← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وجَعَلَ اللهُ تعالى مِن هذه الأشهرِ أربعةَ أشهرٍ حُرُمًا، وقد فَسَّرَها النبي ﷺ في هذا الحديثِ، وذكَرَ أنَّهَا ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القَعْدَةِ، وذو الحِجَّةِ، والمُحرمُ، وواحدٌ فردٌ، وهو شهرُ رَجَب. وهذا قد يَستدلُّ به مَن يقولُ: إنها من سنتين. وقد رُوي من حديث ابن عُمَرَ مرفوعًا: "أولُهُنَّ رَجَبٌ"، وفي إسناده موسى بن عُبيدة (١)، وفيه ضعفٌ شديدٌ من قِبَلِ حِفْظِهِ. وقد حُكي عن أهلِ المدينة أنهم جَعلوها من سنتينِ، وأنَّ أوَّلَها ذو القَعْدَةِ، ثم ذو الحِجَّةِ، ثم المُحرمُ، ثم رجَبٌ، فيكونُ رَجَبٌ آخرَها. وعن بعض المدنيين أن أوَّلَها رَجَبٌ، ثم ذو القَعْدَةِ، ثم ذو الحِجَّةِ [ثم المُحَرَّمُ. وعن بعضِ أهلِ الكوفة أنها من سنةٍ واحدةٍ؛ أَوَّلُها المُحرمُ، ثم رَجَبٌ، ثم ذو القَعْدَةِ، ثم ذو الحِجَّةِ] (٢). واختُلِفَ في أيِّ هذه الأشهر الحُرمِ أفضلُ؛ فقيل: رجبٌ، قاله بعضُ الشافعية، وضعَّفَه النوَوي وغيرُه. وقيل: المُحَرمُ، قاله الحسنُ، ورجَّحَه النَّوَوِيُّ. وقيل: ذو الحِجَّةِ، رُوي عن سعيد بن جبير وغيرِه، وهو أظهرُ، والله أعلم. وقوله ﷺ : "إن الزمانَ قد اسْتَدَارَ كهيئَتِه يومَ خَلَقَ الله السَّماواتِ والأرضَ، السنةُ اثنا عَشَرَ شهرًا" مُرادُه بذلك إبطالُ ما كانتِ الجاهليةُ تفعلُه من النَّسيء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (٣). وقد اختُلِفَ في تفسيرِ النسيء، فقالت طائفة: كانوا يُبدلُون بعضَ الأشهرِ الحُرمِ بغيرِها مِنَ الأشهرِ، فيحرمُونَها بدلَها، ويُحلون ما أرادُوا تحليلَه مِن الأشهرِ الحُرم إذا احْتاجُوا إلى ذلك، ولكن لا يَزيدُون في عَددِ الأشهرِ الهلاليةِ شيئًا. ثم مِن أهلِ هَذه المقالةِ مَنْ قالَ: كانوا يُحلُّونَ المُحرمَ فيَسْتَحِلونَ القِتالَ فيه؛ لطولِ مدَّةِ التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهرٍ مُحرمةٍ، ثم يُحرمونَ صَفَرَ مَكانَهُ، فكأنهُم يقترِضُونَه ثم يُوفونَه. ومنهم مَن قال: كانوا يُحلونَ

стр. 212

المُحرَّم مَعَ صَفَرَ مِن عامٍ ويُسمُّونَهما صَفَرينِ، ثم يحرِّمُونهما مِن عامٍ قابلٍ ويسمُّونَهما محرمين، قاله ابن زيد بن أسلم (١). وقيل: بل كانوا رُبَّما احْتَاجُوا إلى صَفَرَ أيضًا فأحَلُّوه وجَعَلوا مكانَه ربيعًا، ثمَّ يَدورُ كذلك التحريمُ والتَّحليلُ والتأخير (٢)، إلى أن جاء الإِسلامُ ووافَقَ حجَّةَ الودَاعِ، صارَ رجوعُ التَّحريمِ إلى مُحرَّم الحقيقيّ، وهذا هو الذي رَجَّحَه أبو عبيد، وعلى هذا فالتَّغييرُ إنما وَقَعَ في عَيْنِ الأشهُرِ الحُرُمِ خاصةً. وقالت طائفة أخرى: بَلْ كانوا يَزِيدون في عددِ شهورِ السَّنَةِ، وظاهِرُ الآية يُشعِرُ بذلك، حيث قال الله تعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عندَ اللهِ اثنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (٣) فذكَرَ هذا توطئةً لِهَدْمِ النَّسِيءِ وإبطالِهِ. ثم مِن هؤلاءِ مَنْ قال: كانوا يَجعلُون السَّنَةَ ثلاثَةَ عَشَرَ شهرًا، قاله مجاهد وأبو مالك؛ قال أبو مالك: كانوا يَجعلون السَّنَةَ ثلاثَةَ عَشَرَ شهرًا، ويجعلون المُحَرمَ صَفَرًا. وقال مجاهد: كانوا يُسقِطون المُحرَّمَ، ثم يَقولون: صَفَرينِ، لصفَرَ وربيع الأوَّل وربيع الآخر، ثم يقولون: [شهرا ربيعٍ، ثم يقولون] (٤) لرمضان شعبانُ، ولشوال رمضانُ، ولذِي القَعْدَةِ شوالٌ، ولذِي الحِجَّةِ ذو القَعْدَة، على وجهِ ما ابتدأوا. وللمحرمِ ذو الحِجَّة، فيَعدُّون ما ناسؤوا على مستقبله، على وجه ما ابتدأوا. وعنه (٥) قال: كانت الجاهلية يَحجُّون في كلِّ شهرٍ مِن شهورِ السَّنةِ عامينِ، فوافَقَ حجُّ رسولِ اللهِ ﷺ في ذي الحِجَّةِ، فقال: "هذا يومٌ اسْتدَار الزَّمانُ كهيئته يومَ خَلَقَ اللّهُ السَّماواتِ والأرضَ. ومن هؤلاء مَن قال: كانت الجاهلية يجعلونَ الشهور (٦) اثني عشَرَ شهرًا وخمسةَ

стр. 213

أيام، قاله إياسُ بن مُعاوَية (١). وهذا العدد (٢) قريبٌ من عددِ السَّنَةِ الرُّوميَّةِ، ولهذا جاء في مراسِيل عِكْرِمَةَ بن خالد أنَّ النبي ﷺ ، قال في خطبته يومَ النَّحرِ (٣): "والشهرُ هكذا وهكذا وهكذا، وخَنَسَ (٤) إبهامَه في الثالثة (٥)، وهكذا وهكذا وهكذا، يعني ثلاثين (٦)، فأشارَ إلى أن الشَّهر هلالِيٌّ. ثم تارةً ينقُصُ وتارةً يتِمُّ، ولعلَّ أهلَ النَّسِيء كانوا يُتِمُّون الشُّهور كلَّها، وَيزيدون عليها، واللّه أعلم. وقد قيل: إن ربيعةَ ومُضَرَ كانوا يُحرِّمُون أربعةَ أشهرٍ مِنَ السنةِ مع اختلافِهِم في تعيينِ رجبٍ منها، كما سنذكرُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ تعالى. وكانت بَنُو عَوْف بن لُؤيّ يُحرِّمون مِن السَّنة ثَمانيةَ أشهرٍ، وهذا مُبالغةٌ في الزيادة على ما حرَّمه اللّه. واخْتَلَفُوا في أيِّ عامٍ عاد الحجُّ إلى ذي الحِجَّةِ على وجهِهِ، واسْتَدَار الزَّمان فيه كهيئتِهِ؛ فقالت طائفة: إنما عادَ على وجهِهِ في حجَّةِ الوداع. وأمَّا حجَةُ أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، فكانت قد وقعت في ذي القَعْدَةِ، هذا قولُ مجاهد وعِكْرِمَةَ بن خالد وغيرِهما. وقيل: إنَّه اجْتَمَعَ في ذلك العامِ حجُّ الأممِ كلِّها في وقتٍ واحدٍ، فلذاك سُمِّيَ يومَ الحجِّ الأكبرِ. وقالت طائفة: بل وَقَعَتْ حجَّةُ الصِّدِّيق في ذي الحِجّةِ؛ قاله الإمامُ أحمد، وأنكَرَ قولَ مجاهد، واستدَلَّ بأنَّ النبي ﷺ أمَرَ عليًّا فنادَى يومَ النَّحْرِ: "لا يحجُّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ" (٧). وفي روايةٍ: "واليومُ يومُ الحَجِّ الأكبرِ". وقد قال الله تعالى:

стр. 214

﴿وأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (١). فسمَّاهُ يومَ الحَجِّ الأكبرِ، وهذا يَدُل على أن النِّداءَ وَقَعَ في ذي الحِجَّةِ. وخرَّج الطبرَانيُّ في "أوسطِه" (٢) من حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان العربُ يُحِلُّونَ عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، ولا يُصيبونَ الحجَّ إلَّا في كلِّ ستةٍ وعشرينَ سنةً مرةً واحدةً (٣)، وهو النَّسيء الذي ذكَرَه اللّهُ في كتابه، فلما كان عام حَجّ أبو بكر الصَدِّيقُ بالنَّاسِ، وافَقَ في ذلك العامِ الحجَّ؛ فسمَّاه اللّهُ يومَ الحَجِّ الأكبرِ. ثمَّ حَجَّ النبي ﷺ في العامِ المُقْبِلِ، فاستقبَلَ النَّاسُ الأهِلَّةَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إن الزَّمانَ قد اسْتَدَارَ كهيئَتِهِ يومَ خَلَقَ اللّهُ السماواتِ والأرْضَ". وقيل: بل استدارةُ الزَّمانِ كهيئَتِهِ كان مِن عامِ الفتح. وخرَّج البزارُ في "مسندِه" (٤) من حديث سَمُرةَ بن جُنْدَب أن رسولَ اللّه ﷺ ، قال لهم يومَ الفتح: "إنَّ هذا العامَ الحجُّ الأكبر، قد اجتمعَ حَجُّ المسلمين وحَجُّ المشركين في ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ، واجتمَعَ حَجُّ اليهودِ والنَّصَارَى في ستَّةِ أيامٍ متتابعاتٍ، ولم يجتمعْ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرض، ولا يجتمعُ بعدَ العامِ حتَّى تقومَ السَّاعةُ. وفي إسنادِه يوسُفَ السَّمْتِيُّ (٥)، وهو ضعيفٌ جدًّا. واختلفوا لِمَ سُمِّيَتْ هذه الأشهر الأربعةُ حُرُمًا.

стр. 215

فقيل: لعظمِ حُرمتِها وحُرمةِ الذَّنْبِ فيها. قال علي بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: اختص اللهُ أربعَةَ أشهرٍ جعلَهنَّ حُرمًا، وعظَّمَ حُرماتِهِنَّ، وجعَلَ الذَّنْبَ فيهنَّ أعظَمَ، وجعَلَ العملَ الصالحَ والأجرَ أعظَمَ. قال كعبٌ: اختارَ اللّهُ الزمانَ، فأحبُّهُ إلى اللّه الأشهر الحُرم. وقد رُوِيَ مرفوعًا، ولا يصِحُّ رفعُه. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهن أَنْفُسَكمْ﴾ (١): إن المرادَ في الأشهرِ الحُرم. وقيل: بل في جميعِ شهور السَّنةِ. وقيل: إنَّما سمِّيتْ حُرمًا لتحريم القتالِ فيها، وكان ذلك معروفًا في الجاهلية. وقيل: إنَّه كان في (٢) عهدِ إبراهيمَ ﵇. وقيل: إن سبَبَ تحريمِ هذه الأشهرِ الأربعة بينَ العربِ لأجل التمكُّنِ مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ. فحُرِّمَ شهرُ ذي الحِجَّةِ؛ لوقوع الحجّ فيه. وحُرِّمَ معه شهرُ ذي القَعْدَةِ؛ للسَّيْرِ فيه إلى الحجِّ. وشهرُ المحرَّمِ؛ للرجوعِ فيه مِن الحجّ، حتى يأمَنَ الحاجُّ على نفسِهِ مِن حين يخرجُ من بيتِه إلى أن يرجعَ إليه. وحرِّمَ شهرُ رَجَبٍ، للاعتمارِ فيه في وسطِ السنَةِ، فيعتمِر فيه مَنْ كانَ قريبًا من مَكَّةَ. وقد شرَعَ اللّهُ في أوَّلِ الإِسلام تحريمَ القتالِ في الشهر الحرام، قال تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائرَ اللّه وَلَا الشَّهْرَ الحَرَامَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فيهِ قُلْ قِتَالٌ فيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عن سَبيلِ اللّهِ وكُفْرٌ بهِ والمَسْجِدِ الحَرَامِ وإخراجُ أَهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عندَ اللهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ (٤). وخرَّج ابن أبي حاتم (٥) بإسنادِه عن جُنْدُبِ بن عبد الله أنَّ النبي ﷺ بَعَثَ رَهطًا وبَعثَ عليهم عبدَ اللّهِ بنَ جَحْشٍ، فلوا ابنَ الحَضرمي فقتلُوه، ولم يَدْرُوا أنَّ ذلك مِن رجبٍ أو من جُمادَى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزَلَ الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَال فيهِ قُلْ قِتالٌ فيهِ كَبيرٌ﴾ (٦) الآية.

стр. 216

ورَوَى السُّدِّيُّ عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مُرة، عن ابن مسعودٍ في هذه الآية، فذكروا هذه القصةَ مبسوطةً، وقالوا فيها: فقال المشركون. يزعمُ محمد أنَّه يتبعُ طاعةَ اللَّهِ وهو أوَّلُ مَن استحلَّ الشهرَ الحَرَامَ، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جُمَادَى. وقيل: في أولِ رَجَبٍ وآخِرِ ليلةٍ مِن جُمَادَى، وغَمَدَ المسلمونَ سيوفَهم حين دَخَلَ شهرُ رَجَبٍ، وأنزَلَ اللهُ تعالى تعييرًا لأهلِ مكةَ ﴿يَسْأَلونَكَ عَن الشهرِ الحَرَامِ قِتال فيه قُلْ قِتالٌ فيهِ كَبير﴾ لا يحلُّ، وما صنعتم أنتم يا معشرَ المشركين أكبرُ مِن القَتْلِ في الشهرِ الحرام، حين كفرتم باللَّهِ، وصددْتُم عن محمَّدٍ وأصحابِه. وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ حَينَ أَخْرَجُوا منه محمدًا ﷺ أكبَرُ مِنَ القتلِ عندَ اللَّهِ (١). وقد رُوي عن ابن عباس هذا المعنى من رواية العوفي عنه، ومِن رواية أبي سعد البقال (٢)، عن عكرمة، عنه (٣). ومن رواية الكلبي، عن أبي صالح، عنه (٤). وذكر ابنُ إسحاق (٥) أن ذلك كان في آخر يوم من رجب، وأنهم خافوا إنْ أخَّرُوا القِتالَ أن يسبقَهم المشركونَ فيدخلوا الحرَمَ فيأْمَنُوا. وأنَّهم لمَّا قدمُوا على النبي ﷺ قال لهم: ما أمرتُكُم بالقتال (٦) في الشهر الحرامِ، ولم يأخذْ مِن غنيمتهم شيئًا (٧). وقالت قريش: قد استحل محمَّدٌ وأصحابهُ الشهرَ الحرامَ. فقال مَن بمكةَ من المسلمين: إنما قَتَلُوهم في شعبانَ (٨). فلمَّا أكثَرَ النَّاسُ في ذلك نَزَل قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَن الشهرِ الحَرَامِ قِتالٍ فيهِ﴾، الآية.

стр. 217

ورُوِي نحو هذا السياقِ عن عروةَ، والزُّهريّ وغيرهما. وقيل: إنَّها كانت أول غنيمةٍ غنِمَها المسلمون (١). وقال عبد الله بن جحش في ذلك، وقيل: إنها لأبي بكر الصِّدِّيق ﵁ (٢): تَعُدُّونَ قتلًا في الحَرَامِ عظيمةً … وأَعْظَمُ منه لو يَرى الرشْدَ رَاشِدُ صدودُكُمُ عمَّا يقولُ محمدٌ … وكُفْرٌ بهِ واللهُ راءٍ وشاهدُ وَإخْراجُكُم من مسجدِ اللهِ أهلَهُ … لِئلَّا يُرَى لله في البَيْتِ ساجِدُ في أبيات أخر. وقد اختلفَ العلماءُ في حكم القتالِ في الأشهرِ الحُرُمِ، هل تحريمُهُ باقٍ أَمْ نُسِخَ؛ فالجمهورُ على أنه نُسِخَ تحريمُه، ونصَّ على نسخِهِ الإمامُ أحمدُ وغيرُه مِن الأئمة. وذهب طائفةٌ مِن السَّلَف، منهم عطاءٌ، إلى بقاءِ تحريمِهِ، ورجّحَهُ بعضُ المتأخِّرينَ واستدَلُّوا بآية المائدةِ (٣)، والمائدةُ مِن آخرِ ما نَزَلَ من القرآنِ (٤). وقد رُوِي: "أحِلُّوا حَلَالَها وحرِّمُوا حَرَامَها" (٥). وقيل: ليس فيها منسوخٌ (٦). وفي "المسند" أن عائشةَ ﵂، قالت: "هي آخرُ سورةٍ نزلَتْ، فما وجدتُم فيها من حلال فاسْتحِلوه، وما وجدْتم فيها مِن حرام فحرمُوه" (٧). ورَوَى الإمامُ أحمد في "مسنده": حدثنا إسحاقُ بن عيسى، حدثنا ليثُ بن سعد، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: "لم يكن رسولُ اللهِ ﷺ يَغزُو في الشهرِ الحرامِ إلَّا أن يُغْزَى وَيغزو (٨)، فإذا حضرَهُ أقامَ حتَّى ينسلخَ" (٩).

стр. 218

وذكَرَ بعضُهم أن النبي ﷺ حاصَرَ الطائفَ في شوَّال، فلمَّا دخَلَ ذو القعدة لم يُقاتِلْ، بل صابَرَهُم، ثم رجعَ. وكذلك في عمرة الحُديبية لم يُقاتل حتَّى بلغه أن عثمانَ قُتِلَ، فبايَعَ على القتال، ثم لمَّا بلَغَه أن ذلك لا حقيقةَ له كَفّ. واستدل الجمهور بأن الصحابةَ اشتغلُوا بعدَ النبي ﷺ بفتحِ البلادِ ومواصلة القتالِ والجهادِ، ولم يُنقَل عن أحدٍ منهم أنه توقف عن القتالِ وهو طالبٌ له في شيءٍ من الأشهرِ الحُرُمِ، وهذا يدُل على اجتماعهم (١) على نسخِ ذلك، والله أعلم. ومِن عجائبِ الأشهرِ الحُرُم ما رُوِي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه ذكَرَ عجائبَ الدنيا، فعَدَّ منها بأرضِ عَاد عمودَ نُحاس، عليه شجرةٌ من نحاس، فإذا كان في الأشهرِ الحُرُم قَطَرَ منها (٢) الماء، فملؤوا منه حياضَهم، وسَقوا مواشيَهم وزروعَهم، فإذا ذهب الأشهرُ الحُرُمُ انقطَعَ الماءُ. وقوله "ورَجَبُ مُضَر سُمِّيَ رجبٌ رجبًا؛ لأنَّه كان يُرجَّبُ، أي يُعظَّمُ، كذا قال الأصمعيّ، والمفضَّل، والفرَّاء. وقيل: لأنَّ الملائكةَ تترجَّب للتسبيحِ والتحميدِ فيه، وفي ذلك حديثٌ [مرفوعٌ إلا أنه] (٣) موضوع. وأما إضافتُه إلى "مُضَرَ"، فقيل: لأن مُضَرَ كانت تزيدُ في تعظيمِه واحترامِه، فنُسِبَ إليهم لذلك. وقيل: بل كانت ربيعةُ تُحرمُ رَمَضانَ، وتُحَرمُ مُضَرُ رَجَبًا، فلذلك مسمَّاه رَجَبَ مُضَرَ، وحقَّقَ ذلك بقوله "الذي بين جُمادَى وشعبان". وذكر بعضُهم أن لشهرِ رجبٍ أربعةَ عشَرَ اسما: شهرُ اللهِ، ورجَبٌ، ورجَبُ مُضَرَ، ومُنْصِلُ (٤) الأسِنةِ، والأصَمُّ (٥)، والأصبُّ، ومُنَفِسٌ، ومُطَهِّرٌ، ومُعَلَّى، ومقيمٌ (٦)، وهَرِمٌ، ومُقشقِشٌ، ومُبرّئ، وفَرْدٌ. وذكر غيرُه أن له سبعةَ عشرَ اسمًا، فزاذ "رجم" بالميم، ومُنْصِل الألَّة، وهي الحربة، ومنزِعُ الأسِنَّةِ. ويتعلَّقُ بشهر رجبَ أحكام

стр. 219

كثيرةٌ؛ فمنها ما كان في الجاهليةِ، واختلَفَ العلماءُ في استمراره في الإسلام، كالقتال، وقد سبق ذكرُه، وكالذبائح، فإنهم كانوا في الجاهليةِ يذبَحون ذَبيحةً يسمُّونها العتيرَة. واختلفَ العلماءُ في حكمها في الإسلام؛ فالأكثرون على أن الإسلامَ أبطلَهَا. وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا فَرَعَ (١) ولا عَتِيرَة" (٢). ومنهم من قال: بل هي مُستحبَّةٌ؛ منهم ابنُ سيرين. وحكاه الإمامُ أحمد عن أهلِ البصرة. ورجَّحَه طائفةٌ من أهلِ الحديثِ المتأخرين. ونقل حنبلٌ عن أحمد نحوَه. وفي سنن أبي داودَ والنسائي وابن ماجه، عن مِخنف بن سُليم [الغَامِدي] (٣) أن النبي ﷺ ، قال بعرفة: إن على كُلِّ أهل بيتٍ في كل عام أُضْحِيَّةً (٤) وعَتِيرةً (٥)، وهي التي يسمُّونها الرجَبِيَّةَ (٦). وفي النَّسَائِي (٧) عن نُبَيْشَةَ أنهم قالوا: يا رسولَ الله، إنا كنا نَعْتِرُ فيه في الجاهلية، يعني في رَجَبَ. قال: "اذبحوا للهِ في أيِّ شهرٍ كان، وبرُّوا الله وأطعِمُوا".

стр. 220

وروى الحارث بن عمرو (١): أن النبي ﷺ سُئِلَ عن الفَرَعِ والعَتَائرِ، فقال: "مَنْ شاءَ فَرَّعَ، ومَنْ شاء لم يُفرِّع؛ ومَنْ شاء عَتَرَ ومَنْ شَاءَ لم يَعْتِرْ" (٢). وفي حديثٍ آخرَ، قال: "العَتيرةُ حقٌّ" (٣). وفي النَّسَائِي (٤) عن أبي رَزين، قال: قلتُ يا رسولَ اللهِ، كنا نذبحُ ذبائحَ في الجاهلية، يعني في رَجب، فنأكلُ ونُطْعِمُ مَن جاءنا. فقال رسولُ الله ﷺ : "لا بأسَ به". وخرَّج الطبراني (٥) بإسنادِه، عن ابن عباس، قال: استأذنَتْ قريشٌ رسولَ الله ﷺ في العَتيرةِ، فقال: "اعتر كعَتْرِ الجاهلية، ولكنْ مَن أحبَّ منكم أن يذبحَ للهِ فيأكُلَ ويتصدَّقَ فلْيَفْعَلْ". وهؤلاء جمعوا بين هذه الأحاديثِ وبين حديثِ "لا فَرَعَ ولا عَتِيرَةَ" بأنَّ المنهي عنه هو ما كان يفعلُه أهلُ الجاهلية من الذّبحِ لغيرِ اللهِ. وحملَهُ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ على أن المرادَ به نفيُ الوجوب. ومِن العلماء من قال: حديثُ أبي هريرة أصح مِن هذه الأحاديث وأثبتُ، فيكوَنُ العملُ عليه دونَها. وهذه طريقةُ الإمام أحمد. وروى مُبارك بن فَضَالةَ، عن الحسن، قال: ليس في الإسلام عتيرة، إنما كانت العَتيرةُ في الجاهلية، كان أحدُهم يصومُ رَجَبَ وَيعتِرُ فيه. ويُشبه الذبحَ في رجب اتخاذُه موسمًا وعيدًا، كأكلِ (٦) الحلوى ونحوها. وقد رُوي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكرَهُ أنْ يُتخذَ رجب عيدًا. وروى عبد الرزاق، عن ابن جُريج، عن عطاء، قال: كان النبي ﷺ يَنْهَى عن صيامِ رجبٍ كلِّه لئلَّا يُتخَذَ عيدًا (٧).

стр. 221

وعن معمر، عن ابن (١) طاوس، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا شهرًا عيدًا، ولا يومًا عيدًا" (٢). وأصلُ هذا أنه لا يُشرعُ أن يَتخِذَ المسلمون عيدا إلا ما جاءت الشريعةُ باتخاذِه عيدًا، وهو يومُ الفطرِ، ويومُ الأضحى. وأيَّامُ التشريق، وهي أعيادُ العامِ؛ ويومُ الجمعةِ، وهو عيدُ الأسبوع، وما عدا ذلك فاتخاذُه عيدًا وموسمًا بِدْعةٌ لا أصلَ له في الشريعةِ. ومن أحكام رجبٍ ما وَرَدَ فيه مِن الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيام والاعتمار: فأما (٣) الصَّلاةُ فلم يصحّ في شهرِ رجبٍ صلاةٌ مخصوصَةٌ تختص به، والأَحاديثُ المروَيَّةُ في فضل صلاة الرغائبِ في أول ليلةِ جمعةٍ من شهر رجبٍ كذبٌ (٤) وباطلٌ لا تصح، وهذه الصَّلاةُ بدْعَةٌ عند جُمهورِ العلماءِ. وممن ذَكَر ذلك مِن أعيانِ العلماءِ المتأخرين من الحفاظِ أبوَ إسماعيلَ الأنصاري، وأبو بكر بنُ السمعاني، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج بن الجوزيّ وغيرُهم. وإنما لم يذكُرْها المتقدِّمون؛ لأنها أُحدِثتْ بعدَهم. وأوَّلُ ما ظهرت بَعدَ الأربعمائة، فلذلك لم يعرفْها المتقدِّمُون ولم يتكلِّموا فيها. وأما الصيامُ فلم يصحَّ في فضلِ صوم رجبٍ بخصوصِه شيءٌ عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابِهِ، ولكن رُوي عن أبي قِلابَةَ، قال: في الجنَّة قصرٌ لِصُوَّامِ رجب. قال البيهقي: أبو قِلَابة من كبار التابعين لا يقولُ مثلَه إلَّا عن بلاغٍ. وإنَّما ورَدَ في صيام الأشهرِ الحُرُم كلِّها حديثُ مُجِيبةَ (٥) الباهلية عن أبيها أو عمِّها أنَّ النبي ﷺ قال له: "صُم مِن الحُرُمِ واترُكْ"، قالها ثلاثًا. [روى الكتاني قال: أنبأنا تمام الرازي، حدثنا القاضي يوسف بن القاسم، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا حبيب المعلم عن عطاء، أن عروة قال لعبد الله بن عمر: هل كان رسول الله ﷺ يصوم في رجب؟ قال:

стр. 222

نعم، ويُشرِّفه، قالها ثلاثًا] (١). خرَّجه أبو داود (٢) وغيرُه. وخرَّجه ابنُ ماجه، وعنده: "صُم أشْهُرَ الحُرُم". وقد كان بعضُ السَّلف يصوم الأشهرَ الحُرُمَ كلَّها، منهم ابنُ عمر، والحسنُ البصري، وأبو إسحاق السبيعيُّ. وقال الثوري: الأشهرُ الحُرُمُ أحبُّ إليَّ أن أصومَ (٣) فيها. وجاء في حديثٍ خرَّجَه ابنُ ماجه (٤)؛ أن أسامةَ بنَ زيدٍ كان يصومُ أشْهُرَ الحُرُمِ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "صُم شوَّالًا فترَكَ أشهُرَ الحُرُمِ وصامَ شوَّالًا حتى ماتَ. وفي إسناده انقطاعٌ. وخرَّج ابن ماجه (٥) أيضًا بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نَهَى عن صيام رجب. والصحيحُ وقفُهُ على ابن عبَّاسٍ. ورواه عطاء عن النبي ﷺ مرسلًا، وقد سبَقَ لفظُه. وروَى عبْد الرزاق في كتابه (٦) عن داودَ بن قيس، عن زيد بن أسلمَ، قال: (٧): ذُكِرَ لرسولِ اللهِ ﷺ قوم يصومونَ رجبًا، فقال: أينَ هم من شعبانَ؟ ورَوى أزهرُ بن سعيدٍ الجُمحي (٨) عن أمه أنها سألت عائشةَ عن صومِ رجبٍ، فقال: إن كنتِ صائمةً فعليكِ بشعبانَ. ورُوي مرفوعًا، ووقفُه أصحُّ. ورُوِي عن عمر ﵁؛ أنَّه كان يضرِبُ أكفَّ الرجالِ في صومِ رجبٍ حتى يضعوها في الطعام، ويقول: ما

стр. 223

رجبٌ؟ إنَّ رجبًا كان يُعظِّمُه أهلُ الجاهلية، فلمَّا كان الإسلامُ تُرِكَ. وفي رواية: كُرِهَ أنْ يكونَ صيامُهُ سُنةً. وعن أبي بَكرة (١) أنه رأى أهلَه يتهيأون لصيامِ رجبٍ، فقال لهم: أجعلتم رَجَبًا (٢) كرمضانَ، وألقى السِّلالَ وكسر الكِيزانَ (٣). وعن ابن عباس أنه كره أن يُصامَ رجبٌ كله. وعن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يَرَيان أن يفطرَ منه أيامًا. وكرهَه أنسٌ أيضًا، وسعيدُ بن جُبَير. وكره صيامَ رجبٍ كلِّه يحيى بن سعيد الأنصاري، والإمامُ أحمدُ، وقال: يُفطِرُ منه يومًا أو يومين، وحكاه عن ابن عمر وابن عباس. وقال الشافعي في "القديم": أكرهُ أن يتَّخذَ الرجلُ صومَ شهرٍ يُكمِلُه كما يكمِلُ رمضانَ، واحتجَّ بحديثِ عائشة: "ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ استكملَ شهرًا قط إلا رمضانَ" (٤). قال: وكذلكَ يومًا من الأيام. قال: وإنما كرهتُه أن لا يتأسى رجلٌ جاهلٌ فيظن أن ذلك واجبٌ، إن فَعَلَ فحسَنٌ. وتزولُ كراهةُ إفرادِ رجبٍ بالصَّوم بأن يصومَ معه شهرًا آخرَ تطوعًا عند بعض أصحابنا، مثلُ أن يصومَ الأشهرَ الحُرُمَ، أو يصومَ رجبَ وشعبانَ، وقد تقدّم عن ابن عمر وغيرِه صيامُ الأشهرِ الحُرُمِ. والمنصوصُ عن أحمدَ أنه لا يصومُه بتمامه إلا مَن صامَ الدهرَ. ورُوي عن ابن عُمَرَ ما يدُلُّ عليه؛ فإنه بلغه أن قومًا أنكروا عليه أنه حرم صومَ رجب، فقال: كيفَ بمَنْ يَصومُ الدَّهرَ؟ وهذا يدل على أنه لا يُصامُ رجبٌ إلا مع صومِ الدَّهْرِ. ورَوَى يوسفُ بن عطية (٥)، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن

стр. 224

عائشة أن النبيَّ ﷺ لم يَصُمْ بعدَ رمضانَ إلا رجبًا وشعبانَ ؛ ويوسفُ ضعيف جدًّا. وروى أبو يوسف القاضي (١)، عن ابن (٢) أبي ليلَى، عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٣)، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يصومُ مِن كُلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، وربَّما أخر ذلك حتى يَقْضيَه في رجب وشعبان. ورواه عمرو بنُ أبي قيسٍ، عن ابن أبي ليلى، فلم يذكر فيه رجبًا، وهو أصح. وأما الزكاة: فقد اعتادَ أهلُ هذه البلادِ إخراجَ الزكاةِ في شهرِ رجب، ولا أصلَ لذلك في السنةِ، ولا عُرِفَ عن أحدٍ من السَّلَفِ. ولكن رُوِي عن عثمان أنه خطَبَ الناسَ على المنبرِ، فقال: إن هذا شهرُ زكاتِكم، فمن كان عليه دَيْن فليؤدِّ دَينَهُ وليزكِّ ما بَقي. خرجه مالك في "الموطأ" (٤). وقد قيل: إن ذلك الشهر الذي كانوا يُخرجون فيه زكاتَهم نُسِيَ ولم يُعرَفْ. وقيل: بل كان شهرَ المحرم؛ لأنَّه رأسُ الحَوْلِ. وقد ذكر الفقهاءُ من أصحابنا وغيرِهم أن الإمامَ يبْعَثُ سُعَاتَهُ لأخْذ الزكاةِ في المحرّم. وقيل: بل كان شهر رمضانَ؛ لفضلِهِ وفضلِ الصَّدَقةِ فيه. وبكُل حالٍ فإنما تجبُ الزَّكاةُ إذا تَمَّ الحولُ على النِّصاب، فكلُّ أحدٍ له حَوْل يخُصُّه بحسبِ وقتِ ملكِه للنصابِ، فإذا تم حولُه وجَبَ عليه إخراجُ زكاتِه في أيِّ شهرٍ

стр. 225

كان، فمن عجَّلَ زكاتَه قبْلَ الحَوْلِ أجزأه عندَ جُمهورِ العلماءِ. وسواء (١) كان تعجيلُه لاغتنام زمانٍ فاضلٍ، أو لاغتنام الصَّدقَةِ على مَن لا يجدُ مثلَه في الحاجة، أو كان لمشقةِ إخراج الزَّكاة عليه عند تمَامِ الحولِ جُملةً، فيكونُ التفريقُ في طولِ الحَوْلِ أوفقَ بهِ. وقد صرَّح مجاهد بجوازِ التعجيلِ على هذا الوجه، وهو مقتضَى إطلاقِ الأكثَرِينَ، وخالفَ في هذه الصورةِ إسحاقُ (٢)، نقلَهُ عنه ابنُ منصور (٣). وأما إذا حال الحَوْلُ فليس له التأخيرُ بعدَ ذلك عند الأكثرينَ. وعن أحمدَ يجوزُ تأخيرُها؛ لانتظارِ قومٍ لا يجدُ مثلَهم في الحاجة. وأجازَ مالك وأحمدُ في روايةٍ نَقْلَها إلى بلدٍ فاضلٍ، فعلى قياسِ هذا لا يبعدُ جوازُ تأخيرِها إلى زمنٍ فاضلٍ لا يُوجد مثلُه، كرمضانَ ونحوِه. ورَوَى يزيدُ الرَّقاشيُّ عن أنس أنَّ المسلمين كانوا يُخرجون زكاتَهم في شعبانَ تقوية على الاستعدادِ لرمضانَ، وفي الإِسنادِ ضعفٌ. وأما الاعتمارُ في رجب فقد رَوى ابنُ عُمَرَ، ﵄، أن النبي ﷺ اعتمَرَ في رجب (٤)، فأنكرَتْ ذلك عائشةُ عليه، وهو يسمَعُ، فسكَتَ. واستحبَّ الاعتمارَ في رجب عمرُ بن الخطاب وغيرُه. وكانت عائشةُ تفعَلُه وابنُ عُمَرَ أيضًا. ونقلَ ابنُ سيرين عن السَّلفِ أنَّهم كانوا يفعلونه. فإنَّ أفضَلَ الأنساكِ (٥) أن يُؤتى بالحجِّ في سفرةٍ، والعمرةِ في سفرةٍ أخرى في

стр. 226

غير أشهرِ الحجِّ، وذلك مِن جملة إتمامِ الحجِّ والعمرةِ المأمورِ (١) بهِ. كذلك قالَهُ جُمهورُ الصَّحابةِ كعُمَرَ وعثمانَ وعليّ وغيرهم، ﵃. وقد رُوِي أنه كان في شهرِ رجب حوادثُ عظيمةٌ، ولم يصحّ شيءٌ من ذلك؛ فرُوِي أن النبي ﷺ وُلِدَ في أوَّلِ ليلةٍ منه، وأنَّه بُعِثَ في السابعِ والعشرين منه، وقيل: في الخامس والعشرين، ولا يصحُّ شيء من ذلك. ورُوي بإسنادٍ لا يصحُّ عن القاسم بن محَمد (٢) أن الإِسراء بالنبي ﷺ كان في سابع عشرين من رجبٍ، وأنكَر ذلك إبراهيمُ الحربيُّ وغيرُه. ورُوِي عن قيس بن عُبَادٍ (٣)، قال: في اليوم العاشرِ من رجب ﴿يَمْحُو اللهُ ما يَشَاءُ ويُثْبِت﴾ (٤). وكان أهلُ الجاهلية يتحرَّوْنَ الدُّعاءَ فيه على الظالِم، وكان يُستجابُ لهم، ولهم في ذلك أخبارٌ مشهورةٌ قد ذكَرَها ابن أبي الدنيا في كتاب "مجابي (٥) الدعوة" وغيرُه. وقد ذُكر ذلك لِعُمَرَ بن الخطاب، فقال عُمر: إنَّ الله كان يصنعُ بهم ذلك ليحجُزَ بعضَهم عن بعضٍ، وأنَّ اللّه جعلَ الساعةَ موعدَكم (٦) والساعةُ أَدْهَى وأمر. ورَوَى زائدةُ بنُ أبي الرقادِ (٧)، عن زياد النُّميري (٨)، عن أنسٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا دَخَلَ رجب قال: "اللهم بارِك لنا في رجب وشعبانَ وبلِّغنا رمضانَ" (٩).

стр. 227

ورُوي عن أبي إسماعيل الأنصاريّ (١) أنه قال: لم يصحّ في فضل رجب غيرُ هذا الحديث. وفي قوله نظرٌ؛ فإنَّ هذا الإسنادَ فيه ضعفَ. وفي هذا الحديث دليلٌ على استحباب الدُّعاء بالبقاء إلى الأزمانِ الفاضِلةِ؛ لإدراكِ الأعمالِ الصَّالحةِ فيها؛ فإنَّ المؤمنَ لا يزيدُه عُمرُه إلا خيرًا، وخيرُ الناسِ مَن طالَ عمرُه وحَسُنَ عَمَلُه. وكان السَّلفُ يَستحبُّون أنْ يموتوا عَقِبَ (٢) عمل صالح؛ مِن صَوم رمضانَ، أو رُجوع من حجٍّ، وكان يقال: مَنْ ماتَ كذلك غُفِرَ له. كان بعضُ العلماءِ الصالحين قد مرِضَ قبلَ شهرِ رجب، فقال: إنّي دعوْتُ الله أن يؤخِّرَ وفاتي إلى شهر رجبٍ، فإنه بلغني أن لله فيه عُتقاء؛ فبلَّغَهُ الله ذلك وماتَ في شهر رجبٍ. شهرُ رجبٍ مفتاحُ أشهرِ الخَيرِ والبركةِ؛ قال أبو بكر الورَّاقُ البَلْخِيُّ: شهرُ رجبٍ شهرُ الزرعِ، وشهرُ شعبانَ شهرُ السَّقي للزَّرْعِ، وشهرُ رَمضانَ شهرُ حصادِ الزرْعِ. وعنه قال: مَثَلُ شهرِ رجبٍ مثلُ الريحِ، ومثلُ شعبانَ مثلُ الغَيْمِ، ومثلُ رَمضانَ مثلُ المطر (٣). وقال بعضُهم: السَّنةُ مثلُ الشجرةِ؛ وشهرُ رجبٍ أيَّامُ تَوْرِيقِها، وشعبانُ أيَّام تفريعها، ورمضانُ أيَّامُ قطفِها، والمؤمنون قِطافُها. جَديرٌ بِمَنْ سوَّدَ صحيفتَه بالذنوبِ أنْ يُبيّضَها بالتَّوْبةِ في هذا الشهر، وبِمَنْ ضَيَّعَ عُمُرَهُ في البَطالة (٤) أن يغتنِمَ فيه ما بقي من العمرِ. بَيِّضْ صَحِيفَتَكَ السودَاءَ في رَجَبٍ … بصالحِ العَمَلِ المُنْجِي مِنَ اللَّهبِ (٥)

стр. 228

شَهْرٌ حَرَامٌ أتَى مِنْ أَشْهُرٍ حُرُمٍ … إذا دَعَا الله داع فيهِ لَمْ يَخِبِ طُوَبى لِعَبْدٍ زَكَى فيهِ لَهُ عَمَلٌ … فكَفَّ فيهِ عَن الفَحْشَاءِ والرِّيَبِ انتهازُ الفرصةِ بالعمل في هذا الشهرِ غنيمةٌ، واغْتِنَامُ أوقاتِهِ بالطَّاعاتِ لَهُ فَضيلة عظيمةٌ. يا عَبْدُ أقبِلْ مُنيبًا واغْتَنِمْ رَجَبًا … فإنَّ عَفْوِيَ عَمَّنْ تَابَ قَدْ وَجَبَا في هذِهِ الأَشهُرِ الأبوابُ قَدْ فُتِحَتْ … للتائِبينَ فَكُلٌّ نَحْوَنا هَرَبَا حَطُّوا الرَّكائِبَ في أبواب رَحْمَتِنا … بحُسْنِ ظَنٍّ فَكُلٌّ نَالَ ما طَلَبَا وقَدْ نَثَرْنا عليهم مِنْ تَعطُّفِنا … نِثارَ حُسنِ قَبولٍ فَازَ مَنْ نَهَبَا

стр. 229

وظائف شهر شعبان ويشتمل على مجالس: المجلس الأول في صيامه خرَّج الإمامُ أحمد (١) والنسائي مِن حديث أسامَةَ بن زيد، قال: كان رسولُ الله ﷺ يَصُومُ الأيَّامَ يَسرُدُ حتى نقولَ لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ الأيَّامَ حتَّى لا يكادُ يَصُومُ، إلَّا يومين من الجمعة إن كانا في صيامِه، وإلا صامَهُمَا. ولَمْ يكُنْ يَصُومُ مِن الشهور ما يَصومُ من شعبانَ. فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّك تصومُ (٢) لا تكادُ تُفطِرُ، وتُفطِرُ حتَّى لا تكادُ تَصومُ إلَّا يومين إن دخلا في صيامِكَ وإلا صمتَهُما. قال: أي يومين؟ قال: يومُ الاثنين، ويومُ الخميس. قال: ذانك يومانِ تُعرَضُ فيهما الأعمالُ على ربِّ العالمين، وأحِبُّ أن يُعرضَ عملي وأنا صائمٌ. قلْتُ: ولم أركَ تصومُ مِن الشهور ما تَصومُ مِن شعبانَ؟ قال: ذاك شهر يَغْفُلُ الناسُ عنه بينَ رجَبٍ ورمضانَ، وهو شهر تُرفَعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين ، فأحبُّ (٣) أَن يُرفَعَ عَملِي وأنا صائم. قد تضمَّنَ هذا الحديثُ ذكرَ صيام رسولِ الله ﷺ من جميع السنة، وصيامَه من أيام الأسبوع، وصيامَهُ من شهورِ السنة. فأمَّا صيامُهُ من السنة فكان يَسْرُدُ الصَّومَ أحيانًا والفِطرَ أحيانًا، فيصومُ حتَّى يقالَ لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتى يقالَ لا يَصُوم. وقد رَوَى ذلك أيضًا عائشةُ وابنُ عباس وأنسٌ وغيرُهم. ففي "الصحيحين" (٤) عن عائشة

стр. 230

رضي الله عنها، قالت: "كان رسولُ الله ﷺ يصومُ حتَّى نقولَ: لا يُفطِر، ويُفطِرُ حتَّى نقولَ لا يَصُومُ". وفيهما (١) عن ابن عباس، قال: "كان رسولُ الله ﷺ يَصومُ إذا صام حتى يقولَ القائلُ: لا والله لا يُفْطِرُ، ويُفطِرُ إذا أفطَرَ حتى يقولَ القائلُ: لا واللّهِ لا يَصُومُ". وفيهما (٢) عن أنس أنَّه سئل عن صيام النبي ﷺ فقال: "ما كنْتُ أحبُّ أنْ أراه مِنَ الشهر صائمًا إلَّا رأيتُهُ، ولا مُفْطِرًا إلَّا رأيته، ولا مِن اللَّيلِ قائمًا إلّا رأيتُه، ولا نائمًا إلَّا رأيتُه". ولمسلمٍ (٣) عنه، قال: كان رسولُ الله ﷺ يَصومُ حتَّى يقالَ: قَدْ صَامَ قَدْ صَامَ، ويفطِرُ حتَّى يقالَ: قَدْ أَفْطَر قَدْ أَفْطَر (٤). وقد كان رسول اللهِ ﷺ يُنكِرُ على مَن يَسْرُدُ صَوْمَ الدَّهرِ ولا يُفطِرُ منه، ويخبِر عن نفسِه أنَّه لا يفعَل ذلك. ففي "الصحيحين" (٥) عن عبد الله بن عمرو أَنَّ النبي ﷺ قال له: "أتصومُ النهارَ وتقومُ اللّيلَ؛ قال: نعم، فقال النبي ﷺ : لكنِّي أَصُومُ وأفطِرُ، وأصلِّي وأنامُ، وأَمَسُّ النِساءَ، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِي فليسَ منِّي. وفيهما (٦) عن أنسٍ: أن نفرًا من أصحابِ النبي ﷺ قال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضُهم: لا آكُلُ اللَّحمَ، وقال بعضُهم: لا أنامُ على فراشٍ. فبلَغَ ذلك النبيَّ ﷺ ، فخطَبَ، وقال: "ما بالُ أقوامٍ يقولون كذا وكذا؛ لكنِّي أصلِّي وأنامُ، وأصُومُ وأُفطِرُ، وأتزوَّج النِساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مِنِّي".

стр. 231

وخرَّجه النَّسَائِي وزاد فيه "وقال بعضُهم: أصومُ ولا أُفْطِرُ". وفي مسند الإمام أحمد (١)، عن رجلٍ من الصحابة، قال: ذُكِرَ لرَسولِ الله ﷺ مولاة لبني عبد المطلب أنها قامَتِ اللَّيلَ، وتصومُ النَّهار. فقال النبي ﷺ : لكنِي أنا أنام وأصَلِّي، وأصومُ وأفطِرُ، فمن اقتدَى بي فهو منِّي، ومَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مِني، إن لكُل عمل شِرَّةً (٢) وفَتْرَةً، فَمَنْ كانَتْ فَتْرَتُه إلى بِدْعَةٍ فَقَدْ ضَلَّ، وَمَنْ كانَتْ فَتْرَتُه إلى سُنَّةٍ فقد اهْتَدَى. وفي "المسند" (٣) و"سنن أبي داود" عن عائشةَ ﵂ أنَّ عُثْمانَ بن مَظْعُونٍ أراد التبتُّلَ (٤)، فقال له رسولُ اللّه ﷺ : أترغَبُ عن سنَّتي؟ قال: لا والله، ولكنَّ سُنَّتَكَ أُريدُ. قال: فإنِّي أنامُ وأصلِّي، وأصُومُ وأفطِرُ، وأَنْكِحُ النِّساء فاتَّقِ اللّه يا عثمانُ، فإنَّ لأهلِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لضيفِكَ عليكَ حَقًا (٥)، وإنَّ لنفسِكَ عليكَ حقا، فصُمْ وأفْطِرْ، وصَل ونَمْ". وقد قال عِكْرمَةُ وغيرُه: إن عثمانَ بن مَظْعُونٍ وعلي بنَ أبي طالبٍ والمقدادَ وسالِمًا مولى أبي حُذيفةَ في جماعةٍ تبتَّلوا فجلَسُوا في البيوتِ، واعتزلُوا النِّساءَ، وحرَّموا طيباتِ الطعامِ واللِّباسِ، إلَّا ما يأكُلُ وَيلْبَسُ أهلُ السياحَة من بني إسرائيلَ، وهمُّوا بالاخْتصاءِ، وأجمعوا لقيام اللَّيلِ وصيام النَّهارِ، فنزلت فيهم: ﴿يا أيها الَّذينَ آمنُوا لا تحَرمُوا طَيِّباتِ ما أَحَل اللّهُ لَكُمْ ولا تَعْتَدَوا إن اللَّهَ لا يُحِب المُعْتَدِينَ﴾ (٦). وفي صحيح البخاري (٧) أن سلمانَ زارَ أبا الدَّرداء، وكان النبيُّ ﷺ قد آخى

стр. 232

بينهما، فرأى أمَّ الدَّرداءِ مُتبذِّلَةً، فقال لها: ما شأنُكِ مُتبذِّلةً؟ فقالت: إنَّ أخاكَ أبا الدَّرداءِ لا حاجَةَ له في الدُّنيا. فلمَّا جاءَ أبو الدَّرداء قرَّبَ له طعامًا، قال له: كُلْ، قال: إني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتَّى تأكُلَ، فأَكَلَ. فلمَّا كان اللَّيلُ ذَهَبَ أبو الدَّرداءِ ليقومَ، فقال له سلمان: نَمْ، ثم ذَهَبَ لِيقُومَ، فقال له: نَمْ، فلمَّا كان من آخرِ اللَّيلِ، قال سلمان: قُمِ الآن، فقاما فصلَّيا. فقال سلمان: إنَّ لنفسِكَ عليكَ حقًّا، وإن لِضيفِكَ عليكَ حقا، وإن لأهلِكَ عليك حقًّا، فأَعْطِ كُل ذي حَق حقَّه. فأتَيا النبي ﷺ ، فذكرا ذلك له، فقال: "صَدَقَ سَلمان". وفي رواية في غير الصحيح (١)، قال: "ثكِلَتْ سَلْمَانَ أمُّهُ! لقد أُشْبعَ مِنَ العِلْم". وهكذا قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص لمَّا كان يَصومُ الدَّهرَ، فنَهَاهُ وأَمَرَهُ أنْ يَصُومَ صَوْمَ داودَ، "يصومُ يومًا ويُفطِرُ يومًا". وقال له: "لا أَفْضَلَ مِن ذلك". وقد (٢) وردَ النهيُ عن صيام الدَّهرِ والتشديدِ فيه. وهذا كلهُ يدُل على أن أفضَلَ الصِّيام إلا يُستَدَامَ، بل يُعاقَبُ بينَهُ وبينَ الفِطرِ، وهذا هو الصَّحيحُ من قولِ (٣) العلماءِ، وهو مذهَبُ أحمدَ وغيرِهِ. وقيل لِعُمَرَ: إن فلانًا يَصُومُ الدَّهرَ، فجعَلَ يَقْرَعُ رأسَهُ بقناةٍ مَعَهُ، ويقوله: "كُلْ يا دَهْرُ، كُلْ يا دَهْرُ". خرَّجه عبدُ الرزاقِ (٤). وقد أشار النبي ﷺ إلى الحكمةِ في ذلك من وُجوهٍ؛ منها: قولُه ﷺ في صيام الدَّهْرِ: "لا صَامَ ولا أفْطَرَ"، يعني أنه لا يجِدُ مَشقَّةَ الصِّيامِ ولا فَقْدَ الطعامِ والشراب والشهوةِ؛ لأنَّه صارَ الصِّيامُ له عادةً مألوفةً، فربَّما تضررَ بتركِهِ، فإذا صَامَ تارةً وأفطَرَ أُخْرَى حَصَلَ له بالصيام مقصودُهُ بتركِ هذه الشهواتِ، وفي نفسِهِ داعية إليها، وذلك أفضَلُ مِن أنْ يتركَها ونفسُهُ لا تتُوقُ إليها. ومنها: قولُه ﷺ في حَقّ داودَ ﵇: "كان يَصُومُ يومًا، ويُفطِرُ يومًا، ولا يَفِرُّ إذا لاقَى"، يُشيرُ إلى أنه كان لا يُضعِفُهُ صيامُه عن ملاقاةِ عدوِّه ومجاهدَتِهِ في سبيلِ اللهِ. ولهذا رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابِهِ

стр. 233

يومَ الفَتْحِ وكان في رمضانَ: "إنَّ هذا يومُ قِتالٍ فأفطِرُوا" (١). وكان عمرُ إذا بعثَ سريةً، قال لهم: لا تَصُومُوا، فإنَّ التَّقوِّي على الجِهاد أفضلُ من الصَّومِ. فأفضَلُ الصِّيام ألَّا يُضعِفَ البَدَنَ حتى يَعجِزَ عمَّا هو أفضَلُ منه؛ من القيام بحقوقِ اللهِ تعالى، أوَ حقوقِ عبادِه اللَّازمة، فإنْ أضعَفَ عن شيءٍ مِن ذلك ممَّا هو أفضَلُ منه كان تركُهُ أفضَلَ. فالأوَّلُ: مثلُ أن يُضعِفَ الصِّيامُ عن الصَّلاةِ، أو عن الذكْرِ، أو عن (٢) العِلْمِ. كما قيلَ في النهي عن صِيامِ الجمعةِ ويومِ عرفةَ بعرفةَ: إنَّه يُضْعِفُ عن الذِّكر والدُّعاءِ في هذين اليومين. وكان ابنُ مسعود يُقِل الصَّوْمَ ويقولُ: إنَّه يمنعني مِن قراءة القرآنِ، وقراءةُ القرآنِ أحبُّ إليَّ. فقراءةُ القرآنِ أفضَلُ مِنَ الصِّيام. نصَّ عليه سفيانُ الثورِيُّ وغيرهُ من الأئمة. وكذلك تعلُّمُ العِلْم النافعِ وتعليمُهُ أَفْضَلُ مِن الصِّيام. وقد نصَّ الأئمةُ الأربَعَةُ على أن طَلَبَ العِلْمِ أفضَلُ مِن صلاة النَّافلة، والصلاة أفضلُ من الصِّيام المتطوَّع به، فيكون العلم أفضَلَ مِن الصِّيام بطريق الأوْلَى؛ فإنَّ العِلْمَ مِصْباحٌ يُستَضَاءُ به في ظُلمةِ الجَهْلِ والهَوَى، فَمَنْ سارَ في طريقٍ على غيرِ مِصباحٍ لم يأمَنْ أن يقعَ في بئر بوارٍ فيعطبَ. قال ابنُ سيرينَ: إنَّ قومًا (٣) تركُوا العِلْمَ واتَّخذُوا محارِيبَ فصَلُّوا وصَامُوا بغيرِ علم، واللهِ ما عمِلَ أحدٌ بغيرِ عِلْم إلَّا كانَ ما يُفسِدُ أكثَرَ ممَّا يُصلِحُ. والثاني: مثلُ (٤) أنْ يُضعِفَ الصِّيامُ عن الكَسْبِ للعيالِ أو القيامِ بحقوقِ الزوجاتِ، فيكونُ تركُه أفضَلَ. وإليه الإشارةُ بقوله ﷺ : "وإن لأهلِكَ عليكَ حقًّا". ومنها: ما أشارَ إليه ﷺ بقوله: "إن لنفسِكَ عليكَ حقًّا فأعْطِ كُل ذي حَق حَقهُ" يُشير إلى أن النفسَ وديعةٌ للّهِ عندَ ابن آدَمَ، وهو مأمورٌ أن يقومَ بحقِّها؛ ومِن حَقِّها اللطْفُ بها حتى تُوصِلَ صاحبَها إلى المنزلِ. قال الحسنُ: نفوسُكُم مطاياكم إلى رَبِّكم، فأصلِحُوا مطاياكم توصِلكُم إلى

стр. 234

رَبِّكم. فَمَنْ وَفَى نفسَهُ حظَّها مِن المُباحِ بنيَّةِ التَّقوِّي به على تَقْوِيتها على أعْمالِ الطاعات، كانَ مأجورًا في ذلك، كما قال معاذُ بن جبل: إنِّي أحتسِبُ نَوْمَتِي كما أحتسِبُ قَوْمَتِي. ومَنْ قصَّرَ في حَقِّها حتَّى ضَعُفَتْ وتَضررتْ، كانَ ظالمًا لها. وإلى هذا أشار النبيُّ ﷺ بقوله لعبد الله بن عمرو بن العاص: "إنَّكَ إذا فعلْتَ ذلك نَفِهَتْ له النَّفْسُ، وهَجَمَتْ له العَيْنُ" (١). ومعنى نَفِهَتْ: كَلَّتْ وأَعْيَتْ. ومعنى هجَمَتِ العَينُ: غَارَتْ. وقال لأعرابيٍّ جاءَه فأسلمَ، ثمَّ أتاه من عامٍ قابلٍ وقد تغيَّرَ فلم يعرفْهُ، فلمَّا عَرَفَهُ سألَه عن حالِه، قال: ما أَكلْتُ بعدَكَ طعامًا بنهارٍ. فقال له النبيُّ ﷺ : ومَنْ أَمَرَكَ أن تُعذِّبَ نفسَكَ (٢)؟. فَمَنْ عذَّبَ نَفْسَهُ بأنْ حمَّلَها ما لا تُطِيقُهُ مِن الصِّيام ونحوِه فربَّما أَثَّرَ ذلك في ضَعْفِ بَدَنِهِ وعَقْلِهِ، فيفوتُهُ من الطَّاعاتِ الفاضِلةِ أكثرُ ممَّا يحصُلُ له (٣) بتعذِيبه نفسه بالصِّيامِ. وكان النَّبي ﷺ يتوسَّطُ في إعطاء نفسِه حقَّها ويَعدلُ فيها غايَةَ العَدْلِ؛ فيصومُ ويُفطِرُ، ويَقومُ ويَنامُ، وينكِحُ النِّساءَ، ويأكل ممَّا يجِدُ (٤) منَ الطيباتِ، كالحلواءِ (٥) والعسَلِ ولحمِ الدَّجاجِ. وتارةً يَجوعُ حتَّى يَربِطَ على بطنِهِ الحَجَرَ. وقال: "عَرَضَ عليَّ ربِّي أنْ يَجعَلَ لي بطحاءَ مكَّةَ ذَهَبًا، فقلْتُ: لا يا ربِّ، ولكن أجوعُ يومًا وأشبَعُ يومًا؛ فإذا جُعْتُ تَضَرعْتُ إليكَ وذكَرْتُكَ، وإذا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وشَكَرْتُكَ" (٦).

стр. 235

فاخْتارَ ﷺ لنفسِهِ أفضلَ الأحوالِ؛ ليجمَعَ بينَ مقامي الشكْرِ والصَّبْرِ والرِّضا. ومنها: ما أشارَ إليه بقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: "لعلَّه أنْ يطولَ بكَ حياةٌ". يعني أن من تكلَّفَ الاجتهادَ في العِبادةِ فقد تحمِلُه قوَّةُ الشَّباب ما دامَتْ باقيةً، فإذا ذهَبَ الشبابُ وجاء المشيبُ والكِبَرُ عَجَزَ عن حملِ ذلك، فمن صَابَرَ (١) وجاهَدَ واسْتمرَّ فَرُبَّما هَلَكَ بَدَنُه، وإن قطعَ فقد فاتَهُ أحبُّ الأعمال (٢) إلى اللهِ تعالى، وهو المُدَاوَمَةُ على العَمَلِ. ولهذا قال النبي ﷺ : "اكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ ما تُطيقُونَ، فواللهِ لا يَمَلُّ الله حتى تَمَلُّوا". وقال ﷺ : "أَحَبُّ العَمَلَ إلى اللهِ أَدْومُهُ، وإنْ قَلَّ" (٣). فمن عمِلَ عملًا يَقْوَى عليه بَدَنُهُ في طولِ عُمرِه، في قُوَّتِه وضَعفِهِ، اسْتَقامَ سَيْرُهُ. ومَنْ حَمَلَ ما لا يُطيقُ؛ فإنَّه قد يَحدُثُ له مرَضٌ يمنعُهُ مِن العَمَل بالكليَّةِ، وقد يَسْأَمُ ويَضْجَرُ فيقطَعُ العَمَلَ، فيصيرُ كالمُنْبَتَ لا أرضًا قَطَعَ ولا ظهرًا أبقَى (٤). وأمَّا صيامُ

стр. 236

النبيِّ ﷺ من الأيام، أعني (١) أيامَ الأسبوع، فكانَ يتحرَّى صيامَ الاثنينِ والخميسِ. وكذا رُوِي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يتحرى صيامَ الاثنين والخميسِ. خرَّجَه الإمامُ أحمدُ (٢)، والنسائيُّ، وابنُ ماجه، والترمذي وحسَّنَهُ. وخرَّجَ ابنُ ماجه (٣)، من حديثِ أبي هريرةَ ﵁، قال: كان النبي ﷺ يصومُ الاثنين والخميس، فقيل: يا رسولَ اللهِ! إنَّكَ تصومُ الاثنين والخميس؟ فقال: "إنَّ يومَ الاثنين والخميس يَغفِرُ الله فيهما لكل مُسلم، إلَّا مُهْتَجِرَيْنِ (٤)، فيقول: دَعُوهُما حتى يَصْطَلِحا". وخرجه (٥) الإمام أحمد، وعنده أن رسولَ الله ﷺ "كان أكثر ما يصومُ الاثنين والخميس، فقيل له، قال: إن الأعمال تُعْرَضُ كُل اثنين وخميسٍ، فيغفر لِكلِّ مسلمٍ، أو لكُل مؤمنٍ، إلا المتهاجِرَيْن، فيقول: أخِّرْهُما". وأخرَجَه الترمذي (٦)، ولفظه: قال: "تُعرَضُ الأعمالُ يومَ الاثنين ويومَ الخميس، فأُحِبُّ أنْ يُعرَضَ عملي وأنا صائم". ورُوِي موقوفًا على أبي هريرةَ، ورجَّحَ بعضُهم وَقْفَهُ. وفي صحيح مسلم (٧) عن أبي هريرة مرفوعًا: "تُفْتَحُ أبوابُ الجَنَّةِ يومَ الاثنينِ

стр. 237

ويومَ الخميسِ، فيُغفَرُ لِكُلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ بالله شيئًا، إلا رجلًا (١) كانت بينَه وبينَ أخيهِ شَحْناءُ، يقولُ: أنْظِرُوا هذين حتَّى يصطَلِحا". ويُرْوَى بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن أبي أمامةَ مرفوعًا: "تُرْفَعُ الأعمالُ يومَ الاثنين ويومَ الخميسِ، فيُغفرُ للمستغفرينَ ويُتركُ أَهْلُ الحِقْدِ بحِقْدِهم" (٢). ورَوَى علي بن أبي طلحة (٣)، عن ابن عباس في قوله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٤)، قال: يُكتبُ كُلُّ ما تكلَّمَ به من خيرٍ وشرٍّ، حتى إنَّه لَيُكْتَبُ قولُه: أكلْتُ، وشَرِبْتُ، وذَهَبْتُ، وجئْتُ، ورأيْتُ، حتى إذا كان يومُ الخميسِ عُرِضَ قولُه وعملُه فأُقِرَّ منه ما كان فيه مِن خيرٍ أو شرٍّ، وأُلْقِي سائرُه، فذلك قولُه تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ (٥). خرَّجه ابنُ أبي حاتم (٦) وغيرُه. فهذا يدُلُّ على اختِصاصِ يومِ الخميسِ بِعَرْضِ الأعمالِ لا يوجَدُ في غيرِهِ. وكان إبراهيمُ النخعِيُّ (٧) يبكي إلى امرأتِهِ يومَ الخميسِ وتبكي إليه، ويقولُ: اليومَ تُعْرَضُ أعمالُنا علي اللهِ . فهذا عَرْضٌ خاصٌّ في هذين اليومين غيرُ العَرْضِ العامِّ كل يوم، فإن ذلك عَرْضٌ دائم [كل يوم] (٨) بُكْرَةً وعشِيًّا. ويدُلُّ على ذلك ما في "الصحيحين" (٩) عن أبي هريرةَ عن النبي ﷺ ، قال: "يتعاقَبُونَ فيكم ملائكة بالليلِ، وملائِكَة بالنهارِ، فيجتمِعونَ في صلاةِ الصُّبحِ، وصَلاةِ العَصْرِ، فيسألُ الذين باتوا فيكم، وهو أعلمُ:

стр. 238

كيفَ تركْتُم عِبادِي؟ فيقولون: أتيناهُم وهم يُصَلُّون، وتركْنَاهُم وهُم يُصَلُّون. وفي صحيح مسلم (١) عن أبي موسى الأشعرِيِّ، قال: "قام فينا رسولُ الله ﷺ بخمسِ كلماتٍ، فقال: إن الله لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ وَيرفعُه (٢)، يُرفَعُ إليه عَمَلُ اللَّيلِ قبلَ النَّهارِ، وعملُ النهارِ قبلَ اللَّيلِ، حجابُه النورُ، لو كَشَفَه لأحْرَقَتْ سُبُحَاتُ (٣) وجهِهِ ما انتهَى إليه بَصَرُه من خَلْقِهِ". ويُروَى عن ابن مسعود، قال: إن مقدارَ كُل يوم مِن أيامكم عندَ ربِّكم ثنتا عشرةَ ساعةً، فتُعرضُ عليه أعمالُكُم بالأمسِ أوَّلَ النَّهارِ اليومَ، فيُنْظَرُ فيها ثلاثَ ساعاتٍ، وذَكَر باقيَهُ. كان الضحَّاكُ (٤) يَبْكِي آخرَ النهارِ، ويقول: لا أدري ما رُفعَ من عَملِي. يا مَنْ عَمَلُه معروض (٥) على مَنْ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفَى، لا تُبهرِجْ فإنَّ النَّاقِدَ (٦) بَصيرٌ. السُّقْمُ علَى الجِسْمِ لَهُ تَرْدَادُ … والعُمْرُ مَضَى وزلَّتي تَزْدَادُ (٧) ما أبعَدَ شُقَّتِي وما لي زَادُ … ما أكثَرَ بَهْرَجي ولي نَقَّادُ (٨) وحديثُ أسامةَ (٩) فيه أن النبي ﷺ كان إذا سرَدَ الفِطرَ يصومُ الاثنين والخميسَ، فدَل على مواظبةِ النبي ﷺ على صيامِهما، وقد كانَ أسامةُ يَصُومُهما حَضَرًا وسَفَرًا لهذا. وفي مسند الإمام أحمدَ وسنن النّسائى عن عبد الله بن عمرو (١٠) أن

стр. 239

النبي ﷺ أمَرَه أنْ يَصومَ ثلاثةَ أيَّام مِن كُل شهرٍ. فقال له (١): إني أَقْوَى على أكثَرَ مِن ذلك، قال: فَصُم من الجمعةِ يومَ الاثنين والخميس، قال: إنِّي أقْوَى على أكثَرَ مِن ذلك، قال: فَصُم صيامَ داودَ. وفي مسند الإمام أحمدَ (٢) مِن رواية عثمانَ بن رُشيد، حدثني أنسُ بن سيرين، قال: أتينا أنسَ بنَ مالك في يوم خميسٍ، فدعا بمائدته، فدعاهم إلى الغداءِ، فأكَلَ (٣) بعضُ القوم وأمسكَ بعضٌ، ثم أتَوْهُ يومَ خميسٍ، ففعَلَ مثلَها، فقال أنس: لعلَّكم أثْنائيّونَ (٤)، لعلَّكُم خَميسيُّون، كان رسولُ الله ﷺ يَصومُ حتَّى يقالَ لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتى يقالَ لا يَصُومُ. وظاهرُ هذا الحديث يخالِفُ حديثَ أُسامَةَ وأن النبي ﷺ إنما كان يَصومُ الاثنين والخميسَ إذا دَخَلا في صيامِه، ولم يكُنْ يَتحرى صيامَهُما في أيام سَرْدِ فطرِه، ولكن عثمان بن رُشيد ضعيف، ضَعَّفَه ابنُ معين وغيرُه، وحديثُ أسامةَ أصح منه. وقد رُوِي من حديث أم سلمَة (٥) أن النبي ﷺ كان يصومُ مِن كُل شهرٍ ثلاثةَ أيام، أوَّل خميس والاثنين والاثنين. وفي روايةٍ (٦) بالعكس: الاثنين والخميس والخميسُ. وأكثَرُ العُلماءِ على استحباب صِيامِ الاثنين والخميسِ. ورُوِي كراهتُهُ عن أنسِ بن مالك من غيرِ وجهٍ عنه، وكان مجاهدٌ يفعلُه، ثم تَرَكَهُ وكرهه. وكره أبو جعفر (٧) محمد بن علي صيامَ الاثنين، وكرِهَتْ طائفة صِيامَ يوم معينٍ كُلَّما مَرَّ بالإنسان. رُوِي عن عمرانَ بن حُصين، وابنِ عباس، والشعبى، والنخعي، ونَقلَهُ

стр. 240

ابنُ القاسم عن مالك. وقال الشافعي في القديم: أكرَهُ ذلك، قال: وإنما أكرهه (١) لئلَّا يتأسَّى جاهِلٌ فيَظنُّ أن ذلك واجِبٌ، قال: فإنْ فَعَلَ فحسَنٌ، يعني على غيرِ اعتقادِ الوُجوبِ. وأمَّا صيامُ النبي ﷺ من أشهرِ السَّنةِ فكانَ يَصومُ من شعبانَ ما لا يَصومُ مِن غيرِهِ مِنَ الشهورِ. "وفي الصحيحين" (٢) عن عائشةَ ﵂ قالت: ما رأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ استكمَلَ صيامَ شهرٍ قط إلا رمضانَ، وما رأيتُه في شهرٍ أكثَرَ صيامًا منهُ في شَعْبانَ. زاد البخاريُّ في رواية "كان يَصُومُ شعبانَ كلّه". ولمسلم في روايةٍ "كان يصومُ شعبانَ كلَّه، كانَ يَصُومُ شعبانَ إلَّا قليلًا". وفي رواية للنسائي (٣) عن عائشة، قالت: كان أحبَّ الشهورِ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ أنْ يَصُومَ شعبانَ، كان يَصِلُه برمضَانَ. وعنها وعن أم سلمةَ، قالتا: "كان رسولُ الله يَصُومُ شعبانَ إلا قليلًا، بل كان يَصُومُه كلَّه" (٤). وعن أمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: "ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَصُومُ شهرين متتابعين إلا شعبانَ ورمضانَ" (٥). وقد رجَّحَ طائفةٌ مِن العلماء؛ منهم ابنُ المبارك وغيرُهُ أن النبي ﷺ لم يستكمِلْ صِيامَ شَعبانَ، وإنما كانَ يَصُومُ أكثرَهُ. ويشهَدُ له ما في صحيح مسلم (٦) عن عائشةَ ﵂، قالت: "ما علمته - يعني النبي ﷺ - صَامَ شهرًا كلَّه إلَّا رمضانَ". وفي روايةٍ له أيضًا عنها قالت: "ما رأيتُهُ صامَ شهرًا كاملًاِ، مُنْذُ قدِمَ المدينة، إلَّا أن يكونَ رمضانَ".

стр. 241

وفي رواية (١) له أيضًا أنَّها قالَتْ: "لا أعلَمُ نبيَّ اللهِ ﷺ قرأ القرآن كلَّه في ليلةٍ، ولا صَامَ شهرًا كاملًا غيرَ رمضانَ". وفي روايةٍ (٢) له أيضًا، قالتْ: "ما رأيتُه قامَ ليلةً حتى الصَّباحِ، ولا صَامَ شهرًا متتابعًا إِلَّا رَمضَانَ". وفي الصحيحين (٣) عن ابن عباسٍ، قال: "ما صَامَ رسولُ الله ﷺ شهرًا كاملًا غيرَ رمضانَ". وكان ابنُ عباس يكرَهُ أن يَصُومَ شهرًا كاملًا غيرَ رمضانَ. وروى عبدُ الرزَّاق في "كتابه" (٤) عن ابن جُريج، عن عطاء، قال: "كان ابنُ عبَّاس ينهَى عن صِيامِ الشهرِ كاملًا، ويقول: لِيَصُمْهُ إِلا أيَّامًا؛ وكان ينهَى عن إفرادِ اليوم كلَّما مَرَّ بهِ، وعن صيام الأيَّام المعلومة، وكان يقول: لا تَصُمْ أيَّامًا معلومةً". فإنْ قَيلَ: فكيفَ كان النبي ﷺ يخصُّ شعبانَ بصيام التَّطوُّعِ فيه مع أنَّه قال: أفضَلُ الصِّيامِ بعدَ شهرِ رَمضانَ شهر الله المحرم؟. فالجوابُ: أن جماعةً مِن الناس أجابُوا عن ذلك بأجوبةٍ غيرِ قويّةٍ؛ لاعتقادِهِم أنَّ صيامَ المُحرَّم والأشهرِ الحُرم أفضَلُ مِن صيام شعبانَ، كما صرَّحَ به الشافعية وغيرهم، والأظَهَرُ خلاف ذلك، وأن صيامَ شعبانَ أفضَل مِن صيام الأشهرِ الحُرم. ويدُلُّ على ذلك ما خرَّجَه الترمذيُّ (٥) من حديث أنس: سُئلَ النبي ﷺ : أي الصِّيَام أفضَلُ بعدَ رمضانَ؟ قال: شعبان، تعظيمًا لرمضانَ. وفي إسناده مقَالٌ. وفي سنن ابن ماجَه (٦) أنَّ أسامَةَ كان يَصومُ الأشْهُرَ الحرُمَ، فقال له

стр. 242

رسولُ الله ﷺ : "صُمْ شوَّالًا"، فترَكَ الأشهُرَ الحُرُمَ، فكانَ يَصُومُ شوَّالًا حتى ماتَ. وفي إسنادِه إرسالٌ. وقد رُوِي من وجهٍ آخرَ يَعْضُدُه. فهذا نَصٌّ في تفضِيلِ صِيام شوَّال على صِيام الأشهرِ الحُرُمِ، وإنَّما كان كذلك لأنَّه يلي رمضانَ من بعدِه، كَما أن شعبانَ يليهَ من قبلِهِ، وشعبانُ أفضَلُ؛ لِصيام (١) النبي ﷺ له دونَ شوَّال، فإذا كان صيامُ شوَّال أفضلَ من الأشهرِ الحُرُمِ فلأنْ يكَونَ صَوْمُ شعبانَ أفضلَ بطريق الأوْلَى. فظَهَرَ بهذا أن أفْضَلَ التَّطوَّع ما كان قَريبًا من رمضانَ؛ قبلَه وبعدَه، وذلك يلتحقُ (٢) بصيام رمضانَ؛ لِقُرْبِه منه، وتكونُ منزلتُهُ من الصيام بمنزلةِ السُّنن الرواتِب مع الفرائِض قبلَها وبعدَها، فيلتحِقُ بالفرائضِ في الفضلِ، وهي تَكمِلهٌّ لنقَصِ الفرائضِ. وكذلك صيامُ ما قبلَ رمضانَ وبعدَه. فكما (٣) أنَّ السننَ الرواتِبَ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ المُطْلَقِ بالصَّلاةِ، فكذلك يكون (٤) صيامُ ما قبلَ رمضانَ وبعدَه أفضلَ من صيامِ ما بعُدَ منه، ويكونُ قولُه "أفضَلُ الصِّيامِ بَعْدَ رمضانَ المُحَرمُ" محمولًا على التطوُّعِ المُطْلَقِ بالصِّيام. فأمَّا ما قبلَ رمضانَ وبعدَه فإنَّه يَلتحِقُ (٥) به في الفضلِ، كما أنَّ قوله في تمام الحَديثِ "وأفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المَكْتُوبةِ قيامُ اللَّيلِ" إنما أُريدَ بهِ تفضيلُ قيام اللَّيلِ على التطوُّعِ المُطْلَقِ دُونَ السننِ الرواتب عند جُمهورِ العُلماءِ، خلافًا لبعضِ الشافعيةِ. واللهُ أعلم. فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : "أفضَلُ الصِّيام صِيامُ داودَ؛ كانَ يَصُومُ يومًا ويُفطِرُ يومًا" ولم يَصُمْ كذلك، بل كانَ يَصُومُ سَرْدًا ويُفطِرُ سَرْدًا، ويَصُومُ شعبانَ وكلَّ اثنين وخميس. قيل: صيامُ داودَ الذي فَضَلَه النبي ﷺ على الصيامِ، قد فسَّرَه النبي ﷺ في حديثٍ آخرَ بأنَّه صَوْمُ شَطْرِ الدَّهْرِ، وكان صيامُ النبي ﷺ إذا جُمعَ يَبلُغُ صِيامَ نِصْفِ الدَّهْرِ أو يَزيدُ عليه، وقد كانَ يَصُومُ مَعَ ما سَبَقَ ذِكْرُه يومَ عاشوراء، أو تسعَ (٦) ذي الحِجَّة، وإنَّما كان يُفرِّقُ صِيامَهُ ولا يَصُومُ يومًا ويُفطِرُ يومًا؛ لأنَّه كانَ يتحرَّى صِيامَ الأوقاتِ الفَاضِلةِ، ولا يَضُر تفريقُ الصِّيامِ والفطرِ أكثرَ مِن يوم ويوم، إذا كانَ القصدُ

стр. 243

به التَّقوِّي على ما هو أفضلُ مِن الصِّيامِ؛ بن أَدَاءِ الرِّسالةِ وتبليغها، والجهادِ عليها، والقيام بحقوقِها، فكان (١) صيام يوم وفِطْر يَوْم يُضعِفُهُ عن ذلك. ولهذا لما سئل النبي ﷺ في حديثِ أبي قَتَادة عمَّن يَصُومُ يومًا ويُفطِرُ يومين، قال: "ودِدْتُ أني طُوِّقْتُ ذلك (٢). وقد كان عبدُ الله بنُ عمرو بن العاص لمَّا كَبُرَ يسرُدُ الفِطْرَ أحيانًا ليتقوَّى بهِ على الصِّيامِ، ثمَّ يَعودُ فيصومُ ما فاتَهُ محافظةً على ما فارَقَ عليه النبي ﷺ مِن صيامِ شطرِ الدَّهرِ، فحصَلَ للنبي ﷺ أجرُ صِيام شطرِ الدَّهْرِ، وأزيدُ منه بصيامِهِ المتفرّقِ، وحصَلَ له أجرُ تتابُعِ الصِّيام بتمنِّيهِ لذلك، وإنما عاقَهُ عنه الاشتِغالُ بما هو أهمُّ منه وأفضَلُ. والله أعلم. وقد ظهرَ بما ذكرناه وجهُ صيامِ النبي ﷺ لشعبانَ دونَ غيرِهِ مِنَ الشهورِ، وفيه معانٍ أُخَر؛ وقد ذَكَرَ منها النبي ﷺ في حديثِ أسامةَ (٣) مَعنيين. أحدهما: أنَّه شهر يغفلُ الناسُ عنه بينَ رجب ورمضانَ؛ يُشير ﷺ إلى (٤) أنه لمَّا

стр. 244

اكتَنَفَه شهرانِ عظيمانِ؛ الشهرُ الحَرَامُ، وشهرُ الصِّيام، اشتغَلَ النَّاسُ بهما عنه، فصارَ مغفولًا عنه. وكثيرٌ مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أن صِيامَ رجبٍ أفَضَلُ من صيامِهِ لأنَّه شهر حرام، وليس كذلك. ورَوَى ابنُ وَهْبٍ (١)، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن أزهرَ بن سَعْدٍ (٢)، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: ذُكِرَ لرسولِ الله ﷺ ناسٌ يَصُومونَ رجَبًا، فقال: "فأينَ (٣) هم عن شعبانَ". وفي قوله "يغفُلُ النَّاسُ عنه بينَ رَجَبٍ ورمضانَ": إشارة إلى أن بعضَ ما يَشتهرُ فضلُه مِن الأزمانِ أو الأماكنِ أو الأشخاصِ قد يكونُ غيرُه أفضلَ منه (٤)؛ إمَّا مُطلقًا أو لِخصُوصيَّةٍ فيه لا يتفطَّنُ لها أكثرُ النَّاسِ. فيشتغِلُون بالمشهور عنه، ويُفوّتون تحصيلَ فَضيلةِ ما ليسَ بمشهورٍ عندَهم. وفيه دليلٌ على استحباب عمارةِ أوقاتِ غَفْلَةِ النَّاسِ بالطَّاعة، وأنَّ ذلك محبوبٌ لله ، كما كان طائفةٌ مِنَ السَّلفِ يَستحبُّونَ إحياءَ ما بينَ العِشاءَين بالصَّلاةِ، ويقولون: هي ساعةُ غَفْلَةٍ (٥)، وكذلك فضل القيام في وسطِ اللَّيلِ؛ لِشمولِ الغَفْلَةِ لأكثرِ النَّاسِ فيه عن الذِّكْرِ، وقد قال النبيُّ ﷺ : "إن استطَعْتَ أنْ تكونَ مِمَّن يذكُرُ الله في تلك السَّاعةِ فكُنْ". ولهذا المعنى كان النبي ﷺ يُريدُ أن يؤخِّرَ العشاءَ إلى نصفِ اللَّيلِ، وإنما علَّلَ تَرْكَ ذلك؛ لِخشيةِ المشقَّةِ على النَّاس. ولمَّا خَرَجَ ﷺ على أصحابِهِ وهُم ينتظِرُونه لِصلاةِ العِشاءِ قال لهم (٦): "ما ينتظِرُها أحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأرضِ غيرُكُم" (٧). وفي هذا إشارةٌ إلى فضيلةِ التفرُّدِ بذكر اللهِ في وقتٍ من

стр. 245

الأوقاتِ لا يُوجَدُ فيه ذاكرٌ له، ولهذا وَرَدَ في فَضْلِ الذكر في الأسواقِ (١) ما ورَدَ من الحديث المرفوع والآثارِ المَوْقُوفةِ، حتَّى قال أبو صالح: إن الله ليضحَكُ مِمَّن يذكُرُه في السُّوقِ، وسبَبُ ذلك أنه ذُكِرَ في مَوْطِنِ الغَفْلَةِ بينَ أهلِ الغَفْلَةِ. وفي حديثِ أبي ذَرٍّ المرفوعِ: ثلاثةٌ يُحبُّهم الله؛ قومُ سارُوا لَيْلَتَهم (٢)، حتَّى إذا كان النَّومُ أحبَّ إليهم مِمَّا يُعدَلُ به فوضَعُوا رؤوسهم، فقامَ أحدُهم يتملَّقُنِي ويتلُو آياتِي. وقومٌ كانوا في سَريَّةٍ فانهزَمُوا، فتقدَّم أحدُهمِ فلقِيَ العدوِّ فصبَرَ حتَّى قُتِلَ. وذَكَرَ أيضًا قومًا جاءَهُم سائلٌ فسألَهم فلم يُعطُوه، فانْفرَدَ أَحدُهُم حتى أعطاهُ سرًّا (٣). فهؤلاء الثَّلاثةُ انفرَدُوا عن رفقتِهم بمعاملةِ اللهِ سِرًا بينَهم وبينَهُ، فأحبَّهمُ الله. فكذلك مَن يَذكرُ الله في غَفْلَةِ النَّاسِ، أو مَنْ يَصُومُ في أيَّامِ غَفْلةِ النَّاسِ عن الصِّيامِ. وفي إحياءِ الوقتِ المَغْفُولِ عنه بالطَّاعَةِ فوائد؛ منها: أنه يكونُ أخفَى، وإخفاءُ النَّوافِل وَإسْرارُها أفضَلُ، لا سيَّما الصيامُ؛ فإنَّه سِرٌّ بينَ العَبْدِ ورَبِّه، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياءُ. وقد صَامَ بعضُ السَّلفِ أربعين سنةً لا يَعلَمُ به أحدٌ، كان يخرُجُ من بيته إلى سوقِهِ ومعه رَغيفانِ، فيتصدَّقُ بهما ويصومُ، فيظنُّ أهلُه أنَّه أكلَهما، ويظُن أهلُ سوقِهِ أنَّه أكَلَ في بيتِهِ. وكانوا يَستحِبُّون لمن صَامَ أن يُظهرَ ما يخفي به صيامه. فعن ابن مسعودٍ أنه قال: "إذا أصبحتُم صيامًا فأصبِحُوا مدَّهِنين". وقال قتادة: يُستحبُّ للصائم أنْ يدَّهنَ حتَّى تذهَبَ عنه غُبْرةُ الصِّيامِ.

стр. 246

وقال أبو التيَّاحِ: أدركتُ أبي ومشيخةَ الحيِّ، إذا صَامَ أحدُهم ادَّهَنَ ولبسَ أحسَنَ (١) ثيابِهِ. ويُروَى أن عيسى بنَ مريم ﵇ قال: إذا كان يومُ صومِ أحدِكُم فليدهنْ لِحيتَهُ، وليمسَحْ شفتيهِ مِن دُهْنِهِ حتى ينظُرَ النَّاظِرُ إليه فيَرى أنَّه ليس بصائمٍ. اشتهرَ بعضُ الصَّالِحين بكثرةِ الصِّيامِ، فكان يجتهِدُ في إظهار فطرِهِ للنَّاسِ حتَّى كان (٢) يقومُ يَومَ الجمعةِ والنَّاسُ مجتمِعُونَ في مسجدِ الجامعِ، فيأخُذُ إبريقًا، فيضَعُ بلبلتَه في فيهِ ويمصُّه ولا يزدرِدُ (٣) منه شيئًا، ويبقى ساعةً كذلك لِينظرَ النَّاسُ إليه فيظنُّونَ أنَّه يشرَبُ الماءَ، وما يدخل (٤) إلى حلقه منه شيءٌ. كم يَستر الصَّادِقُونَ أحوالَهم وريحُ الصِّدْقِ ينُمُّ عليهم. ريحُ الصِّيام (٥) أطيبُ من ريحِ المِسْكِ تَستنشِقُه قلوبُ المؤمنينَ وإنْ خَفِيَ (٦)، وكلَّما طالَتْ عليه المُدَّةُ ازدَادَ قوَّة ريحه. كَمْ أَكْتُم حُبَّكُم عَنِ الأغيارِ … والدَّمْعُ يُذيعُ في الهَوَى أسرارِي كَمْ أستُرُكُمْ هتَكْتُمُ أَسْتَارِي … من يُخفِى في الهوَى لَهِيبَ النَّارِ ما أَسَرَّ أحدٌ سَرِيرةً إلَّا ألبَسَهُ الله رداءَها عَلانيةً. وَهَبنِي كَتَمْتُ السِّرَّ أوْ قُلْتُ غَيرَهُ … أتخفَى على أَهْلِ القُلُوب السَّرائرُ أَبَى ذاكَ أن السِّرَّ في الوَجْهِ نَاطِقٌ … وأن ضَميرَ القَلْبِ في العَينِ ظاهِرُ ومنها: أنه أَشَقُّ على النُّفوسِ؛ وأفضَلُ الأعمالِ أشقُّها على النُّفُوسِ، وسببُ ذلك أن النُّفوسَ تتأسَّى بما تُشاهِدُه (٧) من أحوالِ أبناءِ الجنسِ، فإذا كثُرَتْ يقظةُ النَّاسِ وطاعاتُهم كَثُرَ أهلُ الطَّاعةِ؛ لِكثرةِ المقتدِينَ بهم، فسَهُلَتِ الطَّاعاتُ. وإذا كَثُرَتِ الغَفْلاتُ وأهلُها تأسَّى بهم عُمومُ النَّاسِ، فيَشُقُّ على نُفوسِ المتيقظينَ

стр. 247

طاعاتُهم؛ لقلَّةِ مَن يَقْتَدُونَ بهم فيها، ولهذا المعنى قال النبيُّ ﷺ : "للعاملِ منهم أَجْرُ خمسينَ منكم، أنَّكُم تجِدُون على الخيرِ أعوانًا ولا يَجِدُون" (١). وقال ﷺ : "بدأ الإسلامُ غريبًا وسيعودُ غريبًا كما بَدَأ، فَطُوَبى لِلغُرباءِ" (٢). وفي رواية: "قيل: ومَنِ الغُرباءُ؟ قال: "الذينَ يَصْلُحُونَ إذا فَسَدَ النَّاسُ" (٣). وفي صحيح مسلم (٤) من حديثِ مَعْقِلِ بن يَسارٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "العِبَادَةُ في الهَرْجِ كالهجرةِ إليَّ". وخرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ (٥)، ولفظه "العِبَادَةُ في الفِتْنَةِ كالهِجْرَةِ إليَّ". وسَببُ ذلك أن الناسَ في زمنِ الفِتنِ يتبعونَ أهواءَهُم ولا يَرجِعُونَ إلى دينٍ، فيكون حالُهم شبيهًا بحال الجاهلية، فإذا انفرَدَ مِنْ بينهم مَن يتمسَّكُ بدِينِه وَيعبُدُ ربَّهُ وَيتبَعُ مراضيه (٦)، ويجتنِبُ مَسَاخِطَهُ، كان بمنزلةِ مَن هاجَرَ من بين أهلِ الجاهليةِ إلى رَسولِ الله ﷺ مؤمنًا بهِ، مُتبِعًا لأوامِرِه، مُجْتنبًا لِنواهِيهِ. ومنها: أن المنفرِدَ بالطَّاعة بين أهلِ المعاصِي والغَفْلةِ قد يُدْفَعُ به البَلاءُ عَنِ الناسِ كُلِّهم (٧)، فكأنه يحميهِم ويُدافعُ عنهم. وفي حديثِ ابن عُمَرَ الذي رَويناه في "جزء ابن عَرَفة" (٨) مرفوعًا: "ذاكِرُ اللهِ في الغافِلينَ كالذي يُقاتِلُ عَن الفارّينَ، وذاكِرُ الله في الغافلينَ كالشَّجرةِ الخضراء في وسَطِ الشَّجرِ الذي تحاتَّ (٩) وَرَقُهُ مِنَ

стр. 248

الصَّريدِ (١) - والصَّرِيدُ: البرْدُ الشديدُ - وذاكرُ اللهِ في الغافلين يغفرُ [الله] (٢) له بعددِ كُلِّ رطبٍ ويابسٍ، وذكِرُ اللهِ في الغافلين يعرِفُ مقعدَهُ في الجنَّة" (٣). قال بعضُ السَّلف: ذاكِرُ اللهِ في الغافلين كمثل الذي يحمِي الفئة المنهزِمَة، ولولا مَن يذكرُ الله في غَفْلةِ النَّاسِ لهلَكَ النَّاسُ. رأى جماعةٌ مِن المتقدِّمينَ في منامهم كان ملاِئكة نزلَتْ إلى بلادٍ شتَّى، فقال بعضُهم لبعضٍ: اِخْسِفُوا بهذه القرية، فقال بعضُهم: كيفَ نخسِفُ بها وفلانٌ فيها قائمٌ يُصلِّي؟ ورأى بعضُ المتقدِّمينَ في منامِه مَن يُنشِدُ وَيقولُ (٤): لَولا الَّذينَ لَهُمْ وِرْدٌ يُصلُّونا … وآخرون لَهُمْ سَرْدٌ يصُومُونا لَدُكْدِكتْ (٥) أَرْضُكُم مِن تحتِكُم سَحَرًا … لِأنكُم قومُ سُوءٍ ما تُطِيعُونا وفي مسند البزَّارِ (٦) عن أبي هريرة مرفوعًا: "مهلًا عن الله مهلًا، فلولا عبادٌ رُكَّعٌ، وأطفالٌ رُضَّعٌ، وبهائمُ رُتَّعٌ، لَصُبَّ عليكم العَذابُ صَبًّا". ولبعضهِم في المعنَى: لَولا عِبادٌ للإله رُكَّعُ … وَصبْيةٌ مِنَ اليَتَامَى رُضَّعُ ومُهْمَلاتٌ في الفَلَاةِ رُتَّعُ … صُبَّ (٧) عليكم العذابُ المُوجِعُ وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ

стр. 249

الْأَرْضُ﴾ (١): إنه يدخلُ فيها دفْعُهُ عن العُصاةِ بأهلِ الطَّاعةِ. وجاء في الآثار: إنَّ الله يَدْفَعُ بالرَّجُلِ الصالِحِ عن أهلِهِ وولدِهِ وذريَّتِه ومَنْ حَوْلَه. وفي بعض الآثار يقولُ الله : "أَحَبُّ العِبادِ إليَّ المُتَحابُّونَ بجلالي المشَّاؤون في الأرضِ بالنَّصِيحةِ، المشَّاؤون (٢) على أقدامهم إلى الجُمُعاتِ". وفي رواية: "المعلَّقة (٣) قلوبُهم بالمساجِدِ، والمستغفِرونَ بالأسحارِ، فإذا أردتُ إنزالَ عذابٍ بأهلِ الأرضِ فنَظَرْتُ إليهم صَرفْتُ العَذَابَ عن النَّاسِ". وقال مكحولٌ (٤): ما دامَ في النَّاسِ خمسةَ عَشَرَ يَستغفِرُ كُلٌّ منهم الكة كُلَّ يوم خمسًا وعشرين مَرَّة لم يَهلِكُوا بعذاب عامَّة (٥). والآثارُ في هذا المعنى كثيرة جدًّا. وقد رُوِيَ في صيام النبيِّ ﷺ شعبانَ معنىً آخَرُ، وهو أنَّه تُنْسَخُ فيه الآجالُ. فَرُوِي بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن عائشةَ، قالت: "كان أكثرُ صِيامِ رسولِ الله ﷺ في شعبانَ، فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، أَرَى أكثَرَ صِيامِكَ في شعبانَ. قال: إِنَّ هذا الشهر يُكتَبُ فيه لملَكِ الموتِ مَنْ يقبضُ، فأنا لا أحِبُّ أن يُنْسَخَ اسْمِي الَّا وأنا صَائمٌ" (٦). وقد رُوِي مُرْسَلًا، وقيل: إنَّه أصَحُّ. وفي حديثٍ آخرَ مُرسلٍ: "تُقْطَعُ الآجالُ مِن شعبانَ إِلى شعبانَ، حتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ ويُولَدُ له ولَقَدْ خَرَج اسْمُه في الموتَى" (٧).

стр. 250

ورُوِي في ذلك معنىً آخرُ، وهو أن النبيَّ ﷺ كانَ يَصُومُ مِن كُلِّ شهرٍ ثلاثةَ أَيَّامٍ، وربَّما أخَّرَ ذلك حتَّى (١) يصومَ شعبانَ. رَوَاهُ ابنُ أبي ليلى، عن أخيهِ عيسى، عن أبيهما، عن عائشةَ ﵂. خرَّجَه الطبرانيُّ (٢). ورواه غيرُه، وزاد "قالت عائشة: فربَّما أرَدْتُ أنْ أَصُومَ فلم أُطِقْ، حتَّى إذا صامَ (٣) صُمْتُ معه". وقد يُشكِلُ على هذا ما في صحيح مسلم (٤) عن عائشةَ، قالت: "كان رسول الله ﷺ يَصُومُ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كُلِّ شهرٍ، لا يبالِي من أيِّهِ كان". وفيه (٥) أيضًا عنها، قالت: "ما علمته - تعنِي النبيَّ ﷺ صامَ شهرًا كاملًا الَّا رمضانَ، ولا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حتَّى يَصُومَ منه، حتَّى مَضَى لِسبِيلِهِ". وقد يُجمَعُ بينَهما بأنه قد يكونُ صَوْمُه في بعضِ الشُّهورِ لا يبلُغ ثلاثةَ أيَّامٍ، فيُكمِلُ ما فاتَهُ من ذلك في شعبانَ، أو أنه كان يَصُومُ مِن كُلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ مع الاثنين والخميس، فيؤخِّرُ الثلاثةَ خاصَّةً حتى يقضيَها في شعبانَ مع صَوْمِه الاثنينِ والخميسِ. وبِكُلِّ حال فكان النبيُّ ﷺ عملُه دِيمَة (٦)، وكان إذا فاتَهُ شيءٌ مِن نوافلِهِ قضاهُ، كما كان يقضِي ما فاتَهُ مِن سُننِ الصَّلاةِ وما فاتَهُ مِن قيامِ اللَّيلِ بالنَّهارِ. وكان إذا دَخَلَ شعبانُ وعليه بقيَّةٌ مِن صيامِ تطوع لَمْ يَصُمْه، قَضَاهُ في شعبانَ
следующие страницы →