← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يصوم المحرمَ، إنما كان يصوم عاشوراء. وقوله في آخر سنة: "لئن عِشْتُ إلى قابلٍ لأصومَنَّ التاسِعَ" (١) يدُلُّ على أنه كان لا يصومُ التاسعَ قبلَ ذلك. وقد أجاب النَّاسُ عن هذا السؤال بأجوبةٍ فيها ضَعفٌ. والذي ظهر لي - والله أعلم - أن التطوُّعَ بالصِّيام نوعان: أحدهُما: التطوعُ المطلَقُ بالصومِ، فهذا أفضلُه المحرمُ، كما أن أفضلَ التطوّعِ المطلَقِ بالصَّلاةِ قيامُ الليل. والثاني: ما صيامُهُ تبعٌ لصيامٍ رمضانَ قبلَه وبعدَه، فهذا ليس من التطوُّع المطلَقِ، بل صيامُه تبَعٌ لصيام رمضان، وهو ملتحِقٌ بصيام رمضانَ، ولهذا قيل: إنَّ صيامَ ستةِ أَيام من شهر شوال يلتحِقُ بصيامِ رمضانَ، ويُكْتَبُ بذلك لمن صامَها معَ رمضانَ صيامُ الدَّهر فرضًا. وقد رُوي أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهرَ الحُرُمَ، فأمرَهُ النَّبيُّ ﷺ بصيامِ شوال، فترك الأشهرَ الحُرُمَ وصام شوالًا (٢). وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. فهذا النوعُ من الصِّيام يلتحِقُ (٣) برمضانَ، وصيامُه أفضلُ التطوُّعِ مطلقًا. فأما التطوُّعُ المطلَقُ فأفضلُه صيامُ الأشهرِ الحُرُمِ. وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنه أمَرَ رجلًا أن يصومَ الأشهرَ الحُرُمَ، وسنذكره في موضعٍ آخر إن شاء الله تعالى. وأفضلُ صيامِ الأشهرِ الحُرُم (٤) صيامُ شهر الله المحرَّمِ، ويشهَدُ لهذا أنه ﷺ قال في هذا الحديث: "وأفضَلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ قيامُ اللَّيلِ" (٥)، ومرادُه بعد المكتوبة

стр. 72

ولواحِقِها من سننِها الرَّواتبِ، فإنَّ الرَّواتِبَ قبلَ الفرائض وبعدَها أفضلُ من قيام الليل عند جمهور العلماءِ؛ لالتحاقِها بالفرائض. وإنما خالَفَ في ذلك بعضُ الشافعية. فكذلك الصِّيامُ قبلَ رمضانَ وبعدَه ملتحِقٌ برمضانَ، وصيامُه أفضَلُ من صيام الأشهر الحُرُمِ، وأفضَلُ التطوُّعِ المطلَقِ بالصِّيام صيامُ المحرَّمِ. وقد اختلف العلماءُ في أي الأشهر الحُرُمِ أفضلُ، فقال الحَسَنُ وغيرُهُ: أفضلُها شهرُ اللهِ المحرَّمِ، ورجَّحَهُ طائفةٌ من المتأخرين. وروى وَهْبُ بن جَرِيْر، عن قُرَّةَ بن خالد، عن الحَسَن، قال: إن الله افتتح السَّنَةَ بشهر حَرام، وختمَها بشهر حَرام. فليس شهرٌ في السَّنةِ بعدَ شهرِ رمضانَ أعظم عند الله من المحرَّم، وكان يُسمى "شهرَ اللهِ الأصمَّ"؛ من شدَّة تحريمه. وقد روي عنه مرفوعًا ومرسلًا (١)، قال آدم بن أبي إياس: حدثنا أبو هلال الراسبيّ، عن الحَسَن، قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضَلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ الصَّلاةُ في جَوْفِ الليل الأوسَطِ، وأفضَلُ الشهور بعدَ شهرِ رمضانَ المحرَّمُ، وهو شهرُ الله الأصَمُّ". وخرَّج النسائي من حديث أبي ذَرٍّ، قال: سألتُ النَّبيَّ ﷺ : أيُّ الليل خيرٌ، وأي الأشهر أفضَلُ؟ فقال: "خيرُ الليل جَوْفُهُ، وأفضلُ الأشهرِ شهرُ الله الذي تدعونه المحرَّم". وإطلاقُه في هذا الحديث "أفضل الأشهر" محمولٌ على ما بعدَ رمضان، كما في رواية الحسن المرسلة. وقال سعيد بن جبير وغيرُه: أفضلُ الأشهرِ الحُرُمِ ذو القَعْدَة (٢)، أو ذو الحِجَّةِ. بل قد قيل: إنه أفضلُ الأشهرِ مطلقًا، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وزعم بعضُ الشافعية أن أفضل الأشهرِ الحُرُمِ رَجَبٌ، وهو قولٌ مَردودٌ. وأفضلُ شهر الله المحرَّمِ عشرُهُ الأوَّلُ. وقد زعم يَمَانُ بن رِئاب (٣) أنه العَشْرُ الذي أقسَمَ الله به

стр. 73

في كتابه (١)، ولكن الصحيح أن العشرَ المقسَمَ به عشرُ ذي الحِجَّةِ (٢)، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال أبو عثمان النَّهْدِيّ (٣): كانوا يعظِّمون ثلاثَ عشراتٍ: العشرَ الأخيرَ من رمضان، والعشرَ الأولَ من ذي الحِجَّةِ، والعشرَ الأولَ من المحرَّمِ، وقد وقع هذا في بعض نسخ كتاب "فضائل العشر" (٤) لابن أبي الدُّنيا، عن أبي عثمان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ : أنَّه كان يعظِّمُ هذه العشراتِ الثلاثَ، وليس ذلك بمحفوظٍ. وقد قيل: إنه العشرُ الذي أتمَّ اللهُ به ميقاتَ (٥) موسى ﵇ أربعينَ ليلةً، وأن التَّكلُّمَ (٦) وقع في عاشرِهِ. ورُوي عن وَهْب بن منبّهٍ، قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ أن مُرْ قومَكَ أن يتقربوا (٧) إليَّ في أول عشر المحرم، فإذا كان يومُ العاشرِ فليخرجُوا إليَّ أغفِرْ لهم. وعن قتادة أن الفجرَ الذي أقسمَ الله تعالى به في أوَّل سورةِ الفجر هو فجرُ أولِ يومٍ من المحرَّمِ، تنفجرُ منه السَّنَةُ. ولما كانت الأشهرُ الحرُمُ أفضلَ الأشهرِ بعدَ رمضانَ أو مُطلقًا، وكان صيامُها كلِّها مندوبًا إليه، كما أمر به النبيُّ ﷺ ، وكان بعضُها ختامَ السَّنةِ الهِلاليَّةِ، وبعضُها مفتاحًا لها، فمن صامَ شهرَ ذِي الحِجَّةِ سِوى الأيام المحرَّم صيامُها منه، وصامَ المحرَّمَ، فقد خَتَمَ السَّنَةَ بالطَّاعة وافْتَتَحَها بالطَّاعة، فيُرْجَى أن تكتبَ له سنتُه كلُّها طاعةً، فإنَّ مَن كان أولُ عملِه طاعةً وآخرُهُ طاعةً، فهو في حكم من استغرقَ بالطاعة ما بين العَمَلَيْن. وفي حديثٍ مرفوعٍ: "ما من حافِظَيْن يرفعان إلى الله صحيفةً فيرى في أوَّلها

стр. 74

وفي آخرها خيرًا إلَّا قال الله لملائكته (١): أُشْهِدُكم أَنِّي قد غَفَرْتُ لِعَبْدِي ما بين طَرَفيها" (٢). خرَّجه الطبرانيُّ وغيرُه، وهو موجودٌ في بعض نسخ كتاب الترمذي. وفي حديثٍ آخرَ مرفوعٍ: "ابنَ آدمَ اذكُرْني من أوَّلِ النَّهارِ ساعةً ومِن آخرِ النَّهارِ ساعةً اغفرْ لكَ ما بينَ ذلك، إلا الكبائرَ أو تتوبَ منها" (٣). وقال ابن المبارك: مَن ختمَ نهارَه بذكرِ الله (٤) كُتِبَ نهارُه كلُّه ذكرًا. يشيرُ إلى أن الأعمالَ بالخواتيم، فإذا كان البُداءَةُ والختامُ ذِكرًا فهو أولى أن يكون حكمُ الذكر شاملًا للجميع. ويتعيَّنُ افتتاحُ (٥) العام بتوبةٍ نصوحٍ تمحو ما سلفَ من الذُّنوبِ السالفةِ في الأيام الخالية. قطعْتَ شُهورَ العَامِ لَهْوًا وَغَفْلَةً … ولم تحترِمْ فيما أتيتَ المُحَرَّما فلا رَجَبًا وافيْتَ فيهِ بحقِّهِ … ولا صُمْتَ شهرَ الصَّومِ صَوْمًا مُتمَّما ولا في لياليْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ الذي … مَضَى كُنْتَ قوَّامًا ولا كُنْتَ مُحْرِمَا فهلْ لكَ أنْ تَمحُوَ الذُّنوبَ بِعَبْرَةٍ … وتبكِي عليها حَسْرَةً وَتَنَدُّما وتَسْتَقبِلَ العامَ الجَديدَ بتوبةٍ … لعلَّكَ أن تمحو بها ما تَقَدَّما وقد (٦) سمَّى النبيُّ ﷺ المحرَّمَ شهرَ اللهِ. وإضافته إلى الله تدُلُّ على شرفه وفَضْلِهِ، فإنَّ الله تعالى لا يضيفُ إليه إلا خواصَّ مخلوقاته، كما نسَبَ محمدًا وإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ وغيرَهم من الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - إلى عبوديته، ونسَبَ إليه بيته (٧) وناقته.

стр. 75

ولما كان هذا الشهرُ مختصًّا بإضافته إلى اللهِ تعالى، وكان الصِّيامُ من بين الأعمالِ مضافًا إلى اللهِ تعالى؛ فإنَّه له من بين الأعمال، ناسَبَ أن يختصَّ هذا الشهرُ المضافُ إلى الله بالعملِ المضاف إليه، المختصِّ به، وهو الصِّيامُ. وقد قيلَ في معنى إضافة هذا الشهرِ إلى الله : إنه إشارةٌ إلى أن تحريمَه إلى الله ليس لأحدٍ تبديلُهُ، كما كانتِ الجاهليةُ يُحِلُّونه ويُحرِّمُونَ مكانه صَفَر، فأشارَ إلى أنه شهرُ اللهِ الذي حرَّمَهُ، فليس لأحدٍ من خَلْقِه تبديلُ ذلك وتغييرُه. شهرُ الحَرَامِ مُبَاركٌ مَيْمُونُ … والصَّومُ فيهِ مُضَاعَفٌ مَسْنُونُ وثوابُ صائمِهِ لوجهِ إلهِهِ … في الخُلْدِ عندَ مَليكِهِ مَخْزُونُ الصِّيامُ سرٌّ بينَ العبدِ وبين ربِّهِ، ولهذا يقولُ اللهُ ﵎: "كلُّ عملِ ابن آدمَ له إلَّا الصَّومَ فإنَّه لي وأنا أَجْزِي به، إنَّه تركَ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجلي" (١). وفي الجنة بابٌ يقال له "الرَّيَّانُ" لا يدخلُ منه إلَّا الصائمون، فإذا دخلوا أُغلِقَ فلم يدخلْ منه غيرُهم (٢)، وهو جُنَّةٌ (٣) للعبد من النَّارِ كجُنَّةِ أحدِكم (٤) من القتال. وفي المسند عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ صامَ يومًا ابتغاءَ وجهِ اللهِ تعالى بَعَّدَه اللهُ من نارِ جهنَّمَ كبعدِ غُرابٍ طارَ وهو فرخٌ حتى ماتَ هَرِمًا" (٥). وفيه أن أبا أمامةَ قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: "عليك بالصَّوْمِ فإنَّهُ لَا عِدْلَ له" (٦)، فكان أبو أمامةَ وأهلُه يصومون، فإذا رؤي في بيتهم دُخانٌ بالنَّهارَ عُلِمَ أنه قد نزل بهم ضيفٌ. وممن سَرَدَ (٧) الصومَ عُمَرُ وأبو طلحةَ وعائشةُ وغيرُهم من الصحابة، وخلْقٌ كثيرٌ من السَّلفِ. وممن

стр. 76

صام الأشهرَ الحرُمَ كلَّها ابنُ عمرَ والحسنُ البصريُّ وغيرُهما. قال بعضهم: إنما هو غَداءً وعَشاءٌ، فإن أخَّرْتَ غَداءَك إلى عشائكَ أمسيْتَ وقد كُتِبْتَ في ديوان الصائمين. "للصائم فَرْحَتان (١): فَرْحَةٌ عند فِطرِه، وفرحةٌ عند لقاءِ ربِّه" إذا وجد ثوابَ صيامه مدخورًا. سمِعَ بعضُهم مناديًا ينادي على السَّحُورِ في رمضان: ياما خبَّأْنا للصُوَّام، فانتبَه لذلك (٢) وسَرَدَ الصوم. ورُوي أن الصائمين توضَعُ لهم مائدةٌ تحت العرش، فيأكلون والناسُ في الحسابِ، فيقولُ الناسُ: ما بالُ هؤلاء يأكلون ونحنُ نحاسَبُ؟ فيقالُ: كانوا يَصُومونَ وأنتمَ تُفْطِرون. وروي أنَّهم يُحكَّمُونَ في ثمارِ الجنَّة والناسُ في الحساب. رَوَى ذلك ابنُ أبي الدنيا في "كتاب الجوع" (٣). قال الله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (٥). قال مجاهدٌ وغيرُه: نزلت في الصُّوَّامِ. من تركَ لله طعامَه وشرابَه وشهوتَه عوَّضه اللهُ خيرًا من ذلك طعامًا وشرابًا لا ينفَدُ، وأزواجًا لا تموتُ. وفي التوراة: طُوبَى لمن جَوَّعَ نفسَه ليومِ الشبَعِ الأكبرِ، طُوبَى لمن ظمَّأَ نفسَه ليومِ الرِّيِّ الأكبرِ، طُوبَى لمن تَرَك شهوةً حاضرةً لموعدِ غَيبٍ لم يَرَه، طُوبَى لمن تَرَك طعامًا ينفَدُ في دارٍ تنفَدُ، لدارٍ ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (٦): مَنْ يُرِدْ مُلْكَ الجِنانِ … فَلْيَذَرْ عنهُ التَّوانِي وَلْيَقُمْ في ظُلْمَةِ اللَّيـ … ـلِ إلى نُورِ القُرانِ

стр. 77

وَلْيَصِلْ صَوْمًا بِصَوْمٍ … إنَّ هذا العيشَ فاني إنَّما العيشُ جِوارُ … اللهِ في دارِ الأمَانِ كان بعضُ الصالحين يُكثرُ الصومَ، فرأى في منامِهِ كأنَّه دخلَ الجنةَ، فنُودِي من ورائِهِ: يا فلان، تذكُرُ أنكَ صُمتَ لله يومًا قطّ؟ قال: إي واللهِ، يومٌ ويومٌ ويومٌ، فإذا صوانيّ (١) النِّثار قد أخذتْه يَمْنةً ويَسْرَةً. كان بعضُ الصالحين قد صامَ حتى انحنَى وانقطع صوتُه، فماتَ فرُئي بعض أصحابه في المنام، فسُئِل عن حالِه، فقال: قَدْ كُسِي حُلَّةَ البَهاءِ وطافَتْ … بالأباريق (٢) حَوْلَه الخُدَّامُ ثم حُلّي وقيلَ يا قارِيَ ارْقَه (٣) … فلَعَمري لَقَدْ بَرَاكَ (٤) الصِّيامُ صام بعضُ التابعين حتى اسودَّ من طولِ صيامه. وصام الأسودُ بن يزيدَ (٥) حتى اخضرَّ جسمُه واصفرَّ (٦)، فكان إذا عُوتِبَ في رفقِهِ بجسدِه يقولُ: كرامَةَ هذا الجسد أريدُ. وصام بعضهم حتى وجدَ طعم دماغِه في حَلْقِهِ. كان بعضهم يَسرُدُ (٧) الصَّوْمَ، فمرِضَ وهو صائمٌ، فقالوا له: أفطرْ، فقال: ليس هذا وقتُ تركِ الصيام (٨). وقيل لآخرَ منهم وهو مَريض: أفطرْ، فقال: كيف أفطرُ وأنا أسيرٌ لا أدري ما يُفعل بي. مات عامِرُ بن عبد الله بن الزُّبير وهو صائمٌ ما أفطَر. ودخلوا على أبي بكر بن أبي مريم وهو في النَّزْعِ، وهو صائمٌ، فعرضوا عليه ماءً ليُفطِرَ، فقال: أغربتِ الشَّمْسُ؟ قالوا: لا، فأبَى أن يُفطِرَ، ثم أَتوه بماءٍ وقد اشتدَّ نَزْعُهُ، فأومأ إليهم: أغربتِ الشمس؟ قالوا: نعم، فقَطَّرُوا في فيهِ قطرةً من ماءٍ ثم مات. واحتُضِرَ إبراهيمُ ابنُ هانئٍ صاحبُ الإمام أحمد وهو صائمٌ، وطلبَ ماءً، وسأل: أغربتِ الشمسُ؟

стр. 78

فقالوا: لا، وقالوا له: قد رُخِّصَ لكَ في الفَرْضِ وأنتَ متطوِّعٌ، قال: أجل، امهلوا (١)، ثم قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (٢)، ثم خرجَتْ نفسُه وما أفطَرَ. الدنيا كلُّها شهرُ صيام المتقين، وعيدُ فِطرِهم يوم لقاءِ ربِّهم، ومعظمُ نهار الصيام قد ذَهَبَ، وعيدُ اللِّقاءَ قد اقترَبَ. وقَدْ صُمْتُ عن لذَّاتِ دَهْرِيَ كلِّها … ويومَ لقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي ولما كان الصِّيامُ سرًّا بينَ العبدِ وربِّه اجتهدَ المخلصون في إخفائه بكلِّ طريقٍ، حتى لا يطَّلِعَ عليهم (٣) أحدٌ. قال بعضُ الصالحين (٤): بلغنا عن عيسى بن مريم ﵇ أنه قال: إذا كان يومُ صَوْمِ أحدِكم فَلْيَدْهُنْ لحيتَه ويمسَحْ شَفتيهِ من دُهنِه، حتى ينظرَ إليه الناظِرُ فيظنَّ أنه ليسَ بصائم. وعن ابن مسعودٍ ﵁، قال: إذا أَصْبَحَ أحدُكم صائمًا فليترجَّلْ، يعني يُسرِّحُ شَعرَه ويَدْهُنه؛ وإذا تصدَّق بصدقةٍ عن يمينِهِ فليُخْفِها عن شمالِه، وإذا صلَّى تطوعًا فليُصلِّ داخلَ بيته. (٥). وقال أبو التَّيَّاح (٦): أدركتُ أبي ومشيخةَ الحيِّ، إذا صام أحدُهم ادَّهَنَ ولبِسَ صالحَ ثيابِه. صام بعضُ السَّلَفِ أربعين سنةً لا يَعلمُ به أحدٌ؛ كان له دُكَّانٌ (٧)، فكان كلَّ يوم يأخذ من بيتِه رغيفينِ، ويخرجُ إلى دكَّانِه، فيتصدَّقُ بهما في طريقه، فيظُنُّ أهلُه أنه يأكلهما في السوقِ، ويظُنُّ أهلُ السوقِ أنه قد أكلَ في بيته قبل أن يجيءَ. اشتهر بعضُ الصالحين بكثرة الصِّيامِ فكان يقومُ يومَ الجمعة في مسجد الجامعِ فيأخذُ إبريقَ الماءِ (٨)، فيضعُ بُلْبُلَتَهُ (٩) في فيه ويمتصُّها والنَّاسُ ينظرون إليه ولا يَدْخُلُ حلقَه منه شيءٌ؛ لينفيَ عن نفسِه ما اشْتُهر به من الصَّوم.

стр. 79

كم يسترُ الصَّادقون أحوالَهم وريحُ الصِّدْقِ ينُمُّ عليهم. ما أَسرَّ أحدٌ سَريرةً إلا ألبسَهُ اللهُ رداءَها علانِيةً. كم أكتُمُ حُبَّكُم عن الأغيارِ … والدَّمعُ يُذيعُ في الهوَى أسراري كم أستُركم هتكتمُوا أستارِي (١) … مَن يُخفي في الهوَى لهيبَ النَّارِ ريحُ (٢) الصائم (٣) أطيبُ عند الله من ريحِ المسك، فكلَّما اجتهَدَ صاحبُه على إخفائه فاحَ ريحُه للقلوبِ فَتَسْتَنشِقُه الأرواحُ، وربَّما ظهرَ بعدَ الموت ويومَ القيامةِ. فكاتِمُ الحُبِّ يَوْمَ البَيْنِ مُنْهَتِكٌ … وصاحِبُ الوَجْدِ لا تخفَى سَرائرُهُ ولمَّا دُفنَ عبدُ الله بنُ غالب (٤) كان يفوحُ مِن ترابِ قبرِه رائحةُ المِسْكِ، فرؤي في المنامِ، فسُئل عن تلك الرائحةِ التي توجدُ من قبرِه، فقال: تلكَ رائحةُ التلاوة والظَّمأِ. وجاء في حديثٍ مرفوعٍ: "يخرُجُ الصائمونَ مِن قُبُورِهم يُعرَفونَ بريحِ صيامِهم؛ أفواهُهُم أَطيبُ مِن رِيحِ المِسْكِ". وَهَبْنِي كَتَمْتُ السِّرَّ أو قُلْتُ غيرَهُ … أتخفَى على أهلِ القُلُوبِ السَّرائرُ أَبَى ذَاكَ أن السِّرَّ في الوجهِ ناطِقٌ … وأنَّ ضميرَ القلبِ في العينِ ظاهِرُ * * *

стр. 80

الفصل الثاني في فضل قيام الليل وقد دلَّ حديثُ أبي هريرة ﵁ هذا على أنه أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ. وهل هو أفضلُ من السُّنن الراتبةِ؟ فيه خلافٌ سبَقَ ذكرُه. وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: "فضلُ صلاةِ اللَّيلِ على صلاةِ النَّهارِ كفضلِ صَدقةِ السِّرِّ على صَدَقةِ العَلانيةِ" (١). وخرَّجه الطبراني عنه مرفوعًا، والمحفوظُ وقفُه. وقال عمرو بن العاص: رَكْعَةٌ بالليل خيرٌ مِن عشرٍ بالنَّهارِ. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا. وإنما فُضِّلتْ صلاةُ الليل على صلاةِ النَّهار، لأنها أبلغُ في الإِسْرارِ وأقربُ إلي الإِخلاص. كان السَّلَفُ يجتهدون على إخفاء تهجُّدِهم؛ قال الحسن: كان الرجل يكون عندَه زُوَّاره (٢)، فيقوم من الليلِ يصلِّي لا يعلَمُ به زُوَّارُه. وكانوا يجتهدون في الدعاء ولا يُسمَعُ لهم صوتٌ. وكان الرجلُ ينام مع امرأتِه على وسادةٍ، فيبكي طولَ ليلتِه وهي لا تشعر. وكان محمدُ بنُ واسع (٣) يصلِّي في طريق الحجِّ طولَ ليله في محمله (٤)، ويأمُر حاديَه أن يرفعَ صوتَه ليُشغِلَ الناسَ عنه. وكان بعضهم يقوم في (٥) وسط الليلِ ولا يُدرَى به، فإذا كان وقتُ (٦) طلوعِ الفجر رفَعَ صوتَه بالقرآن، يُوهِمُ أنَّه قام تلك الساعة. ولأن صلاة الليل أشقُّ على النفوس؛ فإنَّ الليل محلُّ النَّوم والراحةِ من التعبِ بالنهار؛ فتركُ النَّومِ مع ميلِ النفسِ إليه مُجَاهَدَةٌ عظيمةٌ. قال بعضُهم: أفضلُ

стр. 81

الأعمالِ ما أُكْرِهَتْ عليه النُّفوسُ، ولأنَّ القراءة في صلاة الليلِ أقربُ إلى التَّدبُّرِ؛ فإنه تنقطِعُ الشواغلُ بالليل، ويحضُر القلبُ، ويتواطأُ هو واللسانُ على الفهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (١). ولهذا المعنى أُمِرَ بترتيلِ القرآن في قيام الليل ترتيلًا، ولهذا كانت صلاةُ الليل مَنْهَاة (٢) عن الإِثم، كما يأتي في حديثٍ خَرَّجَه الترمذيُّ. وفي المسند (٣) عن أبي هريرة ﵁ أن النَّبي ﷺ قيل له: إنَّ فلانًا يصلِّي مِنَ الليل، فإذا أصبَحَ سَرَقَ، فقال: "سينهاهُ ما تقولُ". ولأن وقتَ التهجُّدِ من الليل أفضلُ أوقاتِ التطوُّع بالصَّلاةِ، وأقربُ ما يكون العبدُ من ربِّه، وهو وقتُ فتحِ أبوابِ السَّماءِ واستجابةِ الدعاءِ، واستعراض حوائج السائلين. وقد مدَح الله تعالى المستيقظِينَ بالليل لذكرِه ودعائِه واستغفاره ومناجاتِه، فقال الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤). وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٦). وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٧). وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٨). وقال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٩). وقال لنبيِّه ﷺ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١٠). وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ (١١). وقال

стр. 82

تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ (١). قالت عائشة ﵂ لرجلٍ: "لا تَدَعْ قيامَ الليلِ؛ فإنَّ رسولَ الله ﷺ كان لا يَدَعُهُ، وكان إذا مَرِضَ - أو قالت كَسِلَ - صلَّى قاعدًا (٢) ". وفي رواية أخرى عنها، قالت: بلغني عن قومٍ يقولون: إنْ أدَّيْنا الفرائضَ لم نبالِ ألَّا نزدادَ، ولعَمري، لا يسألهم اللهُ إلَّا عمَّا افترضَ عليهم، ولكنَّهم قومٌ يُخطئون بالليل والنَّهارِ، وما أنتم إلا من نبيِّكم، وما (٣) نبيُّكم إلَّا منكُم، واللهِ ما تركَ رسولُ اللهِ ﷺ قيامَ الليل، ونزعَتْ كلَّ آيةٍ فيها قيامُ الليلِ، فأشارت عائشةُ ﵂ إلى أن قيامَ الليل فيه فائدتان عظيمتان: الاقتِداءُ بسنةِ رسول الله ﷺ ، والتأسِّي به، وقد قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤). وتكفيرُ الذنوبِ والخطايا؛ فإنَّ بني آدمَ يخطئون باللَّيلِ والنهارِ؛ فيحتاجون إلى الاستكثارِ من مُكفِّرَاتِ الخطايا، وقيامُ الليلِ من أعظم المُكَفِّراتِ، كما قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: "قيامُ العبد في جَوْفِ الليلِ يُكفِّرُ الخطيئة"، ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٥) الآية. خرجه الإِمامُ أحمد (٦) وغيرُه. وقد رُوي أنَّ المتهجِّدينَ يدخلُون الجنةَ بغير حسابٍ. ورُوي عن شهر بن حَوْشَب، عن أسماء بنتِ يزيدَ، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا جمعَ اللهُ الأوَّلِين والآخِرينَ يومَ القيامةِ جاءَ منادٍ ينادِي بصوتٍ يُسمِعُ الخلائقَ: سيعلمُ الخلائقُ اليومَ مَنْ أَوْلَى بالكرمِ، ثم يرجعُ فينادي: أينَ الذين كانوا ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٧)؟ فيقومون وهم قليلٌ، ثم يرجعُ فينادي: لِيَقُمِ الَّذينَ كانوا يحمَدُونَ الله في السرَّاء والضرَّاءِ، فيقومون وهم قليلٌ، [ثم يرجع فينادي: ليقُم الذين كانت تتجافَى

стр. 83

جُنَوبُهم عن المضاجِع، فيقومون وهم قليلٌ] (١)، ثم يحاسَبُ سائرُ الناسِ". خرَّجَه ابنُ أبي الدنيا وغيرُه (٢). ويُروى عن شهر بن حَوْشَب، عن ابن عباس ﵄ من قوله. ويُروى نحوُه أيضًا (٣) من حديث أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عُقبةَ بن عامر مرفوعًا، وموقوفًا. ويُروى نحوُه (٤) أيضًا عن عُبَادةَ بن الصَّامتِ، وربيعةَ الجُرَشِيّ، والحسن، وكعب من قولهم. قال بعضُ السلف: قيامُ الليل يُهوِّنُ طولَ القيام يومَ القيامة، وإذا كان أهلُه يسبِقون إلى الجنَّة بغيرِ حسابٍ، فقد استراح أهلُه من طولِ المَوقفِ للحساب. وفي حديث أبي أمامةَ وبلالٍ المرفوعِ: "عليكم بقيام اللَّيل؛ فإنَّه دَأْبُ الصَّالحين قَبْلَكُم، وإنَّ قيامَ الليل قُرْبَةٌ إلى اللهِ تعالى، وتكفيرٌ للسيئاتِ، ومَنْهاةٌ عن الإِثم، ومَطْرَدَةٌ للدَّاءِ عن الجسدِ". خرَّجه الترمذي (٥). ففي هذا الحديث أن قيام الليل يوجبُ صحةَ الجسدِ، ويطرُدُ عنه الدَّاءَ. وكذلك صيامُ النهارِ: ففي الطبراني، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "صومُوا تَصِحُّوا" (٦). وكما أن قيام الليل يكفِّر السيئاتِ، فهو يَرفعُ الدَّرجاتِ، وقد ذكرنا أن أهلَه من السَّابقين إلى الجنة بغير حسابٍ. وفي حديث المنامِ المشهور الذي خرَّجَه الإِمامُ أحمدُ والترمذيُّ: أن الملأ الأعلى يختصِمُونَ في الدَّرجاتِ والكفاراتِ، وفيه أن الدَّرجاتِ: إطعامُ الطَّعامِ، وإفشاءُ السَّلام، والصَّلاةُ بالليل والنَّاسُ نيامٌ (٧). وفي المسند والترمذي وغيرهما، عن

стр. 84

النبي ﷺ مِن وجوهٍ: "إنَّ في الجنة غُرَفًا يُرى ظاهِرُها من باطِنها، وباطنُها من ظاهِرِها، وأَنَّها لأهل هذه الخصالِ الثلاثةِ (١) ". وفي حديث عبد الله بن سلام المشهور المخرَّجِ في السُّننِ: أنه أوَّلُ ما سُمِعَ النبي ﷺ يقولُ عند قدومه المدينةَ: "يا أيُّها النَّاسُ، أطعِموا الطَّعامَ، وأفشُوا السَّلامَ، وصِلُوا الأرحامَ، وصَلُّوا باللَّيل والنَّاسُ نيامٌ، تدخلُوا الجَنَّةَ بسلامٍ" (٢). ومن فضائل التهجُّدِ أن الله تعالى يحبُّ أهلَه، ويباهي بهم الملائكةَ، ويستجيب دعاءهم. روى الطبراني (٣) وغيرُه من حديث أبي الدَّرداء ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "ثلاثة يحبُّهم اللهُ ويضحَكُ إليهم، ويستبشرُ بهم". فذكرَ منهم الذي له امرأةٌ حسناءُ وفراشٌ حسنٌ، فيقومُ من الليل، فيقولُ الله تعالى: يذَرُ شهوتَه فيذكرُني، ولو شاء رَقَدَ؛ والذي إذا كان في سَفَرٍ وكان معه رَكْبٌ، فسهِرُوا ثمَّ هَجَعُوا، فقامَ من السَّحَرِ في سرَّاءَ وَضَرَّاءَ. وخرَّج الإِمامُ أحمد (٤) والترمذي والنسائي من حديث أبي ذرٍّ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "ثلاثةٌ يحبُّهم الله" فذكر منهم: وقومٌ سارُوا ليلَهم حتَّى إذا كان النَّومُ أحبَّ إليهم ممَّا يُعدَلُ به، فوضعوا رؤوسهم، فقام (٥) يتملَّقنِي ويتلو آياتي. وصححه الترمذي. وفي المسند عن ابن مسعودٍ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "عَجِبَ ربُّنا من رجلين (٦): رجلٍ ثارَ عن وِطائه ولحافه من بين أهله وحبِّهِ إلى صلاته، فيقول ربُّنا

стр. 85

تبارك وتعالى: يا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه ومن بين حبِّهِ وأهلِه إلى صلاته، رغبةً فيما عندي، وشفقةً مما عندي. [ورجلٍ غزا في سبيل الله ، وانهزم أصحابُه، وعلِمَ ما عليه في الانهزام ومالَهُ في الرجوعِ فرجع، حتى أُهَرِيقَ دمُه، فيقولُ الله لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رجاءً فيما عندي، وشفقةً مما عندي، حتى أُهَرِيقَ دمُه. رواه أحمد] (١)، وذكر بقية الحديث. وقوله "ثار" فيه إشارة إلى قيامه بنشاطٍ وعزمٍ. ويروى من حديث عطية عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: "إن الله يضحك إلى ثلاثةِ نفرٍ؛ رجلٍ قام من جوف الليل فأحسَنَ الطَّهور فصلَّى، ورجلٍ نام وهو ساجدٌ، ورجلٍ في كتيبة منهزمةٍ فهو على فرس جوادٍ، لو شاء أن يذهبَ لذهب" (٢). وخرَّجه ابنُ ماجه من رواية مُجَالدٍ، عن أبي الوَدَّاكِ، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ الله ليضحَكُ إلى ثلاثةٍ: الصفِّ (٣) في الصَّلاة، والرجلِ يصلِّي في جوفِ الليل، والرجلِ يقاتِلُ، أُراهُ قال: خلفَ الكتيبةِ" (٤). وروينا من حديث أبان، عن أنس، عن ربيعةَ بن وقاص، عن النبي ﷺ ، قال: "ثلاثُ مواطِنَ لا تُردُّ فيها دعوةٌ: رجلٌ يكون في بَرِّيةٍ حيثُ لا يراه أحدٌ، فيقومُ

стр. 86

فيصلي، فيقولُ اللهُ لملائكته: أرى عبدي هذا يعلم أن له ربًّا يغفرُ الذنبَ (١)، فانظروا ما يطلُبُ، فتقول الملائكةُ: أي ربّ، رضاكَ ومغفرتكَ، فيقول: اشهدوا أني قد غَفَرْتُ له [ورضيت عنه] (٢). ورجلٌ يقومُ من الليل، فيقولُ الله : أليسَ قد جعلْتُ الليلَ سكنًا والنومَ سُبَاتًا، فقام عبدي هذا يصلي، يعلم أن له ربًّا [يغفر الذنوب] (٣)، فيقولُ الله لملائكته: انظروا ما يطلبُ عبدي هذا، فتقولُ الملائكةُ: يا رب، رضاكَ ومغفرتكَ، فيقول: اشهدوا أنِّي قد غفرْتُ له". وذكر الثالث الذي يكونُ في فئةٍ فيفِرُّ أصحابُه ويثبُتُ هو. وهو مذكورٌ أيضًا في كلِّ الأحاديثِ المتقدِّمة. وفي "المسند" و"صحيحِ ابن حِبَّان" عن عُقبةَ بن عامرٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "رجلان من أمتي يقومُ أحدُهما من الليل يعالج (٤) نفسه إلى الطَّهُور، وعليه عُقَدٌ، فيتوضأ، فإذا وضَّأَ يَدَيْه انحلَّتْ عُقْدَةٌ، وإذا وضَّأَ وَجْهَه انحلَّتْ عُقْدَة، وإذا مَسَحَ رأسَه انحلَّتْ عُقْدَةٌ، وإذا وضَّأَ رجليه انحلَّتْ عقدَةٌ. فيقولُ الربُّ للذين وراءَ الحِجاب: انظُروا إلى عبدِي هذا يُعالِجُ نفسَه [يسألني] (٥)، ما سألني عبدي هذا فهو له" (٦). وفي الصحيحين (٧) أن النبيَّ ﷺ ، قال: "نِعْمَ الرَّجُلُ عبدُ الله - يعني ابنَ عمر - لو كان يُصلِّي من الليل. فكان عبدُ الله لا ينام بعد ذلك من الليل إلا قليلًا". كان أبو ذر ﵁ يقول للناس: أرأيتم لو أن أحدَكم أرادَ سفرًا، أليس يتَّخِذُ من الزَّادِ ما يُصْلِحُه وَيُبلِّغه؟ قالوا: بلى، قال: فسفَرُ طريقِ القيامةِ أبعدُ، فخُذُوا له ما يُصلِحُكم، حُجُّوا حَجةً لِعظائم الأمور، صُوموا يومًا شديدًا حَرُّة لحرِّ يوم النّشور،

стр. 87

صلُّوا ركعتين في ظلمة الليل لوحشة (١) القبور، تصدَّقوا بصدقةٍ (٢) لشرِّ يومٍ عسيرٍ (٣) أين رجالُ الليل، أين الحسنُ وسفيانُ وفُضَيل؟ يا رجالَ الليلِ جِدُّوا … رُبَّ داعٍ لا يُرَدُّ ما يقومُ اللَّيلَ إلَّا … مَنْ لَهُ عَزْمٌ وجِدُّ ليسَ شيءٌ كَصَلاةِ … اللَّيل للقَبْرِ يُعَدُّ صلَّى كثيرٌ من السَّلَفِ صلاةَ الصُّبحِ بِوضوءِ العشاءِ عشرين سنةً، ومنهم من صلَّى كذلك أربعين سنة. قال بعضُهم: منذ أربعين سنةً ما أحزنني إلا طلوعُ الفجر. قال ثابت: كَابَدْتُ (٤) قيامَ الليل عشرين سنةً، وتنعَّمتُ به عشرين سنة أخرى. أفضَلُ قيام الليلِ وسَطُه. قال النبيُّ ﷺ : "أفضَلُ القيامِ قيامُ داودَ، كان يَنَامُ نِصْفَ الليلِ، ويقومُ ثلثَه، وينامُ سُدُسَه" (٥). وكان رسول الله ﷺ إذا سمعَ الصَّارِخَ يقومُ للصَّلاة (٦). والصَّارِخُ: الدِّيكُ، وهو يصيحُ وسَطَ الليل. وخرَّج النسائي عن أبي ذر، قال: سألت النبيَّ ﷺ : أيُّ الليلِ خيرٌ؟ قال: جوفُهُ (٧). وخرَّج الإمامُ أحمد (٨)، عن أبي ذر، قال: سألت النبي ﷺ : "أيُّ قيامِ الليلِ أفضلُ؟ قال: "جَوْفُ الليل الغابِر، أو نصفُ الليلِ، وقليلٌ فاعِلُه". وخرَّج ابنُ

стр. 88

أبي الدنيا من حديث أبي أمامة أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله، أيُّ الليل (١) أفضلُ؟ قال: جوفُ الليل الأوسَطِ. قال: أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟ قال: دُبُرَ الصَّلوات (٢) المكتوباتِ. وخرَّجه الترمذي والنسائي، ولفظهما أنه سأله (٣): أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟ قال: جوف الليلِ الأخيرِ، ودُبُرَ الصلواتِ المكتوباتِ" (٤). وخرَّج الترمذي (٥) من حديث عمرو بن عبَسَة (٦) [أنه] (٧) سمعَ النبيَّ ﷺ ، يقول: "أقربُ ما يكونُ الربُّ من العَبْدِ في جَوْفِ الليلِ، فإن استطعْتَ أن تكونَ ممَّن يذكُرُ الله في تلك الساعةِ فكُنْ". ويُروى أن داودَ ﵇، قال: يا ربّ، أيُّ وقتٍ أقومُ لك؟ قال: لا تقمْ أوَّلَ الليلِ، ولا آخِرَه، ولكن قُمْ وسَطَ الليلِ حتَّى تخلو بي وأخلُو بك، وارفَعْ إليَّ حوائجَكَ. وفي الأثَر المشهور: كَذَبَ مَن ادَّعَى محبَّتي، فإذا جنَّه الليلُ نام عنِّي، أليس كلُّ مُحبٍّ يُحبُّ خلوةَ حبيبِهِ، فها أنا ذا مُطّلعٌ على أحبابي، إذا جنَّهم الليلُ جعلْتُ أبصارَهُم في قلوبهم، فخاطَبُوني على المشاهدة، وكلَّمُوني على حُضوري، غدًا أُقِرُّ أعيُنَ أحبابي في جِناني. اللَّيلُ لي ولأحبابي أُحَادِثهُمْ … قد اصْطفيتُهُم كَيْ يَسْمَعُوا ويَعُوا لَهُم قلوبٌ باسْراري لها (٨) مُلئتْ … على ودادِي وإرشادِي لهم طُبعُوا سَروا فما وَهَنُوا عَجْزًا ولا ضَعُفُوا … وواصَلُوا حَبْلَ تقريبي فما انقطعُوا ما عندَ المحبِّينَ ألذُّ مِن أوقاتِ الخَلْوةِ بمناجاةِ محبوبهم، هو شفاءُ قلوبهم، ونهايةُ مطلوبهم. كَتَمْتُ اسْمَ الحَبيبِ مِنَ العِبادِ … وَرَدَّدْتُ الصَّبَابةَ في فؤادِي

стр. 89

فيا شَوْقًا (١) إلى بلدٍ خَلِيٍّ … لَعلِّيَ باسْمِ مَنْ أَهْوَى أنادِي كان داود الطائي (٢) يقولُ في الليل: همُّكَ عطَّلَ عليَّ الهمومَ، وحالَفَ بيني وبين السُّهادِ، وشَوْقي إلى النظر إليك أوثَقَ منِّي اللذات، وحالَ بيني وبين الشهواتِ. وكان عُتبةُ الغُلامُ (٣) يقولُ في مناجاتِه بالليل: إن تُعَذبْني فإنِّي لَكَ محبٌّ، وإن تَرحَمْني فإنِّي لكَ محبٌّ. لَوَ انَّكَ أَبْصَرْتَ أَهْلَ الهوَىَ … إذا غَارَتِ الأَنْجُمُ الطُّلَّعُ فهذا يَنُوحُ على ذَنْبِهِ (٤) … وهذا يُصَلِّي وذا يَرْكَعُ مَنْ لم يشاركْهُم في هواهم وذوق (٥) حلاوة نجواهم، لم يَدْرِ ما الذي أبكاهم. من لم يشاهد جمال يوسُفَ لم يَدْرِ ما الذي آلم قلبَ يعقوبَ. مَنْ لم يَبِتْ والحبُّ حَشْوُ فؤادِهِ … لم يَدْرِ كيفَ تفتُّتُ الأَكْبَادِ كان أبو سليمان (٦) يقول: أهلُ الليل (٧) في ليلهم ألذُّ مِن أهلِ اللهو في لهوهم، ولولا الليلُ ما أحببتُ البقاءَ في الدُّنيا (٨). وسَطُ الليل للمحبِّينَ للخلوةِ بمناجاةِ حبيبهم، والسَّحَرُ (٩) للمذنبين للاستغفار من ذنوبهم، فوسَطُ الليلِ خاصٌّ لخلوةِ الخواصِّ، والسَّحَرُ عامٌّ لرفعِ قَصَصِ الجميع، وبروز التواقيع لأهلها بقضاء الحوائج، فمن عَجَزَ عن مسابقةِ المحبِّينَ في مَيْدَانِ مِضْمارِهم فلا يَعجِزُ عن مشاركةِ المذنبينَ في استغفارهم واعتذارِهم. صحائفُ التائبين خدودُهم، ومدادُهم دموعُهُم. قال بعضهم:

стр. 90

إذا بكى الخائفون فقد كاتبوا الله بدموعهم. رسائلُ الأسحارِ تُحملُ ولا يَدرِي بها الفلكُ، وأجوبتُها تَرِدُ إلى الأسرارِ ولا يعلَم بها المَلَكُ. صَحائِفُنا إشارَتُنا (١) … وأكثرُ رُسْلِنا الحُرَقُ لأنَّ الكُتْبَ قد تُقرا … بغيرِ (٢) الدَّمعِ لا تَثِقُ لا تَزالُ القصصُ تُستعرَضُ وتوقَّع (٣) بقضاء حوائج أهلِها إلى أن يطلُعَ الفجرُ. ينزل ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا، فيقول: هل من تائبٍ فأتوبَ عليه؟ هل من مستغفر فأغفِرَ له؟ هل من داعٍ فأجيبَ دعوتَه؟ إلى أن ينفجرَ الفجرُ (٤). فلذلك كانوا يفضِّلون صلاةَ آخر الليلِ على أوله. نحنُ الذين إذا أتانا سائِلٌ … نُولِيه إحسانًا وحُسْنَ تَكَرُّمِ ونقولُ في الأسحارِ هل مِن تائبٍ … مُستغفرٍ لِينَالَ خَيْرَ المغنَمِ الغنيمةُ تُقسَمُ على كلِّ مَن حضَرَ الوقعةَ، فيعطَى منها (٥) الرجَّالةُ (٦) والأُجراءُ والغِلمانُ مع الأمراءِ والأبطالِ والشجعانِ والفرسانِ، فما يطلُعُ فجرُ الأجرِ إلَّا وقد حاز القومُ الغنيمةَ، وفازوا بالفَخْرِ، وحمِدوا عند الصَّباح السُّرَى (٧)، وما عند أهلِ الغَفْلَةِ والنومِ خَبَرٌ ممَّا جَرَى. كان بعضُ الصالحين يقوم الليل، فإذا كان السَّحَرُ نادى بأعلى صوته: يا أيُّها الرّكبُ (٨) المُعرِّسُون (٩)، أَكُلَّ هذا الليل ترقُدُونَ؟ ألا تقومون فترحَلُون؟ فإذا سمِعَ الناسُ صوتَه وثَبُوا مِن فُرُشِهم؛ فيُسْمَعُ من هنا باكٍ، ومن هنا داعٍ، ومن هنا تالٍ،

стр. 91

ومن هنا متوضئ، فإذا طلع الفجرُ نادى بأعلى صوته: "عند الصَّباح يحمَدُ القومُ السُّرَى" (١). يا نفسُ قُومي فَقَدْ نَامَ الوَرَى … إنْ تَصْنَعِي (٢) الخيرَ فذو العَرْش يَرَى وأنتِ يا عينُ دعي عنكِ الكَرَى … عندَ الصَّباحِ يحمَدُ القَوْمُ السُّرَى يا قُوَّامَ الليلِ اشفعوا في النُّوَّامِ، يا أحياءَ القلوبِ ترحَّموا على الأموات. قيل لابن مسعودٍ ﵁: ما نستطيعُ قيامَ الليل، قالَ: أقعدَتْكُم (٣) ذنوبُكُم. وقيل للحسن: قد أعجزَنا قيامُ الليلِ، قال: قيَّدَتْكُم خطاياكُم. وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدِرْ على قيامِ الليلِ وصيامِ النَّهارِ، فاعلم أنَّكَ محرومٌ [مُكَبَّلٌ] (٤)، كبَّلَتْكَ خطيئتُكَ. قال الحسن: إنَّ العبدَ لَيُذنبُ الذنبَ فيُحرَمُ به قيامَ الليل. قال بعض السّلف: أذنبْتُ ذنبًا فحُرمْتُ به قيامَ الليل ستةَ أشهرٍ. ما يؤهِّلُ الملوكُ للخلوة بهم إلَّا مَن أخلصَ في ودِّهم ومعاملتِهم، فأمَّا مَن كان مِن أهل المخالفة فلا يُؤهِّلُونه. في بعض الآثار أن جبريلَ ﵇ ينادي كلَّ ليلةٍ: أَقِمْ فلانًا وأنِمْ فلانًا. قام بعضُ الصالحين في ليلةٍ باردةٍ وعليه ثيابٌ رثةٌ، فضربَهُ البردُ فبكى، فهتَفَ به هاتفٌ: أقمناكَ وأنمناهم، ثم تبكي علينا! يا حُسْنَهُمْ واللَّيلُ قَدْ جنَّهُم … ونورُهُم يفوقُ نُورَ الأَنْجُمِ ترنَّموا بالذِّكْر في لَيْلِهِم … فعيشُهُم قدْ طَابَ بالتَّرَنُّمِ قلوبُهُم للذِّكْر قَدْ تفرَّغَتْ … دُمُوعُهُم كَلُؤلؤٍ مُنظَّم (٥) أسحارُهُم بهم لَهُمْ قد أشرَقَتْ … وخِلَعُ الغُفْرانِ خَيْرُ القِسَمِ

стр. 92

الليلُ مَنْهَلٌ يَرِدُه أهلُ الإرادة كلُّهم، ويختلفون فيما يَرِدُون ويُريدون ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ (١)، فالمحِبُّ يتنعَّمُ بمناجاةِ محبوِبه، والخائفُ يتضرَّعُ لطلبِ العفوِ ويبكي على ذنوبِه، والراجي يُلحُّ في سؤالِ مَطلوِبه، والغافلُ المسكينُ أحسنَ اللهُ عَزاءَه في حرمانِه وفواتِ نصيبه. قال النبيُّ ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄: "لا تكُنْ مِثلَ فلانٍ، كانَ يقومُ اللَّيلَ فتَرَكَ قيامَ الليلِ" (٢). مرِضَتْ رابعةُ (٣) مرَّةً فصارت تصلِّي وِرْدَها بالنَّهار فعوفيَتْ، وقد أَلِفَتْ ذلك وانقطَعَ عنها قيامُ اللَّيلِ، فرأتْ ذاتَ ليلةٍ في نومِها كأنَّها أُدخِلَتْ إلى روضةٍ خضراءَ عظيمةٍ، وفُتِحَ لها فيها بابُ دارٍ، فسَطَعَ منها نورٌ حتَّى كادَ يَخْطَفُ بصَرَها، فخرَجَ منها وُصَفَاءُ كأنَّ وجوهَهُمُ اللؤلؤ، بأيديهم مجامِرُ، فقالت لهم امرأةٌ كانت مع رابعَةَ: أين تريدون؟ قالوا: نريدُ فلانًا قُتِلَ شهيدًا في البحر، فنُجَمِّرُهُ، فقالتْ لهم: أفلا تجمِّرُونَ هذه المرأةَ؟ تعني رابعةَ، فنظَرُوا إليها وقالوا: قد كان لها حظٌّ في ذلك فتركَتْهُ، فالتفتَتْ تلك المرأةُ إلى رابعةَ وأنشدَتْ: صَلاتُكِ نورٌ والعِبادُ رُقُودُ … ونومُكِ ضدٌّ للصَّلاةِ عَنِيدُ وكان بعضُ العلماء يقومُ السَّحَرَ، فنامَ عن ذلك لياليَ، فرأى في منامِه رجلين وقفا عليه وقال أحدُهما للآخر: هذا كان من المستغفرين بالأسْحارِ، فتركَ ذلك. يا من كان له قلبٌ فانقلب، يا من كان له وقتٌ مع اللهِ فذهَب؛ قيامُ السَّحَرِ يستوحِشُ لكَ، صيامُ النَّهارِ يُسائِلُ عنكَ، ليالي الوِصالِ تُعاتِبكَ على الهَجْرِ. تَغَيَّرْتُمُ عنَّا بصُحْبَةِ غَيْرِنا … وأظهرتُم الهِجْرانَ مَا هكذا كُنَّا

стр. 93

وأقسمْتُمُ ألَّا تَحُولُوا عن الهَوَى … فحلْتُم عن العهدِ القَديم وما حُلْنا لياليَ كُنَّا نستقِي مِن وِصالِكُم … وقلبي إلى تِلكَ الليالِيَ قَدْ حَنَّا قيل للنبي ﷺ : إن فلانًا نامَ حتَّى أصبحَ. فقال: "بالَ الشيطانُ في أُذنِهِ" (١). كان سرِيٌّ (٢) يقول: رأيتُ الفوائدَ تَرِدُ في ظُلمَةِ الليلِ، ماذا فاتَ مَن فاتَهُ خيرُ اللَّيلِ؟ لقد حصَلَ أهلُ الغَفْلةِ والنَّومِ على الحِرْمانِ والوَيْلِ. كان بعضُ السلف يقومُ بالليل، فنامَ ليلةً فأتاهُ آتٍ في منامِه، فقال له: قُمْ فصَلِّ، ثم قال له: أما علِمْتَ أن مفاتيحَ الجنَّةِ مع أصحابِ اللَّيلِ هُم خُزَّانُها (٣). وكان آخَرُ يقومُ الليلَ، فنامَ ليلةً فأتاه آتٍ في منامِه، فقال: ما لكَ قصَّرْتَ في الخِطْبَةِ؟ أما علِمْتَ أن المتهجِّدَ إذا قام إلى تهجُّدِه قالت الملائكة: قامَ الخاطِبُ إلى خِطْبَتِهِ. وَرَأى بعضهم حوراءَ في نَوْمِهِ، فقال لها: زوجيني نفسَكِ، قالت: اخطُبْنِي إلى ربِّي وأمْهِرْني، قال: ما مَهْرُكِ؟ قالتْ: طولُ التهجُّدِ. نام ليلة أبو سليمان الدَّاراني (٤) فأيقظته حوراءُ وقالت: يا أبا سليمان، تنامُ وأنا أُربَّى لكَ في الخُدُورِ من خمسمائةِ عام (٥)؟. واشترى بعضهُم من الله تعالى حوراءَ

стр. 94

بصَدَاق ثلاثين ختمةً، فنامَ ليلةً قَبلَ أن يُكمِلَ الثلاثين، فرآها في منامِه تقول له: أتخطُبُ مِثلي وَعَنِّي تَنَامُ … وَنوْمُ المحبِّينَ عنِّي (١) حَرَامُ لأنَّا خُلِقْنا لِكُلِّ امْرِئٍ … كثيرِ الصَّلاةِ بَرَاهُ الصِّيَامُ كان النبي ﷺ يطرُقُ بابَ فاطمةَ وعليٍّ، ويقول: ألا تُصلِّيانِ (٢)؟. وفي الحديث: "إذا استيقَظَ الرَّجُلُ وأيقَظَ أهلَه فَصَلَّيا رَكْعَتَيْنِ كُتِبا مِنَ الذَّاكِرينَ الله كثيرًا والذاكراتِ" (٣). كانت امرأةُ حَبيبٍ العَجَمي (٤) تُوقِظُهُ بالليل وتقولُ: ذهَبَ الليلُ وبين أيدينا طريق بعيد، وزادُنا قليل، وقوافِلُ الصالحينَ قد سارت قُدَّامَنا ونحنُ قد بَقِينا. يا راقدَ اللَّيلِ كَمْ تَرْقُدُ … قُمْ يا حَبِيبي قَدْ دَنَا المَوْعِدُ وخُذْ مِنَ اللَّيلِ وأوقاتِهِ … وِرْدًا إذا ما هَجَعَ الرُّقَّدُ مَن نَامَ حتَّى ينقضِي ليلُهُ … لم يَبْلُغ المَنْزِلَ أوْ يَجْهَدُ قُلْ لِأولِي الألبابِ أهلِ التُّقَى … قَنْطَرةُ العَرْضِ لكُم مَوْعِدُ * * *

стр. 95

المجلس الثاني في يوم عاشوراء في الصحيحين (١) عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن صَوْمِ يوم عاشوراء، فقال: "ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ صامَ يومًا يتحرَّى فَضْلَه على الأيام إلَّا هذا اليوم، يعني يوم عاشوراء؛ وهذا الشهر، يعني رمضان". يوم عاشوراء له فضيلةٌ عظيمة وحرمةٌ قديمةٌ، وصومُهُ لفضلِهِ كان معروفًا بين الأنبياء ﵈، وقد صامَه نوحٌ وموسى ﵉، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وروى إبراهيمُ الهَجَرِيُّ (٢)، عن أبي عِياضٍ (٣)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "يومُ عاشوراءَ كانت تصومُهُ الأنبياءُ فصُومُوه أنتُم". خرَّجَه بَقِيُّ بن مَخْلَدٍ (٤) في "مسنده". وقد كان أهلُ الكتاب يَصُومُونه، وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومُه. قال دَلْهَمُ بنُ صالح (٥): قلْتُ لَعكْرِمَةَ: عاشوراء ما أمرُه؟ قال: أذنبَتْ قريشٌ في الجاهلية ذنبًا فتعاظَمَ في صُدُورِهم، فسألوا ما تَوبتُهم، قيل: صَوْمُ عاشوراء، يوم العاشر من المحرم. وكان للنبي ﷺ في صيامه أربعُ حالات: الحالة الأولى: أنه كان يصومُه بمكة ولا يأمر الناسَ بالصوم. ففي الصحيحين عن عائشةَ ﵂، قالت: "كان عاشُوراءُ يومًا تصومُه قريشٌ في الجاهليَّة، وكان النبيُّ ﷺ يصومُه، فلمَّا قدِمَ المدينةَ صَامَهُ وأمَرَ بصيامِهِ، فلما نزلتْ فريضةُ شهرِ

стр. 96

رمضانَ كان رمضانُ هو الذي يصومُه، فتَرك يومَ عاشوراءَ، فَمَن شاءَ صامهُ، ومَن شاء أفطرَهُ" (١). وفي رواية للبخاري (٢): وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ شَاءَ فليصم (٣)، ومن شاء أفطرَ". الحالة الثانية: أن النبيَّ ﷺ لمَّا قدِمَ المدينةَ ورأى صيامَ أهلِ الكتاب لهُ وتعظيمَهم لهُ، وكان يحبُّ موافقَتَهم فيما لم يؤمَرْ به، صامَة، وأمَرَ النَّاسَ بصيَامه، وأكَّدَ الأمْرَ بصيامه، والحثَّ عليه، حتَّى كانوا يُصَوِّمُونَه أطفالهُم. ففي الصحيحين عن ابن عباس، قال: "قدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ فوجَدَ اليهودَ صُيَّامًا يومَ عاشوراءَ، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما هذا اليومُ الذي تصُومُونه؟ قالوا: هذا يومٌ عظيم أنجى (٤) الله فيه موسى وقومَه، وأغرَق فرعونَ وقومَه، فصَامَهُ مُوسى شُكرًا، فنحنُ نصُومُهُ. فقال رسولُ الله ﷺ : فنحنُ أحقُّ وأولى بموسى منكم، فصَامَهُ رسولُ الله ﷺ ، وأمَرَ بصيامه (٥). وفي مسند الإمام أحمد، عن أبي هريرة ﵁، قال: مرَّ النبيُّ ﷺ بأناسٍ من اليهود قد صاموا يوم (٦) عاشوراء، فقال: ما هذا من الصَّوم؟ قالوا: هذا اليومُ الذي نجَّى الله فيه (٧) موسى ﵇ وبني إسرائيلَ من الغَرَقِ، وغَرَّق (٨) فيه فرعون. وهذا يومٌ استوت فيه السفينة على الجُودِي (٩)، فصامَ نوحٌ وموسى

стр. 97

عليهما السلام شكرًا لله . فقال النبيُّ ﷺ : أنا (١) أحقُّ بموسى وأحقُّ بصوم هذا اليوم، فأمَرَ أصحابَهُ بالصَّوم (٢). وفي الصحيحين عن سَلَمة بن الأَكْوَعِ (٣) ﵁: "أن النبيَّ ﷺ أَمَرَ رجلًا مِن أَسْلَمَ: أنْ أذِّنْ في النَّاسِ: مَنْ أَكَلَ فليَصُمْ بَقيَّةَ يومِهِ، ومَنْ لَمْ يَكنْ أكَلَ فلْيَصُمْ؛ فإنَّ اليومَ يومُ عاشوراءَ" (٤). وفيهما (٥) أيضًا عن الرُّبَيِّعِ (٦) بِنْتِ مُعَوِّذ، قالت: "أرسلَ رسولُ الله ﷺ غَداةَ عاشوراءَ إلى قُرَى الأَنْصَار التي حولَ المدينةِ: مَنْ كان أصبَحَ صائمًا فليُتِمَّ صَوْمَهُ، ومَنْ كانَ أصبَحَ مفطِرًا فليُتِمَّ بقيَّةَ يومِهِ. فكُنَّا بعدَ ذلك نصومُهُ، ونُصَوِّم صِبيانَنا الصغارَ منهم، ونَذْهَبُ إلي المسجد فنجعَلُ لهم اللُّعْبةَ مِنَ العِهْنِ (٧)، فإذا بكى أحدُهُم على الطَّعامِ أَعْطَيْناهُ إيَّاها حتَّى يكونَ عند الإِفطار". وفي رواية (٨): "فإذا سألونا (٩) الطَّعامَ أعطيناهم اللعبةَ تُلْهِيهِم، حتى يُتِمُّوا صَوْمَهُم. وفي الباب أحاديثُ كثيرة جدًّا. وخرَّجَ الطبرانيُّ بإسنادٍ فيه جَهَالة، أن النبيَّ ﷺ كان يدعو يومَ عاشوراءَ برُضَعَائِهِ ورُضَعَاءِ ابنتِهِ فاطمةَ فَيَتْفُلُ في أفواهِهِم، ويقولُ لأمَّهاتِهم: لا تُرْضِعوهُم إلى الليل، وكان ريقُهُ ﷺ يجزئهم. وقد اختلفَ العلماءُ ﵃، هل كان صومُ يومِ عاشوراءَ قبلَ فرضِ شهرِ رمضانَ واجبًا أم كان سنةً متأكدَةً (١٠)؟ على قولين مشهورين؛ ومذهبُ أبي حنيفةَ أنَّه كان واجبًا حينئذ، وهو ظاهرُ كلام الإمام أحمد وأبي بكر

стр. 98

الأثْرَم (١). وقال الشافعي ﵀: بلْ كانَ متأكّدَ الاستحبابِ فقَطْ، وهو قولُ كثير من أصَحابنَا وغيرِهم. الحالة الثالثة: أنه لما فُرِضَ صيامُ شهرِ رمضانَ ترك النبي ﷺ أَمْرَ أصحابِه (٢) بصيام يوم عاشوراءَ وتأكيده فيه، وقد سَبَقَ حديث عائشةَ في ذلك. وفي "الصحيَحين" (٣) عن ابن عمر ﵄، قال: "صامَ النَّبيُّ ﷺ عاشوراءَ وأمَرَ بصيامِهِ، فلمّا فُرِضَ رمضانُ تركَ ذلك". وكان عبد الله لا يصومُه إلَّا أن يوافق صومَه. وفي روايةٍ لمسلم (٤): أن أهلَ الجاهلية كانوا يَصُومُونَ يومَ عاشوراءَ، وأن رسولَ الله ﷺ صامَهُ، والمسلمون، قبلَ أن يُفْرَضَ (٥) رمضانُ، فلمّا فُرِضَ افتُرِض (٦) رمضانُ، قال رسول الله ﷺ : "إن عاشُوراءَ يومٌ من أيَّامِ الله؛ فمَنْ شَاءَ صَامَهُ، ومَنْ شَاءَ تَرَكَهُ". وفي رواية (٧) له أيضًا: "فَمَنْ أحَبَّ منكم أن يَصُومَهُ فليصُمْهُ، ومَنْ كَرِهَ فَلْيَدَعْهُ". وفي "الصحيحين" (٨) أيضًا عن معاوية، قال: سمعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "هذا يومُ عاشوراءَ، ولم يَكْتُب الله عليكم صيامَهُ، وأنا صائمٌ؛ فَمَنْ شاءَ فَلْيَصُمْ، ومَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ". وفي رواية لمسَلم (٩) التَّصريحُ برفع آخرِه. وفي رواية للنسائي (١٠) أن آخره مُدْرَجٌ (١١) من قول مُعَاوِيَةَ، وليس بمرفوعٍ.

стр. 99

وفي صحيح مسلم (١)، عن ابن مسعودٍ، أنه قال في يوم عاشوراءَ: "هو يومٌ كان رسولُ الله ﷺ يصُومُه قبل أن ينزِلَ رمضانُ، فلمَّا نَزَلَ شهرُ رمضانَ تُرِكَ". وفي رواية "أنه تَرَكه" (٢). وفيه أيضًا (٣) عن جابر بن سَمُرَةَ، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يومِ عاشوراء، ويحثُّنا عليه، ويتعاهَدُنا (٤) عندَه، فلمَّا فُرِضَ رمضانُ لم يأمُرْنا ولم يَنْهَنا عنه، ولم يَتَعَاهَدْنا عنده. وخرَّج الإمامُ أحمد (٥)، والنسائي، وابنُ ماجه، من حديث قيسِ بن سَعدٍ قال: "أمرَنا رسولُ الله ﷺ بصيام عاشوراءَ قبلَ أن ينزِلَ رمضانُ، فلمَّا نَزَلَ رمضانُ لم يأمرْنا ولم ينْهَنا". وفي رواية (٦): ونحن نَفعلُه. فهذه الأحاديث كلها تدُلُّ على أن النبي ﷺ لم يُجدِّدْ أمرَ الناسِ بصيامِه بعدَ فرضِ صيام شهرِ رمضانَ، بل تركَهم على ما كانوا عليه من غير نَهْي عن صيامِه، فإن كان أمَرُه ﷺ بصيامِه قبلَ فرضِ صيام شهرِ رمضانَ للوجوبِ، فإنَّه يَنْبَني على أن الوُجوبَ إذا نُسِخَ فهلْ يبقَى الاستحبابُ أَم لا، وفيه اختلافٌ مشهورٌ بين العلماءِ. وإن كان أمرُه للاستحباب المؤكِّدِ فقد قيلَ: إنَّه زالَ التَّأكيدُ وبقي أصلُ الاستحباب، ولهذا قال قيسُ بن سَعدٍ: ونحنُ نفعَلُه. وقد رُوي (٧) عن ابن مسعود وابن عُمَرَ ﵄ مَا يَدُلُّ على أن أصلَ استحباب صيامه زالَ. وقال سعيدُ بن المسيّب: لم يَصُمْ رسولُ الله ﷺ عاشوراءَ؛ وروي عنه عن سعد (٨) بن أبي وقَّاص. والمرسلُ أصحُّ؛ قاله الدَّارَقطني. وأكثرُ العلماء على استحبابِ صيامِه من غير تأكيدٍ.

стр. 100

وممن رُوي عنه صيامُه من الصَّحابةِ عمرُ، وعلي، وعبدُ الرحمن بن عوف، وأبو موسى، وقيسُ بن سَعْدٍ، وابنُ عباس وغيرُهم. ويدُلُّ على بقاءِ استحبابِه قولُ ابن عباس (١) ﵄: "لم أرَ رسول الله ﷺ يَصُومُ يومًا (٢) يتحرَّى فَضْلَه. على الأيام إلا يومَ عاشوراءَ وشهرَ رمضانَ". وابنُ عباس إنما صحِبَ النبيَّ ﷺ بآخرة، وإنما عَقَلَ منه ﷺ ما كان من آخر أمرِه. وفي صحيح مسلم (٣)، عن أبي قَتَادَة: أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن صيام عاشوراء، فقال: "أحتسِبُ على اللهِ أن يُكفِّر السنةَ التي قبلَه". وإنَّما سألَه عن التَّطوُّعِ بصيامِه، فإنه سأله أيضًا عن صيام يوم عَرَفَةَ، وصيام الدَّهرِ، وصيامِ يومٍ وفطرِ يومٍ، وصيامِ يومٍ وفطر يومين. فعُلمَ أنَّه إنَّما سأله عن صَيام التطوُّعِ. وخرَّج الإمامُ أحمد، والنسائي (٤) من حديث حَفْصَةَ بنتِ عُمَرَ أمِّ المؤمنين ﵂: أن النبي ﷺ لم يكن يدَعُ صيامَ يوم عاشوراء والعشرِ، وثلاثةِ أيَّامٍ من كل شَهْرٍ. وخرَّجُه أبو داود (٥) إلَّا أن عنده: "عن بعضِ أزواج النبي ﷺ ، غير مُسَمَّاةٍ. الحالة الرابعة: أن النبي ﷺ عَزَمَ في آخِرِ عُمره على إلا يَصُومَه مفردًا، بل يَضُمُّ إليه يومًا آخرَ مخالفَةً لأهل الكتابِ في صيامِه. ففي صحيح مسلم (٦)، عن ابن

стр. 101

عباس ﵄ أنه قال: حين صامَ رسولُ الله ﷺ عاشوراءَ وأمَرَ بصيامِه، قالوا: يا رسولَ الله! إنه يومٌ تُعظِّمُهُ اليهودُ والنَّصارَى. فقالَ رسولُ الله ﷺ : "فإذا كان العامُ المقبِلُ - إن شاء الله - صُمْنا اليومَ التاسعَ". قال: فلم يأتِ العامُ المقبِلُ حتى توفي رسولُ الله ﷺ . وفي رواية له أيضًا (١)، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لئن بَقِيتُ إلى قابِل لأصُومَنَّ التَّاسِعَ". يعني عاشوراءَ. وخرَّجَه الطبراني (٢)، ولفظه: إنْ عِشْتُ - إن شاء الله (٣) - إلى قابِل صُمْتُ التَّاسِعَ، مخافَةَ أن يفوتني عاشوراءُ. وفي مسند الإمام أحمد (٤)، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "صُومُوا يومَ عاشوراء، وخالِفُوا اليهودَ، صُومُوا قَبْلَه يومًا وبعدَه يومًا". وجاء في روايةٍ "أو بعده". فإمَّا أن يكون "أو" (٥) للتخيير أو يكونَ شكًّا من الراوي؛ هل قالَ قبلَه أو بعدَه. وروي هذا الحديثُ بلفظٍ آخرَ وهو: "لئن بَقِيتُ (٦) لأمُرَنَّ بصيام يوم قبلَهُ ويومٍ بعدَه". يعني عاشوراء. وفي رواية أخرى "لئن بقيتُ إلى قابِل لأصُومَنَّ التاسَعَ (٧) ولآمُرنَّ بصيامِ يوم قبلَه ويوم بعدَه"، يعني عاشوراء. أخرجَهما الحافظُ أبو موسى المَدِيني (٨). وقد صحَّ هذا عن ابن عباس من قوله من رواية ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرني (٩) عطاء أنه سمعَ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ في يوم عاشوراءَ: خالِفُوا اليهودَ، وصُومُوا التَّاسِعَ والعاشِرَ (١٠). قال الإمامُ أحمدُ: أنا أذهَبُ إليه.

стр. 102

ورُوي عن ابن عباس أنَّه صام التاسعَ والعاشِرَ، وَعُلَّلَ بخشية فواتِ عاشوراء. ورَوَى ابنُ أبي ذِئبٍ، عن شعبةَ مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أنه كان يصومُ عاشوراءَ في السَّفَرِ، ويُوالي بينَ اليَوْمين؛ خشيةَ فواته. وكذلك رُوي عن أبي إسحاق أنَّه صامَ يومَ عاشوراءَ ويومًا قبلَه، ويومًا بعدَه، وقال: إنما فعلْتُ ذلك خشيةَ أنْ يفوتَنِي. وروي عن ابن سيرين أنَّه كان يَصُومُ ثلاثةَ أيام عند الاختلافِ في هلالِ الشهر احتياطًا. ورُوي عن ابن عباس، والضحَّاك، أن يومَ عاشوراءَ هو تاسع المحرَّمِ. قال ابن سيرين: كانوا لا يختلفون أنه اليومُ العاشِرُ، إلا ابن عباس، فإنه قال: إنَّه التاسعُ. وقال الإمامُ أحمد في رواية الميمُوني: لا أَدْرِي، هو التَّاسِع أو العاشِرُ، ولكنْ نصومُهما. فإن اختُلِفَ في الهلال صامَ ثلاثةَ أيام احتياطًا. وابن سيرين يقول ذلك. وممَّن رأى صيامَ التاسِع والعاشِر الشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاق. وكَرِهَ أبو حنيفةَ إفرادَ العاشر وحدَه بالصَّوْم. وروى الطبرانيُّ من حديث ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن خارجةَ بن زيدٍ، عن أَبيه، قال: ليس يومُ عاشوراء باليوم الذي يقول النَّاسُ، إنَّما كان يومًا تُسْتَرُ فيه الكَعْبَةُ وتقلِسُ (١) فيه الحَبَشَةُ عندَ النبي ﷺ . وكان يدُورُ في السنةِ، فكان الناسُ يأتون فلانًا اليهوديَّ يسألونه، فلمّا ماتَ اليهوديُّ أتوا زيدَ بن ثابتٍ فسألوه. وهذا فيه إشارة إلى أن عاشوراءَ ليس هو في المحرم، بل يُحسَبُ بحساب السَّنة الشمسيةِ، كحسابِ أهلِ الكتابِ. وهذا خلافُ ما عليه عمل المسلمينَ قديمًا وحديثًا. وفي صحيح مسلم (٢) عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يَعُدُّ من هلالِ المحرَّم، ثم يُصبِحُ يومَ التاسِعِ صائمًا. وابنُ أبي الزِّناد لا يُعْتَمَدُ على ما ينفَرِدُ به، وقد جَعَلَ الحديثَ كُلَّه عن زيدِ بن ثابتٍ، وآخرُه لا يصلُحُ أنْ يكونَ من قولِ زيدٍ، فلعلَّه مِن

стр. 103

قولِ مَن دُونَهُ، والله أعلم. وكان طائفةٌ من السَّلفِ يَصُومونَ عاشوراء في السَّفَر؛ منهم ابنُ عبَّاسٍ، وأبو إسحاقَ السَّبيعيُّ، والزُّهْريُّ. وقال: رمضانُ له عِدَّةٌ مِن أيّام أُخَرَ، وعاشوراءُ يَفوتُ. ونصَّ أحمدُ على أنه يُصامُ عاشوراءُ في السَّفَر. وروى عبدُ الرزاق في كتابه، عن إسرائيلَ، عن سِماك بن حَرْبٍ، عن مَعبد القُرشيّ، قال: كان النبي ﷺ بقُدَيْدٍ (١)، فأتاه رَجُلٌ، فقال له النبي ﷺ : أطَعِمْتَ اليومَ شيئًا؟ - ليومِ عاشوراءَ - قال: لا، إلا أنِّي شرِبْتُ ماءً، قال: فلا تَطْعَمْ شيئًا حتى تغرُبَ الشَّمسُ، وأمُرْ مَن وَرَاءَكَ أنْ يَصُومُوا هذَا اليومَ (٢). ولَعَل المأمورَ كانَ مِن أهلِ قُدَيْدٍ. ورَوَى بإسنادِهِ عن طاووس أنه كان يصُومُ عاشوراءَ في الحضر، ولا يَصُومُه في السَّفَرِ. ومِنْ أعجب ما وَرَدَ في عاشوراء أنه كان يَصُومُه الوحشُ والهَوامُّ. وقد رُوي مرفوعًا أن الصُّرَدَ (٣) أوَّلُ طير صامَ عاشوراءَ. خرجَهُ الخطيبُ في تاريخه، وإسنادُه غريبٌ. وقد رُوي ذلك عن أبي هريرةَ. ورُوي عن فتحِ بن شَخْرَف (٤)، قال: كنْتُ أفتُّ للنَّمْلِ الخبزَ كلَّ يومٍ، فلمَّا كانَ يومُ عاشوراءَ لم يأكلوه. ورُوي عن القادرِ باللهِ الخليفةِ العباسي أنَّه جرَى له مثلُ ذلك وأنه عَجبَ منه، فسأل أبا الحسن القزويني الزَّاهدَ، فذكر له أن يومَ عاشوراء تصُومُه النَّمْلُ. وروى أبو موسى المَدِيني بإسنادِه، عن قيس بن عُبَاد، قال: بلغني أن الوحشَ كانت تصومُ عاشوراءَ. وبإسنادٍ له، عن رجلٍ أتى الباديةَ في يوم عاشوراءَ، فرأى قومًا يذبَحُون ذبائحَ، فسألهم عن ذلك، فأخبروه أن الوُحوشَ صائمة، وقالوا: اذهَبْ بنا نُرِك، فذهَبُوا

стр. 104

بهِ إلى رَوضةٍ فأوقفوه. قال: فلمَّا كان بعد العصر جاءت الوحوشُ من كل وَجْهٍ، فأحاطتْ بالروْضةِ رافعةً رؤوسَها [إلى السماء] (١) ليس شيءٌ منها يأكلُ، حتى إذا غابَتِ الشمسُ أسرَعَتْ جميعًا فأكلَتْ. وبإسنادِه عن عبد الله بن عمرو، قال: بين الهند والصين أرضٌ كان بها بَطَّةٌ من نُحاسٍ، على عَمُودٍ من نحاس، فإذا كان يومُ عاشوراءَ مَدَّتْ مِنقارَها، فَيَفيضُ من مِنقارِها ماءٌ يَكفِيهم لزروعهم (٢) ومَوَاشيهم إلى العام المُقْبِلِ. ورُئِي بعضُ العلماء المتقدِّمين في المنامِ فسئل عن حاله، فقال: غُفِرَ لي بصيام عاشورَاءَ ستينَ سنةً. وفي رواية: ويوم قبلَه ويوم بعدَه. وذكر عبدُ الوهاب الخَفّافُ (٣) في كتاب الصيام، قال سعيد: قال قَتادَةُ: كان يقالُ: صَومُ عاشوراء كفارةٌ لما ضيَّع الرَّجُلُ من زكاةِ مالِه. وقد رُوي أن يومَ عاشوراء كان يومَ الزِّينةِ الذي كان فيه ميعادُ موسى لفرعونَ، وأنه كان عيدًا لهم. ويروى أن موسى ﵇ كان يلبَسُ فيه الكَتَّانَ ويكتحِلُ فيه بالإثمِدِ (٤). وكانت اليهودُ مِن أهل المدينة وخيبَر (٥) في عهد رسول الله ﷺ يتَّخِذُونه عيدًا، وكان أهلُ الجاهلية يقتَدُون بهم في ذلك، وكانوا يَسْتُرُون فيه الكَعْبَةَ. ولكنْ شَرْعُنا وَرَدَ بخلافِ ذلك. ففي "الصحيحين" (٦) عن أبي موسى، قال: كان يومُ عاشوراءَ يومًا تعظِّمُه اليهودُ وتتَّخِذُه عيدًا، فقال رسولُ الله ﷺ : "صُومُوه أَنْتُم". وفي رواية لمسلم (٧): كان أهلُ خيبَرَ يَصُومُون يومَ عاشوراءَ، يتخذُونَهُ عيدًا، ويُلْبِسُونَ نِساءَهُم فيه حُليَّهُم وشارَتَهُم (٨)، فقال رسولُ الله ﷺ : "فَصُومُوه أنتم".

стр. 105

وخرَّجه النسائي وابنُ حِبَّانَ (١)، وعندهما: "فقال رسولُ الله ﷺ : خالِفُوهم فَصُومُوه". وهذا يَدُلُّ على النهي عن اتخاذه عيدًا وعلى اسْتحباب صيامِ أعياد المشركين (٢)؛ فإن الصَّومَ يُنافي اتخاذَهُ عيدًا فيوافقون في صيامه معَ صيامِ يوم آخرَ معه، كما تقدّمَ. فإن في ذلك مخالفةً لهم في كيفيَّةِ صيامِهِ أيضًا، فلا يبقى فيه موافقةٌ لهم في شيء بالكُليَّةِ. وعلى مثل هذا يُحملُ ما خرجه الإمامُ أحمد، والنسائي، وابنُ حِبَّانَ من حديث أمِّ سلمة: أن النبيَّ ﷺ كان يصومُ يومَ السبتِ ويومَ الأحدِ أكثرَ ما يَصُومُ من الأيام، ويقولُ: "إنَّهما يوما عيدٍ للمشركين، فأنا أحِبُّ أن أخالِفَهُم" (٣). فإنه إذا صامَ اليومين معًا خرَجَ بذلك عن مُشابهَةِ اليهودِ والنصارى في تعظيم كل طائفةٍ ليومِها مُنْفرِدًا، وصيامُه فيه مخالفةٌ لهم في اتخاذِه عيدًا، ويجمعُ (٤) بذلك بين هذا الحديث وبين حديث النهي عن صيامِ يومِ السبتِ. وكلُّ ما رُوي في فضل الاكتحالِ في يومِ عاشوراءَ والاختضابِ والاغتسَالِ فيه، فموضوعٌ لا يصِحُّ. وأَمّا الصَّدَقَةُ فيه فقد رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: مَن صامَ عاشوراءَ فكأنما صام السَّنةَ، ومَنْ تصدَّقَ فيه كان كصدَقةِ السَّنةِ. أخرَجَهُ أبو موسى المَدِيني. وأمَّا التوسِعَةُ فيه على العيالِ فقال حربٌ (٥): سألْتُ أحمدَ عن الحديث الذي جاء: "مَنْ وسَّعَ على أهلِهِ يومَ عاشوراءَ" فلَمْ يَرَهُ شيئًا. وقال ابنُ منصور (٦): قلت لأحمَدَ: هل سمعتَ في الحديثِ "مَنْ وسَّعَ على أهلِه يومَ عاشوراءَ وَسَّعَ (٧) الله عليه

стр. 106

سائرَ السَّنَةِ"؟ فقال: نعم. رواه سفيان بن عُيَيْنة، عن جعفر الأحمر (١)، عن إبراهيم بن محمد بن (٢) المُنتشِر، وكان من أَفضل أهل زمانه، أنه بلَغَه أنَّه مَنْ وسَّعَ على عيالِهِ يومَ عاشوراءَ وَسَّعَ (٣) الله عليه سائرَ سنتِهِ. فقال ابنُ عُيينَة: جرَّبناه منذُ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا إلا خيرًا. وقول حَرْبٍ: "إن أَحمَد لم يَرَهُ شيئًا" إنما أرادَ به الحديثَ الذي يُروَى مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، فإنه لا يصِحُّ إسنادُهُ. وقد رُوِي من وجوهٍ متعددةٍ لا يصِحُّ منها شيءٌ (٤). ومِمَّن قال ذلك محمدُ بن عبد الله بن عبد الحكم (٥). وقال العقيلي: هو غيرُ محفوظٍ. وقد رُوِي عن عُمَرَ من قوله، وفي إسناده مجهول لا يُعْرَفُ. وأما اتخاذُهُ مأتمًا كما تفعَلُهُ الرافضَةُ لأجل قتل الحسين بن علي ﵄ فيه، فهو من عَمَلِ مَنْ ضَلَّ سعيُهُ في الحياةِ الدنيا وهو يحسَبُ أنَّه يُحْسِنُ صُنعًا، ولم يأمر الله ولا رسولُه باتخاذ أيَّامِ مصائبِ الأنبياءِ وموتهم مأتمًا، فكيف بمن دُونَهم. ومن فضائل يوم عاشوراء أنه يومٌ تاب الله فيه على قوم. وقد سبَقَ حديثُ علي الذي خرَّجه الترمذي (٦) أن النبي ﷺ قال لرجل: "إنْ كُنْتَ صائمًا شهرًا بعدَ رمضانَ فصُمِ المحرَّمَ؛ فإنَّ فيه يومًا تابَ الله فيه على قوم ويتوبُ فيه على آخرين". وقد صَحّ من حديث أبي إسحاق (٧)،

стр. 107

عن الأسود بن يزيد (١)، قال: سألتُ عبيدَ بنَ عُمَير (٢) عن صيام يوم عاشوراءَ، فقال: المحرَّمُ شَهْرُ الله الأصم، فيه يومٌ تِيبَ فيه على آدمَ، فإن اسَتطعت ألا يمرَّ بك إلَّا صُمْتَه [فافعل] (٣). كذا رُوي عن شُعبة، عن أبي إسحاقَ. ورَوَاه إسرائيلُ (٤) عن أبي إسحاقَ، ولفظه: قال: إنَّ قومًا أذْنَبُوا فتابوا فيه فتيبَ عليهم، فإن استطعتَ إلا يمر بك إلَّا وأنتَ صائمٌ فافْعَلْ. ورواه يونُس عن أبي إسحاقَ، ولفظُه، قال: إنَّ المحرَّمَ شهرُ الله، وهو رأسُ السنةِ تُكتبُ فيه الكتُبُ، ويؤرَّخُ فيه التاريخُ، وفيه تُضربُ الوَرِقُ (٥)، وفيه يومٌ تابَ فيه قومٌ فتابَ الله عليهم، فلا يمرُّ بكَ إلا صُمْتَه، يعني يومَ عاشوراء. وروى أبو موسى المَدِيني من حديث أبي موسى مرفوعًا: "هذا يومٌ تابَ اللهُ فيه على قوم، فاجعلُوه صلاةً وصومًا". يعني يومَ عاشوراءَ. وقال: حسنٌ غريبٌ، وليس كما قال. ورَوَى بإسناده عن علي، قال: يومُ عاشوراء هو اليومُ الذي تِيبَ فيه على قوم يُونُسَ. وعن ابن عباس، قال: هو اليومُ الذي تِيبَ فيه على آدمَ. وعن وَهْب أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: أنْ مُرْ قومَكَ يتقرَّبوا (٦) إليَّ في أوَّلِ عشرِ المحرمِ، فإذا كان يومُ العاشرِ فليخرجوا إليَّ حتى أغفِرَ لهم. ورَوَى عبدُ الرزاق (٧)، عن ابن جُريجٍ، عن رجلٍ، عن عِكْرِمَةَ، قال: هو يومٌ تابَ اللهُ فيه على آدمَ، يومُ عاشوراء. ورَوَى عبد الوهاب الخفَّافُ، عن سعيد، عن قَتَادَةَ، قال: كنا نتحدث أن اليومَ الذي تِيبَ فيه على آدمَ يومُ عاشوراءَ، وهبَطَ فيه آدمُ إلى الأرض يومُ عاشوراءَ.

стр. 108

وقوله ﷺ في حديث علي: "ويتُوبُ فيه على آخرِينَ" حَثَّ للنَّاسِ على تجديدِ التوبةِ النَّصُوحِ في يوم عاشوراءَ، وترجِيَةٌ لِقَبُولِ التوبةِ مِمَّن تابَ فيه إلى الله مِن ذنوبه، [تابَ الله عليه] (١)، كما تابَ فيه على مَن قبلَهم. وقد قال الله تعالى عن آدَم: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (٢). وأخبَرَ عنه وعن زَوْجِه (٣) أنهما قالا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (٤). كتب عُمَرُ بن عبد العزيز إلى الأمصار كتابًا وقال فيه: قولوا كما قال أبوكم آدم ﵇: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (٤). وقولوا كما قال نُوحٌ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ (٥). وقولوا كما قالَ موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (٦). وقولوا كما قال ذو النون (٧): ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٨). اعترافُ المُذنِب بذنبِه مَع النَّدَم عليه توبةٌ مقبولةٌ. قال الله : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٩)، وقال النبي ﷺ : "إنّ العَبْدَ إذا اعترَفَ بذنبِهِ ثمَّ تابَ تابَ الله عليه" (١٠). وفي دعاء الاستفتاحِ الذي كان النبي ﷺ يستفتحُ به: "اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إلَه

стр. 109

إلا أَنْتَ، ظَلَمْتُ نفسِي واعْتَرَفْتُ بذَنْبِي فاغْفرْ لي إنَّه لا يغفرُ الذنُوبَ إلا أَنْتَ" (١). وفي الدُّعاء الذي علَّمه النبيُّ ﷺ للصدِّيق أنْ يقولَه في صلاته: "اللهمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظلمًا كثيرًا ولا يغفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنْتَ؛ فاغفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِن عندِكَ، وارْحَمْنِي، إنكَ أنتَ الغفورُ الرَّحيمُ" (٢). وفي حديث شداد بن أوس، عن النبي ﷺ : "سيِّدُ الاستغفارِ أَنْ يقولَ العَبْدُ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلهَ إلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا على عهدِك ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعوذُ بكَ من شرِّ ما صنعتُ، أَبوءُ بنعمَتكَ عليَّ، وأبوءُ بذنبِي، فاغْفِرْ لي، إنه لا يغفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنْتَ" (٣). الاعترافُ يمحو الاقترافَ، كما قيل: فإنَّ اعْتِرَافَ المرءِ يَمْحُو اقتِرَافَهُ … كما أن إنْكارَ الذُّنُوب ذُنُوبُ لمّا أُهْبطَ (٤) آدمُ من الجنةِ بكَى على تلك المعاهد - فيما يُرْوَى - ثلاثمائة عام، وحُقَّ لهَ ذلك. كان في دَارٍ لا يجوعُ فيها ولا يَعْرَى، ولا يَظمأ فيها ولا يَضْحَى (٥)، فلمَّا نزَلَ إلى الأرضِ أصابَهُ ذلك كلُّه، فكان إذا رأى جبريلَ ﵇ يتذكَّرُ برؤيته تلك المعاهِدَ، فيشتدُّ بكاؤه حتى يبكيَ جبريلُ ﵇ لبكائِه، ويقولُ له: ما هذا البكاءُ يا آدمُ؟ فيقولُ: وكيفَ لا أبكي وقد أُخْرِجْتُ من دارِ النعمةِ إلى دار البؤسِ. فقال له بعضُ ولدِهِ: لقد آذيْتَ أهلَ الأرضِ ببكائكَ، فقال: إنما أبكي على أصواتِ الملائكةِ حولَ العرش. وفي رواية، قال: إنما أبكي على جِوار ربِّي في دارٍ تربتُها

стр. 110

طيبةٌ، أسمَعُ فيها أصواتَ الملائكةِ. وفي رواية، قال: أبكي على دارٍ لو رأيتَها لزَهقَتْ نفسُكَ شوقًا إليها. ورُوي أنه قال لولده: كُنا نَسْلًا مِن نَسْلِ السَّماءِ، خُلِقْنا كخلقِهم، وغُذِّينا بغذائهم، فسبَانا عدوُّنا إبليسُ؛ فليس لنا فرحٌ ولا راحة إلا الهَمُّ والعَنَاءُ حتى نُرَدَّ إلى الدَّارِ التي أُخْرِجْنَا منها. فحيَّ على جَنَّاتِ عَدْنٍ فإنَّها … منازِلُكَ الأولى وفيها المُخَيم ولكِننا سَبْيُ العَدُوِّ فهلْ تُرى … نَعُودُ إلى أوطانِنا ونُسَلِمُ لمَّا التقى آدمُ وموسى ﵉ عاتَبَه (١) موسى على إخراجه نفسَهُ وذريّتَه من الجنة، فاحتجَّ آدمُ بالقدَرِ السابِقِ (٢). والاحتجاج بالقَدرِ على المصائب حَسَن، كما قال النبي ﷺ : "إنْ أصابَكَ شيء فلا تَقُلْ لو أني فعلْتُ كذا كان كذا (٣)، ولكن قُلْ قَدَّرَ الله وما شاءَ فَعَلَ" (٤)، [كما قيل] (٥): واللهِ لولا سابِقُ الأقدارِ … لم تبعُدْ قَط دارُكُمْ عن دارِي مِن قَبْل النأي جرية المقدار (٦) … هل يمحو العبدُ ما قَضَاهُ البارِي لمَّا ظهرَتْ فضائلُ آدمَ ﵇ على الخلائق بسجود الملائكة له، وبتعليمه أسماء كل شيءٍ وإخبارِه الملائكةَ بها، وهم يَستمِعُون له كاستماع المتعلّم من معلِّمِه،
следующие страницы →