← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

طائفة: هي في النصف الثاني منه. وقد حكي عن أبي يوسُف ومحمَّد - وقد تقدَّم - قولُ مَن قال: إنَّها ليلةُ بدْرٍ، على اختلافهم؛ هل هي ليلةُ سبعَ عشرَةَ، أو تسْعَ عشرَةَ. وقال الجمهور: هي منحصرة في العشر الأواخر، واختلفوا في أي ليالي العشر أرجَى (١)؛ فحُكِي عن الحسن ومالك أنَّها تُطلَبُ في جميع ليالي العشر؛ أشفاعِهِ وأوتارِهِ، ورجَّحَه بعضُ أصحابنا، وقال: لأنَّ قول النبي ﷺ : "التمِسُوها في تاسعةٍ تبقى، أو سابعةٍ تبقَى، أو خامِسَةٍ تبقَى" إنْ حملْنَاهُ على تقدير كمالِ الشهر، كانت أشفاعًا، وإنْ حملْنَاهُ على ما يبقى منه حقيقةً كان الأمر موقوفًا على كمالِ الشهر، فلا يُعلم قبلَه. فإنْ كان تامًّا كانت الليالي المأمور بطلبها أشفاعًا، وإن كان ناقصًا كانت أوتارًا. فيوجِبُ ذلك الاجتهاد في القيام في كلا الليلتين؛ الشَّفْعِ منها والوِتْر. وقال الأكثرون: بل بعضُ لياليه أَرْجَى من بعض، وقالوا: الأوتار أرجَى في الجملةِ. ثم اختلفوا: في أيِّ أوتارِه أَرْجَى؛ فمنهم من قال: ليلة إحدَى وعشرين، وهو المشهور عن الشافعي؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريّ، وقد ذكرناه فيما سبق. وحُكِي عنه أنَّها تُطْلَبُ ليلةَ إحدى وعشرين، وثلاثٍ وعشرين، قال في "القديم": كأني رأيت - والله أعلم - أقوَى الأحاديث فيه ليلةَ إحدى وعشرين، وليلة ثلاثٍ وعشرين. [وهي التي مات فيها علي بن أبي طالب ﵁] (٢). وقد جاء في ليلةِ سبعَ عشرَةَ، وليلةِ أربعٍ وعشرين، وليلةِ سبعٍ وعشرين. انتهى (٣). وقد روي عن علي وابن مسعود ﵄ أنَّها تُطلب ليلة إحدى وعشرين وثلاثٍ وعشرين. وحُكي للشافعي (٤) قولٌ آخَرُ أن أرجاها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين. وهذا قولُ أهلِ المدينة. وحكاه سفيان الثورِيُّ عن أهل مكَّة والمدينة. وممن رُوي عنه "أنَّه كان يوقِظُ أهله فيها" ابنُ عباسٍ وعائشة، وهو قولُ مكحولٍ. وروى رِشْدِيْن بن سَعْدٍ، عن زُهْرَةَ بن مَعْبَدٍ، قال: أصابني احتلامٌ في أرض العدوٍّ وأنا في البحر ليلةَ ثلاثٍ وعشرين

стр. 352

في رمضانَ، فذهبْتُ لأغتسِلَ فسقطْتُ في الماء، فإذا الماءُ عَذْبٌ، فناديت أصحابي أعلمُهم أنِّي في ماءٍ عَذْبٍ. قال ابنُ عبد البر: هذه الليلة تُعْرَفُ بليلة الجُهَنيِّ بالمدينة، يعني عبد الله بنَ أُنَيْسٍ؛ وقد رُوي عنه أن النبي ﷺ أمَرَه بقيامها. وفي صحيح مسلم (١) عنه أن النبي ﷺ قال في ليلة القدرِ: "أُرِيتُ أني أسجدُ صبيحتَها في ماءٍ وطينٍ. فانصرَفَ النبي ﷺ من صلاةِ الصبح يومَ ثلاثٍ وعشرين وعلى جبهته أثرُ الماءِ والطِّين". وقال سعيد بن المسيب: كان النبي ﷺ في نفرٍ من أصحابه، فقال: ألا أُخبِرُكم بليلةِ القَدْر؟ قالوا: بلى، يا رسولَ الله، فسكَتَ ساعةً، فقال: لقد قلْتُ لكم ما قلْتُ آنفًا، وأنا أعلمها، ثم أُنسِيتُها، أرأيتُم يومًا كنَّا بموضع كذا وكذا، أيّ ليلةٍ هي؟ في غزوة غزاها، فقالوا: سِرنا فقفلنا (٢) حتى استقام ملأ القومِ على أنَّها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين. خرَّجه عبدُ الرزاق (٣) في كتابه. ورجَّحَتْ طائفةٌ "ليلةَ أربعٍ وعشرين"، وهم الحسَنُ وأهلُ البصرة؛ وقد رُوي عن أنس. وكان حُمَيدٌ وأيّوبُ وثابتٌ يحتاطون فيجمَعون بين الليلتين، أعني ليلةَ ثلاثٍ وأربعٍ. ورجَّحَتْ طائفةٌ ليلَةَ سبْعٍ وعشرين، وحكاه الثوريُّ عن أهل الكوفة، وقال: نحن نقول: هي ليلةُ سبْعٍ وعشرين، لما جاءَنا عن أبيّ بن كعب. ومِمَّن قال بهذا أبيُّ بنُ كَعْبٍ - وكان يحلِفُ عليه ولا يستثني - وزِزّ بنُ حُبَيش، وعَبدة بن أبي لُبابة. ورُوي عن قَنان (٤) بن عبد الله النَّهْمِي، قال: سألت زِرًّا عن ليلةِ القَدْر، فقالَ: كان عُمَرُ وحذيفَةُ وأناسٌ مِن أصحاب النبي ﷺ لا يشُكُّون أنَّها ليلةُ سبْعٍ وعشرين.

стр. 353

خرجه ابنُ أبي شيبة (١)، وهو قولُ أحمدَ واسحاقَ. وذهب أبو قلابَةَ وطائفةٌ إلى أنَّها تنتقِلُ في ليالي العشر. ورُوِي عنه أنَّها تنتقِلُ في أوتاره خاصَّةً. وممن قال بانتقالِها في ليالي العشر: المُزَنيُّ، وابنُ خُزَيمة. وحكاه ابنُ عبد البرِّ عن مالكٍ والثوريِّ والشافعي وأحمدَ واسحاقَ وأبي ثَوْرٍ؛ وفي صِحَّة ذلك عنهم بُعْدٌ؛ وإنَّما قولُ هؤلاء أنَّها في العشر، وتُطلَبُ في لياليه كُلِّه. واختلفوا في أرجَى (٢) لياليه كما سَبَقَ، واستدَلَّ مَن رجَّح ليلةَ سبْع وعشرين بأنَّ أبيَّ بنَ كعبٍ كان يحلف على ذلك، ويقول: بالآية أو بالعلامة التي أخبرنا بها رسولُ الله ﷺ أن الشمسَ تطلعُ في صبيحتها لا شُعَاعَ لها. خرَّجَه مسلم (٣). وخرَّجه أيضًا بلفظ آخر عن ابن بن كعبٍ ﵁، قال: والله، إنِّي لأعلم أيَ ليلةٍ هي، هي الليلةُ التي أمرَنا بها رسولُ الله ﷺ بقيامها، هي ليلةُ سبْعٍ وعشرين. وفي مسند الإِمام أحمد (٤) عن ابن عبَّاس ﵄ أن رجلًا قال: يا رسولَ الله، إنِّي شيخٌ كبيرٌ عليل يَشُقُّ عليَّ القيامُ، فمُرْني بليلةٍ [لعل الله] يوفِّقني فيها لليلة القَدْرِ. قال: "عليك بالسابِعة". وإسنادُه على شرط البخاري. ورَوى الإمام أحمدُ (٥) أيضًا، قال: حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة، عن

стр. 354

عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسولُ الله ﷺ "مَن كان منكم متحرِّيها فليتحرَّها ليلةَ سبعٍ وعشرين"، أو قال: "تحرَّوْها ليلةَ سبعٍ وعشرين"، يعني ليلَةَ القَدْرِ. ورواه شبابة ووهبُ بن جَرير، عن شعبة مثلَه. ورواه أسودُ بن عامرٍ عن شعبَةَ مثلَه، وزاد "في السبع البواقي". قال شعبة: وأخبرني رجلٌ ثقةٌ عن سفيان أنَّه إنَّما قال: "في السَّبْع البواقي"، يعني لم يقُلْ ليلَةَ سبعٍ وعشرين. قال أحمد في رواية ابنه صالح: الثقةُ هو يحيى بن سعيد. قال شعبة: فلا أدري أيّهما. قال: ورواه عمرٌو، عن شعبةَ، وقال في حديثه: "ليلة سبْعٍ وعشرين"، أو قال: "في السَّبْع الأواخر" بالشَّكِّ، فرجَعَ الأمر إلى أن شعبة شكَّ في لفظه. ورواه حمَّاد بن زيد، عن أَيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: كانوا لا يزالون يقصّون على النبي ﷺ أنَّها الليلةُ السابعةُ من العشرِ الأواخر. فقال رسولُ الله ﷺ : "أرَى رُؤياكم قد تواطاتْ أنَّها ليلَةُ السابعةِ في العشر الأواخر، فمن كان متحرّيها فَلْيَتَحَرَّها ليلَةَ السابعةِ من العَشْر الأواخر". كذا رواه حنبلُ بنُ إسحاق، عن عارِم، عن حمَّاد. وكذا خرَّجه الطحاويُّ (١)، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عارِمٍ. ورواه البخاري في "صحيحه" (٢) عن عارمٍ، إلَّا أنَّه لم يذكر لفظةَ "ليلة السابعة"، بل قال: من كان مُتَحَرِّيها فَلْيَتَحَرَّها في العشر الأواخِرِ. ورواه عبد الرزَّاق (٣) في كتابه عن مَعْمَرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي رأيتُ في النوم ليلَةَ القَدْرِ كأنَّها ليلَةُ سابعة، فقال رسولُ الله ﷺ : إني أرَى رؤياكم قد تواطأت أنَّها ليلةُ سابعةٍ، فمن كان متحرِّيها منكم فليتحرَّها في ليلة سابعةٍ. قال معمر: فكان أيُّوبُ يغتسِلُ في ليلةِ ثلاثٍ وعشرين، يُشير إلى أنَّه حمَلَها على سابعةٍ تبقى.

стр. 355

وخرَّجه الثعلبيُّ (١) في "تفسيره" من طريق الحسن بن عبد الأعلى، عن عبد الرزَّاق بهذا الإِسناد، وقال: في حديثه "ليلة سابعةٍ تبقى"، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنِّي أَرَى رؤياكم قَدْ تواطأَتْ على ثلاثٍ وعشرين، فمن كان منكم يريدُ أن يقومَ مِن الشهر شيئًا فليقُمْ ليلَةَ ثلاثٍ وعشرين". وهذه الألفاظ غيرُ محفوظةٍ في الحديث، والله أعلم. وفي سنن أبي داود (٢) بإسنادٍ رجالُه كلُّهم رجالُ الصحيح، عن معاويةَ، عن النبي ﷺ في ليلة القدر ليلة سبْعٍ وعشرين. وخرَّجه ابنُ حِبَّان (٣) في صحيحه، وصحَّحه ابنُ عبد البرِّ؛ وله عِلَّةٌ، وهي وَقْفُه على معاويةَ. وهو أصحُّ عند الإِمام أحمد (٤) والدَّارقطني. وقد اختُلِف أيضًا عليه في لفظه. وفي المسند (٥) عن ابن مسعود ﵁ أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: متى ليلَةُ القَدْر؟ فقال: من يذكُرُ منكم ليلَةَ الصَّهباوات؟ قال عبد الله: أنا، بأبي أنتَ وأُمِّي! وإنَّ في يدي لتَمَرات أتسحَّرُ بِهِنَّ مستترًا بمؤخّرةِ رحلي (٦) من الفجر، وذلك حين طلع القمرُ. وخرَّجه يعقوب بن شيبَةَ (٧) في مسنده، وزاد "وذلكَ ليلَةَ سبْعٍ وعشرين". وقال: صالحُ الإسناد. والصَّهباوات: موضِعٌ بقُرْب خيبرَ. وفي المسند (٨) أيضًا من وجهٍ آخر عن ابن مسعودٍ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ ليلَةَ القَدْر في النصف مِن السَّبْعِ الأواخر من رمضانَ". وإذا حسبنا أوَّلَ السَّبع الأواخر ليلةَ أربعٍ وعشرين، كانت ليلةُ

стр. 356

سبْعٍ وعشرين نصفَ السبْعِ؛ لأنَّ قبلَها ثلاثُ ليالٍ، وبعدَها ثلاث ليالٍ. ومِمَّا يرجِّحُ أن ليلَةَ القَدْر ليلَةُ سبْعٍ وعشرين أنَّها من السَّبْع الأواخر التي أمر النَّبي ﷺ بالتماسِها فيها، بالاتفاق. وفي دخول الثالثة والعشرين في السَّبعِ اختلافٌ سَبَقَ ذِكْرُه. ولا خلافَ أنَّها آكَدُ مِن الخامِسَةِ والعشرين. ومما يَدُلُّ على ذلك أيضًا حديثُ أبي ذَرٍّ في قيام النبي ﷺ بهم في أفراد السَّبْعِ الأواخر، وأنه قام بهم في الثالثة والعشرين إلى ثلث الليل، وفي الخامسة إلى نصف الليل، وفي السابعة إلى آخر الليل؛ حتى خَشُوا أن يفوتَهم الفلاحُ. وجَمَع أهلَه ليلتئذ، وجمَعَ النَّاسَ. وهذا كُلُّه يَدُلُّ على تأكُّدها على سائر أفراد السبع والعشر. ومما يَدُلُّ على ذلك ما استشهَدَ به ابنُ عبَّاس بحضرة (١) عمر ﵁ والصحابة معه، واستحسَنَه عُمَرُ ﵁. وقد روي من وجوهٍ متعددةٍ، فروَى عبدُ الرزَّاق (٢) في كتابه عن مَعْمَر، عن قتادَةَ وعاصمٍ، أنهما سمِعا عِكْرِمَةَ يقول: قال ابنُ عبَّاس ﵄: دعا عُمَرُ بنُ الخطاب أصحابَ محمد ﷺ ، فسألَهم عن ليلة القَدْر، فأجْمَعُوا أنَّها في العشر الأواخِر. قال ابنُ عبَّاس: فقلْتُ لعُمَرَ ﵁: إنِّي لأعلم - أو إنِّي لأظنُّ - أيّ ليلةٍ هي. قال عمر: وأيّ ليلةٍ هي؟ قلْت: سابعة تمضي، أو سابِعَة تبقَى من العشر الأواخر. فقال عُمَرُ ﵁: ومن أين علِمْتَ ذلك؟ قال: فقلْتُ: إنَّ الله خَلَقَ سَبْعَ سموات، وسبع أرضين، وسبعةَ أيام، وأنَّ الدَّهر يدورُ على سبْعٍ، وخلَقَ الله الإنسان من سَبْع، ويأكل من سَبْعٍ، ويسجد على سبْعٍ، والطَّواف بالبيت سَبْع، ورَمْي الجمار سبْعٌ، لأشياء ذكرَهَا. فقال عمر ﵁: لقد فَطِنْتَ لأمرٍ ما فطِنَّا له. وكان قتادة يزيدُ على (٣) ابن عباس في قوله "يأكل من سبْعٍ"، قال: هو قولُ الله : ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (٤). ولكن في هذه الرواية أنها في سبْعٍ تمضي أو تبقَى، بالترديد في ذلك.

стр. 357

وخرَّجه ابنُ شاهين من رواية عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، حدثني لاحق بنُ حُمَيد وعكرمة، قالا: قال عُمَرُ ﵁: مَن يَعلم ليلَةَ القَدْرِ؟ فذكرَ الحديثَ بنحوه. وزاد أنَّ ابنَ عباس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : هي في العشر؛ في سبْعٍ تمضي أو سَبْعٍ تبقَى، فخالَفَ في إسناده وجعلَه مرسلًا، ورفع آخرهُ. روى ابنُ عبد البر بإسنادٍ صحيح من طريق سعيد بن جُبير، قال: كان ناسٌ من المهاجرين وَجَدوا على عُمَرَ في إدنائه ابنَ عباسٍ، فجمَعَهم ثم سألهم عن ليلةِ القَدْرِ، فأكثروا فيها، فقال بعضُهم: كُنَّا نراها في العشر الأوسط، ثم بلغنا أنَّها في العشر الأواخر، فأكثروا فيها؛ فقال بعضُهم: ليلَةَ إحدى وعشرين. وقال بعضُهم: ليلةَ ثلاثٍ وعشرين. وقال بعضُهم: ليلة سبعٍ وعشرين. فقال عُمَرُ ﵁: يا بنَ عبَّاس، تكلَّم، فقال: الله أعلم. قال عُمَرُ: قد نعلَم أن الله يعلَمُ، وإنَّما نسالك عن علمك. فقال ابنُ عبَّاس ﵄: إنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، خلَقَ مِن خَلْقِه سَبْعَ سماواتٍ فاسْتَوَى عليهن، وخَلَقَ الأرضَ سبْعًا، وجَعَلَ عِدَّةَ الأيَّام سبْعًا، ورَمْيَ الجمار سبْعًا، وخَلَقَ الإنسانَ مِن سَبْعٍ، وجَعَلَ رِزْقَه مِن سَبْعٍ. فقال عُمَرُ: خُلِق الإِنسان مِن سَبْعٍ، وجعل رزقه من سبْعٍ، هذا أمرٌ ما فهِمتُه، فقال: إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (١) حتى بلغ آخر الآيات، وقرأ ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (٢)، ثم قال: والأبُّ (٣) للدوابِّ. وخرَّجه ابنُ سعدٍ في "طبقاتِهِ" عن إسحاقَ الأزرقِ، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، فذكره بمعناه، وزاد في آخره: "قال: وأمَّا ليلَةُ القَدْر فما نراها إن شاء الله، إلا ليلة ثلاثٍ وعشرين يمضين، أو سبْعٍ يبقين". والظاهر أن هذا سمِعَه سعيدُ بن جبير من ابن عبَّاس، فيكون متصلًا.

стр. 358

ورَوَى عاصم بن كليبٍ، عن أبيه، عن ابن عبَّاس ﵄، قال: دعا عُمَرُ الأشياخَ من أصحاب محمَّد ﷺ ذاتَ يومٍ، فقال لهم: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه - قال في ليلة القَدْر ما قَدْ علِمْتُم: "التمِسُوها في العشْرِ الأواخر وِتْرًا" (١)، ففي أي الوتر ترونها؟ فقال رجل برأيهِ: إنها تاسعةٌ، سابعةٌ، خامِسَةٌ، ثالثة. ثم قال: يا ابن عبَّاس، تكلَّم، فقلْتُ: أقولُ برأيي؟ قال: عن رأَيك أسألك، فقلْتُ: إنِّي سمِعْتُ الله أكثَرَ مِن ذكر السَّبْعِ، وذَكَرَ باقيه بمعنى ما تقدَّم. وفي آخره: قال عُمَرُ ﵁: أعجزتم أن تقولوا مثلَ ما قال هذا الغلامُ الذي لم تستوِ شؤون رأسِه؟! خرَّجه الإسماعيلي في مسند عُمَرَ، والحاكم (٢)، وقال: صحيحُ الإِسناد. وخرَّجه الثعلبي في "تفسيره" وزاد "قال ابنُ عباسٍ: فما أُراها إلا ليلةَ ثلاثٍ وعشرين لسبْعٍ يَبقين". وخرَّج علي بن المديني في "كتاب العلل" المرفوع منه، وقال: هو صالح، وليس مما يحتج به. وروى مُسلم (٣) الملائي - وهو ضعيفٌ - عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ ﵄، أنَّ عُمَرَ قال له: أخبرني برأيك عن ليلة القَدْرِ، فذَكَر معنَى ما تقدَّم. وفيه أن ابنَ عباس قال: لا أراها إلا في سبْعٍ يَبقين من رمضانَ، فقال عُمَرُ: وافَقَ رأيى رأيكَ. ورُوي بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن محمد بن كعبٍ، عن ابن عبَّاس: أنَّ عُمَرَ ﵁ جَلَسَ في رَهْطٍ من أصحاب النبي ﷺ ، فتذاكروا ليلَةَ القَدْرِ، فذكر معنَى ما تقدَّم، وزاد فيه: عن ابن عباس أنه قالَ: وأعطي من المثاني سبعًا، ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سَبْع، وقسم الميراث في كتابه على سبْعٍ، ونقعُ في السُّجود من أجسادنا على سبْعٍ؛ وقال: فأُراها في السبع الأواخر من رمضانَ. وليس في شيءٍ من هذه الروايات أنَّها ليلَةُ سبْعٍ وعشرين جَزْمًا، بل في بعضها الترديدُ بين ثلاثٍ وسبعٍ، وفي بعضها أنَّها ليلَةُ ثلاثٍ وعشرين؛ لأنها أوَّلُ السَّبْع الأواخر على رأيه. وقد صحَّ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه كان ينضحُ على أهله الماءَ ليلَةَ ثلاثٍ وعشرين.

стр. 359

خرَّجه عبد الرزَّاق (١)، وخرَّجه ابنُ أبي عاصمٍ مرفوعًا، والموقوف أصحُّ. وقد استنبط طائفةٌ من المتأخرين من القرآن أنَّها ليلَةُ سبْعٍ وعشرين من موضعين: أحدهما: أنَّ الله تعالى كَرَّرَ ذِكْر ليلَةِ القَدْر في سورة القَدْر في ثلاثة (٢) مواضع منها، وليلة القَدْرِ حروفُها تسْعُ حُروفٍ، والتسعُ إذا ضُرِبَت في ثلاثةٍ فهي سبْعٌ وعشرون. والثاني: أنَّه قال: "سلام هي" فكلمة "هي" هي الكلمة السابعةُ والعشرون مِن السورة؛ فإنَّ كلماتها كلَّها ثلاثون كلمة. قال ابنُ عطية (٣): هذا من مُلَح التفسير لا مِن مَتين العلم، وهو كما قال. ومما استدَلَّ به من رجَّح ليلَةَ سَبْعٍ وعشرين بالآيات والعلامات التي رويت فيها قديمًا وحديثًا؛ وبما وقع فيها من إجابةِ الدعوات، فقد تقدَّم عن أبيّ بن كعب أنَّه استدَلَّ على ذلك بطلوعِ الشَّمسِ في صبيحتها لا شُعَاعَ لها. وكان عَبْدَةُ بنُ أبي لُبابة يقولُ: هي ليلةُ سبْعٍ وعشرين، ويستدلُّ على ذلك بأنَّه قد جَرَّبَ ذلك بأشياءَ وبالنجوم. خرَّجه عبد الرزَّاق (٤). وروي عن عَبْدَةَ أنه ذاق ماء البحر ليلَةَ سبْعٍ وعشرين، فإذا هو عَذْبٌ؛ ذَكَره الإمامُ أحمدُ (٥) بإسناده. وطاف بعضُ السَّلَف ليلَةَ سبْعٍ وعشرين بالبيت الحرام، فرأى الملائكةَ في الهواء طائفين فوقَ رؤوس الناس. وروَى أبو موسى المديني من طريق أبي الشيخ الأصبهاني بإسنادٍ له عن حمَّاد بن شعيب، عن رجلٍ منهم، قال: كنت بالسَّواد، فلمَّا كان في العشر الأواخر جعلْتُ أنظرُ بالليل، فقال لي رجلٌ منهم: إلى أيِّ شيءٍ تنظُرُ؟ قلت: إلى ليلة القدر. قال: فَنَمْ، فإنِّي سأخبرك. فلما كان ليلة سبْعٍ وعشرين جاء وأخذ (٦)

стр. 360

بيدي، فذَهَبَ بي إلى النخل، فإذا النَّخْلُ واضِعٌ سَعَفَه في الأرض، فقال: لسنا نَرَى هذا في السَّنة كُلِّها إلَّا في هذه الليلة. وذكر أبو موسى بأسانِيدَ لهُ أنَّ رجُلًا مُقْعَدًا (١) دَعَا الله ليلَةَ سبْعٍ وعشرين فأطلَقَهُ. وعن امرأة مقعَدَةٍ كذلك. وعن رجُلٍ بالبصرة كان أخرَسَ ثلاثين سنةٍ، فدَعَا الله ليلَةَ سَبْعٍ وعشرين، فأُطلِقَ لسانُه فتكلَّمَ. وذكر الوزير أبو المظفَّرِ بنُ هبيرة (٢) أنَّه رأَى ليلةَ سبْعٍ وعشرين - وكانت ليلَةَ جُمُعَةٍ - بابًا في السَّماء مفتوحًا، شامِيَّ الكعبة، قال: فظننْتُه حيال الحجرة النَّبَوِيَّة المقدَّسة، قال: ولم يزل كذلك إلى أن التفتُّ إلى المشرقِ لأنظُرَ طُلُوعَ الفَجْر، ثم التفَتُّ إليه فوجدْتُه قد غَابَ. قال: وإن وَقَعَ في ليلةٍ من أوتارِ العَشْرِ ليلَةُ جُمُعَةٍ، فهي أرجَى مِن غيرها. واعْلم أن جميعَ هذه العلامات لا توجِبُ القطْعَ بليلَةِ القَدْر. وقد رَوَى سَلَمةُ بن شَبيب (٣) في كتاب "فضائل رمضان": حدثنا إبراهيم بن الحكم، حدثني أبي، قال: حدثني فَرْقدٌ: أن ناسًا من الصحابة كانوا في المسجد فسمعوا كلامًا من السَّماء، ورأوا نورًا من السَّماء، وبابًا من السَّماء، وذلك في شهر رمضانَ، فأخبروا رسولَ الله ﷺ بما رأوا، فزُعِمَ أنَّ رسول الله ﷺ قال: أمَّا النُّورُ فنُورُ رَبِّ العِزَّة تعالى، وأمَّا البابُ فبابُ السَّماء، والكلامُ كلامُ الأنبياء، فكُلُّ شَهْرِ رمضانَ على هذه الحال، ولكنْ هذه ليلة كُشِفَ غِطاؤها. وهذا مرسَلٌ ضعيف. وأما العملُ في ليلة القَدْر فقد ثبَتَ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قام ليلةَ القَدْر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّم من ذنبه" (٤). وقيامُها إنَّما هو إحياؤها بالتهجُّد فيها والصَّلاةِ، وقد أمَرَ عائشة بالدُّعاء فيها أيضًا. قال سفيان الثوريُّ: الدُّعاء في تلك الليلة أحبُّ إليَّ من الصَّلاة. قال: وإذا كان

стр. 361

يقرأ وهو يدعو ويرغبُ إلى الله في الدُّعاء والمسألة لعله يوافِقُ. انتهى. ومرادُه أن كثرَةَ الدُّعاءِ أفضَلُ من الصَّلاة التي لا يكثُر فيها الدُّعاء، وإن قرأ ودَعَا كان حسنًا. وقد كان النبي ﷺ يتهجَّدُ في ليالي رمضانَ، ويقرأ قراءةً مرتَّلةً، لا يمرُّ بآيةٍ فيها رحمةٌ إلا سألَ، ولا بآيةٍ فيها عذابٌ إلَّا تعوَّذَ، فيجمَعُ بينَ الصَّلاةِ والقراءةِ والدُّعاء والتفكُّر. وهذا أفضَلُ الأعمال وأكمَلُها في ليالي العَشْرِ وغيرِها، والله أعلم. وقد قال الشعبيُّ في ليلة القدر: ليلُها كنهارِها. وقال الشافعي في "القديم": أَستَحِبُّ أن يكونَ اجتهادُهُ في نهارها كاجتهادِهِ في ليلها. وهذا يقتضي استحباب الاجتهادِ في جميع زمان العَشْر الأواخر، ليلِه ونهارِه، والله أعلم. المحبُّون تطولُ عليهم الليالي فيعدُّونها عَدًّا لانتِظار ليالي العَشْرِ في كُلِّ عامٍ، فإذا ظفِرُوا بها نالوا مطلوَبهُم وخدمُوا محبوبَهم. قد مَزَّقَ الحبُّ قميصَ الصَّبْرِ … وقد غَدَوْتُ حائرًا في أَمْرِي آهٍ على تلك الليالي الغُرِّ … ما كُنَّ إلَّا كليالي القَدْرِ إن عُدْنَ لي مِن بَعْدِ هذا الهَجْرِ … وفيْتُ للهِ بِكل نَذْرِ *وقام بالحمدِ خطيبُ شُكْري * رياحُ هذه الأسحار تحمِلُ أنينَ المُذْنِبين، وأنفاسَ المحبِّين، وقصَصَ التائبين، ثم تعودُ بِرَدِّ الجواب بلا كتاب. أعلمتُمُ أن النَّسِيمَ إذا سَرَى … حَمَلَ الحديثَ إلى الحبيب كما جَرَى جَهِلَ العذول (١) بأنَّني في حُبِّهم … سَهَرُ الدُّجَى عندي ألَذُّ مِن الكَرَى فإذا وَرَدَ بريدُ بَرْدِ السَّحَر يحمِلُ ملطَّفاتِ الألطافِ، لم يفهمْها غيرُ مَن كتِبَتْ إليه (٢).

стр. 362

نسيمَ صَبَا نَجْدٍ مَتَى جئْتَ حامِلًا … تحيَّتَهم فاطْوِ الحديثَ عَنِ الرَّكْبِ (١) ولا تُذِعِ السِّرَّ المَصُونَ فإنَّني … أغارِّ على ذِكْرِ الأحِبَّة مِن صَحْبِي يا يعقوبَ الهَجْرِ، قد هبَّتْ ريحُ يوسُفَ الوَصْلِ، فلو استنشقْتَ لعدْتَ بَعْدَ العَمَى بصيرًا، ولَوَجَدْتَ ما كنْتَ لفقده فقيرا. كان لي قلبٌ أعيشُ به … ضَاعَ منِّي في تقلُّبهِ رَبِّ! فارْدُدْهُ عليَّ فَقَدْ … عِيلَ صبْرِي في تطَلُّبِهِ وأَغِثْنِي ما دام بي رَمَقٌ … يا غِياثَ المُسْتغِيثِ بِهِ لو قام المذنبون في هذه الأسحار على أقدام الانكسار، ورفَعُوا قصصَ الاعتذار مضمونها: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ (٢) لبرز لهم التوقيع عليها ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٣). أشكُو إلى اللهِ كما قَدْ شَكَى … أولادُ يعقوبَ إلى يوسُفِ قَدْ مَسَّنِي الضُّرُّ وأَنْتَ الَّذي … تَعْلَمُ حالي وتَرَى مَوْقِفي بضَاعَتِيَ المُزْجَاةُ مُحْتَاجَةٌ … إلى سَمَاح مِن كريمٍ وَفِيْ فَقَدْ أَتَى المِسْكِينُ مُسْتَمْطِرًا … جُودَكَ فارْحَمْ ذُلَّهُ واعْطِفِ فأوْفِ كَيْلِي وتَصَدَّقْ عَلَى … هذا المُقِلِّ البَائسِ الأضْعَفِ قالت عائشة ﵂ للنبيّ ﷺ : أرأيتَ إنْ وافقْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ما أقولُ فيها؟ قال: قولي: "اللهم، إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي" (٤). العَفُوُّ مِن أسماءِ الله تعالى، وهو المتجاوز عن سيِّئاتِ عبادِهِ، الماحِي لآثارِها عنهم (٥). وهو يُحِبُّ العَفْوَ؛

стр. 363

فيُحِبُّ أن يَعْفُوَ عن عبادِهِ، ويُحِبُّ مِن عِبَادِهِ أن يَعْفُوَ بعضُهُم عن بعضٍ؛ فإذا عَفَا بعضُهم عن بَعْضٍ عاملَهم بِعَفْوِهِ، وعَفْوُه أحَبُّ إليه من عُقُوَبَتِه. وكان النبي ﷺ يقول: "أعوذُ بِرضاكَ من سَخَطِكَ، وعفوِك (١) من عُقُوبَتك" (٢). قال يحيى بن معاذ: لو لم يكن العَفْوُ أَحَبَّ الأشياء إليه لم يبتَلِ بالذَّنْبِ أَكْرَمَ النَّاسِ عليه. يشير إلى أنَّه ابْتلَى كثيرًا من أوليائه وأحبابه (٣) بشيءٍ من الذنوب؛ ليعامِلَهم بالعفو؛ فإنه سبحانه يُحِبُّ العَفْوَ. قال بعضُ السَّلف الصالح: لو علمتُ أحَبَّ الأعمال إلى الله تعالى لأجْهَدْتُ نفسي فيه. فرأى قائلًا يقولُ له في منامه: إنَّك تريدُ ما لا يكون، إنَّ الله يُحِبُّ أن يَعْفُوَ ويَغْفِرَ؛ وإنما أَحَبَّ أن يَعْفُوَ؛ ليكونَ العِباد كلُّهم تحتَ عَفْوِه، ولا يُدِلُّ عليه أحَدٌ منهم بعمَلٍ. وقد جاء في حديثِ ابن عبَّاس مرفوعًا "إن الله ينظُر ليلَةَ القَدْر إلى المؤمنين من أمةِ محمَّدٍ ﷺ فَيَعْفُو عنهم ويرحَمُهُم، إلا أربعةً: مُدْمِنَ خَمْرٍ، وعاقًا، ومشاحِنًا، وقاطِعَ رحمٍ". لمَّا عَرَفَ العارِفون جلاله (٤) خَضَعُوا، ولمَّا سمِعَ المذنبون بِعَفْوِه طمِعُوا، ما ثم إلَّا عفو الله أو النار. لولا طَمَعُ المذنبين في العَفْوِ لاحتَرَقَتْ قلوُبهم باليأس من الرَّحمة، ولكن إذا ذكرَتْ عَفْوَ اللهِ استرْوَحَتْ إلى بَرْدِ عَفْوِه. كان بعضُ المتقدِّمين يقولُ في دعائه: اللهم، إنَّ ذنوبي قد عظُمت فجلَّتْ عن الصِّفة، وإنها صغيرة (٥) في جَنْبِ عَفْوِك؛ فاعْفُ عَنِّي. وقال آخر منهم: جُرْمي عظيمٌ، وعَفْوُكَ كبيرٌ (٦)؛ فاجْمَعْ بين جُرْمي وعَفْوِك يا كريم. يا كبيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللهِ مِن ذَنْبِكَ أكبَرُ أكبَرُ الأوزارِ في جَنْبِ عَفْوِ اللَّهِ يصغُرُ وإنما أمر بسؤال العَفْوِ في لَيْلَةِ القَدْر بعدَ الاجتهاد في الأعمال فيها وفي

стр. 364

ليالي العشر؛ لأنَّ العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرون لأنفسهم عملًا صالحًا (١)، ولا حالًا، ولا مقالًا، فيرجعون إلى سؤالِ العَفْوِ، كحالِ المُذْنِب المقصِّرِ. قال يحيى بنُ معاذٍ: ليس بعارفٍ مَن لم يكنْ غايةُ أملِهِ من الله العَفْوَ. إنْ كُنْتُ لا أَصْلُحُ لِلْقُرْبِ … فشأنُكُم عَفْوٌ عَنِ الذَّنْبِ كان مُطَرِّفٌ يقولُ في دعائه: اللهم، ارضَ عنَّا، فإن لم تَرْضَ عنَّا فاعْفُ عنَّا. مَن عظُمَتْ ذُنُوبُه في نَفْسِه لم يَطْمَعْ في الرِّضا، وكان غايةُ أملِه أن يطمَعَ في العَفْوِ. ومَن كَمُلَتْ معرِفَتُهُ لم يَرَ نفسَهُ إلَّا في هذه المنزلة. يا رَبّ عبدُكَ قد أتا … كَ وقَدْ أَسَاءَ وقَدْ هَفَا يَكْفِيهِ (٢) مِنْكَ حَيَاؤهُ … مِنْ سُوءِ ما قَدْ أَسْلَفَا حَمَلَ الذُّنُوبَ على الذُّنُو … بِ المُوبِقاتِ وأَسْرَفا وقد اسْتَجَارَ بِذَيْلِ … عَفْوِكَ مِن عِقابكَ مُلْحِفا يا ربّ فاعف وعافِهِ (٣) … فلأنْتَ أَوْلَى مَنْ عَفَا * * * المجلس السادس في وداع رمضان في "الصحيحين" (٤) مِن حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "مَن صَامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّم مِن ذَنْبِه. ومَن قام ليلَةَ القَدْر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه". وفيهما أيضًا من حديثِ أبي هريرة أيضًا

стр. 365

رضي الله عنه، عن النبي ﷺ ، قال: "مَن قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّم مِن ذَنْبه". وللنسائي في روايةٍ (١): "مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه وما تأخَّر". وقَد سَبَقَ في قيام ليلةِ القَدْر مثلُ ذلك مِن رواية عُبَادَةَ بن الصَّامت. والتكفيرُ بصيامه قد وَرَدَ مشروطًا بالتحفُّظِ مِمَّا ينبغي أن يُتحفَّظَ منه. ففي "المسند" (٢) و"صحيح ابن حِبَّان" عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "مَن صام رمضانَ فعرَفَ حُدُودَه وتحفَّظ مِمَّا ينبغي له أن يتحفَّظَ منه، كفَّر ذلك ما قبلَه". والجمهور على أن ذلك إنَّما يكفَّر الصغائرَ، ويدُلُّ عليه ما خرَّجه مسلم (٣) من حديثِ أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "الصَّلوات الخمسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعةِ، ورَمَضانُ إلى رَمَضَانَ، مكفِّرات لِما بينهنَّ، ما اجتُنِبَتِ الكبائر". وفي تأويله قولان: أحدُهما: أن تكفِيرَ هذه الأعمال مشروطٌ باجتناب الكبائر، فمن لم يجتنِبِ الكبائرَ لم تكفّر له هذه الأعمالُ كبيرةً ولا صغيرةً. والثاني: أن المراد أن هذه الفرائض تكفِّرُ الصغائرَ خاصَّةً بكُلِّ حالٍ، وسواء اجتُنِبت الكبائرُ أو لم تُجتَنَبْ، وأنَّها لا تكفِّر الكبائرَ بحالٍ. وقد قال ابنُ المنذر في قيام ليلَةِ القَدْر: إنَّه يُرْجَى به مغفرةُ الذنوبِ؛ كبائرِها وصغائرِها. وقال غيرُه مثلَ ذلك في الصَّوم أيضًا. والجمهور على أن الكبائرَ لا بُدَّ لها من توبةٍ نَصُوحٍ. وهذه المسائل قد ذكرناها مستوفاةً في مواضِعَ أُخَرَ. فدَلَّ حديثُ أبي هريرة ﵁ على أن هذه الأسبابَ الثلاثَة كُلُّ واحدٍ منها

стр. 366

مكفِّرٌ لِما سَلَفَ من الذُّنوبِ، وهي صيامُ رمضانَ، وقيامُهُ، وقيامُ ليلَةِ القَدْر. فقيامُ ليلَةِ القَدْر بمجردِهِ يكفِّر الذنوبَ لمن وَقَعَتْ له، كما في حديث عُبَادَةَ بن الصَّامت، وقد سَبَقَ ذكره. وسواءٌ كانت في أوَّل العَشْر أو أوْسَطه أو آخره، وسواءٌ شَعَرَ بها أو لم يَشْعُر. ولا يتأخَّرُ تكفيرُ الذنوب بها إلى انقضاءِ الشَّهْرِ. وإمَّا صيامُ رمضانَ وقيامُه، فيتوقَّفُ التكفيرُ بهما على تمام الشهر، فإذا تمَّ الشَّهْرُ فقد كَمُلَ للمؤمِنِ (١) صيامُ رَمَضَانَ وقيامُه، فيترتَّبُ له على ذلك مغفِرةُ ما تقدَّم من ذَنْبِه بتمام السَّببين، وهما صيامُ رمضان وقيامُه. وقد يقال: إنه يُغفر لهم عند استكمال القيام في آخر ليلةٍ من رمضان، بقيام رمضان قبلَ تمامِ نهارِها، وتتأخَّر المغفرة بالصيام إلى إكمال النهار بالصَّوم، فيغفَرُ لهَم بالصوم في ليلة الفِطْر. ويدلُّ على ذلك ما خرَّجه الإِمام أحمد (٢) من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أُعْطِيَتْ أمتي خَمسَ خِصالٍ في رمضانَ لم يُعْطَها أمَّةٌ غيرُهم: خُلُوفُ فمِ الصَّائمِ أطيَبُ عندَ اللهِ مِن ريح المِسْكِ، وتَستغفِرُ لهم الملائكة حتى يُفْطِروا، ويُزَيِّنُ الله كُلَّ يومٍ جنَّته، ويقولُ: يوشِكُ عبادِي أن يُلقوا (٣) عنهم المؤونة والأذَى ويَصيروا إليك، ويصفَّدُ فيه مَرَدَةُ الشياطين؛ فلا يخلُصُون فيه إلى ما كانوا يخلُصُون إليه في غيره، ويُغفر لهم في آخر ليلةٍ فيه، فقيلَ له: يا رسولَ اللهِ، أهِيَ ليلَةُ القَدْرِ؟ قال: لا، ولكن العامِل إنما يوفَّى أجْرَه إذا قَضَى عَمَلَه". وقد رُوِي أن الصَّائمين يَرجعون يومَ الفِطْرِ مغفورًا لهم، وأنَّ يومَ الفِطر يُسمَّى يومَ الجوائز؛ وفيه أحاديث ضعيفة. وقال الزُّهريّ: إذا كان يومُ الفِطْر خَرَجَ النَّاسُ إلى الجَبَّان (٤) اطَّلَع الله عليهم، فقال: عبادِي! لي صمْتُمْ، ولي قمتُمْ، ارْجِعُوا مغفورًا لكم. قال مورِّق العِجْليُّ لبعض إخوانه في المصَلَّى يومَ الفِطْر: يَرجعُ هذا اليوم قومٌ كما

стр. 367

ولدتهُم أمَّهاتُهم. وفي حديث أبي جعفر الباقر المرسل: "مَن أتى عليه رمضانُ فصَامَ نهارَهُ، وصلَّى وِرْدًا مِن ليله، وغَضَّ بَصَرَه، وحفِظَ فَرْجَهُ ولسانَه ويَدَه، وحافَظَ على صلاتِهِ في الجماعة، وبكَّر إلى جمعةٍ (١)، فقد صام الشَّهْرَ واستكملَ الأجْرَ، وأدرَكَ ليلَة القَدْرِ، وفاز بجائزة الرَّبِّ". قال أبو جعفر: جائزةٌ لا تشبِه جوائزَ الأمراءِ. إذا كمَّل (٢) الصائمون صيامَ رمضانَ وقيامَه، فقد وفَّوْا ما عليهم من العَمَلِ، وبقي ما لهم من الأجر وهو المغفرة؛ فإذا خَرَجُوا يومَ عيدِ الفِطْر إلى الصَّلاة قُسِّمَتْ عليهم أجورُهم، فرجعوا إلى منازِلهم وقد استَوْفَوا الأجْرَ واستكملوه، كما في حديث ابن عباسٍ ﵄ المرفوع: "إذا كان يومُ الفِطْرِ هَبَطَتِ الملائكةُ إلى الأرض، فيقومون (٣) على أفواه السِّكَكِ يُنادُونَ بِصَوْتٍ يسمَعُهُ جميعُ مَن خَلَقَ الله، إلَّا الجِنَّ والإِنسَ، يقولون: يا أمَّةَ محمدٍ! اخرُجوا إلى رَبٍّ كريم يُعطِي الجَزِيلَ، ويغفِرُ الذَّنْبَ العظيم، فإذا برزوا إلى مُصلَّاهم، يقولُ الله لملائكته: يا ملائكتي! ما جزاءُ الأجير إذا عمِلَ عملَهُ؟ فيقولون: إلهنا وسيِّدنا! أنْ توفِّيَه أَجْرَهُ، فيقول: إنِّي أُشهِدُكُم أنِّي قد جَعَلْتُ ثوابَهم مِن صيامِهم وقيامِهم رضائي (٤) ومغفرتي، انصرِفوا مغفورًا لكم. خرَّجه سلمة بنُ شبيبٍ في كتاب "فضائل رمضان" وغيره. وفي إسناده مقالٌ. وقد رُوي من وجهٍ آخر عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبَّاس ﵄ موقوفًا بعضُه. وقد رُوِي معناه مرفوعًا من وجوهٍ أخَرَ فيها ضعفٌ؛ مَنْ وفَّى ما عليه من العمل كاملًا وُفِّي له الأجْرُ كاملًا، ومَن سَلَّم ما عليه موفَّرًا تسَلَّم ماله نقدًا لا مؤخَّرًا. ما بِعتُكم مهجَتي إلا بوَصْلِكُمُ … ولا أُسَلِّمُها إلَّا يدًا بيدِ فإنْ وَفَيْتُمْ بما قلْتُمْ وَفَيْتُ أنا (٥) … وإن أبيْتم يكونُ الرَّهْنُ تحتَ يَدِي (٦)

стр. 368

ومَن نقص من العمل الذي عليه نُقِّصَ من الأجر بحسب نَقْصِه، فلا يَلُم إلَّا نفسَه. قال سلمان: الصَّلاةُ مِكْيالٌ، فمن وفَّى وُفِّي له، ومن طَفَّفَ فَقَد علمتُم ما قيل في المطفِّفين (١). فالصِّيامُ وسائرُ الأعمال على هذا المنوالِ؛ مَن وفَّاها فهو من خِيارِ عِبادِ الله الموفِّين (٢)، ومَنْ طفَّفَ فيها فويلٌ للمطفِّفين. أَمَا يستحيي مَن يستَوْفي مِكْيالَ شَهَواتِهِ، ويطفِّفُ في مِكْيالِ صيامِهِ وصلاتِه، أَلا بُعْدًا لِمْديَن (٣). في الحديث: "أسوأُ الناسِ سرقة الذي يَسْرِقُ صلاتَه" (٤). إذا كان الوَيْلُ لمن طَفَّفَ مِكيالَ الدُّنيا، فكيف حالُ مَن طفَّف مِكيالَ الدِّين! ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٥). غدًا تُوفَّى النفوسُ ما كسَبَتْ … ويحصُدُ الزَّارِعونَ ما زَرَعوا انْ أحسَنُوا أحسَنُوا لأنفُسِهم … وإن أساؤوا فبئسَ ما صَنَعُوا كان السَّلفُ الصَّالح يجتهدون في إتمام العمَلِ وإكماله وإتقانه، ثم يهتمُّون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من رَدِّه، وهؤلاء الذين ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (٦). رُوي عن علي ﵁، قال: كونوا لقَبُولِ العَمَلِ أشدَّ اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمَعُوا الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧). وعن فَضَالَةَ بن عُبيد (٨)، قال: لأنْ أكونَ أعلَمُ أنَّ الله قد تقبَّلَ منِّي مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَل أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها؛ لأنَّ الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.

стр. 369

وقال ابنُ دينار (١): الخوفُ على العمل أن لا يُتَقَبَّلَ أشَدُّ مِن العَمَل. وقال عطاء السَّليمي (٢): الحذرُ: الاتقاءُ على العمل أن لا يكونَ لله. وقال عبد العزيز بن أبي دَوَّاد (٣): أدركتُهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فَعَلُوه وَقَعَ عليهم الهمُّ، أيقبَلُ (٤) منهم أم لا. قال بعضُ السَّلف: كانوا يدعُون الله ستَّةَ أشهرٍ أن يُبلِّغَهم شَهْرَ رمضان، ثم يدعون الله ستَّةَ أشْهُرٍ أن يتقبَّلَهُ منهم. خرَجَ عمرُ بنُ عبد العزيز ﵀ في يوم عيدِ فِطْرٍ، فقال في خُطبته: أيُّها الناس! إنَّكم صُمتم لله ثلاثين يومًا، وقُمْتُم ثلاثين لَيلَةً، وخَرَجْتُم اليومَ تطلبون من الله أن يتقبَّل (٥) منكم. كان بعضُ السَّلف يَظْهَرُ عليه الحزنُ يومَ عيدِ الفِطْر، فيقال له: إنَّه يومُ فَرَحٍ وسرورٍ، فيقول: صدقتم، ولكنِّي عبدٌ أمرني مولاي أن أعمَلَ له عملًا، فلا أدري أيقبلُه منِّي أم لا؟ رأى وُهَيْبُ (٦) بنُ الورد قومًا يضحكون في يوم عيدٍ، فقال: إن كان هؤلاء تُقُبِّلَ منهم صيامُهم فما هذا فعلُ الشاكرين، وإن كانوا لمَ يُتَقَبَّلْ منهم صيامهم فما هذا فعلُ الخائفين. وعن الحسن، قال: إنَّ الله جَعَلَ شَهْرَ رمضانَ مضمارًا (٧) لخلقه يستبِقُون فيه بطاعتِه إلى مَرْضَاتِه، فَسَبَقَ قَوْمٌ ففازوا، وتخلَّف آخرون فخابُوا. فالعجَب من اللاعِب الضَّاحِك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطِلُون.

стр. 370

لعلك غَضْبان وقلبيَ غافِلُ … سلامٌ على الدَّارين إن كنْتَ راضِيا رُوِي عن عليٍّ ﵁ أنَّه كان ينادِي في آخر ليلةٍ من شهر رمضانَ: يا ليتَ شِعْرِي! مَن هذا المقبول فنهنِّيه؟ ومَن هذا المحرومُ فنُعَزِّيه؟ وعن ابن مسعودٍ أنَّه كان يقول: مَن هذا المقبُولُ منا فنُهنِّيه؟ ومَن هذا المحرومُ منَّا فنعزِّيه؟. أيُّها المقبولُ هنيئًا لكَ، أيُّها المردود جَبَرَ الله مُصيبتك! ليتَ شِعْرِي مَنْ فيه يُقْبَلُ مِنَّا … فيُهَنَّا يا خيبة (١) المَرْدُودِ مَنْ تولَّى عنهُ بغيْرِ قَبُولٍ … أَرْغَمَ اللهُ أنفَهُ بِخِزيٍ شَديدِ ماذا فات مَنْ فاته خيرُ رمضانَ؟ وأيّ شيءٍ أدرَكَ مَن أدرَكَه فيه الحرمانُ؟ كم بينَ مَن حَظُّهُ فيه القَبولُ والغفرانُ، ومَن كان حظُّه فيه الخَيبةُ والخُسْرَانُ. رُبَّ قائمٍ حظُّه مِن قيامِه السَّهَرُ، وصائمٍ حظُّه من صيامِهِ الجُوعُ والعَطَشُ. ما أصنعُ؟ هكذا جَرَى المقدورُ … الجَبْرُ لغيري وأنا المكسُورُ أَسيرُ ذنبٍ (٢) مقيَّدٌ مهجُورُ … هل يُمكنُ أن يُغيَّر المقدورُ [غيره] (٣): سار القوم والشَّقا يُقعِدُني … حَازُوا القربَ والجَفَا يُبعِدُني (٤) حسبي حسبي إلى متى تطرُدني .... أعداي دائي وكلُّهم يقصِدُني غيره: أسبابُ هواكَ أَوْهَنَتْ أَسْبَابي … مِن بَعْدِ جَفَاكَ فالضَّنَى أَوْلَى بي ضاقَتْ حِيَلي وأَنْتَ تدرِي ما بى … ارْحم (٥)، فالعَبْدُ واقفٌ بالبابِ شهرُ رمضانَ تكثُر فيه أسبابُ الغفران؛ فمن أسباب المغفرة فيه: صيامُه،

стр. 371

وقيامُه، وقيامُ ليلَةِ القَدْر فيه، كما سبق. ومنها: تفطيرُ الصُّوَّام، والتخفيفُ عن المملوك، وهما مذكوران في حديث سلمان المرفوع. ومنها: الذكر. وفي حديثٍ مرفوع: "ذاكِرُ الله في رمضانَ مغفورٌ له" (١). ومنها: الاستغفارُ، والاستغفارُ طلَبُ المغفرةِ. ودعاءُ الصَّائم يستجابُ في صيامِه وعند فِطْره؛ ولهذا كان ابنُ عمر إذا أفطَرَ يقولُ: اللهم، يا واسِعَ المغفرة اغفر لي. وفي حديث أبي هريرة ﵁ المرفوع في فضل شهر رمضان: ويغفَرُ فيه إلَّا لمن أَبَى، قالوا: يا أبا هريرة! ومَن يأبى؟ قال: يأبَى أن يستغفرَ الله. ومنها: استغفارُ الملائكة للصَّائمين حتى يُفطِروا، وقد تقدَّم ذكرُه. فلما كثُرَتْ أسبابُ المغفرة في رمضان كان الذي تفوتُه المغفرةُ فيه محرومًا غايةَ الحرمان. في "صحيح ابن حبَّان" (٢) عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ صَعِدَ المِنْبَرَ فقال: آمين، آمين، آمين! قيل: يا رسولَ الله، إنَّك صَعِدْتَ المِنْبَرَ فقلت: آمين آمين آمين؟ قال: إنَّ جبريل أتاني، فقال: مَنْ أدْرَكَ شهرَ رمضانَ فلم يُغْفَرْ له فدَخَلَ النار، فأبعَدَهُ الله، قل: آمين، فقلت: آمين. ومَن أدرَكَ أبوَيْه أو أحدَهما فلم يبرَّهما، فمات، فدَخَلَ النار، فأبعَدَهُ الله، قل: آمين، فقلت: آمين. ومَن ذُكِرْتَ عندَه فلم يُصَلِّ عليك، فمات، فدخَلَ النار فأبعَدَه الله، قل: آمين، فقلت: آمين. وخرَّجه الإمام أحمد (٣)، والترمذي، وابنُ حِبَّان أيضًا من وجهٍ آخر عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ "رِغمَ أنفه". وحسَّنه الترمذيّ. وقال سعيدٌ عن قتادة: كان يقال: من لم يُغْفَرْ لَهُ في رمضانَ فلن يغفَرَ له فيما سواه.

стр. 372

وفي حديثٍ آخَرَ: "إذا لم يُغفَرْ له في رمضان فمتى يُغفَرُ لمن لا يغفَر (١) له في هذا الشهر؟ متى يقبَلُ مَن رُدَّ في ليلة القدر؟ متى يصلُح من لا يصلُح في رمضان؟ متى يصح من كان به فيه من داءِ الجهالة والغفلةِ مَرضان؟ كُل ما لا يثمِرُ من الأشجار في أوان الثمار؛ فإنَّه يُقطَعُ ثمَّ يوقَدُ في النار. من فرَّط في الزَّرْع في وقت البِذار، لم يحصُدْ يومَ الحصاد غيرَ النَّدم والخَسَار. ترحَّلَ الشَّهرُ وا لهفاهُ وانْصَرَما (٢) … واخْتَصَّ بالفوز في الجنَّاتِ مَن خَدَما وأصبَحَ الغافِلُ المِسْكِينُ منكسِرًا … مثْلِي فيا ويحَهُ يا عُظْمَ ما حُرِمَا من فاتَهُ الزَّرْعُ في وَقْتِ البذارِ فَمَا … تراهُ يحصُدُ إلَّا الهَمَّ والنَّدَما شهر رمضان شهرٌ أوَّلُه رحمةٌ، وأوسَطُه مغفرةٌ، وآخرُه عِتْقٌ مِن النَّار. رُوِي هذا عن النبي ﷺ ، من حديث سلمان الفارسي. خرَّجه ابنُ خُزَيمة في "صحيحه" (٣). ورُوي عنه أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁، خرَّجه ابنُ أبي الدنيا وغيره. والشهرُ كلُّه شَهْرُ رَحْمَةٍ ومغفرةٍ وعِتْقٍ، ولهذا في الحديث الصحيح: أنَّه تُفتَحُ فيه أبوابُ الرَّحمة. وفي الترمذي (٤) وغيرِه: "إنَّ لله عتقاءَ مِن النَّارِ، وذلك في كُل ليلةٍ". ولكنَّ الأغلبَ على أوَّله الرحمةُ، وهي للمحسنين المتقين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥). وقال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا

стр. 373

لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (١). فيفاضُ على المتَّقين في أوَّلِ الشهْرِ خِلَعُ الرَّحمةِ والرُّضوانِ، ويُعامَلُ أهلُ الإحسان بالفضل والإِحسان. وأمَّا أوسطُ الشهر، فالأغلبُ عليه المغفِرَةُ، فيُغفَرُ فيه للصَّائمين وإن ارتكَبُوا بعضَ الذنوب الصغائر فلا يمنعهم ذلك من المغفرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ (٢). وأمَّا آخِرُ الشهر فيُعتقُ فيه من النار مَن أوبقَتْه (٣) الأوزار، واستوجَب النار بالذنوب الكبار. وفي حديث ابن عباس المرفوع: "لله في كُل ليلةٍ في شهر رمضان عند الإفطار ألفُ ألفُ عتيقٍ من النار، فإذا (٤) كان ليلةُ الجمعة أو يوم الجمعة، أعتق في كل ساعةٍ فيها ألف ألف عتيق من النار، كلُّهم قد استوجَبُوا العذاب (٥)، فإذا كان آخر ليلةٍ من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بعدد ما أعتَقَ مِن أول الشهر إلى آخِرِه. خرجه سلمة بن شبيب وغيرُه. وإنما كان يوم الفطر من رمضان عيدًا لجميع الأمة، لأنَّه يعتَقُ فيه أهلُ الكبائر من الصَّائمين مِن النار، فَيَلْتَحق فيه المذنبون بالأبرار. كما أن يوم النَّحر هو العيدُ الأكبر؛ لأنَّ قبلَه يومَ عَرَفَةَ، وهو اليوم الذي لا يُرَى في يوم من الدنيا أكثَرُ عتقًا من النار منه، فمن أُعتِقَ من النَّار في اليومين فله يومُ عيدٍ، ومَن فاته العِتْق في اليومين فله يومُ وعيدٍ. [أنشد الشبلي] (٦): ليس عيدُ المحبِّ قَصْدَ المصلَّى … وانتظارَ الأميرِ والسُّلطانِ إنَّما العيدُ أن تكون لَدَى اللهِ … كَريمًا مُقَرَّبًا في أمانِ ورؤي بعضُ العارفين ليلةَ عيدٍ في فلاةٍ يبكي على نفسِه وينشِدُ: بِحُرْمَةِ غُرْبَتي كم ذا الصُّدُودُ … أَلَا تعطِف عليَّ أَلا تَجُودُ سُرورُ العيدِ قد عَمَّ النَّواحِي … وَحُزْنِي في ازْدِيادٍ لا يَبيدُ فإنْ كنْتُ اقْتَرَفْتُ خلالَ سُوءٍ … فَعُذْرِي في الهَوَى أن لا أعودُ

стр. 374

لمَّا كانت المغفرةُ والعِتْقُ من النار كل منهما مرتّبًا على صيام رمضانَ وقيامِه، أمر الله عندَ إكمال العِدَّةِ بتكبيره وشكرِه، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)، فشُكْرُ مَن أَنعَمَ على عباده بتوفِيقِهم للصِّيام، وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم به، وعتقِهم من النَّار، أن يذكُروه ويشكروه ويتَّقوه حقَّ تُقَاتِهِ. وقد فسَّر ابنُ مسعودٍ ﵁ تقواه حقَّ تُقاتِه بأنْ يطاعَ فلا يُعْصَى، ويذكَرَ فلا يُنْسَى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر. فيا أربابَ الذُّنوب العظيمة! الغنيمةَ الغنيمةَ في هذه الأيام الكريمة؛ فما منها عوض ولا لها قيمة، فكم (٢) يعتق فيها من النَّار من ذي جريرة وجريمة، فمن أعتق فيها من النَّار فقد فاز بالجائزة العميمة (٣) والمنحة الجسيمة. يا من أعتقَهُ مولاهُ مِن النَّار! إيَّاك أن تعودَ بعد أن صِرْتَ حُرًّا إلى رِقِّ الأوزار. أيبعدُكَ مولاك عن النار وأنت تتقرَّبُ منها؟ وينقذُكَ منها وأنتَ توقِعُ نفسَكَ فيها ولا تحيد عنها؟! وإنَّ امْرَءًا ينجُو مِن النَّار بعدَما … تزوَّدَ مِن أعمالِها لَسَعيدُ إن كانت الرَّحمة للمحسنين فالمسيء لا ييأسُ منها، وإن تكن المغفرة مكتوبة للمتقين فالظَّالم لنفسه غيرُ محجوب عنها. إن كان عَفْوُك لا يرجُوُه ذو خطأٍ … فمن يَجُودُ على العاصِين بالكَرَمِ غيره: إن كان لا يرجُوكَ إلَّا مُحْسِنٌ … فمن الذي يَرْجُو وَيدْعُو المُذْنِبُ [غيره: لم لا يُرْجَى العَفْوُ من رَبِّنا … وكيفَ لا يطمَعُ في حلْمِهِ

стр. 375

وفي الصحيحين (١) أتى إنه … بعبدِهِ أَرْحَمُ من أُمِّه] (٢) ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٣). فيا أيُّها العاصي - وكلُّنا ذلك - لا تقنَطْ مِن رحمةِ الله لسوء أعمالِك، فكم يُعتَقُ مِن النار في هذه الأيام مِن أمثالك. فأحْسِن الظَّنَّ بمولاك وتُبْ إليه؛ فإنَّه لا يهلك على الله إلَّا (٤) هالك. إذا أوجَعَتْكَ الذُّنوبُ فداوِها … بِرَفْعِ يَدٍ في اللَّيلِ واللَّيلُ مُظْلِمُ ولا تقنَطَنْ مِن رَحْمَةِ اللهِ إنَّما … قنوطُكَ منها مِن ذنُوِبك أعظَمُ فرحْمَتُه للمُحْسِنين كَرامةٌ … ورَحْمَتُهُ للمذنبين تَكَرُّم ينبغي لمن يرجُو العِتقَ في شهر رمضانَ مِن النار أن يأتيَ بأسبابٍ توجِبُ العِتْقَ مِن النَّارِ، وهي متيسِّرة في هذا الشهر. وكان أبو قلابَةَ يُعتِقُ في آخر الشهر جاريةً حسناءَ مزينة (٥) يرجو بعتقِها العِتْقَ مِن النار. وفي حديث سلمان [الفارسي] (٦) المرفوع الذي في صحيح ابن خُزَيمة (٧): "مَن فَطَّر فيه صائمًا كان عتقًا لَهُ مِن النار. ومَن خَفَّفَ فيه عن مملوكه كان له عِتْقًا من النار". وفيه (٧) أيضًا: "فاستكثروا فيه من أربع خصال: خَصلتين تُرْضُونَ بهما ربَّكم، وخَصلتين لا غناء بكم عنهما. فأمَّا الخَصلتان اللتان تُرضون بهما ربَّكم فشهادةُ أن لا إله إلَّا الله، والاستغفار (٨). وأمَّا اللتان (٩) لا غناء لكم عنهما، فتسألون الله الجنَّة، وتعوَّذون به من النار". فهذه الخصالُ الأربع المذكورة في هذا الحديث كُلٌّ منها سببٌ للعتق والمغفرة. فأمَّا كلمةُ التوحيد، فإنَّها تهدِمُ الذُّنوبَ وتمحُوها محوًا، ولا تبقي ذنبًا، ولا يسبقها عملٌ. وهي تعدِلُ عِتْقَ الرِّقاب الذي يوجِبُ العِتْقَ مِن النَّار.

стр. 376

ومَن أتى بها أربعَ مرارٍ: حين يُصبح وحين يُمسي، أعتَقَه الله مِن النار، ومَن قالها خالصًا (١) من قلبه حرَّمه الله على النار. وأمَّا كلمةُ الاستغفار، فمِن أعظَمِ أسبابِ المغفرة، فإن الاستغفار دعاءٌ بالمغفرة، ودُعاءُ الصَّائم مستجابٌ في حالِ صيامِه، وعند فِطْره. وقد سَبَقَ حديثُ أبي هريرة المرفوع: وَيُغْفَرُ فيه - يعني شهرَ رمضان - إلَّا لمن أبى. قالوا: يا أبا هريرة! ومن أبى؟ قال: مَن أبى أن يستغفِرَ الله . قال الحسن: أكثِروا من الاستغفار، فإنكم لا تدرون متى تنزِلُ الرَّحمة. وقال لقمان لابنه: يا بُني! عَوِّدْ لسانَكَ الاستِغفار؛ فإنَّ لله ساعاتٍ لا يَرُدُّ فيهنَّ سائلًا. وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (٢). وفي بعض الآثار: أن إبليس قال: أهلكْتُ الناس بالذُّنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفارِ. والاستغفارُ خِتامُ الأعمال الصَّالحة كلِّها؛ فتختم به الصَّلاةُ والحجُّ وقيامُ الليل، ويختم به المجالسُ؛ فإنْ كانت ذكرًا كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوًا كان كفَّارَةً لها، فكذلك ينبغي أن يُختم صيامُ رمضانَ بالاستغفار. كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضانَ بالاستغفارِ والصَّدقةِ، صدقة الفطر؛ فإنَّ صَدَقَةَ الفِطْر طُهْرَةٌ للصَّائم من اللغو والرَّفَثِ. والاستغفارُ يُرقع ما تخرَّقَ من الصِّيام باللغو والرَّفَثِ؛ ولهذا قال بعضُ العلماء المتقدمين: إنَّ صدَقَة الفِطْر للصائم كسجدتي السَّهْو للصَّلاة. وقال عمر بن عبد العزيز في كتابه: قولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣)، وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤) وقولوا (٥) كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٦)، وقولوا كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ

стр. 377

نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (١)، وقولوا كما قال ذو النون ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين﴾ (٢). ويُروى عن أبي هريرة ﵁، قال: الغِيبةُ تخرِّقُ الصِّيام، والاستغفارُ يُرَقِّعُهُ؛ فمن استطاعَ منكم أن يجيء بصومٍ مُرقّعٍ فليفعل. وعن ابن المنكدر: معنى ذلك: الصيامُ جُنَّةٌ مِن النَّار ما لم يَخْرِقْها (٣)، والكلامُ السيء يخرقُ هذه الجُنَّة، والاستغفارُ يرقِّعُ ما تخرَّقَ منها. فصيامُنا هذا يحتاج إلى استغفارٍ نافعٍ، وعملٍ صالحٍ، له شافعٌ. كم نخرِقُ صيامَنا بسهام الكلام، ثم نرقِّعُه وقد اتَّسَع الخَرْقُ على الرَّاقع. كم نرفو خُرُوقَه بمخيط الحسنات، ثم نقطعه بحسامِ السيئات القاطع. كان بعضُ السَّلف إذا صلَّى صلاةً استغفَرَ مِن تقصيره فيها، كما يسَتغفر المذنبُ من ذنبه. إذا كان هذا حالُ المحسنين في عباداتهم، فكيف حالُ المسيئين مثلِنا في عباداتهم. ارحموا مَن حسناتُه سيئات، وطاعاته كلُّها غفلات. أستغفِرُ الله من صِيامي … طولَ زماني ومِن صَلاتي صِيامنا (٤) كلُّه خُرُوقُ … وصلاته (٥) أيَّما صلاتي مستيقظٌ في الدُّجَى ولكنْ … أحسَنُ مِن يقظتِي سُبَاتي وقريبٌ مِن هذا أمْرُ النبي ﵇ لعائشة في ليلة القَدْرِ بسؤال العَفْوِ؛ فإنَّ المؤمن يجتهدُ في شهر رمضانَ في صيامِه وقيامِه، فإذا قرُبَ فراغُه وصادَفَ ليلَةَ القَدْرِ، لم يسألِ الله تعالى إلَّا العَفْوَ، كالمسيء المقصِّر. كان صِلَةُ بن أشيم يحيي الليلَ، ثم يقول في دعائه في السَّحَر: اللهم، إنِّي أسألك أن تجيرني من النار، ومثلي يجترئ أن يسألك الجنَّةَ. كان مطرِّف يقولُ في دعائه: اللهم، ارْضَ عنَّا، فإن لم

стр. 378

ترضَ عنَّا فاعْفُ عنَّا. قال يحيى بن معاذ: ليس بعارفٍ مَن لم يكُن غايةُ أملِه من الله العَفْوَ. إنْ كُنْتُ لا أصلُحُ لِلْقُرْبِ … فشأنُكُم عَفْوٌ عن الذَّنْبِ أنفَعُ الاستغفار ما قارنَتْهُ التَّوْبَةُ، وهي حَلُّ عُقدةِ الإِصرار (١)، فمن استغفر بلسانِه وقلبُه على المعصية معقودٌ، وعزمُه أن يرجعَ إلى المعاصي بعدَ الشهر ويعُود، فَصَوْمُه عليه مردود، وبابُ القَبول عنه مسدود. قال كعبٌ: من صَامَ رمضانَ وهو يحدِّثُ نفسَه أنَّه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله، دَخَلَ الجنَّة بغير مسألةٍ ولا حسابٍ. ومَن صام رَمضانَ وهو يحدِّثُ نفسَه أنَّه إذا أفطر بعدَ رمضان عصَى ربَّه، فصيامُه عليه مردود. وخرَّجَه سلمة (٢) بن شبيب. ولولا التُّقَى ثمَّ النُّهَى خَشْيَةَ الرَّدَى … لعاصيت في وقت الصّبا كُلَّ زاجر (٣) قَضَى ما قَضَى فيما مَضى ثم لا تُرى … لَهُ عَوْدَة أُخْرَى اللَّيالي الغَوَابر (٤) في سنن أبي داود (٥) وغيرِه عن أبي بَكْرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يقولَنَ أحدُكمِ: صُمْتُ رَمضانَ كُلَّه، ولا قُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّه". قال أبو بكرة: فلا أدري، أَكَرِهَ التَّزكيةَ أم لا بُدَّ من غَفْلَةٍ. أين من كان إذا صام صانَ الصِّيامَ، وإذا قام استقام في القيام؟ أحسَنوا (٦) الإِسلام ثم رحلوا بسلام، ما بقي إلَّا مَن إذا صام افتخر بصيامه وصال، وإذا قام أعجب بقيامه، وقال: كم بين خَليٍّ وشَجِيٍّ، وواجِدٍ وفاقِدٍ، وكاتمٍ ومبدي. وأمَّا سؤالُ الجنَّة والاستعاذة مِن النار فمن أهم الدعاء، وقد قال النبي ﷺ : "حولَهما ندَنْدِنُ" (٧)،

стр. 379

فالصَّائم يُرجَى استجابةُ دعائه، فينبغي إلَّا يدعُوَ إلَّا بأهم الأمور. قال أبو مسلم (١): ما عرضت لي دعوةٌ إلَّا صرفتها إلى الاستعاذة من النار، وقال ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢). في الحديث: [اطلبوا الخيرَ دهركُم كُلَّه و] (٣) تعرَّضوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ رَبِّكُم؛ فإنَّ لله نَفَحاتٍ مِن رَحْمَتِه يُصِيبُ بها من يَشاء من عِباده، [وسلوا الله أن يسْتُرَ عوراتكم وأن يؤمِّن روعاتكم] (٣)، فمن أصابته سعِدَ سعادَةً لا يشقَى بعدَها أبدًا، فمن أعظم نفحاته مصادفةُ ساعةِ إجابةٍ يسأل فيها العبدُ الجنَّةَ والنَّجاةَ من النَّار، فيُجاب سؤالُه، فيفوزُ بسعادَة الأبَدِ. قال الله تعالى ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (٤)، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (٥) إلى قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ (٦). ليس السَّعيدُ الذي دُنياهُ تُسْعِدُهُ … إنَّ السَّعيدَ الَّذي يَنْجُو من النَّارِ عبادَ الله! إنَّ شهرَ رمضانَ قد عَزَمَ على الرَّحيل، ولم يَبْقَ منه إلَّا القليل. فمن منكم أحسَنَ فيه فعليه التمام، ومن كان فَرَّطَ فليختمْهُ بالحُسْنَى؛ فالعملُ بالختام. فاستمتعوا (٧) منه فيما بقي من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعُوه عملًا صالحًا يشهَدُ لكم به عند الملك العلَّام، وودِّعُوه عند فراقه بأزْكَى تحيَّةٍ وسَلام.

стр. 380

سَلامٌ مِنَ الرَّحمنِ كُلَّ أَوَانِ … على خيرِ شَهْرٍ قَدْ مَضَى وزَمَانِ سَلامٌ علَى شَهْرِ الصِّيام فإنَّه … أمانٌ مِن الرحمن أيُّ (١) أمانِ لئِنْ فَنِيَتْ أيَّامُكَ الغُرُّ بَغْتَةً … فما الحزنُ من قلبي عليك بفانِ لقد ذهبَتْ أيَّامُهُ وما أطعتُم، وكتبت عليكم فيه آثامُه وما أضعتم، وكأنَّكم بالمشمّرين فيه وقد وصلوا وانقطَعْتُم، أترى ما هذا التوبيخُ لكم أو ما سَمِعْتُم؟! ما ضَاعَ من أيَّامِنا هَلْ يُغْرَمُ (٢) … هَيْهاتَ والأزمانُ كيفَ تُقوَّمُ يومٌ بأرواحٍ يُباعُ ويُشْتَرَى … وأخُوهُ (٣) ليسَ يُسَامُ فيه دِرْهَمُ قلوبُ المتَّقين إلى هذا الشهر تحِنُّ، ومن ألم فراقه تئنّ. دهاكَ الفِرَاقُ فما تَصْنَع … أَتَصْبِرُ للبِينِ أمْ تَجْزَعُ إذا كُنْتَ تبكِي وهُمْ جِيرَةٌ … فَكَيْفَ تكونُ إذا ودَّعُوا كيف لا يجري للمؤمن على فراقِه دموعٌ، وهو لا يدرِي هل بقي لَهُ في عمره إليه رجوع. تذكَّرْتُ أيَّامًا مَضَتْ وَلَيَالِيا … خَلَتْ فَجَرَتْ مِن ذكرِهِنَّ دُمُوعُ أَلَا هَل لَها يومًا مِن الدَّهْرِ عَوْدَةٌ … وهَلْ لي إلى وقتِ (٤) الوِصَال رُجُوعُ وهَلْ بَعْدَ إعْراضِ الحبيبِ تَوَاصلٌ … وهَلْ لبدورٍ قد أَفَلْنَ طُلُوعُ أين حَرَقُ المجتهدين في نهاره؟ أين قَلَقُ المتهجِّدين في أسحاره؟ اسْمَع (٥) أنينَ العاشقينَ … إن اسْتطعتَ له سَمَاعا راحَ الحبيبُ فشيَّعَتْهُ … مدامعي تهمي سِراعا لو كلّف الجبل الأصمّ … فِراق إلفٍ ما استطاعا إذا كان هذا جَزَعُ مَن ربح فيه، فكيفَ حالُ مَن خسِر في أيَّامهِ ولياليه؟ ماذا ينفَعُ

стр. 381

المفرطَ فيه بكاؤه، وقد عظُمَتْ فيه مصيبَتُهُ وجَلَّ عزاؤه؟ كم نُصِحَ المِسْكينُ فما قبِلَ النُّصْحَ! كم دُعِي إلى المصالحة فما أجابَ إلى الصُّلْحِ! كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد! كم مَرَّتْ به زمر السَّائرين وهو قاعد، حتى إذا ضاقَ به الوقتُ وحَاق به المقْتُ (١)، نَدِمَ على التفريط حين لا ينفَعُ النَّدم، وطلَبَ الاستدراكَ في وقتِ العَدَم. أتتركُ مَن تُحبُّ وأنْتَ جارُ … وتطلبُهُم إذا (٢) بَعُدَ المَزَارُ وتبكي بَعْدَ نأْيِهمُ اشتياقًا … وتسألُ في المنازِلِ أينَ سَاروا تركتَ سؤالَهم وَهُمُ حُضُورٌ … وتَرْجُو أن تُخَبِّرَكَ الدِّيارُ فنفسَكَ لُمْ ولا تَلُمِ المَطَايا … وَمُتْ كَمَدًا فليسَ لَكَ اعْتِذارُ يا شهرَ رمضانَ ترفَّقْ، دموعُ المحبِّين تُدْفَقْ، قلوبُهم من ألم الفراق تَشَقَّقْ، عَسَى وقفةٌ للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عَسَى ساعةُ تَوْبةٍ وإقلاعٍ ترفو من الصِّيام كُلَّ ما تخرَّقْ، عَسَى منقطِعٌ عن رَكْبِ المقبولين يَلحقْ، عَسَى [أسيرُ الأوزار يُطلَقْ، عسى] (٣) من استوجب النار يُعتقْ، [عسى رحمة المولى لها العاصي يُوفَّقْ] (٤). عَسَى وعَسَى مِن قَبْلِ وَقْتِ التَّفَرُّقِ … إلى كُلِّ ما ترجُو مِن الخَيْر تَرْتَقي (٥) فيجبر مكسور ويقبَلُ تائبٌ … ويعتق خَطَّاء ويَسْعَدُ مَن شقِي (٦) * * *

стр. 382

وظائف شهر شوَّال (١) وفيه مجالس: المجلس الأول في صيام شوَّال كله واتباع رمضان بصيام ستة أيامٍ (٢) من شوَّال خرَّج مسلم (٣) من حديث أبي أيُّوب الأنصاري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ صَامَ رمضانَ، ثم أَتْبعَهُ ستًا مِن شوَّالٍ، كان كصِيام الدَّهْر". وقد اختلِفَ في هذا الحديث، ثم في العمل به؛ فمنهم مَن صحَّحَه، ومنهم مَن قال هو موقوفٌ؛ قاله ابنُ عُيَيْنَةَ وغيرُه، وإليه يميلُ الإِمام أحمد، ومنهم من تكلَّم في إسناده. وأمَّا العمَلُ به، فاستحبَّ صيامَ ستةِ أيام من شوالٍ أكثرُ العلماء. رُوي ذلك عن ابن عبَّاسٍ ﵄، وطاووس، والشعبيّ، وميمون بن مهران، وهو قولُ ابن المبارك والشافعي وأحمدَ وإسحاقَ؛ وأنكَرَ ذلك آخرون. روي عن الحسن أنَّه كان إذا ذُكِرَ عندَه صيامُ هذه الستة، قال: لقد رضي الله بهذا الشهر للسنة كُلِّها. ولعلَّه إنما أنكر على من اعتقدَ وجوبَ صيامِها وأنَّه لا يكتفى

стр. 383

بصيام رمضان عنها في الوجوب. وظاهر كلامِه يدُلُّ على هذا. وكَرِهَها الثوريُّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسُفَ، وعلَّلَ أصحابُهما ذلك بمشابهة أهلِ الكتاب، يعنون في الزِّيادة في صيامهم المفروض عليهم ما ليس منه. وأكثَرُ المتأخِّرين من مشايخهم قالوا: لا بأسَ به، وعلَّلوا بأنَّ الفضل (١) قد حَصَلَ بفِطْر يومِ العِيدِ، حكى ذلك صاحبُ "الكافي" (٢) منهم. وكان ابن مَهْدي (٣) يكرهُها ولا ينهَى عنها. وكرِهَها أيضًا مالِكٌ، وذكَرَ في "الموطأ" أنَّه لم يَرَ أحدًا من أهل العلم والفقه (٤) يصومها، قال: ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السَّلف، وأنَّ أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعتَه وأن يُلحِق برمضانَ ما ليس منه أهلُ الجهالة لو رأوا أحدًا من أهل العلم يفعَلُ ذلك. وقد قيل: إنَّه كان يصومُها في نفسه، وإنما كرِهَها على وجهٍ يُخشَى منه أن يُعتَقَدَ فريضتها؛ لئلا يُزاد في رمضان ما ليس منه. وأمَّا الذين استحبُّوا صيامَها، فاختلَفُوا في صفة صيامها، على ثلاثة أقوالٍ: أحدُها: أنَّه يُستحبُّ صيامُها من أوَّل الشهر مُتتابِعَةً، وهو قولُ الشافعي وابن المبارك. وقد رُوي في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "مَن صَامَ ستة أيَّامٍ بعدَ الفِطْر متتابِعَةً، فكأنما صام السَّنَةَ". خرَّجه الطبراني (٥) وغيرُه من طرقٍ ضعيفةٍ. ورُوِي موقوفًا (٦)، وَرُوِي عن ابن عبَّاسٍ من قوله بمعناه، بإسناد ضعيفٍ أيضًا.

стр. 384

والثاني: أنَّه لا فرقَ بين أن يتابِعَها أو يُفرِّقَها من الشهر كُلِّه، وهما سواءٌ، وهو قولُ وكيعٍ وأحمدَ. والثالث: أنه لا يصامُ عقيب يوم الفطر؛ فإنَّها أيام أكلٍ وشُربٍ، ولكن يُصام ثلاثة (١) أيام قبلَ أيام البيض أو بعدها. وهذا قولُ مَعْمَر وعبد الرَّزَّاق. ويروى عن عطاءٍ، حتى رُوِي عنهَ أنَّه كرِهَ لمن عليه صيامٌ من قضاءِ رمضانَ أن يصومَهُ، ثم يَصِلَهُ بصيامِ تطوُّع. وأمر بالفصل (٢) بينهما، وهو قولٌ شاذ. وأكثَرُ العلماء على أنَّه لا يُكْرَهُ صيامُ ثاني يوم الفطر، وقد دَلَّ عليه حديث عِمران بن حصين ﵁، عن النبي ﷺ ، أنَّه قَال لرجل: "إذا أفطرْتَ فَصُمْ". وقد ذكرناه في صيام آخِر شعبان. وقد سَرَدَ طائفةٌ من الصَّحابة والتابعين الصَّوْمَ إلا يوم (٣) الفطر والأضحى. وقد رُوِي عن أم سلمَةَ أنَّها كانت تقول لأهلها: مَن كان عليه رمضانُ فلْيَصُمْه الغَدَ مِن يَوْمِ الفِطْر، فمَنْ صَامَ الغَدَ مِن يوم الفطر فكأنَّما صام رمضان. وفي إسناده ضعف. وعن الشعبي، قال: لأنْ أصُومَ يومًا بعد رمضان أحبُّ إليَّ من أن أصومَ الدَّهْرَ كُلَّه. ويُروى بإسنادٍ ضَعيفٍ عن ابن عُمَر مرفوعًا: "مَن صَامَ بعد الفِطْر يومًا فكأنَّما صام السَّنَةَ". وبإسنادٍ (٤) ضعيف عن ابن عبَّاس ﵄ مرفوعًا: "الصَّائم بَعْدَ رمضانَ كالكارِّ بَعْدَ الفَارِّ" (٥). وأمَّا صِيامُ شوَّالٍ كُلِّه، ففي حديثِ رجلٍ من قريش سَمعَ النبي ﷺ يقولُ: "مَن صامَ رمضانَ وشوَّالًا والأربعاءَ والخميسَ، دَخَلَ الجنَّة". خرجه الإِمام أحمدُ (٦)

стр. 385

والنسائي. وخرَّج الإِمامُ أحمدُ (١) وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث مسلم القرشي، عن النبي ﷺ : أنَّه سئل عن صِيام الدَّهْرِ، فقال: "إنَّ لأهلك عليك حقًّا، فَصُمْ رَمَضَانَ والذي يليه، وكُلَّ أربعاءٍ وخَمِيسٍ، فإذا أنْتَ قد صُمْتَ الدَّهْرَ وأفطَرْتَ". وخرَّج ابن ماجه (٢) بإسنادٍ منقطِعٍ أن أسَامَةَ بنَ زيدٍ كان يَصُومُ أشهُر الحُرُم، فقال له رسولُ الله ﷺ : "صُمْ شوَّالًا". فترك أشْهُرَ الحُرُمِ، ثم لم يَزَلْ يَصُومُ شوَّالًا حتَّى مات. وخرَّجه أبو يعلى الموصلي (٣) بإسنادٍ متَّصلٍ، عن أسَامة، قال: كنتُ أصومُ شهرًا من السَّنة، فقال لي رسولُ الله ﷺ : أينَ أنتَ مِن شوَّالٍ؟ فكان أسَامَة إذا أفطَرَ (٤) أصبَحَ الغَدَ صائمًا مِن شوَّالٍ حتى يأتيَ على آخره وصِيامُ شوَّالٍ كصِيامِ شَعْبَانَ، لأنَّ كلا الشَّهْرَيْن حَرِيمٌ لِشَهر رَمضانَ، وهما يَلِيانِهِ. وقد ذكرنا في فَضْلِ صِيام شعبان أن الأظْهَرَ أن صيامَهما أفضلُ مِن صيامِ الأشهُر الحُرُم، ولا خلاف (٥) في ذلك. وإنَّما كان صيامُ رمضانَ واتباعُه بستٍّ مِن شوَّال يعدِلُ صِيامَ الدَّهْر؛ لأنَّ الحَسَنَةَ بعَشْرِ أمثالها، وقد جاء ذلك مفسَّرًا من حديث ثوبانَ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "صِيامُ رمضانَ بعشْرَةِ أشْهُرٍ، وصِيامُ ستَّةِ أيام بشهرين، فذلك صيام سنةٍ". يعني رمضانَ وستَّةَ أيَّامٍ بعدَه. خرَّجَه الإِمامُ أحمدُ (٦) والنسائي وهذا لفظه، وابنُ حبَّان في صحيحه، وصحَّحه أبو حاتم الرازي. وقال الإمام أحمد: ليس في أحاديث الباب (٧) أصَحّ منه. وتوقَّف فيه في روايةٍ

стр. 386

أخرى. ولا فرق في ذلك بين أن يكون شهرُ رمضان ثلاثين أو تسعًا وعشرين. وعلى هذا حَمَلَ بعضُهم قولَ النبي ﷺ : "شهرا عِيدٍ لا يَنْقُصان؛ رمَضانُ، وذو الحجَّة" (١). وقال: المرادُ كمالُ آخره (٢)، سواء كان ثلاثين أو تسعًا وعشرين. وأنَّه إذا أُتْبِعَ بستَّةِ أيَّامٍ من شَوَّالٍ، فإنَّه يعدِلُ صيامَ الدَّهْر على كُلِّ حالٍ. وكرِهَ إسحاق بنُ راهَويه أن يقال لشهر رمضان: إنه ناقصٌ، وإن كان تسعًا وعشرين؛ لهذا المعنى. فإن قال قائلٌ: فلو صام هذه الستة أيامٍ من غيرِ شوَّالٍ يحصل له هذا الفضل، فكيف خُصَّ صيامُها من شوَّالٍ؟ قيل: صيامُها مِن شوَّالٍ يلتحقُ بصيام رمضانَ في الفضل، فيكونُ له أجْرُ صيامِ الدَّهْر فرضًا. ذكر ذلك ابنُ المبارك، وذكر أنَّه في بعض الحديث حكاه عنه الترمذي في جامعه. ولعَّله أشار إلى ما رُوي عن أم سلمة ﵂: أن من صَام الغَدَ مِن يَوْمِ الفِطْر، فكَأنَّما صام رَمضان. وفي معاودة الصِّيام بعد رمضان فوائدُ عديدةٌ: منها: أن صيامَ ستةِ أيَّام مِن شوَّالٍ بعدَ رمضان يستكمِلُ بها أجْرَ صيامِ الدَّهْرِ كُلِّه، كما سبق. ومنها: أنَّ صيامَ شوَّالٍ وشعبانَ كصلاةِ السُّنَنِ الرواتبِ قبل الصَّلاة المفروضة وبعدَها، فيكمُلُ بذلك ما حَصَل في الفَرْضِ مِن خَلَلٍ ونَقْصٍ. فإن الفرائضَ (٣) تكمُلُ بالنوافل يومَ القيامةِ، كما ورد ذلك عن النبي ﷺ من وجوهٍ متعدِّدةٍ. وأكثَرُ

стр. 387

النَّاسِ في صيامه للفرض نقصٌ وخلَلٌ، فيحتاجُ إلى ما يُجبِرُه ويُكْمِلُهُ مِن الأعمال؛ ولهذا نَهَى النبي ﷺ أن يقولَ الرَّجُلُ: صُمْتُ رَمضانَ كُلَّه، أو قمته كُلَّه. قال الصَّحابي (١): فلا أدرِي، أكرِهَ التَّزكِيَةَ أم لا بُدَّ من غَفْلَة (٢). وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقولُ: مَن لم يجِدْ ما يتصدَّقُ به فليصُمْ. يعني من لم يجد ما يُخرجُهُ صَدَقَة للفطر في آخر رمضان فليصُمْ بعدَ الفِطْر؛ فإنَّ الصِّيامَ يقومُ مقام الإِطعام في التكفير للسيئات، كما يقومُ مقامَه في كفَّارات الأيْمان وغيرها من الكفَّارات، مثل كَفَّارة (٣) القتل، والوطء في رمضان، والظِّهار. ومنها: أن معاوَدَةَ الصِّيام بعدَ صِام رمضانَ علامةٌ على قَبُولِ صَوْمِ رمضانَ؛ فإنَّ الله تعالى إذا تقبَّل عَمَلَ عَبْدٍ وفَّقَه لعمل صالحٍ بعدَه، كما قال بعضُهم: ثوابُ الحسنةِ الحسنةُ بَعْدَها، فمن عَمِلَ حسَنَةً ثم أتبَعَها بحسنةٍ بعدها، كان ذلك علامةً على قَبولِ الحسَنَةِ الأولى. كما أن مَن عَمِلَ حسنةً، ثم أتبَعَها بسيئةٍ، كان ذلك علامَةَ رَدِّ الحسَنَةِ وعَدَمَ قبولها. ومنها: أن صيامِ رمضانَ يوجِبُ مغفِرَةَ ما تقدَّمَ مِن الذُّنوب، كما سَبَقَ ذكْرُه؛ وأنَّ الصَّائمين لرمضانَ يوفَّونَ (٤) أجورَهُم في يوم الفِطر، وهو يومُ الجوائز. فيكون معاوَدَةُ الصِّيامِ بعدَ الفِطْر شُكرًا لهذه النِّعمةِ، فلا نِعْمَةَ أعظمُ مِن مغفرة الذنوبِ. كان النبي ﷺ يقوِمُ حتَّى تتورَّمَ قَدَمَاهُ، فيقالُ له: أتفعَلُ هذا وقد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ فيقول: أفلا أكونُ عبدًا شكورًا (٥)؟. وقد أَمَرَ اللهُ عِبادَهُ بشُكْر نِعمَةِ صِيام رمضانَ بإظهارِ ذِكْرِه، وغير

стр. 388

ذلك من أنواع شكره، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). فمن جملةِ شكر العَبْدِ لربِّه على توفيقه لصيام رمضانَ وإعانتِه عليه، ومغفرةِ ذنوبِهِ أنْ يصومَ له شكرًا عقيب (٢) ذلك. كان بعضُ السَّلَف إذا وُفِّقَ لقيام ليلةٍ من الليالي أصبَحَ في نهارها صائمًا، ويجعلُ صيامَه شكرًا للتوفيق (٣) للقيام. وكان وهيب (٤) بن الورد يُسأل عن ثواب شيءٍ من الأعمال، كالطوافِ ونحوه، فيقول: لا تسألوا عن ثوابه، ولكن سَلُوا ما الذي على مَن وُفِّقَ لهذا العمل من الشكر؛ للتوفيق والإِعانة عليه. إذا أنْتَ لم تَزْدَدْ على كُل نِعْمَةٍ .. لموليكَها شُكْرًا فلسْتَ بشاكِرِ كُلُّ (٥) نعمةٍ على العبد مِن الله في دِينٍ أو دنيا يحتاجُ إلى شكرٍ عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدًا فلا يقدِرُ العباد على القيام بشُكر النعم. وحقيقة الشُّكْر الاعترافُ بالعجز عن الشكر، كما قيل (٦): إذا كان شُكْري نِعْمَةَ الله نِعْمَةً … عليَّ لَهُ في مِثْلِها يجِبُ الشُّكْرُ فكيفَ بُلُوغ الشُّكْرِ إلَّا بِفَضْلِهِ … وإن طالَتِ الأَيَّامُ واتَّصَلَ العُمْرُ قال أبو عمرو الشيباني: قال موسى ﵇ يوم الطُّور: ياربّ! إنْ أنا صليتُ فمِن قِبَلِكَ، وإن أنا تصدَّقْتُ فمن قبلِكَ، وإن بلَّغْتُ رسالاتك فمن قبلِك، فكيفَ أشكرك؟ قال: يا موسى، الآن شكرتني. فأمَّا مقابلةُ نعمةِ التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصِي بعدَه، فهو مِن فِعْل مَن بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كفرًا. فإن كان قد عَزَمَ في صيامه على معاودة المعاصي بعدَ انقضاءِ الصيام، فصيامُه عليه مردود، وبابُ الرَّحمة في وجهه مسدود. قال كعبٌ: مَن صامَ رمضانَ وهو يُحدِّثُ نفسَه أنَّه إذا

стр. 389

أفطر (١) رمضان أن لا يعصي الله، دخل الجنة بغير مسألةٍ ولا حسابٍ. ومَن صَامَ رمضانَ وهو يحدِّثُ نفسَه أنه إذا أفطر عصَى ربَّه، فصيامُه عليه مردود. ومنها: أن الأعمال التي كان العبْدُ يتقرب بها إلى رَبِّه في شهر رمضانَ لا تنقطِعُ بانقضاء رمضانَ، بل هي باقية بعدَ انقضائه ما دام العبدُ حَبًّا. وهذا معنى الحديث المتقدِّم أنَّ الصائم بعد رمضان كالكارِّ بعد الفارِّ، يعني كالذي يفِرُّ مِن القتال في سبيل الله ثم يعودُ إليه. وذلك لأن كثيرًا مِن الناس يفرَحُ بانقضاء شهر رمضانَ؛ لاستثقال الصَّيام ومَلَلِهِ وطوله عليه. ومَن كان كذلك فلا يكادُ يعودُ إلى الصِّيام سريعًا، فالعائدُ إلى الصِّيام بعد فطره يومَ الفِطْر يدُلُّ عودُه على رغْبَته في الصيام وأنَّه لم يملَّهُ ولم يستثقِلْه ولا تكَرَّه به. وفي حديثٍ خرَّجه الترمذي (٢) مرفوعًا: "أحبُّ الأعمال إلى الله الحالُّ المرتَحِلُ". وفُسِّرَ بصاحب القرآن يضربُ من أوَّله إلى آخره، ومن آخِره إلى أوَّله، كلَّما حَلَّ ارتحَلَ (٣). والعائد إلى الصِّيام سريعًا بعد فراغ صيامِه، شبيةٌ بقارئ القرآن إذا فرغ من قراءته ثم عادَ إليه، في المعنى، والله أعلم. قيل لِبِشْرٍ: إنَّ قومًا يتعبَّدون ويجتهِدون في رمضان. فقال: بئسَ القوم قومٌ لا يعرِفون لله حقًّا إلَّا في شهر رمضانَ، إن الصَّالح الذي يتعبَّد ويجتهِدُ السَّنةَ كلَّها. وسئل الشِّبْلِي: أيّما أفضَلُ، رَجَبٌ أو شعبانُ؟ فقال: كن رَبَّانيًا ولا تكن شعبانيًا. ثم أنشَدَ (٤):

стр. 390

إذا كنتَ في حرب الهَوَى متجردًا (١) … فكلُّ أرضٍ ثغرٌ (٢) لي وطرسوس كان النبي ﷺ عَمَلُه دِيمَة. وسئلَتْ عائشةُ ﵂: هل كان النبي ﷺ يختصُّ يومًا مِن الأيام؟ فقالت: لا، كان عملُه دِيمةً (٣). وقالت: كان النبي ﷺ لا يزيدُ في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعةً (٤). وقد كان النبي ﷺ يقضِي ما فاته من أورادِه في رمضان في شوال، فترك في عام اعتكافَ العَشْر الأواخر مِن رمضان، ثم قضاهُ. في شوال، فاعتكَفَ العَشْرَ الأولَ منه (٥). وسأل (٦) رجلًا: هل صام من سَرَرِ شعبان شيئًا؟ فقال: لا، فأمره أن يصوم إذا أفطر. يعني يقضي ما فاته من صيام شعبان في شوال. وقد تقدَّم عن أُمِّ سَلَمَةَ أنها كانت تأمر أهلَها: مَن كان عليه قضاءٌ مِن رمضان أن يقضيه الغد من يوم الفِطر، فمن كان عليه قضاءٌ من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوَّال؛ فإنه أسرَعُ لبراءة ذمته، وهو أَوْلَى من التطوع بصيام ستٍ من شوّال. فإنَّ العلماء اختلفوا فيمن عليه صيامٌ مفروض؛ هل يجوز أن يتطوَّع قبلَه أم لا؟ وعلى قول من جوَّز التطوَّعَ قبلَ القضاءِ فلا يحصُلُ مقصودُ صيامِ ستةِ أيَّام مِن شوَّالٍ إلَّا لمن أكمَلَ صِيامَ رمضان، ثم أتبعه بستٍ من شوَّالٍ. فمن كان عليه قضاءٌ مِن رمضانَ، ثم بدأ بصيام سِتٍّ من شوَّالٍ تطوُّعًا (٧)، لم يحصُلْ له ثوابُ مَن صامَ رمضانَ، ثم أتبَعَهُ بست من شوال، حيث لم يكمل عدة رمضان، كما لا يحصُلُ لمن أفطر رمضان لعذرٍ
следующие страницы →