← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

انطلِقْ إليه؛ فإنَّه الذي كُنْتُ أحدِّثُكُمْ عنه (١). وقد رُوي ما يدُلُّ على أنَّه وُلِدَ ليلًا، وقد سَبَقَ في المجلِسِ الذي قبلَهُ مِنَ الآثارِ ما يُستَدَلُّ بِهِ لذلك. وفي "صحيح الحاكم" عن عائشةَ، قالت: كان بمكَّةَ يهودِيٌّ يتَّجِرُ فيها، فلمَّا كانتِ الليلةُ التي وُلِدَ فيها رسولُ اللهِ ﷺ ، قال: يا معشَرَ قريشٍ! هَلْ وُلِدَ فيكُم الليلَةَ مولودٌ؟ قالوا: لا نَعلَمُه، فقالَ: وُلِدَ الليلةَ نَبيُّ هذه الأمَّةِ الأخِيرةِ، بينَ كتفَيْهِ علامةٌ فيها شَعَراتٌ مُتَواتِراتٌ كأنَّهنَّ (٢) عُرْفُ فَرَسٍ، فخَرَجُوا باليهودِيِّ حتَّى أدخَلُوه على أُمِّه، فقالوا: أخرجي إلينا ابنَكِ، فأخْرَجَتْهُ، وكشَفُوا عن ظهرِه، فرأى تلكَ الشَّامَةَ، فوقَعَ اليهودِيُّ مغشيًّا عليه، فلما أفاقَ قالوا: ويلَكَ! ما لك؟ قال: ذهبَتْ واللهِ النُّبوَّةُ مِن بني إسرائيل (٣). وهذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّهُ وُلِدَ بخاتَمِ النُّبوَّةِ بين كتفَيهِ (٤). وخاتَمُ النُّبوَّةِ من علاماتِ نبوَّتِه التي كان يعرِفُه بها أهلُ الكِتابِ ويسألونَ عنها، ويطلُبُون الوُقوفَ عليها. وقد رُوي أن هِرَقْلَ بَعَثَ إلى النَّبيِّ ﷺ بتَبُوكَ (٥) مَنْ ينظُرُ له خَاتَمَ النبوَّةِ ثم يُخبرُه عنه (٦). وقد رُوِي مِن حديثِ أبي ذَرٍّ، وعُتْبَةَ بن عبدٍ (٧)، عن النَّبيِّ ﷺ ، أن المَلَكَيْنِ اللذينِ شقَّا صَدْرَهُ وملآهُ حِكْمَةً هُما اللَّذان خَتَماهُ بخاتمِ النُّبوَّةِ (٨)، وهذا يخالِفُ حديثَ عائشةَ هذا. وقد روي أنَّ هذا الخاتَم رُفِعَ مِن بَعْدِ مَوْتهِ مِن بين كتفَيهِ، ولكنْ إسنادُ هذا الحديثِ (٩) ضعيفٌ (١٠). وقد رُوِيَ في صِفَةِ ولادتِهِ آياتٌ تُسْتَغْرَبُ؛ فمنها ما رُوِيَ عن

стр. 177

آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أنَّها قالت: وَضَعْتُه فما وَقَعَ كما يقَعُ الصِّبْيَانُ، وَقَعَ واضِعًا يدَهُ على الأرضِ، رافِعًا رأسَهُ إلى السَّماءِ (١). ورُوِيَ أيضًا أنَّه قَبَضَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ بيدِهِ لمَّا وَقَعَ بالأرضِ (٢). فقالَ بعض القافَةِ (٣): إنْ صَدَقَ الفألُ (٤) ليَغْلِبَنَّ أَهْلَ الأرْضِ. وروي أنَّهُ وُضِعَ تحتَ جَفْنَةٍ (٥)، فانْفَلَقَتْ عنه، ورجَدُوه ينظُرُ إلى السَّماءِ. واختلفتِ الروايَاتُ؛ هَلْ وُلِدَ مختونًا؟ [فرُوِي أنَّه وُلِدَ مختونًا] (٦) مسرورًا، يعني مقطوعَ السُّرَّة، حتَّى قالَ الحاكم (٧): تواتَرَتِ الرواياتُ بذلك. ورُوي أن جدَّهُ خَتَنَهُ، وتوقَّفَ الإمامُ أحمدُ في ذلك. قال المرْوَزِيُّ: سُئلَ أبو عبد الله (٨): هَلْ وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ مختونًا؟ قال: الله. أعلمُ، ثمَّ قال: لا أدري. قال أبو بكر عبدُ العزيز بنُ جعفرٍ مِن أصحابِنا: قد رُوِيَ أنَّه ﷺ وُلِد مَخْتونًا مَسْرورًا. ولم يجترئ أبو عبد الله على تصحيحِ هذا الحديثِ. وأمَّا شهرُ ولادتِهِ فقد اختُلِفَ فيه، فقيل: في شهر رمضانَ، رُوِي عن عبدِ اللهِ بن عمرو بإسنادٍ لا يَصِحُّ. وقيل: في رَجبٍ، ولا يَصِحُّ. وقيل: في رَبيع الأوَّلِ، وهو المشهورُ بين النَّاسِ، حتَّى نَقَلَ ابنُ الجوزيِّ وغيرُه عليه الاتِّفاقَ، ولكنَّهُ قولُ جُمهُورِ العلماءِ. ثم اخْتَلَفُوا في أيِّ يومٍ كانَ مِنَ الشهرِ، فمنهم مَنْ قال: هو غَيْرُ مُعيَّنٍ، وإنما وُلِدَ في يومِ الاثنينِ من رَبيع [الأول] (٩) من غيرِ تعيينٍ لِعددِ ذلك اليومِ مِنَ الشهرِ. والجمهور على أنَّه يومٌ مُعيَّنٌ منه، ثم اختَلفُوا، فقيل: لِليلَتَيْن خلتا منه. وقيل: لِثمانٍ خلَتْ منه. وقيل: لِعَشْرٍ. وقيل: لاثنتي عشرة. وقيل: لِسبعَ عَشرةَ. وقيل:

стр. 178

لثماني عشرَةَ. وقيل: لثمانٍ بقينَ منه. وقيل: إنَّ هذين القولين غيرُ صحيحين عَمَّن حُكِيا عَنْه بالكُلِّيَّةِ، والمشهورُ الذي عليه الجُمهورُ أنَّهُ وُلِدَ يومَ الاثنين ثاني عشرَ رَبيع الأوَّل، وهو قولُ ابن إسحاقَ (١) وغيرِه. وأمَّا عامُ ولادتِهِ ﷺ فالأكثَرُونَ على أنَّه عامُ الفِيلِ؛ ومِمَّن قال ذلك قيسُ بنُ مَخْرَمَةَ، وَقُبَاثُ بن أَشْيَم، وابنُ عبَّاسٍ، ورُوي عنه أنَّه وُلِدَ يومَ الفيلِ، وقيل: إنَّ هذه الرواية وهمٌ، إنَّما الصحيحُ عنه أنَّه قال: عام الفيل (٢). ومِنَ العلماءِ مَن حَكَى الاتفاقَ على ذلك وقال: كلُّ قولٍ يخالِفُه وَهْمٌ. والمشهورُ أنَّه ﷺ وُلِدَ بعدَ الفيل بخمسينَ يومًا. وقيل: بعدَه بخمسٍ وخمسينَ يومًا. وقيل: بشهر. وقيل: بأربعينَ يومًا. وقد قيل: إنَّهُ وُلِدَ بعدَ الفِيلِ بعشرِ سنينَ. وقيل: بثلاثٍ وعشرين سنة. وقيل: بأربعينَ سنة. وقيل: قبلَ الفيلِ بخمسَ عشرةَ سنةً. وهذه الأقوالُ وَهْمٌ عندَ جُمهورِ العُلماء ومنها ما لا يَصحُّ عَمَّنْ حُكِيَ عنه. قال إبراهيمُ بن المُنْذِر الحِزَاميُّ (٣): الذي لا يَشُكُّ فيه أحدُ مِن علمائنا أنَّه ﷺ وُلِدَ عامَ الفيلِ. وقال خليفةُ بنُ خَيَّاطٍ: هذا هو المُجمَعُ عليه (٤). وكانت قصَّةُ الفيلِ توطِئةً لنبوَّتهِ وتقدِمَةً لِظُهورِهِ وبِعْثَتِهِ ﷺ . وقد قصَّ الله تعالى ذلك في كتابه فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٥). فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ استفهامُ تقريرٍ لِمَنْ سَمِعَ

стр. 179

هذا الخطابَ، وهذا يَدُلُّ على اشتهارِ ذلك بينَهم ومعرفتِهِم به، وأنَّه مِمَّا لا يَخْفى علمُه على (١) العرب، خصوصًا قريش (٢) وأهل مكَّةَ. وهذا أمرٌ اشتهر بينَهُم وتعارَفُوه، وقالوا فيه الأشعارَ السَّائرة. وقد قالت عائشةُ ﵂: رأيْتُ قائدَ الفِيلِ وسائسَهُ بمكَّةَ أعْمَيَيْنِ يستطعِمانِ. وفي هذه القصَّةِ ما (٣) يدُلُّ على تعظيمِ مكَّةَ، واحترامِها واحترامِ بيتِ اللهِ الذي فيها. وولادَةُ النَّبيِّ ﷺ عقيبَ (٤) ذلك تدُلُّ على نبوَّتِه ورسالته؛ فإنَّه ﷺ بُعِثَ بتعظيمِ هذا البيتِ وحجِّه والصَّلاةِ إليه، وكانَ هذا البَلدُ هو موطِنه ومولده، فاضطرَّه قومُهُ عندَ دعوتِهِم إلى الله تعالى إلى الخُروجِ منه كُرهًا بما نَالوه منه (٥) مِنَ الأذَى، ثم إنَّ الله تعالى ظَفَّرَهُ بهم، وأدخَلَهُ عليهم قهرًا، فملَكَ البلَدَ عَنْوةً، وملَك رِقابَ أهلِهِ، ثمَّ مَنَّ عليهم وأطلقَهم وعَفا عنهم، فكانَ في تسليطِ نبيِّه ﷺ على هذا البلدِ وتمليكِهِ إيَّاه ولأمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ما دَلَّ على صِحَّةِ نبوَّتِهِ، فإنَّ الله حَبَسَ عنه مَن يُريدُه بالأَذَى وأهلَكَهُ، ثم سَلَّطَ عليه رَسُولَهُ وأمَّتَهُ كما قال ﷺ : "إنَّ الله حَبَسَ عن مَكَّةَ الفِيلَ وسَلَّطَ عليها رَسُولَهُ والمؤمنين" (٦). فإنَّ الرسولَ ﷺ وأُمَّتَه إنَّما [كان] (٧) قصدُهم تعظيمَ البيتِ وتكريمَهُ واحترامَهُ، ولهذا أنكَرَ النَّبيُّ ﷺ يومَ الفَتْحِ على مَنْ قال (٨): اليومَ تُستحلُّ الكَعْبَةُ، وقال: "اليوم تُعظَّمُ الكَعْبةُ (٩) " (١٠). وقد كان أهلُ الجاهلية غيَّروا دِين إبراهيمَ وإسماعيل بما ابتَدَعوه

стр. 180

مِنَ الشِّرْكِ وتغييرِ بعضِ مناسِكِ الحجِّ، فسَلَّطَ الله رَسُولَهُ وأُمَّتَه على مَكَّةَ فطهَّرُوها مِن ذلك كلِّه، وردُّوا الأمرَ إلى دِينِ إبراهيمَ الحنيفِ، وهو الذي دَعَا لهم مع ابنه إسماعيلَ عند بناءِ البيت أن يبعثَ الله (١) فيهم رَسُولًا منهم يتلُو عليهم آياتِهِ ويُزكِّيهم ويعلِّمُهم الكِتَابَ والحِكْمَةَ (٢)، فبعَثَ الله فيهم محمَّدًا ﷺ مِن ولَدِ إسماعيلَ بهذه الصِّفَةِ، فطهَّرَ البيتَ وما حَوْلَه مِنَ الشِّرْكِ، وَرَدَّ الأمْرَ إلى دِين إبراهيمَ الحنيفِ، والتوحيدِ الذي لأجلِهِ بُنِيَ البيتُ، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٣). وأمَّا تسليطُ القَرامِطَةِ (٤) على البيتِ بعد ذلك، فإنَّما كانَ عُقُوبَةً بسبب ذُنُوبِ النَّاسِ، ولم يصِلُوا إلى هَدْمِهِ ونَقْضِهِ وَمَنْعِ النَّاس مِن حَجِّهِ وزيارتِهِ، كما كَان يَفعَلُ أصحابُ الفيلِ لو قَدَرُوا على هَدْمِهِ وصَرْفِ النَّاسِ عن حَجِّهِ. والقرامِطَةُ أخَذُوا الحَجَرَ والبَابَ، وقَتَلوا الحاجَّ وسَلَبُوهم أموالَهم، ولم يتمكَّنُوا مِن منعِ النَّاسِ من حجِّهِ بالكُلِّيَّةِ، ولا قَدَرُوا على هَدْمِهِ بالكُلِّيَّةِ، كما كانَ أصحابُ الفِيلِ يقصِدُونَهُ. ثم أَذَلَّهم الله بعدَ ذلكَ وخَذَلَهم وهَتَكَ أستَارَهُم، وكَشَفَ أسرَارَهُم. والبيتُ المُعظَّمُ باقٍ على حالِهِ مِنَ التَّعظيمِ، والزِّيارةِ، والحَجِّ، والاعتِمارِ، والصَّلاة إليه، لم يَبْطُلْ شيءٌ مِن ذلك عنه بحمد الله ومَنِّهِ. وغايةُ أَمرِهِم أنَّهم أخافُوا حاجَّ (٥) العِراقِ حتَّى انقطَعُوا بعضَ السِّنين، ثم عادُوا. ولم يَزلِ الله يمتحِنُ عبادَهُ

стр. 181

المؤمنينَ بما يشاءُ مِن المِحَن، ولكن دِينه قائمٌ محفوظٌ لا يَزالُ تقومُ بهِ أُمَّةٌ مِن أُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ لا يضرُّهُم مَنْ خذَلهم حتَّى يَأتيَ أَمْرُ اللهِ وهُمْ على ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١). وقد أخبرَ النَّبيُّ ﷺ أن هذا البيتَ يُحَجُّ ويُعْتَمَرُ بَعْدَ خُرُوجِ يأجوجَ ومأجُوجَ (٢)، ولَا يزالُ كذلك حتَّى تُخرِّبَهُ الحَبَشَةُ (٣)، ويُلْقُونَ حِجَارَتَهُ في البحرِ، وذلك بعدَ أنْ يَبْعَثَ الله ريحًا طيِّبةً تَقْبِضُ أرواحَ المؤمنينَ كلِّهم، فلا يَبْقى في (٤) الأرضِ مؤمنٌ (٥). ويُسْرَى بالقرآنِ مِن الصُّدُورِ والمصاحِفِ، فلا يَبْقَى في الأرضِ قرآنٌ، ولا إيمانٌ، ولا شيء مِن الخير (٦). فبعدَ ذلك تقومُ السَّاعةُ، ولا تقومُ إلَّا علَى شِرارِ النَّاسِ (٧). وقولُه ﷺ : "ويوم أنزلت عليَّ فيه النُّبوَّة"، يعني أنَّه ﷺ نُبِّئَ يومَ الاثنين. وفي "المسند" عن ابن عبَّاسٍ، قال: وُلِدَ النَّبيُّ ﷺ يومَ الاثنينِ، واسْتُنْبِئَ يومَ الاثنينِ، وخَرَجَ مُهَاجِرًا مِن مَكةَ إلى المدينة يومَ الاثنين، وَدَخَلَ المدينةَ يومَ الاثنين، وتُوفِّي يومَ الاثنين، وَرَفَعَ الحَجَرَ الأسودَ يومَ الاثنين (٨). وذكر ابنُ إسحاقَ (٩) أنَّ النُّبوَّة نَزَلَتْ يومَ الجمعةِ، وحديثُ أبي قَتَادَةَ (١٠) يَرُدُّ هذا. واختلفوا في أيِّ شهرٍ كان ابتداءُ النُّبوَّةِ؟ فقيل: في رمضان. وقيل: في رجَبٍ، ولا يصِحُّ. وقيل: في ربيع الأوَّل. وقيل: إنه نُبِّئَ يومَ الاثنين لثمانٍ مِن ربيع الأوَّل.

стр. 182

وأمَّا الإِسْرَاءُ، فقيل: كان في رجَبَ، وضَعَّفَهُ غيرُ واحدٍ. وقيل: كانَ في ربيعٍ الأوَّل، وهو قولُ إبراهيمَ الحَربيّ (١) وغيرِه. وأمَّا دخولُه المدينة ووفاتُه ﷺ فكانا في رَبيع الأوَّل بغيرِ خِلافٍ، مع الاختلاف (٢) في تعيينِ ذلك اليومِ مِن أيَّامِ الشهرِ. وفي قولِ النَّبيِّ ﷺ لمَّا سُئِلَ عن صيام يوم الاثنين: "ذاكَ يومٌ وُلِدْتُ فيه، وأُنْزِلَتْ عليَّ فيه النُّبوَّةُ"، إشارة إلى استِحبابِ صَيامِ الأيَّامِ التي تتجدَّدُ فيها نِعمُ اللهِ على عبادِهِ. فإنَّ أعظمَ نِعَمِ اللهِ على هذه الأمَّةِ إظهارُ محمدٍ ﷺ لهم وبِعثتُهُ وإرسالُهُ إليهم، كما قالَ تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣). فإنَّ النِّعْمَةَ على الأُمَّةِ بإرساله أعظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عليهم بإيجادِ السَّماءِ، والأرضِ، والشَّمسِ، والقَمَرِ، والرِّياحِ، والليلِ، والنَّهارِ، وإنزالِ المطرِ، وإخراجِ النباتِ، وغيرِ ذلكَ؛ فإنَّ هذه النِّعمة كلَّها قد عَمَّتْ خَلْقًا مِن بني آدَمَ كَفَرُوا باللهِ وبرُسُلِهِ وبلقائِهِ، فبدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كفرًا. وأمَّا النِّعْمَةُ بإرسالِ محمدٍ ﷺ ، فإنَّ بها تمَّتْ مصالِحُ الدُّنيا والآخرة، وكَمُلَ بسببها دِينُ اللهِ الذي رَضِيَهُ لِعبادِهِ، وكان قبولُه سَبَبَ سعادتِهم في دُنياهُم وآخرتهِم، فصيامُ يومٍ تجدَّدَتْ فيه هذه النِّعَمُ مِنَ اللهِ على عبادِهِ المؤمنينَ حَسَنٌ جَمِيلٌ، وهو من بَاب مقابلةِ النِّعمِ في أوقاتِ تجدُّدِها بالشكرِ. ونظيرُ هذا صيامُ يومِ عاشوراءَ حَيثُ أنجَى الله فيه نوحًا مِنَ الغَرَقِ، ونَجَّى فيه موسى وقَوْمَهُ مِن فرعونَ وجنودِهِ، وأغرقَهُمْ في اليمِّ (٤)، فصامَهُ نوحٌ وموسى شكرًا لله، فصامَهُ رسولُ اللهِ ﷺ متابَعَةً لأنبياءِ الله،

стр. 183

وقال لليهود: "نحنُ أَحَقُّ بموسَى منكُم"، فَصَامَه (١) وأَمَرَ بصِيامِهِ (٢). وقد رُوِي أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يتحرَّى صيامَ يومِ الاثنين ويومِ الخميس، رُوِي ذلك عنه مِن حديثِ عائشةَ، وأبي هُرَيْرَة، وأسامةَ بن زيد (٣). وفي حديث أُسامَةَ أَنَّه سأَلَهُ عن ذلك، فقال ﷺ : "إنهما يومان تُعْرَضُ فيهما الأعمالُ على رَبِّ العالمين، فأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وأنا صائم" (٤). وفي حديثِ أبي هريرة، أنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال: "إنَّه يُغْفَرُ فيهما لِكُلِّ مسلمٍ، إلَّا مُهْتَجِرَيْنِ (٥)، يقولُ: دَعْهُما حتَّى يَصْطَلِحا" (٦). وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "تُفتح أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنين والخميسِ، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا، إلَّا رجلٌ كانَتْ بينَهُ وبينَ أخيهِ شحناءُ، فيقالُ: أَنظِرُوا (٧) هذين حتَّى يَصْطَلِحا" (٨). ويُروَى مِن حديث أبي أمَامَةَ (٩) مرفوعًا: "تُرْفعُ الأعمالُ يومَ الاثنين والخميسِ، فَيُغْفَرُ للمستغفِرينَ، ويُتْرَكُ أهلُ الحِقْدِ (١٠) بحقدِهِم" (١١). وفي "المسند" عن أبي هريرة،

стр. 184

عن النَّبيِّ ﷺ : "إِنَّ أعمالَ بنِي آدَمَ تُعْرَضُ على [الله ﵎ عشية، كلِّ خميسٍ ليلةَ الجُمعةِ، فلا يُقْبَلُ عَمَلُ قاطِعِ رَحِمٍ" (١). كان بعضُ التابعينَ يَبْكِي إلى امرأتِهِ يومَ الخميس وتبكِي إليه، ويقول: اليومَ تُعْرَضُ أعمَالُنا على اللهِ، . يا من يُبَهْرِجُ بعملِهِ، على مَنْ تُبَهْرِجُ، والناقِدُ بَصيرٌ؟. يا مَنْ يُسوِّفُ بتطويلِ أَمَلِهِ، إلى كمْ تسوِّفُ والعُمُرُ قصير؟. صُرُوفُ الحَتْفِ مُتْرَعَةُ الكُؤوسِ (٢) … تُدارُ (٣) على الرَّعَايا والرُّؤوسِ فلا تَتْبَعْ هَواكَ فكُلُّ شَخْصٍ … يَصِيرُ إلى بلىً وإلَى دُرُوسِ (٤) وَخَفْ مِن هَوْلِ يَوْمٍ قَمْطَريرِ (٥) … مَخُوفٍ شَرُّهُ ضنْكٍ عَبُوسِ فمالَكَ غَيْرُ تَقوَى اللهِ زادًا (٦) … وفِعْلُكَ حِينَ تُقْبرُ مِن أَنِيسِ فَحَسِّنْهُ لِيُعْرَضَ مُستقيمًا … فَفِي الاثنينِ يُعرَضُ والخميسِ * * * المجلس الثالث في ذكر وفاة النبي ﷺ - خرَّجا (٧) في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدريِّ ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ جَلَسَ على المنْبرِ، فقال: "إنَّ عَبْدًا خيَّرَهُ اللهُ بينَ أنْ يؤتيَهُ مِنْ زَهْرَة الدُّنيا ما شاءَ، وبينَ ما عندَهُ، فاخْتَارَ ما عندَه". فبكَى أبو بكر [وبَكَى] (٨)، وقال: يا رسول اللهِ،

стр. 185

فديناكَ بآبائِنا وأمَّهاتنا، [قال: فعجِبْنا، وقال النَّاسُ: انظُروا إلى هذا الشيخِ! يُخبِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عن عبدٍ خيَّرَهُ الله بينَ أنْ يؤتيَهُ بن زَهْرَةِ الدُّنيا ما شَاءَ، وبينَ ما عندَ اللهِ، وهو يقول: فديناكَ بآبائنا وأُمَّهَاتِنا] (١). قال: فكان رَسُولُ اللهِ ﷺ هو المخيَّرُ، وكان أبو بكرٍ هو أعلمنا بهِ. فقال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ مِن أمنِّ النَّاسِ عليَّ في صُحبتِهِ ومالِهِ أبوبكرٍ، ولو كُنْتُ متَّخِذًا مِن أهلِ الأَرْض خليلًا لاتَّخذْتُ أبا بكرٍ خليلًا، ولكنْ أُخوَّةُ الإِسلام، لا تَبْقَى في المَسْجِدِ خوْخَةٌ إلَّا سُدَّتْ، إلَّا خَوْخَة أبي بكرٍ، ﵁" (٢). اعلم أن (٣) الموتَ مكتوبٌ على كل حيٍّ مِن الأنبياء والرُّسلِ وغيرِهم. قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٤). وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٥) الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٦) [الآيتين] (٧)، [إلى قوله: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾] (٨). خَلَقَ الله تعالى آدَمَ مِن تُراب الأرْضِ، ونَفَخَ فيه مِن رُوحِهِ، فكانَتْ رُوحُهُ فِي جَسَدِه وأرواحُ ذريَّتِهِ في أجسادِهِمِ في هذهِ الدَّارِ عارِيَّةً (٩)، وقضَى عليه وعَلَى ذريَّتِه أنَّه لا بُدَّ مِن (١٠) أن يَسْتَرِدَّ أرواحَهُم مِن هذه الأجْسَادِ، ويُعِيدَ أَجْسَادَهُم إلى ما خُلِقَتْ منه، وهو التُّرابُ، ووعَدَ أنْ يُعيدَ الأَجسادَ مِنَ الأرْضِ مَرَّةً ثانيةً، ثُمَّ يردَّ إليها الأرواحَ مرَّةً ثانيةً تمليكًا دائمًا لا رَجْعَةَ فيه في دارِ البَقَاءِ.

стр. 186

قال الله تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (٣). وأرانا دليلًا في هذه الدارِ على إعادةِ الأجسادِ مِنَ التراب بإنباتِ الزَّرْعِ مِنَ الأرضِ، وإحياءِ الأرض بعدَ مَوْتهَا بالمطرِ، ودَليلًا على إعادةِ الأرواحِ إلى أجسادِها (٤) بعدَ المفارقةِ بقَبْضِ أرواحِ العِبادِ في مَنامِهِم، وَرَدِّهَا إليهم في يَقَظتِهم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥). وفي "مسند البزار"، عن أنس، أن النَّبيَّ ﷺ قال لهم لمَّا ناموا عَنِ الصَّلاةِ: " [أَيها النَّاس] (٦)، إنَّ هَذِهِ الأَرْوَاحَ عَارِيَّةٌ في أجْسَادِ العِبادِ فيقبضُها إذا شاء ويُرْسِلُها إذا شاءَ" (٧). استعِدِّي للموت (٨) يا نفسُ واسْعَيْ … لِنَجَاةٍ فالحازِمُ المُسْتَعِدُّ قَدْ تَيَقَّنْتُ أَنَّه لَيْسَ لِلْحَيِّ … خُلودٌ ولا مِنَ المَوْتِ بُدُّ إنَّما أَنْتِ مُسْتَعِيرَةٌ ما سَوْ … فَ تَرُدِّينَ والعوارِي تُرَدّ غيرُه: فمَا أَهْلُ الحَياةِ لَنَا بأهْلٍ … ولا دَارُ الفَنَاءِ (٩) لَنَا بِدارِ وَمَا أَمْوَالُنا والأهْلُ فيها … ولا أولادُنا إلَّا عَوَارِي وأنفُسُنا إلى أَجَلٍ قريبٍ … سيأخُذُها المُعِيرُ مِنَ المُعارِ

стр. 187

مفارقَةُ الجَسَدِ للرُّوحِ لا تَقَعُ إلَّا بعدَ ألمٍ عظيم تذُوقُه الرُّوحُ والجَسَدُ جميعًا، فإنَّ الرُّوح قد تعلَّقَتْ بهذا الجَسَدِ وأَلِفَتْهُ، واشتدَّتْ أُلفتُها له وامتزاجُها به ودُخُولُها فيه (١)، حتَّى صارا كالشيءِ الواحِدِ، فلا يَتَفَارقانِ إلَّا بجُهدٍ شديدٍ وألمٍ عظيمٍ، ولم يذق (٢) ابنُ آدَمَ في حياتِه ألمًا مثلَه، وإلى ذلك الإِشارَةُ بقولِ اللهِ : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٣). قَالَ الرَّبِيْعُ بن خُثَيْم (٤): أكثِرُوا مِن (٥) ذِكرِ هذا الموتِ؛ فإنَّكُم لم تَذُوقوا قبلَه مثلَه. ويتزايدُ الألمُ بمعرفةِ المحتضرِ بأنَّ (٦) جسَدَهُ إذا فَارقَتْه الرُّوحُ صارَ جِيفةً مستقذَرَةً يأكُلُه الهوامُّ (٧)، ويبلِيه التُّرابُ حتَّى يعودَ (٨) ترابًا، وأنَّ الرُّوحَ المفارِقةَ له لا تَدرِي أينَ مُسْتَقرُّها، هَلْ هو في الجنَّةِ أو النَّارِ؟ فإن كان عاصيًا مُصِرًّا على المعصيةِ إلى الموتِ، فربَّما غَلَبَ على ظَنِّه أن روحَهُ تَصِيرُ إلى النَّارِ، فتتضَاعَفُ بذلك حَسْرَتُه وألمُه، ورُبَّما كُشِفَ له مَعَ ذلك عَنْ مَقْعَدِهِ مِنَ النَّارِ فيرَاهُ (٩) أو يُبَشَّرُ بذلك، فيجتمعُ له مَعَ كَرْب الموتِ وألمِه العظيمِ مَعْرفتُه بسوءِ مَصِيرِه، وهذا هُوَ المرادُ بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ (١٠) على ما فسَّره (١١) كثيرٌ مِن السَّلَفِ (١٢)، فيجتمعُ عليه سَكْرة الموتِ مَعَ حَسْرةِ الفَوْتِ، لا تسألْ عن سُوءِ حالِهِ. وقد سمَّى اللهُ تعالى ذلك سَكْرَةً؛ لأنَّ ألَم المَوْتِ مَعَ ما يَنْضمُّ إليه يُسْكِرُ صاحبَهُ فيَغيبُ عقلُه غالبًا، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (١٣). أَلا لِلْمَوْتِ كأسٌ أيُّ كَأْسِ … وأَنْتَ لِكأسِهِ لابُدَّ حاسِي إلى كَمْ والمَماتُ إلى قَريبٍ … تُذَكَّرُ بالمَمَاتِ وأنتَ ناسِي

стр. 188

وقد أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بكثرَةِ ذِكْرِ الموتِ، فقال: "أكثِرُوا ذِكْرَ هادِمِ اللَّذَّاتِ، [يعني] الموتَ (١) " (٢). وفي حديثٍ مرسَلٍ أنَّه ﷺ مَرَّ بمجلِسٍ قد اسْتَعْلَاهُ الضَّحِكُ، فقال: "شُوبُوا (٣) مَجْلِسَكُم بِذِكْرِ مُكَدِّر اللَّذَّات" الموت (٤). وفي الإِكثارِ مِنْ ذِكْرِ المَوْتِ فوائدُ؟ منها: أَنَّه يَحُثُّ علَى الاسَتِعدادِ لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، ويُقَصِّرُ الأمَلَ، ويُرضِي بالقليلِ مِنَ الرِّزِقِ، ويُزهِّدُ في الدُّنيا، ويُرغِّبُ في الآخرة، ويُهَوِّنُ مَصَائبَ الدُّنيا، ويمنَعُ مِن الأَشَرِ والبَطَرِ والتَّوسُّعِ في لَذَّات الدُّنْيا. وفي حديث أبي ذرٍّ المرفوع الذي خرَّجه ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" وغيرُه: "أن صُحفَ مُوسَى ﵇ كانَتْ عِبَرًا كلُّها (٥): عَجبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بالموتِ كيفَ يَفْرَحُ! عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بالنَّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ! عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بالقَدَرِ كَيْفَ يَنْصَبُ (٦)! عجِبْتُ لِمَنْ رَأَى الدُّنيا وسُرْعَةَ تقلُّبِها بأهلِها كيفَ يطمئِنُّ إليها! " (٧). وقد رُوِي أنَّ الكَنْزَ الذي كانَ للغلامَيْنِ (٨) كان لوحًا من ذَهَبٍ مكتوب فيه هذا أيضًا. قال الحسن (٩): إنَّ هذا الموتَ قد أفسَدَ على أهلِ النَّعِيم نعيمَهُم، فالْتَمِسُوا

стр. 189

عَيْشًا لا مَوْتَ فِيهِ. وقال: فَضَحَ المَوْتُ الدنيا فلَمْ يَدَعْ لِذِي لُبٍّ بها فرحًا. وقال غيرُه: ذَهَبَ ذِكْرُ المَوْتِ بِلَذَاذَةِ كُلِّ عَيْشٍ، وسُرورِ كُلِّ نعيمٍ، ثم بَكَى. وقال: واهًا لدارٍ لا مَوْتَ فيها. اذْكُرِ المَوْتَ هاذِمَ اللَّذَّاتِ … وتهيَّأْ لِمَصْرَعٍ سَوْفَ ياتِي غيره (١): يا غَافِلَ القَلْبِ عَنْ ذِكْرِ المَنيَّاتِ … عَمَّا قَلِيلٍ سَتُلْقَى بَينَ أَمْوَاتِ فاذْكُرْ مَحَلَّكَ مِن قبلِ الحُلُولِ بِهِ … وَتُبْ إلى اللهِ مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ إنَّ الحِمَامَ (٢) لَهُ وَقْتٌ إلى أجَلٍ … فاذْكُرْ مَصَائِبَ أيَّامٍ وَسَاعاتِ لا تَطمئِنَّ إلى الدُّنيا وَزينتِها … قَدْ آنَ لِلْمَوْتِ يا ذا اللُّبِّ أنْ ياتِي قال بعضُ السَّلفِ: شيئانِ قَطَعا عَنِّي لذاذةَ الدنيا (٣)؛ ذِكْرُ المَوْتِ، والوُقُوفُ بينَ يَدَي اللهِ . وكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَن كانَ مُوقنًا … بأنَّ المَنَايا بَغْتَةً سَتُعاجِلُهْ وكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ كَانَ مُوقِنًا … بأنَّ إلهَ العَرْشِ (٤) لابُدَّ سائِلُهْ قال أبو الدَّرداء: كَفَى بالموتِ واعظًا، وكَفَى بالدَّهْرِ مُفرِّقًا، اليومَ في الدُّور، وغدًا في القُبُورِ. اذْكُرِ المَوْتَ ولازِمْ (٥) ذِكْرَهُ … إنَّ في الموتِ لِذِي اللُّبِّ عِبَرْ وكَفَى بالموتِ فاعْلَمْ واعِظًا … لِمَنِ المَوْتُ عليه قَدْ قُدِرْ غَفلةُ الإِنسانِ عن الموتِ مَعَ أنَّه لا بُدَّ له منه مِن العَجَب. والمُوجِبُ لها (٦) طولُ الأَمَلَ (٧):

стр. 190

كُلُّنا في غَفْلَةٍ والمَوْتُ … يَغْدُو وَيرُوحُ لِبَني الدُّنيا مِنَ المَوْتِ … غَبُوقٌ وصَبُوحُ (١) سَيَصِيرُ المرءُ يَوْمًا … جَسَدًا ما فِيهِ رُوحُ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ حَيٍّ … عَلَمُ المَوْتِ يَلُوحُ نُحْ عَلَى نَفْسِكَ يا … مِسْكِينُ إنْ كُنْتَ تَنُوحُ لَتَمُوتَنَّ وَلَو … عُمِّرْتَ ما عُمِّرَ نُوحُ لمَّا كانَ الموتُ مَكْرُوهًا بالطَّبعِ، لِما فيه مِنَ الشِّدَّةِ والمشقَّةِ العظيمةِ، لم يَمُتْ نَبِيٌّ مِنَ الأنبياءِ حتَّى يُخيَّرَ، ولذلك وَقَعَ التردُّدُ فيه (٢) في حَقِّ المؤمن، كما في حديثِ أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "يقول الله : ومَا تَردَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُه، ترددِي في قَبْضِ نَفْسِ عَبدِي المؤمنِ، يكرَهُ المَوْتَ وأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ" (٣)، ولابُدَّ لَهُ منه [كما رواه البخاري] (٤). قال ابنُ أبي مُلَيْكَةَ: لمَّا قُبضَ إبراهيمُ ﵇ قال الله : كَيفَ وَجَدْتَ المَوْتَ؟ قال: يا رب، كأن نفسِي تُنْزَعُ بالسَّلى (٥)، فقال: هذا وقَدْ هَوَّنَّا عليكَ المَوْتَ! وقال أبو إسحاق: قيلَ لموسى ﵇: كيفَ وجدْتَ طَعْمَ المَوْتِ؟ قال: وجَدْتُه كسُفُودٍ (٦) أُدْخِلَ في صُوفٍ فاجتُذِبَ. قال: هذا وقد هوَّنَّا عليكَ المَوْتَ. ويُروى أنَّ عيسى ﵇ كان إذا ذكرَ الموت يقطُرُ جِلدُه دمًا، وكان يقولُ للحواريِّين: ادعُوا الله أنْ يخفِّفَ عَنِّي الموتَ، فلقَدْ خِفْتُ المَوْتَ خوفًا أوقعني (٧) مخافَة الموتِ على المَوْتِ.

стр. 191

كيفَ يطمَعُ في البقاءِ وما مِن نبيٍّ (١) من الأنبياءِ إلَّا ماتَ! أمْ كيفَ يؤمَنُ هُجومُ المنايا ولَم يسلَمِ الأصْفِياءُ والأحباءُ (٢)! هيهاتَ هيهاتَ!!. قَدْ ماتَ كُلُّ نَبِيٍّ … وَماتَ كُلُّ نَبِيه (٣) وَماتَ كُلُّ شَرِيفٍ … وَعاقِلٍ وَسَفِيهِ لا يُوحِشَنْكَ طَرِيقٌ … كُلُّ الخلاِئقِ فِيهِ أوَّلُ ما أُعلِمَ النَّبيُّ ﷺ مِن انقضاءِ عُمُرِه باقتِراب أجلِهِ بنزولِ سورةِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٤). [وقيل لابن عباس ﵄: هل كانَ يعلمُ رسولُ اللهِ ﷺ متى يموتُ؟ قال: نعم. قيل: ومِن أينَ؟ قال: إنَّ الله تعالى جَعَلَ علامَةَ مَوْتهِ في هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يعني فتحَ مكَّةَ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ ذلك عَلامَةُ موتِهِ، وقد كان نَعَى نفسَهُ إلى فاطِمةَ، ﵍] (٥). فإنَّ المرادَ مِن هذِه السُّورةِ أنَّكَ يا محمَّدُ، إذا فَتَحَ الله عليكَ البِلادَ، ودَخَلَ النَّاسُ في دِينِكَ الذي دعوتَهم إليه أفواجًا فقد اقتَرَب أجلُكَ، فتهيَّأْ للقائِنا بالتَّحميدِ والاستِغفارِ، فإنَّه قد حَصَلَ مِنكَ مَقصُودُ ما أُمِرْتَ بِهِ مِن أداءِ الرِّسالةِ والتَّبليغ، وما عندنا خيرٌ لكَ مِن الدُّنيا، فاستَعِدَّ للنُّقلَةِ إلينا. قال ابنُ عبَّاسٍ: لمَّا نزلَتْ هذه السورةُ نُعِيَتْ لرسولِ اللهِ ﷺ نفسُهُ، فأخَذَ في أشدّ ما كان اجتهادًا في أَمْرِ الآخِرةِ. ورُوِي في حديثٍ أنَّه تعبَّدَ حتَّى صارَ كالشَّنِّ (٦) البالي، وكان يَعْرِضُ القرآنَ كلَّ عامٍ على جِبريلَ مَرَّةً، فعرَضَهُ ذلك العامَ مَرَّتينِ، وكان يعتكِفُ العشرَ الأواخِرَ مِن رَمَضانَ كلَّ عام، فاعتَكَفَ في ذلك العام (٧) عشرين، وأكثَرَ مِنَ الذِّكْرِ والاستِغفارِ. قالت أمُّ سَلمَةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ في آخِرِ أمرِهِ لا يَقُومُ ولا يقعُدُ ولا يذهَبُ ولا يَجِيءُ إلَّا قال: "سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ". فذكرْتُ ذلك له، فقال: "إنِّي أُمِرْتُ بذلك" وتلا هذه السُّورةَ. وقالت عائشةُ ﵂: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يقولَ قبلَ

стр. 192

موتهِ: "سبحانَ الله وبحمدِه، أستغفِرُ الله وأتوبُ إليه". فقلْتُ لَهُ: إنَّك تَدعُو بدعاءٍ لَمْ تَكُنْ تَدعُو بهِ قَبْلَ اليوم، قال: "إنَّ رَبِّي أخْبَرنِي أَنِّي سَأرى عَلَمًا في أمَّتِي، وأنِّي إذا رأيتُه أَنْ أسبِّحَ بِحَمْدِهِ وَأستغفِرَه، وقد رأيتُه". ثمّ تلا هذه السورةَ. إذا كان سيِّدُ المُحسِنينَ يُؤمَرُ بأن يختِمَ أعمالَهُ بالحُسْنى، فكيفَ يكونُ حالُ المُذْنِب المسيءِ المتلوِّثِ بالذُّنوب المحتاجِ إلى التَّطهيرِ؟. من لم يُنْذِرْهُ باقترابِ أجلِهِ وحْيٌ، أنذَرَه الشَّيبُ (١) وَسَلْبُ أقرَانِهِ بالموتِ. كَفَى مُؤْذِنًا باقْتِراب الأجَلْ (٢) … شَبَابٌ تَوَلَّى وَشَيْبٌ نَزَلْ وَمَوْتُ اللَّذَاذَةِ هَلْ (٣) بَعْدَهُ … بَقَاءَ يُؤمِّلُهُ مَنْ عَقَلْ إذا ارْتَحَلَتْ قُرَناءُ الفَتَى … عَلَى حُكْمِ رَيْبِ المَنُونِ ارْتَحَلْ قال وُهَيْب (٤) بنُ الوَرد: إنَّ لِلَّه مَلَكًا يُنادِي في السَّماءِ كُلَّ يَومٍ وليلةٍ أبناءَ الخمسينَ: زَرْعٌ دَنَا حصادُهُ، أبناءَ الستينَ: هَلمُّوا إلى الحساب؛ أبناءَ السبعينَ: ماذا قدَّمْتُم، وماذا أخَّرْتُم؟ أبناءَ الثمانين: لا عُذْرَ لَكُمْ. وعن وهب (٥)، قال: ينادِي منادٍ: أبناءَ الستينَ! عُدُّوا أنفسَكُم في الموتى. وفي "صحيح البخاري"، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أَعْذَرَ الله إلى امرئٍ أخَّر أجلَهُ حتَّى بَلَغَ ستين سنة" (٦). وفي حديثٍ آخَرَ: "إذا كان يومُ القيامةِ نودِيَ: أينَ أبناءُ السِّتينَ؟ وهو العُمُر الذي قال الله تعالى فيه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ (٧) " (٨). وفي [حديثٍ آخَرَ عند] (٩) الترمذي عنه ﷺ ، قال:

стр. 193

"أعمارُ أُمَّتِي ما بين السِّتينَ إلى السَّبعينَ، وأقلُّهُم مَن يَجُوزُ ذلك (١) " (٢). [وفي حديثٍ آخَرَ: "مُعْترَك المَنَايا ما بَينَ السِّتينَ إلى السَّبعين"] (٣). وفي حديثٍ آخَرَ: "إنَّ لِكُلِّ شَيءٍ حصادًا، وحَصَادُ أُمَّتي ما بينَ السَّتينَ إلى السَّبعينَ" (٤). وفي هذا المعتركِ قبِضَ رسولُ اللهِ ﷺ . قال سفيان الثوريُّ: مَنْ بَلَغَ سِنَّ رَسُولِ الله ﷺ فليتَّخِذْ لِنَفْسِهِ كَفَنًا. وإنَّ امْرَأً قَدْ سَارَ سِتِّينَ حجَّةً … إلى مَنْهلٍ مِن وُردِهِ لَقَرِيبُ قال الفضيلُ لرجلٍ: كم أتَى عليكَ؟ قال: ستونَ سَنَةً. قال له: أنتَ منذُ ستينَ سنةً تسير إلى رَبِّكَ، يُوشِكُ أنْ تبلُغَ، فقال الرجل: إنَّا لله وإنا إليه راجعونَ، فقال فُضَيل: مَنْ عَلِمَ أنَّه للهِ عَبْدٌ وأنَّه إليه رَاجِعٌ، فَلْيَعْلَمْ أنَّه موقوفٌ، وأنَّه مَسْؤُولٌ، فليُعِدَّ للمسألةِ جَوابًا، فقال له الرَّجُلُ: فما الحيلَةُ؟ قال: يَسيرَةٌ، قال: ما هي؟ قال: تُحْسِنُ فيما بَقِي فَيُغْفَرُ (٥) لكَ ما مَضَى، فإنَّك إنْ أَسَأْتَ فيما بقِي أُخِذْتَ بما مَضَى وما بَقِيَ. خُذْ في جِدٍّ فَقَدْ تَولَّى العُمْر … كَمْ ذَا التَّفْرِيطُ قد تَدَانى الأَمْرُ أَقْبِلْ فَعَسَى يُقْبَلُ مِنْكَ العُذْرُ … كَمْ تَبْنِي، كَمْ تَنْقُضُ، كَمْ ذا الغَدْرُ وما زالَ ﷺ يُعَرِّضُ باقتِراب أجَلِهِ في آخِرِ عُمُرِه، فإنَّه لمَّا خَطَبَ في حَجَّةِ الوَدَاع، قال للنَّاس: "خُذُوا عَنِّي مناسِكَكم، فَلَعَلِّي لَا أَلْقَاكم بَعْدَ عَامِي هَذا" (٦).

стр. 194

وطفِقَ يُودِّعُ الناسَ، فقالوا: هذه حَجَّةُ الوَدَاع. فلمَا رَجَعَ مِن حجَّتِهِ إلى المدينةِ جَمَعَ الناسَ بماءٍ يُدْعَى خُمًّا (١) في طريقِهِ بينَ مَكَّةَ والمدينَةِ، فخطَبَهُم وقال: "أيها الناسُ: إنما أنا بَشَرٌ، يُوشِكُ أنْ يأتِيَنِي رسولُ ﷺ فأُجِيبَ" (٢) ثُمَّ حَضَّ على التمسكِ بكتاب اللُهِ، ووَصَّى بأهلِ بيتِه. ثمَّ إنه لمّا بَدَأ بهِ مَرَضُ المَوْتِ خُيِّرَ بينَ لِقاءِ اللَّهِ وبينَ زَهْرَةِ الدُّنيا والبقاءِ فيها ما شاءَ الله، فاخْتَارَ لِقَاءَ اللُهِ، وخَطَبَ النَّاسَ وأشَارَ إليهم بذلك إشارةً مِن غيرِ تَصْرِيحٍ. وكان ابتداءُ مَرَضِهِ في أواخِر شَهْرِ صَفَرَ، وكانَتْ مُدَّةُ مَرَضِهِ ثلاثَةَ عَشَرَ يومًا في المشهور. وقيل: أربَعَةَ عَشَرَ يومًا. وقيلَ: اثنَا عَشَرَ يومًا. وقيلَ: عشرةُ أيام، وهو غَريبٌ. وكانَتْ خطبتُه التي خَطَب بها الناسَ (٣) في حديثِ أبي سعيدٍ هذا الذي نتكلمُ عليه هاهنا في ابتداءِ مَرَضِهِ. ففي "المسند" و"صحيح ابن حبان"، عن أبي سعيد الخدري، قال: خَرَجَ إلينا رسولُ اللهِ ﷺ في مرضِهِ الذي ماتَ فيه وهو مَعْصُوبُ الرأسِ، فقامَ على المِنْبَر، فقال: "إن عَبْدًا عُرِضَتْ عليه الدنيا وزينتُها، فاخْتَارَ الآخِرَةَ". قال: فَلَمْ يَفطَنْ لها أحَد مِنَ القَوْم إلَّا أبو بَكْرٍ، فقال: بأبي وأُمِّي، [بل] (٤) نَفْدِيكَ بأموالنا وأنفسِنا وأولادِنا. قال: ثمَّ هَبَطَ عن المنبر فما رُئِيَ عليه حتَّى السّاعَةَ (٥). وفي المسند عن أبي مُويهِبَة، أن النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ ليلةً إلى البَقِيعِ، فاسْتغْفَر لأهل البَقيعِ، وقال: "لِيَهْنِكُم ما أصْبَحْتُم فيه مِمَّا أصبَحَ فيه النَّاسُ، أقبلَتِ الفِتَنُ كقِطَعِ اللَّيل المُظلِمِ، يتبَعُ بعضُها بعضًا، يتبَعُ آخرُها أوَّلَها، الآخِرَةُ شَرٌّ مِن الأولَى". ثمَّ

стр. 195

قال: "يَا أبا مُويْهِبَة! إنِّي قَد أُعطِيتُ خَزائنَ الدُّنيا والخُلدَ ثم الجَنَّةَ، فخُيِّرتُ بينَ ذلك وبينَ لِقاء رَبِّي، فاخْتَرْتُ لِقاءَ رَبِّي والجنةَ، ثم انْصَرَف. فابتدأَهُ وجعُه الذي قَبَضَهُ الله فيه (١). لما قوَيتْ مَعرِفَةُ الرسُولِ ﷺ بربه، ازدادَ حُبُّه وشوقُهُ إلى لِقائِه، فلمَّا خُيِّر بينَ البقاءِ في الدنيا وبينَ لِقاءِ ربهِ، اخْتَارَ لقاءَهُ على خزائنِ الدنيا والبقاءِ فيها. سُئلَ الشِّبْليُّ: هل يَقْنَعُ المُحبُّ بشيءٍ من حبيبهِ دون مشاهدتِه؟ فأنشَدَ: واللهِ لو أنَّكَ تَوَّجْتَنِي … بتاجِ كِسْرَى مَلِكِ المَشْرِقِ ولَوْ بأَموالِ الوَرَى جُدْتَ لِي … أَموال مَنْ بَادَ ومَنْ قَدْ بَقِي وَقُلْتَ لِي لا نَلْتَقِي ساعَةً … اخْتَرْتُ يا مولايَ أنْ نَلْتَقِي لمَّا عَرَّضَ الرسولُ ﷺ على المنبرِ باختيارِه اللقاءَ على البقاءِ ولم يُصَرحْ، خَفِيَ المعنَى على كثيرٍ مِمّن سَمِعَ، ولم يَفهَمِ المقصُودَ غير صاحبِه الخَصِيصِ بِه ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغَارِ﴾ (٢). وكانَ أعلَمَ الأمّةِ بمقاصِدِ الرسُولِ ﷺ ، فلما فَهمَ المقصُودَ مِن هذه الإشارةِ بَكَى، وقال: بل نفدِيكَ بأموالِنا وأنفسِنا وأولادِنا، فسكَنَ الرسولُ ﷺ جَزَعَهُ، وأَخَذَ في مَدْحِهِ والثَّنَاءِ عليهِ على المِنْبَرِ، لِيَعلَمَ النَّاسُ كلُّهم فضلهُ، فلا يَقَعُ عليه اختِلافٌ في خلافتِهِ، فقال: "إنَّ مِن أمَنِّ النَّاسِ على في صحبتِهِ ومالِهِ أبو بكر" (٣). وفي روايةٍ أخرى أنه قال: "ما لأحَدٍ عندَنا يدٌ إلَّا وقَدْ كافينَاهُ، ما خَلَا أبا بكرٍ، فإنَّ له عندَنا يدًا يكافِئهُ اللّهُ يومَ القِيامَةِ بها، وما نَفَعنِي مالُ أحَدٍ قَطُّ ما نَفَعَنِي مالُ أبي بكرٍ"، خرَّجه الترمذيُّ (٤).

стр. 196

ثم قال رسول الله ﷺ : "لو كُنْتُ متَّخِذًا من أهلِ الأرْضِ خليلًا، لاتَّخذْتُ أبا بكرٍ خَلِيلًا، ولكِنْ أُخوَّةُ الإسلام" (١). لمَّا كانَ الرَّسولُ ﷺ خليلَ اللّهِ (٢)، لَمْ يَصْلُحْ له أَنْ يُخالِلَ مخلوقًا، فإنَّ الخَليلَ مَنْ جَرَتْ محبَّةُ (٣) خليلِهِ منه مَجْرَى الرُّوحِ، ولا يَصْلُحُ هذا لبشرٍ، كما قيل: قَدْ تَخلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوح مِنِّي … وَبذا سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلا ولهذا المعنَى قيلَ: إن إبراهيمَ الخليلَ ﵇ أُمِرَ بذبْحِ ولدِهِ، ولم يكن المقصودُ إراقَةَ دَمِ الوَلَدِ، بل تفريغُ محلِّ الخُلَّةِ لِمَنْ لا يَصْلُحُ أَنْ يُزَاحِمَه فيها أحَدٌ. أرُوحُ وَقَدْ خَتَمْتُ على فؤادِي … بحبِّكَ أنْ يحِل بهِ سِواكَا فَلو أنِّي استَطَعْتُ غَضَضْتُ طَرْفِي … فَلَمْ أنظُرْ بهِ حتَّى أرَاكَا ثم قال ﷺ : "لا يبقيَنَّ خَوْخَة في المسجدِ إلا سُدَّتْ إلَّا خوخَةُ أبي بكرٍ" (٤). وفي روايةٍ: "سُدُّوا هذه الأبوابَ الشَّارِعَةَ (٥) في المسجدِ إلَّا بابَ أبي بكرٍ" (٦). وفي هذا الإشارَةُ إلى أنَّ أبا بكرٍ هُوَ الإمامُ بعدَه؛ فإن الإِمامَ يحتاجُ إلى سُكْنَى المسجدِ والاستطراقِ (٧) فيه، بخلافِ غيره، وذلك مِن مصالحِ المسلمينَ المصلِّينَ في المسجدِ، ثمَّ أَكَّدَ هذا المعنَى بأَمرِهِ صرِيحًا أنْ يصلِّيَ بالناسِ أبو بكرٍ، فرُوجِعَ في ذلك فغضِبَ، وقال: "مُرُوا أبا بكرٍ يصلِّي (٨) بالنَّاسِ"، فولَّاه إمامَةَ الصَّلاةِ دونَ غيرِه، [وأبقَى استطراقَهُ مِن دارِهِ إلى مكانِ الصلاةِ، وسَدَّ استِطْرَاقَ غيرِه] (٩)، وفي هذا إشارة واضِحةٌ إلى استخلافِهِ على الأمَّةِ دونَ غَيرِه، ولهذا قالَتِ الصَّحابةُ ﵃ عندَ

стр. 197

بيعةِ أبي بكرٍ: رَضِيَهُ رسُولُ اللهِ ﷺ لِدِينِنا، أفلا (١) نَرْضَاهُ لدُنْيانا. ولما قال أبو بكر: قد أَقَلْتُكُمْ بَيْعَتِي، قال عليٌّ: لا نُقِيلُكَ ولا نَسْتَقِيلُكَ، قَدَّمَكَ رسولُ اللّه ﷺ فَمَنْ ذَا يُؤخِّرُكَ؟. لمَّا انطوَى بِساطُ النُّبوَّةِ مِنَ الأرض بوفاةِ رسول الله (٢) ﷺ ، لم يَبْقَ على وجهِ الأرضِ أكملُ مِن درجةِ الصِّدِّيقيّةِ، وأبو بكرٍ رأسُ الصِّديقينَ، فلهذا استحَق خلافةَ الرَّسولِ ﷺ والقيامَ مقامَهُ. وكان النبي ﷺ قد عَزَمَ على أن يكتُبَ لأبي بكرٍ كِتابًا لِئلا يُخْتَلَفَ عليه، ثمَّ أَعْرَضَ عن ذلك، لِعِلْمِهِ أنَّه لا يقَعُ غيرُه، وقال: "يأبَى اللهُ والمؤمنون إلا أبا بكرٍ" (٣). ورُبَّما كانَ تَرَكَ ذلك لِئلا يَتوهَّمَ متوهِّم أن نَصَّهُ على خِلافتِهِ كانَتْ مُكافاة لِيدِه التي كانَتْ له. والولاياتُ كُلُّها لا يُقْصَدُ بها مَصْلَحةُ المُوَلَّى، بَلْ مصلحةُ المسلمينَ عامَّةً. وكان أوَّلَ ما ابتُدِئَ به رسولُ اللّهِ ﷺ من مرضِهِ وَجَعُ رأسِهِ، ولهذا خَطَبَ وقد عَصَبَ رأسَهُ بِعصابَةٍ دَسْمَاءَ (٤)، وكان صُدَاعُ الرأسِ والشَّقِيقةُ يَعترِيه كثيرًا في حياتِه، ويتألَّم منه أيامًا. وصُداعُ الرأسِ مِن علاماتِ أهلِ الإيمانِ وأهلِ الجنةِ. وقد رُوِي عن النبي ﷺ أنَّه وَصفَ أَهْلَ النَّارِ فقال: "هُم الذينَ لا يألمون رُؤوسَهم" (٥). ودَخَلَ عليه أعرابيٌّ، فقال له: "يا أعرابي! هَلْ أَخذَكَ هذا الصُّداعُ؟ "، فقال: وما الصداعُ؟ قال: "عُروقٌ تَضرِبُ على الإنسانِ في رأسِهِ "، فقال: ما وجدْتُ هذا. فلمَّا وَلَّى الأعرابيّ، قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ أَحَبّ أَنْ يَنْظُرَ إلى رَجُل مِن أهلِ النارِ فَلْيَنْظُرْ إلى هذا". خرَّجه الإِمامُ أحمدُ، والنسائيُّ (٦).

стр. 198

وقال كعبٌ: أجِدُ في التوراة: لولا أن يحزَنَ عَبْدِي المؤمنُ لَعَصَبْتُ الكافِرَ بعصابةٍ مِن حديدٍ لا يَصَّدَّعُ أبدًا. وفي "المسند" عن عائشةَ ﵂، قالَتْ: دَخَلَ على رَسولُ اللهِ ﷺ في اليوم الذي بُدِئَ فيه، فقلت: وا رأساهُ! فقال: "وَدِدْتُ أن ذلكَ كان وأنا حيٌّ، فهيَّأتُكِ ودَفنْتُكِ"، فَقُلْتُ غَيْرَى (١): كأني بكَ في ذلك اليومِ عَروسًا ببعضِ نِسائِكَ، فقال: "بل (٢) أنا وا رأساه، ادعُوا إليَّ (٣) أباكِ وأخاكِ حتَّى أكتُبَ لأبي بكرٍ كتابًا، فإنِّي أخافُ أن يقولَ قائلٌ ويتمنَّى متمنٍّ، ويأبَى اللهُ والمؤمنون إلَّا أبا بكرٍ" (٤). وخرجه البخاريُّ بمعناه، ولفظه: أن عائشةَ ﵂، قالت: وا رأساه! فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "ذاكَ لو كانَ وأنا حي، فأستغفِرَ لَكِ وأدْعُوَ لَكِ"، قالَتْ عائشةُ: وا ثُكْلاه! واللهِ إنِّي لأظنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، ولو كانَ ذلكَ لَظللتَ آخِرَ يَومِكَ مُعرسًا ببعض أزواجِكَ. فقال النَّبيُّ ﷺ : "بل أنا وا رأساه! "، وذَكَرَ بقيَّة الحديث (٥). وفي "المسند" أيضًا عنها، قالَتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا مَرَّ ببابي ربما (٦) يُلقِي الكلِمةَ ينفَعُ الله بها، فَمَر ذاتَ يوم فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، مرتين، أو ثلاثًا. قلْتُ: يا جاريةُ! ضعِي لِي وِسَادةً على الباب -، وَعَصبْتُ رأسِي، فَمر بي فقال: "يا عائشة! ما شأنُكِ؟، فقلْتُ: أشتكِي رأسِي، فقال: "أنا وا رأسَاه! "، فذَهَبَ فلم يَلْبَثْ إلَّا يَسيرًا حتى جِيءَ بهِ محمولًا في كِساءٍ، فَدَخَلَ عليَّ، فَبَعَثَ إلى النساءِ، وقال: "إنِّي اشْتَكيْتُ"، وقال: "إنِّي لا أسْتَطِيعُ أنْ أَدُورَ بينَكُنَّ، فأذَن لِي فلأكُنْ عندَ عائِشةَ" (٧). وفيه أيضًا عنها، قالت: رَجَعَ إليَّ رسولُ الله ﷺ ذاتَ يوم مِن جنازةٍ بالبَقيعِ،

стр. 199

وأنا أجِدُ صُداعًا في رأسِي، وأنا أقولُ: وا رأساه! قال: "بل أنا وا رأساه! "، ثم قال: "ما ضرَّكِ لو مُتِّ قبلي فغسَّلتُكِ وكفنْتُكِ، ثم صلَّيْتُ عليكِ ودفنْتُكِ؟ "، فقلْتُ: لكأنِّي بكَ واللهِ لو فعلْتَ ذلكَ، لَقَدْ رَجَعْتَ إلى بيتي فأعْرَسْتَ فيه ببعضِ نسائِكَ، فتبسَّمَ رسولُ الله ﷺ ثمَّ بُدِئَ في وَجَعِهِ الذي ماتَ فيه (١). فقد تبيَّن أن أوَّلَ مَرَضِهِ كانَ صُداع الرأسِ، والظَّاهِرُ أنهُ كانَ مَعَ حُمَّى، فإنَّ الحُمَّى اشتدَّتْ بهِ في مرضِهِ، فكان يجلِس في مِخْضَبٍ (٢)، ويُصَبُّ عليهِ الماءُ مِن سبعِ قِرَبٍ، لم تُحْلَلْ أَوْكِيتُهُنَّ (٣)؛ يتبرَّد بذلك. وكانَ عليه قَطِيفة، فكانَتْ حَرارَةُ الحُمَّى تُصِيبُ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عليه (٤) من فوقها، فقيلَ له في ذلكَ، فقال: "إنَّا (٥) كذلِكَ يشَدَّدُ علينا البلاء ويضاعَفُ لنا الأجْرُ". وقال: "إنِّي أُوعَكُ كما يُوعَكُ رجلانِ منكم" (٦). ومِن شِدَّةٍ وَجَعِهِ كانَ يُغْمَى عليه في مرضِه، ثم يفيقُ، وَحَصَلَ له ذلكَ غيرَ مرةٍ، فأُغمِيَ عليه مرة وظنُّوا أن وَجَعَهُ ذاتُ الجَنْب، فَلَدُّوهُ (٧)، فلمَّا أفَاقَ أَنْكَرَ ذلِكَ، وأَمَرَ أَنْ يُلَدَّ مَنْ لَدَّهُ، وقال: "إنَّ الله لم يَكُنْ ليُسَلِّطَها عليَّ" يعني ذاتَ الجَنْب، "ولكنهُ مِنَ الأكْلَةِ الَّتِي أكلْتُها يومَ خَيْبَرَ"، يعني أنه نَقَضَ عليه سَمُّ الشاةِ التي أهدَتْها لَه (٨) اليهوديَّةُ، فأكَلَ منها يومئذٍ، فكانَ ذلِكَ يَثُورُ عليهِ أحيانًا، فقال في مرض مَوْتهِ: "مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ. تُعَاودني (٩)، فهذا أوانُ انقطاعِ أبْهَرِي (١٠) " (١١). وكان (١٢) ابن مسعودٍ وغيرُه يقولون: إنَّه ماتَ شهيدًا من السّمِّ.

стр. 200

وقالت عائشة: ما رأيْتُ أحدًا كانَ أشدَّ عليهِ الوجَعُ مِن رسولِ الله ﷺ ، وكان عندَهُ في مرضِهِ سبعةُ دنانِيرَ؛ فكانَ يأمرُهُم بالصَّدَقَةِ بها، ثم يُغْمَى عليه، فيشتغِلونَ بِوَجَعِه، فدَعَا بها فوضَعَها في كَفِّه، وقال: "ما ظَنُّ محمّدٍ بربِّهِ لو لَقِيَ الله وعندَهُ هذه؟ "، ثم تصَدَّقَ بها كلِّها، فكيفَ يكونُ حالُ مَنْ لَقِيَ الله تعالى وعندَهُ دماءُ المسلمينَ وأموالُهم المحرمَةُ؟! وما ظَنُّهُ بِرَبِّهِ وَلَمْ يَكُنْ عندَهُم في مرضِهِ دُهْنٌ للمِصباح يُوقَدُ فيه. فلمَّا اشتَدَّ وَجَعُهُ ليلةَ الاثنين أرسلَتْ عائِشةُ بالمصباحِ إلى امرأةٍ مِنَ النساءِ، فقالَت: قَطِّري لنا في مِصْباحِنا مِن عُكَّةِ (١) السَّمنِ، فإن رسولَ الله ﷺ أمسى في جديدِ (٢) الموتِ. وكان عند عائشةَ إزارٌ غَلِيظٌ مما يُصْنَعُ باليمن، وكِساءٌ مِن المُلَبَّدِ (٣)، فكانَتْ تُقْسِمُ باللَّهِ إن رسولَ الله ﷺ قُبِضَ فيهما. ودخلَتْ عليه فاطِمَةُ ﵂ في مرضِهِ، فسارَّها بشيءٍ فَبَكَتْ، ثم سارَّها فضحِكَتْ، فسُئِلَتْ عن ذلِكَ، فقالت: لا أُفشِي سِرَّ رَسولِ اللهِ ﷺ . فلمَّا تُوفِي سُئِلَتْ، فقالت: أخبرَني أنَّه يَموتُ في مرضِهِ، فَبكيتُ، ثم أَخبرَنِي أنِّي أوَّلُ أَهلِهِ لُحُوقًا بهِ، وأَنِّي سيَّدةُ نِساءِ العَالمين (٤)، فضحِكْتُ (٥). فلمَّا احتُضِرَ رسولُ الله ﷺ اشتدَّ بهِ الأمْرُ، فقالت عائشة: ما أَغْبِطُ أحدًا يُهَوَّنُ عليهِ الموتُ بعدَ الذي رأيْتُ مِن شدَّة (٦) موتِ رَسولِ الله ﷺ .

стр. 201

قالت: وكان عندَه قَدَحٌ مِن ماءٍ، فيُدْخِلُ يدَهُ في القدَحِ، ثمَّ يَمسَحُ وَجْهَهُ بالماءِ، ويقول: "اللهمَّ، أعِنِّي على سَكراتِ الموتِ"، قالت: وجَعَلَ يقولُ: "لا إلهَ إلا الله، إن للموتِ لَسَكراتٍ" (١). وفي حديثٍ مرسَلٍ أنه قال: اللهمَّ إنكَ تأخُذُ الرُّوحَ مِن بين العَصَبِ والقَصَب (٢) والأنامِلِ، اللهم فأعِني على الموتِ وهوِّنْهُ علي" (٣). ولمَّا [ثقُلَ النَّبي ﷺ جَعَل] (٤) يتغشَّاهُ الكَرْبُ، قالت فاطمةُ ﵍: وا كَرْبَ أبتاه! فقالَ لها: "لا كَرْبَ على أبيكِ بعدَ اليوم" (٥). وفي حديثٍ خرَّجه ابنُ ماجه أنه ﷺ قال لِفاطِمةَ: "إنه قَدْ حَضَرَ من أبيكِ ما ليس الله بتاركٍ منه أحدًا (٦)، المُوافاةُ (٧) يومَ القيامةِ" (٨). ولم يُقْبَضْ ﷺ حتى خُيِّرَ مرةً أُخْرَى بينَ الدنيا والآخِرةِ؛ قالَتْ عائشةُ: كان النبي ﷺ يقولُ: "إنَّه لم يُقْبَضْ نبي [قط] حَتى يرَى مَقْعَدَهُ مِن الجنةِ، ثم يُخيَّرُ". فلمَّا نزلَ به ورأسُهُ على فَخِذِي، غُشِيَ عليه ساعة، ثمَّ أفاقَ، فأشخصَ بصرَهُ إلى سَقفِ البيتِ، ثم قال: "اللهمَّ، الرفيقَ الأعْلَى". فقلْتُ: الآن لا يختارُنا، وعلِمْتُ أنَّه الحديثُ الذي كانَ يُحدِّثناهُ، وهو صَحِيحٌ (٩). وكانَتْ تِلكَ آخرَ كلمةٍ تكلَّمَ بها. وفي روايةٍ أنَّه قال: "اللهمَّ اغفِرْ لِي وارْحَمْنِي، وأَلْحِقْنِي بالرَّفيق الأعْلَى" (١٠). وفي رواية أنه أصابَهُ بُحَّةٌ شَديدةٌ، فسمِعتُه يقوله: ﴿مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ الله عليهِم مِنَ

стр. 202

النَّبيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحينَ وَحَسُنَ أولئِكَ رَفيقًا﴾ (١). قالت: فظَنَنْتُ أنه خُيِّرَ [حينئذٍ] (٢). وهذه الرِّواياتُ مخرَّجَةٌ في "صحيح البخاري" وغيرِه. وقد رُوِي ما يدُلُّ على أنه قُبِضَ، ثم رأى مقعَدَه مِنَ الجَنَّةِ، ثم رُدَّتْ إليه نفسُهُ، ثمَّ خُيِّرَ. ففي "المسند" عن عائشةَ ﵂، قالَتْ: كانَ رسولُ اللُهِ ﷺ يقولُ: "ما مِن نَبِيٍّ إلَّا تُقبَضُ نفسُهُ، ثمَّ يَرَى الثوابَ، ثم تُرَدُّ إليه، فيُخيِّرُ بين أَنْ تُرَدَّ إليه إلى أن يُلْحَقَ (٣) ". فكنْتُ قد حفِظْتُ ذلكَ منه، فإنِّي لَمُسْنِدَتُه إلى صَدْرِي، فنَظَرْتُ إليهِ حتى مَالَتْ عُنُقُه (٤)، فقلْتُ: قَدْ قَضَى. قَالَتْ: فعَرَفْتُ الَّذِي قال، فنَظَرْتُ إليه حتى ارتفَعَ ونظَرَ، فقلْتُ (٥): إذًا واللهِ لا يختارُنا، فقال: "مَعَ الرفِيق الأعْلَى في الجنةِ ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عليهِم مِنَ النبِيينَ والصديقينَ والشُّهدَاءِ والصالحينَ﴾ " (٦) إلى آخِرِ الآية (٧). وفي "صحيح ابن حِبَّانَ" عنها، قالت: أُغْمِيَ على رسولِ اللهِ ﷺ ، ورأسُهُ في حَجْرِي، فجَعَلْتُ أمسَحُهُ وأدعو له بالشِّفَاءِ؛ فلمَّا أفاقَ، قال: "لا بلْ أسألُ الله الرفِيقَ الأعْلَى، مَعَ جِبريلَ ومِيكائيلَ وإسرافيلَ" (٨). وفيه، وفي "المسند" عنها، أنَّها كانَتْ تَرْقِيه في مَرَضِهِ الذِي ماتَ فيه، فقال: "ارفَعِي يَدَكِ فإنها كانت تَنْفَعُنِي في المُدَّةِ" (٩). قال الحسن: لَمَّا كَرِهَتِ الأنبياءُ الموتَ هَوَّنَ الله ذلك عليهم بلقاءِ الله ، وبِكُلِّ مَا أَحبُّوا مِن تُحفَةٍ أو كَرَامةٍ، حتى إن نَفْسَ أحدِهم لَتُنْزَعُ مِن بَيْنِ جَنْبَيْهِ وهو يُحِب ذلكَ، لِمَا قَدْ مُثِّلَ له. وفي "المسند" عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "إنه لَيُهوّنُ على الموت أنِّي رأيْتُ بَياضَ كَفِّ عائشةَ في الجَنةِ" (١٠). وخرَّجَه

стр. 203

ابنُ سَعْدٍ وغيرُه مرسلًا أنَّه ﷺ ، قال: "لقد أُرِيتُها في الجنةِ، حتَّى (١) لَيهوَّن بذلك عليَّ مَوْتي، كأنِّي أَرَى كَفَّيها" يعني عائشة (٢). كان النَّبيُّ ﷺ يحب عائشةَ ﵂ حبًا شَديدًا، حتى لا يَكادُ يَصبِرُ عنها، فمثِّلَتْ له بينَ يَدَيْهِ في الجَنَّةِ لِيُهوّنَ عليه موتُه؛ فإن العَيْشَ إنما يَطيبُ باجتماع الأحِبَّةِ. وقد سأله رجلٌ: أيُّ الناسِ أحبُّ إليكَ؟ فقال: "عائشةُ"، فقال له: فَمِنَ الرجال؟ قال: "أبوها" (٣). ولهذا قال لها في ابتداءِ مرضِهِ، لمَّا قالَتْ: وا رأساه: "ودِدْتُ أن ذلك كان وأنا حَيٌّ، فأصَلِّي عليكِ وأدفِنُكِ" فعَظُمَ ذلكَ عليها، وظنَّتْ أنَّه يُحِبُّ فِراقَها. وإنَّما كان يريدُ (٤) تعجيلَها بين يَدَيْهِ ليقرُبَ اجتماعُهما. وقد كانَتْ عائشةُ مَضَغَتْ لَهُ ﷺ سِواكًا وطيَّبَتْهُ بِرِيقها، ثمَّ دَفَعَتْهُ إليه، فاسْتَنَّ به أَحْسَنَ اسْتِنانٍ، ثمَّ ذَهَبَ يتناولُهُ، فضعُفَتْ يدُهُ عنه، فسَقَطَ من يَدِه الكريمة (٥). فكانَتْ عائشةُ تقولُ: جَمَعَ الله بينَ رِيقي ورِيقِهِ في آخِرِ يَوْم مِنَ الدُّنيا، وأوَّلِ يومٍ مِن الآخِرَةِ. والحديثُ مخرَّجٌ في "الصحيحين" (٦). وفي حديثٍ خرَّجه العُقَيْلِي (٧) أنه ﷺ قال لها في مرضه: "ائتيني بسِواكٍ رَطْبٍ، امْضَغِيهِ [ثم ائتِينِي بهِ أمضَغُهُ] (٨) لكي يختلِطَ رِيقِي بريقِكِ، لكي يُهوَّنَ به عليَّ عندَ الموتِ".

стр. 204

قال جعفر بن محمد (١)، عن أبيه (٢): لمَّا بقِيَ مِن أجَلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثلاثٌ نَزَلَ عليه جبريلُ ﵇، فقال: يا أحمدُ! إنَّ الله قَدْ أَرْسَلَنِي إليكَ إكرامًا لكَ وتفضيلًا لك، وخاصة لك، يسألُكَ عمَّا هُوَ أَعْلَمُ بهِ منكَ، يقولُ لكَ (٣): كيفَ تجدُكَ؟ فقالَ: "أَجِدُنِي يا جبريلُ مَغْمُومًا، وأجِدُني يا جبريلُ مكْرُوبًا"؟ ثمَّ أتاهُ في اليوم الثاني، فقال له مثلَ ذلكَ؛ ثمَّ أتاهُ في اليوم الثالثِ، فقال له مثلَ ذلكَ، ثم استأذَن فيه مَلَكُ المَوْتِ، فقالَ جبريل: يا أحمدُ! وَهذا مَلَكُ الموتِ يستأذِنُ عليكَ، ولم يستأذِنْ على آدمِي كانَ (٤) قَبْلَكَ، ولا يستأذِنُ على آدمِي بعدَك، قال: "ائذَنْ لَهُ"، فدخَلَ مَلَكُ المَوْتِ، فوقَفَ بينَ يَدَيْهِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، يا أحمدُ! إن الله أرسلنِي إليكَ وأَمَرَنِي أنْ أُطيعَكَ في كُلِّ ما تأمرُ؛ إنْ أمَرْتَنِي أنْ أَقْبِضَ نفسَكَ قبضْتُها، وإنْ أمَرْتَنِي أَنْ أتركَها تركْتُها؟ قال: "وتفعَلُ يا ملكَ الموتِ؟ "، قال: بذلك أُمِرْتُ أن أطِيعَكَ في كُل ما تأمُرني (٥) به. فقال جبريلُ: يا أحمدُ! إنَّ الله قد اشتَاقَ إليكَ. قال: "فأمْضِ يا ملكَ الموتِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ "، فقالَ جبريلُ ﵇: السلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ، هذا آخِرُ مَوْطئي مِنَ الأرضِ، إنَّما كُنْتَ حاجَتِي مِن الدنيا. وجاءت التَّعزِيَةُ (٦) يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ والحسَّ ولا يَرونَ الشَّخْصَ: السلامُ عليكم يا أهْلَ البيتِ ورحمةُ اللهِ وبركاته ﴿كل نَفْس ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ (٧)، إن في الله عزاءً مِن كُلِّ مُصيبةٍ، وخَلَفًا مِن كُل هالِكٍ، ودَركًا (٨) مِن كُلِّ فائتٍ، فباللّه فثقوا، وإيَّاهُ فارجوا، إنَّما

стр. 205

المُصابُ مَنْ حُرِمَ الثوابَ، والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه (١). وكانَتْ وفاته ﷺ في يوم الاثنين في شهر ربيع الأوَّلِ بغيرِ خِلافٍ، وكان قَدْ كُشِفَ الستْرُ في ذلك اليومِ والناسُ في صَلاةِ الصُّبْحِ خَلْفَ أبي بكرٍ، فَهَمَّ المسلمونَ أن يُفْتَتَنُوا مِن فَرَحِهم برؤيَتِه ﷺ ، حينَ نظروا إلى وجههِ كأنه وَرَقَةُ مُصحفٍ، وظَنوا أنَّه يخرُجُ للصَّلاةِ، فأشار إليهم: "أنْ مكانَكُم"، ثم أَرْخَى السِّتْر. وتوفي ﷺ من ذلك اليوم، وظَن المسلمون أنَّه ﷺ قَدْ بَرِئَ مِن مَرَضِهِ لمَّا أصبحَ يومَ الاثنين مفِيقًا، فخرَجَ أبو بكرٍ إلى منزِلِه بالسُّنحِ (٢) خارجَ المدينةِ، فلما ارتفَعَ الضحَى مِن ذلك اليوم تُوفي رسولُ اللهِ ﷺ . وقيل: توفي حين زاغَتِ الشَّمْسُ. والأوَّل أصَحُّ، أنه (٣) توفي حينَ اشتَدَّ الضُّحَى مِن يومِ الاثنينِ في مثلِ الوقتِ الذي دَخَلَ فيه المدينةَ حينَ هاجَرَ إليها. واختلَفُوا في تعيينِ ذلك اليومِ مِن الشهرِ. فقيل: كان أوَّله. وقيل: ثانيه. وقيل: ثاني عشره. وقيل: ثالثَ عشره. وقيل: خامسَ عشره. والمشهورُ بينَ الناسِ أنه كان ثانِي عَشر ربيع الأوَّل (٤). وقد رَدَّ ذلك السُّهيليُّ (٥) وغيرُه، بأنَّ وَقْفةَ حَجَّةِ الوَدَاعِ في السَّنَةِ العاشِرةِ كانَتْ الجمعةَ، وكان أوَّلَ ذي الحجةِ فيها الخميسُ، ومتَى كانَ كذلكَ لم يَصِحَّ أن يكونَ يومُ الاثنين ثانِي عشرَ ربيع الأولِ، سواء حُسِبَتِ الشُّهورُ الثَّلاثةُ - أعني ذا الحجَّةِ ومحرمًا وصفرًا - كلها كامِلَةً أو ناقِصَة، أو بَعْضُها كامِلَة وبعضُها ناقِصَةً. ولكن أجيبَ عن هذا بجوابٍ حَسَنٍ، وهو أن ابنَ إسحاقَ (٦) ذَكَرَ أنَّ النبي ﷺ

стр. 206

تُوفّي لاثنتي عشرةَ ليلةً من ربيع الأوَّل، وهذا مُمكِنٌ، فإنَّ العَرَب تُؤرِّخُ بالليالي دونَ الأيَّام، ولكن لا تؤرِّخ إلا بليلةٍ مَضى يومُها، فيكونُ اليوم تبعًا لليلةِ، وكل ليلةٍ لم يَمْضِ يومها لم يُعتدَّ بها، وكذلك إذا ذَكَرُوا اللياليَ في عددٍ فإنَّهم يُرِيدُون بها اللياليَ معَ أيامها، فإذا قالوا: عشر ليالٍ، فمرادُهم بأيَّامِها. ومن هنا تتبينُ (١) صحَّةُ قولِ الجُمهورِ في أن عدَّةَ الوفاةِ أربعةُ أشهرٍ وعشرُ ليال بأيَّامِها، وأنَّ اليومَ العاشِرَ من جملة تمامِ العدَّةِ، خِلَافًا للأوزاعيِّ (٢). وكذلك قال الجمهُورُ في أشهُر الحجِّ: إنَّها شوَّالٌ وذو القَعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذي الحجَّةِ، وأنَّ يومَ النَّحرِ داخل فيها لهذا المعنى، خلافًا للشافِعي. وحينئذٍ فيوم الاثنين الذي توفِي فيه النَّبي ﷺ كانَ ثالثَ عشرَ الشهرِ، لكنْ لمَّا لم يكُنْ يومُه قَدْ مَضى لم يُؤرَّخ بليلتِه، إنَّما أرَّخوا بليلةِ الأحَدِ ويومِها، وهو الثاني عشَرَ، فلذلك قال ابنُ إسحاقَ: توفي لاثنتيْ عشرَةَ ليلةً مَضَتْ مِن ربيع الأوَّلِ. والله أعلم. واختلَفوا في وقتِ دفنِه: فقيل: دُفِنَ من ساعتِه، وفيهِ بُعْدٌ. وقيلَ: من ليلةِ الثلاثاء. وقيل: يومَ الثلاثاء. وقيل: ليلة الأربعاء. ولمَّا توفي ﷺ اضطرب المسلمون؛ فمنهم مَنْ دُهِشَ فَخُولطَ؛ ومنهم مَنْ أُقعِدَ فلم يُطِقِ القِيامَ؛ ومنهم مَن اعتُقِلَ لسانُه فلم يُطِقِ الكلامَ، ومنهم مَن أنكَرَ موتَهُ بالكُليَّةِ، وقال: إنَّما بُعثَ إليه كما بُعِثَ إلى موسى، وكان مِن هؤلاء عُمَرُ، وبلَغَ الخبرُ أبا بكرٍ، فأقبَلَ مُسْرِعًا حتَّى دَخَلَ بيتَ عائِشةَ ورسولُ اللّهِ ﷺ مُسجًّى، فكَشَفَ عن وجهِهِ الثَّوْبَ وأكبَّ عليه، وقبَّلَ وجهَهُ (٣) مرارًا وهو يبكِي، وهو يقولُ: وا نبيَّاه! وا خليلاه! وا صفياه! وقال: إنا للّه وإنا إليه راجعون، ماتَ واللّهِ رسولُ اللّه ﷺ . وقال: واللّهِ لا يجمَعُ اللّه عليكَ مَوْتَتينِ، أمَّا الموتةُ التي كتبت (٤) عليكَ فَقَدْ مُتَّها.

стр. 207

ثمَّ دَخَلَ المسجِدَ وعُمَرُ يكلِّمُ الناسَ، وهم مجتمِعُونَ عليه، فتكلَّمَ أبو بكرٍ وتشهَّدَ، وحمِدَ الله، فأقبَلَ الناسُ إليه، وتَرَكُوا عُمَرَ. فقال: مَنْ كانَ يعبُدُ محمَّدًا فمن محمَّدًا قَدْ مَاتَ، ومَنْ كان يعبُدُ الله، فإن اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوت، وتلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولْ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل أفإن مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابكُمْ﴾ (١) الآية. فاستيقَنَ الناسُ كلُّهم بموتهِ وكأنَّهُم لم يَسْمَعُوا هذه الآيةَ مِن قبلِ أَن يَتلُوها أبو بكرٍ، فتلقَّاها النَّاسُ منه، فما يُسْمَعُ أحدٌ إلَّا يَتْلُوها. وقالَتْ فاطمة ﵍: يا أبتاه! أجابَ ربًّا دعاهْ. يا أبتاه! جَنة الفردوسِ مأْواهْ. يا أبتاه! إلى جبريلَ أنعاهْ. يا أبتاه! مِن رَبِّه ما أدناهْ. وعاشَتْ بعدَهُ ستةَ أشْهُرٍ، فما ضَحِكَتْ في (٢) تلك المدَّةِ، وحُقَّ لها ذلك. على مِثْلِ ليلَى يَقْتُل المرءُ نَفْسَه … وإنْ كانَ مِنْ لَيْلَى عَلَى الهَجْرِ طَاوِيا كلُّ المصائب تهونُ عندَ هذه المصيبةِ. في "سنن ابن ماجه" أنه ﷺ قال في مرضِهِ: "يا أيها (٣) الناسُ! إنْ (٤) أحَدٌ مِنَ الناسِ، أو من المؤمنينَ أُصِيبَ بمصيبةٍ، فليتَعزَّ بمصيبتِهِ بي عن المصيبة التي تصيبُه بغيرِي، فإن أحدًا مِن أمتِي لَنْ يُصَابَ بمصيبةٍ بَعْدِي أشدّ عليهِ مِن مصِيبتِي" (٥). قال أبو الجوزاءِ (٦): كانَ الرَّجلُ مِن أهلِ المدينة إذا أصابَتْهُ مُصِيبَة جاءَ أخُوه فصافَحَهُ، ويقول: يا عبدَ الله! ثِقْ باللَّهِ (٧)، فإن في رسولِ اللهِ ﷺ أسوَةً حَسَنَةً. اصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّدِ … واعْلَمْ بأن المَرْءَ غَير مُخَلَّدِ واصْبِرْ كما صَبَرَ الكِرامُ فإنَّها … نُوَبٌ تَنُوبُ اليومَ تُكْشَفُ في غَدِ (٨)

стр. 208

وإذا أَتَتْكَ مُصِيبَةٌ تُشْجَى بِها (١) … فاذْكُرْ مُصَابَكَ بالنَّبيِّ مُحَمَّدِ ولبعضهم (٢): تَذَكَّرْتُ لَمَّا فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا … فَعزَّيْتُ نَفْسِي بالنبِي مُحَمَّدِ وَقُلْتُ لَها إن المنَايا سَبِيلُنا … فَمَنْ لَمْ يَمُتْ في يَوْمِهِ ماتَ في غَدِ كانت الجماداتُ تتصدَّعُ مِن ألم مفارقةِ الرَّسُولِ، فكيفَ بقلوبِ المؤمنينَ؟!. لما فقدَه الجِذْعُ الذي كان يخطُبُ إليه قَبْلَ اتِّخَاذِ المِنْبَرِ حَنَّ إليه، وصَاحَ كما يَصِيحُ الصَّبِيُّ، فَنَزلَ إليه فاعْتَنَقهُ، فجَعَلَ يُهدَّى كما يُهدَّى (٣) الصَّبِيُّ الذي يُسَكَّنُ عندَ بكائِه، فقال: "لو لم أعتنِقْهُ لَحَنَّ إلى يومِ القيامةِ" (٤). كان الحسنُ إذا حَدَّثَ بهذا الحديثِ بَكَى، وقال: هذهِ خَشَبَة تَحِنُّ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأَنْتُمْ أحقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إليه. ورُوِي أن بلالًا كان يُؤذنُ بعدَ وفاة النبي ﷺ قبلَ دفنِه، فإذا قال: أشهدُ أن محمَّدًا رسولُ اللهِ، ارتجَّ المسجِدُ بالبُكاءِ والنَّحِيبِ، فلمَّا دُفِنَ تَرَكَ بلال الأذانَ. ما أمَرَّ عَيْشَ من فَارقَ الأحباب، خصوصًا مَنْ كانَتْ رُؤيتُه حياةَ الألباب. لو ذَاقَ طَعْم الفِراق رَضْوَى … تكَادَ مِنْ وَجْدِهِ يَمِيدُ قَدْ حَمَّلُوني عَذَابَ شَوْقٍ … يَعْجِزُ عَنْ حَمْله الحَدِيدُ لمَّا دُفِنَ الرَّسُولُ ﷺ ، قالَتْ فاطمةُ: كيفَ طابَتْ أنفسُكُم أن تحثُوا على

стр. 209

رسولِ اللَّهِ ﷺ التراب (١)؟. قال أنس: لمَّا كانَ اليومُ الذي دَخَلَ فيه رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ أضاءَ منها كل شيء، فلمَّا كانَ اليومُ الذي دُفِنَ فيهِ أَظْلَمَ منها كُل شيءٍ، وما نَفَضْنَا أيدينا عَن رسولِ اللهِ ﷺ (٢)، وإنَّا لفِي دَفْنِهِ حتى أَنكَرْنَا قُلُوبَنا. لِيَبْكِ رَسُولَ اللَّهِ مَنْ كَانَ باكيًا … فلا تَنْسَ قَبْرًا بالمدينةِ ثَاويَا جَزَى اللهُ عنَّا كُلَّ خَيْرٍ مُحمَّدًا … فَقَدْ كانَ مَهدِيًّا وقَدْ كانَ هَادِيا وكانَ رَسُولُ اللهِ رُوحًا ورَحْمَةً … وَنُورًا وبُرهانًا مِنَ اللَّهِ بادِيا وكانَ رَسُولُ اللَّهِ بالخيرِ آمِرًا … وكانَ عَنِ الفَحْشَاءِ والسُّوءِ ناهِيا وكانَ رَسُولُ اللهِ بالقِسْطِ قائمًا (٣) … وكان لِمَا اسْتَرْعَاهُ مَوْلَاهُ رَاعِيا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْعُو إلى الهُدَى … فَلَبَّى رَسُولُ اللهِ لَبَّيْهِ داعِيا أيُنْسَى أبَرُّ الناس بالنَّاسِ كُلِّهِم … وأَكْرَمُهُمْ بيتًا وشِعْبًا ووادِيا أيُنْسَى رسولُ اللَّهِ أكرمُ مَنْ مَشَى … وآثارُهُ بالمَسْجِدَيْنِ كما هِيَا تَكَدَّرَ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ … عليه سَلامُ كُلِّ ما كانَ صافِيا (٤) رَكَنَّا إلى الدُّنيا الدَّنِيَّةِ بعدَهُ … وكَشَّفَتِ الأطْمَاعُ مِنَّا مَسَاوِيا وكَمْ مِن مَنَارٍ كانَ أوْضَحَهُ لَنَا … ومِنْ عَلَم أَمْسَى وأصْبَحَ عافِيا (٥) إذا المرءُ لم يلبَسْ ثِيابًا مِنَ التُّقَى … تقلَّبَ عُريانًا وإن كان كاسِيا وخيرُ خِصالِ المرءِ طاعَةُ ربِّهِ … ولا خَيْرَ فيمَنْ كانَ للَّهِ عاصِيا * * *

стр. 210

وظيفة شهر رجب خرجا في "الصحيحين" (١) من حديث أبي بَكْرَةَ أنَّ النبي ﷺ خَطَبَ في حجَّةِ الوداعِ فقال في خُطبتِهِ: "إنَّ الزَّمانَ قد اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خَلَقَ الله السَّماواتِ والأرْضَ، السَّنةُ اثنا عشَرَ شهرًا؛ منها أربعة حرمٌ: ثلاثة متواليات: ذو القَعْدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحرمُ، ورَجَبُ (٢) مُضَرَ الذي بين جُمادَى وشَعبانَ" وذكَرَ الحديثَ. قال الله : ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهورِ عندَ اللَّهِ اثنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتاب اللّهِ يومَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ مِنها أَرْبَعَة حُرُمٌ ذلِكَ الدِّين القَيمُ فَلَا تَظْلِمُوا فيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ (٣)، فأَخبَرَ سبحانَه أنَّه مُنْذُ خلَقَ السَّماواتِ والأرضَ وخلَقَ اللّيلَ والنهارَ يَدُورانِ في الفلكِ، وخلَقَ ما في الماءِ من الشَّمسِ والقمرِ والنجومِ، وجعَلَ الشَّمسَ والقمَرَ يَسبحانِ في الفلكِ، فينشأ (٤) منهما ظلمةُ اللَّيلِ وبياضُ النَّهارِ؛ فمِنْ حينئذٍ جَعَلَ السَّنةَ اثني عشر شهرًا بحسبِ الهلالِ. فالسنةُ في الشرع مُقدَّرةٌ بسيرِ القمر وطلوعِهِ، لا بِسيرِ الشمسِ وانتقالِها، كما يَفعلُه أهلُ الكتابِ.

стр. 211

وجَعَلَ اللهُ تعالى مِن هذه الأشهرِ أربعةَ أشهرٍ حُرُمًا، وقد فَسَّرَها النبي ﷺ في هذا الحديثِ، وذكَرَ أنَّهَا ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القَعْدَةِ، وذو الحِجَّةِ، والمُحرمُ، وواحدٌ فردٌ، وهو شهرُ رَجَب. وهذا قد يَستدلُّ به مَن يقولُ: إنها من سنتين. وقد رُوي من حديث ابن عُمَرَ مرفوعًا: "أولُهُنَّ رَجَبٌ"، وفي إسناده موسى بن عُبيدة (١)، وفيه ضعفٌ شديدٌ من قِبَلِ حِفْظِهِ. وقد حُكي عن أهلِ المدينة أنهم جَعلوها من سنتينِ، وأنَّ أوَّلَها ذو القَعْدَةِ، ثم ذو الحِجَّةِ، ثم المُحرمُ، ثم رجَبٌ، فيكونُ رَجَبٌ آخرَها. وعن بعض المدنيين أن أوَّلَها رَجَبٌ، ثم ذو القَعْدَةِ، ثم ذو الحِجَّةِ [ثم المُحَرَّمُ. وعن بعضِ أهلِ الكوفة أنها من سنةٍ واحدةٍ؛ أَوَّلُها المُحرمُ، ثم رَجَبٌ، ثم ذو القَعْدَةِ، ثم ذو الحِجَّةِ] (٢). واختُلِفَ في أيِّ هذه الأشهر الحُرمِ أفضلُ؛ فقيل: رجبٌ، قاله بعضُ الشافعية، وضعَّفَه النوَوي وغيرُه. وقيل: المُحَرمُ، قاله الحسنُ، ورجَّحَه النَّوَوِيُّ. وقيل: ذو الحِجَّةِ، رُوي عن سعيد بن جبير وغيرِه، وهو أظهرُ، والله أعلم. وقوله ﷺ : "إن الزمانَ قد اسْتَدَارَ كهيئَتِه يومَ خَلَقَ الله السَّماواتِ والأرضَ، السنةُ اثنا عَشَرَ شهرًا" مُرادُه بذلك إبطالُ ما كانتِ الجاهليةُ تفعلُه من النَّسيء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (٣). وقد اختُلِفَ في تفسيرِ النسيء، فقالت طائفة: كانوا يُبدلُون بعضَ الأشهرِ الحُرمِ بغيرِها مِنَ الأشهرِ، فيحرمُونَها بدلَها، ويُحلون ما أرادُوا تحليلَه مِن الأشهرِ الحُرم إذا احْتاجُوا إلى ذلك، ولكن لا يَزيدُون في عَددِ الأشهرِ الهلاليةِ شيئًا. ثم مِن أهلِ هَذه المقالةِ مَنْ قالَ: كانوا يُحلُّونَ المُحرمَ فيَسْتَحِلونَ القِتالَ فيه؛ لطولِ مدَّةِ التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهرٍ مُحرمةٍ، ثم يُحرمونَ صَفَرَ مَكانَهُ، فكأنهُم يقترِضُونَه ثم يُوفونَه. ومنهم مَن قال: كانوا يُحلونَ

стр. 212

المُحرَّم مَعَ صَفَرَ مِن عامٍ ويُسمُّونَهما صَفَرينِ، ثم يحرِّمُونهما مِن عامٍ قابلٍ ويسمُّونَهما محرمين، قاله ابن زيد بن أسلم (١). وقيل: بل كانوا رُبَّما احْتَاجُوا إلى صَفَرَ أيضًا فأحَلُّوه وجَعَلوا مكانَه ربيعًا، ثمَّ يَدورُ كذلك التحريمُ والتَّحليلُ والتأخير (٢)، إلى أن جاء الإِسلامُ ووافَقَ حجَّةَ الودَاعِ، صارَ رجوعُ التَّحريمِ إلى مُحرَّم الحقيقيّ، وهذا هو الذي رَجَّحَه أبو عبيد، وعلى هذا فالتَّغييرُ إنما وَقَعَ في عَيْنِ الأشهُرِ الحُرُمِ خاصةً. وقالت طائفة أخرى: بَلْ كانوا يَزِيدون في عددِ شهورِ السَّنَةِ، وظاهِرُ الآية يُشعِرُ بذلك، حيث قال الله تعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عندَ اللهِ اثنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (٣) فذكَرَ هذا توطئةً لِهَدْمِ النَّسِيءِ وإبطالِهِ. ثم مِن هؤلاءِ مَنْ قال: كانوا يَجعلُون السَّنَةَ ثلاثَةَ عَشَرَ شهرًا، قاله مجاهد وأبو مالك؛ قال أبو مالك: كانوا يَجعلون السَّنَةَ ثلاثَةَ عَشَرَ شهرًا، ويجعلون المُحَرمَ صَفَرًا. وقال مجاهد: كانوا يُسقِطون المُحرَّمَ، ثم يَقولون: صَفَرينِ، لصفَرَ وربيع الأوَّل وربيع الآخر، ثم يقولون: [شهرا ربيعٍ، ثم يقولون] (٤) لرمضان شعبانُ، ولشوال رمضانُ، ولذِي القَعْدَةِ شوالٌ، ولذِي الحِجَّةِ ذو القَعْدَة، على وجهِ ما ابتدأوا. وللمحرمِ ذو الحِجَّة، فيَعدُّون ما ناسؤوا على مستقبله، على وجه ما ابتدأوا. وعنه (٥) قال: كانت الجاهلية يَحجُّون في كلِّ شهرٍ مِن شهورِ السَّنةِ عامينِ، فوافَقَ حجُّ رسولِ اللهِ ﷺ في ذي الحِجَّةِ، فقال: "هذا يومٌ اسْتدَار الزَّمانُ كهيئته يومَ خَلَقَ اللّهُ السَّماواتِ والأرضَ. ومن هؤلاء مَن قال: كانت الجاهلية يجعلونَ الشهور (٦) اثني عشَرَ شهرًا وخمسةَ

стр. 213

أيام، قاله إياسُ بن مُعاوَية (١). وهذا العدد (٢) قريبٌ من عددِ السَّنَةِ الرُّوميَّةِ، ولهذا جاء في مراسِيل عِكْرِمَةَ بن خالد أنَّ النبي ﷺ ، قال في خطبته يومَ النَّحرِ (٣): "والشهرُ هكذا وهكذا وهكذا، وخَنَسَ (٤) إبهامَه في الثالثة (٥)، وهكذا وهكذا وهكذا، يعني ثلاثين (٦)، فأشارَ إلى أن الشَّهر هلالِيٌّ. ثم تارةً ينقُصُ وتارةً يتِمُّ، ولعلَّ أهلَ النَّسِيء كانوا يُتِمُّون الشُّهور كلَّها، وَيزيدون عليها، واللّه أعلم. وقد قيل: إن ربيعةَ ومُضَرَ كانوا يُحرِّمُون أربعةَ أشهرٍ مِنَ السنةِ مع اختلافِهِم في تعيينِ رجبٍ منها، كما سنذكرُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ تعالى. وكانت بَنُو عَوْف بن لُؤيّ يُحرِّمون مِن السَّنة ثَمانيةَ أشهرٍ، وهذا مُبالغةٌ في الزيادة على ما حرَّمه اللّه. واخْتَلَفُوا في أيِّ عامٍ عاد الحجُّ إلى ذي الحِجَّةِ على وجهِهِ، واسْتَدَار الزَّمان فيه كهيئتِهِ؛ فقالت طائفة: إنما عادَ على وجهِهِ في حجَّةِ الوداع. وأمَّا حجَةُ أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، فكانت قد وقعت في ذي القَعْدَةِ، هذا قولُ مجاهد وعِكْرِمَةَ بن خالد وغيرِهما. وقيل: إنَّه اجْتَمَعَ في ذلك العامِ حجُّ الأممِ كلِّها في وقتٍ واحدٍ، فلذاك سُمِّيَ يومَ الحجِّ الأكبرِ. وقالت طائفة: بل وَقَعَتْ حجَّةُ الصِّدِّيق في ذي الحِجّةِ؛ قاله الإمامُ أحمد، وأنكَرَ قولَ مجاهد، واستدَلَّ بأنَّ النبي ﷺ أمَرَ عليًّا فنادَى يومَ النَّحْرِ: "لا يحجُّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ" (٧). وفي روايةٍ: "واليومُ يومُ الحَجِّ الأكبرِ". وقد قال الله تعالى:

стр. 214

﴿وأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (١). فسمَّاهُ يومَ الحَجِّ الأكبرِ، وهذا يَدُل على أن النِّداءَ وَقَعَ في ذي الحِجَّةِ. وخرَّج الطبرَانيُّ في "أوسطِه" (٢) من حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان العربُ يُحِلُّونَ عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، ولا يُصيبونَ الحجَّ إلَّا في كلِّ ستةٍ وعشرينَ سنةً مرةً واحدةً (٣)، وهو النَّسيء الذي ذكَرَه اللّهُ في كتابه، فلما كان عام حَجّ أبو بكر الصَدِّيقُ بالنَّاسِ، وافَقَ في ذلك العامِ الحجَّ؛ فسمَّاه اللّهُ يومَ الحَجِّ الأكبرِ. ثمَّ حَجَّ النبي ﷺ في العامِ المُقْبِلِ، فاستقبَلَ النَّاسُ الأهِلَّةَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إن الزَّمانَ قد اسْتَدَارَ كهيئَتِهِ يومَ خَلَقَ اللّهُ السماواتِ والأرْضَ". وقيل: بل استدارةُ الزَّمانِ كهيئَتِهِ كان مِن عامِ الفتح. وخرَّج البزارُ في "مسندِه" (٤) من حديث سَمُرةَ بن جُنْدَب أن رسولَ اللّه ﷺ ، قال لهم يومَ الفتح: "إنَّ هذا العامَ الحجُّ الأكبر، قد اجتمعَ حَجُّ المسلمين وحَجُّ المشركين في ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ، واجتمَعَ حَجُّ اليهودِ والنَّصَارَى في ستَّةِ أيامٍ متتابعاتٍ، ولم يجتمعْ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرض، ولا يجتمعُ بعدَ العامِ حتَّى تقومَ السَّاعةُ. وفي إسنادِه يوسُفَ السَّمْتِيُّ (٥)، وهو ضعيفٌ جدًّا. واختلفوا لِمَ سُمِّيَتْ هذه الأشهر الأربعةُ حُرُمًا.

стр. 215

فقيل: لعظمِ حُرمتِها وحُرمةِ الذَّنْبِ فيها. قال علي بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: اختص اللهُ أربعَةَ أشهرٍ جعلَهنَّ حُرمًا، وعظَّمَ حُرماتِهِنَّ، وجعَلَ الذَّنْبَ فيهنَّ أعظَمَ، وجعَلَ العملَ الصالحَ والأجرَ أعظَمَ. قال كعبٌ: اختارَ اللّهُ الزمانَ، فأحبُّهُ إلى اللّه الأشهر الحُرم. وقد رُوِيَ مرفوعًا، ولا يصِحُّ رفعُه. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهن أَنْفُسَكمْ﴾ (١): إن المرادَ في الأشهرِ الحُرم. وقيل: بل في جميعِ شهور السَّنةِ. وقيل: إنَّما سمِّيتْ حُرمًا لتحريم القتالِ فيها، وكان ذلك معروفًا في الجاهلية. وقيل: إنَّه كان في (٢) عهدِ إبراهيمَ ﵇. وقيل: إن سبَبَ تحريمِ هذه الأشهرِ الأربعة بينَ العربِ لأجل التمكُّنِ مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ. فحُرِّمَ شهرُ ذي الحِجَّةِ؛ لوقوع الحجّ فيه. وحُرِّمَ معه شهرُ ذي القَعْدَةِ؛ للسَّيْرِ فيه إلى الحجِّ. وشهرُ المحرَّمِ؛ للرجوعِ فيه مِن الحجّ، حتى يأمَنَ الحاجُّ على نفسِهِ مِن حين يخرجُ من بيتِه إلى أن يرجعَ إليه. وحرِّمَ شهرُ رَجَبٍ، للاعتمارِ فيه في وسطِ السنَةِ، فيعتمِر فيه مَنْ كانَ قريبًا من مَكَّةَ. وقد شرَعَ اللّهُ في أوَّلِ الإِسلام تحريمَ القتالِ في الشهر الحرام، قال تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائرَ اللّه وَلَا الشَّهْرَ الحَرَامَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فيهِ قُلْ قِتَالٌ فيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عن سَبيلِ اللّهِ وكُفْرٌ بهِ والمَسْجِدِ الحَرَامِ وإخراجُ أَهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عندَ اللهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ (٤). وخرَّج ابن أبي حاتم (٥) بإسنادِه عن جُنْدُبِ بن عبد الله أنَّ النبي ﷺ بَعَثَ رَهطًا وبَعثَ عليهم عبدَ اللّهِ بنَ جَحْشٍ، فلوا ابنَ الحَضرمي فقتلُوه، ولم يَدْرُوا أنَّ ذلك مِن رجبٍ أو من جُمادَى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزَلَ الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَال فيهِ قُلْ قِتالٌ فيهِ كَبيرٌ﴾ (٦) الآية.
следующие страницы →