← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وفي "الموطأ" (١) أنَّه ﷺ كان بالعَرْج يصُبُّ الماءَ على رأسِهِ وهو صائمٌ مِنَ العَطَش، أو من الحَرِّ. فإذا اشتدَّ توقانُ النَّفس إلى ما تشتهيه مع قدرتِها عليه، ثم تركَتْهُ للهِ في موضع لا يَطَّلِعُ عليه إلَّا الله، كانَ ذلك دليلًا على صِحَّةِ الإيمانِ؛ فإن الصَّائمَ يعلَمُ أن له ربًّا يَطَّلِعُ عليه في خلوتِه، وقد حرَّمَ عليه أن يتناولَ شهواتِهِ المجبولِ على الميلِ إليها في الخلوةِ، فأطاعَ ربَّه، وامْتَثَلَ أمرَهُ، واجْتَنَبَ نهيَهُ خوفًا من عقابه، ورَغبةً في ثوابِهِ، فشكَرَ الله تعالَى له ذلك، واخْتَصَّ لنفسِهِ عملَهُ هذا مِن بين سائرِ أعمالِهِ؛ ولهذا قال بعد ذلك: إنَّه إنَّما (٢) ترَكَ شهوتَهُ وطعامَهُ وشَرَابَهُ مِن أَجْلِي. قال بعض السَّلَف: طُوبَى لمن تَرَكَ شهوةً حاضِرَةً لموعدِ غيبٍ لم يَرَهُ. لمَّا عَلِمَ المؤمنُ الصَّائمُ أن رِضَا مَولاهُ في ترك شهواتِهِ، قدَّمَ رِضَا مولاهُ على هواهُ؛ فصارَتْ لَذَّتُه في تَرْكِ شهوتِهِ للهِ؛ لإيمانِهِ باطلاعِ الله عليه (٣). وثوابُهُ وعقابُهُ أعظَمُ مِن لذَّتِهِ في تناولها في الخَلْوَةِ؛ إيثارًا لِرضا رَبِّه على هَوَى نفسِه، بل المؤمنُ يكرَهُ ذلك في خلوِتِهِ أشدَّ مِن كراهتِهِ لألمِ الضَّرْبِ. ولهذا أكثر المؤمنين لو ضُرِبَ على أن يُفطِرَ في شهرِ رَمَضَانَ لغيرِ عُذْرٍ لم يفعَلْ؛ لعلمه بكراهةِ (٤) اللهِ لفطرهِ في هذا الشهر، وهذا من علاماتِ الإيمانِ أن يكرَهَ المؤمنُ ما يلائمُهُ مِنْ شهواتِهِ إذا عَلِمَ أن الله يكرههُ، فتصيرُ لَذَّتُه فيما يُرضي مَولاهُ وإنْ كان مخالفًا لِهواهُ، ويكونُ ألمُهُ فيما يَكرهُهُ مولاهُ، وإن كان موافقًا لِهواهُ، وإذا كانَ هذا فيما حُرِّمَ لِعَارِضِ الصَّوم مِنَ الطَّعامِ والشراب ومباشرةِ النساءِ، فينبغي أنْ يتأكَّدَ ذلك فيما حُرِّمَ على الإطلاقِ، كالزِّنا، وشُرْب الخمَر، وأخذِ الأموالِ أو الأعراضِ (٥) بغيرِ حَقٍّ، وسَفْكِ الدِّماء المحرَّمَةِ؛ فإنَّ هذَا يُسْخِطُ الله على كلِّ حال وفي كلِّ زمانٍ ومكانٍ، فإذا كَمُلَ إيمان المؤمنِ كَرِهَ ذلكَ كُلَّه أعظَمَ مِن كراهتِهِ للقتلِ والضَّرْبِ.

стр. 282

ولهذا جَعَلَ النبيُّ ﷺ من علاماتِ وُجودِ حَلَاوةِ الإيمانِ: أَنْ يَكْرَهَ أن يَرجِعَ إلى الكُفْرِ بعدَ أنْ (١) أنقذَهُ الله، كما يَكرَهُ أَنْ يُلْقَى في النَّارِ (٢). وقال يوسفُ ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (٣). سئل ذو النون المصري (٤): مَتَى أُحِبُّ رَبِّي؟ قال: إذا كانَ ما يكرَهُهُ أمَرَّ عندَكَ مِنَ الصَّبْرِ. وقال غيرُه: ليسَ مِن أعلام المحبَّةِ أن تحبَّ ما يكرهُهُ حبيبُكَ. وكثيرٌ مِنَ النَّاس يَمشي على العَوَائدِ دونَ ما يوجبُهُ الإيمانُ ويقتضيه، فلهذا كثيرٌ منهم لو ضُرِبَ ما أفَطرَ في رَمَضَانَ لغيرِ عُذْرٍ. ومِن جُهَّالِهم مَنْ لا يُفطِرُ لِعُذْرٍ ولو تَضَرَّرَ بالصَّوْمِ، مع أن الله يُحِبُّ منه أن يَقبَلَ رُخصَتَهُ، جَرْيًا منه على العادةِ، وقد اعْتَادَ مع ذلك ما حرَّم (٥) اللهُ مِن الزِّنا وشرب الخمرِ وأخذِ الأموالِ والأعراضِ أو الدِّماءِ بغيرِ حقٍّ، فهذا يَجْرِي على عوائِدِه في ذلَك كُلِّه لا على مُقْتَضَى الإيمانِ، ومَنْ عَمِلَ بمقتَضَى الإيمانِ صَارَتْ لَذَّتُه في مُصَابَرَةِ نفسِهِ عمَّا تَميلُ نفسُه إليه إذا كان فيه سَخَطُ اللهِ، ورُبَّما يَرْتَقِي إلى أن يَكْرَهَ جميعَ ما يكرهُهُ الله منهُ، وينفُرُ منه وإنْ كان ملائمًا للنفوسِ، كما قيل: إن كان رِضاكُمُ في سَهَرِي … فَسَلامُ اللهِ على وَسَنِي (٦) [وقال آخر (٧): * فما لِجُرْحٍ إذا أرضاكُمُ ألَمُ *] (٨)

стр. 283

وقال آخر: عَذابُهُ فيكَ عَذْبُ … وبُعْدُهُ فيك قُرْبُ وَأَنْتَ عندِي كَرُوحِي … بَلْ أَنْتَ مِنها أَحَبُّ حَسْبي مِنَ الحُبِّ أَنِّي … لِمَا تُحِبُّ أُحِبُّ الوجه الثاني: أن الصِّيامَ سِرٌّ بينَ العبدِ وربِّه لا يَطَّلِعُ عليه غيرُه؛ لأنَّه مُركَّبٌ من نِيَّةٍ باطنةٍ لا يطبعُ عليها إلَّا الله، وتركٍ لتناولِ الشهواتِ التي يُستخفَى بتناولِها في العادة، ولذلك قيل: لا تكتبه الحَفَظَةُ. وقيل: إنَّه ليس فيه رياءٌ، كذا قاله الإمامُ أحمدُ وغيرُه؛ وفيه حديث مرفوعٌ مرسَلٌ. وهذا الوجهُ اختيارُ أبي عبيدٍ (١) وغيرِه. وقد يَرجعُ إلى الأول؛ فإنَّ مَنْ تَرَكَ ما تَدعُوه نفسُه إليه للهِ حيثُ لا يطلِعُ عليه غيرُ مَنْ أَمَرَهُ وَنَهَاهُ، دلَّ على صحَّةِ إيمانِه. والله تعالَى يُحِبُّ مِن عبادِهِ أنْ يعَامِلُوه سرًّا بينَهم وبينَه، وأهلُ محبَّتِه يُحبُّون أنْ يُعامِلُوه سرًّا بينَهم وبينَه، بحيثُ لا يطَّلِعُ على معاملتِهم إيَّاه سواهُ، حتى كان بعضُهم يَوَدُّ لو تمكَّنَ مِن عبادةٍ لا تشعُرُ بها الملائكةُ الحَفَظَةُ. وقال بعضهم لمَّا اُطُّلِعَ على بعضِ سرائرِهِ: إنما كانت تَطيبُ الحياةُ لمَّا كانَتِ المعامَلَةُ بيني وبينَه سِرًّا، ثم دَعَا لنفسِهِ بالموت فماتَ. المحبُّون يَغارُون مِن اطلاعِ الأغيارِ (٢) على الأسرارِ التي بينَهم وبينَ مَنْ يحبُّهم ويحبُّونه. نَسِيمَ صَبَا نَجْدٍ متَى جِئْتَ حامِلًا … تحيَّتَهُم فاطْوِ الحَدِيثَ عَنِ الرَّكْب وَلا تُذِعِ السِّرَّ المَصُونَ فإنَّني … أَغَارُ عَلَى ذِكْرِ الأحبَّةِ مِنْ صَحْبِي (٣) وقوله "تَرَكَ شهوتَه وطعامَهُ وشَرَابَه مِن أجلي" فيه إشارةٌ إلى المعنَى الذي ذكرناه، وأنَّ الصائمَ تقرَّبَ إلى الله بتركِ ما تشتهيه نفسُهُ مِن الطعام والشراب والنِّكاحِ، وهذه أعظمُ شهواتِ النفسِ. وفي التقرُّب بتركِ هذه الشهواتِ بالصيامِ فوائد: منها: وكسرُ النفْس؛ فإنَّ الشِّبَعَ والرِّيَّ ومباشَرَةَ النِّساءِ تحمِلُ النفسَ على الأشَرِ (٤) وَالبَطَرِ والغَفْلَةِ.

стр. 284

ومنها: تَخلِّي القلب للفكرِ والذِّكْرِ؛ فإنَّ تناولَ هذه الشهوات قد تُقسِّي القَلْبَ وتُعمِيهِ، وتَحُولُ بينَ العبدَ وبينَ الذِّكْرِ والفِكْرِ، وتستدعِي الغَفْلَةَ. وخُلوُّ الباطِنِ مِن الطعامِ والشرابِ يُنوَّرُ القلبَ ويُوجبُ رِقَّتَه ويُزيلُ قَسْوَتَه ويُخليه للذكرِ والفكرِ. ومنها: أنَّ الغنِيَّ يَعرفُ قَدْرَ نعمةِ اللهِ عليه بإقْدارِهِ له على ما منعه كثيرًا من الفقراءِ من فُضُولِ الطَّعام والشراب والنِّكاحِ؛ فإنَّه بامتناعِهِ من ذلك في وقتٍ مخصوص وحصُولِ المشقَّةِ له بذلَك، يتذكَّرُ بهِ مَنْ مُنِعَ ذلك (١) على الإطلاق، فيوجبُ له ذلك شُكرَ نِعمةِ اللهِ عليه بالغِنَى، وَيدعُوه إلى رحمةِ أخيه المحتاج ومُواساتِه بما يُمكن مِن ذلك. ومنها: أنَّ الصِّيامَ يُضيِّقُ مَجارِيَ الدَّم التي هي مَجاري الشيطانِ مِن ابن آدمَ؛ فإنَّ الشيطانَ يَجري من ابن آدمَ مجرَى الدَّم، فتسكنُ بالصِّيامِ وَسَاوسُ الشَّيطانِ، وتنكسِرُ سَوْرَةُ (٢) الشهوةِ والغَضَبِ، ولهذا جَعَلَ النبيُّ ﷺ الصَّوْمَ وِجَاءً (٣)؛ لقطْعِهِ عن شهوةِ النِّكاحِ. واعْلَمْ أنَّه لا يَتِمُّ التقرُّبُ إلى الله تعالى بترْكِ هذه الشهواتِ المباحةِ في غيرِ حالةِ الصِّيام إلا بعدَ التقرُّب إليه بتركِ ما حرَّمه (٤) الله في كُلِّ حالٍ؛ مِن الكذب والظلمِ والعدوانِ على الناس في دمائهم وأموالِهم وأعراضِهم، ولهذا قال النبيُّ ﷺ . "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرَابَهُ". خرَّجَه البخاريُّ (٥). وفي حديث آخرَ: "ليسَ الصِّيامُ مِنَ الطَّعامِ والشرابِ، إنَّما الصِّيام من

стр. 285

اللغو والرَّفث". قال الحافظ أبو موسى المديني: هو على شرط مسلم. قال بعضُ السَّلف: أهون الصِّيام تركُ الشراب والطعام. وقال جابر: إذا صُمْتَ فلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ ولسانُك عن الكذب والمحارم، وَدَعْ أَذَى الجار، وليكُنْ عليك وقارٌ وسكينةٌ يومَ صومِكَ، ولا تجعَلْ يومَ صومِك ويومَ فِطْرِك سواءً. إذا لم يكن في السَّمع منِّي تصاونٌ … وفي بَصَري غضٌّ وفي منطِقي صَمْتُ فحظِّي إذًا مِنْ صَوْمِيَ الجُوعُ والظَّما … فإنْ قلْتُ إنِّي صُمْتُ يومي فما صُمْتُ وقال النبيُّ ﷺ : "ربَّ صائمٍ حظُّه مِن صيامِهِ الجوع والعطشُ، ورُبَّ قائمٍ حظُّه من قيامِهِ السَّهَرُ" (١). وسِرُّ هذا أنَّ التقرُّب إلى الله تعالى بترك المباحات لا يكمل إلَّا بعد التقرب إليه بترك المحرَّمات، فمن ارتكب المحرمات ثم تقرَّب بترك المباحات، كان بمثابة من يتركُ الفرائض ويتقرَّبُ بالنوافل، وإن كان صومُه مجزئًا عندَ الجمهور بحيث لا يؤمَرُ بإعادته؛ لأن العملَ إنَّما يبطُلُ بارتكاب ما نُهِي عنه فيه لخصوصه، دون ارتكاب ما نُهي عنه لغير معنىً يختَصُّ به. هذا هو أصلُ جمهور العلماءِ. وفي مسند الإمام أحمد (٢): إنَّ امْرَأتين صامتا في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فكادتا أَنْ تموتا من العَطَش، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فأعرض، ثم ذُكِرتا له فَدَعَاهُما فأمَرَهُما أن يتقيَّآ، فقاءَتا مِلْءَ قَدَحٍ قَيْحًا ودمًا وصَديدًا ولحمًا عَبيطًا (٣). فقال النبي ﷺ : "إنَّ هاتين صامتا عمَّا أحَلَّ الله لهما، وأفطرتا على ما حرَّم الله عليهما؛ جلسَتْ إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا يأكُلانِ لُحومَ النَّاسِ". ولهذا المعنى - والله أعلم - ورد في القرآن بعدَ ذِكْر تحريم الطعام والشَّراب على الصَّائم بالنَّهار ذِكْرُ تحريم أكل أموالِ الناس بالباطل (٤)؛ فإنَّ تحريم هذا عامٌّ في كُلِّ

стр. 286

زمانٍ ومكانٍ، بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارةً إلى أن مَنِ امتثَلَ أمْرَ الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه، فليمتثل أمره في اجتناب أكلِ الأموال بالباطل؛ فإنَّه محرَّم بكلِّ حالٍ لا يباح في وقتٍ مِن الأوقات. وقوله ﷺ "وللصَّائم فَرْحَتان: فرحة عند فِطْره، وفَرْحة عند لقاء رَبِّه": أما فَرْحَةُ الصَّائم عند فطرِهِ فإن النفوس مجبُولةٌ على الميل إلى ما يلائمها من مطعَم ومشربٍ ومنكحٍ، فإذا مُنِعَت من ذلك في وقتٍ من الأوقات، ثم أُبِيحَ لها في وقتٍ آخر، فرِحَتْ بإباحة ما مُنِعت منه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه؛ فإنَّ النفوسَ تفرحُ بذلك طبْعًا، فإن كان ذلك محبوبًا لله كان محبوبًا شَرْعًا. والصَّائمُ عند فطره كذلك، فكما أن الله تعالى حرَّمَ على الصَّائم في نهارِ الصِّيام تناوُلَ هذه الشهواتِ، فقد أذِنَ له فيها في ليل الصِّيام، بل أحَبَّ منه المبادَرَةَ إِلى تناولها في أوَّلِ الليل وآخِرِه، فأحَبُّ عِبادِهِ إليه أعجلُهم فِطرًا، والله وملائكتُه يُصلُّون على المتسحِّرين. فالصَّائم تَرَكَ شهواتِهِ لله بالنَّهار تقرُّبًا إليه وطاعةً له؛ وبادرَ إليها في اللَّيل تقرُّبًا إلى الله وطاعةً له، فما تَرَكَها إلَّا بأمرِ رَبِّهِ، ولا عادَ إليها إلَّا بأمر رَبِّه؛ فهو مُطيعٌ له في الحالين. ولهذا نُهِيَ عن الوِصَال في الصِّيام، فإذا بادر الصَّائم إلى الفطر تقرُّبًا إِلى مولاه، وأكَلَ وشرِبَ وحمِدَ الله؛ فإنَّه يُرجى له المغفرةُ أو بلوغُ الرِّضوان بذلك. وفي الحديث: لا إنَّ الله لَيَرْضَى عَنْ عَبْدِه أن (١) يأكُلَ الأَكْلَةَ فيحمَده عليها، ويشرَبَ الشَّرْبَةَ فيحمَدَه عليها" (٢). وربَّما استجيبَ دُعاؤه عند ذلك، كما جاء (٣) في الحديث المرفوع الذي خرَّجه ابنُ ماجه (٤): "إنَّ للصَّائم عند فِطْره دعوةً ما تُردُّ". وإن نوى بأكلِه وشربِه تقويةَ بدنه على القيام والصِّيام، كان مُثابًا على ذلك. كما أنه إِذا نَوَى بنومه في الليل والنَّهار التقوِّي على العمَل، كان نومُه عِبادةً.

стр. 287

وفي حديثٍ مرفوعٍ: "نومُ الصَّائم عبادةٌ" (١). قالت حفصةُ بنتُ سِيرينَ: قال أبو العالية: "الصَّائم في عبادَةٍ ما لم يغتَبْ أحدًا وإن كان نائمًا على فراشه" (٢). قال: وكانت حفصة تقول: "يا حبَّذا عبادةٌ وأنا نائمة على فراشي". خرَّجه عبدُ الرزاق. فالصَّائم في ليله ونهاره في عبادَةٍ، ويُستجابُ دعاؤه في صيامه وعند فطره. فهو في نهاره صائمٌ صابرٌ؛ وفي ليله طاعمٌ شاكرٌ. وفي الحديث الذي خرَّجه الترمذي (٣) وغيرُهُ: "الطَّاعِمُ الشَّاكرُ بمنزلة الصَّائم الصَّابر". ومَن فهِمَ هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقَّفْ في معنَى فَرَحِ الصَّائم عندَ فِطْره؛ فإنَّ فِطْرَهُ على الوجه المشار إليه مِن فضلِ الله ورحمتِه، فيدخُل في قول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٤). ولكنْ شرطُ ذلك أن يكونَ فِطرُه على حلالٍ، فإن كان فطرُهُ على حرام كان ممَّن صام عمَّا أحلَّ الله، وأفطَرَ على ما حرَّمَ اللهُ، ولم يُستجَبْ له دعاءٌ، كما قال النبي ﷺ في الذي يُطيلُ

стр. 288

السَّفَرَ "يَمُدُّ يدَيْه إلى السَّماء: يا ربِّ! يا ربِّ! ومَطعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلك" (١). وأمَّا فرحُهُ عند لقاءِ رَبِّه، فيما يجده عند الله من ثواب الصِّيام مُدَّخرًا، فيجدُه أحوجَ ما كان إليه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٤). وقد تقدَّم قولُ ابن عيينة أن ثوابَ الصائم (٥) لا يأخذه الغُرماء في المظالم بل يَدَّخِرُهُ الله عندَه للصَّائم حتى يُدخِلَهُ به الجنَّةَ. وفي "المسند" (٦) عن عقبةَ بن عامرٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "ليس من عملِ يومٍ إلَّا يُختم عليه". وعن عيسى ﵇، قال: إنَّ هذا الليلَ والنَّهار خزانتان، فانظروا ما تضعون فيهما. فالأيام خزائنُ للناس ممتلئةٌ بما خزنُوه فيها من خيرٍ وشَرٍّ. وفي يوم القيامة تفتح هذه الخزائن لأهلها؛ فالمتقون يجدون في خزائنهم العِزَّ والكرامة، والمذنبون يجدون في خزائنهم الحسرةَ والنَّدامة. الصائمون على طبقتين: إحداهما: مَن تركَ طعامَهُ وشرابَهُ وشهوتَه لله تعالى، يرجو عندَه عوضَ ذلك في الجنة، فهذا قد تاجَرَ مَعَ اللّه وعامَلَهُ، واللهُ تعالى لا يُضيع أَجْرَ من أحسَنَ عملًا (٧)، ولا يخيبُ معه مَن عامله، بل يربح عليه أعظمَ الرِّبْح. وقال رسولُ الله ﷺ لرجُلٍ:

стр. 289

"إنك لن تدعَ شيئًا اتِّقاءَ الله إلَّا آتاك الله خيرًا منه". خرَّجَه الإمام أحمد (١). فهذا الصَّائمُ يُعطَى في الجنة ما شاء الله من طعامٍ وشرابٍ ونساءٍ قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (٢). قال مجاهد وغيرُه: نزلَتْ في الصائمين. قال يعقوب بن يوسُفَ الحنفي: بلغنا أن الله تعالى يقول لأوليائه يومَ القيامة: يا أوليائي، طالما نظرْتُ إليكم في الدُّنيا وقد قلَصَتْ شفاهُكم عن الأشربة، وغارت أعينكم، وخفقت (٣) بطونُكم؛ كونوا اليومَ في نعيمكم، وتعاطَوا الكأسَ فيما بينكم، و ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. وقال الحسن: تقولُ الحوراءُ لولي الله وهو متكئ معها على نهر العَسَلِ تُعاطيه الكأسَ: إنَّ الله نظر إليكَ في يومٍ صائفٍ بعيدِ ما بين الطرفين، وأنت في ظمأ هاجرةٍ من جهد العطشِ، فباهَى بك الملائكةَ، وقال: انظروا إلى عبدي تَرك زوجته وشهوتَه ولذَّتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ من أجلي، رغبةً فيما عندي، اشْهَدُوا أنِّي قد غفرتُ لَهُ؛ فغفر لك يومئذٍ وزوجنِيكَ. وفي "الصحيحين" (٤) عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ في الجنَّة بابًا يقال له: الرَّيَّانُ، يدخُلُ منه الصَّائمون، لا يدخُلُ منه غيْرُهُم". وفي رواية: "فإذا دَخَلُوا أُغْلِقَ". وفي رواية: "مَنْ دَخلَ منه شَربَ، ومن شرِب لم يَظْمَأ أبدًا". وفي حديث عبد الرحمن بن سَمُرَة، عن النبي ﷺ في منامه الطويل، قال: "ورأيتُ رجلًا من أمَّتي يَلْهَثُ عَطَشًا، كلَّما ورد حَوْضًا مُنِعَ منه (٥)، فجاءهُ صِيامُ رَمَضَانَ، فسقاه وأرواه". خرَّجه الطبراني (٦) وغيرُه. وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ فيه ضعف، عن أنس مرفوعًا: "الصَّائمون يُنفَخُ

стр. 290

من أفواههم ريحُ المِسْكِ، ويوضَعُ لهم مائدةٌ تحت العرش؛ يأكلون منها والناسُ في الحساب". (١). وعن أنس موقوفًا (٢): "إن لله مائدةً لم تَرَ مثلَها عينٌ، ولم تسمَعْ أذُنٌ، ولا خَطَرَ على قلب بشرٍ، لا يقعدُ عليها إلَّا الصَّائمون". وعن بعض السلف، قال: بلغنا أنه يوضَعُ للصُّوَّام مائدةٌ يأكلون عليها والناسُ في الحساب، فيقولون: يارَبٌ! نحنُ نُحَاسَبُ وهم يأكلون؟! فيقال: إنَّهم طالما صامُوا وأفطرْتُم، وقاموا ونمتم. رأى بعضُهم بشرَ بنَ الحارث (٣) في المنام وبين يديه مائدةٌ وهو يأكل، ويقال له: كُلْ يا مَن لم يأكُلْ، واشْرَبْ يا من لم يشرَبْ. كان بعضُ الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطع صوتُه فمات، فرئي (٤) بعضُ أصحابه الصالحين في المنام فسئل عن حالِهِ، فضحك وأنشد: قد كُسِي حُلَّةَ البهاءِ وطافَتْ … بأباريقَ حولَهُ الخُدَّامُ ثم حُلِّي وقِيلَ يا قارئ ارْقا … فلَعَمْري لقد براك الصِّيامُ اجتاز بعضُ العارِفين (٥) بمنادٍ ينادي على السَّحور في رمضانَ: ياما خبأنا للصُّوَّام (٦)! فتنبَّه بهذه الكلمة، وأكثَرَ من الصِّيام. رأى بعضُ العارفين في منامه كأنه أُدخِل الجنَّة، فسمع قائلًا يقول له: هل تذكر أنَّكَ صُمْتَ لله يومًا قطٌ؟ فقال: نعم! قال: فأخذتني صواني النِّثار (٧) من الجنة. من ترك لله في الدنيا طعامًا وشرابًا وشهوةً مُدَّةً يسيرةً عوَّضَهُ اللهُ عندَهُ طعامًا وشرابًا لا ينفَدُ، وأزواجًا لا يَمُتْنَ أبدًا. شهرُ رمضان فيه يُزوَّجُ الصائمون. في الحديث (٨): "إنَّ الجنَّة لَتُزَخْرَفُ وتُنَجَّدُ من الحَوْلِ إلى

стр. 291

الحَوْلِ لدخُولِ رمَضَان، فتقولُ الحورُ: يا ربّ، اجْعَلْ لنا في هذا الشهر من عبادك أزواجًا تَقَرُّ أعيُننا بهم، وتَقَرُّ أعينُهم بنا". وفي حديثٍ آخَرَ: "إنَّ الحُورَ تُنَادِي (١) في شهر رَمَضَانَ: هل من خَاطبٍ إلى اللهِ فيزوِّجَهُ (٢)؟. مهورُ الحورِ العين (٣) طولُ التهجُّد، وهو حاصلٌ في شهر رمضانَ أكثَرَ من غيره. كان بعضُ الصالحين كثيرَ التهجُّد والصِّيام، فصَلَّى ليلةً في المسجد ودعا، فغلبته عيناهُ، فرأَى في منامه جماعةً عَلِمَ أنَّهم لَيْسُوَا من الآدميين، بأيديهم أطباقُ عليها أرغفةٌ ببياض (٤) الثلج، فوق كُلِّ رغيفٍ درٌّ كأمثال (٥) الرُّمَّان، فقالوا: كُلْ، فقال: إنِّي أريدُ الصَّومَ. قالوا له: يأمُرُكَ صاحِبُ هذا البيت أن تأكلَ، قال: فأكلْتُ، وجعلْتُ آخذ ذلك الدُّرَّ لاحتملَهُ. فقالوا له: دعْهُ نَغرسه لك شجرًا يُنبتُ لك خيرًا من هذا. قال: أين؟ قالوا: في: دارٍ لا تخرَبُ، وثمرٍ لا يتغيَّر، ومُلكٍ لا ينقطِع، وثياب لا تبلَى. فيها رضوى، وعينا، وقرَّةُ أعينٍ، أزواجٌ رضياتٌ مَرضياتٌ راضياتٌ، لا يَغِرْنَ ولا يُغَرْن؛ فعليك بالانكماش فيما أنت، فإنما هي غَفْوَةً حتى ترتحلَ فتنزلَ (٦) الدارَ. فما مكث بعدَ هذه الرؤيا إلَّا جمعتين حتَّى توفي، فرآه ليلة وفاتِه في المنام بعضُ أصحابه الذين حدَّثَهُم برؤياه وهو يقول: ألا تعجب من شجرٍ غُرسَ لي في يوم حدثتك وقد حَمَلَ!؟ فقال له: ما حَمَل؟ قال: لا تسأل، لا يقدر أحدٌ على صفته. لَم يُرَ مثلُ الكريم إذا حَلَّ به مطيع. يا قوم! ألا خاطبٌ في هذا الشهر إلى الرحمان؟ ألا راغبٌ فيما أعَدَّهُ الله للطائعين في الجنان؟ ألا طالبٌ لما أخبر به من النَّعيم المقيم، مع أنَّه ليس الخبرُ كالعِيان؟ مَنْ يُردْ مُلْكَ الجِنانِ … فلْيَدَعْ عنه التَّواني ولْيَقمْ في ظلمةِ الليلِ … إلى نورِ القُرَانِ ولْيَصِلْ صَومًا بصومٍ … إن هذا العيشَ فاني

стр. 292

إنما العيشُ جوارُ الله … في دارِ الأمانِ الطبقة الثانية من الصائمين: مَن يصومُ في الدنيا عمَّا سِوى الله، فيحفظ الرأس وما حَوَى، ويحفظ البطنَ وما وَعَى، ويذكر الموتَ والبِلَى، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا. فهذا عيدُ فطره يومَ لقاء رَبِّه وفرحه برؤيته. أهلُ الخُصوصِ من الصُّوَّامِ صَومُهُمُ … صونُ اللسانِ عن البُهتان والكَذِب والعارفون وأهلُ الأنسِ صومُهُمُ … صَوْنُ القلوبِ عن الأغيارِ والحُجُبَ العارفون لا يسلِّيهم عن رؤية مولاهم قَصْرٌ، ولا يُروِّيهم دونَ مشاهدته نَهْرٌ؛ هِمَمُهُم أجلٌ من ذلك. كبُرَتْ همَّةُ عبدٍ … طَمِعَتْ في أن تراكَ مَنْ يَصُمْ عن مُفطراتٍ … فصيامي عن (١) سِواك مَنْ صام عن شهواته في الدنيا، أدركَها غدًا في الجنَّة. ومَن صام عمَّا سِوى الله، فعيدُه يوم لقائه، ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ (٢). وقد صُمْتُ عن لذَّاتِ دَهْرِي كلِّها … ويومَ لقاكم ذاكَ فِطْرُ صِيامي رُؤي بِشرٌ (٣) في المنام، فسئل عن حاله، فقال: عَلِمَ قلَّة رَغبتي في الطعام فأباحني النظر إليه. وقيل لبعضهم: أين نطلبُكَ في الآخرة؟ قال: في زمرة النَّاظرين إلى الله، قيل له: كيف علِمْتَ ذلك؟ قال: بِغضِّي (٤) طرفي له عن كُلِّ محرَّمٍ، وباجْتنابي فيه كُلَّ منكرٍ ومأثمٍ؛ وقد سألته أن يجعلَ جنَّتي النَّظر إليه. يا حبيبَ القُلوب مَنْ لي سِواكا (٥) … أرْحَمِ اليومَ مُذْنبًا قد أتاكا ليس لي في الجَنان مولايَ رأسٌ (٦) … غيرَ أنِّي أريدُها لأراكا

стр. 293

يا معشر التائبين! صُوموا اليومَ عن شهواتِ الهوى؛ لتُدْرِكوا عِيْدَ الفطر يوم اللِّقاءِ، لا يَطُولَن عليكم الأمد (١) باستبطاء الأجل؛ فإن معظم نهارِ الصِّيامِ قد ذهب، وعيدُ اللقاء قد اقترب. إنَّ يومًا جامعًا شَمْلِي بهم … ذاك عيدي ليس لي عيد سِوَاه قوله: "ولَخُلُوفُ فمِ الصَّائم أطيبُ عند الله من ريح المِسْكِ"، خُلُوفُ الفم: رائحةُ ما يتصاعَدُ منه من الأبخرة؛ لخلوِّ المعِدَة من الطعامِ بالصِّيام. وهي رائحة مستكرهةٌ في مشام النَّاس في الدُّنيا، لكنَّها طيِّبَةٌ عِندَ الله حيثُ كانت ناشئةً عن طاعته، وابتغاءِ مرضاته. كما أن دَمَ الشهيد يجيء يومَ القيامة يَثْعَبُ (٢) دمًا، لونُه لونُ الدَّم، وريحُه ريحُ المِسْكِ. وبهذا استدلَّ من كرِه السِّواكَ للصَّائم، أو لم يستحبه من العلماء. وأوَّلُ مَن عَلِمناه استَدَلَّ بذلك عطاءُ بنُ أبي رَباح. ورُوي عن أبي هريرة أنَّه استدَلَّ به، لكن من وَجْهٍ لا يثبت. وفي المسألة خلاف (٣) مشهور بين العلماء. وإنَّما كَرِهَهُ مَن كرِهَهُ في آخرِ نهارِ الصَّوْم؛ لأنَّه وقتُ خُلُوِّ المعدةِ وتصاعُدِ الأبخرة. وهَلْ يدخُلُ وقتُ الكراهةِ بصلاة العصر، أو بزوال الشمس، أو بفعلِ صلاة الظهر في أوَّل وقتِها، على أقوال ثلاثةٍ، والثالثُ هو المنصوص عن أحمدَ. وفي طيب ريح خُلُوفِ الصَّائم عندَ الله معنيان: أحدُهما: أن الصِّيام لمَّا كان سِرًّا بين العبد وَرَبِّه في الدنيا، أظهرَهُ الله في الآخرة علانيةً للخَلْقِ؛ ليشتهر بذلك أهلُ الصِّيام، ويُعرفون بصيامهم بين الناس جزاءً لإخفائهم صِيَامَهُم في الدُّنيا. وروى أبو الشيخ الأصبهانيُّ بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن أنس مرفوعًا: "يخرُجُ الصَّائمونَ مِن قُبُورهم يُعْرَفون بريحِ أَفْوَاهِهِمْ، أفواهُهُم أَطْيَبُ من ريح المِسْكِ" (٤).

стр. 294

قال مكحولٌ: يروحُ أهلُ الجنَّة برائحةٍ، فيقولون: رَبَّنا، ما وجدْنا ريحًا منذُ دخلنا الجنَّة أطيبَ من هذه الريح. فيقال: هذه رائحةُ أفواه الصُّوَّام. وقد تفوح رائحة الصيام في الدنيا وتستنشق (١) قبل الآخرة، وهو نوعان: أحدهما: ما يدركُ بالحواس الظاهِرَةِ. كان عبدُ الله بن غالب من العُبَّاد المجتهدين في الصَّلاة والصِّيام، فلمَّا دُفِنَ كان يفوح من تراب قبره رائحةُ المِسْكِ، فرؤي في المنام، فسُئل عن تلك الرائحة التي توجَدُ من قبره، فقال: تلك رائحةُ التِّلاوةِ والظمإِ (٢). والنوع الثاني: ما تَستنشِقه الأرواحُ والقلوبُ، فيوجِبُ ذلك للصَّائمين المخلصين المودَّةَ والمحبَّةَ في قلوب المؤمنين. وفي حديثِ الحارث الأشْعَريِّ، عن النَّبي ﷺ : "أن زكريَّا ﵇ قال لبني اسرائيلَ: آمُرُكُم بالصِّيام، فإنَّ مَثَلَ ذلك كَمَثَلِ رَجُلٍ في عصابةٍ، معه صُرَّةٌ فيها مِسْكٌ، فكلُّهم يُعجبه ريحُه، وإنَّ رِيحَ الصائم (٣) أطيبُ عندَ الله من ريح المسك". خرَّجه الترمذي (٤) وغيرُه.

стр. 295

لمَّا كان معاملة المخلصين بصيامهم لمولاهم سِرًّا بينه وبينَهُم، أظهَرَ اللهُ سِرَّهم لعباده فصار علانيةً، فصار هذا التجلِّي والإظهار جزاءً لذلك الصَّوْنِ والإِسْرارِ. في الحديث: "ما أسَرَّ أحَدٌ سَرِيرةً إلَّا أَلْبَسَهُ الله رِداءَها عَلَانيةً" (١). قال يوسُف بن أَسْبَاطٍ (٢): أوحَى الله تعالى إلى نبيٍّ من الأنبياء: قُلْ لقومِك يُخفون لي أعمالهم، وعليّ إظهارُها (٣) لهم. تذلُّلُ أربابِ الهوَى في الهوى عِزُّ … وفَقْرُهُمُ نَحْوَ الحبيبِ هُوَ الكَنْزُ وسَتْرُهُمُ فَيه السَّرائرَ شُهرةٌ … وغيرُ تلافِ النَّفسِ فيه هُو العَجْزُ والمعنى الثاني: أن مَن عَبَدَ الله وأطاعَهُ، وطلَبَ رضَاهُ في الدنيا بعَمَل، فنشَأَ مِن عمله آثارٌ مكروهةٌ للنفوس في الدنيا، فإنَّ تلك الآثار غيرُ مكروهةٍ عندَ اللهِ، بل هي محبوبةٌ له وَطَيِّبَةٌ عندَه؛ لكونِها نشأتْ عن طاعته واتباعِ (٤) مَرضاته. فإخبارُهُ بذلك للعاملين في الدُّنيا فيه تطييبٌ لقلوبهم؛ لئلَّا يكرَه منهم ما وُجِدَ في الدنيا. قال بعضُ السَّلَف: وَعَدَ الله موسى ثلاثين ليلة (٥) أن يكلِّمه على رأسِها؛ فصام ثلاثين يومًا، ثم وَجَدَ مِن فِيه خُلُوفًا، فَكَرِهَ أن يناجِيَ رَبَّه على تلك الحالِ، فأَخَذَ سِواكًا فاسْتاكَ به، فلمَّا أتَى لموعِدِ اللهِ إيَّاهُ، قال له: يا موسى، أَمَا علمتَ أن خُلُوفَ فمِ الصَّائمِ أطيبُ عندنا مِن ريح المِسْكِ، ارْجِع فصُمْ عَشَرَةً أخرى. ولهذا المعنى كان دَمُ الشَّهيد ريحُهُ يومَ القيامة كريحِ المِسْكِ، وغُبَارُ المجاهدين في سبيلِ الله (٦) ذَرِيرةُ أهل الجنَّة. ورد في ذلك حديثٌ مرسَلٌ. كُلُّ شيءٍ ناقِصٌ في عُرْفِ الناسِ في الدُّنيا؛

стр. 296

حتَّى (١) إذا انتسَبَ إلى طاعته ورِضَاهُ فهو الكامِلُ في الحقيقة. خُلُوفُ أفواهِ الصائمين له أطيبُ مِن ريحِ المِسْك. عُرْيُ المحرِمِينَ لزيارة بيتِهِ أجمَلُ مِن لباسِ الحُلَل. نَوْحُ المُذنبينَ على أنفسهم من خشيتِه أفضَلُ من التسبيح. انكسارُ المخبتين (٢) لعظمتِهِ هو الجبْر. ذُلُّ الخائفين من سطوته هو العِزُّ. تهتُّكُ المحبِّينَ في محبَّته أحسنُ من السَّتْرِ. بَذْلُ النُّفوسِ للقتل في سبيله هو الحياة. جُوعُ الصَّائمين لأجله هو الشِّبْع، عَطَشُهم في طلب مرضاتِهِ هو الرِّيُّ. نَصَبُ المجتهدين (٣) في خدمته هو الرَّاحة. ذُلُّ الفَتَى في الحُبِّ مَكْرُمَةٌ … وخُضُوعُهُ لحبِيبِهِ شرَفُ هَبَّت اليومَ على القلوب نفحةٌ بن نَفَحَات نسيم القُرْب. سَعَى سِمْسَارُ المواعظِ للمهجورين في الصلح. وَصَلَت البِشارةُ للمنقطعين بالوصل، وللمذنبين بالعَفْو، وللمستوجبين النارَ بالعتق. لمَّا سُلْسِلَ الشَّيْطانُ في شهر رمضانَ، وخمَدَتْ نيرانُ الشَّهواتِ بالصِّيام، انعزَلَ سلطانُ الهَوَى، وصارت الدولةُ لحاكِم العَقْل بالعَدْل؛ فلم يبقَ للعاصي عُذْرٌ. يا غُيومَ الغفلةِ عن القلوب تقشَّعِي. يا شُموسَ التقوَى والإِيمانِ اطلعي. يا صحائفَ أعمال الصَّالحين (٤) ارتفعي. يا قلوبَ الصَّائمين اخشَعي. يا أقدامَ المجتهدين اسجدي لربِّك واركعِي. يا عيونَ المتهجدين لا تهجعي. يا ذنوبَ التائبين لا ترجِعي. يا أرضَ الهَوَى ابلعِي ماءك. ويا سَماءَ النُّفوسِ أَقْلِعي. يا بروقَ الأَشواق للعشاق المعِي. يا خواطرَ العارفين ارتعي. يا هِمَمَ المحبِّين بغير الله لا تقنعي. يا جُنَيْدُ (٥) اطْرَبْ. يا شِبْلِيُّ (٦)

стр. 297

احْضُرْ. يا رابعَةُ (١) اسْمَعِي، قد مُدَّتْ في هذه الأيام موائدُ الإِنعام للصُّوَّام، فما مِنكم إلَّا مَنْ دُعِي. ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (٢). ويا هِمَمَ المؤمنَين أسرِعي، فطوَبَى لمن أجابَ فأصاب، وويلٌ لمن طُرِدَ عن الباب وما دُعِي. [سألتكِ يا بانَةَ الأجرعي … متى رفع (٣) الحيُّ من لَعْلَعي (٤) وهل مَرَّ قلبي مع الظَّاعنين … أم خار ضُعفًا فلم يتبعي رَحَلْنا ووافَقَنا الصَّادقون … ولم يتخلَّفْ سِوى مُدَّعِي] (٥) ليتَ شِعْري إن جئتُهم يقبلُوني … أم تُراهُمْ عن بابهم يصرفوني أم تُراني إِذا وقفْتُ لديهِم … يأذنوا بالدُّخول أم يَطرُدُوني * * * المجلس الثاني في فضل الجود في رمضان وتلاوة القرآن في "الصحيحين" (٦) عن ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: "كان النَّبيُّ ﷺ أجوَدَ النَّاسِ، وكان أجوَدَ ما يكونُ في رَمَضَان حين يلقاهُ جِبريلُ فيدارِسُهُ القرآنَ، وكان جِبريلُ يلقاهُ في كُلِّ ليلةٍ من رَمَضَانَ (٧) فيدارِسُهُ القرآن؛ فلَرَسُولُ الله ﷺ حين يلقاهُ جبريلُ أجوَدُ بالخَيْرِ من الرِّيح المُرْسَلَة". وخرَّجه الإِمام أحمدُ بزيادةٍ في آخره، وهي: "لا يُسألُ عن شيء إلا أعطاه". الجُودُ هو سَعَةُ العَطَاءِ وكثرتُهُ، والله تعالى يُوصَفُ بالجود.

стр. 298

وفي الترمذي (١) من حديث سَعْد بن أبي وَقاص، عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ الله جَوَادٌ يُحِبُّ الجُودَ، كريمٌ يُحبُّ الكَرَمَ". وفيه أيضًا: من حديث أبي ذَرٍّ ﵁، عن النبي ﷺ ، عن رَبِّه، قال: " [يقول اللهُ تعالى:] يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم، وحيِّكم وميِّتكم، ورَطْبَكم ويابسَكُم اجتَمَعُوا في صعيدٍ واحدٍ، فسأل كُلُّ إنسان منكم، ما بَلَغَتْ أمنيَّتَهُ، فأَعْطيْتُ كُلَّ سائل (٢) منكم، ما نَقصَ ذلك مِن مُلْكِي إلَّا كما لو أن أَحَدَكُم مَرَّ بالبحر، فغَمَسَ فيه إبرَةً ثم رفَعَها إِليه؛ ذلك بأنِّي جَوادٌ واجدٌ ماجِدٌ، أفعَلُ ما أريدُ، عَطَائي كلامٌ، وعذابي كلام، إنَّما أمري لشيءٍ إذا أردْتُ أن أقولَ له: كُنْ فيكون" (٣). وفي الأثر المشهور عن فُضَيل بن عياض: إن الله تعالى يقولُ كُلَّ ليلةٍ: أنا الجوادُ ومنِّي الجُودُ، أنا الكريم ومنِّي الكَرَمُ. فالله أجودُ الأجودين، وجُودُهُ يتضاعَفُ في أوقاتٍ خاصَّةٍ، كشهرِ رمضانَ، وفيه أُنزِل قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٤). وفي الحديث الذي خرّجه الترمذيُّ (٥) وغيرُه "أنَّه يُنادِي فيه منادٍ: يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِي الشَّرِّ أَقْصِرْ، ولله عُتَقاءُ من النَّار، وذلك كُلَّ ليلةٍ". ولمَّا كان الله قد جَبَلَ نبيَّه ﷺ على أكمل الأخلاق وأشرفها، كما في حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّما بُعِثْتُ لأتمِّم مكارِمَ الأخلاق" (٦). وذكره

стр. 299

مالك في الموطأ (١) بلاغًا. فكان رسول الله ﷺ أجودَ الناسِ كُلِّهم. وخرَّجَ ابنُ عدي (٢) بإسنادٍ فيه ضَعفٌ من حديث أنسٍ مرفوعًا: "ألا أخبِرُكُم بالأَجْوَدِ الأجْوَدِ؟ اللهُ الأجْوَدُ الأجْوَدُ، وأنا أَجْوَدُ بني آدَمَ، وأجودُهم من بعدي رجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فنشَرَ عِلْمَه، يُبْعَثُ يومَ القيامةِ أمَّةً وحدَهُ، ورجلٌ جَادَ بنفسِهِ في سبيل الله". فدَلَّ هذا على أنَّه ﷺ أجْوَدُ بني آدمَ على الإِطلاق، كما أنه أفضلُهم وأعلَمُهم وأشجعُهم وأكملُهم في جميع الأوصافِ الحميدة. وكان جودُهُ بجميع أنواعِ الجُودِ، مِن بذْلِ العِلْم والمالِ، وبذْلِ نفسِه لله تعالى في إظهار دينه وهِداية عِبَاده، وإيصال النفع إليهم بكُلِّ طريقٍ؛ من إطعام جائعهم، ووعظ جاهِلِهم، وقضاءِ حوائجهم، وتحمُّلِ أثقالهم. ولم يزَلْ ﷺ على هذه الخِصال الحميدة منذ نَشَأ، ولهذا قالت له خديجةُ في أوَّل مبعثِه: واللهِ، لا يُخزيك اللهُ أبدًا، إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتحمِلُ الكَلَّ (٣)، وتَكِسِبُ المعدومَ، وتُعينُ على نوائبِ الحَقِّ (٤). ثم تزايدَتْ هذه الخصال فيه بَعْدَ البعثةِ وتضاعَفَتْ أضعافًا كثيرةً.

стр. 300

وفي "الصحيحين" (١) عن أنس، قال: "كان رسولُ الله ﷺ أحسَنَ النَّاسِ، وأَشْجَعَ النَّاسِ، وأجْوَدَ الناس". وفي "صحيح مسلم" (٢) عنه، قال: "ما سُئِلَ رسُولُ اللهِ ﷺ على الإسلام شيئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، فجاءَهُ رَجُلٌ فأعطاه غَنَمًا بين جَبَلين، فرجَعَ إلى قَوْمِهِ، فقال: يا قومِ، أسْلِموا؛ فإنَّ محمَّدًا يُعطِي عَطَاءَ مَنْ لا يَخْشَى الفَاقَةَ". وفي رواية له: إن رجلًا سأَلَ النبي ﷺ غَنَمًا بين جَبَلين، فأعطاه إياهُ، فأتى قومَه، فقال: ياقوم، أسْلِمُوا؛ فإنَّ محمدًا يُعطِي عطاءً ما يخافُ الفَقْرَ. قال أنس: إن كان الرجل لَيُسْلِمُ ما يريد إلَّا الدنيا، فما يُمسِي (٣) حتى يكونَ الإِسلامُ أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها. وفيه (٤) أيضًا: عن صَفْوانَ بن أميَّة، قال: لقد أعطاني رسولُ الله ﷺ ما أعطاني، وإنَّه لمِنْ أبغَضِ النَّاسِ إليَّ، فما بَرِحَ يُعطيني حتَّى إنَّه لأحَبُّ النَّاسِ إليَّ. قال ابنُ شهاب (٥): أعطاه يومَ حنينٍ مائةً مِن النعم، ثم مائةً، ثم مائةً. وفي مغازي الواقِدي (٦) أن النبي ﷺ أعطَى صفوانَ بن أميَّة يومئذ واديًا مملوءًا إبلًا ونَعَمًا، فقال صفوان: أشهدُ ما طابَتْ بهذا إلَّا نفسُ نَبيٍّ. وفي "الصحيحين" (٧) عن جُبَيْر بن مُطْعِمٍ: أن الأعراب عَلِقُوا بالنبيِّ ﷺ مَرْجِعَهُ من حُنينٍ

стр. 301

يَسألونَه أن يَقْسِم بَينهم، فقال: "لو كان لي عَدَدُ هذه العِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بينَكم، ثم لا تجِدُوني بَخيلًا، ولا كَذُوبًا، ولا جَبَانًا". وفيهما (١) عن جابرٍ، قال: "ما سُئلَ رَسُولُ الله ﷺ شيئًا فقال: لا"، وأنه قال لجابرٍ: لو جاءنا مالُ البَحْرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، وقال بيديه: جميعًا. وخرَّج البخاري (٢) من حديث سَهْل بن سَعْدٍ: أن شَمْلةً أُهْدِيَتْ للنبيّ ﷺ فلَبِسَها وهو محتاجٌ إليها، فسأله إيَّاها رَجُلٌ فأعطاهُ، فلامه النَّاسُ، وقالوا: كان مُحتاجًا إليها، وقد عَلِمْتَ أنه لا يَرُدُّ سائلًا، فقال: إنما سألتُها لتكونَ كَفَني، فكانَتْ كفَنَه. وكان جودُه ﷺ كُلُّهُ لله ، وفي ابتغاء مرضاته، فإنَّه كان يبذُلُ المالَ: إمَّا لفقير، أو محتاجٍ، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألَّف به على الإسلام من يَقْوَى الإِسلامُ بإسلامه. وكان يؤثر على نفسه وأهلِه وأولادِهِ، فيعطي عطاءً يعجِزُ عنه الملوكُ مثل كسرى وقيصر، ويعيشُ في نفسه عيشَ الفقراءِ، فيأتي عليه الشهرُ والشهران لا يوقَدُ في بيته نارٌ، وربما رَبَطَ على بطنه الحجَرَ من الجُوع. وكان قد أتاه ﷺ سبيٌ مرَّةً، فشكت إليه فاطمَةُ ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خَادمًا يكفيها مؤونَةَ بيتِها، فأمَرَها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال: "لا أعطيك وأدَع أهلَ الصُّفَّةِ تُطْوَى بطونُهم من الجوع" (٣). وكان جودُه ﷺ يتضاعَفُ في شهر رمضان على غيره من

стр. 302

الشهور، كما أنَّ جُودَ رَبِّه يتضاعَفُ فيه أيضًا، فإِنَّ الله جَبَلَه على ما يُحبُّه مِن الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك من قبل البعثة. ذكر (١) ابنُ إسحاقَ عن وَهْب بن كَيْسان (٢)، عن عُبَيد بن عُمَير، قال: كان رسول الله ﷺ يُجاوِرُ في حِرَاءَ من كُلِّ سنةٍ شهرًا، يُطْعِم مَنْ جاءهُ مِن المساكين، حتى إذا كان الشهرُ الذي أراد اللهُ به ما أراد مِن كرامته، من السَّنةِ التي بعثه الله فيها، وذلك الشهر شهرُ رمضانَ، خَرَجَ إلى حِرَاءَ كما كان يخرج لجوارِه مَعَهُ أهلُهُ، حتَّى إذا كانت اللَّيلةُ التي أكرمَهُ الله تعالى برسالته، ورَحِمَ العِبَادَ بها، جاءَهُ جبريلُ من (٣) الله . ثم كان بعدَ الرسالة جودُه في رمضانَ أضعافَ ما كان قبلَ ذلك؛ فإنه كان يلتقي هو وجبريلُ ﵇، وهو أفضَلُ الملائكة وأكرمُهم، ويدارسُه الكتابَ الذي جاء به إليه، وهو أشرفُ الكتُبِ وأفضلُها، وهو يَحُثُّ على الإحسان ومكارم الأخلاق. وقد كان رسول الله ﷺ هذا الكتابُ له خُلُقًا بحيثُ يرضَى لرضاه، ويسخَطُ لسخطِهِ، ويسارع إلى ما حثَّ عليه، ويمتنع ممَّا زجر عنه؛ فلهذا كان يتضاعَفُ جودُه وإفضالُه في هذا الشهر؛ لِقُرْب عهدِه بمخالطةِ جبريلَ ﵇، وكثرةِ مدارسته له هذا الكتابَ الكريمَ، الذي يحُثُّ على المكارم والجُود. ولا شكَّ أن المخالطة تؤثِّر وتورِثُ أخلاقًا من المخالط (٤). كان بعضُ الشعراء قد امتدح ملِكًا جَوادًا، فأعطاه جائزةً سنيةً، فخرج بها من عنده وفرَّقها كلَّها على الناس، وأنشد (٥): لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّه أبتَغِي الغنى … ولم أَدْرِ أن الجُودَ مِن كَفِّه يُعْدِي فبلغ ذلك الملكَ فأضعفَ له الجائزة. وقد قال بعضُ الشعراء يمتدح بعضَ

стр. 303

الأجواد ولا يصلح أن يكون ذلك إلَّا لرسول الله ﷺ (١): تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حتَّى لَوَ أنَّه … ثَنَاها لِقَبْضٍ لم تُجِبْهُ أنامِلُه ترَاهُ إذا ما جِئْتَهُ متهلِّلًا … كأنَّك تعطِيه الذي أنتَ سائِلُه هُوَ البَحْرُ مِن أيِّ النَّواحِي أتيْتَهُ … فَلُجَّتُه المعروفُ والجُودُ ساحِلُه ولو لم يكُن في كَفِّه غيرُ رُوحِه … لجادَ بها فَلْيَتَّقِ الله سائِلُه سمعَ الشِّبْلِيُّ قائلًا يقولُ: يا الله! يا جوادُ! فتأوَّه وصَاحَ، وقال: كيفَ يمكنني أن أصفَ الحقِّ بالجودِ ومخلوق يقولُ في شكله، فذكر هذه الأبيات، ثم بكى، وقال: بلى يا جوادُ؛ فإنَّك أوجدْتَ تلك الجوارِحَ، وبسَطْتَ تلك الهمم، فأنتَ الجوادُ كُلَّ الجوادِ؛ فإنهم يُعطونَ عن محدودٍ وعطاؤكَ لا حدَّ له ولا صِفة، فيا جوادًا يعلو كُلَّ جوادٍ، وبه جادَ كُلُّ مَن جاد. وفي تضاعُفِ جُودِهِ ﷺ في شهر رمضان بخصوصِه فوائدُ كثيرة؛ منها: شرفُ الزمان، ومضاعفَةُ أجرِ العمَلِ فيه. وفي الترمذي (٢) عن أنس مرفوعًا: "أفضَلُ الصَّدَقَةِ صَدَقَةٌ في رمضان". ومنها: إعانة الصَّائمين والقائمين والذَّاكرين على طاعاتهم، فيستوجب المعين لهم مثلَ أجرِهم، كما أن مَنْ جهَّزَ غازيًا فقد غَزَا، ومَن خَلَفَهُ في أهله فقد غزا. وفي حديث زيد بن خالد عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ فَطَّرَ صائمًا فلهُ مِثْلُ أجْرِه،

стр. 304

من غيرِ أن يَنْقُصَ مِن أجرِ الصَّائم شيءٌ". خرَّجه الإِمام أحمد (١)، والنسائيُّ، والترمذيّ، وابن ماجه. وخرَّجه الطبراني (٢) من حديث عائشةَ، وزاد: "وما عَمِلَ الصائمُ مِن أعمال البِرِّ إلَّا كان [أجره] لصاحِبِ الطعام ما دام قُوة الطعام فيه". وخرَّج ابنُ خزيمة في "صحيحه" (٣) من حديث سَلْمانَ مرفوعًا حديثًا في فضل شهر رمضان، وفيه: "وهو شهرُ المواساةِ، وشَهرٌ يُزَادُ فيه في رِزْقِ المؤمنِ؛ مَنْ فَطَّرَ فيه صائمًا كان مَغْفِرةً لذنوبه، وعَتَقَ رقبتَه من النَّار، وكان له مِثْل أَجْره من غير أن يَنْقُصَ من أجره شيء". قالوا: يا رسولَ الله! ليس كلُّنا يَجِدُ ما يُفَطِّر الصَّائمَ. قال: "يُعطِي الله هذا الثَّوابَ لمن فطَّر صائمًا على مَذْقَةِ لبنٍ، أَو تمرةٍ، أو شربةِ ماءٍ. ومَن أشبَعَ فيه صائمًا سقاهُ اللهُ من حَوْضِي شَرْبَةً لا يَظْمَأُ بَعْدَها (٤) حتى يدخُلَ الجنَّةَ". ومنها: أنَّ شهرَ رمضانَ شهرٌ يجودُ الله فيه على عبادِه بالرَّحمة والمغفرة والعتْقِ من النار، لا سيما في ليلة القَدْرِ. والله تعالى يرحَمُ من عبادِه الرُّحَماءَ، كما قال ﷺ : "إنَّما يرحَمُ اللهُ مِن عبادِه الرُّحَماء" (٥). فَمَن جاد على عبادِ الله جادَ اللهُ عليه بالعطاءِ والفضلِ؛ والجزاءُ مِن جنسِ العمَلَ. ومنها: أنَّ الجمع بين الصِّيام والصَّدقةِ من موجباتِ الجنَّةِ، كما في حديثِ عليٍّ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ في الجنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظُهُورُها من بُطونِها،

стр. 305

وبطونُها من ظهورها". قالوا: لمن هي يا رسولَ الله؟ قال: "لمن طيَّب الكلامَ، وأطعَمَ الطَّعامَ، وأدامَ الصِّيام، وصلَّى بالليل والنَّاس نيام" (١). وهذه الخصال كلُّها تكون في رمضانَ، فيجتمع فيه للمؤمن الصِّيامُ، والقيامُ؛ والصَّدَقةُ، وطيبُ الكلام؛ فإنَّه يُنهى فيه الصَّائمُ عن اللَّغْو والرَّفَثِ. والصِّيامُ والصَّلاةُ والصَّدقةُ تُوصل صاحبَها إلى الله ؛ قال بعضُ السَّلف: الصَّلاةُ توصِلُ صاحبَها إلى نصْفِ الطريق، والصِّيامُ يوصِلُه إلى باب الملِكِ، والصَّدقَةُ تأخذُ بيدِه فتدخِلُه على الملِكِ. وفي صحيح مسلم (٢) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "من أصبَحَ منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: مَن تَبِعَ منكُمُ اليومَ جَنازَةً؟ قال أبو بكر: أنا، [قال: فمن أطعم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا،] (٣)، قال: مَن تصدَّق بصدقةٍ؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم مَريضًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: ما اجْتَمَعْنَ في امرئ إلَّا دخَلَ الجنَّة". ومنها: أنَّ الجمعَ بين الصِّيام والصَّدقة أبلغُ في تكفير الخطايا واتقاءِ جهنَّم والمباعدة عنها، وخُصُوصًا إن ضمَّ إلى ذلك قيام الليل. فقد ثَبَتَ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "الصِّيامُ جُنَّةٌ" (٤). وفي رواية: "جُنَّةُ أحدِكم مِن النَّار كَجُنَّتِهِ مِنَ القِتال" (٥).

стр. 306

وفي حديث معاذ عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الصَّدَقَةُ تُطفِئُ الخطِيئةَ كما يُطفِئُ الماءُ النَّارَ. وقيامُ الرَّجُلِ من جَوْف الليل" (١)، يعني أنه يطفئ الخطيئة أيضًا. وقد صرَّح بذلك في رواية الإِمام أحمد. وفي الحديث الصحيح (٢) عنه ﷺ أنَّه قال: "اتَّقوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تَمْرَةٍ". كان أبو الدَّرداءِ يقولُ: صَلُّوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور. صُوموا يومًا شديدًا حرُّه لحرِّ يومِ النشور، تصدَّقُوا بصَدَقةٍ لشرِّ يوم عسير. ومنها: أنَّ الصِّيام لا بدَّ أن يقَعَ فيه خلَلٌ ونَقْصٌ؛ وتكفير الصِّيام للذنوب مشروطٌ بالتحفُّظ ممَّا ينبغي التحفُّظُ منه؛ كما ورد ذلك في حديثٍ خرجه ابنُ حِبَّان في صحيحه. وعامَّة صيام النَّاسِ لا يجتمعُ في صومه التحفُّظ كما ينبغي، ولهذا نُهي أن يقولَ الرجلُ: صُمْتُ رمضانَ كُلَّه، أو قمتُه كلَّه. فالصَّدَقَةُ تجبرُ ما فيه من النَّقص والخلل، ولهذا وجَبَ في آخر شهر رمضانَ زكاة الفِطْرِ طهرةً للصَّائم من اللغو والرَّفَثِ. والصِّيامُ والصَّدقةُ لهما مدخلٌ (٣) في كفَّارات الأيمان، ومحظوراتِ الإِحرام، وكفَّارَةِ الوطءِ في رمضان. ولهذا كان الله تعالى قد خيرُ المسلمين في ابتداء الأمر بين الصِّيامِ وإطعامِ المسكين، ثم نُسِخَ ذلك، وبقي الإِطعامُ لمن يعجز عن الصِّيام؛ لكبره. ومَن أخَّرَ قضاءَ رمضانَ حتى أدركَهُ رمضانٌ آخَرُ، فإنَّه يقضيه ويضمّ إليه إطعامَ مسكينٍ لكل يومٍ، تقويةً له عند أكثر العلماءِ، كما أفتى به الصَّحابة. وكذلك مَن أفطر لأجل غيره، كالحاملِ والمرضعِ؛ على قول طائفة من العلماء. ومنها: أنَّ الصَّائم يَدَعُ طعامَه وشرابَه لله، فإذا أعان الصَّائمين على التقوِّى على

стр. 307

طعامهم وشرابهم كان بمنزلة مَن ترَكَ شهوة (١) لله، وآثر بها، أو واسَى منها (٢). ولهذا يُشْرَع له تفطيرُ الصُّوَّام معَهُ إذا أفطَرَ؛ لأنَّ الطَّعام يكون محبوبًا له حينئذ، فيواسى منه، حتى يكونَ ممن أطعَمَ الطَّعام على حبِّه، ويكون في ذلك شكر لله على نعمةِ إباحة الطَّعامِ والشَّرَاب له، وَرَدِّه عليه بَعْدَ منعه إيَّاهُ؛ فإنَّ هذه النِّعمةَ إنما عُرفَ قدرُها عند المَنْعِ منها. وسئل بعضُ السَّلف: لم شُرِعَ الصِّيام؟ قال: ليذوقَ الغنيُّ طعمَ الجُوع فلا ينسى الجائعَ. وهذا من بعض حِكَم الصوم وفوائده. وقد ذكرنا فيما تقدَّم حديثَ سلمان [المرفوع] (٣)، وفيه: "وهو شهرُ المواسَاةِ" فمن لم يقدر فيه على درجة الإِيثار على نفسِه فلا يعجِز عن درجة أهل المواساة. كان كثير من السَّلفِ يواسون من إفطارهم أو يؤثرون به وَيَطوون (٤)، وكان ابنُ عُمَرَ يصومُ، ولا يُفطِرُ إلَّا مع المساكين، فإذا منعهم (٥) أهله عنه، لم يتعشَّ تلك الليلة. وكان إذا جاءه سائلٌ وهو على طعامِه، أخَذَ نصيبَه من الطعام وقام، فأعطاهُ السائلَ، فيرجع وقد أكل أهلُه ما بقي في الجَفْنَة، فيصبح صائمًا ولم يأكُلْ شيئًا. واشتهى بعضُ الصالحين من السَّلف طعامًا، وكان صائمًا، فوُضِعَ بين يديه عند فُطُوره (٦)، فسَمعَ سائلًا يقولُ: من يُقرِض الملِيَّ الوفِيَّ الغنِي (٧)؟ فقال: عبدُهُ المُعْدَمُ من الحسنات. فقام فأخذ الصَّحْفَةَ فخرج بها إليه، وبات طاويًا. وجاء سائل إلى الإمام أحمدَ، فدفع إليه رغيفين كان يُعِدُّهما لفطرِه، ثم طوَى وأصبَحَ صائمًا. وكان الحسَنُ (٨) يُطعِمُ إخوانَه وهو صائمٌ تطوُّعًا، ويجلس يُروِّحُهُم وهم يأكلون. وكان ابنُ المبارك يُطعمُ إخوانه في السَّفَر الألوان من الحَلواء وغيرها وهو صائم. سلامُ الله على تلك الأرواح. رحمةُ اللهِ على تلك الأشباح؛ لم يَبْقَ منهم إلَّا أخبارٌ وآثار. كم بين من يمنَعُ الحقَّ الواجبَ عليه وبينَ أهلِ الإِيثار. لا تعرضَنَّ لذكرنا في ذكرِهم … ليسَ الصَّحيحُ إذا مشَى كالمُقْعَدِ

стр. 308

وله فوائد أخر: قال الشافعي ﵁: أُحِبُّ للرجُل الزِّيادَةَ بالجُودِ في شهر رمضانَ اقتداءً برسولِ الله ﷺ ، ولحاجةِ الناسِ فيه إلى مصالِحِهم، ولتشاغُلِ كثيرٍ منهم بالصَّوْم والصَّلاة عن مكاسِبهم. وكذا قال القاضي أبو يَعلى وغيرُه من أصحابنا أيضًا. ودَلَّ الحديثُ أيضًا على استحباب دراسةِ القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعَرْضِ القرآن على مَن هُوَ أحفظُ له (١). وفيه دليل على اسْتِحْباب الإِكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان. وفي حديث فاطمة ﵍ عن أبيها ﷺ "أنَّه أخبرَها: أن جبريلَ [﵇] (٢) كان يعارِضُه القرآن كُلَّ عامٍ مَرَّةً، وأنه عارضَه في عام وفاتِه مَرَّتين" (٣). وفي حديث ابن عباس (٤): "أن المدارسة بينَهُ وبينَ جبريلَ كانت ليلًا"، فدَلَّ على استحباب الإِكثار من التِّلاوة في رمضانَ ليلًا؛ فإنَّ الليل تنقطِعُ فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم (٥)، ويتواطأ فيه القلبُ واللِّسانُ على التدبُّر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (٦). وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٧). وقد قال ابن عباس ﵄: إنَّه أُنزل جملةً واحدَةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزَّة في ليلة القدر. ويشهدُ لذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٨)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٩).

стр. 309

وقد سبق عن عبيد بن عمير أنَّ النبيَّ ﷺ بُدئ بالوحي ونزولِ القرآن عليه في شهر رمضان. وفي "المسند" (١) عن واثلةَ بن الأسقعِ، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "نَزَلَتْ صُحُفُ إبراهِيمَ في أوَّل ليلةٍ مِن شَهْرِ رَمَضَانَ، وأُنزِلَتْ التَّوراةُ لستٍّ مَضَيْنَ مِن رَمَضَان، وأُنزِلَ الإِنجيلُ لثلاثَ عشرةَ من رَمَضَانَ، وأُنزِلَ القرآن (٢) لأربعٍ وعشرين خلَتْ مِن رمضانَ". وقد كان النبي ﷺ يطيل القراءة في قيام رمضانَ بالليل أكثرَ من غيره، وقد صلًى معه حُذَيْفَةُ ليلةً في رَمَضانَ، قال: فقرأ بالبقرة، ثم النِّساء، ثم آلِ عمران، لا يَمُرُّ بآيةِ تخويفٍ إلَّا وقف وسأل. قال: فما صلَّى الرَّكْعَتَيْن (٣) حتى جاءه بلالٌ قآذنه بالصَّلاة. خرَّجه الإِمام أحمد (٤)، وخرَّجه النسائي، وعنده: أنه ما صلَّى إلا أربعَ رَكعَاتٍ. وكان عُمَرُ قد أمر أُبيَّ بن كعبٍ وتميمًا الدارِيَّ أن يَقوما بالنَّاس في شهر رمضانَ، فكان القارئُ يقرأُ بالمائتين في ركعةٍ، حتى كانوا يعتمدون على العِصِيِّ من طُول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر. وفي روايةٍ: أنَّهم كانوا يربطون الحبال بين السَّواري، ثم يتعلَّقون بها. ورُوي أن عُمَرَ جَمَعَ ثلاثةَ قُرَّاء، فأمر أسْرَعَهُم قِراءةً أن يقرأَ بالنَّاس ثلاثين، وأوسطَهُم بخمسٍ وعشرين، وأبطأهم بعشرين. ثم كان في زمن التابعين يقرؤون بالبقَرة في قيامِ رمضان في ثمان ركعاتٍ، فإنْ قرأ بها في اثنتي عشرةَ ركعةً رأوْا أنَّه قد خَفَّفَ. قال ابنُ منصور: سُئلَ إسحاق (٥) بن رَاهَوَيْه: كم يُقرأ في قيام شهر رمضانَ؟ فلم يرخِّصْ في دون عشر آياتٍ. فقيل له: إنهم لا يرضون. فقال لا رَضُوا، فلا تؤمَّهم (٦) إذا لم يَرْضوا بعشر آيات من البقرة، ثم إذا صرْتَ إلى الآيات الخِفاف فبقدر عشر آياتٍ من البقرة، يعني في كُلِّ ركعةٍ. وكذلك كرِه مالكٌ أن يُقْرأَ دون عشر آياتٍ.

стр. 310

وسئل الإمام أحمد عمَّا روي عن عُمَرَ كما تقدَّمَ ذِكرُه في السَّريعِ القراءةِ والبطيء؟ فقال: في هذا مشقة على الناس ولا سيّما في هذه الليالي القصار. وإنَّما الأمر على ما يحتمله الناس. وقال أحمد لبعض أصحابه، وكان يصلِّي بهم في رمضان: هؤلاءِ قومٌ ضَعْفى (١)، اِقْرَأْ خَمْسًا، ستًا، سبعًا. قال: فقرأت فختمْتُ ليلةَ سبعٍ وعشرين. وقد رُوي عن الحسن: أن الذي أمرَهُ عُمَرُ أن يُصلِّيَ بالناس كان يقرأ خمْسَ آيات، ستَّ آياتٍ. وكلامُ الإِمام أحمدَ يدلّ على أنه يُراعَى في القراءة حالُ المأمومين، فلا يشقُّ عليهم. وقاله أيضًا غيرُه من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفَةَ وغيرِهم. وقد رُوِي عن أبي ذَرٍّ "أن النبيَّ ﷺ قام بهم لَيْلَةَ ثلاثٍ وعشرين إلى ثُلُثِ الليل، وليلةَ خمسٍ وعشرين إلى نِصْفِ الليل. فقالوا له: لو نَفَّلْتَنا بقيَّة ليلتنا؟ فقال: "إنَّ الرجُلَ إذا صلَّى مَعَ الإِمام حتَّى ينصرِفَ كُتِبَ له بقيَّةُ ليلته". خرَّجَهُ أهلُ السُّنن (٢)، وحسَّنَهُ الترمذِيّ. وهذا يدلُّ على أن قيامَ ثُلُثِ الليلِ ونِصْفِه يُكتبُ به قيامُ ليلةٍ، لكن مع الإِمام. وكان الإمام أحمدُ يأخذ بهذا الحديث ويُصلِّي مع الإِمام حتى ينصرِفَ، ولا ينصرِفُ حتى ينصرِفَ الإِمام. وقال بعضُ السَّلفِ: من قام نصفَ الليل فقد قام اللَّيلَ. وفي سُنن أبي داود (٣)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ ، قال:

стр. 311

"مَنْ قام بعَشْرِ آياتٍ لم يُكْتَبْ مِن الغافِلين، ومَنْ قام بمائةِ آيةٍ كُتِبَ من القانِتين، ومَن قام بألفِ آيةٍ كُتِبَ من المُقَنْطِرينَ". يعني أنه يُكتَبُ له قنطارٌ من الأجْر. ويُروى من حديث تميم وأنسٍ مرفوعًا: "مَن قرأ بمائةِ آيةٍ في ليلةٍ كُتِبَ له قيامُ ليلةٍ" (١). وفي إسنادهما ضعفٌ. ورُوي حديث تميمٍ موقوفًا عليه، وهو أصحُّ. وعن ابن مسعود، قال: "مَن قرأ في ليلةٍ خمسين آيةً لم يُكْتَبْ مِن الغافلين، ومن قرأ مائة (٢) آيةٍ كُتِبَ من القانتين، ومَن قرأ ثلاثمائة آيةٍ كُتِبَ له قنْطَارٌ" (٣). ومَن أراد أن يزيدَ في القراءة ويُطيلَ، وكان يُصَلِّي لنفسه فليطوِّلْ ما شاء، كما قاله النبي ﷺ . وكذلك من صلَّى بجماعةٍ يرضَونَ بصلاتِهِ. وكان بعضُ السَّلف يختِمُ في قيام رمضان في كُلِّ ثلاث ليال، وبعضُهم في كُلِّ سبْعٍ؛ منهم قتادَةُ. وبعضُهم في كُلِّ عشر؛ منهم أبو رَجاءٍ العُطَارِدِيُّ (٤). وكان السَّلَفُ يتلون القرآنَ في شهر رمضان في الصلاة وغيرِها؛ كان الأسْوَدُ يقرأ القرآنَ في كُلِّ ليلتين في رمضان، وكان النَّخعِيُّ يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصَّةً، وفي بقيَّةِ الشَّهْر في ثلاثٍ. وكان قتادة يختِمُ في كُلِّ سبْعٍ دائمًا، وفي رمضانَ في كُلِّ ثلاثٍ، وفي العشرِ الأواخِرِ كلَّ ليلةٍ. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمةً يقرؤها في غير الصَّلاة. وعن أبي حنيفة نحوُه. وكان قتادَةُ يدرُسُ القرآنَ في شهر رمضان. وكان الزُّهْرِيُّ إذا دخل رمضانُ قال: فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام. قال ابنُ عبد الحَكم: كان مالِكٌ إذا دَخَلَ رمضانُ نفرَ (٥) من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبَلَ على تلاوة القرآن من المصحف. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دَخَلَ رمضانُ ترَكَ جميعَ العبادةِ وأقبَلَ على تلاوة (٦) القرآن. وكانت

стр. 312

عائشة ﵂ تقرأ في المصحف أوَّلَ النهار في شهرِ رمضانَ، فإذا طلعت الشمس نامَتْ (١). وقال سفيان: كان زُبيدٌ الياميُّ (٢) إذا حضر رمضانُ أحضرَ المصاحِفَ، وجمَعَ إليه أصحابَه. وإنما وَرَدَ النَّهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاثٍ على المداومة على ذلك. فأمَّا في الأوقات المفضَّلة، كشهر رمضان، خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلةَ القَدْر، أو في الأماكن المفضلة، كمكَّة [شرَّفها الله] (٣)، لمن دخلَها مِن غير أهلِها، فيُستحبُّ الإِكثار فيها من تلاوة القرآن، اغتنامًا للزمان والمكان. وهذا قولُ أحمدَ وإسحاقَ وغيرِهما من الأئمة، وعليه يدلّ عملُ غيرهم، كما سبق ذكره. واعلم أنَّ المؤمن يجتمع له في شهر رمضانَ جهادان لنفسِهِ؛ جهادٌ بالنهار على الصِّيام، وجهادٌ بالليل على القيام. فمن جمَعَ بين هذين الجهادين، ووفَّى بحقوقهىا، وصبرَ عليهما، وُفِّي أجرُه بغير حساب. قال كعبٌ: ينادي يومَ القيامةِ منادٍ: إنَّ كُلَّ حارثٍ يُعطى بحرثه ويُزاد غَيْرَ أهل القرآنِ والصّيام (٤)، يُعْطَون أجورَهم بغير حساب، ويشفعان له أيضًا عند الله ، كما في "المسند" (٥) عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: "الصِّيامُ والقرآن (٦) يَشْفَعَانِ للعَبْد يَوْمَ القيامة؛ يقولُ الصِّيامُ: أيْ ربِّ! مَنَعْتُه الطَّعامَ والشهوات (٧) بالنَّهار. ويقول القرآنُ: مَنَعْتُهُ النَّومَ باللَّيل فَشَفِّعْني فيه، فَيُشَفَّعانِ". فالصيام يشفَعُ لمن منعه الطعام والشهواتِ المحرَّمَة كُلّها، سواءٌ كان تحريمها يختصُّ بالصِّيام، كشهوةِ الطعام، والشَّراب، والنِّكاح، ومقدماتها، أَوْ لا يختص به، كشهوة فضول الكلام المحرَّم، والنظر المحرَّم، والسَّماع المحرَّم،

стр. 313

والكَسْب المحرَّم؛ فإذا منعه الصِّيامُ من هذه المحرَّمات كلِّها، فإنه يشفَعُ له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا ربّ! منعتُه شهواتِه، فشفِّعْني فيه. فهذا لمن حفظ صِيامَه، ومنَعَه من شهواتِهِ. فأمَّا مَن ضيَّع صِيامَهُ ولم يمنعْه ممَّا حرَّمه الله عليه، فإنَّه جديرٌ أن يُضربَ به وجهُ صاحبِه؛ ويقولُ له: ضيَّعكَ الله كما ضيعتني. كما ورد مثلُ ذلك في الصَّلاة. قال بعضُ السَّلف: إذا احتضر المؤمن، يقال للملَكِ: شُمَّ رأسَهُ. قال: أجِدُ في رأسه القرآن. فيقال: شُمَّ قلبَه. فيقول: أجِدُ في قلبه الصِّيام، فيقال: شُمَّ قدَمَيْهِ، فيقول: أجِدُ في قدمَيْه القيامَ. فيقال: حَفِظَ نفْسَه حفِظَه اللهُ . وكذلك القرآن إنما يشفَعُ لمن منعه من النوم بالليل، فإن مَن قرأ القرآنَ وقام به، فقد قام بحقِّه فيشفَعُ له. وقد ذكر النبي ﷺ رجلًا، فقال: "ذاك لا يتوسَّدُ القرآن" (١). يعني لا ينام عليه فيصيرُ له كالوسادة. وخرَّج الإِمام أحمد (٢) من حديث بُرَيْدَةَ مرفوعًا: "إنَّ القرآن يَلْقَى صاحبَهُ يومَ القيامةِ حين ينشَقُّ عنه قبرُه، كالرَّجُل الشاحِبِ (٣)، فيقول: هل تعرِفني؟ أنا صاحِبُكَ الذي أظمأْتُكَ في الهَواجِرِ، وأسهَرْتُ ليلَكَ، وكُلُّ تاجرٍ من وَرَاءِ تجارته؛ فيُعْطَى المُلْكَ بيمينه، والخُلْدَ بشِمالِهِ، ويوضَعُ على رأسه تاجُ الوَقَارِ، ثم يقال له: اقرأْ واصْعَدْ في دَرَجِ الجنَّة وغُرَفِها، فهو في صُعُودٍ ما دام يقرأُ؛ هذًّا (٤) كان أو ترتيلًا". وفي حديث عُبَادَةَ بن الصَّامت الطويل: "إن القرآن يأتي صاحِبَه في القبر، فيقول له: أنا الذي كُنْتُ أُسْهِرُ ليلَكَ، وأُظْمِئ نهارَكَ، وأمنَعُكَ شهواتك (٥)، وسَمْعَكَ وبَصَرَكَ؛ فستجدُني من الأخلَّاءِ خليلَ صِدْقٍ. ثم يَصْعَدُ فيَسألُ له فراشًا ودثارًا، فيؤمَرُ له بفراشٍ

стр. 314

من الجنَّةِ، وقِنديل من الجنَّة، وياسمينٍ من الجنَّة. ثم يُدفَعُ القرآن في قِبْلَةِ القَبْرِ، فيوسع عليه ما شاء الله من ذلك". قال ابن مسعودٍ: ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرَفَ بليله إذا الناس ينامون (١)، وبنهاره إذا الناس يُفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعِهِ إذا الناسُ يخلطون، وبصمْتِه إذا الناس يَخوضون، وبخُشوعِه إذا الناس يختالون، وبحُزْنه إذا الناسُ يَفرحُون. قال محمد بن كعب (٢): كنَّا نعرِفُ قارئ القرآن بضُفْرة (٣) لونه. يشير إلى سهرِه وطولَ تهجُّدِه. قال وُهَيْب بن الوَرْد (٤): قِيل لرجلٍ: ألا تنامُ؟ قال: إنَّ عجائبَ القرآن أَطَرْنَ نومي. وصحِبَ رجلٌ رجلًا شهرين، فلم يَرَهُ نائمًا، فقال: ما لي لا أراك نائمًا؟ قال: إنَّ عجائبَ القرآنِ أطرْنَ نومِي؛ ما أخرُجُ مِن أعجُوبةٍ إلَّا وقعْتُ في أُخرى. قال أحمدُ بنُ أبي الحَوَارى: إنِّي لأقرأ القرآنَ وأنظُرُ في آيةٍ آيةٍ، فيحير (٥) عقلي بها، وأَعجَبُ مِن حُفَّاظِ القرآن كيفَ يُهنيهم النومُ، ويسَعُهُم أن يشتغِلوا بشيءٍ من الدنيا، وهم يتلون كلامَ الله؟ أَمَا إنَّهم لو فهِموا ما يتلون وعرفوا حقَّه، وتلذَّذوا به، واستَحْلُوا المناجاة به، لذَهَبَ عنهم النومُ فرحًا بما قد رُزقوا. وأنشد ذو النون [المصري] (٦): منع القرانُ بوعدِهِ ووعيدِهِ … مُقَلَ العُيُونِ بليلِها لا تهجعُ فَهِمُوا عن الملِكِ العظيم كلامَه … فهمًا تذِلُّ له الرقابُ وتَخْضَعُ

стр. 315

فأمَّا من كان معَهُ القرآن فنام عنه بالليل ولم يَعْمَلْ به بالنهار، فإنَّه ينتصبُ القرآنُ خَصْمًا له، يطالبُه بحُقوقِه التي ضيَّعها. وخرَّج الإِمام أحمد (١) من حديث سَمُرَةَ: أن النبيَّ ﷺ رأى في مَنَامِه رجلًا مستلقيًا على قَفَاهُ، ورجلٌ قائِمٌ بيدِه فِهْرٌ (٢) أو صَخْرةٌ، فيشْدَخُ بهِ رأسَه، فيتَدَهْدَهُ (٣) الحَجَرُ، فإذا ذَهَبَ ليأخُذَهُ عادَ رأسُهُ كما كان، فيَصْنَعُ به مثلَ ذلك، فسألَ عنه، فقيل له: هذا رَجُلٌ آتاهُ الله القرآن فنامَ عنه باللَّيل، ولم يَعْمَلْ به بالنهارِ، فهو يَفْعَلُ به ذلك إلى يوم القيامة". وقد خرَّجَهُ البخاري (٤) بغير هذا اللفظ. وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبيِّ ﷺ : "يُمثِّلُ القرآنُ يومَ القيامة رجُلًا، فيُؤتَى بالرجُلِ قد حَمَلَهُ فخالَفَ أمرَهُ، فيتمثَّلُ له خَصْمًا، فيقول: يا ربّ! حَمَّلْتَهُ إيايَ؛ فبئسَ حاملٌ تعدَّى حُدودي، وضيَّع فرائضي، وركِبَ مَعْصِيَتي، وتَرَكَ طاعتي. فما يَزالُ يقذِفُ عليه بالحُجَجِ حتى يُقالَ: شأنُكَ به، فيأخُذُ بيدِهِ، فما يُرْسِلُهُ حتَّى يَكُبَّهُ على مَنْخِرِه في النار. ويُؤتى بالرَّجل الصَّالح كان قد حملَهُ وحفِظَ أمرَهُ، فيتمثَّلُ (٥) خَصْمًا دونهُ، فيقول: يا ربّ! حَملْتَهُ إيَّايَ، فخيرُ حاملٍ؛ حفِظَ حُدودِي، وعَمِلَ بفرائضي، واجْتنَبَ معصيتي، واتَّبَعَ طاعتِي، فلا يَزالُ يَقذِفُ له بالحُجَج حتَّى يقالَ: شأنَكَ به، فيأخُذُ بيدِه، فما يُرسِلُهُ حتَّى يُلبِسَهُ حُلَّة الاسْتبرقِ، وَيَعْقِدَ عليه تاجَ المُلْكِ، ويسقِيَهُ كأسَ الخَمْرِ" (٦). يا مَنْ ضيَّع عُمُرَهُ في غير الطاعة! يا مَن فَرَّط في شَهْرِه، بَلْ في دهرِه وأضَاعَه! يا مَن بضاعتُه التسويفُ والتفريط، وبئست البضاعَة! يا مَن جَعَلَ خَصْمَهُ القرآنَ وشَهْرَ رمضانَ، كيفَ ترجو مِمَّن جَعَلْتَه خَصْمَكَ الشَّفَاعَة؟!

стр. 316

ويلٌ لمن شفعاؤه خُصماؤهُ … والصُّورُ في يومِ القيامةِ يُنْفَخُ رُبَّ صائمٍ حظُّه مِن صيامه الجوعُ والعطَشُ، وقائمٍ حظُّه مِن قيامِهِ السَّهَرُ. كُلُّ قيامٍ لا ينهَى عن الفحشاءِ والمنكر لا يزيدُ صاحبَه إلا بُعْدًا، وكُلُّ صِيامٍ لا يُصانُ عن قَوْلِ الزُّورِ والعَمَلِ به لا يورِثُ صاحبَه إلَّا مَقْتًا وَرَدًّا. يا قوم! أين آثارُ الصيام؟ أينَ أنوارُ القِيام؟ إنْ كنْتَ تَنُوحُ يا حَمامَ البانِ … للبِين فأينَ شاهِدُ الأحزانِ أجفانُكَ للدُّموعِ أمْ أجفاني … لا يُقبَلُ مُدَّعٍ بلا بُرهانِ هذا - عبادَ الله - شهْرُ رمضانَ الذي أنزِلَ فيه القرآنُ وفي بقيته للعابدين مستمتع. وهذا كتابُ الله يُتلَى فيه بين أظهركم ويُسْمَع. وهو القرآن الذي لو أُنزل على جبلٍ لرأيتَه خاشعًا يتصدَّعْ. ومع هذا فلا قلبٌ يخشَعْ، ولا عَيْنٌ تدمَعْ، ولا صِيامٌ يُصانُ عن الحرام فينفَعْ (١)! ولا قيامٌ استقام فيُرجى في صاحبه أن يشفَعْ! قلوبٌ خلَتْ من التَّقْوَى فهيَ خرابٌ بلقَعْ، وتراكَمَتْ عليها ظلمةُ الذُّنوب فهي لا تُبصِرُ ولا تسْمَعْ. كم تُتلَى علينا آياتُ القرآن وقلوبُنا كالحجارة أو أشدُّ قَسْوةً. وكم يتوالى علينا شَهْرُ رمضانَ وحالُنا فيه كحالِ أهلِ الشِّقوة: لا الشَّابُ منَّا ينتهي عن الصَّبْوةِ، ولا الشَّيخُ ينزجِرُ عن القبيح فيلتحق (٢) بالصفوة. أين نحن من قومٍ إذا سمِعُوا داعيَ اللهِ أجابُوا الدَّعْوَه، وإذا تُلِيَتْ عليهم آياتُ اللهِ جَلَتْ قلوبَهم جلْوَه، وإذا صامُوا صامَتْ منهم الألسنَةُ والأسماعُ والأبصار؟ أفما لنا فيهم أسوَه؟! كم بيننا وبين حال أهل الصَّفا أبعد مما بيننا وبين الصَّفا والمَرْوَه. كما حسُنَتْ منَّا الأقوال ساءت الأعمالُ. فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم [وحسبنا الله] (٣). يا نفسُ فازَ الصالحُون بالتُّقَى … وأبصَرُوا الحقَّ وقلبي قد عمِي يا حُسْنَهم واللَّيلُ قد جنَّهُم … ونورُهم يفوقُ نورَ الأنجُمِ

стр. 317

ترنَّموا بالذِّكْر في ليلِهم … فعيشُهم قد طابَ بالتَّرنُّم قلوبُهم للذِّكْر قد تفرَّغَتْ … دموعُهُمْ كلؤلؤٍ منتظمِ (١) أسحارهُم بهم لهم قد أشرقَتْ … وخِلَعُ الغُفْرانِ خَيرُ القِسَمِ وَيْحَكِ يا نَفْسُ ألا تَيَقُّظ … ينفعُ قبل أن تزِلَّ قدمِي مضى الزَّمانُ في توانٍ وهَوًى … فاسْتَدْرِكي ما قَدْ بَقِي واغْتَنِمِي * * * المجلس الثالث في ذكر العشر الأوسط من شهر رمضان وذكر (٢) نصف الشهر الأخير في الصحيحين (٣) عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيّ ﵁، قال: كان رسولُ الله ﷺ يعتكِفُ في العَشْرِ الأَوْسَطِ من رمضانَ، فاعْتَكَفَ عامًا، حتَّى إذا كانت ليلةُ إحدى وعشرينَ، وهي الليلة التي يخرُجُ في صَبِيحتِها من اعْتِكافِهِ، قال: "مَن كان اعْتَكَفَ معي فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأواخِر. وقد أُرِيتُ هذه الليلة ثم أُنسيتُها، وقد رأَيْتُني أَسْجُدُ في ماءٍ وَطِينٍ من صَبِيحتِها، فالتمسوها في العَشْرِ الأواخر، والتمسوها في كُلِّ وِتْرٍ". فمطرت السَّماءُ تلكَ الليلةَ، وكان المسجدُ على عَريشٍ (٤)، فَوَكَفَ المَسْجِدُ، فبصُرَتْ عينايَ رسولَ الله ﷺ على جَبْهَتِهِ أثَرُ الماءِ والطِّينِ من صُبْحِ إحْدَى وعشرين. هذا الحديث يدلُّ على أنَّ النبي ﷺ كان يعتكِفُ العَشْرَ الأوسَطَ من شهر رمضان؛

стр. 318

لابتغاء ليلة القدرِ فيه. وهذا السِّياق يقتضي أن ذلك تكرَّر منه ﷺ . وفي رواية في الصحيحين (١) في هذا الحديث: "أنه اعتكَفَ العَشْرَ الأوَّلَ، ثم اعتكَفَ العَشْرَ الأوْسَطَ، ثم قال: إني أُتِيتُ، فقيل لي: إنها في العشر الأواخر. فمن أحَبَّ منكم أن يعتكِفَ فليعْتَكِفْ. فاعتكفَ الناسُ معه". وهذا يدلُّ على أن ذلك كان منه قبلَ أن يتبيَّن لَهُ أنَّها في العَشْر الأواخر، ثم لمَّا تبيَّن له ذلك اعتكفَ العشر الأواخرَ حتَّى قبضَه اللهُ . كما رواه (٢) عنه عائشة وأبو هريرة وغيرُهما. ورُوي أنَّ عُمَرَ ﵁ جمع جماعةً من الصحابة، فسألَهم عن ليلةِ القَدْر، فقال بعضُهم: كنَّا نراها في العشر الأوسط، ثم بلغنا أنَّها في العشرِ الأواخر. وسيأتي الحديثُ بتمامه في موضع آخر إن شاء الله تعالى. وخرَّج ابنُ أبي عاصم (٣) في "كتاب الصيام" وغيره من حديث خالد بن مَحْدُوج (٤)، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "التمِسُوها في أَوَّل لَيْلَةٍ، أو في تِسْعٍ، أو في أربعَ عشْرَةَ". وخالدٌ هذا فيه ضعفٌ. وهذا يدلُّ على أنَّها تُطلبُ في ليلتين من العشر الأوَّل، وفي ليلةٍ من العشر الأوسطِ، وهي أربعَ عشْرَةَ. وقد سبقَ (٥) من حديث واثِلَةَ بن الأسقع مرفوعًا: "إن الإِنجيلَ أُنزِل لثلاثَ عشرَةَ من رمضانَ". وقد ورد الأمر بطلب ليلةِ القَدْر في النصف الأواخر من رمضانَ، وفي أفرادِ ما بقي من العشر الأوسط

стр. 319

من هذا النصف، وهما ليلتان: ليلةُ سبعَ عشرَةَ، وليلةُ تسعَ عشرَةَ. أمَّا الأوَّلُ: فخرَّجه الطبراني (١) من حديث عبد الله بن أُنَيسٍ، أنه سأل النبيَّ ﷺ عن ليلةِ القدر، فقال: "رأيتُها ونسِيتُها (٢)، فتحَرَّها في النِّصْف الأواخر. ثم عاد فسأله، فقال: التمسْها في ليلةِ ثلاثٍ وعشرين تَمضِي مِن الشهر". ولهذا المعنى - والله أعلم - كان أبيّ بن كَعب يَقنُتُ في الوِتر في ليالي النصف الأواخر؛ لأنَّه يُرجَى فيه ليلة القدر. وأيضًا فكُلُّ زمانٍ فاضلٍ من ليلٍ أو نهارٍ، فإنّ آخِرَه أفضَلُ من أوَّلِه، كيومِ عَرَفَةَ، ويوم الجُمُعة. وكذلك اللَّيلُ والنَّهار عمومًا؛ آخِرُهُ أفضَلُ من أوَّلهِ. ولذلكَ كانت الصلاةُ الوسطى صلاةَ العَصْر، كما دلَّت الأحاديثُ الصَّحيحةُ عليه، وآثارُ السَّلفِ الكثيرة تدُلُّ عليه. وكذلك عشْرُ ذي الحجة والمحرم؛ آخِرُهُما أفضَلُ من أوَّلهما. وأمَّا الثاني: ففي "سنن أبي داود" (٣) عن ابن مسعود مرفوعًا: "اطْلُبُوها ليلةَ سبْعَ عشْرَةَ مِن رَمَضانَ، وليلةَ إحدَى وعشرين، وليلَةَ ثلاثٍ وعشرين"، ثم سَكَتَ. وفي روايةٍ: "ليلةَ تسعَ عشْرَةَ". وقيل: إنَّ الصحيح وقْفُه على ابن مسعودٍ، فقد صَحَّ عنه أنَّه قال: تحرُّوا ليلةَ القَدْرِ ليلةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، صباحِيَّةَ (٤) بدْرٍ، أو إحدى وعشرين. وفي روايةٍ عنه، قال: "ليلةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فإنْ لم يكن ففي تسْعَ عَشْرَةَ".

стр. 320

وخرَّج الطبراني (١) من رواية أبي المُهَزِّم (٢)، وهو ضعيفٌ، عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: "التمِسُوا ليلَةَ القَدْرِ في سَبْعَ عَشْرَةَ أو تِسْعَ عَشْرَةَ، أو إحدى وعشىرين، أو ثلاثٍ وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبعٍ وعشرين، أو تسع وعشرين". ففي هذا الحديث: التماسُها في أفرادِ النصف الثاني كلِّها (٣). ويُروى من حديثِ عائشة ﵂، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا كان ليلة تسعَ عَشْرَةَ مِن رَمَضَانَ شَدَّ المئزرَ وهَجَرَ الفِراشَ حتى يُفطِرَ. قال البخاري (٤): تفرَّد به عُمَرُ بن مسكينٍ، ولا يتابَع عليه. وقد روي عن طائفةٍ من الصحابة أنَّها تُطْلَبُ ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ، وقالوا: إن صبيحتها كان يوم بدرٍ. روي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وعمرو بن حريث. ومنهم من رُوي عنه، أنَّها ليلةُ تسعَ عشرةَ؛ رُوي عن علي، وابن مسعودٍ، وزيد بن أرقم. والمشهور عند أهل السِّير والمغازي (٥): أن ليلة بدْرٍ كانت ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ، وكانت ليلةَ جُمَعَةٍ. وروي ذلك عن علي، وابن عباسٍ وغيرِهما. وعن (٦) ابن عباس، رواية ضعِيفة أنَّها كانت ليلةَ الاثنين. وكان زيد بن ثابتٍ لا يُحيي ليلةً من رمضان، كما يُحيي ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ، ويقول: إنَّ الله فرَّق في صبيحتها بين الحقِّ والباطل، وأذلَّ في صبيحتها أئمةَ الكفرِ. وحكى الإِمامُ أحمدُ هذا القولَ عن أهل المدينة: أنَّ ليلةَ القَدْرِ تُطْلَبُ ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ. قالَ في رواية أبي داود فيمن قال لامرأته: أنت طالقٌ ليلةَ القَدْر، قال: يعتزِلُها إذا دَخَلَ العَشرُ، وقبل (٧) العشر، أهلُ المدينة يرونها في السبعَ عشرةَ، إلَّا أنَّ المثبتَ عن النبي ﷺ في العشْرِ الأواخر. وحكي عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير: أنَّه كان يُواصِل ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ.
следующие страницы →