← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ويلٌ لمن شفعاؤه خُصماؤهُ … والصُّورُ في يومِ القيامةِ يُنْفَخُ رُبَّ صائمٍ حظُّه مِن صيامه الجوعُ والعطَشُ، وقائمٍ حظُّه مِن قيامِهِ السَّهَرُ. كُلُّ قيامٍ لا ينهَى عن الفحشاءِ والمنكر لا يزيدُ صاحبَه إلا بُعْدًا، وكُلُّ صِيامٍ لا يُصانُ عن قَوْلِ الزُّورِ والعَمَلِ به لا يورِثُ صاحبَه إلَّا مَقْتًا وَرَدًّا. يا قوم! أين آثارُ الصيام؟ أينَ أنوارُ القِيام؟ إنْ كنْتَ تَنُوحُ يا حَمامَ البانِ … للبِين فأينَ شاهِدُ الأحزانِ أجفانُكَ للدُّموعِ أمْ أجفاني … لا يُقبَلُ مُدَّعٍ بلا بُرهانِ هذا - عبادَ الله - شهْرُ رمضانَ الذي أنزِلَ فيه القرآنُ وفي بقيته للعابدين مستمتع. وهذا كتابُ الله يُتلَى فيه بين أظهركم ويُسْمَع. وهو القرآن الذي لو أُنزل على جبلٍ لرأيتَه خاشعًا يتصدَّعْ. ومع هذا فلا قلبٌ يخشَعْ، ولا عَيْنٌ تدمَعْ، ولا صِيامٌ يُصانُ عن الحرام فينفَعْ (١)! ولا قيامٌ استقام فيُرجى في صاحبه أن يشفَعْ! قلوبٌ خلَتْ من التَّقْوَى فهيَ خرابٌ بلقَعْ، وتراكَمَتْ عليها ظلمةُ الذُّنوب فهي لا تُبصِرُ ولا تسْمَعْ. كم تُتلَى علينا آياتُ القرآن وقلوبُنا كالحجارة أو أشدُّ قَسْوةً. وكم يتوالى علينا شَهْرُ رمضانَ وحالُنا فيه كحالِ أهلِ الشِّقوة: لا الشَّابُ منَّا ينتهي عن الصَّبْوةِ، ولا الشَّيخُ ينزجِرُ عن القبيح فيلتحق (٢) بالصفوة. أين نحن من قومٍ إذا سمِعُوا داعيَ اللهِ أجابُوا الدَّعْوَه، وإذا تُلِيَتْ عليهم آياتُ اللهِ جَلَتْ قلوبَهم جلْوَه، وإذا صامُوا صامَتْ منهم الألسنَةُ والأسماعُ والأبصار؟ أفما لنا فيهم أسوَه؟! كم بيننا وبين حال أهل الصَّفا أبعد مما بيننا وبين الصَّفا والمَرْوَه. كما حسُنَتْ منَّا الأقوال ساءت الأعمالُ. فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم [وحسبنا الله] (٣). يا نفسُ فازَ الصالحُون بالتُّقَى … وأبصَرُوا الحقَّ وقلبي قد عمِي يا حُسْنَهم واللَّيلُ قد جنَّهُم … ونورُهم يفوقُ نورَ الأنجُمِ

стр. 317

ترنَّموا بالذِّكْر في ليلِهم … فعيشُهم قد طابَ بالتَّرنُّم قلوبُهم للذِّكْر قد تفرَّغَتْ … دموعُهُمْ كلؤلؤٍ منتظمِ (١) أسحارهُم بهم لهم قد أشرقَتْ … وخِلَعُ الغُفْرانِ خَيرُ القِسَمِ وَيْحَكِ يا نَفْسُ ألا تَيَقُّظ … ينفعُ قبل أن تزِلَّ قدمِي مضى الزَّمانُ في توانٍ وهَوًى … فاسْتَدْرِكي ما قَدْ بَقِي واغْتَنِمِي * * * المجلس الثالث في ذكر العشر الأوسط من شهر رمضان وذكر (٢) نصف الشهر الأخير في الصحيحين (٣) عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيّ ﵁، قال: كان رسولُ الله ﷺ يعتكِفُ في العَشْرِ الأَوْسَطِ من رمضانَ، فاعْتَكَفَ عامًا، حتَّى إذا كانت ليلةُ إحدى وعشرينَ، وهي الليلة التي يخرُجُ في صَبِيحتِها من اعْتِكافِهِ، قال: "مَن كان اعْتَكَفَ معي فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأواخِر. وقد أُرِيتُ هذه الليلة ثم أُنسيتُها، وقد رأَيْتُني أَسْجُدُ في ماءٍ وَطِينٍ من صَبِيحتِها، فالتمسوها في العَشْرِ الأواخر، والتمسوها في كُلِّ وِتْرٍ". فمطرت السَّماءُ تلكَ الليلةَ، وكان المسجدُ على عَريشٍ (٤)، فَوَكَفَ المَسْجِدُ، فبصُرَتْ عينايَ رسولَ الله ﷺ على جَبْهَتِهِ أثَرُ الماءِ والطِّينِ من صُبْحِ إحْدَى وعشرين. هذا الحديث يدلُّ على أنَّ النبي ﷺ كان يعتكِفُ العَشْرَ الأوسَطَ من شهر رمضان؛

стр. 318

لابتغاء ليلة القدرِ فيه. وهذا السِّياق يقتضي أن ذلك تكرَّر منه ﷺ . وفي رواية في الصحيحين (١) في هذا الحديث: "أنه اعتكَفَ العَشْرَ الأوَّلَ، ثم اعتكَفَ العَشْرَ الأوْسَطَ، ثم قال: إني أُتِيتُ، فقيل لي: إنها في العشر الأواخر. فمن أحَبَّ منكم أن يعتكِفَ فليعْتَكِفْ. فاعتكفَ الناسُ معه". وهذا يدلُّ على أن ذلك كان منه قبلَ أن يتبيَّن لَهُ أنَّها في العَشْر الأواخر، ثم لمَّا تبيَّن له ذلك اعتكفَ العشر الأواخرَ حتَّى قبضَه اللهُ . كما رواه (٢) عنه عائشة وأبو هريرة وغيرُهما. ورُوي أنَّ عُمَرَ ﵁ جمع جماعةً من الصحابة، فسألَهم عن ليلةِ القَدْر، فقال بعضُهم: كنَّا نراها في العشر الأوسط، ثم بلغنا أنَّها في العشرِ الأواخر. وسيأتي الحديثُ بتمامه في موضع آخر إن شاء الله تعالى. وخرَّج ابنُ أبي عاصم (٣) في "كتاب الصيام" وغيره من حديث خالد بن مَحْدُوج (٤)، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "التمِسُوها في أَوَّل لَيْلَةٍ، أو في تِسْعٍ، أو في أربعَ عشْرَةَ". وخالدٌ هذا فيه ضعفٌ. وهذا يدلُّ على أنَّها تُطلبُ في ليلتين من العشر الأوَّل، وفي ليلةٍ من العشر الأوسطِ، وهي أربعَ عشْرَةَ. وقد سبقَ (٥) من حديث واثِلَةَ بن الأسقع مرفوعًا: "إن الإِنجيلَ أُنزِل لثلاثَ عشرَةَ من رمضانَ". وقد ورد الأمر بطلب ليلةِ القَدْر في النصف الأواخر من رمضانَ، وفي أفرادِ ما بقي من العشر الأوسط

стр. 319

من هذا النصف، وهما ليلتان: ليلةُ سبعَ عشرَةَ، وليلةُ تسعَ عشرَةَ. أمَّا الأوَّلُ: فخرَّجه الطبراني (١) من حديث عبد الله بن أُنَيسٍ، أنه سأل النبيَّ ﷺ عن ليلةِ القدر، فقال: "رأيتُها ونسِيتُها (٢)، فتحَرَّها في النِّصْف الأواخر. ثم عاد فسأله، فقال: التمسْها في ليلةِ ثلاثٍ وعشرين تَمضِي مِن الشهر". ولهذا المعنى - والله أعلم - كان أبيّ بن كَعب يَقنُتُ في الوِتر في ليالي النصف الأواخر؛ لأنَّه يُرجَى فيه ليلة القدر. وأيضًا فكُلُّ زمانٍ فاضلٍ من ليلٍ أو نهارٍ، فإنّ آخِرَه أفضَلُ من أوَّلِه، كيومِ عَرَفَةَ، ويوم الجُمُعة. وكذلك اللَّيلُ والنَّهار عمومًا؛ آخِرُهُ أفضَلُ من أوَّلهِ. ولذلكَ كانت الصلاةُ الوسطى صلاةَ العَصْر، كما دلَّت الأحاديثُ الصَّحيحةُ عليه، وآثارُ السَّلفِ الكثيرة تدُلُّ عليه. وكذلك عشْرُ ذي الحجة والمحرم؛ آخِرُهُما أفضَلُ من أوَّلهما. وأمَّا الثاني: ففي "سنن أبي داود" (٣) عن ابن مسعود مرفوعًا: "اطْلُبُوها ليلةَ سبْعَ عشْرَةَ مِن رَمَضانَ، وليلةَ إحدَى وعشرين، وليلَةَ ثلاثٍ وعشرين"، ثم سَكَتَ. وفي روايةٍ: "ليلةَ تسعَ عشْرَةَ". وقيل: إنَّ الصحيح وقْفُه على ابن مسعودٍ، فقد صَحَّ عنه أنَّه قال: تحرُّوا ليلةَ القَدْرِ ليلةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، صباحِيَّةَ (٤) بدْرٍ، أو إحدى وعشرين. وفي روايةٍ عنه، قال: "ليلةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فإنْ لم يكن ففي تسْعَ عَشْرَةَ".

стр. 320

وخرَّج الطبراني (١) من رواية أبي المُهَزِّم (٢)، وهو ضعيفٌ، عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: "التمِسُوا ليلَةَ القَدْرِ في سَبْعَ عَشْرَةَ أو تِسْعَ عَشْرَةَ، أو إحدى وعشىرين، أو ثلاثٍ وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبعٍ وعشرين، أو تسع وعشرين". ففي هذا الحديث: التماسُها في أفرادِ النصف الثاني كلِّها (٣). ويُروى من حديثِ عائشة ﵂، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا كان ليلة تسعَ عَشْرَةَ مِن رَمَضَانَ شَدَّ المئزرَ وهَجَرَ الفِراشَ حتى يُفطِرَ. قال البخاري (٤): تفرَّد به عُمَرُ بن مسكينٍ، ولا يتابَع عليه. وقد روي عن طائفةٍ من الصحابة أنَّها تُطْلَبُ ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ، وقالوا: إن صبيحتها كان يوم بدرٍ. روي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وعمرو بن حريث. ومنهم من رُوي عنه، أنَّها ليلةُ تسعَ عشرةَ؛ رُوي عن علي، وابن مسعودٍ، وزيد بن أرقم. والمشهور عند أهل السِّير والمغازي (٥): أن ليلة بدْرٍ كانت ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ، وكانت ليلةَ جُمَعَةٍ. وروي ذلك عن علي، وابن عباسٍ وغيرِهما. وعن (٦) ابن عباس، رواية ضعِيفة أنَّها كانت ليلةَ الاثنين. وكان زيد بن ثابتٍ لا يُحيي ليلةً من رمضان، كما يُحيي ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ، ويقول: إنَّ الله فرَّق في صبيحتها بين الحقِّ والباطل، وأذلَّ في صبيحتها أئمةَ الكفرِ. وحكى الإِمامُ أحمدُ هذا القولَ عن أهل المدينة: أنَّ ليلةَ القَدْرِ تُطْلَبُ ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ. قالَ في رواية أبي داود فيمن قال لامرأته: أنت طالقٌ ليلةَ القَدْر، قال: يعتزِلُها إذا دَخَلَ العَشرُ، وقبل (٧) العشر، أهلُ المدينة يرونها في السبعَ عشرةَ، إلَّا أنَّ المثبتَ عن النبي ﷺ في العشْرِ الأواخر. وحكي عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير: أنَّه كان يُواصِل ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ.

стр. 321

وعن أهل مكَّةَ أنهم كانوا لا ينامون فيها، ويعتمِرون. وحكي عن أبي يوسُفَ ومحمد، صاحِبي. أبي حنيفة: أن ليلةَ القَدْر في النصف الأواخر من رمضان من غير تعيين لها بليلةٍ، وإن كانت في نفس الأمر عند اللهِ مُعينةً. وروي عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: ليلةُ القَدْرِ ليلةُ سبْعَ عَشْرَةَ، ليلةُ جُمُعة. خرَّجه ابنُ أبي شيبة (١). وظاهره أنَّها إنما تكون ليلة القدر إذا كانت ليلةَ جمعةٍ؛ لتُوافق ليلةَ بَدْرٍ. ورَوَى أبو الشيخ الأصبهاني بإسنادٍ جيِّد، عن الحسن، قال: إنَّ غلامًا لعثمان بن أبي العاص، قال له: يا سيدي، إن البحر يعذُبُ في هذا الشهْر في ليلةٍ. قال: فإذا كانت تلك الليلةُ فأعلِمني. قال: فلما كانت تلك الليلة أذنَه، فنظروا فوجدوه عَذبًا، فإذا هي ليلةُ سبعَ عَشْرَةَ. وزوي من حديث جابرٍ، قال: "كان رسولُ الله ﷺ يأتي قُباءً صَبِيحةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِن رَمَضَانَ، أيَّ يوم كان". خرَّجه أبو موسى المديني. وقد قيل: إنَّ المعراج كان فيها أيضًا. ذكر ابن سَعْدٍ، عن الواقديّ، عن أَشْياخه: أنَّ المعراج كان ليلةَ السبت لسبعَ عشْرَةَ خلت من رمضانَ قبل الهِجْرَة إلى السماء، وأنَّ الإِسْرَاء كان ليلةَ سبْعَ عَشْرَةَ من ربيع الأوَّل قبل الهجرة بسنةٍ إلى بيتِ المقدس. وهذا على قول مَن فرَّق بين المِعراج والإِسْرَاء؛ فجعَل المِعراجَ إلى السَّماء، كما ذُكر في سورة النجم؛ والإِسراء إلى بيت المقدس خاصَّةُ، كما ذُكر في سورة سبحان. وقد قيل: إنَّ ابتداء نبوَّةِ النبي ﷺ كان في سابعَ عشَرَ رمضانَ. قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: نَزَلَ جبريلُ على رسول الله ﷺ ليلةَ السبتِ وليلةَ الأحد، ثم ظهر له بحراء برسالة الله يومَ الاثنين لسبعَ عَشْرَةَ خلَتْ مِن رمضانَ. وأصحُّ ما روي في الحوادث في هذه الليلة أنَّها ليلة بَدْرٍ، كما سبق أنَّها كانت ليلةَ سبعَ عَشرَة. وقيل: تسعَ عشرةَ. والمشهورُ أنَّها كانت ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ، كما تقدَّم. وصبيحتُها هو يومُ الفرقان، يوم التقى الجمعان. وسُمي يوم الفرقان؛ لأنَّ الله تعالى فرَّق فيه بين

стр. 322

الحقِّ والباطل، وأظهَرَ الحقَّ وأهلَهُ على الباطل وحِزْبِهِ، وعلَتْ كلمةُ الله وتوحيدُه، وَذُلَّ أعداؤه مِن المشركين وأهلِ الكِتاب، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة؛ فإنَّ النبي ﷺ قَدِم المدينةَ في ربيع الأول في أوَّل سنةٍ من سني الهجرة، ولم يُفرَضْ رمضان في ذلك العام. ثم صام عاشوراء، وفُرِضَ عليه رمضانُ في ثاني سنةٍ. فهو أوَّل رمضانٍ صامَهُ وصامَه المسلمون معه. ثم خرَجَ النبيُّ ﷺ لطلب عِيرٍ (١) من قريش قدِمَتْ مِن الشام إلى المدينة في يوم السبت لاثنتي عشرَةَ ليلةً خلَت من رمضانَ، وأفطَرَ ﷺ في خروجه إليها. قال ابن المُسَيِّب (٢): قال عُمر: غزونا مع رسولِ الله ﷺ غزوتين في رمضانَ يومَ بدْرٍ، ويومَ الفتح، وأفطرنا فيهما. وكان سببُ خروجه حاجةَ أصحابه، خصوصًا المهاجرين (٣) ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٤). وكانت هذه العِيرُ فيها أموالٌ كثيرة لأعدائهم الكفار الذين (٥) أخرجوهم من ديارهم وأموالهم ظُلمًا وعُدوانًا، كما قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (٦). فقصَدَ النَّبيُّ ﷺ أن يأخذ أموالَ هؤلاء الكفّار (٧) الظالمين المعتدين على أولياء الله وحزبه وجنده، فيردَّها على أولياء الله وحزبه المظلومين المخرَجين من ديارهم وأموالهم ليتقوّوا بها على عبادَةِ اللهِ وطاعَته وجهادِ أعدائه. وهذا ممَّا أحلَّه الله لهذه الأمَّة؛ فإنَّه أَحَلَّ لهم الغنائم، ولم تحلَّ لأحدٍ قبلَهم. وكان عِدَّةُ مَن مَعَهُ ثلثمائة وبضعةَ عشَرَ، وكانوا على عدَّةِ أصحابِ طالُوتَ الذين جازوا معه النهر، وما جازَه معه إلَّا مؤمنٌ.

стр. 323

وفي سنن أبي داود (١) من حديث عبد الله بن عمرٍو، قال: خرَجَ رسول الله ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ في ثلاثمائة وخمسةَ عشَرَ مِن المقاتلة، كما خرَجَ طالُوت، فدَعَا لهم رسولُ الله ﷺ حين خرجوا، فقال: "اللهمَّ، إنَّهم حُفَاةٌ فاحْمِلْهُم، وإنَّهم عُرَاةٌ فاكْسُهُم، وإنَّهم جياعٌ فاشْبعْهُم". ففتح الله يومَ بدْرٍ، فانقلبوا حين انقلبوا وما فيهم رجلٌ إلَّا وقد رجع بجَمَلٍ أوَ جَمَلَيْن، واكتسوا وشبِعُوا. وكان أصحابُ النبي ﷺ حين خرجوا على غايةٍ مِن قلَّة الظهرِ والزَّاد؛ فإنَّهم لم يخرجوا مستعدِّين لحربٍ، ولا لقتالٍ، وإنَّما خرجوا لطلب العير، فكان معهم نحو سبعين بعيرًا يعتقبونها بينهم، كُلُّ ثلاثةٍ على بعير. وكان للنبي ﷺ زميلان، فكانوا يعتقبون على بعيرٍ واحدٍ، فكان زميلاه يقولان لَهُ: يا رسولَ الله، اركب حتى نمشيَ عنك، فيقول: ما أنتما بأقْوَى على المشي منِّي، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما. ولم يكن معهما إلا فرسان، وقيل ثلاثة، وقيل فرسٌ واحد للمقداد. وبلغ المشركين خروجُ النبي ﷺ لطلب العير، فأخذ أبو سُفيان بالعِير نحو الساحل، وبعث إلى أهل مكَّة يخبرهم الخبر، ويطلبُ منهم أن ينفروا لحمايةِ عِيرهم، فخرجوا مستصرخين، وخرج أشرافُهم ورؤساؤهم، وساروا نحو بدْرٍ. واستشار النبيُّ ﷺ المسلمين في القتال، فتكلَّم المهاجرون فسكت عنهم، وإنما كان قَصْدُه الأنصار؛ لأنَّه ظنَّ أنَّهم لم يبايعوه إلا على نُصْرته على من قَصَدَهُ (٢) في ديارهم، فقام سَعْد بنُ عُبَادَةَ (٣)، فقال: إيَّانا تريدُ، يعني الأنصار، والذي نفسي بيده، لو أَمَرْتَنا أن نُخِيضَها البَحْرَ لأَخَضْناها، ولو أمَرْتَنا أن نضرِبَ أكبادَها إلى بَرْكِ الغِمَادِ لَفَعَلْنا (٤). وقال له المقدادُ: لا نَقُول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا

стр. 324

هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (١)، ولكن نقاتل عن يمينك وشمالِك، وبين يديك، ومِن خلفِكَ. فَسُرَّ النبي ﷺ بذلك وأجمَعَ على القتال (٢). وبات تلك الليلة ليلة الجمعة سابعَ عشَرَ رمضانَ قائمًا يُصلّي ويبكي ويدعو الله ويستنصره على أعدائه. وفي "المسند" عن علي بن أبي طالب، قال: "لَقَدْ رأيتُنا وما فينا إلا نائم، إلَّا رسولُ اللهِ ﷺ تحت شجرةٍ يُصلِّي ويبكي حتَّى أَصْبَحَ". وفيه (٣) عنه أيضًا، قال: أصَابَنَا طَشٌّ مِن مطرٍ، يعني ليلَةَ بدْرٍ، فانطلقنا تحت الشَّجَرِ والحَجَفِ (٤) نستظلُّ بها من المطرِ، وبات رسولُ الله ﷺ يدعو رَبَّهُ، ويقول: "إن تُهْلِكْ هذه الفئةَ لا تُعْبَدْ"، فلمَّا أن طَلَعَ الفجرُ نادى: الصَّلاةَ عبادَ اللهِ، فجاء الناس من تحت الشَّجر والحَجَفِ، فصلَّى بنا رسولُ الله ﷺ ، وحثَّ على القتال. وأَمَدَّ اللهُ تعالى نبيَّهُ والمؤمنين بنَصْرٍ مِن عندِه وبجندٍ من جندِه، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (٥). وفي "صحيح البخاري" (٦) أن جبريلَ قال للنبيِّ ﷺ : "ما تَعُدُّون أهْلَ بدْرٍ فيكم؟ قال: مِن أفْضَل المسلمين، أو كلمةً نَحْوَهَا. قال: وكذلك مَن شهِدَ بدْرًا من الملائكة". وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (٧). وقال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٨). ورُوي أن النبي ﷺ لما رآهم قال: "اللهمَّ، إنَّ هؤلاءِ قُريشٌ قد جاءت بخُيلائها يُكَذِّبون

стр. 325

رسولَك، فأنجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي" (١). فأتاه جبريلُ، فقال: "خُذْ قَبْضَة مِن تُرابٍ فارْمِهم بها، فأخَذَ قَبْضَةً من حَصْباءِ الوادي فرمَى بها نحوَهم، وقال: "شَاهَت الوُجُوه" فلم يبقَ مُشْرِكٌ إلَّا دَخَلَ في عَيْنَيْهِ ومَنْخِرِه وفمه شيءٌ، ثم كانت الهزيمة. وقال حكيم بن حزام: سمِعْنا يومَ بدْرٍ صوتًا وقَعَ من السَّماء كأنَّه صوتُ حَصَاةٍ على طَسْتٍ، فرمَى رسولُ الله ﷺ تِلكَ الرَّميَةَ، فانهزمنا. ولما قدِمَ الخبَرُ على أهل مكة قالوا لمن أتاهم بالخبر: كيف حالُ الناسِ؟ قال: لا شيءَ، والله إن كان إلَّا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا، يقتلونا ويأسرونا كيف شاؤوا، وأيْمُ الله، مع ذلك ما لمتُ النَّاسَ؛ لقينا رجالًا (٢) على خيلٍ بُلقٍ بين السَّماء والأرضِ ما يقومُ لها شيءٌ (٣). وقتل الله صنادِيدَ كفَّارِ قريش يومئذ؛ منهم عُتبة بن ربيعة، وشيبةُ (٤)، والوليدُ بن عتبة، وأبو جهلٍ، وغيرُهم. وأسَرُوا منهم سبعين. وقصَّة بدْرٍ يطولُ استقصاؤها، وهي مشهورة في التفسير وكتب الصحاح والسنن والمسانيد والمغازي والتواريخ وغيرِها. وإنما المقصودُ هاهنا التنبيهُ على بعض مقاصدِها. وكان عدوُّ اللهِ إبليسُ قد جاء إلى المشركين في سورة سُرَاقَةَ بن مالكٍ، وكانت يدُهُ في يدِ الحارث بن هشام، وجعل يُشجعهم ويعِدُهم ويمنِّيهم، فلمَّا رأى الملائكةَ هَرَبَ وألقى نفسَه في البحر. وقد أخبَرَ اللهُ عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٥). وفي الموطأ (٦) حديثٌ مرسَلٌ عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "ما رُؤِي الشَّيطانُ أحقَرَ ولا أَدْحَر (٧) ولا أَصْغَرَ من يوم عرفَةَ، إلَّا ما رأى يَوْمَ بدر. قيل: وما رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ؟ قال:

стр. 326

رأى جبريلَ يَزَعُ الملائكة". فإبليس عدوُّ اللهِ يَسعَى جهدَه في إطفاءِ نورِ الله وتوحيدِه، ويُغرِي بذلك أولياءَه من الكفَّار والمنافقين. فلمَّا عجز عن ذلك بنصر الله نبيَّه وإظهار دينِه على الدِّين كُلِّه، رضِي بإلقاء الفتن بين المسلمين، واجْتَزَى منهم بمحقَّرَات الذنوب حيثُ عَجَزَ عن ردِّهم عن دينهم؛ كما قال النبي ﷺ "إنَّ الشيطان قد أيس (١) أن يَعبُدَة المصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم". خرَّجه مسلم (٢) من حديث جابر. وخرَّج الإمام أحمد (٣) والنسائي والترمذي وابنُ ماجه من حديث عمرو بن الأحوص، قال: سمعْتُ النبي ﷺ يقول في حجة الوَدَاع: "ألا إنَّ الشَّيطانَ قد أَيسَ (٤) أن يُعْبَدَ في بلدكم هذا أبدًا، ولكن سيكونُ له طَاعَةٌ في بَعْضِ ما تحتَقِرُون مِن أعمالِكُم، فيرضَى بها". وفي صحيح الحاكم (٥) عن ابن عبَّاسٍ أن النبي ﷺ خَطَبَ في حَجَّةِ الوَدَاع، فقال: "إنَّ الشَّيطان قد يئس (٦) أن يُعْبَدَ بأرضكم، ولكنَّه يرضَى أن يُطَاعَ فيما سِوى ذلك؛ فيما تَحَاقَرون من أعمالكم؛ [فيرضَى بها] (٧) فاحْذَروا، يا أيُّها الناس، إنِّي قد تركْتُ فيكم ما إنْ اعْتَصَمْتم به فَلَن تَضِلُّوا أبدًا: كِتَابَ الله، وسُنَّةَ نبيِّه ﷺ ". ولم يعظم على إبليسَ شيء أكبَرُ (٨) مِن بعثةِ محمّد ﷺ ، وانتشارِ دعوته في مشارق الأرض ومغاربها؛ فإنه أيسَ أن تعودَ أمَّتُه كلُّهم إلى الشرك الأكبر. قال سعيدُ بن جُبَير: لمَّا رأى إبليسُ النبيَّ ﷺ قائمًا بمكَّةَ يصلِّي رَنَّ. ولمَّا افتتح النبيُّ ﷺ مَكَّةَ رَنَّ رَنَّةً أخرى؛ اجتمعَتْ إليه ذريته، فقال: ايئسوا (٩) أن تردُّوا أمَّة

стр. 327

محمدٍ [ ﷺ ] (١) إلى الشرك بعدَ يومِكم هذا، ولكن أفتِنُوهم في دينهم، وأفشُوا فيهم النوحَ والشِّعْرَ. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا. وخرَّج الطبرانيُّ بإسناده، عن مجاهدٍ، عن أبي هريرة، قال: "إنَّ إبليسَ رَنَّ لمَّا أُنْزِلَتْ فاتحةُ الكتاب، وأُنزِلَتْ بالمدينة. والمعروف هذا عن مجاهدٍ مِن قوله، قال: رَنَّ إبليسُ أربعَ رَنَّاتٍ: حينَ لُعِنَ، وحينَ أُهبِطَ مِن الجنَّة، وحينَ بُعِثَ محمَّدٌ ﷺ ، وحين أُنْزِلَت فاتحةُ الكتاب؛ وأُنْزِلَتْ بالمدينة. خرَّجه (٢) وكيعٌ وغيرُه. وقال بعضُ التابعين: لمَّا أُنْزِلَتْ هذه الآيةُ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (٣)، الآية، بَكَى إبليس (٤). يشير إلى شدَّة حزنه بنزولِها؛ لِما فيها من الفرح لأهل الذنوب، فهو لا يزال في همٍّ وغمِّ وحُزنٍ منذُ بُعِثَ النبيُّ ﷺ ، بما رأى منه ومن أمَّتِه ما يُهِمُّه ويُغِيظُه. قال ثابت: لمَّا بُعثَ النبيُّ ﷺ ، قال إبليس لشياطينه: لقد حدث أمرٌ فانظروا ما هُو. فانطلقُوا، ثم جاؤوه، فقالوا: ما ندري. قال إبليس: أنا آتيكم (٥) بالخبر. فذهب وجاء، قال: قد بُعِثَ محمد ﷺ . فجعل يُرسِلُ شياطينَه إلى أصحاب النبي ﷺ ، فيجيؤون (٦) بصُحفهم ليس فيها شيء. فقال: ما لكم لا تُصيبون منهم شيئًا؟ قالوا: ما صحِبْنا قومًا قَطُّ مثلَ هؤلاءِ؛ نصيبُ منهم ثم يقومون إلى الصلاة، فيُمْحَى ذلك. قال: رُويدًا! إنَّهم عسى أن يفتحَ اللهُ لهم الدنيا، هنالك تُصِيبُون حاجَتَكم منهم. وعن الحسن، قال: قال إبليسُ: سَوَّلْتُ لأمَّة محمدٍ المعاصي، فقطَعُوا ظهري بالاستغفار، فسَوَّلْتُ لهم ذنوبًا لا يستغفرون منها، يعني الأهواء. ولا يزالُ إبليسُ يَرَى في مواسم المغفِرَة والعِتقِ مِن النار ما يَسُوؤُه؛ فيومُ عرفَةَ لا

стр. 328

يُرَى أصغرَ ولا أحقرَ ولا أدحَر فيه منه؛ لِمَا يَرَى مِن تنزُّلِ الرَّحمةِ وتجاوُزِ اللهِ عن الذُّنوبِ العِظامِ، إلا ما رؤي يومَ بدْرٍ. وَرُوِيَ أنَّه لمَّا رأى نزولَ المغفِرة للأمَّةِ في حجَّةِ الوداع يومَ النَّحْرِ بالمزدلفَةِ، أهوَى يحثِي على رأسِهِ الترابَ، ويدعو بالويل والثبور. فتبسَّم النبي ﷺ مِمَّا رأى من جزع الخبيثِ. وفي شهر رمضانَ يلطفُ الله بأمَّة محمدٍ ﷺ فيغلُّ فيه الشياطينَ وَمَرَدَةَ الجِنِّ حتَّى لا يقدِروا على ما كانوا يقدِرون عليه في غيره من تسويل الذنوب. ولهذا تقِلُّ المعاصي في شهر رمضان في الأمَّة لذلك. ففي "الصحيحين" (١) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا دَخَلَ رَمَضانُ فُتِّحَتْ أبوابُ السَّماءِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ جَهَنَّم، وسُلْسِلَت الشَّياطينُ". ولمسلمٍ: "فُتحَتْ أبوابُ الرحمةِ". وله أيضًا عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا جاء رمضان فُتحَتْ أبوابُ الجنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أبوابُ النَّار، وصُفِّدَتِ الشياطينُ". وخرَّج منه البخاري ذِكْرَ فتحِ أبوابِ الجنَّةِ. وللترمذي (٢) وابن ماجه عنه عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا كان أوَّلُ ليلةٍ من شهر رَمَضانَ صُفِّدَتِ الشَّياطينُ ومَرَدَةُ الجِنِّ، وغُلِّقَتْ أبوابُ النَّارِ، فلم يُفْتَحْ منها بابٌ؛ وفُتِحَتْ أبوابُ الجنَّة، فلم يُغْلَقْ منها بابٌ؛ ويُنادِي منادٍ: يا باغيَ الخير أَقْبِلْ، ويا باغيَ الشرِّ أَقْصِرْ، وللهِ عُتقاءُ مِن النَّارِ، وذلك [في] كُلِّ ليلةٍ". وفي رواية للنسائي (٣): "وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ". وللإِمام أحمدَ (٤) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "أُعْطِيَتْ

стр. 329

أمَّتي في رَمَضانَ خمسَ خِصَالٍ، لم تُعْطَه أُمَّةٌ قبلَهم: خُلُوفُ فَمِ الصَّائم أطيبُ، عندَ اللهِ مِن ريحِ المِسْكِ، وتستغفِرُ لهم الملائِكةُ حتَّى يُفطِروا، ويُزَيِّنُ الله كُلَّ يومٍ جَنَّتَه، ثم يقولُ: يُوشِكُ عِبادِي الصَّالحون أن يُلْقُوا عنهم المَؤونَةَ والأذَى وَيَصيرُوا إليك، وتُصَفَّدُ فيه مَرَدَةُ الشَّياطينِ، فلا يَخْلُصُون فيه إلى ما كانوا يَخْلُصُون إليه في غيره، ويُغْفَرُ لهم في آخرِ ليلةٍ. قيل: يا رسولَ الله، أهِي ليلةُ القَدْرِ؟ قال: لا، ولكنَّ العاملَ إنَّما يُوَفَّى أَجْرَه إذا قضَى عَمَلَه". وفي ليلة القدر تنتشِرُ الملائكةُ في الأرض، فيبطُلُ سُلطانُ الشَّياطِين، كما قال الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ (١). وفي المسند (٢) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثَرُ مِن عَدَدِ الحَصَى". وفي صحيح ابن حبَّان (٣)، عن جابرٍ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال في ليلَةِ القَدْرِ: "لا يَخْرُجُ شَيْطَانها حتى يَخْرُجَ فَجْرُها". وفي المسند (٤) من حديث عُبَادَةَ بن الصَّامت، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال في ليلة القدر: "لا يَحِل لكَوْكَبٍ أن يُرْمَى به [فيها] حتى يُصْبِحَ، وأن أَمَارَتَها أن الشَّمسَ تخرُجُ صَبِيحَتَها مُسْتَوِيةً ليسَ لها شُعَاعٌ مثلَ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ، لا يحِلُّ للشَّيْطانِ أن يخرُجَ معها يومئذٍ". ورُوِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: إنَّ الشيطان يطلُعُ مع الشَّمسِ كُلَّ يوم إلَّا ليلةَ القدْرِ؛ وذلك أنَّها تطلُعُ لا شعاعَ لها. وقال مجاهِدٌ في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾، قال: سلام أن يحدُثَ فيها داءٌ أو يستطيعَ شيطانٌ العمَلَ فيها. وعنه قال: ليلةُ القدْرِ ليلة سالمةٌ لا يحدثُ فيها داءٌ، ولا يُرْسَلُ فيها شيطان. وعنه قال: هي سالمةٌ لا يستطيعُ الشيطانُ أن يعملَ فيها سُوءًا، ولا يُحدِثُ فيها أذىً. وعن الضحَّاك، عن ابن عباس، قال: في تلك

стр. 330

الليلة تصفَّدُ مَرَدَةُ الجِنِّ، وتُغلُّ عفارِيتُ الجِنِّ، وتُفْتَحُ فيها أبوابُ السَّماء كلُّها، ويقْبَلُ اللهُ فيها التوبَةَ لكُلِّ تائبٍ؛ فلذلك قال: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾. ويُروى عن أبيّ بن كعبٍ ﵁، قال: لا يستطيعُ الشَّيطانُ أن يُصِيب فيها أحدًا بِخَبَلٍ أو داءٍ أو ضَرْبٍ من ضُرُوبِ الفسادِ، ولا ينفُذُ فيها سِحْرُ ساحِرٍ. ويُروى بإسنادٍ ضعيفٍ عن أنس مرفوعًا: "أنَّه لا تَسْرِي نجومُها، ولا تنبَحُ كلابُها". وكلُّ هذا يَدُلُّ على كفِّ الشَّياطين فيها عن انتشارِهم في الأرض، ومنعِهم من استِراقِ السَّمع فيها من السَّماء. ابنَ آدمَ! لو عرفْتَ قدْرَ نفسِكَ ما أهنْتَها بالمعاصِي، أنتَ المختارُ من المخلوقات، ولك أُعِدَّتِ الجنَّة؛ إن اتقيتَ فهي أقطاعُ المتقين، والدنيا أقطاعُ إبليسَ؛ فهو فيها من المنظَرينَ. فكيفَ رضِيتَ لنفسِكَ بالإِعراض عن أقطاعِكَ ومزاحمةِ إبليسَ على أقطاعِهِ، وأن تكونَ غدًا مَعَهُ في النَّار من جملة أتباعِهِ؟ إنَّما طَردنَاهُ عن السَّماء لأجلك حيثُ تكبَّر عن السُّجودِ لأبيكَ، وطلبْنا قربَكَ؛ لتكونَ من (١) خاصتنا وحزبنا، فعادَيْتَنا ووالَيْتَ عَدُوَّنا، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٢). رَعَى الله مَن نَهْوَى وإنْ كان ما رَعى … حَفِظْنا له العهدَ (٣) القديمَ فضَيَّعا وصاحبْتَ قومًا كُنْتُ أنهاكَ عنهُمُ … وحقِّكَ ما أبقيْتَ للصلْحِ مَوْضِعا أبشِروا يا معاشرَ (٤) المسلمين، فهذه أبوابُ الجنَّة الثمانيةُ في هذا الشهر لأجلكم قد فُتِحَتْ، ونسماتُها على قلوب المؤمنين قد نَفَحَتْ، وأبوابُ الجحيم كلُّها لأجلكم مُغلَقَةٌ، وأَقدامُ إبليسَ وذرئتِهِ من أجلِكُم موثَقَة. ففي هذا الشهر يؤخَذُ من إبليس بالثأر، وتُستخلصُ العُصاةُ من أسْرِهِ فما يبقَى لهم عندَه آثار. كانوا أفراخَهُ، قد غذَّاهم بالشهوات في أوكارِه، فهجروا اليومَ تلك الأوكار. نقضوا معاقِلَ حصُونِه بمعاوِل التوبة والاستغفار. خرَجُوا من سجنه إلى حصنِ التَّقْوَى والإِيمان، فأمِنُوا مِن عذاب النار. قصَمُوا ظهرَهُ بكلمة التوحيدِ؛ فهو يشكُو ألَمَ الانكِسارِ. في كُلِّ مَوْسِمٍ من مواسِمِ

стр. 331

الفَضْلِ يحزَنُ؛ ففي هذا الشَّهْر يدعو بالويل؛ لما يَرَى من تنزُّلِ الرَّحمة ومغفرةِ الأوزار. غلَبَ حزْبُ الرَّحمنِ، وهرب حِزْبُ الشَّيطان؛ فما بقي له سُلطان، إلَّا على الكفَّار. عُزلَ سلطانُ الهَوَى، وصارت الدولةُ لسلطان التَّقوَى؛ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١). يا ندامايَ صَحَا القلبُ صَحَا … فاطرُدوا عنِّي الصِّبا والمَرَحا هَزَمَ العَقْلُ جُنُودًا لِلْهَوَى … فاسِدِي (٢) لا تعجبُوا إن صَلُحا زَجَرَ الحقُّ فؤادي فارْعَوَى … وأفاقَ القَلْبُ منِّي وصَحَا بادِرُوا التَّوْبَةَ مِن قَبْلِ الرَّدَى … فَمُنَادِيه يُنَادِينا الوَحَا (٣) هذا - عبادَ اللهِ - شهرُ رمضانَ قد انتصف، فمن منكم حاسب فيه نفسَه للهِ وانتصف (٤)؟ مَنْ منكم قام في هذا الشهر بحقِّه الذي عَرَفْ؟ من منكم عَزَمَ قبلَ غَلْقِ أبواب الجنَّة أن يبنِيَ له فيها غُرَفًا من فوقها غُرَف؟ ألا إنَّ شهركم قد أخذ في النَّقص، فزيدوا أنتم في العمَل، فكأنكم به وقد انصَرَفَ. فكُلُّ شهرٍ فعسى أن يكونَ منه خلفٌ. وأمَّا شهرُ رمضانَ فمِن أينَ لكم منه خلف؟! تَنَصَّفَ الشَّهْرُ والهفاهُ وانْهَدَما … واخْتَصَّ بالفَوْزِ بالجنَّاتِ مَن خَدَما وأصبَحَ الغافِلُ المِسْكينُ منكسِرًا … مثلي فيا ويحَهُ يا عُظْمَ ما حُرِما مَن فاته الزَّرْعُ في وقتِ البِذار فما … تراه يحصُدُ إلَّا الهَمَّ والنَّدما طُوبَى لمن كانت التَّقوَى بضاعتَهُ … في شهرِهِ وبحبلِ اللهِ مُعتصِما

стр. 332

المجلس الرابع في ذكر العشر الأواخر من رمضان في الصحيحين (١) عن عائشةَ ﵂، قالت: "كان رسولُ الله ﷺ إذا دخل العشر شدَّ مئزرَهُ، وأحيا ليلَة، وأيقَظَ أهلَه". هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلمٍ: "أحيا الليل، وأيقظ أهلَهُ، وجَدَّ، وشَدَّ المِئْزَرَ". وفي رواية لمسلم عنها، قالت: "كان رسول الله ﷺ يجتهدُ في العشر الأواخر ما لا يجتهدُ في غيره". كان النبي ﷺ يخصُّ العشرَ الأواخِرَ من رمضَانَ بأعمالٍ لا يعملُها (٢) في بقيَّة الشهر؛ فمنها: إحياءُ الليل؛ فيحتمل أنَّ المرادَ إحياء الليل كلِّه. وقد روي من حديث عائشة من وجهٍ فيه ضعفٌ بلفظ: "وأحيا الليل كلَّه". وفي "المسند" (٣) من وجهٍ آخرَ عنها، قالت: كان النبي ﷺ يخلِط العشرين بصلاةٍ ونومٍ، فإذا كان العشر - يعني (٤) الأخير - شمَّر وشدَّ المئزَرَ. وخرَّج الحافظ أبو نُعَيم (٥) بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن أنسٍ، قال: "كان النبي ﷺ إذا شهِدَ رمضانَ قام ونام، فإذا كان أربعًا وعشرين لم يَذقْ غُمْضًا". ويحتمل أن يريدَ بإحياء الليل إحياءَ غالبه. وقد روي عن بعض المتقدِّمين من بني هاشمٍ - ظنَّه الراوي أبا جعفرٍ (٦) محمد بن علي - أنَّه فسَّر ذلك بإحياء نصفِ الليل، وقال: من أحيا نصفَ الليل فقد أحيا الليل. وقد سبق مثل هذا في قول عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يصومُ شعبانَ كلَّه، كان يصومُ شعبان إلَّا قليلًا" (٧). ويؤيِّدُه ما في "صحيح مسلم" (٨) عن عائشة، قالت: "ما أعلمُه ﷺ قام ليلةً حتَّى الصباح".

стр. 333

وذكر بعضُ الشافعية في إحياء ليلتي العيدين أنَّه تحصُلُ فضيلة الإِحياء بمعظم الليل. قال: وقيل: تحصلُ بساعةٍ. وقد نقل الشافعيُّ في "الأم" عن جماعةٍ من خيار أهلِ المدينة ما يؤيدُه. ونقَلَ بعضُ أصحابهم عن ابن عباسٍ أن إحياءَها يحصُلُ بأن يُصلِّيَ العشاءَ في جماعةٍ، ويعزِمَ على أن يصلِّيَ الصبحَ في جماعةٍ. وقال مالك في "الموطأ" (١): بلغني أنَّ ابنَ المسيبِ قال: "مَن شَهِدَ العِشاءَ ليلةَ القدْرِ، يعني في جماعةٍ، فقد أخذَ بحظِّه منها". وكذا قال الشافعي في القديم: من شهِدَ العشاءَ والصبحَ ليلةَ القَدْرِ فقد أخَذَ بحظِّه منها. وقد روي هذا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من صلَّى العشاءَ الآخِرَة في جماعةٍ في رمضانَ، فقد أدرَكَ ليلةَ القَدْرِ". خرَّجه أبو الشيخ الأصبهاني. ومن طريقه أبو مُوسى المديني. وذكر أنه رُوي من وجهٍ آخر عن أبي هريرة نحوه. ويروى من حديثِ عليِّ بن أبي طالبٍ مرفوعًا. لكن إسناده ضعيفٌ جدًّا. ويُروى من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلًا: أنَّ النبي ﷺ قال: مَن أتى عليه رمضانُ صحيحًا مسلمًا؛ صام نهارَه، وصلَّى وِردًا مِن ليله، وغَضَّ بَصَرَه، وحفِظَ فَرْجَه، ولسانَه، ويدَه، وحافظ على صلاته في الجماعة؛ وبكَّر إلى جمعةٍ (٢)؛ فقد صامَ الشهرَ، واستكملَ الأجْرَ، أدرك ليلَةَ القَدْر، وفاز بحائزة الرَّبِّ . قال أبو جعفرٍ: جائزةٌ لا تُشبِهُ جوائزَ الأمراءِ. خرَّجَه ابنُ أبي الدنيا. ولو نذرَ قيامَ ليلة القَدْرِ لزمَه أن يقومَ من ليالي شهر رمضانَ ما يُتيقَّنُ به قيامُها. فمن قال من العلماءِ: إنَّها في جميع الشهر، يقول: يلزُمُه قيامُ جميع ليالي الشهر. ومن قال: هي في النصفِ الآخر من الشهر، قال: يلزمُهُ قيامُ ليالي النصف الأخير منه. ومن قال: هي في العشر الأواخر مِن الشهر، قال: يلزَمُهُ قيامُ ليالي العشر كلِّها، وهو قولُ أصحابنا. وإن كان نذرَهُ كذلك، وقد مَضَى بعضُ ليالي العشر؛ فإنْ قلْنا: إنَّها لا تنتقل في العشر، أجزأهُ

стр. 334

في (١) نذره أن يقوم ما بَقي من ليالي العشر، ويقومَ من عامٍ قابلٍ من أوَّلِ العشر إلى وقتِ نَذْرِهِ. وإن قلْنا: إنَّها تنتقِل في العشر لم يخرُجْ مِن نَذْرِه بدون قيام ليالي العشر كلِّها بعد عام نذرِه. ولو نذَرَ قيامَ ليلةٍ غيرِ معيّنةٍ، لزمَهُ قيامُ ليلةٍ تامَّةٍ؛ فإنْ قام نصفَ ليلةٍ ثم نام أجزأَهُ أن يقومَ من ليلةٍ أخرى نصفَها؛ قاله الأوزاعيُّ، نقلَهُ عنه الوليدُ بن مسلمٍ في كتاب "النذور"، وهو شبيهٌ بقول مَن قال من أصحابنا وغيرِهم: إنَّ الكفَّارة يُجزئ فيها أن يَعتق نصفي رقبتين. ومنها: أن النبي ﷺ كان يوقظُ أهلَه للصَّلاة في ليالي العشْرِ دونَ غيره من الليالي. وفي حديث أبي ذرٍّ أنَّ النبي ﷺ لما قامَ بهم ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، وخمسٍ وعشرين، وسبْعٍ وعشرين، ذكر أنَّه دعا أهلَه ونساءَه ليلة سبعٍ وعشرين خاصَّةً. وهذا يدلُّ على أنَّه يتأكد إيقاظُهم في آكد الأوتار التي تُرجى فيها ليلةُ القَدْر. وخرَّج الطبراني (٢) من حديث علي أن النبي ﷺ كان يوقظُ أهلَهُ في العشر الأواخر من رمضانَ وكُلَّ صغيرٍ وكبيرٍ يطيق الصلاةَ. قال سفيان الثوري: أحَبُّ إليَّ إذا دَخَلَ العشرُ الأواخرُ أن يتهجَّد بالليل، ويجتهدَ فيه، ويُنهِضَ أهلَه وولدَه إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك. وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه كان يطرق فاطمَةَ وعليًّا ليلًا فيقولُ لهما: "ألا تقومان فَتُصَلِّيان" (٣). وكان يوقظُ عائشةَ بالليل إذا قضى تهجُّدَه وأراد أن يُوترَ. وورد الترغيبُ في إيقاظ أحد الزوجين صاحِبَه للصَّلاة، ونضحِ الماء في وجهه. وفي الموطأ (٤) أن عمر بن

стр. 335

الخطاب كان يُصلِّي من الليل ما شاء اللهُ أن يُصلِّي، حتى إذا كان نِصْفُ الليل أيقَظَ أهلَه للصَّلاة، يقولُ لهم: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، ويتلو هذه الآيةَ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (١) الآية. كانت امرأة حبيب أبي محمدٍ (٢) تقولُ له بالليل: قد ذهَبَ الليلُ وبين أيدينا طريقٌ بعيدٌ وزادنا قليلٌ، وقوافلُ الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا: يا نائمًا باللَّيل (٣) كم ترقُدُ … قُمْ يا حبيبي قَد دَنَا المَوْعِدُ وخُذْ مِن اللَّيل وأوقاتِهِ … وِرْدًا إذا ما هجَعَ الرُّقَّدُ مَنْ نام حتَّى ينقضِي ليلُه … لم يبلغِ المنزِلَ أو يجهَدُ [قُلْ لِذَوي الألبابِ أهلِ التُّقى … قَنْطَرَةُ العَرْضِ لكُم موعِدُ] (٤) ومنها: أن (٥) النبيَّ ﷺ كان يَشُدُّ المئزَرَ. واختلفوا في تفسيره؛ فمنهم من قال: هو كنايةٌ عن شِدَّة جدِّهِ واجتهادِه في العبادة، كما يقال: فلان يَشُدُّ وسَطَه ويسعَى في كذا. وهذا فيه نظرٌ؛ فإنَّها قالت: "جَدَّ وشَدَّ المئزَرَ"، فعطفَتْ "شَدَّ المئزرَ" على جدِّه. والصحيح أنَّ المراد اعتزالُه للنساء، وبذلك فسَّره السَّلَف والأئمةُ المتقدِّمون؛ منهم سفيان (٦) الثوري. وقد ورد ذلك صريحًا من حديث عائشَةَ وأنسٍ، وورد تفسيرُه بأنَّه لم يأوِ إلى فراشِهِ حتَّى ينسلخَ رمضانُ. وفي حديث أَنس: "وطوى فراشه، واعتزَلَ النساء". وقد كان النبي ﷺ غالبًا يعتكِفُ العشرَ الأواخِرَ، والمعتكِفُ ممنوعٌ من قربانِ النِّساء بالنَّصِّ والإِجماع، وقد قال طائفة من السَّلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٧): إنه طلبُ ليلة القدر. والمعنى في ذلك أنَّ الله تعالى لما أباح مباشَرَةَ النِّساء في ليالِي الصيام، إلى أن يتبيَّن الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسود، أمَرَ مَعَ ذلك بطلب ليلةِ القَدْرِ؛ لئلَّا يشتغلَ المسلمون في طول ليالي

стр. 336

الشهر بالاستمتاع المباح، فيفوتهم طلبُ ليلة القَدْرِ، فأمر مَعَ ذلك بطلب ليلة القَدْرِ بالتهجُّد من الليل، خصوصًا في الليالي المرجُوِّ فيها ليلةُ القَدْر، فمن هاهنا كان النبيُّ ﷺ يصيبُ مِن أهله في العشرين من رمضان، ثم يعتزل نساءَه ويتفرَّغ لطلب ليلة القَدْرِ في العشر الأواخر. ومنها: تأخيرُه للفطور إلى السَّحَر (١). رُوي عنه من حديث عائشَةَ وأنسٍ أنَّه ﷺ كان في ليالي العشْرِ يجعَلُ عَشَاءَهُ سَحُورًا. ولفظُ حديث عائشَةَ: "كان رسول الله ﷺ إذا كان رمضانُ قام ونام، فإذا دَخَلَ العشْرُ شَدَّ المئزَرَ، واجتنَبَ النساءَ، واغتسَلَ بينَ الأذانين، وجعَلَ العَشَاءَ سَحورًا". أخرَجَه ابنُ أبي عاصم، وإسنادُه مقاربٌ. وحديثُ أنسٍ خرَّجه الطبراني، ولفظه: "كان رسولُ الله ﷺ إذا دخل العشرُ الأواخر من رمضانَ طَوَى فراشَهُ واعتزَلَ النساء، وجَعَلَ عَشَاءه سَحُورًا". وفي إسناده حفصُ بنُ واقدٍ، قال ابن عدِيّ: هذا الحديث مِن أنكر ما رأيتُ له. وروي أيضًا نحوه من حديث جابر، خرَّجه أبو بكر الخطيب، وفي إسناده مَن لا يُعرَفُ حالُهُ. وفي "الصحيحين" (٢) ما يشهَدُ لهذه الروايات، ففيهما عن أبي هريرة، قال: "نَهَى رسولُ الله ﷺ عن الوِصالِ في الصَّوم، فقال له رَجُلٌ من المسلمين: إنَّك تواصِلُ يا رسولَ الله؟ قال: وأيُّكم مثلي؟ إني أبيتُ يُطعِمُني ربِّي ويَسقيني. فلمَّا أَبَوْا أن يَنْتَهُوا عن الوِصال واصَلَ بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوُا الهِلال. فقال: لو تأخَّرَ لَزِدْتُكم، كالتَّنكيل لهم حين أَبَوْا أن يَنْتهوا". فهذا يدلُّ على أنَّه واصَلَ بالناس في آخر الشهر. وروى عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ما واصل النبيُّ ﷺ وصالكم قطُّ، غيرَ أنَّه قَدْ أخَّر الفِطْرَ إلى السَّحُور. وإسنادُه لا بأس به.

стр. 337

وخرَّج الإِمام أحمدُ (١) من حديث علي أن النبي ﷺ كان يواصلُ إلى السَّحَر. وخرَّجه الطبراني (٢) من حديث جابرٍ أيضًا. وخرَّج ابن جرير الطبري (٣) من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان يواصل إلى السَّحَر، ففعل ذلك بعضُ أصحابه، فنهاه، فقال: أنت تفعل ذلك. فقال: إنكم لستم مثلي، إنِّي أظلُّ عند ربِّي يُطعمني ويسقيني. وزعم ابنُ جرير أنَّ النبي ﷺ لم يكن يواصِلُ في صيامه إلَّا إلى السَّحَر خاصَّةً، وأنَّ ذلك يجوز لمن قوي عليه، ويُكْرَه لغيرِه. وأنكَر أن يكونَ استدامةُ الصِّيام في الليل كلِّه طاعةً عند أحدٍ من العلماءِ؛ قال: وإنما كان يُمسِكُ بعضُهم لمعنىً آخَرَ غيرِ الصِّيام؛ إمَّا ليكونَ أنشَطَ له على العبادة، أَو إيثارًا بطعامه على نفسِهِ، أو لخوفٍ مقلقٍ منَعَه طَعامَه، أو نحو ذلك. فمقتضَى كلامِه أن مَن واصَلَ ولم يُفطِر؛ ليكون أنشَطَ له على العبادةِ من غير أن يعتقدَ أن إمساك الليل قُربةٌ، أنه جائز وإن أمسَكَ تعبُّدًا (٤) بالمواصلة. فإن كان إلى السَّحَر وقوي عليه، لم يُكْرَه، وإلَّا كُرِهَ. ولذلك قال أحمد وإسحاق: لا يُكْرَه الوِصالُ إلى السَّحَر. وفي صحيح البخاري (٥) عن أبي سعيدٍ الخدري، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تواصِلوا، فأيُّكم أرادَ أن يواصِلَ فلْيُواصِلْ إلى السَّحَرِ. قالوا: فإنَّك تُواصِلُ يا رسولَ الله؟ قال: إنِّي لسْتُ كهيئتكم، إني أبيتُ لي مُطعِمٌ يُطعمُني وساقٍ يَسقيني". وظاهرُ هذا يدلُّ على أنَّه ﷺ كان يواصل الليلَ كلَّه، وقد يكون ﷺ إنَّما فَعَلَ ذلك لأنَّه رآه أنشطَ له على الاجتهاد في ليالي العشر، ولم يكُنْ ذلك مضعِفًا له عن العَمل؛ فإنَّ الله كان يُطعمُهُ ويَسقيه. واختلف في معنى إطعامه؛ فقيل: إنه كان يؤتَى بطعامٍ من الجَنَّة يأكُلُه؛ وفي هذا نظر؛ فإنَّه لو كان كذلك لم يكن مواصِلًا، وقد

стр. 338

أقرَّهُم على قولهم له: إنَّك تواصِلُ. لكن روى عبدُ الرَّزَّاق (١) في كتابه عن ابن جريجٍ، أخبرني عمرو بن دينار: أنَّ النبي ﷺ نَهَى عن الوِصال، قالوا: فإنَّك تواصِلُ؟ قال: وما يدريكم! لَعَلَّ رَبِّي يُطعمني ويَسقيني. وهذا مرسل. وفي رواية لمسلم (٢)، من حديث أنس: "إني أظلُّ يُطعمني ربِّي ويسقيني". وإنما يقال: ظَلَّ يفعَلُ كذا، إذا كان نهارًا، ولو كان أَكْلًا حقيقيًا لكان منافيًا للصِّيام. والصحيح أنَّه إشارةٌ إلى ما كان الله تعالى يفتحَهُ عليه في صِيامه وخلوته بربِّهِ، لمناجاته وذِكْرِه من موادّ أنسِهِ ونفَحَاتِ قُدْسِهِ، فكان يَرِدُ بذلك على قلبه من المعارف الإِلهية والمنح الربَّانية ما يغذِّيه ويُغنِيه عن الطَّعام والشراب. كما قيل: لها أحاديثُ من ذكراك يشغِلُها … عن الطعام ويُلهيها عن الزَّادِ لها بوجهك نورٌ تستضِيءُ به … وَقْتَ المسِير وفي أعقابِها حادِي إذا شَكَتْ مِن كَلَالِ السَّيْر أوعَدَها … روحُ القُدُومِ فتحيا عند ميعادِ الذِّكْرُ قُوتُ قلوبِ العارفين، يغنيهم عن الطعام والشراب، كما قيل: أنتَ رِيِّي إذا ظمئْتُ إلى الما … ءِ وقُوتي إذا أردْتُ الطَّعاما لمَّا جَاعَ المجتهدون شبِعوا مِن طعام المناجاة. فأفٍّ لمن بَاعَ لذَّةَ المناجاة بفضْل لُقمَةٍ. يا مَن لِحَشا المحِبِّ بالشَّوق حَشَا … ذا سِرُّ سُراك في الدُّجا كيفَ فَشَا هذا المولى إلى المماليك مَشَا … لا كان عيشًا أوْرَثَ القلبَ غِشّا ويتأكَّدُ تأخيرُ الفطر في الليالي التي تُرْجَى فيها ليلةُ القَدْرِ. قال زِرّ بن (٣) حُبَيْش في ليلة سبعٍ وعشرين: مَن استطاع منكم أن يؤخِّر فِطْرَه فلْيَفْعَلْ وليفطِرْ على ضَيَاحِ (٤) لبنٍ. ورواه بعضُهم عن زِرٍّ، عن أبيّ بن كعبٍ مرفوعًا، ولا يصح. وضِياحُ اللبن،

стр. 339

وروي "ضَيْح" بالضاد المعجمة والياءِ آخر الحروف، هو اللبن الخاثِر الممزوج بالماء. ورَوَى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن علي، قال: إن وافق ليلةَ القدْرِ وهو يأكُلُ، أورثه داءً لا يفارِقُهُ حتَّى يموتَ. وخزجه من طريقه أبو موسى المديني. وكأنَّهُ يريد: إذا وافق دخولُها أكلَه، والله أعلم. ومنها: اغتسالُهُ ﷺ بين العشاءَين، وقد تقدَّم من حديث عائشةَ: "واغتسَلَ بين الأذانين". والمراد: أذانُ المغرب والعشاء. وروي من حديثِ علي أنَّ النبيَّ ﷺ كان يغتسِلُ بين العشاءَيْن كُلَّ ليلةٍ، يعني من العشْرِ الأواخر. وفي إسناده ضعفٌ. ورُوي عن حذيفَةَ أنَّه قام مع النبي ﷺ ليلةً مِن رمضانَ، فاغتسَلَ النبيُّ ﷺ وسَتَرَهُ حُذَيْفَةُ، وبقيَتْ فضلةٌ فاغتسَلَ بها حُذَيْفَةُ وسَتَرَهُ النبيُّ ﷺ . خرَّجه ابنُ أبي عاصمٍ. وفي روايةٍ أخرى عن حذيفَةَ، قال: قام النبيُّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ مِن رمضانَ في حُجْرَةٍ مِن جَريد النَّخل، فصَبَّ عليه دَلْوًا من ماءٍ. وقال ابنُ جريرة كانوا يستحبون أن يغتسِلوا كُلَّ ليلةٍ من ليالي العشْرِ الأواخر. وكان النَّخعيُّ يغتسِلُ في العَشْرِ كُلَّ ليلةٍ. ومنهم من كان يغتسِلُ ويتطيَّبُ في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر، فأمر زِرّ بن حُبَيْش بالاغتسال ليلةَ سبعٍ وعشرين من رمضانَ. وروي عن أنسِ بن مالكٍ ﵁ أنه إذا كان ليلةُ أربعٍ وعشرين (١) اغتسَلَ وتطيَّب ولبس حُلَّةً إزارًا ورداء، فإذا أصبَحَ طواهما فلم يلبَسْهُما إلى مثلها من قابل. وكان أيوب السَّختياني يغتسِلُ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين وأربعٍ وعشرين، ويلبَسُ ثوبين جديدين، ويستجمرُ ويقولُ: ليلة ثلاثٍ وعشرين هي ليلةُ أهلِ المدينة، والتي تليها ليلتُنا، يعني البصريين. وقال حمَّاد بنُ سَلَمة: كان ثابت البُناني (٢)، وحميدٌ الطويل (٣)

стр. 340

يلبَسَان أحسَنَ ثيابهما ويتطيَّبان، ويطيِّبون المسجِدَ بالنَّضوح (١) والدُّخْنَة في الليلة التي يُرْجَى فيها ليلةُ القَدْرِ. وقال ثابتٌ: كان لتميمٍ الداريّ (٢) حُلَّةٌ اشتراها بألف درهمٍ، كان يلبَسُها في الليلة التي يُرْجَى فيها ليلةُ القدر. فتبيَّنَ بهذا أنَّه يُسْتَحَبُّ في الليالي التي تُرجَى فيها ليلةُ القدر التنظُّفُ والتزيُّن، والتطيّب بالغُسْلِ والطِّيب واللباس الحَسَن، كما يُشْرَع ذلك في الجُمَعِ والأعياد. وكذلك يُشْرَعُ أَخْذُ الزِّينة بالثياب في سائر الصَّلواتِ، كما قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٣). وقال ابنُ عُمَرَ: "اللهُ أحقُّ أن يُتَزَيَّنَ لَهُ". ورُوِي عنه مرفوعًا. ولا يكملُ التزيُّن الظاهر إلا بتزين الباطِن؛ بالتَّوْبة والإِنابة إلى الله تعالى، وتطهيره من أدناسِ الذنوب وأوضارها (٤)؛ فإنَّ زينة الظاهر مع خَرَاب الباطنِ لا تغني شيئًا. قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٥): إذا المَرْءُ لم يلبَسْ ثيابًا من التُّقَى … تقلَّبَ عُريانًا وإن كان كاسِيا لا يصلح لمناجاة الملوك في الخلوات إلَّا من زَيَّنَ ظاهِرَهُ وباطِنَه، وطهَّرَهما خصوصًا ملك الملوك الذي يعلم السِّرَّ وأخْفَى، وهو لا ينظُر إلى صوركم وإنما ينظُرُ إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن وقف بين يديه فليزيِّنْ له ظاهره باللباس، وباطنه بلباس التَّقْوَى. أنشد الشِّبْلِيُّ: قالوا غدا العيدُ ماذا أَنْتَ لابسُه … فقلْتُ خلعة ساقٍ حُبّه جُرَعا فَقْرٌ وصبْرٌ هما ثوبان تحتَهُما … قَلْبٌ يَرَى إلْفَهُ الأعيادَ والجُمُعا أَحْرَى الملابِس أن تَلْقَى الحبيبَ بِهِ … يومَ التَّزاورِ في الثَّوْب الذي خَلَعا الدَّهْرُ لي مأثَمٌ (٦) إنْ غِبْتَ يا أملي … والعيدُ ما كنْتَ لي مَرْأًى ومُسْتَمَعا

стр. 341

ومنها: الاعتكاف: ففي "الصحيحين" (١) عن عائشة ﵂، "أن النبي ﷺ كان يعتكِفُ العَشْرَ الأواخِرَ من رمضَانَ حتَّى توفَّاه الله تعالى". وفي "صحيح البخاري" (٢) عن أبي هريرة ﵁، قال: "كان رسولُ الله ﷺ يعتكِفُ في كُلِّ رمضان عشرَةَ أيامٍ. فلمَّا كان العامُ الذي قُبِضَ فيه اعتكَفَ عشرين". وإنما كان يعتكِفُ النبي ﷺ في هذه العشر التي يُطلَبُ فيها ليلةُ القَدْرِ، قطعًا لأشغاله (٣)، وتفريغًا لباله، وتخلِّيًا لمناجاة (٤) رَبِّه وذِكْره ودعائه. وكان يحتجر حصيرًا (٥) يتخلَّى فيها عن الناس، فلا يخالِطُهم، ولا يشتغِلُ بهم؛ ولهذا ذَهَبَ الإِمامُ أحمد إلى أن المعتكِفَ لا يُسْتَحَبُّ له مخالطةُ النَّاسِ، حتَّى ولا لتعليم علمٍ، وإقراء قرآنٍ، بل الأفضَلُ له الانفرادُ بنفسه والتخلِّي بمناجاة رَبِّه وذِكْرِه ودعائه. وهذا الاعتِكافُ هو الخَلْوَةُ الشَّرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلَّا يتركَ به الجُمَعَ والجماعاتِ؛ فإنَّ الخلوةَ القاطِعَةَ عن الجُمَع والجماعاتِ منهيٌّ عنها. سُئل ابنُ عبَّاس عن رجلٍ يَصومُ النَّهارَ ويقومُ الليلَ، ولا يَشْهَدَ الجُمُعَة والجَمَاعَةَ؟ قال: هو في النار. فالخلوة المَشْرُوعة لهذه الأمة هي الاعتِكافُ في المساجد، خصوصًا في شهر رمضانَ، خصوصًا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي ﷺ يفعله. فالمعتكِفُ قد حَبَسَ نَفْسَه على طاعةِ اللهِ وذِكْرِه، وقَطَعَ عن نفسِه كُلَّ شاغلٍ يَشْغَلُه عنه، وعَكَفَ بقلبه وقالبِهِ على رَبِّه وما يُقَرِّبُه منه، فما بقي له هَمٌّ سِوى الله، وما يُرضيهِ عنه. كما كان داود الطَّائيُّ (٦) يقول في ليله: هَمُّكَ عَطَّلَ عليَّ الهُمُومَ، وحالف بيني وبينَ

стр. 342

السُّهادِ، وشوقي إلى النَّظر إليك أوبق (١) مِنِّي اللَّذاتِ، وحَالَ بيني وبينَ الشَّهواتِ. ما لي شُغُلٌ سِواهُ ما لي شُغُلُ … ما يَصْرِفُ عن قلبي هواه عَذْلُ (٢) ما أصنَعُ إنْ جَفَا وخَابَ الأمَلُ … منِّي بدَلٌ ومنه ما لي بَدَلُ فمعنى الاعتكاف وحقيقتُهُ: قطعُ العلائِقِ عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالِق، وكلَّما قويتِ المعرفةُ بالله والمحبَّةُ له، والأنسُ به، أورثَتْ صاحبَها الانقطاعَ إلى الله تعالى بالكليّة على كُلِّ حالٍ. كان بعضُهم لا يزالُ منفردًا في بيته، خاليًا بربِّه، فقيل له: أمَا تستوحِشُ؟ قال: كيفَ أستوحِشُ وهو يقولُ: "أنا جليسُ مَن ذكرني". أوحَشَتْنِي خَلَواتي … بكَ مِن كُلِّ أنيسي وتفرَّدْتُ فَعَايَنْتُكَ … بالغَيْبِ جَليسِي يا ليلةَ القَدْرِ للعابدين اشْهَدِي، يا أقدَامَ القانِتين ارْكَعِي لربِّكِ واسْجُدِي، يا ألسِنَةَ السَّائلين جُدِّي في المسألة واجْتَهِدِي. يا رجالَ اللَّيلَ جُدُّوا … رُبَّ دَاعٍ لا يُرَدُّ ما يقومُ اللَّيلَ إلَّا … مَنْ لَهُ عَزْمٌ وجِدُّ ليلةُ القَدْر عندَ المحبِّين ليلةُ الحُظْوةِ بأُنْسِ مولاهم وقُرْبِه، وإنما يفرُّون من ليالي البُعْد والهجر. كان ببغداد موضعان يقال لأحدهما دارُ المُلْك، والأخرى (٣) القطيعة، فجاز بعضُ العارفين بملَّاحٍ في سفينةٍ، فقال له: احمِلْني معكَ إلى دار المُلْك، فقال له الملاح: ما أقصِدُ إلَّا القطيص،، فصاح العارِفُ: لا بالله، لا بالله، منها أفِرُّ. وليلةٍ بتُّ بأكنافِها … تعدِلُ عنديِ ليلةَ القَدْرِ كانَتْ سلامًا لسروري بها … بالوَصْل (٤) حتَّى مطلَعِ الفَجْرِ

стр. 343

يا مَنْ ضَاعَ عُمُرُه في لا شيء، اسْتَدرِكْ ما فاتَكَ في ليلة القَدْرِ؛ فإنَّها تحسَبُ بالعُمرِ. وليلة وَصْلٍ باتَ مُنْجِزُ وَعْدِهِ … سَمِيري فيها بعدَ طولِ مطالِ شفيتُ بها قلبًا أُطِيلَ عليلُه (١) … زمانًا فكانت ليلةً بليالي قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٢). [واختُلِفَ في ليلة القدر والحكمة في نزول الملائكة في هذه الليلة، أن الملوك والسادات لا يحبون أن يدخل دارهم أحد حتى يزينون دارهم بالفرش والبسط ويزينوا عبيدهم بالثياب والأسلحة، فإذا كان ليلة القدر أمر الربّ ﵎ الملائكة بالنزول إلى الأرض؛ لأنَّ العِبادَ زيَّنوا أنفسَهم بالطاعات؛ بالصَّوم والصَّلاةُ في ليالي رمضان، ومساجدَهم بالقنادِيلِ والمصَّابيحِ، فيقول الربُّ تعالى: أنتم طعنتم في بني آدم وقلتم ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (٣)، الآية، فقلْتُ لكم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، اذهبوا إليهم في هذه الليلة حتى تروهم قائمين ساجدين راكعين لتعلموا أنِّي اخترتهم على علم على العالمين] (٤). قال مالك: بلغني أنَّ رسولَ الله ﷺ أُرِي أَعْمَارَ النَّاس قبلَه، أو ما شاء اللهُ من ذلك، فكأنَّه تقاصَرَ أعْمَارَ أُمَّتِه ألَّا يبلُغُوا مِن العَمَل الذي بلَغَ غيرُهُم في طُول العُمُر، فأعطاهُ اللهُ ليلَةَ القَدْرِ خيرًا (٥) مِن ألفِ شَهْرٍ (٦). ورُوي عن مجاهدٍ، أن النبيَّ ﷺ ذَكَرَ رجلًا مِن بني إسرائيلَ لبِسَ السَّلاحِ ألفَ شهرٍ، فعجِبَ المسلمون من ذلك؛ فأنزَلَ اللهُ تعالى هذه السورة "ليلةُ القَدْرِ خيْرٌ مِن أَلْف شَهْرٍ" الذي لبس فيها ذلك الرجل (٧) السِّلاحَ في سبيل الله ألفَ شهرٍ. وقال النَّخعِيُّ: العملُ فيها خيرٌ مِن العَمَلِ في ألف شهر.

стр. 344

وفي "الصحيحين" (١) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ قامَ ليلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ مِن ذَنْبِه". وفي "المسند" (٢) عن عُبَادَةَ بن الصَّامت، عن النبي ﷺ ، قال: "من قامَها ابتغاءَها، ثم وقعَتْ له، غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه وما تأخر". وفي "المسند" (٣) و"النسائي" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه قال في شهر رمضانَ: "فيه ليلَة خَيْرٌ مِن أَلْفِ شهرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَها فقد حُرِمَ". قال جُوَيْبر (٤): قلْتُ للضحَّاك: أرأيتَ النفسَاءَ والحائضَ والمسافرَ والنَّائمَ لهم في ليلةِ القَدْرِ نصيبٌ؟ قال: نعم، كُلُّ مَن تقبَّلَ الله عَمَلَه سيعطيه نصيبَه مِن ليلة القَدْر. إخواني! المعوَّلُ على القَبُولِ لا على الاجتهاد، والاعتبارُ ببرِّ القلوبِ لا بعمَلِ الأبدانِ. رُبٌّ قائمٍ حظُّه مِن قيامه السَّهَرُ؛ كم من قائمٍ محرومٍ، ومن نائمٍ مرحوم؛ هذا نام وقلبُه ذاكِرٌ، وهذا قامَ وقلبُه فاجر. إنَّ المقاديرَ إذا ساعَدَتْ … أَلْحَقَتِ، النَّائمَ بالقَائمِ لكنَّ العَبْدَ مأمورٌ بالسَّعي في اكتِساب الخيرات والاجتهاد في الأعمال الصالحات؛ وكُلٌّ مَيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له. أمَّا أهلُ الَسعادة فييسَّرُون لعمَلِ أهلِ السعادة، وأمَّا أهلُ الشَّقاوةِ فييسَّرون لعمَل أهلِ الشقاوة. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٥). فالمبادرةَ المبادرةَ إلى اغتنام العَمَلِ فيما بقي من الشهر، فعسَى أن يُستدركَ به ما فات من ضياع العُمُر. تولَّى العُمْرُ في سَهْوٍ … وفي لَهْوٍ وفي خُسْرِ

стр. 345

فيا ضيعَةَ ما أنفقْتُ في الأيَّامِ (١) من عُمْرِي وما لي في الَّذي ضَيَّعْتُ من عُمْرِي مِن عُذْرِ فما أَغفَلَنا عن وا … جباتِ الحَمْدِ والشكرِ أَمَا قَدْ خصَّنا الله … بِشَهْرٍ أيَّما شَهْرِ بشهرٍ أَنْزَلَ الرَّحما … نُ فيهِ أَشْرَفَ الذِّكْرِ وهل يشبهُهُ شَهْرٌ وفيهِ لَيْلَةُ القَدْرِ فكم من خبرٍ صَحَّ … بما فيها مِن الخير (٢) رَوَيْنا عَنْ ثِقاتٍ أنَّها تُطْلَبُ في الوِتْرِ فطُوَبى لامرئٍ يطلبُها في هذه العَشْرِ ففيها تَنزِلُ الأملَا … كُ بالأنوارِ والبِرِّ وقد قال: سَلامٌ هِيَ حتَّى مطلعَ الفَجْرِ أَلَا فادَّخِرُوها … إنَّها مِن أَنْفَسِ الذُّخْرِ فكَم مِن مُعْتَقٍ فيها … مِنَ النَّارِ ولا يَدْرِي * * * المجلس الخامس في ذكر السَّبع الأواخر من رمضان في "الصحيحين" (٣) عن ابن عمر ﵄: أن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ أُرُوا ليلةَ القَدْرِ في المنام في السَّبْعِ الأواخر، فقال رسولُ الله ﷺ : "أرى رؤياكم قد تَوَاطأَتْ في السَّبع الأواخر، فمن كان مُتَحَرِّيها فَلْيَتَحَرِّيها في السَّبع الأواخر". وفي صحيح مسلم (٤) عنه، عن النبي ﷺ قال: "التمِسُوها في العشر

стр. 346

الأواخر، فإنْ ضَعُفَ أحدُكم أو عَجَزَ فلا يُغْلَبَنَّ على السَّبْع البَواقِي". قد ذكرنا فيما تقدَّم أنَّ النبي ﷺ كان يجتهد في شهر رمضانَ على طلب ليلة القَدْر، وأنَّه اعتكفَ مرَّةً العشْرَ الأوَّل (١) منه، ثم طلبها فاعتكفَ بعدَ ذلك العشْرَ الأوسَط في طلبها، وأنَّ ذلك تكرَّر منه غير مَرَّة، ثم استقَرَّ أمرُهُ على اعتِكاف العَشْر الأواخر في طلبها، وأَمَرَ بطلبها فيه. ففي "الصحيحين" (٢) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "تحرَّوا ليلَةَ القَدْر في العَشْر الأواخِر مِن رَمضانَ". وفي رواية للبخاري: "في الوِتْر مِن العَشْر الأواخِرِ مِن رمضان". وله (٣) من حديثِ ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "التمِسُوها في العشر الأواخرِ (٤) مِن رمضان". ولمسلم (٥) من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "التمسوها في العَشْر الغَوابِر". والأحاديثُ في المعنى كثيرة. وكان يأمُر بالتماسها في أوتار العَشْر الأواخر. ففي "صحيح البخاري" (٦) عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "التمِسوها (٧) في العَشْر الأواخر من رمضان؛ في تاسعةٍ تَبْقَى، في سابعةٍ تَبْقَى، في خامسةٍ تَبْقَى". وفي رواية له: "هي في العَشْر؛ في سبْع يَمضينَ، أو سبْع يَبْقَيْنَ". وخرَّج الإِمامُ أحمدُ (٨) والنّسائي والترمذيّ من حديث أبي بَكْرَةَ، قال: ما أنا بملتمِسِها لشيءٍ سمِعْتُه مِن رسول الله ﷺ إلَّا في العَشْرِ الأواخر؛ فإنِّي سمِعْتُه يقولُ: "التمِسُوها في تِسْعٍ يَبْقَيْن، أو سَبْع يَبقَيْن، أو خَمْسٍ يَبْقَيْن، أو ثلاثٍ يبقَيْن، أو آخرِ ليلةٍ". وكان أبو بَكْرَة يصلِّي في العشرين مِن رمضانَ كصلاتِه في سائر السَّنَة، فإذا

стр. 347

دَخَلَ العشْرُ اجتهدَ، ثم بعدَ ذلك أَمَرَ بطلبها في السَّبْع الأواخر. وفي المسند (١) وكتاب النسائي عن أبي ذرٍّ، قال: كنتُ أسألُ الناس عنها، يعني ليلَةَ القَدْر، فقلت: يا رسولَ الله، أخبِرني عن ليلة القَدْرِ، أفي رمضان هي، أو في غيره؟ قال: بَل (٢) هي في رمضانَ. قلت: تكونُ مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قبِضُوا رُفِعَتْ، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة. قلتُ: في أيٍّ رمضان هي؟ قال: التَمِسُوها في العشْرِ الأوَّل والعَشْرِ الأواخر. قلْت: في أي العشرين هي؟ قال: في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيءٍ بعدها. ثم حدَّث رسول الله ﷺ ، ثم اهْتَبَلْتُ (٣) غَفْلَتَه، فقلْتُ: يا رسولَ الله، أقسمْتُ عليك بحقِّي لَمَا أخبرتني، في أيِّ العَشْرِ هي؟ فغضِبَ عليَّ غضَبًا لم يغضَبْ مثلَه منذُ صَحِبْتُه، وقال: التمِسُوها في السَّبْع الأواخر؛ لا تسألني عن شيءٍ بعدَها. وخرَّجه ابن حِبَّان (٤) في "صحيحه" والحاكم. وفي رواية لهما: أنَّه قال: "ألم أنْهَكَ أن تسألني عنها؟ إن الله لو أذِنَ لي أن أخبِرَكم بها لأخبرتكم، لا آمَن أن تكونَ في السَّبْع الأواخر". ففي هذه الرواية أن بيان النبي ﷺ لليلة القدر انتهى إلى أنَّها في السَّبْع الأواخر، ولم يزِدْ على ذلك شيئًا. وهذا ممَّا يَسْتَدِلُّ به من رَجَّح ليلةَ ثلاثٍ وعشرين وخمسٍ وعشرين على ليلةِ إحدى وعشرين، فإنَّ ليلة إحدى وعشرين ليسَتْ من السَّبْع الأواخر بلا تردُّدٍ. وقد رُوي عن النبي ﷺ من وجوهٍ أُخَرَ أنَّه بيَّن أنَّها ليلَةُ سَبْع وعشرين، كما سيأتي ان شاء الله تعالى. واختُلِفَ في أوَّل السَّبْع الأواخِر؛ فمنهم مَن قال: أوَّلُ السَّبْعِ ليلة ثلاثٍ وعشرين، على حساب نُقصانِ الشَّهرِ دون تمامِهِ؛ لأنه المتيقَّنُ. ورُوي هذا عن ابن عباسٍ، وسيأتي كلامه فيما بعدُ إن شاء الله تعالى. وفي "صحيح البخاري" (٥) عن بلال ﵁، قال: إنها أَوَّل السَّبْع من العشر الأواخر.

стр. 348

وخرَّجه ابنُ أبي شيبة (١)، وعنده قال: ليلة ثلاثٍ وعشرين، وهذا قولُ مالكٍ، (٢) قال: أَرَى - والله أعلم - أن التاسِعةَ ليلةُ إحدى وعشرين، والسابعةَ ليلةُ ثلاثٍ وعشرين، والخامسةَ ليلَةُ خمسٍ وعشرين. وتأوَّله عبدُ الملك بنُ حَبيبٍ على أنَّه إنما يُحسَبُ كذلك إذا كان الشهر ناقصًا، وليس هذا بشيء؛ فإنَّه إنَّما أمر بالاجتهاد في هذه الليالي على هذا الحساب، وهذا لا يمكن أن يكونَ مراعىً بنقصان الشهرِ في آخره. وكان أيُّوب السَّختياني يغتسِلُ [كُلَّ] (٣) ليلَةِ ثلاثٍ وعشرين، وَيمَسُّ طِيبًا، وليلَةَ أربعٍ وعشرين، ويقولُ: ليلَةُ ثلاثٍ وعشرين ليلَةُ أهلِ المدينة، وليلَةُ أربعٍ وعشرين ليلتنا. يعني أهلَ البصرة. وكذلك كان ثابتٌ وحُمَيْدٌ يفعلان. وكانت طائفة تجتهدُ ليلَةَ أربعٍ وعشرين، رُوي عن أنسٍ والحسن، وروي عنه، قال: رَقَبْتُ الشَّمسَ عشرين سنة، ليلَة أربع وعشرين، فكانت تطلعُ لا شُعاعَ لها. ورُوي عن ابن عباس ذكره (٤) البخاري عنه. وقيل: إن المحفوظ عنه أنَّها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين، كما سبق. وقد تقدَّم حديثُ "إنزال القرآن في ليلةِ أربعٍ وعشرين". وكذلك أبو سعيد الخدريُّ، وأبو ذَرٍّ، حسبا الشهرَ تامًّا، فيكون عندهما أوَّلُ السَّبْع الأواخر ليلَةَ أربع وعشرين. وممَّن اختار هذا القولَ ابنُ عبد البرّ، واستدَلَّ بأنَّ الأصل تمامُ الشهر، ولهذا أمَرَ النبي ﷺ بإكماله إذا غُمَّ، مع احتمال نُقصانِه (٥). وكذلك رجَّحَه بعضُ أصحابنا. وقد تقدَّم من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا كان ليلة أربع وعشرين لم يذُقْ غَمْضًا، وإسنادُهُ ضعيفٌ. وقد رُوي عن النبي ﷺ ما يدُلُّ على أن أوَّلَ السَّبْع البواقي ليلَةُ ثلاثٍ وعشرين. ففي مسند الإِمام أحمد (٦)، عن جابر: أن عبد الله بن أُنَيْسٍ سألَ رسول الله ﷺ عن ليلة القَدْر، وقد خَلَتْ اثنتان وعشرون ليلةً، فقال رسولُ الله ﷺ : التمِسُوها في هذه السَّبْع الأواخر التي بقين من الشهر.

стр. 349

وفيه (١) أيضًا عن عبد الله بن أُنَيْس أنهم سألوا النبي ﷺ عن ليلة القَدْرِ، وذلك مساء ليلَةِ ثلاثٍ وعشرين، فقال: التمِسُوها هذه الليلة. فقال رجلُ مِن القوم: فهي إذن يا رسولَ الله أُولى ثمانٍ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : إنَّها ليسَتْ بأُولَى ثمانٍ، ولكنها أُولَى سبعٍ؛ إنَّ الشَّهْرَ لا يتِمُّ. وفيه (٢) أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "كم مَضَى من الشهر؟ قلْنا: مَضَتْ ثنتان وعشرون، وبقي ثمانٍ. فقال رسولُ الله ﷺ : لا، بل مضَتْ ثنتان وعشرون، وبقي سَبْعٌ، اطلبُوها الليلَةَ. وقد يُحمَلُ هذا على شهرٍ خاصٍّ اطَّلَعَ النبُّي ﷺ على نقصانِهِ، وهو بعيدٌ. ويدُلُّ على خلافِهِ أنَّه رُوي في تمام حديث أبي هريرة ﵁: ثم قال رسول الله ﷺ "الشهرُ هكذا وهكذا وهكذا، ثم خنَسَ إبهامَه في الثالثة". فهذا يدُلُّ على أنَّه تشريعٌ عام، وأنَّه حسبَ الشَّهْرَ على تقدير نُقصانِه أبدًا؛ لأنَّه المتيقَّنُ. كما ذهَبَ إليه أيُّوب ومالك وغيرُهما، وعلى قولهما تكون ليلة سابعةٍ تبقى ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، وليلةُ خامسةٍ تبقى ليلةً خمسٍ وعشرين، وليلةُ تاسعةٍ تبقى ليلةً إحدى وعشرين. وقد رُوي عن النُّعمان بن بشير ﵁ أنَّه أنكر أن تُحسَبَ ليلةُ القدر بما مَضَى من الشهر، وأخبَرَ أن الصَّحابة يحسِبُونها بما بقي منه، وهذا الاحتمالُ إنَّما يكون في مثل قولِ النبي ﷺ : "التمِسُوها في التاسعةِ، والسابعةِ، والخامسة". وقد خرَّجه "البخاري" (٣) من حديث عُبَادَةَ ﵁، ومسلم (٤) من حديث أبي سعيدٍ؛ فإنَّه يحتمل أن يُرادَ به التاسعة والسابعة والخامسة، مما (٥) يبقى ومما يَمضِي. فأمَّا حديثُ ابن عبَّاس وأبي بَكْرَةَ وما في معناهما؛ فإنَّها مقيدَةٌ بالباقي من الشهر، فلا يحتمل أن

стр. 350

يُراد به الماضي، وحينئذٍ يتوجَّه الاختلافُ السَّابقُ في أنَّه: هل يُحسب على تقدير تمام الشهر أو نقصانه؟ وحديثُ ابن عبَّاس قد رُوِي بالشكِّ فيما مَضَى أو يبقَى. وقد خرَّجه البخاري بالوجهين. وحديث أبي ذرٍّ في قيام النبي ﷺ بهم أَفرادَ العشر الأواخر قد خرَّجه أبو داود الطيالسي بلفظٍ صريح أنَّه قام بهم أشْفَاعَ العشر الأواخِرِ، وحسَبَها أوتارًا بالنسبة إلى ما يبقى من الشهر، وقدَّره تامًّا، وجعَلَ الليلةَ التي قامها حتى خشوا أن يفوتَهُم الفلاحُ ليلَةَ ثمانٍ وعشرين، وهي الثالثة مما يبقَى. وقد قيل: إن ذلك من تصرُّف بعضِ الرُّواةِ بما فهمه من المعنى، والله أعلم. وعلى قياس من حَسَبَ الليالي الباقية من الشهر، على تقدير نقصان الشهر ينبغي أن يكون عندَه أوَّلُ العشر الأواخِرِ ليلَةَ العشرين؛ لاحتمال أن يكون الشهرُ ناقصًا، فلا يتحقَّقُ كونُها عَشْرَ ليالٍ، بدون إدخال ليلةِ العشرين فيها. وقد يُقال: بل العَشْرُ الأواخر عبارةٌ عمَّا بعدَ انقضاءِ العشرين الماضية من الشَّهر، وسواءٌ كانت تامَّةً أو ناقِصَةً، فهي المعبَّر عنها بالعشر الأواخر، وقيامها هو قيام العشر الأواخر. وهذا كما يقال: صامَ (١) عشر ذي الحجة، وإنما يصام منه تسعة أيامٍ؛ ولهذا كان ابنُ سيرين يكرَه أن يقالَ: صام عشر ذي الحجة، وقال: إنَّما يقال: صام التسع. ومن لم يكرهْهُ، وهم الجمهور، فقد يقولون: الصِّيامُ المضافُ إلى العشر هو صيامُ ما يمكن منه، وهو ما عدا يوم النحر. ويطلق على ذلك: العشر، لأنَّه أكثَرُ العَشْرِ، والله أعلم. وقد اختلف الناس في ليلة القَدْر اختلافًا كثيرًا، فحُكِي عن بعضهم أنَّها رُفِعَتْ؛ وحديثُ أبي ذَرٍّ يَرُدُّ ذلك. ورُوي عن محمد بن الحنفيَّة أنَّها في كُلِّ سبْع سنين مرَّةً، وفي إسناده ضعفٌ. وعن بعضهم أنَّها في كُلِّ السَّنة، حُكِي عن ابن مسعودٍ وطائفةٍ من الكوفيين، ورُوي بهن أبي حنيفة. وقال الجمهور: هي في رمضان كُلَّ سنة، ثم منهم من قال: هي في الشَّهْر كلَّه. وحُكِي عن بعض المتقدِّمين أنَّها أوَّلُ ليلةٍ منه. وقالت

стр. 351

طائفة: هي في النصف الثاني منه. وقد حكي عن أبي يوسُف ومحمَّد - وقد تقدَّم - قولُ مَن قال: إنَّها ليلةُ بدْرٍ، على اختلافهم؛ هل هي ليلةُ سبعَ عشرَةَ، أو تسْعَ عشرَةَ. وقال الجمهور: هي منحصرة في العشر الأواخر، واختلفوا في أي ليالي العشر أرجَى (١)؛ فحُكِي عن الحسن ومالك أنَّها تُطلَبُ في جميع ليالي العشر؛ أشفاعِهِ وأوتارِهِ، ورجَّحَه بعضُ أصحابنا، وقال: لأنَّ قول النبي ﷺ : "التمِسُوها في تاسعةٍ تبقى، أو سابعةٍ تبقَى، أو خامِسَةٍ تبقَى" إنْ حملْنَاهُ على تقدير كمالِ الشهر، كانت أشفاعًا، وإنْ حملْنَاهُ على ما يبقى منه حقيقةً كان الأمر موقوفًا على كمالِ الشهر، فلا يُعلم قبلَه. فإنْ كان تامًّا كانت الليالي المأمور بطلبها أشفاعًا، وإن كان ناقصًا كانت أوتارًا. فيوجِبُ ذلك الاجتهاد في القيام في كلا الليلتين؛ الشَّفْعِ منها والوِتْر. وقال الأكثرون: بل بعضُ لياليه أَرْجَى من بعض، وقالوا: الأوتار أرجَى في الجملةِ. ثم اختلفوا: في أيِّ أوتارِه أَرْجَى؛ فمنهم من قال: ليلة إحدَى وعشرين، وهو المشهور عن الشافعي؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريّ، وقد ذكرناه فيما سبق. وحُكِي عنه أنَّها تُطْلَبُ ليلةَ إحدى وعشرين، وثلاثٍ وعشرين، قال في "القديم": كأني رأيت - والله أعلم - أقوَى الأحاديث فيه ليلةَ إحدى وعشرين، وليلة ثلاثٍ وعشرين. [وهي التي مات فيها علي بن أبي طالب ﵁] (٢). وقد جاء في ليلةِ سبعَ عشرَةَ، وليلةِ أربعٍ وعشرين، وليلةِ سبعٍ وعشرين. انتهى (٣). وقد روي عن علي وابن مسعود ﵄ أنَّها تُطلب ليلة إحدى وعشرين وثلاثٍ وعشرين. وحُكي للشافعي (٤) قولٌ آخَرُ أن أرجاها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين. وهذا قولُ أهلِ المدينة. وحكاه سفيان الثورِيُّ عن أهل مكَّة والمدينة. وممن رُوي عنه "أنَّه كان يوقِظُ أهله فيها" ابنُ عباسٍ وعائشة، وهو قولُ مكحولٍ. وروى رِشْدِيْن بن سَعْدٍ، عن زُهْرَةَ بن مَعْبَدٍ، قال: أصابني احتلامٌ في أرض العدوٍّ وأنا في البحر ليلةَ ثلاثٍ وعشرين

стр. 352

في رمضانَ، فذهبْتُ لأغتسِلَ فسقطْتُ في الماء، فإذا الماءُ عَذْبٌ، فناديت أصحابي أعلمُهم أنِّي في ماءٍ عَذْبٍ. قال ابنُ عبد البر: هذه الليلة تُعْرَفُ بليلة الجُهَنيِّ بالمدينة، يعني عبد الله بنَ أُنَيْسٍ؛ وقد رُوي عنه أن النبي ﷺ أمَرَه بقيامها. وفي صحيح مسلم (١) عنه أن النبي ﷺ قال في ليلة القدرِ: "أُرِيتُ أني أسجدُ صبيحتَها في ماءٍ وطينٍ. فانصرَفَ النبي ﷺ من صلاةِ الصبح يومَ ثلاثٍ وعشرين وعلى جبهته أثرُ الماءِ والطِّين". وقال سعيد بن المسيب: كان النبي ﷺ في نفرٍ من أصحابه، فقال: ألا أُخبِرُكم بليلةِ القَدْر؟ قالوا: بلى، يا رسولَ الله، فسكَتَ ساعةً، فقال: لقد قلْتُ لكم ما قلْتُ آنفًا، وأنا أعلمها، ثم أُنسِيتُها، أرأيتُم يومًا كنَّا بموضع كذا وكذا، أيّ ليلةٍ هي؟ في غزوة غزاها، فقالوا: سِرنا فقفلنا (٢) حتى استقام ملأ القومِ على أنَّها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين. خرَّجه عبدُ الرزاق (٣) في كتابه. ورجَّحَتْ طائفةٌ "ليلةَ أربعٍ وعشرين"، وهم الحسَنُ وأهلُ البصرة؛ وقد رُوي عن أنس. وكان حُمَيدٌ وأيّوبُ وثابتٌ يحتاطون فيجمَعون بين الليلتين، أعني ليلةَ ثلاثٍ وأربعٍ. ورجَّحَتْ طائفةٌ ليلَةَ سبْعٍ وعشرين، وحكاه الثوريُّ عن أهل الكوفة، وقال: نحن نقول: هي ليلةُ سبْعٍ وعشرين، لما جاءَنا عن أبيّ بن كعب. ومِمَّن قال بهذا أبيُّ بنُ كَعْبٍ - وكان يحلِفُ عليه ولا يستثني - وزِزّ بنُ حُبَيش، وعَبدة بن أبي لُبابة. ورُوي عن قَنان (٤) بن عبد الله النَّهْمِي، قال: سألت زِرًّا عن ليلةِ القَدْر، فقالَ: كان عُمَرُ وحذيفَةُ وأناسٌ مِن أصحاب النبي ﷺ لا يشُكُّون أنَّها ليلةُ سبْعٍ وعشرين.

стр. 353

خرجه ابنُ أبي شيبة (١)، وهو قولُ أحمدَ واسحاقَ. وذهب أبو قلابَةَ وطائفةٌ إلى أنَّها تنتقِلُ في ليالي العشر. ورُوِي عنه أنَّها تنتقِلُ في أوتاره خاصَّةً. وممن قال بانتقالِها في ليالي العشر: المُزَنيُّ، وابنُ خُزَيمة. وحكاه ابنُ عبد البرِّ عن مالكٍ والثوريِّ والشافعي وأحمدَ واسحاقَ وأبي ثَوْرٍ؛ وفي صِحَّة ذلك عنهم بُعْدٌ؛ وإنَّما قولُ هؤلاء أنَّها في العشر، وتُطلَبُ في لياليه كُلِّه. واختلفوا في أرجَى (٢) لياليه كما سَبَقَ، واستدَلَّ مَن رجَّح ليلةَ سبْع وعشرين بأنَّ أبيَّ بنَ كعبٍ كان يحلف على ذلك، ويقول: بالآية أو بالعلامة التي أخبرنا بها رسولُ الله ﷺ أن الشمسَ تطلعُ في صبيحتها لا شُعَاعَ لها. خرَّجَه مسلم (٣). وخرَّجه أيضًا بلفظ آخر عن ابن بن كعبٍ ﵁، قال: والله، إنِّي لأعلم أيَ ليلةٍ هي، هي الليلةُ التي أمرَنا بها رسولُ الله ﷺ بقيامها، هي ليلةُ سبْعٍ وعشرين. وفي مسند الإِمام أحمد (٤) عن ابن عبَّاس ﵄ أن رجلًا قال: يا رسولَ الله، إنِّي شيخٌ كبيرٌ عليل يَشُقُّ عليَّ القيامُ، فمُرْني بليلةٍ [لعل الله] يوفِّقني فيها لليلة القَدْرِ. قال: "عليك بالسابِعة". وإسنادُه على شرط البخاري. ورَوى الإمام أحمدُ (٥) أيضًا، قال: حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة، عن

стр. 354

عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسولُ الله ﷺ "مَن كان منكم متحرِّيها فليتحرَّها ليلةَ سبعٍ وعشرين"، أو قال: "تحرَّوْها ليلةَ سبعٍ وعشرين"، يعني ليلَةَ القَدْرِ. ورواه شبابة ووهبُ بن جَرير، عن شعبة مثلَه. ورواه أسودُ بن عامرٍ عن شعبَةَ مثلَه، وزاد "في السبع البواقي". قال شعبة: وأخبرني رجلٌ ثقةٌ عن سفيان أنَّه إنَّما قال: "في السَّبْع البواقي"، يعني لم يقُلْ ليلَةَ سبعٍ وعشرين. قال أحمد في رواية ابنه صالح: الثقةُ هو يحيى بن سعيد. قال شعبة: فلا أدري أيّهما. قال: ورواه عمرٌو، عن شعبةَ، وقال في حديثه: "ليلة سبْعٍ وعشرين"، أو قال: "في السَّبْع الأواخر" بالشَّكِّ، فرجَعَ الأمر إلى أن شعبة شكَّ في لفظه. ورواه حمَّاد بن زيد، عن أَيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: كانوا لا يزالون يقصّون على النبي ﷺ أنَّها الليلةُ السابعةُ من العشرِ الأواخر. فقال رسولُ الله ﷺ : "أرَى رُؤياكم قد تواطاتْ أنَّها ليلَةُ السابعةِ في العشر الأواخر، فمن كان متحرّيها فَلْيَتَحَرَّها ليلَةَ السابعةِ من العَشْر الأواخر". كذا رواه حنبلُ بنُ إسحاق، عن عارِم، عن حمَّاد. وكذا خرَّجه الطحاويُّ (١)، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عارِمٍ. ورواه البخاري في "صحيحه" (٢) عن عارمٍ، إلَّا أنَّه لم يذكر لفظةَ "ليلة السابعة"، بل قال: من كان مُتَحَرِّيها فَلْيَتَحَرَّها في العشر الأواخِرِ. ورواه عبد الرزَّاق (٣) في كتابه عن مَعْمَرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي رأيتُ في النوم ليلَةَ القَدْرِ كأنَّها ليلَةُ سابعة، فقال رسولُ الله ﷺ : إني أرَى رؤياكم قد تواطأت أنَّها ليلةُ سابعةٍ، فمن كان متحرِّيها منكم فليتحرَّها في ليلة سابعةٍ. قال معمر: فكان أيُّوبُ يغتسِلُ في ليلةِ ثلاثٍ وعشرين، يُشير إلى أنَّه حمَلَها على سابعةٍ تبقى.

стр. 355

وخرَّجه الثعلبيُّ (١) في "تفسيره" من طريق الحسن بن عبد الأعلى، عن عبد الرزَّاق بهذا الإِسناد، وقال: في حديثه "ليلة سابعةٍ تبقى"، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنِّي أَرَى رؤياكم قَدْ تواطأَتْ على ثلاثٍ وعشرين، فمن كان منكم يريدُ أن يقومَ مِن الشهر شيئًا فليقُمْ ليلَةَ ثلاثٍ وعشرين". وهذه الألفاظ غيرُ محفوظةٍ في الحديث، والله أعلم. وفي سنن أبي داود (٢) بإسنادٍ رجالُه كلُّهم رجالُ الصحيح، عن معاويةَ، عن النبي ﷺ في ليلة القدر ليلة سبْعٍ وعشرين. وخرَّجه ابنُ حِبَّان (٣) في صحيحه، وصحَّحه ابنُ عبد البرِّ؛ وله عِلَّةٌ، وهي وَقْفُه على معاويةَ. وهو أصحُّ عند الإِمام أحمد (٤) والدَّارقطني. وقد اختُلِف أيضًا عليه في لفظه. وفي المسند (٥) عن ابن مسعود ﵁ أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: متى ليلَةُ القَدْر؟ فقال: من يذكُرُ منكم ليلَةَ الصَّهباوات؟ قال عبد الله: أنا، بأبي أنتَ وأُمِّي! وإنَّ في يدي لتَمَرات أتسحَّرُ بِهِنَّ مستترًا بمؤخّرةِ رحلي (٦) من الفجر، وذلك حين طلع القمرُ. وخرَّجه يعقوب بن شيبَةَ (٧) في مسنده، وزاد "وذلكَ ليلَةَ سبْعٍ وعشرين". وقال: صالحُ الإسناد. والصَّهباوات: موضِعٌ بقُرْب خيبرَ. وفي المسند (٨) أيضًا من وجهٍ آخر عن ابن مسعودٍ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ ليلَةَ القَدْر في النصف مِن السَّبْعِ الأواخر من رمضانَ". وإذا حسبنا أوَّلَ السَّبع الأواخر ليلةَ أربعٍ وعشرين، كانت ليلةُ
следующие страницы →