءُ إلى مماليكه ويظلِمهُم. وفي الحديث: "إنَّ الصَّدَقَة تدفَعُ مِيتةَ السُّوءِ" (٨). ويروى من حديث عليٍّ مرفوعًا: "باكِرُوا بالصَّدَقةِ فإنَّ البَلاءَ لا يتخطَّاها".

стр. 145

خرَّجه الطبراني (١). وفي حديثٍ آخر: "إنَّ لِكُلِّ يومٍ نَحْسًا، فادْفَعُوا نَحْسَ ذلك اليومِ بالصَّدَقةِ" (٢). فالصَّدَقةُ تمنَعُ وقُوعَ البَلاءِ بعدَ انعقادِ أسبابِهِ، وكذلك الدُّعاءُ. وفي الحديث: "إنَّ البَلاءَ والدُّعاءَ يلتقيان بينَ السَّماءِ والأرضِ، فيعتلجانِ إلى يوم القيامة". خرَّجه البزار والحاكم (٣). وخرَّج الترمذي من حديث سلمان مرفوعًا: "لا يردُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ" (٤). وقال ابن عباس: لا ينفَعُ الحذَرُ من القَدَرِ، ولكن الله يمحو بالدُّعاء ما يشاء من القَدَرِ (٥). وعنه قال: "الدُّعاءُ يدفَعُ القَدَرَ، وهو إذا دَفَعَ القَدَرَ فهو مِنَ القَدَرِ". وهذا كقولِ النبيِّ ﷺ لما سُئلَ عن الأدوية والرُّقى: هل تَرُدُّ مِن قَدَرِ اللهِ شيئًا؟ فقال: "هي من قَدرِ اللهِ تعالى" (٦). وكذلك قال عمر ﵁ لمَّا رَجَعَ من الطاعون، فقال له أبو عُبيدَةَ: أفرارًا (٧) مِن قدَر اللهِ؟ فقال عُمَرُ: نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللهِ إلى قَدَرِ اللهِ؟ فإنَّ الله تعالى يقدِّرُ المقاديرَ ويقدِّرُ ما يدفَعُ بعضَها قبلَ وقوعِهِ. وكذلك الأذكارُ المشروعةُ تدفَعُ البَلاءَ. وفي حديث عثمانَ ﵁ عن النبي ﷺ : "مَنْ قال حينَ يُصبحُ

стр. 146

ويُمسِي: بسم اللهِ الذي لا يضُرُّ مع اسْمِهِ شيء في الأرضِ ولا في السَّماءِ، وهو السَّميعُ العليمُ، لم يُصِبْهُ بَلاءٌ" (١). وفي "المسند" (٢) عن عائشةَ ﵂، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الشؤمُ سُوءُ الخلقِ". وخرَّجَه الخرائطيُّ (٣)، ولفظُه "اليُمْنُ حُسْنُ الخُلُقِ". وفي الجملة: فلا شُؤمَ إلَّا المعاصي والذنوب؛ فإنَّها تُسخِطُ الله ، فإذا سخِطَ الله على عبدِهِ شقيَ في الدنيا والآخرةِ، كما أنه إذا رضي عن (٤) عبدِهِ سَعِدَ في الدنيا والآخرة. قال بعضُ الصالحين، وقد شُكي إليه بلاءٌ وقع في (٥) الناسِ، فقال: ما أَرَى ما أنتم فيه إلَّا بشؤمِ الذُّنوبِ. وقال أبو حازم: كُلُّ ما شغَلَكَ عن اللهِ مِن أهلٍ أو ولدٍ أو مالٍ فهو عليك مَشْؤومٌ. وقد قيل: فلا كانَ ما يُلهِي عن اللهِ إنَّه … يَضُرُّ ويُؤذِي إنَّه لَمشؤومُ فالشؤم في الحقيقة هو المعصيةُ (٦)، واليُمْنُ هو طاعةُ الله وتقواهُ، كما قيلَ: إنَّ رأيًا (٧) دَعا إلى طَاعَةِ … اللهِ لرأيٌ مُبَارَكٌ مَيْمُونُ والعَدْوَى التي تُهلِكُ مَن قاربَهَا هي المعاصي؛ فَمَنْ قاربَهَا وخالطَهَا وأصَرَّ عليها هَلَكَ، وكذلك مُخالطةُ أهلِ المعاصي، ومن يُحسِّنُ المعاصي (٨) ويُزيّنُها ويدعو إليها

стр. 147

من شياطينِ الإِنسِ، وهم أضرُّ مِن شياطينِ الجنِّ. قال بعضُ السَّلَفِ: شيطانُ الجنِّ تَستعيذُ بالله منه، فينصرف؛ وشيطانُ الإِنس لا يبرَحُ حتَّى يُوقعَكَ في المعصيةِ. وفي الحديث: "يُحشَرُ المرءُ على دينِ خليله؛ فلينظرْ أحدُكُم من يُخالِلُ" (١). وفي حديثٍ آخرَ: "لا تَصْحَبْ إلَّا مؤمنًا ولا يأكُل طعامَكَ إلَّا تقِيٌّ" (٢). ومما يُروى لعليٍّ ﵁ (٣): فلا (٤) تصحَبْ أخا الجَهْلِ … وإياكَ وإياهُ فكم مِنْ جاهلٍ أرْدَى … حكيمًا حينَ آخاهُ (٥) يُقاسُ المرءُ بالمرءِ … إذا ما المرءُ ماشاهُ (٦) وللشيءِ على الشيءِ … مقاييسٌ وأَشْبَاهُ وللقلبِ عَلَى القلبِ … دَليلٌ حينَ يَلْقَاهُ فالعاصي مشؤومٌ على نفسِهِ وعلى غيرِهِ؛ فإنَّه لا يُؤمنُ أنْ ينزلَ عليه عذابٌ فيعمُ النَّاسَ، خصوصًا مَنْ لم يُنكِرْ عليه عَمَلَهُ (٧)، فالبعدُ عنه متعيِّنٌ، فإذا كَثُرَ الخبثُ هَلَكَ الناسُ عمومًا. وكذلك أماكنُ المعاصِي وعقوباتُها يتعيَّنُ البُعْدُ عنها، والهربُ منها، خشيةَ نزولِ العذابِ، كما قال النبيُّ ﷺ لأصحابِهِ لمَّا مَرَّ (٨) على ديارِ ثمودَ بالحِجْرِ: "لا تَدْخُلُوا

стр. 148

على هؤلاء المعذَّبين، إلَّا أن تكونوا باكينَ؛ خشيةَ أنْ يُصيبَكُم ما أصابَهُم" (١). ولما تاب الذي (٢) قَتَلَ مائةَ نفسٍ مِن بني إسرائيلَ، وسأل العالِمَ: هل (٣) لَهُ من توبةٍ؟ قال له: نعم، فأمَرَهُ أنْ ينتقلَ مِن قرية السُّوءِ إلى القريةِ الصالحةِ، فأدركَهُ الموتُ بينَهما، فاختَصَمَ فيه ملائكةُ الرَّحمةِ وملائكةُ العذابِ، فأَوْحَى الله إليهم: أنْ قِيسُوا بينَهما فإلى أيَّهما كانَ أقربَ فأَلْحِقُوه بها، فوَجَدُوه إلى القريةِ الصالحةِ أقربَ بِرَمْيَةِ حَجَرٍ، فغُفِرَ له. هِجرانُ أماكنِ المعصية وإخوانها مِن جملة الهِجرةِ المأمورِ بها، فإنَّ المهاجِرَ مَنْ هَجَرَ ما نَهى الله عنه. قال إبراهيمُ بنُ أدهَمَ: مَن أرادَ التَّوبَةَ فلْيَخْرجْ مِن المظالِمِ، وليدَعْ مخالَطَةَ مَن كانَ يخالِطُه، وإلَّا لم يَنَلْ ما يُريدُ. احذَرُوا الذُّنوبَ، فإنَّها مشؤومةٌ، عواقبُها ذميمةٌ، وعُقُوباتُها أليمة، والقلوبُ المُحِبَّةُ لها سَقِيمةٌ، [والنفوسُ المائلةُ إليها غيرُ مستقيمةٍ، و] (٤) السَّلامةُ منها غنيمةٌ، والعافِيةُ منها ليس لها قيمةٌ، والبَليَّةُ بها، لا سيما بعدَ نُزولِ الشَّيبِ، دَاهِيةٌ عظيمةٌ. طاعةُ اللهِ خيرُ ما اكتسَبَ العَبْدُ … فكنْ طائعًا لله لا تعصِيَنْهُ مَا هَلاكُ النُّفوسِ إلَّا المعاصِي … فاجْتَنِبْ ما نَهَاكَ لَا تَقْرَبَنْهُ إنَّ شيئًا هَلَاكُ نَفْسِكَ فيهِ … ينبغِي أنْ تَصُونَ نَفْسَكَ عَنْهُ يا مَنْ ضَاعَ قلبُه اِنشِدْهُ في مجلسِ الذِّكرِ، عسى أن تجده. يا مَن مرِضَ قلبُه احمِلْه إلى مجلسِ الذّكرِ، لعلَّه أن يُعافَى. مجالسُ الذّكْرِ مارَسْتانات (٥) الذنوب تُداوَى فيها أمراضُ القلوبِ، كما تُداوى أمراضُ الأبدانِ في مارستانات الدُّنيا (٦)، ونزهٌ (٧)

стр. 149

لقلوبِ المؤمنين تتنزه فيه بسماع كلام الحكمة، كما تتنزه أبصارُ أهلِ الدُّنيا في رياضِها وبساتينها. مجلسنا هذا حَضْرَةٌ في رَوضةِ الخُشُوعِ؛ طعامُنا فيه الجُوعُ، وشرابُنا فيه (١) الدُّموعُ، ونُقْلُنا (٢) هذا الكلامُ المسموعُ، نُداوِي فيه أمراضًا أعيَتْ جالينوسَ (٣) وبَخْتَيشُوعَ (٤)، نسقي فيه دِرياق (٥) الذنوب وفاروق المعاصي، فمن شربَ لم يكن له إلى المعصية رجوع. كم أفاقَ فيه منَ المعصيةِ مصروع، وبرِئَ فيه من الهوَى مَلْسُوع، ووصَلَ فيه إلى الله مقطوع، ما عيبُه إلَّا أنَّ الطبيبَ الذي له لو كان يستعمِلُ ما يصِفُ للنَّاسِ لكان إلى قوله المرجوع (٦). يا ضيعةَ العُمر إنْ نَجَا السَّامِعُ وهلَكَ المسموع! يا خيبَةَ المَسْعَى إنْ وَصَلَ التَّابِعُ وانقطَعَ المتبوع! وغَيْرُ تَقِيٍّ يأمُر النَّاسَ بالتُّقَى … طبيبٌ (٧) يُداوِي النَّاسَ وهو سَقِيمُ (٨) يا أيُّها الرَّجُلُ المقوِّمُ غَيْرَهُ … هلَّا لنفسِكَ كانَ ذا التَّقويمُ ابدأْ (٩) بنفسِكَ فانْهَها عَنْ غَيِّها … فإن (١٠) انْتَهَتْ عَنْهُ فأَنْتَ حَكِيمُ فهُناكَ يُقْبَلُ ما تَقولُ ويُقْتَدَى … بالقولِ مِنْكَ وينفعُ التَّعليمُ

стр. 150

لا تَنْهَ عَن خُلُقٍ وتأتيَ مِثلَهُ … عارٌ عليكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ غيره (١): [كم ذا التَّمادِي فَهَا قَدْ جاءَنا صَفَرٌ … شَهْرٌ بهِ الفَوْزُ والتَّوفِيقُ والظَّفَرُ فابدأْ بمَا شئتَ مِنْ فِعْلٍ تُسَرُّ بهِ … يومَ المَعادِ ففيهِ الخيرُ يُنْتَظَرُ تُوبوا إلى اللهِ فيهِ مِن ذُنُوِبكُمُ … مِن قَبْلُ يبلغُ فيكُم حدُّهُ العُمُرُ] (٢) * * *

стр. 151

وظائف شهر ربيع الأوَّل وفيه مجالس: المَجلسُ الأَوَّل في ذكر مولد رسول الله ﷺ - خرَّج الإمام أَحمد من حديث العِرْبَاض بن سَارِيَةَ السُّلَمِي (١) ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنِّي عِنْدَ اللهِ (٢) في أمِّ الكتاب، لخَاتمُ النبيين، وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ (٣) في طينتِهِ، وسَوف أنبئكُم بتأويل ذلكَ: دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبِشارَةُ عيسى قَوْمَه، ورؤيا أمِّي التي رأتْ أنَّه خَرَجَ منها نورٌ أضاءَتْ له قُصُورُ الشَّام، وكذلك أمَّهاتُ النبيينَ يَرَيْنَ" (٤). وخرَّجَه الحاكمُ (٥)، وقال: صحيحُ الإسنادِ. وقد رُوي معناه من حديثِ أبي أمامةَ البَاهليِّ، ومِن وجوهٍ أُخَرَ مرسلةٍ. المقصودُ من هذا الحديث أنَّ نبوَّةَ النَّبيِّ ﷺ كانتْ مذكورةً معروفةً من قبلِ أن يخلُقَه الله ويُخرِجَه إلى دار الدُّنيا حيًّا، وأنَّ ذلك كان مكتوبًا في أمِّ الكتاب من قبلِ

стр. 152

نَفْخِ الرُّوحِ في آدَمَ، ﵇. وفُسِّرَ "أمُّ الكتاب" باللَّوحِ المحفوظِ، وبالذِّكرِ، في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١). وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنه سأل كَعبًا (٢) عن "أمِّ الكتاب" فقال: عَلِمَ اللهُ ما هو خالقٌ، وما خَلْقُه عَامِلون، فقال لِعلمِهِ: كُنْ كتابًا، فكان كِتابًا، ولا رَيْبَ أنَّ علم الله تَعالى قديمٌ أزلِيٌّ لم يَزلْ عالمًا بما يُحدِثُهُ من مخلوقاتِهِ، ثم إنَّه تعالى كَتَبَ ذلك في كتابِ عندَه قَبْلَ خَلْقِ السَّماوات والأرضِ، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣). وفي "صحيح البخاري" عن عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "كان اللهُ ولا شيءَ قَبلَهُ، وكان عرشُهُ على الماءِ، وكتَبَ في الذِّكْرِ كلَّ شيءٍ، ثم خلَقَ السَّماوات والأرضَ" (٤). وفي "صحيح مسلم" عن عَبْد الله بن عَمْرو بن العَاصِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال، (٥): "إنَّ الله كَتبَ مَقَادِيرَ الخلائِقِ قبلَ أن يخلُقَ السماواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عرشُهُ على الماءِ" (٦). ومن جُمْلةِ ما كتبَهُ فِي هذا الذِّكرِ وهو "أمُّ الكتاب" أن محمدًا خاتَمُ النبيِّينَ، ومن حينئذ انتقلَتِ المخلوقاتُ من مرتبةِ العلمِ إلى مرتبةِ الكتابةِ (٧)، وهو نوعٌ من أنواعِ الوجودِ الخارجيِّ، ولهذا قال سعيدُ بن راشدٍ (٨): سألتُ عطاءً: هل كان النَّبيُّ ﷺ نبيًّا

стр. 153

قبلَ أن يُخلَقَ (١)؟ قال: إي واللهِ، وقبلَ أن تُخلَقَ الدُّنيا بألفي عامٍ. خرَّجه أبو بكر الآجُرِي (٢) في "كتاب الشريعة"، وعطاء، الظَّاهِرُ أنَّه الخُرَاسَانيُّ. وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من كتابةِ نبوَّتِه ﷺ في "أمِّ الكتاب" عند تقديرِ المقاديرِ. وقولُه ﷺ في هذا الحديث: "إني عند (٣) اللهِ في أمِّ الكتاب لخَاتمُ النبيِّينَ، وَإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِه"، ليس المرادُ بهِ - واللهُ أعلمُ - أنَّه حينئذٍ كُتِبَ في "أمِّ الكتاب" خَتْمُهُ للنبيينَ، وإنَّما المرادُ الإخبارُ عن كون ذلك مكتوبًا في "أمِّ الكتابِ" في تلك الحالِ قبل نَفْخِ الرُّوحِ في آدمَ، وهو أوَّلُ ما خُلِقَ من النَّوعِ الإنسانيّ. وجاء في حديث آخر (٤)، أنه في تلك الحال وجبَتْ له النبوَّةُ، وهذه مرتبةٌ ثالثةٌ، وهي انتقالُه من مرتبةِ العِلْمِ والكتابةِ إلى مرتبةِ الوجودِ العَينيِّ (٥) الخارجيِّ، فإنَّه ﷺ استُخرِجَ حينئذ من ظهرِ آدمَ ونُبِّئَ، فصارت نُبوَّتُه موجودةً في الخارج بعد كونها كانت مكتوبةً مقدَّرةً في أمِّ الكتاب. ففي حديث مَيْسَرَةَ الفجر (٦)، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، متى كُنتَ نبيًّا؟ قال: "وَآدَمُ بين الرُّوحِ والجسدِ". خرَّجَه الإِمامُ أحمد، والحاكم (٧). قال الإمام أحمد في رواية مُهَنَّا (٨): وبعضهم يرويه: "متى كتبت (٩) نبيًّا؟ "، من الكِتابةِ. فإنْ صحَّتْ هذه الرِّوايةُ، حُمِلَتْ مع حديثِ العِرْباض بن سارِيَةَ على وُجوب نبوَّتهِ وثُبوتها وظهورها (١٠) في الخارج؛ فإنَّ الكتابَةَ إنَّما تُستعمَلُ فيما هو واجبٌ؛ إمَّا

стр. 154

شرعًا كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (١)، أو قَدَرًا كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (٢). وفي حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهم قالوا: يا رسولَ اللهِ! متى وجبَتْ لكَ النبوَّةُ؟ قالَ: "وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والْجَسَدِ". خرَّجه الترمذي وحسَّنه. وفي نسخة: صحَّحه (٣)، وخَرَّجه الحاكم (٤). وروى ابن سعد (٥) من رواية جابر الجُعْفِي، عن الشَّعْبيِّ. (٦)، قال: قال رجلٌ للنبي ﷺ : متى استُنْبِئْتَ؟ قال: "وآدَمُ بَيْنَ الرُّوْحِ وَالجَسَدِ، حين (٧) أُخِذَ مِنِّي الميثاقُ" (٨). وهذه الرِّواية تدُلُّ على أنَّه ﷺ حينئذ استُخرِجَ مِن ظهرِ آدَمَ ونُبِّئ، وأُخِذَ ميثاقُهُ. فيحتمِلُ أن يكونَ ذلك دليلًا على أن استِخراجَ ذُريَّةِ آدَمَ من ظهرِه وأخذَ الميثاق منهم كان قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ في آدَمَ. وقد رُوِيَ هذا عن سلمان الفارسيِّ وغيره من السِّلَفِ. ويُستَدَلُّ له أيضًا بظاهِرِ قولهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (٩) على ما فسَّره به مُجَاهدٌ (١٠) وغيره، أن المراد إخراجُ ذُريَّةِ آدمَ من ظهرِهِ قبلَ أمرِ الملائكةِ بالسُّجود (١١) له، ولكن أكثرَ السَّلفِ على أن استِخراجَ

стр. 155

ذُريَّة آدَمَ منه كان بعد نَفْخِ الرُّوحِ فيه، وعلى هذا تدلُّ أكثرُ الأحاديث، فيحتَملُ (١) على هذا أن يكون محمدٌ ﷺ خُصَّ باستخراجِهِ من ظهرِ آدَمَ قَبْلَ نفخِ الرُّوحِ فيه، فإنَّ محمّدًا ﷺ هو المقصودُ من خَلقِ النَّوْعِ الإنسانيِّ، وهو عينُه، وخلاصَتُه (٢)، وواسطةُ عقدِهِ؛ فلا يبعُدُ أنْ يكونَ أُخرِجَ من ظهرِ آدمَ عند خلقِهِ قبلَ نفخِ الرُّوحِ فيهِ. وقد رُوِيَ أن آدَمَ ﵇ رأى اسمَ محمدٍ ﷺ مكتوبًا على العَرْش، وأنَّ الله قال لآدَمَ: لولا محمَّدٌ ما خلقتُكَ .. وقد خرجه الحاكمُ في "صحيحه" (٣)، فيكون حينئذٍ من حين صُوِّرَ آدمُ طِينًا استُخْرِجَ منه محمدٌ ﷺ ونُبِّئ، وأُخِذَ منه الميثاقُ، ثم أعيدَ إلى ظهر آدمَ حتى خرجَ في وقت خُروجِهِ الذي قدَّرَ الله خروجَه فيه. ويشهدُ لذلك ما روي عن قَتَادَةَ (٤)، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "كنْتُ أوَّل النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخرَهُم في البعثِ". وفي روايةٍ: "أوَّل النَّاسِ في الخَلْقِ". خرَّجه ابنُ سعد (٥) وغيرُه. وخرَّجه الطّبَرانيُّ (٦) من رواية قتادةَ عن الحسن، عن أبي هُرَيْرةَ مرفوعًا، والمرسَلُ أشبَهُ. وفي

стр. 156

روايةٍ عن قتادَةَ مرسَلةٍ، ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (١)، فبدأ به قبلَ نوحٍ الذي هو أوَّلُ الرسُل. فمحمدٌ ﷺ أَوَّلُ الرُّسُلِ خَلْقًا (٢) وآخرهم بعثًا؛ فإنَّه استُخرِجَ من ظهرِ آدمَ لما صُوِّرَ (٣)، ونُبِّئ حينئذٍ، وأُخِذَ ميثاقُه، ثم أُعِيدَ إلى ظهرِهِ. ولا يقالُ: فقد خُلِقَ آدمُ قبلَهُ؛ لأنَّ آدَمَ كان حينئذٍ مَواتًا لا روحَ فيه، ومحمد ﷺ كان حيًّا حين استُخرِجَ ونُبِّئَ وأُخِذَ ميثاقُهُ، فهو ﷺ أوَّلُ النبيينَ خَلْقًا وآخرُهُم بعثًا، فهو خاتَمُ النَّبِيِّينَ باعتبار أن زمَانَهُ تأخَّرَ عنهم، فهو المُقَفِّي (٤) والعاقِبُ الذي جاء عقيبَ (٥) الأنبياء ويقفوهم. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦). وفي "الصحيحين" عن جَابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَثَلِي ومَثلُ الأنبياءِ كمثلِ رجلٍ بَنى دارًا فأكمَلَها وأحسَنَها، إلَّا موضِعَ لَبِنةٍ، فجعَلَ الناسُ يدخُلُونَها ويَعجَبُون منها، ويقولون: لولا مَوضِعُ اللَّبِنَةِ" (٧). زاد مسلم، قال: "فجئتُ فختمْتُ الأنبياء" (٧). وفيهما أيضًا عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ معناه. وفيه: "فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفونَ به ويقولون: هلَّا وُضِعَتِ اللبِنةُ؟ فأنا اللَّبنَةُ، وأنا خاتَمُ النَّبيِّينَ" (٨). وقد استدل الإمامُ أحمد بحديث العِرْبَاضِ (٩) هذا على أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَزَلْ على التوحيدِ منذ نَشَأَ. وَرَدَّ بذلك على مَنْ زَعَمَ غيرَ ذلك. بل قد يُستَدلُّ بهذا الحديث على أنَّه ﷺ وُلد نبيًّا، فإنَّ نبوَّتَه وجبَتْ له مِن حين أُخِذَ الميثاقُ منه (١٠)، حيث استُخرِجَ مِن صُلْب آدَمَ، فكان نبيًّا من حينئذٍ، لكن كانت مدَّةُ خروجه إلى الدُّنيا متأخِّرَةً عن ذلك، وذَلك لا

стр. 157

يمنعُ كونَهُ نبيًّا قبلَ خُروجِه، كَمَنْ يُوَلِّي وِلايةً ويؤمَرُ بالتَّصرُّفِ فيها (١) في زمنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فحُكْمُ لوِلايةِ ثابتٌ له من حين ولايتِهِ وإن كان تصرُّفُه يتأخَّر (٢) إلى حين مجيءِ الوقتِ. قال حَنْبَلُ (٣): قلت لأبي عبدِ اللهِ - يعني أحمد: مَنْ زَعَمَ أن النَّبيَّ ﷺ كان على دِين قومه أن يُبعَثَ؟ قالَ: هذا قولُ سُوءٍ، ينبغي لصاحب هذه المقالةِ [أن] (٤) يُحذَرَ كلامُه، ولا يجالَسَ، قُلْتُ له: إنَّ جارنا النَّاقِدَ أبا العبَّاسِ يقولُ هذه المقالَةَ، قال: قاتلَهُ الله! وأيّ شيءٍ أبقَى إذا زَعَمَ أن رسولَ الله ﷺ كان على دينِ قَوْمِهِ وهم يعبُدونَ الأصنامَ؟! قال الله تعالى مخبرًا (٥) عن عيسى ﵇: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٦). قلت له: وزَعَم أن خديجةَ كانتْ على ذلك حين (٧) تزوَّجَها النَّبيُّ ﷺ في الجاهلية. قال: أمَّا خديجةُ فلا أقولُ شيئًا، قد كانَتْ أوَّلَ مَنْ آمنَ به مِن النساء، ثم قال: ماذا يُحدِثُ النَّاسُ مِن الكلام إ؟ هؤلاء أصحابُ الكلام، مَنْ أَحَبَّ الكلامَ (٨) لم يُفْلِحْ. سبحان اللهِ لهذا القولِ!! واحتجَّ في ذلك بكلامٍ لم أحفَظْهُ. وذكر أن (٩) أمَّه حين وَلدت رأتْ نورًا أَضاء له [قُصُور الشام] (١٠)، أو ليس هذا عندما ولدتْ رأتْ هذا، وقبلَ أنْ يُبعَثَ كان طاهرًا مطهَّرًا من الأوثانِ، أو لَيْسَ كان لا يأكُلُ ما (١١) ذُبِحَ على النُّصُب؟ (١٢) ثم قال: احذروا (١٣) الكلام، فإنَّ أصحابَ الكلام لا يؤولُ أمرُهُم إلى خيرٍ. خرجَّه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر (١٤) في "كتاب السُّنَّ".

стр. 158

ومُرادُ [الإمام] أحمدَ الاستِدلالُ بتقديم البشارةِ بنبوَّتهِ من الأنبياءِ الذين قبلَه، وبما شُوهِدَ عندَ ولادتِهِ مِن الآيات، على أَنَّه كان نبيًّا من قبِلِ خروجِهِ إلى الدُنيا وولادتِهِ، وهذا هو الذي يدُل عليه حديثُ العِرْباضِ هذا (١)؛ فإنَّه ﷺ ذكَرَ فيهِ أنَّ نبوَّتَه كانَتْ حاصِلةً مِن حين كانَ آدَمُ مُنْجَدِلًا في طِينتِه؛ والمرادُ بالمُنْجَدِلِ الطَّرِيحُ المُلْقَى على الأرضِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فيه، ويقالُ للقتيل: إنَّه مُنْجَدِلٌ لذلك. ثم استدلَّ ﷺ على سَبْقِ ذِكْرِهِ، والتنويهِ باسْمِهِ، ونبوَّتهِ، وشَرَفِ قَدْرِهِ لِخُروجِهِ إلى الدُّنيا، بثلاثِ دَلائِلَ؛ وهو مرادُه بقوله (٢): "وسأنبئكم بتأويل. ذلك". الدَّليلُ الأوَّلُ: دعوةُ أبيه إبراهيمَ ﵇؛ وأشارَ بذلك إلى ما قَصَّ اللهُ في كتابه عن إبراهيمَ وإسماعيلَ أنَّهما قالا عند بناءِ البيتِ الذي بمكة: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣). [فاستجابَ الله دُعاءَهُما وبَعَثَ في أهلِ مكَّةَ منهم رسُولًا بهذِه الصِّفةِ مِن وَلَدِ إسماعيلَ الذي دَعَا مع أبيه إِبراهيمَ ﵉ بهذا الدُّعاءِ. وقد امتَنَّ الله تعالى على المؤمنين بِبَعْثِ هذا (٤) النَّبيِّ فيهم (٥) على هذه الصِّفة التي دعا بها إبراهيمُ وإسماعيلُ. قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ] (٦)﴾ (٧). وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ

стр. 159

مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١). ومَعْلُومٌ أنَّه لم يُبْعَثْ في (٢) مكَّةَ رسولٌ منهم (٣) بهذه الصفةِ غيرُ محمَّدٍ ﷺ ، وهو مِن وَلَدِ إسماعيلَ، كما أن أنبياءَ بنِي إسرائيلَ مِن وَلَدِ إسحاق. وذكر الله تعالى أنَّه مَنَّ على المؤمنينَ بهذه الرِّسالةِ، فليس للهِ نِعمَةٌ أعظم مِن إرسال محمدٍ ﷺ يَهْدِي إلى الحقِّ وإلى صراطٍ (٤) مستقيمٍ. وقوله: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ - والمرادُ بهم العَرَبُ - تنبيهٌ لهم على قَدْرِ هذه النِّعمةِ وعِظَمِها، حيثُ كانوا أمِّيِّينَ لا كِتابَ لهم، وليسَ عندَهم شيء من آثارِ النُّبوَّاتِ، كما كان عندَ أهلِ الكتاب، فمنَّ الله عليهم بهذا الرسولِ وبهذا الكتاب، حتى صاروا أفْضَلَ الأمم وأعلَمَهمَ، وعَرَفُوا ضلالَةَ مَنْ ضَلَّ من الأمم قَبلَهم. وفي كونِهِ منهم فائدتان: إحداهما: أن هذا الرَّسُولَ كان أيضًا أميًّا كأمَّتِهِ المبعوثِ إليهم، لم يقرأْ كتابًا قَطُّ، ولم يَخُطَّهُ بيمينِهِ، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ الآيات (٥)، ولا خَرَجَ عن ديارِ قَوْمِهِ فأقامَ عندَ غيرِهم حتَّى تعلَّمَ منهم شيئًا، بلْ لم يزَلْ أُمِّيًّا بين أمَّةٍ أمِّيَّةٍ، لا يكتُبُ ولا يَقرأُ حتى كَمَّلَ الأربعينَ من عُمُرِهِ، ثمَّ جاءَ بعد ذلك بهذا الكتابِ المُبين (٦)، وهذه الشريعةِ الباهِرةِ، وهذا الدِّينِ القيِّمِ، الذي اعترفَ حُذَّاقُ (٧) أهل الأرضِ ونُظَّارُهُم أنَّه لم يَقْرَعِ العالَمَ ناموسٌ (٨) أعظَمُ منه. وفي هذا بُرهانٌ ظاهِرٌ على صِدْقِهِ.

стр. 160

والفائدة الثانية: التنبيهُ على أن المبعوثَ فيهم (١) - وهم الأمِّيُّون خُصوصًا أهل مكَّةَ - يَعرِفُون نَسَبَهُ، وشرَفَهُ، وصِدْقَهُ، وأمَانَتَهُ، وعِفَّتَهُ، وأنَّه نَشَأ بينَهُمْ معروفًا بذلك كُلِّه، وأنَّه لم يكذِبْ قَطُّ؛ فكيفَ كانَ يَدَعُ الكَذِبَ على النَّاسِ ثم يَفْترِي الكَذِبَ على الله ، وهذا (٢) هو الباطِلُ، ولذلك سَأَلَ هِرقْلُ (٣) عن هذه الأوصافِ، واستدلَّ بها على صدقِهِ فيما ادَّعاهُ من النُّبوَّةِ والرِّسالةِ. وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾، يعني يتلُو عليهم ما أنزَلَ (٤) الله عليه من آياتِهِ المتلُوَّةِ، وهو القرآنُ، وهو أعظَمُ الكُتبِ السَّماوِيَّةِ، وقد تضمَّنَ من العلوم (٥) والحِكَم، والمواعِظِ، والقَصَصِ، والترغيب والترهيب (٦)، وذكرِ أخبارِ مَنْ سَبقَ، وأخبارِ ما يأتي مِن البَعْثِ والنُّشور والجنَّةِ والنَّارِ، ما لمَ يشتمِلْ عليه كتابٌ غيرُهُ، حَتَّى قالَ بعض العلماءِ: لو أن هذا الكتابَ وُجِدَ مكتوبًا في مُصْحَفٍ (٧) في فلاةٍ من الأرضِ، ولم يُعْلَمْ مَنْ وَضَعَهُ هناك، لشهِدَتِ العُقُولُ السَّلِيمةُ أنَّه منزَلٌ مِن عندِ اللهِ، وأنَّ البَشَرَ لا قدرَةَ لهم على تأليفِ ذلك، فكيف إذا (٨) جاءَ على يدَيْ أَصْدَقِ الخلْقِ وأبَرِّهِمْ وأتْقاهُم، وقال: إنَّه كلامُ اللهِ، وتحدَّى الخَلْقَ كلَّهم أن يأتوا بسُورةٍ (٩) من (١٠) مثلِهِ، فعَجَزُوا. فكيف يَبْقى مع هذا شكٌّ فيه؟ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (١١). وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (١٢). فلو لم يَكُنْ لِمحمَّدٍ ﷺ مِنَ المُعجِزاتِ الدَّالَّةِ على صدقِهِ غَيْرُ هذا الكتابِ [لكفَاهُ] (١٣)، فكيفَ

стр. 161

وَلَهُ مِن المُعْجِزاتِ الأرضِيَّةِ والسَّماويَّةِ ما لا يُحْصَى. وقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: يعني أنه يُزَكِّي قلوبَهُم وَيُطَهِّرُها من أدناسِ الشِّركِ والفُجورِ والضَّلالِ؛ فإنَّ النفوسَ تزكو إذا طَهُرَتْ مِن ذلك كلِّه، ومَنْ زكَتْ نَفْسُه فقد أفلَحَ، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (١). وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٢). وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، يعني بالكتاب القرآنَ، والمرادُ: وَيعلِّمُهم تِلاوةَ ألفاظِهِ. ويعني بالحكمةِ فَهْمَ معاني القرآنِ والعَمَلَ بما فيه. فالحِكْمَةُ هي فهمُ القرآنِ والعملُ به (٣)، فلا يُكْتَفَى بتِلَاوةِ ألفاظِ الكتاب حتَّى يُعْلَمَ معناهُ ويُعْمَلَ بمقتضاهُ، فمَنْ جُمِعَ له (٤) ذلك كلُّه فقد أُوتِيَ الحِكْمَة. قالَ تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٥). قال الفُضَيلُ (٦): العلماءُ كثيرٌ، والحُكَماءُ قليلٌ. وقال: الحُكَماءُ وَرَثَةُ الأنبياءِ. فالحِكمةُ هي العِلمُ النافعُ الذي يتبَعُه العمَلُ الصَّالحُ. وهي (٧) نورٌ يُقْذَفُ في القَلْبِ يُفهَمُ بها معنى العلم المنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ، ويحُضُّ على اتِّباعِه والعملِ به. ومَن قال: الحِكْمَةُ السُّنَّةُ، فقولُه حقٌّ؛ لأنَّ السُّنَّةَ تفسِّرُ القرآنَ وتُبيِّنُ (٨) معانيَهُ وتحُضُّ على اتِّباعِهِ والعَمَلِ به؛ فالحكيمُ هو العالم المستنبطُ لدقائِقِ العِلمِ المنتفَعِ بعلمِهِ بالعمل بِهِ. ولأبي العتاهية (٩): وكَيْفَ تُحِبُّ أنْ تُدْعَى حَكِيمًا … وأَنْتَ لِكُلِّ ما تَهْوَى رَكُوبُ وتَضْحَكُ دَائِبًا ظَهْرًا لِبَطْنٍ … وَتَذْكُرُ مَا عَمِلْتَ فَلَا تَتُوبُ

стр. 162

وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١)، إشارة إلى ما كان النَّاسُ عليه قبلَ إنزالِ هذا الكتاب من الضلالِ، فإنَّ الله تعالى نظرَ حينئذٍ إلى أهلِ الأرضِ، فمقَتَهُم، عربَهُم وعَجمَهُم، إلَّا بقايا مِن أهلِ الكتابِ تمسَّكُوا بدينِهِم الذي لم يُبَدَّلْ ولم يُغيَّرْ، وكَانوا قليلًا جدًّا. فأمَّا عامَّةُ أهلِ الكتاب فكانوا قد بدَّلُوا كُتُبَهُم وغيَّرُوها وحَرَفُوها، وأَدْخَلُوا في دينِهِم ما ليسَ منه فَضَلُّوا وأضَلُّوا. وأمَّا غيرُ أهلِ الكتابِ فكانُوا على ضَلالٍ مُبينٍ (٢)؛ فالأمّيُّون أهلُ شركٍ يَعبُدُونَ الأوثانَ، والمجوسُ يعبُدُونَ النيرانَ ويقولون بإلهَيْنِ اثنينِ، وكذلك غيرُهُم مِن أهلِ الأرضِ؛ منهم مَن كان يعبُدُ النُّجومَ، ومنهم مَن كان يعبُدُ الشَّمسَ أو القمر، فهدَى الله المؤمنينَ بإرسالِ محمَّدٍ ﷺ إلى ما جاءَ بهِ مِنَ الهُدَى ودِينِ الحقِّ؛ وأظهَرَ الله دينَهُ حتى بَلَغَ مشارِقَ الأرضِ ومغارِبَها، فظهرَتْ فيها كلمةُ التَّوحيدِ والعَمَل بالعَدْلِ بعد أن كانَتْ الأرضُ كلُّها ممتلئةً مِن ظُلمةِ (٣) الشِّرْكِ والظُّلْمِ. فالأمّيُّون هم العَربُ، والآخرون الذين لم يَلْحَقُوا بهم هم أَهْلُ فارِسَ والرُّومُ، فكانَتْ أهلُ فارِسَ مجوسًا، والرُّومُ نصارَى، فهدَى اللهُ تعالى جميعَ هؤلاءِ برسالة محمَّدٍ ﷺ إلى التوحيدِ. وقد رُئي الإمامُ أحمدُ (٤) بعد موتِه في المنام، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقال: لولا هذا النَّبيُّ لكنَّا مجوسًا، وهو كما (٥) قال، فإنَّ أهلَ العِرَاقِ لولا رسالةُ محمدٍ ﷺ لكانوا مَجُوسًا، وأهلُ الشَّامِ ومِصْرَ والرُّومُ لولا [رسالةُ] (٦) محمدٍ ﷺ [لكانُوا نصارَى، وأهلُ جزيرة العربِ لولا رسالةُ محمد] (٧) لكانوا مشرِكينَ عُبَّادَ أَوْثَانٍ. ولكن رَحِمَ اللهُ عبادَهُ بإرسالِ محمدٍ ﷺ فأنقذَهُم مِن الضَّلالِ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٨). ولهذا قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٩). فمن حصَلَ له نصيبٌ من دِين الإِسلامِ فقد حصَلَ له الفَضْلُ العَظِيمُ،

стр. 163

وقد عَظُمَتْ عليه نعمَةُ اللهِ، فما أحوَجَهُ إلى القيام بشكرِ هذه النِّعْمَةِ وسؤالِهِ دوامَها والثَّباتَ عليها إلى المماتِ، والموتَ عليها، فبذلِكَ تَتِمُّ النِّعمةُ. فإبراهيمُ ﵇ هو إمامُ الحنفاء المأمورُ محمَّدٌ ﷺ ومَنْ قَبْلَه مِنَ الأنبياءِ ﵈ بالاقْتِداء به، وهو الَّذي جَعَلَهُ الله للنَّاسِ إمامًا. وقَدْ دعا هو وابنُه إسماعيلُ ﵇ بأن يبعَثَ الله في أهلِ مَكَّةَ رَسُولًا مِنْهُم مَوْصُوفًا بهذِهِ الأوصافِ (١)، فاستجابَ الله لهما وجَعَلَ هذا النَّبيَّ المَبْعُوثَ (٢) فيهم مِن وَلَدِ إسماعِيلَ بن إبراهيمَ كما دَعَيا بذلك، وهو النَّبيُّ الَّذِي أَظْهَرَ دِينَ إبراهيمَ الحنِيفَ بعدَ اضمِحلالِهِ وخفائِهِ على أهلِ الأرضِ، فلهذا كان أَوْلَى النَّاسِ بإبراهيمَ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. (٣). وقال ﷺ : "إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وَلِيًّا مِن النَّبيِّينَ (٤) إنَّ وليي (٥) إبراهيم" (٦)، ثم تلا هذه الآية. وكان ﷺ أَشْبَهَ وَلَدِ إبرَاهِيمَ بهِ صُورةً ومعنىً، حتى إنَّه أشْبَهَهُ في خُلَّةِ (٧) اللهِ تعالى، فقال: "إنَّ الله اتَّخذَنِي خَلِيلًا كما اتَّخَذَ إبراهيمَ خليلًا" (٨). الثاني (٩): بِشَارةُ عيسى بهِ، وعيسى آخِرُ أنبياءِ بني إسرائيلَ، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١٠). وقد كان المسيحُ ﵇ يَحُضُّ على اتِّباعِهِ، ويقولُ: إنَّه يُبعَثُ

стр. 164

بالسَّيْفِ، فَلا يَمنعنَّكُم ذلك منه. ورُوي عنه أنَّه قالَ: سوف أذهَبُ أنا ويأتِي الذي بعدِي لا يَتَحمَّدُكم (١) بدَعْواهُ، ولكنْ يَسُلُّ السَّيفَ فتدخلُونَه طَوْعًا وكُرْهًا. وفي "المسند" عن أبي الدَّرْدَاء (٢) ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، أن الله أَوْحَى إلى عِيسى ﵇: "إنِّي باعثٌ (٣) بَعْدَكَ أُمَّةً، ان أصَابَهُمْ ما يُحبُّونَ حَمِدُوا وشَكَرُوا (٤)، وإنْ أصَابَهُم ما يَكْرَهُونَ، احْتَسَبُوا وصَبَرُوا، ولا حِلْمَ ولا عِلْمَ. قال: يا ربّ! كيفَ هذا ولا حِلْمَ ولا عِلْمَ؟ قال: أُعْطِيهم مِن حِلْمِي وعِلْمِي". قال ابنُ إسحاق (٥): حدَّثني بعضُ أَهْل العِلْمِ أن عِيسَى بنَ مَرْيَمَ ﵇ قال: إنَّ أحَبَّ الأُمَمِ إلى اللهِ لأَمَّةُ أحمَدَ. قيلَ له: وما فَضْلُهم الذي تَذكُرُ؟ قال: لم تُذَلَّلْ (٦) "لَا إلهَ إلَّا اللهُ" على ألسُنِ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ تَذلِيلَها على ألسِنَتِهِم. الثالث: مِمَّا دل على نُبوَّتِهِ ﷺ قبْلَ ظُهورِهِ رُؤيا أمِّهِ التي رَأَتْ أنَّهُ خَرَجَ منها نورٌ أضاءَتْ لهُ قُصُورُ الشَّامِ، وذَكَرَ أن أمَّهَاتِ النَّبيِّينَ كذلك يَرَيْنَ. والرؤيا هنا إنْ أُرِيدَ بها رُؤيا (٧) المَنَامِ، فَقَدْ رُوِيَ أن آمِنَةَ بنتَ وَهْبٍ رَأَتْ في أوَّلِ حَمْلِها بالنَّبِيِّ ﷺ أَنَّها بُشِّرَتْ بأنَّه يَخرُجُ مِنها عندَ وِلادَتِها نورٌ تُضِيءُ له قُصُورُ الشَّامِ.

стр. 165

وروَى الطبرانِي بإسنادِه عن أبي مَرْيم (١) الكندِيِّ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه سُئِلَ: أيُّ شيءٍ كانَ أوَّل مِنْ أَمْرِ نُبوَّتِكَ؟ قال: "أَخَذَ الله مِنِّي المِيثاقَ كما أَخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ ميثاقَهُم"، وتلا: ﴿[وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ] وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (٢) الآية، وبشرَى المسيح بن مريم. ورأَتْ أمُّ رَسولِ اللهِ ﷺ في مَنَامِها أنَّه خَرَجَ من بين يَدَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لها منهُ قُصُورُ الشَّام. ثم قال: "ووراء (٣) ذلك" (٤). مرتين (٥) أو ثلاثًا. وإِنْ أريدَ بها رؤيا (٦) عَينٍ، كما قَال ابنُ عبَّاس في قَولِ الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٧): إنها رؤيا عَينٍ أُرِيها النَّبيُّ ﷺ ليلةَ أُسْرِيَ بِهِ، فقد رُوي أنَّ آمنة (٨) رأَتْ ذلكَ عندَ وِلادةِ النَّبيِّ ﷺ . قال ابنُ إسحاق (٩): كانت آمنةُ بنتُ وَهْب تُحدِّثُ أنَّها أُتيَتْ حينَ حَمَلَتْ برسولِ اللهِ ﷺ ، فقيلَ لها: إنَّكِ حَمَلْتِ بسيِّدِ هذه الأُمَّةِ، فإذَا وَقَعَ إلى (١٠) الأرض فقُولي: أُعيذُهُ بالواحدِ من شَرِّ كُلِّ حاسد - وآيةُ ذلك أن يخرُجَ معهُ نورٌ يملأُ قُصُورَ بُصْرَى من أرضِ الشَّامِ - فإذا وَقَعَ فسمِّيهِ (١١) محمَّدًا، فإنَّ اسْمَهُ في التوراةِ أحمدُ، يحمَدُه أهلُ السَّماءِ وأهلُ الأرضِ، واسْمُهُ فِي الإِنجيلِ أحمدُ، يحمَدُهُ أهلُ السَّماءِ وأهلُ الأرض؛ واسْمُهُ في القرآن محمَّدٌ. وذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ (١٢)، عن الواقِدِيِّ بأسانِيدَ له متعددة، أن آمنةَ بنتَ وَهْبٍ قالَتْ: لَقَد عَلِقْتُ به (١٣) - تعني النَّبيَّ ﷺ فما وَجَدْتُ له مشقَّةً حتَّى وضعْتُه، فلمَّا فُصِلَ منِّي خَرَجَ معه نورٌ أضاءَ له ما بينَ المشرقِ إلى المَغرب، ثم وَقَعَ إلى الأرض معتمِدًا على يَدَيْهِ، ثمَّ أَخَذَ قَبْضَةً مِن التُّراب فَقَبَضَها ورَفعَ رأسَهُ إلى السَّماءِ. وفي حديثِ بعضهِم:

стр. 166

وقَعَ جاثيًا على رُكْبَتيهِ وخَرَجَ مَعَهُ نورٌ أضاءَتْ لَهُ قصورُ الشَّام وأسواقُها حتَّى رُؤيتْ أعناقُ الإبِلِ بِبُصْرَى، رافعًا رأسَهُ إلى السَّماءِ. وروى البيهقِيُّ (١) بإسنادِهِ، عن عُثْمَانَ بن أبي العَاصِ، حدَّثتني أمِّي أنَّها شَهِدَتْ وِلادَةَ آمِنَةَ بنتِ وَهْبٍ رسولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ وَلَدَتْهُ، قَالَتْ: فَما شَيءٌ أنظُرُ اليهِ مِنَ البيتِ (٢) إلَّا نور، وإنِّي أنظُرُ إلى النُّجوم تَدنُو حتَّى إنِّي لأقُولُ: لَيَقَعَنَّ عَليَّ (٣). وخرَّج الإِمامُ أحمدُ مِن حديث عُتْبَةَ (٤) بن عبَدٍ السُّلَمِي، عن النَّبيِّ ﷺ أن أمَّه قالت: إنِّي رَأيْتُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أضاءَتْ مِنه قُصُورُ الشَّامِ (٥). وروى ابنُ إسحاقَ (٦)، عن جَهْمِ بن أبي جَهْمٍ، عن عبدِ اللهِ بن جعفرٍ، عمَّن حدَّثَ عن حَلِيمةَ أمِّ النَّبيِّ ﷺ التي أرضعَتْهُ، أن آمِنةَ بنتَ وَهْبٍ حدَّثَتْها، قالَتْ: إنِّي حَمَلْتُ بِه فلمِ أرَ حَمْلًا قَطُّ كانَ أخفَّ عليَّ منهُ، ولا أعظَمَ بركَةً منه، لَقَدْ رأيْتُ نُورًا كأنَّه شِهابٌ خرَجَ مِنِّي حينَ وضَعْتُه، أضاءَتْ له أَعْنَاقُ الإِبِلِ بِبُصْرَى. وخُروجُ هذا النُّورِ عندَ وَضْعِهِ إشارَةٌ إلى ما يَجيءُ به مِنَ النُّورِ الذي اهْتَدى به أهلُ الأرضِ، وزالت (٧) به ظلمةُ الشِّرْكِ منها، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٨). وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٩). وفي هذا المعنَى يقولُ [عمُّه] (١٠) العبَّاسُ في أبياتِهِ المشهورةِ السائرةِ:

стр. 167

وأَنْتَ لمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الْـ … أَرْضُ وضَاءَتْ بنُورِت الأفُقُ فَنَحْنُ في ذلكَ الضِّياءِ وفي الـ … ــنُّورِ وسُبلِ الرَّشاد نَخْتَرِقُ (١) وأما إضاءةُ قُصورِ بُصْرَى بالنُّورِ الذي خَرَجَ مَعَهُ فهو إشارَةٌ إلى ما خَصَّ الشَّامَ مِن نُورِ نبوَّتهِ، فإنَّها (٢) دارُ مُلْكِهِ. كما ذَكَرَ كَعْبٌ أن فِي الكتب السابقةِ: محمدٌ رسولُ اللهِ، مولدُهُ بمكَّةَ، ومهاجَرُه يثرِبُ (٣)، ومُلْكُهُ بالشَّام؛ فمِنْ مَكَّةَ بُدِئَتْ نبوَّةُ محمَّدٍ ﷺ ، وإلى الشَّام يَنتهِي مُلْكُهُ، ولهذا أُسْرِيَ بِهِ ﷺ إلى الشَّام، إلى بَيْتِ المقدِسِ، كما هَاجَرَ إبراهيَم ﵇ من قَبْلِهِ إلى الشَّام. قال بعضُ السَّلَفِ: ما بعَثَ اللهُ نبيًّا إلَّا مِنَ الشَّامِ، فإنْ لم يُبْعَثْ مِنها هاجَرَ إليها. وفي آخرِ الزَّمانِ يستقرُّ العِلْمُ والإِيمانُ بالشامِ، فيكونُ نُورُ النبوَّةِ فيها أظهَرَ مِنْهُ في سائِرِ بلادِ الإِسلام. وخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديث عمرو بن العاص (٤)، وأبي الدَّرداء. وخرَّجَ الحاكِمُ من حديثِ عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "رَأَيْتُ عَمُودَ الكِتابِ انتُزِعَ مِنْ تحتِ وسادتِي، فأتْبَعْتُهُ بَصَرِي، فإذا هو عَمُودٌ سَاطِعٌ عُمِدَ بِهِ إلى الشام، أَلَا وإن الإيمانَ إذا وقعَتِ الفِتَنُ بالشام" (٥). وفي "المسند" والترمذي وغيرهَما، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "سَتكُونُ هِجْرَةٌ بعدَ هِجرةٍ، فخِيارُ أهْلِ الأَرضِ ألزَمُهُم مُهَاجَرَ إبراهيمَ"، يعني الشَّام (٦). وبالشام ينزلُ عيسى بنُ مريمَ ﵇ في آخِرِ الزَّمانِ، وهو المُبشِّرُ

стр. 168

بمحمَّدٍ ﷺ ، [فيقرِّرُ عنذ نُزولِهِ دين محمَّدٍ ﷺ ] (١)، ويَحْكُمُ بهِ، ولا يَقْبَلُ مِن أحدٍ غيرَ دينِهِ، فيكسِرُ الصَّلِيبَ، ويقتُلُ (٢) الخِنزير، ويضَعُ الجِزْيَةَ، ويُصلِّي خَلْفَ إمامِ المسلمينَ، ويقولُ: إنَّ هذه الأمة أئمَّةٌ بعضُهُم لِبَعْض، إشارة إلَى أنَّه متَّبعٌ لِدِينِهم غيرُ ناسخٍ له. والشَّامُ هي في آخِرِ الزَّمانِ أَرْضُ المحشَر والمَنْشَرِ (٣)، فَيُحْشَرُ النَّاسُ إليها قبلَ القِيامةِ مِن أقطارِ الأرض، فيُهاجرُ خيارُ أهلِ الأرض إلى مُهَاجرِ إبراهيمَ، وهي أرضُ الشَّام طوعًا. كما تقدَّمَ أن خِيَارَ أهلِ الأرض ألزمُهُم مُهَاجَرَ إبراهِيمَ. وقال ﷺ : "عليكم بالشَّام؛ فإنَّها خِيرةُ اللهِ مِن أرضِهِ، يَجْتَبِي (٤) إليها خِيرَتَهُ مِن عِبَادِهِ". خرَّجَهُ الإِمامُ أحمدُ، وأَبو داود، وابنُ حِبَّانَ، والحاكم في "صحيحيهما" (٥). وقال أبو أُمامَةَ: لا تقومُ السَّاعَةُ حتَّى ينتقِلَ خِيارُ أهلِ العِراقِ إلى الشامِ، وشرارُ أهْلِ الشام إلى العراقِ. خرَّجه الإمام أحمد (٦). وقد ثبتَ في "الصحيحين" عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تخرُجَ نارٌ بن أرض الحِجازِ فتضيء لها أعناقُ الإِبل بِبُصْرَى" (٧). وقد خرجت هذه النَّارُ بالحجاز بقرب المدينة، ورُئيتْ أعناق الإبلِ مِنْ ضَوْئِها بِبُصْرَى في سنةِ أربعٍ وخمسين وستمائة (٨)، وعقيبها جَرَتْ

стр. 169

واقعةٌ (١) ببغداد، وقُتِلَ بها الخليفةُ وعامَّةُ مَنْ كانَ ببغدادَ. وتكاملَ خرابُ أَرْضِ العِراقِ على أيدي التَّتَارِ، وهاجَرَ خِيارُ أهلِها إلى الشام مِن حينئذٍ. فأمَّا شِرارُ النَّاس فتخرجُ نارٌ في آخِرِ الزَّمانِ تسوقُهُم إلى الشَّام قهرًا، حتَّى يجتمعَ الناسُ كلُّهم بالشَّامِ قبلَ قيام السَّاعَةِ. وفي "سنن أبي داود"، عن أبي الدَّرْداء ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: "إنَّ فُسْطَاطَ (٢) المسلمينَ يومَ المَلْحَمَةِ بالغُوطَةِ (٣)، إلى جانِبِ مَدِينةٍ يقالُ لها دِمَشْقُ، مِنْ خَيْرِ مدائِنِ الشامِ" (٤). وخرجه الحاكمُ، ولفظُه: "خيرُ منازِلِ المسلمينَ يومئذٍ" (٥). إخوانِي! مَنْ كانَ من هذه الأمة فهو مِن خير الأممِ عندَ اللهِ . قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٦). وقال النَّبيُّ ﷺ : "أَنْتُمْ تُوفُّونَ سَبعِينَ أُمَّةً، أنتُمْ خيرُها وأكرَمُها على اللهِ " (٧). لمَّا كان هذا الرَّسولُ النَّبِيُّ الأمِّيُّ خَيْرَ الخَلْقِ وأفضلَهُم (٨)، كانَتْ أمَّتُه خَيْرَ أمَّةٍ وأفضلَها، فما يحسُنُ بِمَنْ كانَ مِن خيرِ الأُممِ، وانتَسَبَ إلى متابَعَةِ خَيرِ الخَلْقِ،

стр. 170

وخُصُوصًا مَنْ كان يَسكُنُ خيرَ منازِل المسلمينَ في آخرِ الزَّمانِ، إلَّا أن يكونَ متَّصِفًا بصِفاتِ الخَيْرِ، مُجْتَنِبًا (١) لصفاتِ الشَّرِّ، وقَبيحٌ بهِ أن يَرْضَى لنفسِهِ أن يكونَ مِن شَرِّ النَّاسِ مع انتسابه إلى خيرِ الأُممِ ومتابعةِ خيرِ الرُّسُلِ. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (٢). فخيرُ النَّاسِ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا. وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣). وقد روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "خيرُ النَّاسِ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللهِ، ووَصَلَ رَحِمَه، وأمَرَ بالمعروفِ، ونَهَى عَنِ المنكَرِ" (٤). وفي روايةٍ: "خيرُ النَّاسِ أتقاهُم للكذِبِ (٥)، وأوصلُهُم للرَّحِم، وآمَرُهُم بالمَعْرُوفِ، وأَنْهَاهُم عن المنكَرِ" (٦). وقال: "النَّاسُ مَعَادِنُ؛ فخِيارُهُم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهُم في الإسلامِ إذَا فَقِهُوا" (٧). وقال: "خَيرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ، وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وسَاءَ عَمَلُه" (٨). وقال: "خيرُكُم مَنْ يُرْجَى خَيْرُه ويُؤْمَنُ شَرُّهُ، وشرُّكُم مَنْ لا يُرْجَى

стр. 171

خَيْرُه ولا يُؤْمَنُ شَرُّهُ" (١). وقال: "ألا أخبِرُكُم بخِياركُم؟ "، قالوا: بلى، قال: "الَّذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله، ألا أنبئكُم بشِرارِكم؟ " قالوا: بلى، قال: "المشَّاؤون بالنَّمِيمَةِ، المفرِّقونَ بينَ الأحِبَّةِ، البَاغُونَ (٢) لِلْبُرآء العَنَتَ (٣) " (٤). وقال: "شَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عندَ اللهِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ" (٥). وقال: "إنَّ مِن شَرِّ النَّاسِ [يَوْمَ القِيَامَةِ] (٦) منزِلَةً عندَ اللهِ ذا الوَجْهَيْنِ، الّذي يأتي هؤلاء بوجهٍ، وهؤلاءِ بوجهٍ" (٧). وقال: "إنَّ مِن شَرِّ النَّاسِ عندَ اللهِ منزِلَةً مَنْ يَقْرأُ كتابَ الله ولا (٨) يَرْعَوِي إلى ما فيه" (٩). وقال: "من شَرِّ النَّاس منزِلةً يومَ القيامةِ من أذهبَ آخرته بدنيا غيره" (١٠). أعمالُ الأُمَّةِ تُعْرَضُ على نبيِّها في البَرْزَخِ (١١)، فَلْيَسْتَحِ عَبْدٌ أَنْ يُعْرَضَ على نبيِّهِ مِنْ عَمَلِهِ ما نَهَاهُ عنه.

стр. 172

لمَّا وَقَفَ ﷺ عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، قال: "إنِّي فَرَطُكُم" (١) على الحَوْض، وإنِّي مكاثِر بِكُم الأمَمَ، فلا تُسَوِّدُوا وَجْهِي" (٢). يشيرُ إلى أنَّه ﷺ يَسْتحِي مِن سيئاتِ أُمَّتِه إذا عُرِضَتْ عليه. وقال: "لَيُؤْخَذَنَّ برجَالٍ مِن أُمَّتِي ذاتَ الشمالِ، فأقولُ: ياربّ! أصحابي، فيقالُ: إنَّك لا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بَعْدَك، فَأَقُولُ: سُحقًا سُحْقًا (٣) لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي" (٤). خيرُ هذهِ الأُمَّةِ أوَّلُها قَرْنًا، كما قال النَّبيُّ ﷺ : "خيرُ القُرون قَرْنِي، ثم الذين يَلُونَهُم، ثم الذين يلُونهم" (٥). وقال: "بُعِثْتُ مِن خَيْرِ قُرونِ بَني آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِن القَرْنِ الَّذي كُنْتُ منه" (٦). كم قدْ جاءَ مدْحُ أصحابه في كتابه [تعالى]: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٧). ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٨). وخصَّ الصِّدِّيقَ مِن بينهم بالصُّحْبَةِ بقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٩). لمَّا جَلَى الرَّسُول ﷺ عَرُوسَ الإِسلامِ وأبرزَها للبصائر مِن خِدْرِها، أخرَجَ

стр. 173

أبو بكرٍ ﵁ مالَهُ كلَّه نِثارًا لِهذا العَرُوسِ (١)، فأخْرَجَ عُمَرُ النصفَ موافقةً له، فقامَ عثمانُ بوليمةِ العُرْسِ (٢)، فجهز جَيْشَ العُسْرَةِ (٣)، فعلِمَ عليُّ ﵁ أن الدُّنيا ضَرَّةُ هذه (٤) العَرُوسِ، وأنَّهما لا يجتمعان، فَبَتَّ طَلاقَها ثلاثًا. فالحمدُ للهِ الذي خَصَّنا بهذِه الرَّحمَةِ، وأَسْبَغَ علينا هذهِ (٥) النِّعْمَةَ، وأعطانا ببركَةِ نبيِّنا هذه الفضائلَ الجمَّةَ، فقال لنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٦). مِن أينَ في الأُمَمِ مثلُ أبي بكرٍ الصِّدِّيق، أو عُمَرَ الذي ما سَلَكَ طريقًا إلَّا هَرَبَ الشَّيطانُ مِن ذلك الطريق، أو عثمانَ الصابر على مُرِّ الضيق (٧)، أو عليٍّ بحرِ العلمِ العمِيق، أو حمزةَ والعبَّاس؟ أفيهم (٨) مثلُ طلحةَ والزُّبَيْر القَرِينين (٩)، أو مثلُ سعدٍ وسعيدٍ (١٠)، هيهاتَ!! من أينَ (١١)؟ أو مثلُ ابن عَوْفٍ وأبي عُبيدَة، ومَن مثلُ الاثنين، إِن شَبَّهْتُم (١٢) بهم فقد أبعدتُم القِياسَ. من أين في زُهَّادِ الأُممِ مثلُ أُوَيْسٍ (١٣)، أو في عُبَّادهم مثلُ عامر (١٤) بن عبد قيس، أو في خائفِهم مثلُ عُمَرَ بن عَبْدِ العزيز؟! هيهات!! ليسَ ضوءُ الشَّمسِ كالمِقياس. أفي علمائهم مثلُ أبي حَنِيْفَةَ ومالك، والشَّافعي السديد (١٥) المسالك، كيف تمدَحُه وهو أجلُّ مِن ذلك؟ ما أحسَن بنيانَهُ والأساسَ!! أفيهم (١٦) أعلى من

стр. 174

الحسَنِ البَصْرِي وأَنبَلُ، أو ابن سِيرِينَ الذي بالورعِ تقبَّل، أو سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ الذي بالخوفِ والعلم تَسَرْبَل (١)، أو مثل أحمدَ الذي بذلَ نفسَهُ لله وسَبَّل، تالله ما في الأمم مثلُ ابن حَنْبَل؛ ارْفَعْ صَوْتَكَ بهذا ولا بأسَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢). لَاحَ شَيْبُ الرَّأسِ مِنِّي فَنَصَحْ (٣) … بَعْدَ لَهْوٍ وَشَبَابٍ وَمَرَحْ إخْوَتِي تُوبُوا إلى اللهِ بِنَا … قَدْ لَهَوْنا وجَهِلْنَا مَا صَلَحْ نَحْنُ في دارٍ نَرَى المَوْتَ بها … لَمْ يَدَعْ فيها لِذِي اللُّبِّ فَرَحْ يَا بَنِي آدَمَ صُونُوا دِينَكُمْ … يَنْبَغِي للدِّين ألَّا يُطَّرَحْ واحْمَدُوا الله الَّذي أَكْرَمَكُمْ … بنبيٍّ قامَ فيكُم فَنَصَحْ بِنَبيٍّ فَتَحَ الله بِهِ … كُلَّ خَيْرٍ نِلْتُمُوهُ وَمَنَحْ مُرْسَلٍ لو يُوزَنُ النَّاسُ بِهِ … في التُّقَى والبرِّ خَفُّوا وَرَجَحْ فَرسُولُ اللهِ أَوْلَى بالعُلَى … وَرَسُولُ اللهِ أَوْلَى بالمِدَحْ * * * المَجلسُ الثّاني في ذكر المَولد أيضًا خرَّج مسلم من حديثِ أبي قَتَادَةَ الأنصارِيِّ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عَن صِيامِ يومِ الاثنينِ، فقال: "ذلك يَوْمٌ وُلِدْتُ فيهِ، وأُنْزِلَتْ عليَّ فيه النُّبوَّةُ" (٤). أمَّا وِلادَةُ النَّبِيِّ ﷺ يومَ الاثنينِ فكالمُجْمَعِ عليهِ بينَ العُلَمَاءِ، وقد قالَهُ ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه. وقد حُكِيَ عن بعضِهم أنَّه وُلِدَ يومَ الجمعةِ، وهو قولٌ ساقِطٌ مَرْدُودٌ.

стр. 175

ورُوِي عن أبي جعفرٍ البَاقِر (١) أنَّه توقَّفَ نفي ذلك، وقال: لا يَعْلَمُ ذلكَ إلَّا الله. وإنَّما قال هذا لأنَّه لم يبلُغْهُ في ذلك ما يُعتمَدُ عليه، فوقَفَ في ذلك (٢) تورُّعًا. وأمَّا الجمهورُ فبلَغَهم في ذلك ما قالوا بحسَبه. وقد روي عن أبي جعفرٍ أيضًا موافقَتهُمْ، وأنَّ النبيَّ ﷺ وُلِدَ يَوْمَ الاثنينِ، موافقةً لِما قالَهُ سائرُ العلماءِ. وحديثُ أبي قَتَادَةَ يَدُلُّ على أنَّه ﷺ وُلِد نهارًا في يوم الاثنينِ. وقد روي أنَّهُ وُلِدَ عندَ طُلُوعِ الفَجْر منه. ورَوَى أبو جعفر بن أبي شَيْبَةَ في "تاريخِهِ" (٣)، وخرَّجَهُ مِن طريقِهِ أبو نُعَيم في "الدلائلِ" (٤) بإسنَادٍ فيه ضعفٌ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كان بِمَرِّ الظَّهرَانِ (٥) رَاهِبٌ يسمى عيصًا (٦) من أهل الشَّام، وكان يقول: يُوشِكُ أنْ يُولَدَ فيكم (٧) - يا أهلَ مكَّةَ - مولودٌ تَدِينُ له العَرَبُ، ويملِكُ العَجَمَ؛ هذا زمانُهُ. فكان لا يُولَدُ بِمَكَّةَ مولودٌ إلَّا سألَ عنه. فلمَّا كان صَبيحةَ اليومِ الَّذي وُلِدَ فيه رسولُ اللهِ ﷺ خَرَجَ عبدُ اللهِ بن عبد المطلب حتَّى أَتَى عيصًا [فَوَقَفَ في أصْلِ صَوْمَعَتِه، ثُمَّ نادى: يا عَيْصَاه"]، فنادَاهُ: [مَنْ هَذا؟ فقال: أنا عَبْدُ اللهِ]، فأشرَفَ عليه، فقال له عيصٌ: كُنْ أباهُ، فقَدْ وُلِدَ ذلك المولودُ الذي كُنْتُ أحدِّثُكُم عنه يومَ الاثنين، ويُبْعَثُ يومَ الاثنين، ويموت يومَ الاثنين. قال: إنَّهُ وُلِدَ لِي مع الصُّبحِ مَوْلُودٌ، قال: فما سمَّيتَهُ؟ قال: محمَّدًا، قال: واللهِ، لَقَدْ كُنْتُ أشتهِي أن يكونَ هذا المولودُ فِيكم أَهْلَ البيتِ، لِثلاثِ خصالٍ بها نعرِفُهُ، فَقَدْ أَتَى (٨) عليهن؛ منها: أنَّهُ طَلَعَ نجمُهُ البارِحَةَ، وأنَّهُ وُلِدَ اليومَ، وأنَّ اسْمَهُ محمَّدٌ.

стр. 176

انطلِقْ إليه؛ فإنَّه الذي كُنْتُ أحدِّثُكُمْ عنه (١). وقد رُوي ما يدُلُّ على أنَّه وُلِدَ ليلًا، وقد سَبَقَ في المجلِسِ الذي قبلَهُ مِنَ الآثارِ ما يُستَدَلُّ بِهِ لذلك. وفي "صحيح الحاكم" عن عائشةَ، قالت: كان بمكَّةَ يهودِيٌّ يتَّجِرُ فيها، فلمَّا كانتِ الليلةُ التي وُلِدَ فيها رسولُ اللهِ ﷺ ، قال: يا معشَرَ قريشٍ! هَلْ وُلِدَ فيكُم الليلَةَ مولودٌ؟ قالوا: لا نَعلَمُه، فقالَ: وُلِدَ الليلةَ نَبيُّ هذه الأمَّةِ الأخِيرةِ، بينَ كتفَيْهِ علامةٌ فيها شَعَراتٌ مُتَواتِراتٌ كأنَّهنَّ (٢) عُرْفُ فَرَسٍ، فخَرَجُوا باليهودِيِّ حتَّى أدخَلُوه على أُمِّه، فقالوا: أخرجي إلينا ابنَكِ، فأخْرَجَتْهُ، وكشَفُوا عن ظهرِه، فرأى تلكَ الشَّامَةَ، فوقَعَ اليهودِيُّ مغشيًّا عليه، فلما أفاقَ قالوا: ويلَكَ! ما لك؟ قال: ذهبَتْ واللهِ النُّبوَّةُ مِن بني إسرائيل (٣). وهذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّهُ وُلِدَ بخاتَمِ النُّبوَّةِ بين كتفَيهِ (٤). وخاتَمُ النُّبوَّةِ من علاماتِ نبوَّتِه التي كان يعرِفُه بها أهلُ الكِتابِ ويسألونَ عنها، ويطلُبُون الوُقوفَ عليها. وقد رُوي أن هِرَقْلَ بَعَثَ إلى النَّبيِّ ﷺ بتَبُوكَ (٥) مَنْ ينظُرُ له خَاتَمَ النبوَّةِ ثم يُخبرُه عنه (٦). وقد رُوِي مِن حديثِ أبي ذَرٍّ، وعُتْبَةَ بن عبدٍ (٧)، عن النَّبيِّ ﷺ ، أن المَلَكَيْنِ اللذينِ شقَّا صَدْرَهُ وملآهُ حِكْمَةً هُما اللَّذان خَتَماهُ بخاتمِ النُّبوَّةِ (٨)، وهذا يخالِفُ حديثَ عائشةَ هذا. وقد روي أنَّ هذا الخاتَم رُفِعَ مِن بَعْدِ مَوْتهِ مِن بين كتفَيهِ، ولكنْ إسنادُ هذا الحديثِ (٩) ضعيفٌ (١٠). وقد رُوِيَ في صِفَةِ ولادتِهِ آياتٌ تُسْتَغْرَبُ؛ فمنها ما رُوِيَ عن

стр. 177

آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أنَّها قالت: وَضَعْتُه فما وَقَعَ كما يقَعُ الصِّبْيَانُ، وَقَعَ واضِعًا يدَهُ على الأرضِ، رافِعًا رأسَهُ إلى السَّماءِ (١). ورُوِيَ أيضًا أنَّه قَبَضَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ بيدِهِ لمَّا وَقَعَ بالأرضِ (٢). فقالَ بعض القافَةِ (٣): إنْ صَدَقَ الفألُ (٤) ليَغْلِبَنَّ أَهْلَ الأرْضِ. وروي أنَّهُ وُضِعَ تحتَ جَفْنَةٍ (٥)، فانْفَلَقَتْ عنه، ورجَدُوه ينظُرُ إلى السَّماءِ. واختلفتِ الروايَاتُ؛ هَلْ وُلِدَ مختونًا؟ [فرُوِي أنَّه وُلِدَ مختونًا] (٦) مسرورًا، يعني مقطوعَ السُّرَّة، حتَّى قالَ الحاكم (٧): تواتَرَتِ الرواياتُ بذلك. ورُوي أن جدَّهُ خَتَنَهُ، وتوقَّفَ الإمامُ أحمدُ في ذلك. قال المرْوَزِيُّ: سُئلَ أبو عبد الله (٨): هَلْ وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ مختونًا؟ قال: الله. أعلمُ، ثمَّ قال: لا أدري. قال أبو بكر عبدُ العزيز بنُ جعفرٍ مِن أصحابِنا: قد رُوِيَ أنَّه ﷺ وُلِد مَخْتونًا مَسْرورًا. ولم يجترئ أبو عبد الله على تصحيحِ هذا الحديثِ. وأمَّا شهرُ ولادتِهِ فقد اختُلِفَ فيه، فقيل: في شهر رمضانَ، رُوِي عن عبدِ اللهِ بن عمرو بإسنادٍ لا يَصِحُّ. وقيل: في رَجبٍ، ولا يَصِحُّ. وقيل: في رَبيع الأوَّلِ، وهو المشهورُ بين النَّاسِ، حتَّى نَقَلَ ابنُ الجوزيِّ وغيرُه عليه الاتِّفاقَ، ولكنَّهُ قولُ جُمهُورِ العلماءِ. ثم اخْتَلَفُوا في أيِّ يومٍ كانَ مِنَ الشهرِ، فمنهم مَنْ قال: هو غَيْرُ مُعيَّنٍ، وإنما وُلِدَ في يومِ الاثنينِ من رَبيع [الأول] (٩) من غيرِ تعيينٍ لِعددِ ذلك اليومِ مِنَ الشهرِ. والجمهور على أنَّه يومٌ مُعيَّنٌ منه، ثم اختَلفُوا، فقيل: لِليلَتَيْن خلتا منه. وقيل: لِثمانٍ خلَتْ منه. وقيل: لِعَشْرٍ. وقيل: لاثنتي عشرة. وقيل: لِسبعَ عَشرةَ. وقيل:

стр. 178

لثماني عشرَةَ. وقيل: لثمانٍ بقينَ منه. وقيل: إنَّ هذين القولين غيرُ صحيحين عَمَّن حُكِيا عَنْه بالكُلِّيَّةِ، والمشهورُ الذي عليه الجُمهورُ أنَّهُ وُلِدَ يومَ الاثنين ثاني عشرَ رَبيع الأوَّل، وهو قولُ ابن إسحاقَ (١) وغيرِه. وأمَّا عامُ ولادتِهِ ﷺ فالأكثَرُونَ على أنَّه عامُ الفِيلِ؛ ومِمَّن قال ذلك قيسُ بنُ مَخْرَمَةَ، وَقُبَاثُ بن أَشْيَم، وابنُ عبَّاسٍ، ورُوي عنه أنَّه وُلِدَ يومَ الفيلِ، وقيل: إنَّ هذه الرواية وهمٌ، إنَّما الصحيحُ عنه أنَّه قال: عام الفيل (٢). ومِنَ العلماءِ مَن حَكَى الاتفاقَ على ذلك وقال: كلُّ قولٍ يخالِفُه وَهْمٌ. والمشهورُ أنَّه ﷺ وُلِدَ بعدَ الفيل بخمسينَ يومًا. وقيل: بعدَه بخمسٍ وخمسينَ يومًا. وقيل: بشهر. وقيل: بأربعينَ يومًا. وقد قيل: إنَّهُ وُلِدَ بعدَ الفِيلِ بعشرِ سنينَ. وقيل: بثلاثٍ وعشرين سنة. وقيل: بأربعينَ سنة. وقيل: قبلَ الفيلِ بخمسَ عشرةَ سنةً. وهذه الأقوالُ وَهْمٌ عندَ جُمهورِ العُلماء ومنها ما لا يَصحُّ عَمَّنْ حُكِيَ عنه. قال إبراهيمُ بن المُنْذِر الحِزَاميُّ (٣): الذي لا يَشُكُّ فيه أحدُ مِن علمائنا أنَّه ﷺ وُلِدَ عامَ الفيلِ. وقال خليفةُ بنُ خَيَّاطٍ: هذا هو المُجمَعُ عليه (٤). وكانت قصَّةُ الفيلِ توطِئةً لنبوَّتهِ وتقدِمَةً لِظُهورِهِ وبِعْثَتِهِ ﷺ . وقد قصَّ الله تعالى ذلك في كتابه فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٥). فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ استفهامُ تقريرٍ لِمَنْ سَمِعَ

стр. 179

هذا الخطابَ، وهذا يَدُلُّ على اشتهارِ ذلك بينَهم ومعرفتِهِم به، وأنَّه مِمَّا لا يَخْفى علمُه على (١) العرب، خصوصًا قريش (٢) وأهل مكَّةَ. وهذا أمرٌ اشتهر بينَهُم وتعارَفُوه، وقالوا فيه الأشعارَ السَّائرة. وقد قالت عائشةُ ﵂: رأيْتُ قائدَ الفِيلِ وسائسَهُ بمكَّةَ أعْمَيَيْنِ يستطعِمانِ. وفي هذه القصَّةِ ما (٣) يدُلُّ على تعظيمِ مكَّةَ، واحترامِها واحترامِ بيتِ اللهِ الذي فيها. وولادَةُ النَّبيِّ ﷺ عقيبَ (٤) ذلك تدُلُّ على نبوَّتِه ورسالته؛ فإنَّه ﷺ بُعِثَ بتعظيمِ هذا البيتِ وحجِّه والصَّلاةِ إليه، وكانَ هذا البَلدُ هو موطِنه ومولده، فاضطرَّه قومُهُ عندَ دعوتِهِم إلى الله تعالى إلى الخُروجِ منه كُرهًا بما نَالوه منه (٥) مِنَ الأذَى، ثم إنَّ الله تعالى ظَفَّرَهُ بهم، وأدخَلَهُ عليهم قهرًا، فملَكَ البلَدَ عَنْوةً، وملَك رِقابَ أهلِهِ، ثمَّ مَنَّ عليهم وأطلقَهم وعَفا عنهم، فكانَ في تسليطِ نبيِّه ﷺ على هذا البلدِ وتمليكِهِ إيَّاه ولأمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ما دَلَّ على صِحَّةِ نبوَّتِهِ، فإنَّ الله حَبَسَ عنه مَن يُريدُه بالأَذَى وأهلَكَهُ، ثم سَلَّطَ عليه رَسُولَهُ وأمَّتَهُ كما قال ﷺ : "إنَّ الله حَبَسَ عن مَكَّةَ الفِيلَ وسَلَّطَ عليها رَسُولَهُ والمؤمنين" (٦). فإنَّ الرسولَ ﷺ وأُمَّتَه إنَّما [كان] (٧) قصدُهم تعظيمَ البيتِ وتكريمَهُ واحترامَهُ، ولهذا أنكَرَ النَّبيُّ ﷺ يومَ الفَتْحِ على مَنْ قال (٨): اليومَ تُستحلُّ الكَعْبَةُ، وقال: "اليوم تُعظَّمُ الكَعْبةُ (٩) " (١٠). وقد كان أهلُ الجاهلية غيَّروا دِين إبراهيمَ وإسماعيل بما ابتَدَعوه

стр. 180

مِنَ الشِّرْكِ وتغييرِ بعضِ مناسِكِ الحجِّ، فسَلَّطَ الله رَسُولَهُ وأُمَّتَه على مَكَّةَ فطهَّرُوها مِن ذلك كلِّه، وردُّوا الأمرَ إلى دِينِ إبراهيمَ الحنيفِ، وهو الذي دَعَا لهم مع ابنه إسماعيلَ عند بناءِ البيت أن يبعثَ الله (١) فيهم رَسُولًا منهم يتلُو عليهم آياتِهِ ويُزكِّيهم ويعلِّمُهم الكِتَابَ والحِكْمَةَ (٢)، فبعَثَ الله فيهم محمَّدًا ﷺ مِن ولَدِ إسماعيلَ بهذه الصِّفَةِ، فطهَّرَ البيتَ وما حَوْلَه مِنَ الشِّرْكِ، وَرَدَّ الأمْرَ إلى دِين إبراهيمَ الحنيفِ، والتوحيدِ الذي لأجلِهِ بُنِيَ البيتُ، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٣). وأمَّا تسليطُ القَرامِطَةِ (٤) على البيتِ بعد ذلك، فإنَّما كانَ عُقُوبَةً بسبب ذُنُوبِ النَّاسِ، ولم يصِلُوا إلى هَدْمِهِ ونَقْضِهِ وَمَنْعِ النَّاس مِن حَجِّهِ وزيارتِهِ، كما كَان يَفعَلُ أصحابُ الفيلِ لو قَدَرُوا على هَدْمِهِ وصَرْفِ النَّاسِ عن حَجِّهِ. والقرامِطَةُ أخَذُوا الحَجَرَ والبَابَ، وقَتَلوا الحاجَّ وسَلَبُوهم أموالَهم، ولم يتمكَّنُوا مِن منعِ النَّاسِ من حجِّهِ بالكُلِّيَّةِ، ولا قَدَرُوا على هَدْمِهِ بالكُلِّيَّةِ، كما كانَ أصحابُ الفِيلِ يقصِدُونَهُ. ثم أَذَلَّهم الله بعدَ ذلكَ وخَذَلَهم وهَتَكَ أستَارَهُم، وكَشَفَ أسرَارَهُم. والبيتُ المُعظَّمُ باقٍ على حالِهِ مِنَ التَّعظيمِ، والزِّيارةِ، والحَجِّ، والاعتِمارِ، والصَّلاة إليه، لم يَبْطُلْ شيءٌ مِن ذلك عنه بحمد الله ومَنِّهِ. وغايةُ أَمرِهِم أنَّهم أخافُوا حاجَّ (٥) العِراقِ حتَّى انقطَعُوا بعضَ السِّنين، ثم عادُوا. ولم يَزلِ الله يمتحِنُ عبادَهُ
следующие страницы →