← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال أبو التيَّاحِ: أدركتُ أبي ومشيخةَ الحيِّ، إذا صَامَ أحدُهم ادَّهَنَ ولبسَ أحسَنَ (١) ثيابِهِ. ويُروَى أن عيسى بنَ مريم ﵇ قال: إذا كان يومُ صومِ أحدِكُم فليدهنْ لِحيتَهُ، وليمسَحْ شفتيهِ مِن دُهْنِهِ حتى ينظُرَ النَّاظِرُ إليه فيَرى أنَّه ليس بصائمٍ. اشتهرَ بعضُ الصَّالِحين بكثرةِ الصِّيامِ، فكان يجتهِدُ في إظهار فطرِهِ للنَّاسِ حتَّى كان (٢) يقومُ يَومَ الجمعةِ والنَّاسُ مجتمِعُونَ في مسجدِ الجامعِ، فيأخُذُ إبريقًا، فيضَعُ بلبلتَه في فيهِ ويمصُّه ولا يزدرِدُ (٣) منه شيئًا، ويبقى ساعةً كذلك لِينظرَ النَّاسُ إليه فيظنُّونَ أنَّه يشرَبُ الماءَ، وما يدخل (٤) إلى حلقه منه شيءٌ. كم يَستر الصَّادِقُونَ أحوالَهم وريحُ الصِّدْقِ ينُمُّ عليهم. ريحُ الصِّيام (٥) أطيبُ من ريحِ المِسْكِ تَستنشِقُه قلوبُ المؤمنينَ وإنْ خَفِيَ (٦)، وكلَّما طالَتْ عليه المُدَّةُ ازدَادَ قوَّة ريحه. كَمْ أَكْتُم حُبَّكُم عَنِ الأغيارِ … والدَّمْعُ يُذيعُ في الهَوَى أسرارِي كَمْ أستُرُكُمْ هتَكْتُمُ أَسْتَارِي … من يُخفِى في الهوَى لَهِيبَ النَّارِ ما أَسَرَّ أحدٌ سَرِيرةً إلَّا ألبَسَهُ الله رداءَها عَلانيةً. وَهَبنِي كَتَمْتُ السِّرَّ أوْ قُلْتُ غَيرَهُ … أتخفَى على أَهْلِ القُلُوب السَّرائرُ أَبَى ذاكَ أن السِّرَّ في الوَجْهِ نَاطِقٌ … وأن ضَميرَ القَلْبِ في العَينِ ظاهِرُ ومنها: أنه أَشَقُّ على النُّفوسِ؛ وأفضَلُ الأعمالِ أشقُّها على النُّفُوسِ، وسببُ ذلك أن النُّفوسَ تتأسَّى بما تُشاهِدُه (٧) من أحوالِ أبناءِ الجنسِ، فإذا كثُرَتْ يقظةُ النَّاسِ وطاعاتُهم كَثُرَ أهلُ الطَّاعةِ؛ لِكثرةِ المقتدِينَ بهم، فسَهُلَتِ الطَّاعاتُ. وإذا كَثُرَتِ الغَفْلاتُ وأهلُها تأسَّى بهم عُمومُ النَّاسِ، فيَشُقُّ على نُفوسِ المتيقظينَ

стр. 247

طاعاتُهم؛ لقلَّةِ مَن يَقْتَدُونَ بهم فيها، ولهذا المعنى قال النبيُّ ﷺ : "للعاملِ منهم أَجْرُ خمسينَ منكم، أنَّكُم تجِدُون على الخيرِ أعوانًا ولا يَجِدُون" (١). وقال ﷺ : "بدأ الإسلامُ غريبًا وسيعودُ غريبًا كما بَدَأ، فَطُوَبى لِلغُرباءِ" (٢). وفي رواية: "قيل: ومَنِ الغُرباءُ؟ قال: "الذينَ يَصْلُحُونَ إذا فَسَدَ النَّاسُ" (٣). وفي صحيح مسلم (٤) من حديثِ مَعْقِلِ بن يَسارٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "العِبَادَةُ في الهَرْجِ كالهجرةِ إليَّ". وخرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ (٥)، ولفظه "العِبَادَةُ في الفِتْنَةِ كالهِجْرَةِ إليَّ". وسَببُ ذلك أن الناسَ في زمنِ الفِتنِ يتبعونَ أهواءَهُم ولا يَرجِعُونَ إلى دينٍ، فيكون حالُهم شبيهًا بحال الجاهلية، فإذا انفرَدَ مِنْ بينهم مَن يتمسَّكُ بدِينِه وَيعبُدُ ربَّهُ وَيتبَعُ مراضيه (٦)، ويجتنِبُ مَسَاخِطَهُ، كان بمنزلةِ مَن هاجَرَ من بين أهلِ الجاهليةِ إلى رَسولِ الله ﷺ مؤمنًا بهِ، مُتبِعًا لأوامِرِه، مُجْتنبًا لِنواهِيهِ. ومنها: أن المنفرِدَ بالطَّاعة بين أهلِ المعاصِي والغَفْلةِ قد يُدْفَعُ به البَلاءُ عَنِ الناسِ كُلِّهم (٧)، فكأنه يحميهِم ويُدافعُ عنهم. وفي حديثِ ابن عُمَرَ الذي رَويناه في "جزء ابن عَرَفة" (٨) مرفوعًا: "ذاكِرُ اللهِ في الغافِلينَ كالذي يُقاتِلُ عَن الفارّينَ، وذاكِرُ الله في الغافلينَ كالشَّجرةِ الخضراء في وسَطِ الشَّجرِ الذي تحاتَّ (٩) وَرَقُهُ مِنَ

стр. 248

الصَّريدِ (١) - والصَّرِيدُ: البرْدُ الشديدُ - وذاكرُ اللهِ في الغافلين يغفرُ [الله] (٢) له بعددِ كُلِّ رطبٍ ويابسٍ، وذكِرُ اللهِ في الغافلين يعرِفُ مقعدَهُ في الجنَّة" (٣). قال بعضُ السَّلف: ذاكِرُ اللهِ في الغافلين كمثل الذي يحمِي الفئة المنهزِمَة، ولولا مَن يذكرُ الله في غَفْلةِ النَّاسِ لهلَكَ النَّاسُ. رأى جماعةٌ مِن المتقدِّمينَ في منامهم كان ملاِئكة نزلَتْ إلى بلادٍ شتَّى، فقال بعضُهم لبعضٍ: اِخْسِفُوا بهذه القرية، فقال بعضُهم: كيفَ نخسِفُ بها وفلانٌ فيها قائمٌ يُصلِّي؟ ورأى بعضُ المتقدِّمينَ في منامِه مَن يُنشِدُ وَيقولُ (٤): لَولا الَّذينَ لَهُمْ وِرْدٌ يُصلُّونا … وآخرون لَهُمْ سَرْدٌ يصُومُونا لَدُكْدِكتْ (٥) أَرْضُكُم مِن تحتِكُم سَحَرًا … لِأنكُم قومُ سُوءٍ ما تُطِيعُونا وفي مسند البزَّارِ (٦) عن أبي هريرة مرفوعًا: "مهلًا عن الله مهلًا، فلولا عبادٌ رُكَّعٌ، وأطفالٌ رُضَّعٌ، وبهائمُ رُتَّعٌ، لَصُبَّ عليكم العَذابُ صَبًّا". ولبعضهِم في المعنَى: لَولا عِبادٌ للإله رُكَّعُ … وَصبْيةٌ مِنَ اليَتَامَى رُضَّعُ ومُهْمَلاتٌ في الفَلَاةِ رُتَّعُ … صُبَّ (٧) عليكم العذابُ المُوجِعُ وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ

стр. 249

الْأَرْضُ﴾ (١): إنه يدخلُ فيها دفْعُهُ عن العُصاةِ بأهلِ الطَّاعةِ. وجاء في الآثار: إنَّ الله يَدْفَعُ بالرَّجُلِ الصالِحِ عن أهلِهِ وولدِهِ وذريَّتِه ومَنْ حَوْلَه. وفي بعض الآثار يقولُ الله : "أَحَبُّ العِبادِ إليَّ المُتَحابُّونَ بجلالي المشَّاؤون في الأرضِ بالنَّصِيحةِ، المشَّاؤون (٢) على أقدامهم إلى الجُمُعاتِ". وفي رواية: "المعلَّقة (٣) قلوبُهم بالمساجِدِ، والمستغفِرونَ بالأسحارِ، فإذا أردتُ إنزالَ عذابٍ بأهلِ الأرضِ فنَظَرْتُ إليهم صَرفْتُ العَذَابَ عن النَّاسِ". وقال مكحولٌ (٤): ما دامَ في النَّاسِ خمسةَ عَشَرَ يَستغفِرُ كُلٌّ منهم الكة كُلَّ يوم خمسًا وعشرين مَرَّة لم يَهلِكُوا بعذاب عامَّة (٥). والآثارُ في هذا المعنى كثيرة جدًّا. وقد رُوِيَ في صيام النبيِّ ﷺ شعبانَ معنىً آخَرُ، وهو أنَّه تُنْسَخُ فيه الآجالُ. فَرُوِي بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن عائشةَ، قالت: "كان أكثرُ صِيامِ رسولِ الله ﷺ في شعبانَ، فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، أَرَى أكثَرَ صِيامِكَ في شعبانَ. قال: إِنَّ هذا الشهر يُكتَبُ فيه لملَكِ الموتِ مَنْ يقبضُ، فأنا لا أحِبُّ أن يُنْسَخَ اسْمِي الَّا وأنا صَائمٌ" (٦). وقد رُوِي مُرْسَلًا، وقيل: إنَّه أصَحُّ. وفي حديثٍ آخرَ مُرسلٍ: "تُقْطَعُ الآجالُ مِن شعبانَ إِلى شعبانَ، حتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ ويُولَدُ له ولَقَدْ خَرَج اسْمُه في الموتَى" (٧).

стр. 250

ورُوِي في ذلك معنىً آخرُ، وهو أن النبيَّ ﷺ كانَ يَصُومُ مِن كُلِّ شهرٍ ثلاثةَ أَيَّامٍ، وربَّما أخَّرَ ذلك حتَّى (١) يصومَ شعبانَ. رَوَاهُ ابنُ أبي ليلى، عن أخيهِ عيسى، عن أبيهما، عن عائشةَ ﵂. خرَّجَه الطبرانيُّ (٢). ورواه غيرُه، وزاد "قالت عائشة: فربَّما أرَدْتُ أنْ أَصُومَ فلم أُطِقْ، حتَّى إذا صامَ (٣) صُمْتُ معه". وقد يُشكِلُ على هذا ما في صحيح مسلم (٤) عن عائشةَ، قالت: "كان رسول الله ﷺ يَصُومُ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كُلِّ شهرٍ، لا يبالِي من أيِّهِ كان". وفيه (٥) أيضًا عنها، قالت: "ما علمته - تعنِي النبيَّ ﷺ صامَ شهرًا كاملًا الَّا رمضانَ، ولا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حتَّى يَصُومَ منه، حتَّى مَضَى لِسبِيلِهِ". وقد يُجمَعُ بينَهما بأنه قد يكونُ صَوْمُه في بعضِ الشُّهورِ لا يبلُغ ثلاثةَ أيَّامٍ، فيُكمِلُ ما فاتَهُ من ذلك في شعبانَ، أو أنه كان يَصُومُ مِن كُلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ مع الاثنين والخميس، فيؤخِّرُ الثلاثةَ خاصَّةً حتى يقضيَها في شعبانَ مع صَوْمِه الاثنينِ والخميسِ. وبِكُلِّ حال فكان النبيُّ ﷺ عملُه دِيمَة (٦)، وكان إذا فاتَهُ شيءٌ مِن نوافلِهِ قضاهُ، كما كان يقضِي ما فاتَهُ مِن سُننِ الصَّلاةِ وما فاتَهُ مِن قيامِ اللَّيلِ بالنَّهارِ. وكان إذا دَخَلَ شعبانُ وعليه بقيَّةٌ مِن صيامِ تطوع لَمْ يَصُمْه، قَضَاهُ في شعبانَ

стр. 251

حتَّى يستكمِلَ نوافِلَهُ بالصَّوْمِ قبلَ دُخُولِ رمضانَ، فكانَتْ عائشةُ حينئذٍ تغتنِمُ قَضاءَهُ لنوافلِهِ فتَقضي ما عليها من فرضِ رمضانَ حينئذٍ لِفطْرِها فيه بالحَيْض، وكانَتْ في غيرِه مِنَ الشُّهورِ مُشتغلةً بالنبيِّ ﷺ فإن المرأةَ لا تَصومُ وبَعْلُها شاهِدٌ الَّا بإذْنِهِ. فَمَنْ دَخَلَ عليه شعبانُ وقد بقيَ عليه منِ نوافِلِ صيامِهِ في العام استُحِبَّ له قضاؤها فيه حتَّى يُكمِّلَ نوافلَ صيامِهِ بينَ الرَّمضَانين. ومَن كان عليه شيءٌ" (١) مِن قَضاءِ رَمضانَ وجَبَ عليه قضاؤه [بعدَ رمضانَ] (٢) مع القُدْرَةِ، ولا يَجُوزُ لَهُ تأخيرُه إلى ما بعدَ رَمضان آخرَ لِغَيْرِ ضَرُورةٍ، فإنْ فَعَلَ ذلك وكان تأخيرُه لِعُذرٍ مُستمرٌ بينَ الرَّمضانَينِ، كان عليه قضاؤه بعدَ رمضانَ الثاني، ولا شيءَ عليه مع القضاءِ. وانْ كانَ ذلك لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ فقيلَ: يَقضِي ويُطعِمُ مَعَ القَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مسكينًا، وهو قولُ مالكٍ والشَّافِعيِّ وأحمدَ إتباعًا لآثارٍ وَرَدَتْ بذلك. وقيلَ: يقضِي ولا إطعامَ عليه، وهو قولُ أبي حنيفةَ. وقيل: يُطعِمُ ولا يَقْضِي، وهو ضَعيفٌ. وقد قيلَ في صومِ شعبانَ معنىً آخَرُ، وهو أن صِيامَه كالتَّمرِينِ على صِيام رَمضانَ؛ لئلَّا يدخُلَ في صَوْمِ رَمضانَ على مَشَقَّةٍ وكُلْفَةٍ، بلْ يكونُ قد تمرَّنَ على الصِّيامِ واعْتَادَهُ، ووجَدَ بصيام شعبانَ قبلَهُ حَلاوةَ الصِّيام ولذَّتَهُ، فيدخُلُ في صيامِ رَمضانَ بقوَّةٍ ونَشَاطٍ. ولمَّا كانَ شعبانُ كالمقدِّمَةِ لرمضانَ شُرِعَ فيه ما يُشرَعُ في رمضانَ من الصِّيام وقراءةِ القرآنِ؛ ليحصُلَ التَّأهُّبُ لتلَقِّي رمضان، وترتاضَ النُّفوسُ بذلك على طاعةِ الرَّحمنِ. وروينا بإسنادٍ ضعيفٍ عن أنسٍ، قال: كان المسلمون إذا دَخَلَ شَعْبَانُ أكبُّوا (٣) على المصاحِفِ فقرؤوها (٤)، وأخرَجُوا زكاةَ أموالِهم تقوِيةً للضَّعيفِ والمسكينِ على صيامِ رمضانَ. وقالَ سَلمةُ بنُ كُهَيلٍ (٥): كان يقالُ: شهرُ شعبانَ شهرُ القُرَّاءِ (٦). وكان حبيبُ بن

стр. 252

أبي ثابتٍ (١) إذا دَخَلَ شعبانُ قال: هذا شهرُ القُرَّاءِ. وكان عمرو بن قيس المُلائيُّ (٢) إذا دَخَلَ شعبانُ أَغْلَقَ حانُوتَهُ وتفرَّغ لقراءةِ القرآن. قال الحسنُ بن سهل: قال شعبان: يا ربِّ، جعلتني بينَ شهرَيْنِ عظيمَيْنِ، فما لِي؟ قال: جعلْتُ فيكَ قراءَةَ القرآنِ. يا مَنْ فرَّطَ في الأوقاتِ الشريفةِ وضيَّعَها وأودَعَهَا الأعمالَ السيئةَ، وبئسَ ما اسْتَوْدَعَهَا. مَضَى رَجَبٌ وما أَحْسَنْتَ فيهِ … وهَذا شَهْرُ شَعْبَانَ المُبَارَكْ فيا مَنْ ضَيَّعَ الأوقاتَ جَهْلًا … بِحُرْمَتِها أفِقْ واحْذَرْ بَوَارَكْ فسَوفَ تُفارِقُ اللَّذَّاتِ قَهْرًا (٣) … ويُخْلِي الموتُ كُرْهًا مِنكَ دَارَكْ تَدَارَكْ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطَايا … بتوبةِ مُخلِصٍ واجْعَلْ مَدَارَكْ عَلَى طَلَبِ السَّلامَةِ مِنْ جَحِيمٍ … فخيرُ ذوي الجرائمِ مَنْ تَدَارَكْ * * * المجلس الثاني في ذكر نصف شعبان خرَّجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والتّرمذيُّ والنّسائيُّ وابنُ ماجَه وابنُ حِبان في "صحيحه" والحاكمُ مِن حديثِ العَلاءِ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا انتصَفَ شعبانُ فلا تَصُوموا حتى رمضان"، وصحَّحه الترمذيُّ وغيرُه (٤).

стр. 253

واختلف العلماءُ في صحةِ هذا الحديثِ، ثمَّ في العملِ بهِ؛ فأمَّا تصحيحُهُ فصحَّحَهُ غيرُ واحدٍ، منهم الترمذيُّ وابنُ حِبانَ والحاكمُ والطَّحاوِيُّ وابنُ عبدِ البر، وتكلَّمَ فيه مَنْ هو أكبرُ من هؤلاء وأعلَمُ (١)، وقالوا: هو حديثُ مُنكَرُ؛ منهم عبدُ الرحمن بنُ مَهدي، والإمامُ أحمدُ، وأَبو زرعةَ الرازيُّ، والأثرمُ. وقال الإمامُ أحمدُ: لم يَرْوِ العلاءُ حديثًا أنكرَ منه، وردَّهُ بحديثِ "لا تَقَدِّمُوا رَمضانَ بصوْمِ يوم أو يومينِ" (٢) فإنَّ مفهُومَهُ جوازُ التَّقدُّم بأكثَرَ مِن يومين. وقال الأثرمُ: الأحاديثُ كُلها تخالِفُهُ؛ يُشيرُ إلى أحاديثِ صِيام النبيِّ ﷺ شعبانَ كلَّه وَوَصْلِهِ برمضانَ، ونهيهِ عن التقدُّم على رمضانَ بيومين، فصارًا لحديثُ حينئذ شاذًا مخالفًا للأحاديثِ الصَّحيحةِ. وقال الَطَّحاوِيُّ: هو منسوخٌ، وحكَى الإجماعَ على تركِ العَمَلِ بهِ. وأكثرُ العلماءِ على أنَّه لا يُعمَلُ بهِ، وقد أخذَ به آخرون؛ منهم الشافعيُّ وأصحابُه، ونَهَوْا عن ابْتِداءِ التطوُّع بالصِّيامِ بعدَ نصفِ شعبانَ لِمَنْ ليسَ لَهُ عادةٌ، ووافَقَهُم بعضُ المتأخرين مِن أصحابِنا. ثمَّ اختلَفُوا في عِلَّةِ النَّهي؛ فمنهم مَن قال: خشيةَ أنْ يُزادَ في صيام (٣) رَمضانَ ما ليسَ منه، وهذا بعيدٌ جدًّا فيما بعدَ النِّصفِ، وإنَّما يُحتمَلُ هذا في التَّقدمِ (٤) بيومٍ أو يومين. ومنهم من قال: النهيُ للتَّقوِّي على صِيام رَمضانَ شفقةً أن يضعفَه ذلك عن صيام رَمضانَ؛ وَرُوِي ذلك عن وكيعٍ. وَيرُدُّ هذا صيامُ النبيِّ ﷺ شعبانَ كلَّه أو أكثرَهُ ووصْلُهُ برمضانَ. هذا كلُّه في الصيام بعدَ نصفِ شعبانَ.

стр. 254

فأمَّا صيامُ يوم النِّصفِ منه فغيرُ منهِيٌّ عنه، فإنَّه من جُملة أيَّام البيضِ الغُرِّ المندُوب إلى صِيامِها مِن كُلِّ شهرٍ. وقد وَرَدَ الأمرُ بصيامِهِ مِن شعبانَ بخصُوصِهِ، ففي سنن ابنَ ماجه (١) بإسنادٍ ضعيفٍ عن علي عن النبي ﷺ : "إذا كانَ ليلةُ نِصْفِ شعبانَ فقُومُوا ليلَها، وصُومُوا نهارَها، فإنَّ الله تعالى يَنزِلُ فيها لِغُروب الشَّمس إلى سَماءِ الدُّنيا، فيقول: ألا مُسْتَغْفِرٌ [لي] فاغفِر له، ألا مُسْتَرْزِقٌ فارزُقَه، ألا مُبْتَلىً فَأعافِيَه، أَلَا كَذا ألا كذا، حتَّى يَطلُعَ الفَجْرُ". وفي فضلِ ليلة نصفِ شعبانَ أحاديثُ أُخَرُ متعدِّدةٌ، وقد اختلفَ فيها، فضعَّفَها الأكثرون، وصحَّحَ ابنُ حِبَّانَ بعضها وخرَّجَه في "صحيحه" (٢). ومِن أمثلِها حديثُ عائشةَ، قالت: "فَقَدْتُ النبيَّ ﷺ فَخَرَجْتُ فإذا هو بالبَقِيعِ رافعٌ (٣) - رأسَهُ إلى السَّماءِ، فقال: أكنْتِ تخافينَ أن يَحيفَ (٤) اللهُ عليكِ ورسولُه؟ فقلْتُ: يا رسولَ الله، ظننْتُ أنَّك أتيْتَ بعضَ نسائِكَ. فقال: "إنَّ الله ﵎ يَنزِلُ ليلَةَ النِّصفِ مِن شعبانَ إلى سماءِ الدُّنيا فيغفِرُ لأكثَرَ مِن عَدَدِ شَعَر غَنَم كَلْبٍ". خرَّجَه الإِمامُ أحمدُ (٥) والترمذيُّ وابنُ ماجَه، وذَكَر الترمذيُّ عن البخاريِّ أنَّه ضعَّفَه. وخرَّج ابن ماجه (٦) من حديثِ أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ الله ليطَّلِعُ ليلَةَ النِّصفِ مِن شعبانَ فيغفِرُ لجميعِ خَلْقِهِ، إلَّا لِمُشْرِكٍ أو مُشاحِنٍ".

стр. 255

وخرَّج الإمامُ أحمدُ (١) من حديثِ عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ الله ليطَّلِعُ إلى خَلْقِهِ ليلَةَ النِّصفِ مِن شعبانَ فيغفرُ لِعِبادِهِ إلَّا اثنينِ: مُشاحن، أو قاتل نَفْسٍ". وخرَّجه ابنُ حِبَّان في "صحيحه" (٢) من حديث معاذ مرفوعًا. ويُروى من حديث عثمان بن أبي العاص مرفوعًا: "إذا كانَ ليلةُ النِّصْفِ مِن شعبانَ نادَى منادٍ: هَلْ مِن مُسْتغْفِرٍ فاغفِرَ له؟ هل من سائلٍ فأعطيَهُ (٣)؟ فلا يسألُ أحدٌ شيئًا إلَّا أُعطيَه، إلَّا زانيةً بِفَرْجِها أو مُشْرِكًا" (٤). وفي الباب أحاديثُ أُخَرُ فيها ضعفٌ. ويُروى عن نَوْفٍ البِكَالِي (٥) أن عليًا ﵁ خَرَجَ ليلةَ النِّصفِ مِن شَعبانَ فأكثَرَ الخُروجَ فيها، ينظرُ إلى السَّماءِ، فقال: إنَّ داودَ ﵇ خَرَجَ ذاتَ ليلةٍ في مثل هذه السَّاعةِ فنظَرَ إلى السَّماء فقال: إنَّ هذه السَّاعة ما دعا الله أَحدٌ إلَّا أَجَابَهُ، ولا استغفَرَهُ (٦) أحدٌ في هذه الليلةِ إلَّا غَفَرَ لَهُ، ما لم يكن عَشَّاِرًا (٧) أو ساحرًا أو شاعرًا أو كاهنًا أو عريفًا (٨) أو شرطيًا أو جابيًا أو صَاحبَ كُوبَةٍ أو عُرْطُبَةٍ - قال نَوْفٌ: الكُوبَةُ: الطَبْلُ، والعَرطُبَةُ: الطُّنْبُور - اللهم ربَّ داودَ، اغفِرْ لِمَنْ دَعَاكَ في هذه الليلةِ ولِمَنْ استغفَرَكَ فيها.

стр. 256

وليلةُ النِّصفِ من شعبانَ كان التابعونَ مِن أهلِ الشامِ كخالد بن معدانَ (١) ومكحول (٢) ولقمانَ بن عامرٍ (٣) وغيرِهم يعظِّمُونها ويجتهِدُون فيها في العبادةِ، وعنهم أخَذَ الناسُ فَضْلَها وتعظيمَها، وقد قيل: إنَّه بلَغَهم في ذلك آثارٌ إسرائيلية، فلمَّا اشتهرَ ذلك عنهم في البلدان اختلفَ النَّاسُ في ذلك؛ فمنهم من قبلَه منهم ووافَقَهم على تعظِيمها؛ منهم طائفة من غبَّادِ أهلِ البَصْرَةِ وغيرِهم. وأنكَرَ ذلكَ أكثرُ العلماءِ من أهل الحجازِ؛ منهم عطاء وابنُ أبي مُليكةَ، ونقلَة عبدُ الرحمن بن زيد بن أسلم عن فُقَهاءِ أهلِ المدينةِ، وهو قولُ أصحابِ مالكٍ وغيرِهم، وقالوا: ذلك كلُّه بِدْعَةٌ. واختلفَ علماءُ أهلِ الشامِ في صِفةِ إحيائها على قولين: أحدهما: أنَّه يُستَحَبُّ إحياؤها جماعةً في المساجد، كان خالدُ بن معدان ولقمان بن عامر وغيرُهما يلبَسُون فيها أحسَنَ ثيابهم ويتبخَّرُون ويكتحِلُون ويقومون في المسجد ليلتَهم تلك (٤)، ووافقهم إسحاقُ بن راهويهِ على ذلك، وقال في قيامها في المساجد جماعةً: ليس ذلك ببدعةٍ، نقلَهُ عنه حَرب الكرمانيّ في مسائله. والثاني: أنَّه يُكرَهُ الاجتماعُ فيها في المساجد للصَّلاةِ والقَصَص والدُّعاءِ، ولا يُكرَهُ أنْ يُصلِّي الرجلُ فيها بخاصة (٥) نفسِهِ، وهذا قولُ الأزواعيِّ إمامَ أهلِ الشامِ وفقيههم وعالِمهم، وهذا هو الأقربُ إن شاءَ الله تعالى. وقد رُوِيَ عن عمرَ بنَ عبد العزيز أنَّه كَتَبَ إلى عامِلِه بالبصرة (٦): عليكَ بأربعِ ليالٍ من السَّنةِ؛ فَإنَّ الله يُفرِغ فيهن الرَّحمةَ إفراغًا؛ أولِ ليلةٍ من رجبِ، وليلةِ النِّصْفِ من شعبان، وليلةِ الفطرِ، وليلةِ الأضحى؛ وفي صحته عنه نَظَرٌ.

стр. 257

وقال الشافعي: بلَغنا أن الدُّعاءَ يُستجاب في خمسِ ليالٍ ليلةِ الجمعة، والعيدين، وأوَّلِ رجبٍ، ونصفِ شعبانَ. قال: واسْتُحِبَّ كل ما حكيت في هذه الليالي. ولا يُعرفُ للإمام أحمدَ كلامٌ في ليلةِ نِصفِ شعبانَ. ويُخرَّج (١) في اسْتِحباب قيامِها عنه روايتان، مِن الرِّوايتين عنه: في قيام ليلةِ (٢) العيدِ، فإنَّه في روايةٍ لَم يستحبَّ قيامَها جماعةً؛ لأنَّه لم يُنقَلْ عن النبي ﷺ وأصحابِهِ. واستحبَّها في روايةٍ لفعلِ عبد الرحمن (٣) بن يزيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين. فكذلك قيامُ ليلةِ النصفِ من شعبان (٤) لم يثبتْ فيها شيءٌ عن النبي ﷺ ولا عن أصحابِهِ، وثبَتَ فيها عن طائفةٍ مِن التابعين مِن أعيان فُقهاءِ أهلِ الشامِ. ورُوِي عن كعبٍ، قال: إن الله تعالى يبعثُ ليلةَ النصفِ من شعبانَ جبريلَ ﵇ إلى الجنَّة، فيَأمُرها أن تتزيَّنَ، ويقول: إنَّ الله تعالى قد أعتقَ في ليلتِك هذه عدَدَ نجوم السَّماءِ وعدَدَ أيَّام الدُّنيا وليالِيها، وعدَدَ ورقِ الشَّجرِ، وزِنَة الجبالِ، وعدَدَ الرمالَ. وروى سعيدُ بن منصور، حدثنا أبو معشر، عن أبي حازم ومحمد بن قيس، عن عطاء بن يسار، قال: ما مِن ليلةٍ بعدَ ليلةِ القَدرِ أفضلُ من ليلة النصف (٥) من شعبان، ينزِلُ الله ﵎ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيغفِرُ لعبادِهِ كلِّهم، إلَّا لِمُشركٍ أو مُشاحنٍ أو قاطعِ رحمٍ. فيا مَنْ أُعْتِقَ فيها مِن النَّارِ، هنيئًا لك. هذه (٦) المنحة الجسيمة، ويا أيُّها المردُودُ (٧) فيها، جَبَرَ الله مصيبتَكَ؛ فإنَّها مصيبةٌ عظيمةٌ. بَكَيْتُ على نَفْسِي وحُقَّ (٨) لي البُكا … وما أنا مِن تَضييع عُمريَ في شَكِّ

стр. 258

لئن قلْتُ إني في صَنيعيَ مُحْسِنٌ … فإنِّيَ في قَوْلي لذَلكَ ذو إفْكِ لَياليَ شَعبانٍ وليلةُ نِصْفِهِ … بأيَّةِ حال قَدْ تنزَّلَ لي صَكّي وحَقِّي لعمرِي (١) أنْ أُدِيمَ تضرُّعِي … لَعَلَّ إلَهَ الخَلْقِ يَسْمَحُ بالفَكِّ فينبغِي للمؤمنِ أن يتفرَّغَ في تلك الليلةِ لذكر الله تعالى ودعائِه بغفرانِ الذُّنوبِ وسترِ العيوبِ وتفريجِ الكُروبِ، وأن يُقدِّمَ على ذلك التَّوبةَ؛ فإنَّ الله تعالى يتوبُ فيها على من يتوبُ. فَقُمْ ليلَةَ النِّصْفِ الشَّرِيفِ مُصلِّيًا … فأَشْرَفُ هذا الشَّهرِ لَيلةُ نِصْفِهِ فَكَمْ مِن فَتىً قَدْ بَاتَ في النِّصْفِ غافلًا (٢) … وقَدْ نُسِخَتْ فيه صَحِيفَةُ حَتْفِهِ فَبَادِرْ بفِعْلِ الخَيْرِ قَبْلَ انْقِضائِهِ … وحَاذِرْ هُجومَ المَوْتِ فيهِ بصَرْفِهِ وَصُمْ يَوْمَها للهِ واحْسنْ (٣) رَجَاءَهُ … لِتظفَرَ عندَ الكَرْبِ منهُ بِلُطْفِهِ ويتعيَّن على المسلم أن يجتنبَ الذنوبَ التي تمنعُ من المغفرة وقبولِ الدعاء في تلك الليلة. وقد روي أنَّها (٤): الشركُ، وقتلُ النفس، والزِّنا؛ وهذه الثلاثةُ أعظمُ الذنوب عندَ الله ، كما في حديث ابن مسعود المتَّفق على صحته، أنَّه سأل النبيَّ ﷺ : أيُّ الذَّنب أعظمُ؟ - قال: أنْ تجعَلَ للهِ نِدًّا (٥) وهو خَلَقَكَ. قال: ثم أيُّ؟ قال: أن تقتُلَ ولدَكَ خَشْيةَ أن يَطْعَمَ معك. قال: ثم أيُّ؟ قال: أن تُزانيَ حَلِيلةَ جارِك. فأنزَلَ الله تعالى تصديق ذلك ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (٦)، الآية. ومِن الذنوب المانعةِ من المغفرة أيضًا: الشحناءُ، وهي حقدُ المسلم على أخيه

стр. 259

بُغْضًا له؛ لهوى نفسِهِ، وذلك يمنعُ أيضًا مِن المغفرة في أكثر أوقاتِ المغفرةِ والرحمةِ؛ كما في "صحيح مسلم" (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "تُفتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنين والخميس، فيُغفَرُ لكُلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ بالله شيئًا، إلَّا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شَحْناءُ، فيقول: أَنْظِروا هذين حتَّى يَصْطلِحا". وقد فسَّر الأوزاعيُّ هذه الشَّحناءَ المانعةَ بالذي في قلبه شحناءُ لأصحاب النبي ﷺ ، ولا ريبَ أن هذه الشَّحناءَ أعظمُ جُرْمًا من مشاحنةِ الأقرانِ (٢) بعضهم بعضًا. وعن الأوزاعي أنَّه قال: المُشاحِنُ كُلُّ صاحب بِدعةٍ فارَقَ عليها الأُمَّةَ. وكذا قال ابنُ ثوبانَ: المشاحِنُ هو التاركُ لسنَّةِ نبيِّه ﷺ ، الطَّاعنُ على أمَّتِه، السَّافِكُ دماءَهم. وهذه الشَّحناءُ - أعْني شحناءَ البِدْعةِ - تُوجِبُ الطَّعنَ على جماعة المسلمين، واسْتِحلالِ دمائهم وأموالِهم وأعراضِهم، كبدَعِ الخوارجِ والرَّوافِضِ ونحوِهم. فأفضلُ الأعمالِ: سلامةُ الصَّدْرِ من أنواع الشَّحْناءِ كلِّها، وأفضلُها السَّلامةُ من شحناءِ أهلِ الأهواءِ والبِدَعِ التي تقتضي الطَّعنَ على سَلَفِ الأمَّةِ، وبغضَهم والحِقدَ عليهم، واعتقادَ تكفيرِهم أو تبديعِهم وتَضليلِهم؛ ثم يلي ذلك سلامةُ القلبِ من الشَّحناءِ لعمومِ المسلمين، وإرادةُ الخير لهم، ونصيحتُهم، وأن يُحبَّ لهم ما يُحبُّ لنفسِهِ. وقد وصَفَ الله تعالى المؤمنين عمومًا بأنَّهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). وفي "المسند" (٤) عن أنس أن النبيَّ ﷺ ، قال لأصحابه ثلاثةَ أيامٍ "يطلُعُ عليكم الآنَ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الجنَّةِ" فيطلُعُ رجُلٌ واحدٌ، فاستضافَهُ عبدُ الله بن عمرو (٥)، فنامَ عندَه ثلاثًا لينظرَ عملَه، فلم يَرَ له في بيته كبيرَ (٦) عملٍ، فأخبرَه بالحال، فقال له: هو

стр. 260

ما ترى، إلَّا أني أبيتُ وليس في قلبي شيءٌ على أحدٍ من المسلمين. فقال عبدُ الله: بهذا بلغَ ما بَلَغَ. وفي سُنن ابن ماجَه (١) عن عبد الله بن عمرو، قال: "قيل: يا رسولَ اللهِ! أيُّ الناسِ أفضلُ؟ قال: كُلُّ مَخْمُومِ (٢) القَلْبِ، صَدوقِ اللِّسانِ. قالوا: صَدوقُ اللسانِ نعرفُه، فما مَخْمُومُ القَلْبِ؟ قال: هو التَّقِيُّ النَّقِيُّ الذي لا إثْمَ فيه، ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حَسَدَ". قال بعضُ السَّلَفِ: أفضلُ الأعمالِ سلامةُ الصُّدُورِ، وسخاوةُ النُّفوسِ، والنَّصيحةُ للأمَّةِ؛ وبهذه الخصال بلَغَ مَنْ بَلَغَ، لا بكثرة الاجتهادِ في الصَّوم والصَّلاةِ. إخواني! اجتنبوا الذُّنوبَ التي تَحرِمُ العبدَ مغفرةَ مولاهُ الغفَّارِ في مواسم الرَّحمةِ والتوبةِ والاستغفار. أمَّا الشِّرْكُ: فإنَّه ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٣). وأما القتلُ: فلو اجتمَعَ أهلُ السَّماواتِ وأهلُ (٤) الأرضِ على قتلِ رجلٍ مسلمٍ بغير حقٍّ لأكَبَّهُم اللهُ جميعًا في النارِ. وَأَمَّا الزِّنا: فحَذَارِ خذَارِ من التعرُّضِ لِسَخَطِ الجبَّارِ. الخَلْقُ كلُّهم عبيدُ الله (٥) وإماؤه، والله تعالى يغارُ، لا أَحَدٌ أغيَرَ مِنَ اللهِ أن يزنيَ عبدُه أو تزنيَ أَمَتُه، فمن أجل ذلك حرَّم الفواحِشَ وأمَرَ بِغَضِّ الأبصارِ (٦). وأمَّا الشَّحناءُ: فيا مَنْ أضمَرَ لأخيهِ السُّوءَ وقَصَدَ له الإضرارَ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (٧)، يَكفِيكَ حِرمانُ المغفرةِ في أوقاتِ مَغفرة الأوزارِ. خابَ عبدٌ بارَزَ المَوْ … لَى بأسبابِ المَعَاصِي وَيْحَهُ مِمَّا جَنَاهُ … لَمْ يَخَفْ يوْمَ القِصَاصِ

стр. 261

يَوْمٌ فيه تُرْعَدُ الأقدَامُ … مِن شَيْب النَّواصِي لِي ذُنوبٌ في ازْدِيادٍ … وَحَيَاةٌ فيَ انْتِقَاصِ فمَتَى أَعْمَلُ ما أَعْلَمُ … لِي فيهِ خَلَاصِي وقد رُوي عن عِكْرمةَ وغيرِه مِن المفسِّرين في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (١) أنَّها ليلةُ النِّصْفِ من شعبان. والجمهورُ على أنَّها ليلةُ القَدْرِ، وهو الصحيحُ (٢). وقال عطاءُ بن يَسار: إذا كان ليلةُ النِّصفِ من شعبانَ دُفعَ إلى مَلَكِ الموتِ صحيفةُ، فيقال: اقبضْ مَنْ في هذه الصحيفةِ، فإنَّ العَبْدَ لَيَغْرِسُ الغِرَاسَ، وينكِحُ الأزواجَ، ويبني البُنيانَ، وإنَّ اسْمَه قد نُسِخَ في الموتَى ما يَنتظِرُ به مَلَكُ الموتِ إلَّا أنْ يُؤمَرَ به فيقبضَه. يا مغرورًا بطولِ الأملِ، يا مسرورًا بسوءِ العَمَلِ، كُنْ مِنَ الموتِ على وَجَل (٣)، فما تدري متى يهجُمُ الأجَل. كُلُّ امْرئٍ مُصبّحُ في أَهْلِهِ … والمَوْتُ أَدْنَى مِن شِراكِ نَعْلِهِ (٤) قال بعضُ السَّلف: كم مِن مُستقبِلٍ يومًا لا يستكمِلُه، ومن مُؤمّلٍ غدًا لا يدرِكُه، إنَّكم لو رأيتم الأجَلَ ومسيرَهُ لأبغضتُمُ الأمَلَ وغُرورَهُ. أُؤمِّلُ أَنْ أُخَلَّدَ والمنايا … تَدُورُ عليَّ مِن كُلِّ النَّواحِي وَمَا أدرِي وإنْ أَمْسَيْتُ يومًا … لَعلِّي لا أعيشُ إلى الصَّبَاحِ كَمْ مِمَّن رَاحَ في طلبِ الدنيا أو غَدَا، أصبَحَ مِن سكانِ القُبورِ غَدَا. كأنَّكَ بالمضيِّ إلى سَبيلِكْ … وَقَدْ جَدَّ المُجهِّزُ في رَحِيلِكْ وجيءَ بِغاسِلٍ فاسْتَعْجَلُوهُ … بقولِهم لَهُ افْرَغْ مِن غَسِيلِكْ ولم تحمِلْ سِوَى كَفَنٍ وَقُطْنٍ … إليهِمْ (٥) مِن كَثيرِكَ أو قليلِكْ وقد مَدَّ الرِّجالُ إليكَ نَعْشًا … فأنْتَ عليه مَمْدُودٌ بطولِكْ

стр. 262

وصلُّوا ثمَّ إنَّهُمُ تَدَاعَوا … لحملِكَ (١) مِن بُكورِكَ أو أَصِيلِكْ فلمَّا أَسْلَمُوكَ نَزَلْتَ قَبْرًا … ومَنْ لَكَ بالسَّلامَةِ في نُزُولِكْ أعانَكَ يومَ تدخُلُهُ رَحِيمٌ … رَؤوفٌ بالعبادِ على دُخُولِكْ فَسَوفَ تُجاوِر المَوْتَى طويلًا … فَذَرْني مِن قَصِيركَ أو طوِيلِكْ أُخَيَّ لَقَدْ نَصحتُكَ فاسْتَمِعْ لِي … وباللهِ اسْتَعَنْتُ على قبولِكْ أَلسْتَ تَرَى المنايا كُلَّ حينٍ … تُصيبُكَ في أخِيكَ وفي خَلِيلِكْ * * * المجلس الثالث في صيام آخر (٢) شعبان ثبت (٣) في الصحيحين (٤) عن عمران بن حُصين: أن النبيَّ ﷺ قال لرجل: "هل صُمْتَ من سَرَرِ (٥) هذا الشهرِ شيئًا؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرْتَ فَصُمْ يومين". وفي رواية للبخاري: أظنه يعني رمضانَ. وفي رواية لمسلم، وعلَّقَها البخاري: "هَلْ صُمْتَ مِن سَرَرِ شعبانَ شيئًا؟ ". وفي رواية: "فإذا أفطرْتَ مِن رمضانَ فصُمْ يومين مكانَه". وفي روايةٍ: يومًا أو يومين، شَكَّ شعبةُ. ورُوي "من سِرَار هذا (٦) الشهرِ". وقد اختُلِفَ في تفسير السّرار، والمشهور أنَّه آخِرُ الشَّهرِ؛ يقال: سِرارُ الشهرِ وسرارُه، بكسر السين وفتحها، ذكره ابنُ السكيت (٧) وغيرُه. وقيل: إن الفتح أفصَحُ، قالَه الفراء. وسُمي آخرُ الشهرِ سِرارًا لاسْتِسْرارِ (٨) القمر فيه. وممن فسَّرَ السِّرارَ بآخرِ

стр. 263

الشهرِ أبو عبيد (١) وغيرُه من الأئمة. وكذلك بَوَّبَ عليه البخاريُّ صيامَ آخر الشهر، وأشكلَ هذا على كثيرٍ من العلماء؛ فإنَّ في "الصحيحين" (٢) أيضًا، عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تَقدَّموا رمضانَ بيومٍ (٣) أو يومين، إلَّا مَنْ كان يَصُومُ صومًا فليصُمْهُ". فقال كثيرٌ من العلماء، كأبي عبيد، ومَن تابعَهُ، كالخطَّابي (٤)، وأكثرُ شُرَّاحِ الحديثِ: إن هذا الرجلَ الذي سأله النبي ﷺ كان يعلَمُ أن له عادةً بصيامِهِ، أو كان قد نذَرَهُ، فلذلك أمرَهُ (٥) بقضائِهِ. وقالت طائفة: حديثُ عِمرانَ يَدُلُّ على أنه يجوزُ صيامُ يومِ الشكِّ وآخِرِ شعبانَ مطلقًا، سواء وافقَ عادةً أو لم يوافق. وإنما يُنهَى عنه إذا صامَهُ بنيَّةِ الرَّمضَانيةِ احْتياطًا، وهذا مذهبُ مالك، وذَكَرَ أنَّه القولُ الذي أدرَكَ عليه أهلَ العلم، حتى قال محمد بن مَسْلَمَةَ من أصحابه: يُكرَهُ الأمرُ بفطرِهِ؛ لئلًا يُعتقدَ وجوبُ الفطرِ قبلَ الشهر كما وجَبَ بعدَه. وحَكَى ابنُ عبد البِرّ هذا القولَ عن أكثرِ علماءِ الأمصارِ، وذكر محمد بن ناصرٍ الحافظُ أن هذا هو مذهبُ أحمدَ أيضًا، وغُلِّطَ في نقلهِ هذا عن أحمدَ، ولكن يُشكِلُ على هذا حديثُ أبي هريرةَ ﵁، وقوله (٦): "إلَّا مَنْ كان يصومُ صومًا فليصُمْه". وقد ذَكَرَ الشافعِيُّ في كتاب "مختلف الحديث" (٧) احتمالًا في معنى قوله "إلا مَنْ كان يَصُومُ صومًا فليصُمْه". وفي رواية "إلَّا أن يوافِقَ ذلك صومًا كان يَصُومُه

стр. 264

أحدُكم": أن المرادَ بموافقة العادةِ صيامُهُ على عادةِ النَّاسِ في التطوع بالصِّيام دونَ صيامِه بنيَّةِ الرمضانيةِ للاحتياط. وقالت طائفة: سِرُّ (١) الشهرِ: أوله. وخرَّج أبو داود في باب تقدُّم (٢) رمضان من حديث معاويةَ أنَّه قال: إنِّي متقدِّمٌ الشهر، فمن شاءَ فليتقدَّمْ، فسُئلَ عن ذلك، فقال: سمعْتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "صُوموا الشهرَ وسِرَّه". ثم حكى أبو داودَ عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أن سِرَّ الشهر أوَّلُه. قال أبو داود: وقال بعضُهم: سِرُّه: وَسَطُه. وفرَّقَ الأزهرِيُّ (٣) بين سِرارِ الشهرِ وسِرّه، فقال: سِرارُه وسَرَرُه (٤): آخره، وسِرُّه: وَسَطُه، وهي أيَّامُ البيضِ، وسِرُّ كُلِّ شيءٍ: جَوفُهُ. وفي رواية لمسلم في حديث عِمرانَ بن حُصين المذكور "هَلْ صُمْتَ من سُرَّةِ هذا الشهر"، وفُسِّرَ ذلك بأيَّام البيض (٥). قلت: لا يصِحُّ أنْ يُفَسَّرَ سَرَرُ الشهرِ وسَرَارُه بأوَّلِه، لأنَّ أوَّلَ الشهر يَشتهِرُ فيه الهلالُ وُيرَى من أوَّلِ الليل، ولذلك سُمِّي الشهرُ شهرًا؛ لاشتهارِه وظهورِه. فتسميةُ ليالي الاشتهارِ لياليَ السِّرارِ قَلْبٌ لِلُّغةِ والعُرْفِ. وقد أنكر العلماءُ ما حكاه أبو داودَ عن الأوزاعيِّ، منهم الخطَّابيُّ، ورَوَى بإسناده عن الوليد، عن الأوزاعيِّ، قال: سِرُّ الشهرِ: آخِرُه. وقال الهروِيُّ: المعروفُ أن سِرّ الشهر آخرُه. وفسَّرَ الخطَّابيُّ حديثَ معاويةَ "صُوموا الشهر وسِرَّة" بأنَّ المرادَ بالشهر الهلالُ، فيكونُ المعنى: صُوموا أوَّلَ الشهرِ وآخرَهُ، فلذلك أمَرَ معاويةَ بصيام آخِر الشهر. قلت: لمَّا رَوَى معاوية "صُوموا الشهرَ وسِرَّه" وصَام (٦) آخِرَ الشهر، عُلِمَ أنَّه فسِّرَ السِّرَّ بالآخِر.

стр. 265

والأظهرُ أنَّ المرادَ بالشهر شهرُ رمضانَ كلِّه، والمراد بسرِّه آخرُ شعبانَ، كما في رواية البخاري في حديث عِمران "أظنه يعني رمضان". وأضافَ السّررَ إلى رمضانَ، وإن لم يكن منه، كما سُمِّي رمضانُ شهرَ عيدٍ وإن كان العيدُ ليس منه، لكنَّه يعقبُه، فدَلَّ حديثُ عِمرانَ وحديثُ معاويةَ على استحباب صيامِ آخِرِ شعبانَ. وإنَّما أمَرَ بقضائه في أوَّلِ شوَّال؛ لأنَّ كلًّا مِن الوقتين صيامٌ يلي شهرَ رمضانَ، فهو ملتحِقٌ برمضانَ في الفضل، فَمَنْ فاتَهُ ما قبلَهُ صامَهُ فيما بعدَه، كما كان النبيُّ ﷺ يصومُ شعبانَ، وندبَ إلى صيام شوال. وإنما يُشكل على هذا (١) حديثُ أبي هريرةَ ﵁ في نهي النَّبيِّ ﷺ عن تقدُّم رمضانَ بيوم أو يومين، إلَّا مَن له عادة أو مَنْ كانَ يَصُومُ صومًا. وأكثرُ العلماءِ علىَ أنَّه نَهَى عن التقدُّمِ إلَّا مَنْ كانت له عادةٌ بالتطوُّعِ فيه، وهو ظاهرُ الحديثِ. ولم يذكر أكثرُ العلماءِ في تفسيره بذلك اختلافًا، وهو الذي اختارَهُ الشافعيُّ في تفسيرِه ولم يرجِّحْ ذلك الاحتمالَ المتقدِّمَ. وعلى (٢) هذا فيرجَّحُ حديثُ أبي هريرةَ على حديثِ عِمرانَ؛ فإن حديثَ أبي هريرةَ فيه نهيٌ عامٌّ للأمَّةِ عُمومًا، فهو تَشريعٌ عامُّ للأمَّةِ، فيُعمَلُ به. وأمَّا حديثُ عِمرانَ فهي قضيَّةُ عينٍ في حقِّ رَجُلٍ مُعيَّنٍ، فيتعيَّنُ حَمْلُه على صورة صيامٍ لا يُنهى عن التقدُّم به جمعًا بينَ الحديثين. وأحسنُ ما حُمِلَ عليه أن هذا الرَّجُلَ الذي سأله النبيُّ ﷺ كان قد علِمَ منه ﷺ ، أنه كان يَصُومُ شعبانَ أو أكثرَهُ موافقةً لِصيام النبي ﷺ ، وكان قد أفطَرَ فيه بعضَه، فسأله عن صيام آخِره، فلمَّا أخبَرَهُ أنَّه لم يَصُمْ آخِرَه أَمَرَه بأن يَصُومَ بدَلَه بعدَ يومِ الفطرِ؛ لأن صيامَ أوَّلِ شوالٍ كصيامِ آخِرِ شعبانَ، وكلاهما حَريمٌ (٣)، لرمضانَ. وفيه دليل على استحباب قضاءِ ما فاتَ من التطوُّعِ بالصيامِ، وأن يكونَ في أيام مُشابهةٍ للأيَّامِ التي فات فيها الصِّيامُ في

стр. 266

الفَضْلِ، وفيه دليلٌ على أنه يجوزُ لِمن صامَ شعبانَ أو أكثرَه أن يصلَهُ برمضانَ من غير فَصْلٍ بينهما. فصيامُ آخِر شعبانَ له ثلاثةُ أحوال: أحدها: أنْ يَصومَه بِنيَّة الرمضانيَّةِ احتياطًا لرمضانَ، فهذا منهيٌّ عنه، وقد فعَلَه بعضُ الصحابة، وكأنَّهم لم يبلغهم النهيُ عنه؛ وفرَّق ابنُ عمرَ بينَ يوم الغيمِ والصَّحْوِ في يوم الثلاثين من شعبانَ، وتبعه الإمامُ أحمد. والثاني: أن يُصامَ بنيَّةِ النذر (١) أو قضاءٍ عن رمضانَ أو عن كفَّارةٍ ونحو ذلك، فجوزَه الجمهورُ. ونهى عنه مَن أمَرَ بالفصل بين شعبانَ ورمضانَ بفطر يومٍ مُطلقًا (٢)، وهم طائفةٌ من السَّلفِ. وحُكي كراهتُهُ أيضًا عن أبي حنيفة والشافعي، وفيه نظرٌ. والثالث: أن يُصامَ بنيَّةِ التطوُّعِ المطلَقِ، فكرِهَهُ مَن أمَرَ بالفَصْلِ بين شعبانَ ورمضانَ بالفِطر؛ منهم (٣) الحسنُ، وإن وافقَ صومًا كان يصومُه، ورخَّص فيه مالكٌ ومَن وافَقَه، وفَرَّق الشافعيُّ والأوزاعيُّ وأحمدُ وغيرُهم بينَ أن يُوافِقَ عادةً أولا، وكذلك يُفرَقُ بينَ مَن تقدَّم صيامُه بأكثَرَ مِن يومين ووَصَلَه برمضانَ، فلا يُكرَه أيضًا إلَّا عندَ من كَرهَ الابتداءَ بالتطوُّع بالصِّيامٍ بعدَ نصف شعبانَ؛ فإنَّه ينهَى عنه إلَّا أن يبتدئَ الصيامَ قبلَ النصفِ ثم يَصِلَه برمضان (٤). وفي الجملة فحديثُ أبي هريرةَ هو المعمولُ به في هذا الباب عندَ كثيرٍ من العلماء وأنه يُكره التقدُّمُ قبلَ رمضانَ بالتطوُّعِ بالصيامِ بيوم أو يومين لمن ليس له به عادةٌ، ولا سَبَقَ منه صيامٌ قبلَ ذلك في شعبانَ متصلًا بآخِرِه. ولكراهة التقدُّم ثلاثةُ معانٍ: أحدها: أنَّه على وجهِ الاحتياطِ لرمضانَ، فيُنهَى عن التقدُّم قبلَه؛ لئلَّا يزادَ في صيام رمضانَ ما ليس منه، كما نُهِي عن صيام يوم العيدِ لهذا المعَنى، حَذَرًا مِمَّا وقَعَ فيه أهَلُ الكتابِ في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأَهوائهم. وخرَّجَ الطبرانيُّ وغيرُه عن

стр. 267

عائشةَ ﵂، قالت: إنَّ ناسًا (١) كانوا يتقدَّمون الشهرَ فيصُومونَ قبلَ النبيِّ ﷺ ، فأنزلَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢). قالت عائشة: إنَّما الصومُ صَومُ النَّاسِ، والفِطْرُ فِطْرُ النَّاسِ (٣). ومع هذا فكان من السَّلفِ مَنْ يتقدَّمُ للاحتياطِ، والحديثُ حجَّةٌ عليه، ولهذا نُهي عن صيامِ يومِ الشكِّ. قال عمَّار: مَنْ صامَهُ فقد عَصَى أبا القاسم ﷺ . ويومُ الشكِّ: هو اليومُ الذي يُشَكُّ فيه؛ هل هو مِن رمضانَ أو غيرِه؟ فكان من المتقدِّمينَ مَنْ يَصُومُه احْتِياطًا، ورخَّصَ فيه بعضُ الحنفيَّةِ للعلماءِ في أنفسِهِم خاصَّةً دون العامَّةِ، لئلَّا يعتقدوا وُجوبَه بناءً على أصلِهم في أن صومَ رمضانَ يُجزئ بنيَّةِ الصيامِ المطلقِ والنَّفلِ، ويومُ الشكِّ هو الذي تحدَّثَ برؤيته مَن لم يُقبَلْ قولُه. فأمَّا يومُ الغيمِ: فمِنَ العُلماءِ مَنْ جعَلَه يومَ شكِّ ونهى عن صيامِه، وهو قولُ الأكثرينَ؛ ومنهم من صامه احْتياطًا، وهو قولُ ابن عمرَ، وكان الإِمامُ أحمدُ يتابعُه على ذلك؛ وعنه في صيامِهِ ثلاثُ رواياتٍ مشهوراتٍ؛ ثالثُها: لا يُصامُ الَّا مع الإمامِ وجماعةِ المسلمين؛ لئلَّا يقعَ الافتياتُ عليهم والانفرادُ عنهم. وقال اسحاقُ: لا يُصامُ يومُ الغيم، ولكن يتلوَّمُ (٤) بالأكل فيه (٥) إلى ضَحْوةِ النَّهارِ خَشيةَ أن يُشهدَ برؤيته بخلافِ حال الصَّحْو؛ فإنه يأكُلُ فيه من غدوةٍ. والمعنى الثاني: الفَصْلُ بين صيام الفرض والنَّفْل؛ فإنَّ جنسَ الفصلِ بينَ الفرائض والنَّوافِل مشروعٌ، ولهذا حَرُمَ صِيامُ يوم العيدِ. ونَهَى النبيُّ ﷺ أنْ توصَلَ صلاةٌ مفروضةٌ بصلاةٍ حتى يُفصَلَ بينهما بسلام أوَ كلامٍ، وخصوصًا سُنَّةُ الفجر قبلَها، فإنَّه يُشرَعُ الفصْلُ بينها وبين الفريضةِ، ولهذا يُشْرَعُ صلاتُها في البيت والاضطجاعُ بعدَها.

стр. 268

ولمَّا رأى النبيُّ ﷺ رجلًا يُصلِّي وقد أقيمت صلاةُ الفجر، قال له: "الصُّبْحَ أَرْبعًا" (١). وفي "المسند" (٢) أنَّه ﷺ قال: "افصِلُوا بينها وبين المكتوبة ولا تجعلوها كصلاة الظهر". وفي سنن أبي داودَ (٣) أن رجلًا صلى مع النبيِّ ﷺ ، فلمَّا سلَّم قامَ يَشفَعُ، فوثَبَ عليه عمرُ فأخَذَ بمنكِبيه، فهزَّه، ثم قال: اجلسْ، فإنَّه لم يَهلِكْ أهلُ الكتابِ، إلَّا أنَّه لم يكن لصلاتهم فصْلٌ، فرفَعَ النبيُّ ﷺ بصَرَهُ، فقال: "أصابَ الله بكَ يا ابنَ الخطَّابِ". ومَنْ عَلَّلَ بهذا؛ فمنهم مَن كَرِهَ وَصْلَ صَوم شعبانَ برمضانَ مطلقًا. ورُوي عن ابن عُمَرَ، قال: لو صُمْتُ الدَّهْرَ كلَّه لأفْطَرْتُ الذَي بينهما. ورُوي فيه حديث مرفوعٌ لا يصِحُّ. والجمهورُ على جواز صيامِ ما وافَقَ عادةً؛ لأنَّ الزِّيادة إنَّما تُخشَى إذا لم يُعرفْ سَببُ الصِّيام. والمعنى الثالث: أنَّه أمرَ بذلك؛ للتقوَّي على صِيامِ رمضانَ؛ فإنَّ مُواصلَةَ الصِّيامِ قد تُضعِفُ عن صيام الفَرْضِ، فإذا حصل الفِطرُ قبلَه بيوم أو يومين كان أقربَ إلى التقوِّي على صِيام رَمضانَ. وفي هذا التعليل نظرٌ، فإنه لا يُكرَهُ التقدُّمُ بأكثرَ من ذلك، ولا لمن صام الشهر كلَّه، وهو أبلَغُ في معنَى الضُّعف، لكنَ الفطر بنيَّةِ التقوِّي لصيامِ رمضانَ حَسَنٌ لمن أضعَفُه مُواصلَةُ الصيامِ، كما كان عبدُ الله بن عمرو بن

стр. 269

العاص يسرُدُ الفِطرَ أحيانًا، ثم يسرُدُ الصَّوْمَ ليتقوَّى بفطرِهِ على صَوْمِه. ومنه قولُ بعضِ الصَّحابة: إنِّي أحتسِبُ نَوْمَتِي كما أحتسِبُ قَوْمتِي. وفي الحديثِ المرفوعِ: "الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كالصَّائمِ الصَّابِرِ". خَّرجه الترمذِيُّ (١) وغيرُه. ولَربَّما ظنَّ بعضُ الجهَّالِ أَنَّ الفِطْر قبلَ رمضانَ يُراد به اغتنامُ الأكلِ؛ لتأخُذَ النُّفوسُ حظَّها مِن الشهواتِ قبلَ أن تُمنَعَ مِن ذلك بالصِّيامِ، ولهذا يقولون: هي أيَّام توديعٍ للأكلِ، وتسمَّى تَنْحِيسًا (٢)، واشتقاقه من الأيام النَّحِسَاتِ. ومَنْ قال: هو تَنهيسٌ، بالهاء، فهو خطأٌ منه، ذكره ابنُ دُرُسْتَوَيْه النَّحوِيُّ، وذكَر أن أَصْلَ ذلك مُتَلقًّى (٣) مِنَ النَّصارى؛ فإنَّهم يفعلونه عند قرب صيامهم، وهذا كلُّه خطأٌ وجَهْلٌ ممن ظنَّه. وربَّما لم يقتصِرْ كثيرٌ منهم على اغتنام الشهواتِ المباحةِ، بل يتعدَّى إلى المحرَّماتِ، وهذا هو الخُسرانُ المُبِينُ. وأنشَدَ بعضُهم في (٤) هذا: إذا العشرونَ مِن شعبانَ وَلَّتْ … فواصِلْ شُرْبَ لَيْلِكَ بالنَّهارِ ولا تشرَبْ بأقْدَاح صِغارٍ … فإن الوَقْتَ ضَاقَ على الصغارِ وقال آخر: جَاءَ شَعْبانُ مُنْذِرًا بالصِّيامِ … فاسْقِيانِي راحًا (٥) بماءِ الغَمَامِ ومن كانَتْ هذه حالُه فالبهائمُ أعقَلُ منه وله نصيبٌ من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (٦). الآية. وربَّما تَكَرَّه كثيرٌ منهم بصيام رمضانَ، حتَّى إنَّ بعضَ السُّفهاءِ مِنَ الشُّعراءِ كان يَسبُّهُ، وكان للرشيد ابنٌ سَفِيهٌ، فقالَ مَرَّةً: دَعَانِيَ شَهْرُ الصَّوْمِ لَا كَانَ مِنْ شَهْرِ … وَلَا صُمْتُ شَهْرًا بَعْدَهُ آخِرَ الدَّهْرِ

стр. 270

فَلَو كان يُعْدِيني الأنامُ (١) بقُدْرَةٍ … على الشَّهْير لاسْتَعْدَيْتُ جَهْدِي عَلَى الشَّهْر (٢) فأخَذَه داءُ الصَّرْعِ، فكانَ يُصْرَعُ في كُلِّ يوم مَرَّاتٍ متعددة، وماتَ قبلَ أن يدركَهُ رمضان آخرُ. وهؤلاء السُّفهاءُ يستثقلُون رمضانَ؛ لاستثقالِهم العباداتِ فيه؛ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيام، فكثيرٌ من هؤلاءِ الجُهَّالِ لا يُصلِّي إلَّا في رَمَضَانَ إذا صامَ، وكثيرٌ منهم لا يَجْتَنِبُ كبائِرَ الذُّنوب إلَّا في رمضانَ؛ فيطولُ عليه، ويشُقُّ على نفسِهِ مفارقتها لمألُوفِها، فهو يَعُد الأيَّامَ واللَّياليَ؛ ليعودَ إلى المعصِيَةِ؛ وهؤلاء مُصِرُّونَ على ما فَعَلُوا وهم يَعلمون، فهم هَلْكَى؛ ومنهم مَن لا يصبِرُ على المعاصِي، فهو يواقِعُها في رَمضانَ. وحكايةُ محمد بن هارون البَلْخي مشهورةٌ قَدْ رُوِيَتْ مِن وُجوهٍ، وهو أنَّه كان مُصِرًّا على شرب الخمر، فجاءَ في آخر يومٍ من شعبانَ وهو سكران، فعاتبَتْهُ أمُّه وهي تَسْجُر تنوُّرًا، فحَمَلَها فألقاها في التَّنُّورِ فاحترقت، وكان بعد ذلك قد تاب وتعبَّدَ، فرؤي له في النَّوم أنَّ الله قد غَفَرَ للحاجِّ كلِّهم سِواهُ. فمن أرادَ اللهُ به خيرًا حَبَّبَ إليه الإيمانَ وزيَّنَه في قَلْبِه، وكَرَّهَ إليه الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ، فصارَ من الراشدين (٣). ومَن أرادَ به شرًّا خَلَّى بينَه وبينَ نفسِهِ، فاتبعَهُ الشيطانُ، فحبَّبَ إليه الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصيانَ، فكان من الغاوين. الحذَرَ الحذَرَ مِنَ المعاصِي! فكَمْ سَلَبَتْ مِن نِعَمٍ، وكم جَلَبَتْ مِن نِقَمٍ، وكَمْ خَرَّبَتْ مِن ديارٍ، وكم أخلَتْ ديارًا مِن أهلِها، فما بقي منهم دَيَّارٌ (٤)، كم أخذَتْ مِن العُصَاةِ بالثارِ، كم مَحَتْ لهم مِن آثارِ. يا صَاحِبَ الذَّنْبِ لا تأمَنْ عَوَاقِبَهُ … عَوَاقِبُ الذَّنْب تُخْشَى وَهْيَ تنْتَظَرُ فَكل نَفْسٍ سَتُجْزَى بالَّذي كَسَبَتْ (٥) … ولَيْسَ لِلْخَلْقِ مِن دَيَّانِهم وَزَرُ (٦)

стр. 271

أين حَالُ هؤلاء الحمقَى مِن قومٍ كان دهرُهم كلُّه رمضانَ، ليلُهُم قيامٌ ونهارُهُم صِيامٌ. باعَ قومٌ مِن السَّلفِ جاريةً، فلمَّا قَرُبَ شهر رمضانَ رأتهم يتأهَّبُون (١) له ويستعِدُّون بالأطعمة وغيرِها، فسألتهم فقالوا: نتهيَّأُ لصيام رمضانَ، فقالَتْ: وأنتم لا تصومون إلَّا رمضانَ؟ لقد كنتُ عندَ قوم كلُّ زمانِهم رمضَانُ، رُدُّوني عليهم. وباع الحسنُ بن صالح (٢) جاريةً له، فلمَّا انتصَفَ الليلُ قامَتْ فنادتهم: يا أَهْلَ الدَّارِ، الصَّلاةَ الصَّلاةَ، قالوا: طلَعَ الفجْرُ؟ قالت: وأنتم لا تُصَلُّون إلَّا المكتوبةَ، ثم جاءَتْ إلى (٣) الحسن، فقالت: بعتني على قومِ سُوءٍ لا يُصلُّون إلا المكتوبةَ (٤)، رُدَّني رُدَّني. قال بعضُ السَّلفِ: صُمِ الدُّنيا واجْعَلْ فِطرَكَ الموتَ. الدُّنيا كلُّها شهرُ صيام المتقينَ، يَصُومون فيه عن الشَّهواتِ المُحرَّماتِ، فإذا جاءَهُم الموتُ فقد انقضَى شهرُ صيامِهم واستهلُّوا عيدَ فطرِهم. وَقَدْ صُمْتُ عَن لذَّاتِ دَهرِيَ كُلِّها … وَيوْمُ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامِي مَنْ صَامَ اليومَ عن شهواتِهِ أفطرَ عليها بعدَ مماتِه، ومن تعجَّل ما حُرِّمَ عليه قبلَ وفاتِهِ عُوقِبَ بِحرْمانِهِ في الآخِرةِ وفواتِهِ، وشاهِدُ ذلك قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٥). الآية. وقولُ النبيِّ ﷺ : "مَنْ شرِبَ الخمرَ في الدُّنيا لم يشربْها في الآخرة" (٦)، و"مَنْ لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا لم يَلْبَسْهُ في الآخِرة" (٧).

стр. 272

أَنْتَ في دَارِ شَتَاتِ … فتأهَّبْ لِشَتاتِكْ واجْعَلِ الدُّنيا كَيومٍ … صُمْتَهُ عَنْ شَهَواتِكْ وَلْيَكُنْ فِطرُكَ عِنْدَ … الله في يَوْمِ وَفَاتِكْ في حديثٍ مرفوعٍ خرَّجه ابنُ أبي الدنيا: "لو يَعْلمُ العِبادُ ما في رَمَضانَ لتمنَّتْ أُمَّتي أَنْ يَكُونَ رَمَضانُ السَّنَةَ كلِّها" (١). وكانَ النبيُّ ﷺ يبشِّرُ أصحابَهُ بقدُومِ رَمَضَانَ، كما خرَّجه الإمامُ أحمد (٢) والنسائي عن أبي هريرةَ ﵁، قال: كان النبيُّ ﷺ يبشِّرُ أصحابَهُ، يقول: "قد جَاءَكُم شهرُ رمضانَ، شهرٌ مباركٌ، كَتَبَ الله عليكم صيامَهُ، تُفتَحَ فيه (٣) أبوابُ الجِنانِ (٤)، وتُغلَقُ فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ فيه الشياطينُ، فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَها فقد حُرِمَ". قال بعضُ العلماء: هذا الحديثُ أصل في تهنئةِ النَّاسِ بعضهم بعضًا بشهر رمضان. كيف لا يبشَّرُ المؤمنُ بفتح أبواب الجنان، كيف لا يبشَّرُ المذنبُ بغَلْقِ أبوابِ النيرانِ، كيفَ لا يبشَّرُ العاقلُ بوقتٍ يُغَلُّ فيه الشيطانُ، من أين يُشبه هذا الزمانَ زمانٌ. وفي حديثٍ آخر: "أتاكم رمضانُ سيِّدُ الشُّهورِ، فمرحبًا به وأهلًا" (٥). جاء شهرُ الصِّيامِ بالبَرَكاتِ … فأكْرِمْ بِه مِنْ زائرٍ هُوَ آتِ ورُوي أن النبيَّ ﷺ كان يَدعُو ببلوغِ رمضانَ، فكان إذا دخل شهر (٦) رجب

стр. 273

يقولُ: "اللهم باركْ لنا في رجب وشعبانَ وبلِّغْنا رمضانَ". خرَّجه الطبراني (١) وغيرُه من حديث أنس. وقال مُعلَّى بن الفضل: كانوا يدعون الله تعالى ستةَ أشهرٍ أنْ يُبلِّغَهم رمضانَ، ثم يدعُونَه ستةَ أشهرٍ أن يَتَقَبَّل منهم. وقال يحيى بن أبي كثيرٍ: كان مِن دعائهم: اللهم سلِّمْني إلى رمضانَ، وسلِّمْ لي رمضانَ، وتَسلَّمْه منِّي متقبَّلًا. بُلوغُ شهرِ رمضانَ وصيامُه نِعمةٌ عظيمةٌ على مَن أَقدَرَهُ الله عليه، ويدُلُّ عليه حديثُ الثلاثةِ الذين اسْتُشْهِدَ اثنان منهم، ثم ماتَ الثالثُ على فراشِهِ بعدَهما، فرؤي في المنام (٢) سابقًا لهما، فقال النبيُّ ﷺ : "ليسَ صلَّى بعدَهما كذا وكذا صلاةً، وأدرَكَ رمضانَ فصامَه، فوالذي نفسي بيدِه، إنَّ بينَهما لأبعدَ مِمَّا بينَ السَّماءِ والأرضِ". خرجه الإمامُ أحمدُ (٣) وغيرُه. مَن رُحِمَ في شهر رمضانَ فهو المرحومُ، ومَنْ حُرِمَ خيرَه فهو المحرومُ، ومَنْ لم يتزوَّدْ فيه لِمَعَادِهِ فهو ملوم. أَتَى رَمَضَانُ مَزْرَعَةُ العِبادِ … لِتطهيرِ القُلُوبِ مِنَ الفَسَادِ فَأَدِّ حُقُوقَهُ قَوْلًا وفِعْلًا … وَزَادَكَ فاتَّخِذْهُ لِلْمَعَادِ (٤) فَمَنْ زَرَعَ الحُبُوبَ وَمَا سَقَاهَا … تأوَّه نادِمًا يَوْمَ الحَصَادِ

стр. 274

يا مَنْ طالَتْ غيبتُه عنَّا، قد قَرُبَتْ أيَّامُ المُصَالَحةِ. يا مَنْ دامَتْ خَسَارَتَهُ قَدْ أَقبلَتْ أيَّامُ التِّجارةِ الرَّابحةِ. مَنْ لم يَرْبَحْ في هذا الشَّهرِ ففي أيِّ وقتٍ يربَحُ؟! مَنْ لم يَقْرُبْ فيهِ مِن مولاهُ فهو على بُعْدِه لا يَبْرَح. أناسٌ أعْرَضُوا عَنَّا … بلَا جُرْمٍ وَلَا مَعْنَى أَسَاؤوا ظَنَّهُمْ فِينا … فَهَلَّا أَحْسَنُوا الظَّنَّا فإنْ عادُوا لَنا عُدْنا … وإنْ خَانُوا فَمَا خُنَّا فإنْ كانُوا قَد اسْتَغْنَوا … فإنَّا عَنْهُمُ أَغْنَا كم يُنَادَى: حَيَّ على الفلاحِ وأَنْتَ خاسِر؟! كَمْ تُدْعَى إلى الصَّلاحِ وأَنْتَ عَلَى الفَسَادِ مُثَابِر؟! إذا رَمَضَانُ أَتَى مُقْبِلًا … فَأقْبِلْ فبالْخَيْرِ يُسْتَقْبَلُ لَعَلَّكَ تُخْطِئْهُ قابِلًا … وتأتِي بِعُذْرٍ فَلَا يُقْبَلُ (١) كم مِمَّن أَمَّلَ أَنْ يَصُومَ هذا الشهرَ فخَانَهُ أَمَلُه، فصارَ قبلَهُ إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ. كم من مُسْتقبِلٍ يومًا لا يستكمِلُه، ومؤمِّلٍ غدًا (٢) لا يدرِكُه. إنَّكم لو أَبْصَرْتُم (٣) الأجلَ ومسيرَهْ، لأبْغضْتُم الأمَلَ وغُرُورَه. خَطبَ عمرُ بن عبد العزيز آخرَ خطبةٍ خطبَها، فقال فيها: إنَّكم لم تُخْلَقُوا عبَثًا، ولن تُتْرَكُوا سُدًى، وإنَّ لكم معادًا يَنْزِلُ الله فيه للفصل بينَ عبادِه، فقد خابَ وخسِرَ من خرج (٤) مِن رحمة الله التي وَسِعَتْ كُلِّ شيءٍ، وحُرِمَ جَنَّةً عَرْضُها السَّماواتُ والأرضُ. أَلَا تَرَوْنَ أنكم في أسلاب (٥) الهالكين، وسَيرِثها بعدَكم الباقون؟ كذلك حتَّى تُرَدَّ إلى خَيرِ الوارِثين. وفي كُلِّ يوم تُشيِّعونَ غاديًا ورائحًا إلى الله قد قَضَى نَحْبَه، وانْقَضَى أجلُه، فتودِّعُونَه وتَدَعُونَه في صَدْعٍ (٦) من الأرضِ غير موسَّدٍ ولا مُمهَّدٍ، قد خَلَعَ

стр. 275

الأسبابَ، وفارَقَ الأحبابَ، وسَكَنَ التُّرابَ، وواجَهَ الحِسابَ، غنيًّا عمَّا خَلَّفَ، فقيرًا إلى ما أَسْلَفَ؛ فاتَّقُوا الله عبادَ الله قبلَ نُزولِ الموتِ وانقضاءِ مَوَاقِيتِه، وإنِّي لأقولُ لكم هذه المقالةَ وما أَعْلَمُ عندَ أحدٍ مِنَ الذُّنوبِ أكثَرَ مِمَّا أعلمُ عندِي، ولكني (١) أستغفرُ الله وأتُوبُ إليه. ثمَّ رَفَعَ طَرَفَ رِدائِهِ وبَكَى حتَّى شَهَقَ، ثمَّ نزَلَ فما عادَ إلى المنبر بعدَها حتَّى ماتَ رحمةُ الله عليه (٢). يا ذَا الذي ما كَفَاهُ الذَّنبُ في رَجَبٍ … حتَّى عَصَى رَبَّهُ في شَهْرِ شَعْبَانِ لَقَدْ أَظَلَّكَ شَهْرُ الصَّوْمِ بَعْدَهما … فلا تصيِّرْهُ أيضًا شَهْرَ عِصْيانِ واتْلُ القُرانَ (٣) وسَبِّحْ فيهِ مُجتهدًا … فإنَّه شَهْرُ تَسْبيحٍ وقُرْآنِ واحْمِلْ (٤) على جَسَدٍ ترجو النَّجاةَ لَهُ … فَسَوفَ تُضْرَمُ أجَسادٌ بِنيرانِ كَمْ كُنْتَ تعرِفُ مِمَّن صامَ في سَلَفٍ … مِن بين أهلٍ وجِيرانٍ وإخْوانِ أَفْنَاهُمُ الموتُ واسْتَبْقاكَ بَعْدَهُمُ … حَيًّا فما أقرَبَ القاصِي مِنَ الدَّانِي وَمُعْجَب بثيابِ العيدِ يَقطعُها … فأصْبَحَتْ في غدٍ أثوابَ أَكْفَانِ حتَّى مَتَى يَعْمُرُ الإنسانُ مَسْكَنَهُ … مَصِيرُ (٥) مَسْكَنِهِ قَبرٌ لإنْسانِ * * *

стр. 276

وظائف شهر رمضان المعظم وفيه مجالس: المجلس الأول في فضل الصيام ثبتَ (١) في "الصحيحين" (٢) عن أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "كلُّ عَمَلِ ابن آدمَ له؛ الحسنَةُ بِعشْرِ أمثالِها إلى سبعمائةِ ضِعْفٍ، قال الله : إلَّا الصِّيامَ فإنَّه لي وأنا أجزِي به، إنَّه تَرَكَ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجلي. للصَّائمِ فرحتان: فَرْحَةٌ عند فطرِه، وفَرْحَةٌ عندَ لِقاءِ ربِّهِ، ولَخَلُوفُ فَمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن ريحِ المِسْكِ". وفي رواية "كلُّ عَمَلِ ابن آدمَ له إلَّا الصِّيامَ فإنَّه لي". وفي رواية للبخاري "لكلِّ عملٍ كَفَّارةٌ، والصَّوم لي وأنا أجزي به". وخرَّجه الإمامُ أحمدُ (٣) مِن هذا الوجه، ولفظهُ: "كلُّ عملِ ابن آدمَ له (٤) كفارةٌ إلَّا الصَّومَ، والصَّومُ لي، وأنا أَجْزِي به". فعلى الرواية الأولى: يكون استثناءُ الصومِ من الأعمالِ المُضَاعَفَةِ، فتكونُ الأعمالُ كلُّها تُضاعَفُ بعَشر أمثالها إلى سبعمائة ضَعفٍ، إلَّا الصيامَ فإنَّه لا ينحصِرُ تضعيفُه في هذا العدد، بل يُضاعِفُه اللهُ أضعافًا كثيرةً بغير حَصْرِ عددٍ؛ فإنَّ الصيامَ مِن الصَّبرِ، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ

стр. 277

حِسَابٍ﴾ (١). ولهذا وَرَدَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه سمَّى شهرَ رمضانَ شهرَ الصَّبر (٢). وفي حديث آخرَ عنه ﷺ ، قال: "الصَّومُ نِصْفُ الصَّبْرِ". خرَّجه الترمذيُّ (٣). والصَّبْرُ ثلاثةُ أنواعٍ: صبرٌ على طاعةِ اللهِ، وصَبْرُ عن محارِم اللهِ، وصَبْرٌ على أقدَارِ اللهِ المؤلمةِ. وتجتمعُ الثلاثة كلُّها (٤) في الصوم؛ فإنَّ فيه صبرًا على طاعةِ اللهِ، وصَبرًا عمَّا حَرمَ الله على الصَّائمِ منَ الشَّهواتِ، وصَبرًا على ما يحصُلُ للصَّائمِ فيه من ألمِ الجوعِ والعطَشِ، وضعْفِ النفسِ وَالبدَنِ. وهذا الألمُ الناشئُ مِن أعمالِ الطَّاعَاتِ يُثابُ عليه صاحبُه، كما قال الله تعالى في المجاهدين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥). وفي حديثِ سلمانَ المرفوعِ الذي أخرَجَهُ ابن خُزيمةَ في "صحيحِهِ" (٦) في فضلِ شهر رمضانَ "وهو شهرُ الصَّبرِ، والصَّبْر ثوابُه الجَنَّةُ". وفي الطبراني (٧) عن ابن عُمَرَ مرفوعًا: "الصِّيامُ للهِ لَا يَعْلَمُ ثَوابَ عملِه (٨) إلَّا اللهُ ". ورُوي مرسلًا وهو أصحُّ. واعلَمْ أَنَّ مضاعفَةَ الأجرِ للأعمال تكونُ بأسبابٍ؛ منها: شَرَفُ المكانِ المعمولِ فيه ذلك العملُ، كالحَرَمِ. ولذلك (٩) تُضاعَفُ الصَّلاةُ في مسجدَيْ مكَّةَ والمدينةِ. كما

стр. 278

ثبَتَ ذلك في الحديثِ الصحيحِ (١) عن النبيِّ ﷺ ، قال: "صلاةٌ في مَسْجِدي هذا خيرٌ مِن ألفِ صَلاةٍ فيما سِواهُ مِنَ المساجدِ إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ". وفي رواية "فإنه أفضَلُ". وكذلك روي أنَّ الصِّيامَ يُضَاعَفُ بالحرَم. وفي سُنن ابن ماجه (٢) بإسنادٍ ضعيفٍ، عن ابن عباسٍ مرفوعًا: "مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ بمكَةَ فَصامَهُ وقَامَ منه ما تيسَّرَ كَتَبَ الله له مائَةَ ألفِ شَهْرِ رَمَضانَ فيما سِواهُ"، وذَكَرَ له ثوابًا كثيرًا. ومنها: شرفُ الزمان، كشهر رمضانَ وعشر ذي الحجةِ. وفي حديثِ سلمانَ الفارسي المرفوعِ الذي أشرْنا إليه في فضل شهر رمضانَ "مَنْ تطوَّعَ (٣) فيهِ بخَصْلَةٍ مِن خِصالِ الخَيْرِ كان كَمَنْ أدَّى فَريضَةً فيما سِواهُ، ومَنْ أدَّى فيه فريضَةً كان كمَنْ أدَّى سَبعينَ فريضةً فيما سِواهُ". وفي الترمذيّ (٤) عن أنس: "سئل النبيُّ ﷺ : أيُّ الصَّدَقةِ أفضَلُ؟ قال: صَدَقَةٌ في رَمَضَانَ". وفي الصحيحين (٥) عن النبي ﷺ ، قال: "عُمْرَةٌ في رمضانَ تَعْدِلُ حجَّةً" أو قال "حَجَّةً معي". وَوَرَدَ في حديثٍ آخر: "إنَّ عَمَلَ الصَّائمِ مُضَاعَفٌ". وذكَرَ أبو بكر بن أبي مريمَ عن أشياخِه أنَّهم كانوا يقولون: إذا حَضرَ شهرُ رَمَضَانَ فانبسِطُوا فيه بالنَّفَقَةِ؛ فإنَّ النَّفَقَةَ فيه مُضَاعَفَة كالنَّفقةِ في سبيلِ الله، وتسبيحةٌ فيه أفضَلُ من ألفِ تسبيحةٍ في غيرِهِ.

стр. 279

وقال النَّخعيُّ: صومُ يومٍ من رَمَضَانَ أفضَلُ مِن ألفِ يومٍ، وتسبيحةٌ فيهِ أفضَلُ مِن ألفِ تسبيحةٍ، ورَكْعَةٌ فيه أفضَلُ مِن ألفِ رَكْعَةٍ. فلمَّا كانَ الصِّيامُ في نفسِهِ مضاعفًا أجرُهُ بالنسبة إلى سائرِ الأعمالِ، كانَ صِيَامُ شهرِ رَمَضَانَ مُضاعَفًا على سائرِ الصِّيام؛ لِشرَفِ زَمَانِهِ، وكونِهِ هو الصَّومُ الذي فَرَضَهُ اللهُ على عبادِهِ، وجَعَلَ صيامَهُ أحَدَ أَركانِ الإسلام التي بُني الإسلامُ عليها. وقد يُضاعَفُ الثَّوابُ بأَسبابٍ أُخَرَ؛ منها: شرفُ العامِلِ عَندَ اللهِ وقُرْبُهُ منه، وكثرةُ تَقواهُ، كما ضُوعِفَ أجرُ هذه الأمَّةِ على أجورِ مَنْ قبلَهم مِن الأممِ، وأُعْطُوا كِفْلَيْن (١) مِنَ الأجْرِ. وأمَّا على الروايةِ الثانية: فاستثناءُ الصِّيام من بين الأعمالِ يَرجعُ إلى أن سائرَ الأعمالِ للعبادِ، والصِّيامُ اختصَّه اللهُ تعالَى لنفسِهِ من بين أعمالِ عبادِه، وأضافَه إليه. وسيأتي ذكرُ توجيه هذا الاختصاص إن شاء الله تعالى. وأمَّا على الرواية الثالثة (٢): فالاستثناءُ يعودُ إلى التكفير بالأعمالِ، ومن أحسَنِ ما قيلَ في معنى ذلك: ما قاله سفيانُ بنُ عُيينةَ ﵀، قال: هذا (٣) من أجودِ الأحاديثِ وأحكمِهَا (٤)، إذا كان يومُ القيامة يُحاسِبُ اللهُ عبدَهُ، ويُؤدَّى ما عليه من المظالم من سائر عملِه، حتى لا يبقى إلَّا الصَّومُ، فيتحمَّلُ اللهُ ما بقِيَ عليه مِن المظالم، ويُدْخِلُه بالصَّومِ الجنَّةَ. خرَّجَه البيهقي في "شُعَب الإيمان" (٥) وغيره. وعلى هذا فيكون المعنى أن الصّيامَ للهِ ، فلا سبيلَ لأحَدٍ إلى أخذِ أجره من الصِّيام (٦)، بل أجرُه مدَّخرٌ لصاحبِهِ عندَ اللهِ ، وحينئذٍ فقد يُقالُ: إنَّ سائر الأعمالِ قدْ يُكفَّرُ بها ذنوبُ صاحبِها فلا يَبقى لها أجرٌ، فإنَّه رُوي أنَّه يُوازَنُ يومَ القيامةِ بين الحسناتِ والسيئاتِ، ويُقَصّ (٧) بعضُهَا من بعضٍ، فإنْ بقيَ من الحسناتِ حسنةٌ

стр. 280

دَخَلَ بها صاحبُها الجنَّةَ. قاله سعيدُ بن جبيرٍ وغيرُه. وفيه حديثَ مرفوعٌ خرَّجَه الحاكِمُ (١) من حديثِ ابن عباسٍ مرفوعًا، فيحتمل أن يقالَ في الصوم: أنَّه لا يَسقُطُ ثوابُهُ بمقاصَّةٍ ولا غيرِها، بل يوفَّرُ أجرُه لصاحبِهِ حتَّى يدخُلَ الجنَّةَ، فيوفَّى أجرُه فيها. وأمَّا قولُه: "فإنَّه لي"، فإنَّ الله خَصَّ الصِّيامَ بإضافتِه إلى نفسِهِ دونَ سائرِ الأعمالِ، وقد كَثُر القولُ في معنى ذلك مِن الفقهاءِ والصُّوفية وغيرِهم، وذكَروا فيه وُجوهًا كثيرةً. ومِن أحسنِ ما ذُكِرَ فيه وجهان: أحدُهما: أن الصِّيامَ هو مُجَرَّدُ تَرْكِ حُظُوظِ النَّفْس وَشَهَواتِها الأصليةِ التي جُبِلتْ على الميل إليها للهِ ، ولا يوجدُ ذلك في عَبادةٍ أخرى غير الصِّيام؛ لأنَّ الإحرامَ إنَّما يُترَكُ فيه الجماعُ ودواعيهِ مِن الطِّيب دونَ سائرِ الشَّهواتِ؛ من الأكل والشربِ، وكذلك الاعْتِكافُ مع أنه تابعٌ للصِّيامِ. وَأَمَّا الصَّلاةُ فإنَّه وانْ تَرَكَ المصلِّي فيها جميعَ الشهواتِ إلَّا أن مدَّتها لا تَطولُ، فلا يَجِدُ المصلِّي فَقْدَ الطَّعامِ والشَّرابِ في صلاتِه، بل قد نُهِيَ أنْ يُصلِّي ونفسُه تتوقُ (٢) إلى طعامٍ (٣) بحضرتِهِ حتى يتناولَ منه ما يُسكِنُ نَفْسَه، ولهذا أُمِرَ بتقديمِ العَشاءِ على الصَّلاةِ. وذهبت طائفةٌ مِن العلماء إلى إباحة شرب الماءِ في صلاة التطوُّع، وكان ابنُ الزبير يفعلُه في صلاتِهِ، وهو روايةٌ عن الإمامَ أحمدَ، وهذا بخلافِ الصِّيامِ؛ فإنَّه يَسْتَوعِبُ النَّهارَ كُلَّه، فيجِدُ الصَّائمُ فَقْدَ هذه الشهوَاتِ، وتتوقُ (٢) نفسُه إليها، خصوصًا في نهارِ الصَّيفِ؛ لشدَّةِ حرِّهِ وطُولهِ، ولهذا رُوِي أن مِن خِصالِ الإيمانِ الصَّومَ في الصَّيْفِ، وقَدْ كانَ رسولُ اللهِ يكوَنِ يَصُومُ رَمَضانَ في السَّفَرِ في شِدَّةِ الحرِّ دونَ أصحابِهِ، كما قال أبو الدَّرداء: "كُنَّا معَ النبيِّ ﷺ في رَمَضَانَ في سَفَرٍ وأحدُنا يَضَعُ يَدَهُ على رأسِهِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ، وما فينا صائمٌ إلَّا رسولُ الله ﷺ وعبدُ الله بنُ رَواحة" (٤).

стр. 281

وفي "الموطأ" (١) أنَّه ﷺ كان بالعَرْج يصُبُّ الماءَ على رأسِهِ وهو صائمٌ مِنَ العَطَش، أو من الحَرِّ. فإذا اشتدَّ توقانُ النَّفس إلى ما تشتهيه مع قدرتِها عليه، ثم تركَتْهُ للهِ في موضع لا يَطَّلِعُ عليه إلَّا الله، كانَ ذلك دليلًا على صِحَّةِ الإيمانِ؛ فإن الصَّائمَ يعلَمُ أن له ربًّا يَطَّلِعُ عليه في خلوتِه، وقد حرَّمَ عليه أن يتناولَ شهواتِهِ المجبولِ على الميلِ إليها في الخلوةِ، فأطاعَ ربَّه، وامْتَثَلَ أمرَهُ، واجْتَنَبَ نهيَهُ خوفًا من عقابه، ورَغبةً في ثوابِهِ، فشكَرَ الله تعالَى له ذلك، واخْتَصَّ لنفسِهِ عملَهُ هذا مِن بين سائرِ أعمالِهِ؛ ولهذا قال بعد ذلك: إنَّه إنَّما (٢) ترَكَ شهوتَهُ وطعامَهُ وشَرَابَهُ مِن أَجْلِي. قال بعض السَّلَف: طُوبَى لمن تَرَكَ شهوةً حاضِرَةً لموعدِ غيبٍ لم يَرَهُ. لمَّا عَلِمَ المؤمنُ الصَّائمُ أن رِضَا مَولاهُ في ترك شهواتِهِ، قدَّمَ رِضَا مولاهُ على هواهُ؛ فصارَتْ لَذَّتُه في تَرْكِ شهوتِهِ للهِ؛ لإيمانِهِ باطلاعِ الله عليه (٣). وثوابُهُ وعقابُهُ أعظَمُ مِن لذَّتِهِ في تناولها في الخَلْوَةِ؛ إيثارًا لِرضا رَبِّه على هَوَى نفسِه، بل المؤمنُ يكرَهُ ذلك في خلوِتِهِ أشدَّ مِن كراهتِهِ لألمِ الضَّرْبِ. ولهذا أكثر المؤمنين لو ضُرِبَ على أن يُفطِرَ في شهرِ رَمَضَانَ لغيرِ عُذْرٍ لم يفعَلْ؛ لعلمه بكراهةِ (٤) اللهِ لفطرهِ في هذا الشهر، وهذا من علاماتِ الإيمانِ أن يكرَهَ المؤمنُ ما يلائمُهُ مِنْ شهواتِهِ إذا عَلِمَ أن الله يكرههُ، فتصيرُ لَذَّتُه فيما يُرضي مَولاهُ وإنْ كان مخالفًا لِهواهُ، ويكونُ ألمُهُ فيما يَكرهُهُ مولاهُ، وإن كان موافقًا لِهواهُ، وإذا كانَ هذا فيما حُرِّمَ لِعَارِضِ الصَّوم مِنَ الطَّعامِ والشراب ومباشرةِ النساءِ، فينبغي أنْ يتأكَّدَ ذلك فيما حُرِّمَ على الإطلاقِ، كالزِّنا، وشُرْب الخمَر، وأخذِ الأموالِ أو الأعراضِ (٥) بغيرِ حَقٍّ، وسَفْكِ الدِّماء المحرَّمَةِ؛ فإنَّ هذَا يُسْخِطُ الله على كلِّ حال وفي كلِّ زمانٍ ومكانٍ، فإذا كَمُلَ إيمان المؤمنِ كَرِهَ ذلكَ كُلَّه أعظَمَ مِن كراهتِهِ للقتلِ والضَّرْبِ.

стр. 282

ولهذا جَعَلَ النبيُّ ﷺ من علاماتِ وُجودِ حَلَاوةِ الإيمانِ: أَنْ يَكْرَهَ أن يَرجِعَ إلى الكُفْرِ بعدَ أنْ (١) أنقذَهُ الله، كما يَكرَهُ أَنْ يُلْقَى في النَّارِ (٢). وقال يوسفُ ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (٣). سئل ذو النون المصري (٤): مَتَى أُحِبُّ رَبِّي؟ قال: إذا كانَ ما يكرَهُهُ أمَرَّ عندَكَ مِنَ الصَّبْرِ. وقال غيرُه: ليسَ مِن أعلام المحبَّةِ أن تحبَّ ما يكرهُهُ حبيبُكَ. وكثيرٌ مِنَ النَّاس يَمشي على العَوَائدِ دونَ ما يوجبُهُ الإيمانُ ويقتضيه، فلهذا كثيرٌ منهم لو ضُرِبَ ما أفَطرَ في رَمَضَانَ لغيرِ عُذْرٍ. ومِن جُهَّالِهم مَنْ لا يُفطِرُ لِعُذْرٍ ولو تَضَرَّرَ بالصَّوْمِ، مع أن الله يُحِبُّ منه أن يَقبَلَ رُخصَتَهُ، جَرْيًا منه على العادةِ، وقد اعْتَادَ مع ذلك ما حرَّم (٥) اللهُ مِن الزِّنا وشرب الخمرِ وأخذِ الأموالِ والأعراضِ أو الدِّماءِ بغيرِ حقٍّ، فهذا يَجْرِي على عوائِدِه في ذلَك كُلِّه لا على مُقْتَضَى الإيمانِ، ومَنْ عَمِلَ بمقتَضَى الإيمانِ صَارَتْ لَذَّتُه في مُصَابَرَةِ نفسِهِ عمَّا تَميلُ نفسُه إليه إذا كان فيه سَخَطُ اللهِ، ورُبَّما يَرْتَقِي إلى أن يَكْرَهَ جميعَ ما يكرهُهُ الله منهُ، وينفُرُ منه وإنْ كان ملائمًا للنفوسِ، كما قيل: إن كان رِضاكُمُ في سَهَرِي … فَسَلامُ اللهِ على وَسَنِي (٦) [وقال آخر (٧): * فما لِجُرْحٍ إذا أرضاكُمُ ألَمُ *] (٨)

стр. 283

وقال آخر: عَذابُهُ فيكَ عَذْبُ … وبُعْدُهُ فيك قُرْبُ وَأَنْتَ عندِي كَرُوحِي … بَلْ أَنْتَ مِنها أَحَبُّ حَسْبي مِنَ الحُبِّ أَنِّي … لِمَا تُحِبُّ أُحِبُّ الوجه الثاني: أن الصِّيامَ سِرٌّ بينَ العبدِ وربِّه لا يَطَّلِعُ عليه غيرُه؛ لأنَّه مُركَّبٌ من نِيَّةٍ باطنةٍ لا يطبعُ عليها إلَّا الله، وتركٍ لتناولِ الشهواتِ التي يُستخفَى بتناولِها في العادة، ولذلك قيل: لا تكتبه الحَفَظَةُ. وقيل: إنَّه ليس فيه رياءٌ، كذا قاله الإمامُ أحمدُ وغيرُه؛ وفيه حديث مرفوعٌ مرسَلٌ. وهذا الوجهُ اختيارُ أبي عبيدٍ (١) وغيرِه. وقد يَرجعُ إلى الأول؛ فإنَّ مَنْ تَرَكَ ما تَدعُوه نفسُه إليه للهِ حيثُ لا يطلِعُ عليه غيرُ مَنْ أَمَرَهُ وَنَهَاهُ، دلَّ على صحَّةِ إيمانِه. والله تعالَى يُحِبُّ مِن عبادِهِ أنْ يعَامِلُوه سرًّا بينَهم وبينَه، وأهلُ محبَّتِه يُحبُّون أنْ يُعامِلُوه سرًّا بينَهم وبينَه، بحيثُ لا يطَّلِعُ على معاملتِهم إيَّاه سواهُ، حتى كان بعضُهم يَوَدُّ لو تمكَّنَ مِن عبادةٍ لا تشعُرُ بها الملائكةُ الحَفَظَةُ. وقال بعضهم لمَّا اُطُّلِعَ على بعضِ سرائرِهِ: إنما كانت تَطيبُ الحياةُ لمَّا كانَتِ المعامَلَةُ بيني وبينَه سِرًّا، ثم دَعَا لنفسِهِ بالموت فماتَ. المحبُّون يَغارُون مِن اطلاعِ الأغيارِ (٢) على الأسرارِ التي بينَهم وبينَ مَنْ يحبُّهم ويحبُّونه. نَسِيمَ صَبَا نَجْدٍ متَى جِئْتَ حامِلًا … تحيَّتَهُم فاطْوِ الحَدِيثَ عَنِ الرَّكْب وَلا تُذِعِ السِّرَّ المَصُونَ فإنَّني … أَغَارُ عَلَى ذِكْرِ الأحبَّةِ مِنْ صَحْبِي (٣) وقوله "تَرَكَ شهوتَه وطعامَهُ وشَرَابَه مِن أجلي" فيه إشارةٌ إلى المعنَى الذي ذكرناه، وأنَّ الصائمَ تقرَّبَ إلى الله بتركِ ما تشتهيه نفسُهُ مِن الطعام والشراب والنِّكاحِ، وهذه أعظمُ شهواتِ النفسِ. وفي التقرُّب بتركِ هذه الشهواتِ بالصيامِ فوائد: منها: وكسرُ النفْس؛ فإنَّ الشِّبَعَ والرِّيَّ ومباشَرَةَ النِّساءِ تحمِلُ النفسَ على الأشَرِ (٤) وَالبَطَرِ والغَفْلَةِ.

стр. 284

ومنها: تَخلِّي القلب للفكرِ والذِّكْرِ؛ فإنَّ تناولَ هذه الشهوات قد تُقسِّي القَلْبَ وتُعمِيهِ، وتَحُولُ بينَ العبدَ وبينَ الذِّكْرِ والفِكْرِ، وتستدعِي الغَفْلَةَ. وخُلوُّ الباطِنِ مِن الطعامِ والشرابِ يُنوَّرُ القلبَ ويُوجبُ رِقَّتَه ويُزيلُ قَسْوَتَه ويُخليه للذكرِ والفكرِ. ومنها: أنَّ الغنِيَّ يَعرفُ قَدْرَ نعمةِ اللهِ عليه بإقْدارِهِ له على ما منعه كثيرًا من الفقراءِ من فُضُولِ الطَّعام والشراب والنِّكاحِ؛ فإنَّه بامتناعِهِ من ذلك في وقتٍ مخصوص وحصُولِ المشقَّةِ له بذلَك، يتذكَّرُ بهِ مَنْ مُنِعَ ذلك (١) على الإطلاق، فيوجبُ له ذلك شُكرَ نِعمةِ اللهِ عليه بالغِنَى، وَيدعُوه إلى رحمةِ أخيه المحتاج ومُواساتِه بما يُمكن مِن ذلك. ومنها: أنَّ الصِّيامَ يُضيِّقُ مَجارِيَ الدَّم التي هي مَجاري الشيطانِ مِن ابن آدمَ؛ فإنَّ الشيطانَ يَجري من ابن آدمَ مجرَى الدَّم، فتسكنُ بالصِّيامِ وَسَاوسُ الشَّيطانِ، وتنكسِرُ سَوْرَةُ (٢) الشهوةِ والغَضَبِ، ولهذا جَعَلَ النبيُّ ﷺ الصَّوْمَ وِجَاءً (٣)؛ لقطْعِهِ عن شهوةِ النِّكاحِ. واعْلَمْ أنَّه لا يَتِمُّ التقرُّبُ إلى الله تعالى بترْكِ هذه الشهواتِ المباحةِ في غيرِ حالةِ الصِّيام إلا بعدَ التقرُّب إليه بتركِ ما حرَّمه (٤) الله في كُلِّ حالٍ؛ مِن الكذب والظلمِ والعدوانِ على الناس في دمائهم وأموالِهم وأعراضِهم، ولهذا قال النبيُّ ﷺ . "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرَابَهُ". خرَّجَه البخاريُّ (٥). وفي حديث آخرَ: "ليسَ الصِّيامُ مِنَ الطَّعامِ والشرابِ، إنَّما الصِّيام من

стр. 285

اللغو والرَّفث". قال الحافظ أبو موسى المديني: هو على شرط مسلم. قال بعضُ السَّلف: أهون الصِّيام تركُ الشراب والطعام. وقال جابر: إذا صُمْتَ فلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ ولسانُك عن الكذب والمحارم، وَدَعْ أَذَى الجار، وليكُنْ عليك وقارٌ وسكينةٌ يومَ صومِكَ، ولا تجعَلْ يومَ صومِك ويومَ فِطْرِك سواءً. إذا لم يكن في السَّمع منِّي تصاونٌ … وفي بَصَري غضٌّ وفي منطِقي صَمْتُ فحظِّي إذًا مِنْ صَوْمِيَ الجُوعُ والظَّما … فإنْ قلْتُ إنِّي صُمْتُ يومي فما صُمْتُ وقال النبيُّ ﷺ : "ربَّ صائمٍ حظُّه مِن صيامِهِ الجوع والعطشُ، ورُبَّ قائمٍ حظُّه من قيامِهِ السَّهَرُ" (١). وسِرُّ هذا أنَّ التقرُّب إلى الله تعالى بترك المباحات لا يكمل إلَّا بعد التقرب إليه بترك المحرَّمات، فمن ارتكب المحرمات ثم تقرَّب بترك المباحات، كان بمثابة من يتركُ الفرائض ويتقرَّبُ بالنوافل، وإن كان صومُه مجزئًا عندَ الجمهور بحيث لا يؤمَرُ بإعادته؛ لأن العملَ إنَّما يبطُلُ بارتكاب ما نُهِي عنه فيه لخصوصه، دون ارتكاب ما نُهي عنه لغير معنىً يختَصُّ به. هذا هو أصلُ جمهور العلماءِ. وفي مسند الإمام أحمد (٢): إنَّ امْرَأتين صامتا في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فكادتا أَنْ تموتا من العَطَش، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فأعرض، ثم ذُكِرتا له فَدَعَاهُما فأمَرَهُما أن يتقيَّآ، فقاءَتا مِلْءَ قَدَحٍ قَيْحًا ودمًا وصَديدًا ولحمًا عَبيطًا (٣). فقال النبي ﷺ : "إنَّ هاتين صامتا عمَّا أحَلَّ الله لهما، وأفطرتا على ما حرَّم الله عليهما؛ جلسَتْ إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا يأكُلانِ لُحومَ النَّاسِ". ولهذا المعنى - والله أعلم - ورد في القرآن بعدَ ذِكْر تحريم الطعام والشَّراب على الصَّائم بالنَّهار ذِكْرُ تحريم أكل أموالِ الناس بالباطل (٤)؛ فإنَّ تحريم هذا عامٌّ في كُلِّ
следующие страницы →