← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أخرى. ولا فرق في ذلك بين أن يكون شهرُ رمضان ثلاثين أو تسعًا وعشرين. وعلى هذا حَمَلَ بعضُهم قولَ النبي ﷺ : "شهرا عِيدٍ لا يَنْقُصان؛ رمَضانُ، وذو الحجَّة" (١). وقال: المرادُ كمالُ آخره (٢)، سواء كان ثلاثين أو تسعًا وعشرين. وأنَّه إذا أُتْبِعَ بستَّةِ أيَّامٍ من شَوَّالٍ، فإنَّه يعدِلُ صيامَ الدَّهْر على كُلِّ حالٍ. وكرِهَ إسحاق بنُ راهَويه أن يقال لشهر رمضان: إنه ناقصٌ، وإن كان تسعًا وعشرين؛ لهذا المعنى. فإن قال قائلٌ: فلو صام هذه الستة أيامٍ من غيرِ شوَّالٍ يحصل له هذا الفضل، فكيف خُصَّ صيامُها من شوَّالٍ؟ قيل: صيامُها مِن شوَّالٍ يلتحقُ بصيام رمضانَ في الفضل، فيكونُ له أجْرُ صيامِ الدَّهْر فرضًا. ذكر ذلك ابنُ المبارك، وذكر أنَّه في بعض الحديث حكاه عنه الترمذي في جامعه. ولعَّله أشار إلى ما رُوي عن أم سلمة ﵂: أن من صَام الغَدَ مِن يَوْمِ الفِطْر، فكَأنَّما صام رَمضان. وفي معاودة الصِّيام بعد رمضان فوائدُ عديدةٌ: منها: أن صيامَ ستةِ أيَّام مِن شوَّالٍ بعدَ رمضان يستكمِلُ بها أجْرَ صيامِ الدَّهْرِ كُلِّه، كما سبق. ومنها: أنَّ صيامَ شوَّالٍ وشعبانَ كصلاةِ السُّنَنِ الرواتبِ قبل الصَّلاة المفروضة وبعدَها، فيكمُلُ بذلك ما حَصَل في الفَرْضِ مِن خَلَلٍ ونَقْصٍ. فإن الفرائضَ (٣) تكمُلُ بالنوافل يومَ القيامةِ، كما ورد ذلك عن النبي ﷺ من وجوهٍ متعدِّدةٍ. وأكثَرُ

стр. 387

النَّاسِ في صيامه للفرض نقصٌ وخلَلٌ، فيحتاجُ إلى ما يُجبِرُه ويُكْمِلُهُ مِن الأعمال؛ ولهذا نَهَى النبي ﷺ أن يقولَ الرَّجُلُ: صُمْتُ رَمضانَ كُلَّه، أو قمته كُلَّه. قال الصَّحابي (١): فلا أدرِي، أكرِهَ التَّزكِيَةَ أم لا بُدَّ من غَفْلَة (٢). وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقولُ: مَن لم يجِدْ ما يتصدَّقُ به فليصُمْ. يعني من لم يجد ما يُخرجُهُ صَدَقَة للفطر في آخر رمضان فليصُمْ بعدَ الفِطْر؛ فإنَّ الصِّيامَ يقومُ مقام الإِطعام في التكفير للسيئات، كما يقومُ مقامَه في كفَّارات الأيْمان وغيرها من الكفَّارات، مثل كَفَّارة (٣) القتل، والوطء في رمضان، والظِّهار. ومنها: أن معاوَدَةَ الصِّيام بعدَ صِام رمضانَ علامةٌ على قَبُولِ صَوْمِ رمضانَ؛ فإنَّ الله تعالى إذا تقبَّل عَمَلَ عَبْدٍ وفَّقَه لعمل صالحٍ بعدَه، كما قال بعضُهم: ثوابُ الحسنةِ الحسنةُ بَعْدَها، فمن عَمِلَ حسَنَةً ثم أتبَعَها بحسنةٍ بعدها، كان ذلك علامةً على قَبولِ الحسَنَةِ الأولى. كما أن مَن عَمِلَ حسنةً، ثم أتبَعَها بسيئةٍ، كان ذلك علامَةَ رَدِّ الحسَنَةِ وعَدَمَ قبولها. ومنها: أن صيامِ رمضانَ يوجِبُ مغفِرَةَ ما تقدَّمَ مِن الذُّنوب، كما سَبَقَ ذكْرُه؛ وأنَّ الصَّائمين لرمضانَ يوفَّونَ (٤) أجورَهُم في يوم الفِطر، وهو يومُ الجوائز. فيكون معاوَدَةُ الصِّيامِ بعدَ الفِطْر شُكرًا لهذه النِّعمةِ، فلا نِعْمَةَ أعظمُ مِن مغفرة الذنوبِ. كان النبي ﷺ يقوِمُ حتَّى تتورَّمَ قَدَمَاهُ، فيقالُ له: أتفعَلُ هذا وقد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ فيقول: أفلا أكونُ عبدًا شكورًا (٥)؟. وقد أَمَرَ اللهُ عِبادَهُ بشُكْر نِعمَةِ صِيام رمضانَ بإظهارِ ذِكْرِه، وغير

стр. 388

ذلك من أنواع شكره، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). فمن جملةِ شكر العَبْدِ لربِّه على توفيقه لصيام رمضانَ وإعانتِه عليه، ومغفرةِ ذنوبِهِ أنْ يصومَ له شكرًا عقيب (٢) ذلك. كان بعضُ السَّلَف إذا وُفِّقَ لقيام ليلةٍ من الليالي أصبَحَ في نهارها صائمًا، ويجعلُ صيامَه شكرًا للتوفيق (٣) للقيام. وكان وهيب (٤) بن الورد يُسأل عن ثواب شيءٍ من الأعمال، كالطوافِ ونحوه، فيقول: لا تسألوا عن ثوابه، ولكن سَلُوا ما الذي على مَن وُفِّقَ لهذا العمل من الشكر؛ للتوفيق والإِعانة عليه. إذا أنْتَ لم تَزْدَدْ على كُل نِعْمَةٍ .. لموليكَها شُكْرًا فلسْتَ بشاكِرِ كُلُّ (٥) نعمةٍ على العبد مِن الله في دِينٍ أو دنيا يحتاجُ إلى شكرٍ عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدًا فلا يقدِرُ العباد على القيام بشُكر النعم. وحقيقة الشُّكْر الاعترافُ بالعجز عن الشكر، كما قيل (٦): إذا كان شُكْري نِعْمَةَ الله نِعْمَةً … عليَّ لَهُ في مِثْلِها يجِبُ الشُّكْرُ فكيفَ بُلُوغ الشُّكْرِ إلَّا بِفَضْلِهِ … وإن طالَتِ الأَيَّامُ واتَّصَلَ العُمْرُ قال أبو عمرو الشيباني: قال موسى ﵇ يوم الطُّور: ياربّ! إنْ أنا صليتُ فمِن قِبَلِكَ، وإن أنا تصدَّقْتُ فمن قبلِكَ، وإن بلَّغْتُ رسالاتك فمن قبلِك، فكيفَ أشكرك؟ قال: يا موسى، الآن شكرتني. فأمَّا مقابلةُ نعمةِ التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصِي بعدَه، فهو مِن فِعْل مَن بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كفرًا. فإن كان قد عَزَمَ في صيامه على معاودة المعاصي بعدَ انقضاءِ الصيام، فصيامُه عليه مردود، وبابُ الرَّحمة في وجهه مسدود. قال كعبٌ: مَن صامَ رمضانَ وهو يُحدِّثُ نفسَه أنَّه إذا

стр. 389

أفطر (١) رمضان أن لا يعصي الله، دخل الجنة بغير مسألةٍ ولا حسابٍ. ومَن صَامَ رمضانَ وهو يحدِّثُ نفسَه أنه إذا أفطر عصَى ربَّه، فصيامُه عليه مردود. ومنها: أن الأعمال التي كان العبْدُ يتقرب بها إلى رَبِّه في شهر رمضانَ لا تنقطِعُ بانقضاء رمضانَ، بل هي باقية بعدَ انقضائه ما دام العبدُ حَبًّا. وهذا معنى الحديث المتقدِّم أنَّ الصائم بعد رمضان كالكارِّ بعد الفارِّ، يعني كالذي يفِرُّ مِن القتال في سبيل الله ثم يعودُ إليه. وذلك لأن كثيرًا مِن الناس يفرَحُ بانقضاء شهر رمضانَ؛ لاستثقال الصَّيام ومَلَلِهِ وطوله عليه. ومَن كان كذلك فلا يكادُ يعودُ إلى الصِّيام سريعًا، فالعائدُ إلى الصِّيام بعد فطره يومَ الفِطْر يدُلُّ عودُه على رغْبَته في الصيام وأنَّه لم يملَّهُ ولم يستثقِلْه ولا تكَرَّه به. وفي حديثٍ خرَّجه الترمذي (٢) مرفوعًا: "أحبُّ الأعمال إلى الله الحالُّ المرتَحِلُ". وفُسِّرَ بصاحب القرآن يضربُ من أوَّله إلى آخره، ومن آخِره إلى أوَّله، كلَّما حَلَّ ارتحَلَ (٣). والعائد إلى الصِّيام سريعًا بعد فراغ صيامِه، شبيةٌ بقارئ القرآن إذا فرغ من قراءته ثم عادَ إليه، في المعنى، والله أعلم. قيل لِبِشْرٍ: إنَّ قومًا يتعبَّدون ويجتهِدون في رمضان. فقال: بئسَ القوم قومٌ لا يعرِفون لله حقًّا إلَّا في شهر رمضانَ، إن الصَّالح الذي يتعبَّد ويجتهِدُ السَّنةَ كلَّها. وسئل الشِّبْلِي: أيّما أفضَلُ، رَجَبٌ أو شعبانُ؟ فقال: كن رَبَّانيًا ولا تكن شعبانيًا. ثم أنشَدَ (٤):

стр. 390

إذا كنتَ في حرب الهَوَى متجردًا (١) … فكلُّ أرضٍ ثغرٌ (٢) لي وطرسوس كان النبي ﷺ عَمَلُه دِيمَة. وسئلَتْ عائشةُ ﵂: هل كان النبي ﷺ يختصُّ يومًا مِن الأيام؟ فقالت: لا، كان عملُه دِيمةً (٣). وقالت: كان النبي ﷺ لا يزيدُ في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعةً (٤). وقد كان النبي ﷺ يقضِي ما فاته من أورادِه في رمضان في شوال، فترك في عام اعتكافَ العَشْر الأواخر مِن رمضان، ثم قضاهُ. في شوال، فاعتكَفَ العَشْرَ الأولَ منه (٥). وسأل (٦) رجلًا: هل صام من سَرَرِ شعبان شيئًا؟ فقال: لا، فأمره أن يصوم إذا أفطر. يعني يقضي ما فاته من صيام شعبان في شوال. وقد تقدَّم عن أُمِّ سَلَمَةَ أنها كانت تأمر أهلَها: مَن كان عليه قضاءٌ مِن رمضان أن يقضيه الغد من يوم الفِطر، فمن كان عليه قضاءٌ من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوَّال؛ فإنه أسرَعُ لبراءة ذمته، وهو أَوْلَى من التطوع بصيام ستٍ من شوّال. فإنَّ العلماء اختلفوا فيمن عليه صيامٌ مفروض؛ هل يجوز أن يتطوَّع قبلَه أم لا؟ وعلى قول من جوَّز التطوَّعَ قبلَ القضاءِ فلا يحصُلُ مقصودُ صيامِ ستةِ أيَّام مِن شوَّالٍ إلَّا لمن أكمَلَ صِيامَ رمضان، ثم أتبعه بستٍ من شوَّالٍ. فمن كان عليه قضاءٌ مِن رمضانَ، ثم بدأ بصيام سِتٍّ من شوَّالٍ تطوُّعًا (٧)، لم يحصُلْ له ثوابُ مَن صامَ رمضانَ، ثم أتبَعَهُ بست من شوال، حيث لم يكمل عدة رمضان، كما لا يحصُلُ لمن أفطر رمضان لعذرٍ

стр. 391

بصيام ستَّةِ أيام من شوال أجرُ (١) صيام السّنةِ (٢) بغير إشكال. ومن بدأ بالقضاء في شوَّالٍ، ثم أراد أن يُتبعَ ذلك بصيام ست من شوَّالٍ بعدَ تكملة قضاء رمضان كان حسنًا؛ لأنَّه يصيرُ حينئذٍ قد صام رمضانَ وأتبَعَهُ بستٍّ من شوال. ولا يحصُل له فَضْلُ صيام ستٍّ من شوَّالٍ بصومِ قضاءِ رمضانَ؛ لأنَّ صيام الست مِن شوَّالٍ إنما يكون بعدَ إكمال عدَّة رمضان. عَمَلُ المؤمنِ لا ينقضي حتى يأتيَه أجلُه. قال الحسن: إنَّ الله لم يجعلْ لعمل المؤمن أجلًا دون الموت، ثم قرأ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٣). هذه الشهور والأعوام والليالي والأيام كلُّها مقاديرُ للآجال، ومواقيتُ للأعمال، ثم تنقضي سريعًا، وتمضي جميعًا. والذي أوجدَها وابتدَعها وخصَّها بالفضائل وأودَعَها باقٍ لا يزول، ودائمٌ لا يحول، هو في جميع الأوقات إله واحدٌ، ولأعمالِ عبادِه رقيبٌ مشاهد. فسبحان مَن قلَّبَ عبادَهُ في اختلاف الأوقات بين وظائف الخدم؛ ليسبغَ عليهم فيها فواضِلَ النِّعم، ويعاملهم بنهاية الجود والكرم. لمَّا انقضت الأشهر (٤) الثلاثة الكرام التي أولها الشهر الحرام، وآخرها شهرُ الصِّيام، أقبلت بعدها الأشهر الثلاثة، أشهر الحج إلى البيت الحرام، فكما أنَّ مَن صام رمضانَ وقامَهُ غُفِرَ لَهُ ما تقدَّم من ذنبه؛ فمن حَجَّ البيت ولم يرفُثْ ولم يفسُقْ رَجَعَ من ذنوبه كيوم ولدتْهُ أمُّه، فما يمضي من عمر المؤمن ساعةٌ من الساعات إلَّا ولله فيها عليه وظيفةٌ مِن وظائفِ الطاعات؛ فالمؤمنُ يتقلَّبُ بينَ هذه الوظائف، ويتقرَّب بها إلى مولاه وهو راجٍ خائف. المحبُّ لا يملُّ من التقرب بالنوافل إلى مولاه، ولا يأمل إلا قربه ورضاه. ما للمحِبِّ سِوَى إرادَةِ حُبِّهِ … إنَّ المُحِبَّ بكُلِّ برٍّ (٥) يضرَعُ كلُّ وقتٍ يخليه العبد من طاعةِ مولاه فقد خسره، وكُل ساعةٍ يغفلُ فيها عن

стр. 392

ذكر الله تكون عليه يوم القيامة ترَةً. فوا أسفاه على زمان ضاع في غير طاعته! وواحسرتاه على وقتٍ فات (١) في غير خدمته!. مَنْ فاتَهُ أن يَرَاكَ يومًا … فَكُلُّ أوقاتِهِ فوَاتُ وحيثما كنْتُ من بلادٍ … فلي إلى وَجْهِكَ التفاتُ [إليكُمُ هِجْرَتي وقَصْدِي … وأنتُمُ المَوْتُ والحياةُ أمِنْتُ أن توحِشُوا فؤادِي … فآنِسُوا مقلتي ولاتُ] (٢) مَن عمِل طاعةً من الطاعات وفرغَ منها، فعلامةُ قَبولها أن يصلَها بطاعةٍ أخرى، وعلامةُ رَدِّها أن يعقِبَ تلك الطاعة بمعصيةٍ. ما أحسَنَ الحسَنَةَ بَعْدَ السيئة تمحوها (٣)! وأحسَنُ منها الحَسَنَةُ بَعْدَ الحسنة تتلوها. وما أقبَحَ السيئةَ بعدَ الحسنةِ تمحقُها وتعفُوها! ذنبٌ واحِدٌ بعدَ التوبة أقبَحُ مِن سبعين ذنبًا قبلَها. النكسة أصعب (٤) من المرض، وربما أهلَكَتْ. سلوا الله الثبات على الطَّاعاتِ إلى الممات، وتعوَّذُوا به من تقلُّب القلوب، ومِنَ الحَوْر بعد الكَوْرِ (٥). ما أوحشَ ذلّ المعصيةِ بَعْدَ عزِّ الطاعة، وأفحشَ (٦) فقر الطمع بعد غنى القناعة. ارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذَلَّ، وغنِيَّ قومٍ بالذُّنوب افتقر. تَرَى الحيَّ الأولى بانُوا … على العَهْدِ كما كانُوا أَمِ الدَّهْرُ بهم خانُوا … وَدَهْرُ المَرْءِ خَوَّانُ إذا عَزَّ بغَيْرِ الله … يومًا مَعْشَرٌ هَانُوا يا شُبَّانَ التوبةِ، لا تَرجِعُوا إلى ارتضاعِ ثَدْي الهَوَى من (٧) بعد الفطام، فالرَّضاع إنما يصلُح للأطفال لا للرجال. ولكن لا بُدّ مِن الصّبْرِ على مَرَارة الفِطام؛ فإنْ صَبَرْتُم

стр. 393

تعوَّضْتُم عن لَذَّةِ الهَوَى بحلاوة الإيمان في القلوب. مَن تَرَكَ لله شيئًا لم يجِدْ فقدَه عوَّضه (١) الله خيرًا منه. ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٢). وفي الحديث: "النظر سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِن سِهام إبليسَ؛ مَنْ تَرَكَهُ من خوفِ الله أعطَاهُ الله إيمانًا يجِدُ حلاوَتَه في قلبه". خرجه الإمام أحمد (٣). وهذا الخطاب للشباب. فأمّا الشيخُ إذا عاوَدَ المعاصِي بعدَ انقضاءِ رمضَانَ فهو أقبَحُ وأقبَحُ؛ لأنّ الشباب يُؤمِّلُ معاوَدَةَ التوبةِ في آخِرِ عُمُره، وهو مخاطِرٌ؛ فإن الموت قد يعاجله، وقد يطرُقُهُ بَغْتَةً. فأمّا الشيخ فقد شارَفَ مركبُهُ ساحِلَ بَحْرِ المَنُون فماذا يؤمِّل؟ نَعَى لَكَ ظِلّ الشَّباب المَشِيبُ … ونادَتْكَ باسْم سِواكَ الخُطُوبُ فكُنْ مستعِدًّا لِدَّاعِي الفَنَاءِ … فكُلُّ الَّذي هُوَ آتٍ قَريبُ أَلَسْنَا نَرَى شَهَواتِ النفُو … سِ تَفْنَى وتَبْقَى علينا الذنوبُ يخافُ على نَفْسِه مَن يَتُوبُ … فكيفَ يكن حال من لا يتُوبُ (٤) * * * المجلس الثاني في ذكر الحج وفضله والحث عليه في "الصحيحين" (٥) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "أفضَلُ الأعمال إيمان بالله ورسوله، ثم جِهَادٌ في سبيل الله، ثم حَجٌّ مَبْرورٌ".

стр. 394

هذه الأعمال الثلاثة ترجِعُ في الحقيقة إلى عملين: أحدهما: الإيمانُ بالله ورسوله، وهو التَّصديقُ الجازم بالله وملائكته وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخر، كما فسَّر النبيُّ ﷺ الإيمانَ بذلك في حديث (١) سؤالِ جبريلَ له، وفي غيره من الأحاديث. وقد ذكر الله تعالى الإِيمانَ بهذه الأصول في مواضِعَ كثيرةٍ من كتابه؛ كأوَّلِ البقرة، ووسطِها، وآخِرِها. والعَمَلُ الثاني: الجهادُ في سبيل الله تعالى. وقد جمع الله بين هذين الأصلين في مواضِعَ من كتابه، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (٢). الآية، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٣). وقد صَحَّ عن النبي ﷺ من غير وجهٍ أنَّ أفضَلَ الأعمال الِإيمانُ بالله والجهادُ في سبيل الله؛ فالإِيمانُ المجرَّدُ تدخُلُ فيه أعمال الجوارح عند السَّلف وأهلِ الحديث، والإيمانُ المقرون بالعمل يُرادُ به التصديقُ مع القول، وخُصوصًا إن قُرِنَ الإِيمانُ بالله بالإِيمان برسُوله، كما في هذا الحديث. فالإيمانُ القائمُ بالقلوب أصلُ كُلِّ خَيْرٍ، وهو خيرُ ما أوتيهُ العَبْدُ في الدنيا والآخرة (٤)؛ وبه يحصل له سعادةُ الدُّنيا والآخرة، والنَّجاةُ من شقاوةِ الدُّنيا والآخرة. ومَتَى رسخَ الإِيمانُ في القَلْب انبعثَتِ الجوارِحُ كُلُّها بالأعمال الصالحة، واللسانُ بالكلم (٥) الطيب. كما قال النبي ﷺ : "أَلَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلُحَتْ صَلُحَ الجسَدُ كُلُّه، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسَدُ كُلُّه، أَلَا وهِيَ القلْبُ" (٦). ولا صلاحَ للقلب بدون الإيمان بالله، وما يدخُلُ في مسمَّاهُ مِن معرفةِ

стр. 395

اللهِ وتوحيدِه، وخشيتِه، ومحبَّتِه، ورجائه، [وإِجابته] (١) والإِنابةِ إِليه، والتوكُّلِ عليه. قال الحسن: ليس الإِيمانُ بالتمنِّي، ولا بالتحلَّي، ولكنَّه بما وقر في الصدور (٢)، وصدقته الأعمالُ. ويشهَدُ لذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣). وفي هذا يقولُ بعضُهم: ما كُلُّ مَن زَوَّقَ لي قَوْلَه … يَغُرُّني يا صَاحِ تزويقُهُ مَنْ حَقَّقَ الإِيمانَ في قلبِهِ … لا بُدَّ أن يظهَرَ تحقيقُهُ فإِذا ذاق العَبْدُ حلاوَةَ الإِيمان، ووجَدَ طعمَهُ وحلاوَتَه، ظهَرَ ثمرَةُ ذلك على لسانِهِ وجوارِحِه، فاسْتَحْلَى اللسانُ ذِكْرَ الله وما والاه، وأسرَعَتِ الجَوَارِحُ إِلى طاعةِ الله، فحينئذ يدخُلُ حُبُّ الإِيمانِ في القلب، كما يدخُلُ حُبُّ الماءِ البارد الشَّديدِ بَرْدُهُ في اليوم الشَّديدِ حَرُّه للظمآنِ الشديدِ عطشُه، ويصيرُ الخروجُ من الإِيمان أكرَهُ إِلى القلوب من الإِلقاءِ في النار، وأَمَرَّ عليها من الصَّبْر. ذكر ابنُ المبارك عن أبي الدَّرداء ﵁ أنَّه دخَلَ المدينَةَ، فقال لهم: ما لي لا أرى عليكم يا أهلَ المدينة حلاوَةَ الإِيمان؟ والذي نفسِي بيدِهِ، لو أنَّ دُبَّ الغَابةِ وجَدَ طعمَ الإِيمان لَرؤي عليه حلاوةُ الإِيمان. لو ذَاقَ طَعْمَ الإِيمانِ رَضْوَى (٤) … لكادَ مِن وَجْدِهِ يَميدُ قَدْ حَمَّلُوني (٥) تكلِيفَ عَهْدٍ … يعجِزُ عن حَمْلِهِ الحَديدُ فالإِيمان بالله ورسوله وظيفةُ القلب واللسان، ثم يتبعهما (٦) عملُ الجوارح، وأفضلُها الجهادُ في سبيل الله، وهو نوعان: أفضلُهما جهادُ المؤمن لعدوِّه الكافر، وقتالُه في سبيل الله؛ فإِنَّ فيه دعوةً له إِلى الإِيمان بالله ورسوله، ليدخُلَ في الإِيمان.

стр. 396

قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١). قال أبو هريرة ﵁ في هذه الآية: يجيئون بهم في السَّلاسل حتَّى يدخلونهم (٢) الجنَّة. وفي الحديث المرفوع: "عَجِبَ رَبُّكَ من قومٍ يُقَادُون إِلى الجنَّة بالسَّلاسل" (٣). فالجهادُ في سبيل الله دعاءُ الخَلْق إِلى الإِيمان بالله ورسُولهِ بالسَّيف واللسان، بعدَ دُعائهم إِليه بالحجَّةِ والبرهان. وقد كان النبي ﷺ في أوَّل الأمر لا يقاتل قومًا حتى يدعوهم. فالجهادُ به تعلو كلمةُ الإِيمان، وتتسعُ رُقْعَةُ الإِسلام، ويكثُرُ الداخلون فيه. وهو وظيفةُ الرُّسُلِ وأتباعِهم، وبه تصير كلمةُ اللهِ هي العليا. والمقصودُ منه أن يكون الدِّين كُلُّه لله، والطاعةُ له، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه﴾ (٤). والمجاهد في سبيل الله هو المقاتِلُ لتكونَ كلمةُ الله هي العليا خاصَّةً. والنوع الثاني من الجهاد: جهادُ النفس في طاعة الله، كما قال النبي ﷺ : "المجاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَه في الله" (٥). وقال بعضُ الصحابة لمن سألَهُ عن الغزو: ابْدَأْ بنفسِكَ فاغْزُها، وابْدأ بنفسِكَ فجاهِدها. وأعظَمُ مجاهدَةِ النفسِ على طاعة الله عِمَارةُ بيوتِه بالذِّكر والطاعةِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (٦). وفي حديث أبي سعيدٍ

стр. 397

المرفوع: "إِذا رأَيْتُم الرَّجُلَ يَعْتَادُ المسجِدَ فاشْهَدُوا له بالإِيمان" ثم تلا هذه الآية. خرجه الإِمامُ أحمدُ (١) والترمذي وابنُ ماجه. وقال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢)، الآية. والنوع الأوَّلُ من الجهاد أفضَلُ من هذا الثاني، قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٣). وفي صحيح مسلم (٤)، عن النُّعمان بن بشير، قال: كنْتُ عند مِنْبَرِ النَّبي ﷺ ، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعملَ عملًا بعد الإِسلام إِلَّا أنْ أسقِيَ الحاجَّ. وقال آخر: ما أبالي أنْ لا أعمَلَ عملًا بعدَ الإِسلام، إِلَّا أنَّ أَعْمُرَ المسجدَ الحرام. وقال آخر: الجهادُ في سبيل الله أفضَلُ ممَّا قُلتم: فزَجَرَهُم عُمَرُ، وقال: لا ترفعوا أصواتَكم عندَ مِنْبَرِ رسولِ الله ﷺ ، وهو يومُ الجمعة، ولكن إِذا صليتُ الجمعةَ دخلْتُ فاسْتَفْتَيْتُهُ فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، إِلى آخر الآية. فهذا الحديث الذي فيه ذِكْرُ سببِ نُزولِ هذه الآية يبيِّنَ أنَّ المراد أفضَلُ ما يُتقرَّبُ به إِلى الله تعالى من أعمالِ النَّوافِلِ والتطوعِ (٥)، وأنَّ الآية تدُلُّ على أنَّ أفضَلَ ذلك الجِهادُ مع الإِيمان. فدَلَّ على أنَّ التطوُّعَ بالجهاد أفضَلُ من التطوُّع بعِمَارة المسجد الحرامِ وسِقاية الحاجِّ. وعلى مِثل

стр. 398

هذا يُحمَلُ حديثُ أبي هريرة ﵁. هذا وأنَّ الجهادَ أفضَلُ مِن الحجِّ المتطوَّعِ به، فإِنَّ فَرْضَ الحَجِّ تأخَّرَ عندَ كثيرٍ من العلماءِ إِلى السَّنَة التاسِعةِ، ولعَلَّ النبيَّ ﷺ قال هذا الكلام قبلَ أن يُفرَضَ الحجُّ بالكليَّة، فكان حينئذٍ تطوُّعًا. وقد قيل: إِن الجهاد كان في أوَّلِ الإِسلام فرضُ عَيْنٍ، فلا إِشكالَ في هذا على تقديمه على الحَجِّ قبلَ افتراضِهِ. فأما بعد أن صارَ الجهادُ فَرْضَ كِفايةٍ والحجُّ فَرْضَ عَيْنٍ؛ فإِنَّ الحَجَّ المفترضَ حينئذٍ يكونُ أفضَلَ مِن الجهادِ. قال عبدُ الله بن عمرو بن العاص: حَجَّةٌ قَبْلَ الغَزْوِ أفضَلُ مِن عشر غَزَواتٍ، وغزوةٌ بعدَ حجَّةٍ أفضَلُ مِن عشر حجاتٍ. ورُوِي ذلك مرفوعًا من وجوهٍ متعدِّدَةٍ، في أسانيدِها مقالٌ. وقال الصُّبَيّ (١) بن مَعْبَدٍ: كنت نصرانيًّا فأسلمْتُ، فسألْتُ أصحابَ محمدٍ ﷺ : الجِهادُ أفضَلُ أم الحجُّ؟ فقالوا: الحَجُّ. والمرادُ - والله أعلم - أنَّ الحَجَّ أفضَلُ لمن لم يحجَّ حَجَّةَ الإِسلام، مثل هذا الذي أسلم. وقد يكون المرادُ بحديثِ أبي هريرة (٢) ﵁ أنَّ جِنْسَ الجِهادِ أشرَفُ مِن جنسِ الحَجِّ، فإِن عرض للحج وصفٌ يمتاز به على الجِهاد، وهو كونه فَرْضَ عينٍ، صار ذلك الحجُّ المخصوصُ أفضَلَ مِن الجهاد، وإِلَّا فالجهادُ أفضَلُ، والله أعلم. وقد دَلَّ حديثُ أبي هريرة ﵁ على أنَّ أفضَلَ الأعمال بعدَ الجهاد في سبيل الله جنسُ عِمارة المساجِد؛ بذكرِ اللهِ وطاعتِه، فيدخُلُ في ذلك الصلاةُ والذِّكْرُ والتِّلاوةُ والاعتِكافُ وتعليمُ العِلْم النافع واستماعُهُ. وأفضَلُ ذلك (٣) عِمارَةُ أفضَلِ المساجِدِ وأشرفِها، وهو المسجِدُ الحرامُ، بالزِّيارة والطَّوافِ؛ فلهذا خَصَّه بالذكر وجَعَلَ قصْدَهً للحجِّ أفضَلَ الأعمال بعدَ الجهاد. وقد خرَّجه ابنُ المنذر (٤) ولفظُه: "ثم حَجٌّ مبرورٌ أو عمرَةٌ".

стр. 399

وقد ذكر الله تعالى هذا البيتَ في كتابه بأعظَمِ ذِكْرٍ وأفخَمِ تعظيمٍ وثناءٍ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١)، الآيات. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٣). فعِمارَةُ سائر المساجِدِ سِوَى المسجدِ الحَرَام وقصدُها للصَّلاة فيها، وأنواعُ العِبادات من الرِّباط في سبيل الله تعالى، كما قال النبي ﷺ في إِسباغ الوضوء على المكارِهِ، وكثرة الخُطَا إِلى المساجِدِ، وانتظارِ الصَّلاة بعدَ الصَّلاة؛ فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط (٤). فأمَّا المسجدُ الحرامُ بخُصُوصِه فقصدُه لزيارتِهِ وعمارتِهِ بالطَّوافِ الذي خَصَّه الله به من نوع الجهاد في سبيل الله . وفي "صحيح البخاري" (٥) عن عائشة ﵂، قالت: يا رسولَ الله، نَرَى الجهادَ أفضلَ العَمَلِ، أفلا نجاهِدُ؟ قال: "لَكُنْ أَفْضلُ الجِهادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ"، يعني أفضَلَ جهادِ النساء. ورواه بعضُهم: لكُنْ أفضَلُ الجهادِ حَجٌّ مبرورٌ؛ فيكون صريحًا في هذا المعنى. وقد خرَّجه البخاري بلفظٍ آخَرَ، وهو: "جِهادُكُنَّ الحَجُّ"؛ وهو كذلك. وفي المسند (٦) وسنن ابن ماجه عن أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: "الحجُّ

стр. 400

جهادُ كُلِّ ضعيفٍ". وخرَّج البيهقيُّ (١) وغيرُه مِن حديثِ أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "جهادُ الكبيرِ، والضعيفِ، والمرأةِ، الحجُّ والعُمْرَةُ". وفي حديثٍ مرسلٍ: "الحجُّ جهادٌ، والعمرَةُ تطوُّعٌ" (٢). وفي حديث آخر مرسَلٍ خرَّجه عبدُ الرزَّاق (٣): أنَّ رجلًا قال للنبي ﷺ : إِنِّي جبَانٌ لا أُطيقُ لقاءَ الغدُوِّ. قال: أفلا أدُلُّكَ على جهادٍ لا قِتَالَ فيه؟ قال: بلى. قال: عليكَ بالحَجِّ والعُمْرَةِ. وخرَّج أيضًا (٤) من مراسِيلِ علي بن الحسين أنَّ رجلًا سأل النبي ﷺ عن الجهاد؟ فقال: أَلا أدلُّكَ على جهادٍ لَا شَوْكَةَ فيه؟ الحجّ. وفيه (٥) عن عُمَرَ أنَّه قال: إِذا وضَعْتُمُ السُّروجَ، يعني مِن سَفَر الجهاد، فشُدُّوا الرِّحال إِلى الحجّ والعُمْرَة؛ فإِنَّه أحدُ الجِهادين. وذكره البخاري تَعْليقًا. وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: إِنَّما هو سَرْجٌ ورحْلٌ؛ فالسَّرْجُ في سبيلِ الله، والرَّحْل (٦) في الحج. خرَّجه الإِمام أحمدُ في مناسِكِه. وإِنَّما كان الحجُّ والعمرَةُ جهادًا؛ لأنَّه

стр. 401

يُجهِدُ المالَ والنفسَ والبَدَنَ، كما قال أبو الشَّعثاء (١): نظرْتُ في أعمال البِرِّ، فإِذا الصَّلاةُ تجهِدُ البَدَنَ دونَ المالِ، والصِّيامُ كذلك، والحجُّ يجهِدُهما، فرأيتُه أفضَلَ. ورَوَى عبد الرزَّاق (٢) بإِسنادِهِ، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنَّ رجلًا سأله عن الحجِّ، قال: إِنَّ الحاجَّ يشفَعُ في أربعمائة بَيْتٍ من قومه، ويبارك في أربعين من أُمهاتِ البَعيرِ الذي حَمَلَه، ويخرُجُ مِن ذنوِبه كيومِ وَلَدَتْه أمُّه (٣). فقال له رجل: يا أبا موسى! إِنِّي كنْتُ أعالِجُ (٤) الحجَّ، وقد كَبِرْتُ وضَعُفْتُ، فهل مِن شيءٍ يَعدِلُ الحَجَّ؟ فقال له: هل تستطيع أن تعتِقَ سبعين رقبةً مؤمنةً من ولدِ إِسماعيلَ؟ فأمَّا الحلُّ والرَّحيل فلا أجِدُ له عِدلًا، أو قال: مِثلًا. وبإِسناده (٥) عن طاوس أنَّه سُئل: هل الحجُّ بعد الفريضة أفضَلُ أم الصَّدَقَةُ؟ قال: فأين الحلُّ والرَّحيلُ، والسَّهَرُ والنَّصَبُ، والطَّوافُ بالبيتِ، والصَّلاةُ عندَه، والوقوفُ بعَرَفَةَ، وجَمْعُ ورميُ الجمار؟ كأنه يقولُ: الحجُّ أفضَلُ. وقد اختلَفَ العلماءُ في تفضيل الحَجِّ تطوُّعًا على الصدقة. فمنهم: من رَجَّحَ الحجَّ، كما قاله طاوس وأبو الشعثاءِ، وقاله الحَسَنُ أيضًا. ومنهم: مَن رجَّحَ الصَّدَقة، وهو قولُ النَّخعي. ومنهم: من قال: إِنَّ كان ثَمَّ رَحِمٌ محتاجَةٌ أو زمنُ مجاعةٍ، فالصَّدَقَةُ أفضَلُ، وإِلَّا فالحَجُّ؛ وهو نصُّ أحمدَ. ورُوي عن الحسن معناه، وأنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ والتنفيس عن المكروب أفضَلُ من التطوُّع بالحَجِّ. وفي كتاب عبد الرزَّاق (٦) بإِسنادٍ ضعيفٍ: عن عائشة ﵂ أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئلَ عن رجلٍ حَجَّ فأكثَر، أيجعَلُ نفقَتَه في صلةٍ أو عِتْقٍ؟ فقال النبي ﷺ : "طوافُ سبع لا لَغْوَ فيه يعدِلُ رقَبةً". وهذا يدُلُّ على تفضيل الحَجِّ. واستدَلَّ مَن رأى ذلك أيضًا بأنَّ النَّفَقة في الحجِّ أفضَلُ من النفقة في سبيل الله.

стр. 402

وفي مسند الإِمام أحمد (١)، عن بُرَيْدَة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "النفقةُ في الحَجِّ كالنَّفقَةِ في سبيل الله بسبعمائة ضعفٍ". وخرَّجه الطبراني (٢) من حديثِ أنسٍ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "النفقةُ في سبيل الله؛ الدِّرْهَمُ فيه بسبعمائة". ويدُلُّ عليه قولهُ تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، ففيه دليلٌ على أنَّ النَّفقة في الحجِّ والعمرة تدخُلُ في جملة النَّفقةِ في سبيل الله. وقد كان بعضُ الصحابة جَعَلَ بعيرَه في سبيل الله، فأرادت امرأتُه أن تحجَّ عليه، فقال لها النبي ﷺ : "حجِّي عليه؛ فإِنَّ الحَجَّ في سبيل الله". وقد خرَّجه أهلُ المسانيد والسنن (٤) من وجوهٍ متعدِّدَةٍ، وذَكَرَه البخاري تعليقًا. وهذا يُستدَلُّ به على أنَّ الحَجَّ يصرَفُ فيه مِن سهمِ سبيلِ اللهِ المذكور في آية الزكاة، كما هو أحدُ قولي العلماءِ، فيعطَى مِن الزَّكاة من لم يحجَّ ما يحجُّ به. وفي إِعطائه لحجِّ التطوُّعِ اختلافٌ بينَهم أيضًا.

стр. 403

وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "الحَجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إِلَّا الجنَّة" (١). وفي المسند (٢) أنَّ النبي ﷺ سئلَ: أيُّ الأعمال أفضَلُ؟ قال: إِيمانٌ بالله وحدَه، ثم الجِهادُ، ثم حَجَّةٌ بَرَّةٌ تفضُلُ سائرَ الأعمال كما بين (٣) مطلع الشمس إِلى مَغْربها. وثبَتَ عنه ﷺ أنَّه قال: "مَنْ حَجَّ هذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَم يفسُقْ خَرَجَ مِن ذنوبِهِ كيومِ وَلَدتْهُ أمُّه" (٤). فمغفرة الذنوب بالحجِّ، ودخول الجنَّة به مرتبٌ على كون الحجِّ مبرورًا. وإِنَّما يكون مبرورًا باجتماع أمرين فيه: أحدهما: الإِتيان فيه بأعمال البِرِّ؛ والبِرُّ يطلق بمعنيين: أحدهما: بمعنى الإِحسان إِلى الناس، كما يقال: البِرّ والصِّلة، وضِدُّه العُقُوق. وفي صحيح مسلم (٥) أنَّ النبي ﷺ سُئل عن البِرّ، فقال: البر: حُسْنُ الخُلُقِ (٦). وكانَ ابنُ عُمَرَ ﵄ يقولُ: إِنَّ البِرَّ شَيْءٌ هَيِّنٌ (٧)؛ وجْهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّن (٨). وهذا يُحتاجُ إِليه في الحجِّ كثيرًا، أعني معاملة الناس بالإِحسان بالقول والفعل. قال بعضُهم: إِنَّما سُمِّي السفر سَفَرًا؛ لأنَّه يُسْفِرُ عن أخلاقِ الرجال (٩). وفي المسند (١٠).

стр. 404

عن جابرِ [بن عبدِ اللهِ ﵄] (١)، عن النبي ﷺ ، قال: الحَجُّ المبرور ليس له جزاء إِلَّا الجنَّة. قالوا: وما بِرُّ الحجِّ يا رسولَ الله؟ قال: إِطعامُ الطعام، وإِفشاء السَّلام. وفي حديثٍ آخَرَ: "وطيب الكلام". وسُئل سعيدُ بن جبير: أيّ الحاج أفضَلُ؟ قال: مَن أطعَمَ الطعام وكفَّ لسانه. قال الثوريُّ: سمعت (٢) أنَّه مِن بِرّ الحج. وفي مراسيل خالد بن مَعْدان (٣) عن النبي ﷺ ، قال: ما يصنَعُ (٤) من يؤمّ هذا البيتَ إِذا لم يكن فيه خِصالٌ ثلاثة (٥): وَرَعٌ يحجُزُه عمَّا حرَّم الله، وحلمٌ يضبِطُ به جهلَه، وحُسْنُ صحابةٍ لمن يصحَبُ؛ وإِلَّا فلا حاجة لله بحجِّه" (٦). وقال أبو جعفر الباقر: ما يعبَأُ من (٧) يؤمُّ هذا البيتَ إِذا (٨) لم يأتِ بثلاث: ورع يحجُزُه عن معاصِي الله، وحلم يكُفُّ به غَضَبَه، وحُسْن الصحابة لِمن يصحَبُه من المسلمين. فهذه الثلاثة يُحتاجُ إِليها في الأسفار، خصوصًا في سَفَر الحَجِّ، فمن كمَّلها فقد كَمُلَ حجُّه وَبَرَّ. ومِن أَجْمَعِ خِصالِ البِرِّ التي يحتاج إِليها الحاجّ ما وصَّى به النبي ﷺ أبا جُرَيّ الهُجَيْمي (٩)، فقال: "لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تُفْرِغِ مِن دَلْوِك في إِناء المُسْتَسْقِي، ولو أن تعطيَ صلة الحبل، ولو أن تعطيَ شِسْعَ النَّعْل، ولو أن تُنحِّيَ الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقَى أخاكَ ووجْهُكَ إِليه منطلقٌ، ولو أن تلقَى أخاكَ المسلم فتسلِّم عليه، ولو أن تؤنسَ الوَحْشَانَ في الأرض" (١٠). وفي الجملة، فخيرُ الناسِ أنفَعُهم للنَّاس، وأصبرُهم على أذَى الناس، كما وَصَفَ الله المتَّقين بذلك

стр. 405

في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). والحاجّ يحتاجُ إِلى مخالطة الناس، والمؤمنُ الذي يخالِط الناسَ ويصبِرُ على أذاهم أفضَلُ ممن لا يخالِطُهم ولا يصبِرُ على أذاهم. قال ربيعة: المروءة في السَّفَر بَذْلُ الزَّادِ، وقلَّةُ الخِلاف على الأصحاب، وكثرةُ المزاح في غير مساخط اللهِ . وجاء رجلان إِلى ابن عونٍ يودِّعانه، ويسألانه أن يوصِيهما، فقال لهما: عليكما بكظْم الغَيْظ، وبَذْلِ الزَّاد. فرأى أحدُهما في المنام أنَّ ابنَ عون أهدَى إِليهما حُلَّتين. والإِحسانُ إِلى الرفقة في السفر أفضَلُ من العِبادة القاصِرة، لا سيَّما إِن احتاجَ العابِدُ إِلى خدمة إِخوانه. وقد كان النبي ﷺ -في سفرٍ في حَرٍّ شديدٍ، ومعَهُ مَن هو صائمٌ ومفطِرٌ، فسقَطَ الصُّوَّامُ وقامَ المفطِرون فضرَبوا الأبنيةَ، وسَقَوا الرِّكَابَ، فقال النبي ﷺ : "ذهَبَ المفطِرون اليومَ بالأجر" (٢). ورُوِي أنَّه ﷺ -كان في سَفَرٍ، فرأَى رجلًا صائمًا، فقال له: ما حملَكَ على الصَّوْم في السفر؟ فقال: معي ابنايَ يرحلان بي ويخدُماني، فقال له: ما زال لهما الفَضْلُ عليك. وفي مراسيل أبي داودَ (٣) عن أبي قلابة ﵁، قال: قدِمَ ناسٌ مِن أصحاب رسول الله ﷺ من سَفَرٍ يُثْنُونَ على صاحِبٍ لهم، قالوا: ما رأَينا مِثْلَ فلانٍ قَطُّ؛ ما كانَ في مَسيرٍ إِلَّا كان في قراءةٍ، ولا نزلنا منزلًا إِلَّا كان في صلاةٍ. قال: "فمن كان يكفيه ضَيْعَتَه (٤) "؟ حتى ذَكَر "ومَن كانَ يعلِفُ دَابَّته"، قالوا: نحنُ. قال: "فكُلُّكُمْ

стр. 406

خَيْرٌ منه". وقال مجاهد: صحِبْتُ ابنَ عُمَرَ في السَّفَر لأخدِمَه، فكان يخدُمُني. وكان كثيرٌ مِن السَّلَف يشترطُ على أصحابه في السَّفَر أن يخدمَهم اغتنامًا لأجر ذلك؛ منهم عامرُ بن عبدِ قَيْس (١)، وعمرو بن عتبة بن فَرْقدٍ (٢) مع اجتهادهما في العِبادة في أنفسِهما. وكذلك كان إِبراهيم بن أدهم يشترطُ على أصحابه في السَّفَر الخدمةَ والأذانَ. وكان رجلٌ من الصالحين يصحَبُ إِخوانه في سفر الجهادِ وغيره، فيشترط عليهم أن يخدُمَهم، فكان إِذا رأى رجلًا يريدُ أن يغسِلَ ثوبَه قال له: هذا من شرطي، فيغسِلُه، وإِذا رأى مَن يُريدُ أن يغسِلَ رأسَهُ قال له: هذا من شرطي فيغسله. فلمَّا مات نظروا في يده فإِذا فيها مكتوبٌ مِن أهل الجنَّة، فنظروا إِليها فإِذا هي كتابةٌ بين الجِلْد واللحم. وترافق بُهَيمٌ (٣) العِجليُّ - وكان من العابدين البكَّائين - ورجلٌ تاجِرٌ مُوسِرٌ في الحج، فلمَّا كان يومُ خروجهم للسَّفَر بكى بُهَيمٌ حتى قطرت دموعُه على صدره، ثم قطرَتْ على الأرض. وقال: ذكرتُ بهذه الرِّحلةِ الرحلةَ إِلى الله، ثم علا صوتُه بالنَّحيب، فكرِهَ رفيقُه التاجر منه ذلك، وخشِيَ أن يتنغَّصَ (٤) عليه سَفَرُه معه بكثرة بكائه. فلمَّا قدِمَا من الحجِّ جاء الرجلُ الذي رافق بينَهما إِليهما ليسَلِّمَ عليهما، فبدأ بالتاجر فَسلَّمَ عليه، وسألَه عن حاله مع بُهَيم، فقال له: والله ما ظننت أنَّ في هذا الخلْق مثله، كان والله يتفضَّلُ عليَّ في النفقة وهو معسِرٌ وأنا موسِر، ويتفضَّلُ عليَّ في الخِدْمة وهو شيخٌ ضعيفٌ وأنا شابٌّ، ويطبخُ لي وهو صائم وأنا مفطِرٌ. فسأله عمَّا كان يكرهه منه من كثرة بكائه؟ فقال: أَلِفْتُ والله ذلك البكاء وأُشْرِبَ حبُّه قلبي حتَّى كنت أساعدُه عليه، حتى تأذَّى بنا الرّفقة، ثم ألِفُوا ذلك، فجعلوا إِذا

стр. 407

سمعونا نبكي بكوا، ويقولُ بعضُهم لبعضٍ: ما الذي جَعَلَهما أَوْلى بالبكاء مِنَّا والمصيرُ واحدٌ؟ فجَعَلوا واللهِ يبكون ونبكي. ثم خَرَج من عندِه فدَخَلَ على بُهَيمٍ، فسَلَّم عليه، وقال له: كيف رأيتَ صاحبَكَ؟ تال: خير صاحبٍ، كثير الذِّكْرِ لله، طويل التِّلَاوة للقرآن، سريع الدَّمعة، متحمِّل (١) لهفواتِ الرَّفيق، فجزاك اله عنِّي خيرًا. وكان ابنُ المبارك يُطعِمُ أصحابَه في الأسفار أطيَبَ الطعام وهو صائمٌ، وكان إِذا أراد الحجَّ من بلدِهِ مَرْو جَمَعَ أَصحابَه، وقال: من يريدُ منكَم الحجَّ؟ فيأخُذُ منهم نفقاتهم فيضعُها عِندَه في صندوقٍ ويُقفِلُ عليه، ثم يحمِلُهم ويُنفِقُ عليهم أوسَعَ النَّفقة، ويطعمهم أَطيبَ الطَّعام، ثم يشتري لهم مِن مكَّة ما يُريدون من الهدايا والتُّحَف، ثم يرجِع بهم إِلى بلده، فإِذا وصَلُوا صنَعَ لهم طعامًا، ثم جَمَعَهم عليه، ودَعَا بالصندوق الذي فيه نفقاتهُم فَرَدَّ إِلى كُلِّ واحدٍ نفقته. المعنى الثاني: مما يُراد بالبِرِّ فِعْلُ الطَّاعات كُلِّها، وضِدُّه الإِثمُ. وقد فسَّر الله تعالى البِرَّ بذلك في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي (٢) الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٣). الآية. فتضمَّنت الآية أنَّ أنواعَ البِرِّ سِتَّةُ أنواعٍ، مَن استكمَلَها فقد استكمَلَ البِرَّ. أوَّلها: الإِيمانُ بأصول الإِيمان الخمسةِ. وثانيها: إِيتاء المال المحبوب لذوي القُرْبَى واليتامَى والمساكين وابنِ السَّبيل والسَّائلين وفي الرقاب. وثالثها: إِقامُ الصلاة. ورابعها: إِيتاء الزَّكاة. وخامسها: الوفاءُ بالعَهْد. وسادسها: الصَّبْر على البأساء والضَّرَّاء وحينِ البأس. وكلُّها يحتاج الحاجّ إِليها، فإِنَّه لا يصحُّ حجُّه بدون الإِيمان، ولا يكمل حجُّه ويكون مبرورًا بدون إِقام الصَّلاة وإِيتاء الزَّكاة؛ فإِنَّ أركان الإِسلام بعضُها مرتبط

стр. 408

ببعضٍ، فلا يكمل الإِيمانُ والإِسلام حتَّى يؤتى بها كلِّها، ولا يكمل بِرُّ الحَجِّ بدون الوفاء بِالعهود في المعاقَدَات والمشاركاتِ المحتاج إِليها في سَفَرِ الحَجِّ، وإِيتاءِ المال المحبوب لمن يُحِبُّ الله إِيتاءَه، ويحتاجُ مع ذلك إِلى الصبر على ما يُصيبه من المشاقّ في السَّفَر. فهذه خصالُ البرِّ، ومِن أهمِّها للحاجّ إِقامُ الصَّلاةِ. فمَن حَجَّ من غير إِقامِ الصَّلاة، لا سيَّما إِن كان حَجُّه تطوُّعًا، كان بمنزلة مَن سَعَى في رِبْحِ دِرْهم، وضَيَّعَ رأسَ مالِه وهُو أُلوفٌ كثيرة. وقد كان السَّلَفُ يواظِبون في الحجِّ على نوافِلِ الصَّلاة، وكان النبي ﷺ يواظِبُ على قيام الليل على راحِلتِهِ في أسفاره كُلِّها ويوتِرُ عليها (١). وحَجَّ مسروق (٢)، فما نام إِلَّا ساجدًا. وكان محمد بن واسِعٍ (٣) يُصلِّي في طريق مكَّة ليلَهُ أجمَعَ في مَحْملِه، يومئ إِيماءً، ويأمر حاديَهُ أن يرفعَ صوته خلفه حتى يُشْغَلَ (٤) عنه بسماعِ صوت الحادي، فلا يُتفطَّن لَهُ. وكان المغيرةُ بن حكيم الصَّنعاني (٥) يحجُّ من اليمن ماشيًا، وكان له وِرْدٌ بالليل يقرأ فيه كُلَّ ليلةٍ ثُلُثَ القرآنِ، فيقف فيصلِّي حتى يفرُغَ من وِرْدِهِ، ثم يلحق بالركب متى لحِقَ، فربَّما لم يلحَقْهم إِلَّا في آخر النهار. سلامُ الله على تلك الأرواح، رحمَةُ اللهِ على تلك الأشباح، ما مثَلُنا ومثَلُهم إِلَّا كما قال القائل (٦): نزلوا بمكَّة في قبائِلِ هاشمٍ (٧) … وَنَزَلْتُ بالبَيْداءِ أبْعَدَ مَنْزِلِ

стр. 409

فنحن ما نأمر إِلا بالمحافظة على الصَّلاة في أوقاتِها ولو بالجَمْع بين الصَّلاتين المجموعتين في وقتٍ إِحداهُما بالأرضِ؛ فإِنَّه لا يُرَخَّصُ لأحدٍ أن يصَلِّي صَلاةَ الليل في النَّهار، ولا صَلاةَ النَّهارِ في الليل، ولا أن يصلِّيَ على ظهر راحلته المكتُوَبةَ، إِلَّا مَن خافَ الانقطاعَ عن رفقتِه أو نحو ذلك ممن (١) يخافُ على نفسِه. فأمَّا المريضُ ومَن كان في ماءٍ وطينٍ، ففي صلاتِه على الرَّاحلة اختلافٌ مشهورٌ للعلماء، وفيه روايتان عن الإِمام أحمدَ، وأنَّ يكونَ بالطهارة الشرعِيَّة بالوُضوء بالماءِ مَعَ القُدرةِ عليه والتيمُّم عند العجز حِسًّا أو شرعًا. ومتى علِمَ الله من عبدٍ حِرْصَه على إِقام الصَّلاة على وجهها أعانَهُ. قال بعضُ العلماء: كنْتُ في طريق الحجِّ، وكان الأميرُ يقفُ للنَّاسِ كُلَّ يومٍ لصلاةِ الفَجْرِ، فينزِلُ فيصلِّي (٢)، ثم نركب، فلمَّا كان ذاتَ يومٍ قُرْبَ طُلوعِ الشَّمْسِ، ولم يقفوا للنَّاسِ فناديتهُم؛ فلم يلتفِتُوا إِلى ذلك، فتوضَّأتُ على المحمل، ثم نزلْتُ للصَّلاة على الأرض، ووطَّنْتُ نفسِي على المشي إِلى وقتِ نزولِهم للضّحى (٣)، وكانوا لا ينزِلُون إِلَّا (٤) قريبَ وقتِ الظهر، مَعَ علمي بمشقَّة ذلك عليَّ وأنِّي لا قُدْرَةَ لي عليه، فلمَّا صلَّيْتُ وقضَيْتُ صَلاتي، نظرْتُ إِلى رِفقتي فإِذا هم وقوفٌ، وقد كانوا لو سئلوا ذلك لم يفعلوه، فسألتهم عن سبب وقوفهم، فقالوا: لمَّا نزلْتَ تعرقَلَتْ مقاوِدُ الجمالِ بعضُها في بَعْضٍ، فنحن في تخليصها إِلى الآن. قال: فجئتُ وَرَكِبْتُ وحَمِدْتُ الله ، وعلِمْتُ أنَّه ما قدَّمَ أحدٌ حَقَّ اللهِ تعالى على هَوَى نفسِه وراحتها، إِلَّا وَرَأى سعادَةَ الدُّنيا والآخرة، ولا عَكَسَ أحدٌ ذلك فقدَّمَ حظَّ نفسِه على حَقِّ رَبِّه إِلَّا ورأى الشَّقاوَةَ في الدُّنيا والآخرة. واستشهد بقول القائل: واللهِ ما جئْتُكُمُ زائرًا … إِلَّا وجَدْتُ الأرْضَ تُطْوَى لي ولا ثَنَيْتُ العَزْمَ عن بابِكم … إِلَّا تَعَثَّرْتُ بأذيالي

стр. 410

ومِن أعظم أنواع بِرِّ الحَجِّ كثرةُ ذِكْرِ اللهِ تعالى فيه، وقد أَمَرَ الله تعالى بكثرة ذِكْره في إِقامة مناسِكِ الحَجِّ مرَّةً بعدَ أخرى. وقد رُوي أنَّ النبي ﷺ سُئل. "أيُّ الحاج أفضَلُ؟ قال: أكثَرُهم لله ذكرًا". خرَّجه الإِمام أحمد (١). ورُوىِ مرسلًا من وجوهٍ متعددةٍ، وخصوصًا كثرةُ الذِّكْر في حال الإِحرام بالتلبية والتكبير. وفي الترمذي (٢) وغيرِه عن النبي ﷺ ، قال:"أفضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ". وفي حديث جُبَيْر بن مُطْعِمٍ المرفوع: "عجوا التكبير عجًّا وثجوا الإِبل ثجًّا". فالعَجُّ: رفْعُ الصَّوْت بالتكبير والتلبية، والثَّجُّ: إِراقَةُ دِماء الهَدَايا والنُّسُك. والهَدْي مِن أفضَلِ الأعمال، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (٣)، الآية. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٤). وأهْدَى النبيُّ ﷺ في حجّةِ الوَدَاع مائةَ بُدْنَةٍ. وكان يبعَثُ بالهَدْي إِلى منىً، فتُنْحَرُ عنه وهو مقيمٌ بالمدينة. الأمر الثاني (٥): مما يكمُلُ به بِرُّ الحجِّ اجتنابُ أفعالِ الإِثم فيه؛ من الرَّفَثِ والفُسُوق والمعاصي، قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٦). وفي الحديث الصحيح (٧): "مَنْ حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رَجَعَ كيومِ وَلَدَتْهُ أُمُّه". وقد سبق حديثُ "مَن لم يكُنْ لَهُ وَرَعٌ يحجُزُه عن معاصي الله فليس لله حَاجَةٌ في حَجِّه". فما تزوَّدَ حاجٌّ ولا غيرُه أفضَلَ من زادِ التَّقْوَى، ولا دُعِي للحاجّ عند تودِيعه بأفضَلَ مِن التقوى (٨).

стр. 411

وقد رُوي أنَّ النبي ﷺ وَدَّعَ غلامًا للحج، فقال له: "زوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَى". قال بعضُ السَّلف لمن ودَّعَه: اتقِ الله، فمن اتَّقَى اللهَ فلا وَحْشَةَ عليه. وقال آخر لمن وَدَّعَه للحَجِّ: أوصِيكَ بما وَصَّى به النبي ﷺ مُعاذًا حين ودَّعَه: "اتَّقِ اللهَ حيثما كنْتَ، وأَتْبِع السَّيئةَ الحَسَنَةَ تمْحُها، وخَالِق النَّاسِ بخُلُقٍ حَسَنٍ" (١). وهذه وصيَّةٌ جامعةٌ لخِصال البِرِّ كُلِّها (٢). ولأبي الدَّرداء ﵁ (٣): يُريدُ المرءُ أن يُوتَى مُنَاهُ … ويأْبَى اللهُ إِلَّا ما أرادَا يقولُ المرءُ فائدتي ومالِي … وتَقْوَى الله أفضَلُ ما اسْتَفادَا ومن أعظم ما يجبُ على الحاجّ اتقاؤه مِن الحرام: أن يُطيِّبَ نفقَتَه في الحَجِّ، وأن لا يجعَلَها مِن كَسبٍ حرامٍ. وقد خرَّج الطبراني (٤) وغيرُه مِن حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إِذا خرَج الرجُلُ حاجًّا بنَفَقةٍ طيِّبةٍ، ووضَعَ رِجْلَه في الغَرْز، فنادى: لَبَّيْكَ اللهم لبَّيك! ناداهُ منادٍ من السَّماء: لبَّيكَ وَسَعْدَيْك، زادُكَ حَلالٌ، وراحِلتُك حلالٌ، وحَجُّكَ مَبْرورٌ غَيْرُ مأْزُورٍ. وإِذا خَرَجَ الرَّجُل بالنَّفقَة الخبيثةِ فوضَعَ

стр. 412

رِجْلَه في الغَرْزِ، فنادَى: لبَّيك اللهم لبَّيك! ناداه منادٍ مِن السَّماء: لا لبَّيكَ ولا سَعْدَيْك؛ زادُكَ حرامٌ، ونفقتُكَ حَرَامٌ، وحَجُّك غيرُ مبرورٍ". مات رجلٌ في طريقِ مكَّةَ، فحفروا له فدفنوه، ونسُوا الفأسَ في لحدِه، فكشَفُوا عنه الترابَ ليأخذوا الفأسَ، فإِذا رأسُه وعنقه قد جُمِعا في حلقة الفأس، فزدُّوا عليه التُّراب ورجعوا إِلى أهله فسألوهم عنه، فقالوا: صحِبَ رجلًا فأخَذَ مالَه، فكان منه يحُجُّ ويغزو. إِذا حججتَ بمالٍ أصلُهُ سُحْتُ … فما حَجَجْتَ ولكن حَجَّت العِيرُ لا يقبَلُ الله إِلَّا كُلُّ طيِّبَةٍ … ما كُلُّ مَنْ حَجَّ بيتَ اللهِ مَبْرورُ ومما يجبُ اجتنابُهُ على الحاج (١) وبه يتمُّ بِرُّ حَجِّهِ أن لا يقصِدَ بحجِّه رِياءً ولا سُمْعَةً ولا مباهاةً ولا فخرًا ولا خُيلاءَ، ولا يقصِدُ به إِلَّا وَجْهَ اللهِ ورضوانَهُ، ويتواضَعُ في حَجِّه ويستكينُ ويخشَعُ لِربِّه. رُوِي عن أنسٍ ﵁ أنَّ النبي ﷺ حَجَّ على رَحْلٍ رَثٍّ وَقَطِيفةٍ ما تساوي أربعةَ دَرَاهِمَ، وقال: "اللهم! اجعلها (٢) حِجَّةً لا رِيَاءَ فيها ولا سُمْعَةَ" (٣). وقال عطاء: صلَّى رسولُ الله ﷺ الصُّبْحَ بمنىً غدَاةَ عَرَفَةَ، ثم غَدَا إِلى عَرَفاتٍ وتحتَه قطيفة اشتُريَتْ له بأربعة دَرَاهِمَ، وهو يقولُ: "اللهم اجْعَلْها حِجَّةً مبرورةً متقبَّلةً لارِياءَ فيها ولا سُمْعَةَ". وقال عبد الله بن الحارث: ركِبَ رسولى الله ﷺ رَحْلًا فاهتزَّ به، فتواضَعَ لله ، وقال: "لبَّيك، لا عيشَ إِلَّا عيشَ الآخرة" (٤). قال رجل لابن عمر: ما أكثَرَ الحاجَّ! فقال ابن عمر: ما أقلَّهم! ثم رأى رجلًا على بعيرٍ على رَحْلٍ رَثٍّ، خِطامُه حَبْلٌ، فقال: لعلَّ هذا. وقال شُريح: الحاجّ قليلٌ والركبانُ

стр. 413

كثير، ما أكثَرَ مَن يعملُ الخيرَ، ولكن ما أقلَّ الذين يريدون وجهه! خليلي قطَّاعُ الفيافي إِلى الحِمَى … كثيرٌ وأمَّا الواصِلُون قليلُ [وُجُوهٌ عليها للقَبُول علامةٌ … وليس على كُلِّ الوُجُوهِ قَبُولُ] (١) كان بعضُ المتقدِّمين يحجُّ ماشيًا على قدمَيْه كُلَّ عامٍ، فكان ليلةً نائمًا في (٢) فراشِه، فطلبَتْ منه أمُّه شَرْبَةَ ماءٍ، فصَعُبَ على نفسِهِ القيام من فراشِهِ ليسقيَ أُمَّه الماء، فتذكَّر حجَّهُ ماشيًا كُلَّ عامٍ، وأنَّه لا يَشقُّ عليه، فحاسَبَ نفسَه، فرأى أنَّه لا يُهوِّنُه عليه إِلَّا رؤيةُ الناس له ومدحهم إِياه، فعلِمَ أنَّه كان مَدْخُولًا (٣). قال بعضُ التابعين: رُبَّ مُحْرِمٍ يقولُ: لبيكَ اللهم لبيك! فيقولُ الله له: لا لبيك ولا سعديك، هذا مردودٌ عليك. قيل له: لم؟ قال: لعلَّه اشترى ناقةً بخمسمائة درهم، ورَحْلًا بمائتي درهم، ومفرشًا بكذا وكذا. ثمَّ ركِبَ ناقته، ورجَّلَ رأسَه، ونظر في عِطْفَيْه، فذلك الذي يُرَدُّ عليه. ومن هنا استُحِبَّ للحاجّ أن يكونَ شَعِثًا أغبَرَ. وفي حديث المباهاة يومَ عَرَفَةَ أنَّ الله تعالى يقولُ لملائكته: "انظُروا إِلى عبادِي، أتوني شُعْثًا غُبْرًا ضاحِين، اشْهَدُوا أنِّي قد غفَرْتُ لهم" (٤). قال عُمَرُ يومًا وهو بطريق مكَّة: تشعَثُون (٥) وتغبُرُون وتتفُلُون (٦) وتَضْحُون، لا تريدون بذلك شيئًا من عَرَضِ الدُّنيا، ما نعلَمُ سَفَرًا خَيْرًا من هذا؛ يعني الحجَّ. وعنه قال: "إِنَّما الحاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ" (٧). وقال ابنُ عمر لرجلٍ رآه قد استظَلَّ في إِحْرامِه: اِضْحَ لمن أحرمْتَ له. أي ابْرُزْ للضُّحَى، وهو حَرُّ الشمس.

стр. 414

أتاك الوافدون إِليك شُعْثًا … يَسُوقُون المقلَّدة (١) الصَّوَافِ فكم مِن قاصِدٍ للرَّبِّ رَغْبًا … وَرَهْبًا بينَ مُنتعِلٍ وَحَافِ سبحان من جَعَلَ بيتَه الحَرَامَ مثابَةً للنَّاس وأَمْنًا، يتردَّدون إِليه، ويرجعون عنه، ولا يرون أنَّهم قضوا منه وَطَرًا. لمَّا أضاف الله تعالى ذلك البيت إِلى نفسه ونسَبَه إِليه، بقوله لخليله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ (٢)، تعلَّقَت قلوبُ المحبِّين ببيتِ محبوبهم، فكلَّما ذُكِر لهم ذلك البيتُ الحرامُ حَنُّوا، وكلَّما تذكَّروا بُعْدَهم عنه أَنُّوا: لا يُذْكَرُ الرَّمْلُ إِلَّا حَنَّ مغتَرِبٌ … لَهُ بذِي الرَّمْلِ أوطارٌ وأوطانُ تهفو إِلى البانِ مِن قلبي نوازِعُه … وما بي البانُ بلْ مَنْ دارُهُ البَانُ رأى بعضُ الصالحين الحاجَّ في وقتِ خروجهم، فوقف يبكي ويقول: واضعفاه! وينشد على إِثر ذلك: فقلْتُ دَعُوني واتِّباعِي رِكَابَكُم … أَكُنْ طَوْعَ أيدِيكُم كما يَفْعَلُ العَبْدُ ثم تنفَّسَ وقال: هذه حَسْرَةُ مَن انقطَعَ عن الوُصُولِ إِلى البيت، فكيف تكون حَسْرَةُ من انقطع عن الوُصُول إِلى رَبِّ البيت؟! يحقُّ لمن رأى الواصلين وهو منقطِعٌ أن يقلَقَ، ولمن شاهَدَ السائرين إِلى ديار الأحبَّة وهو قاعِدٌ أن يحزَنَ. يا سائقَ العِيسِ تَرَفَّقْ واسْتَمِعْ … منِّي وبلِّغِ السَّلامَ عَنِّي (٣) عَرِّضْ بذِكْري عندَهُم لعلَّهم … إِن سمعوك سائلوك عَنِّي (٤) قل: ذلك المحبُوسُ عن قصدِكُم … معذَّبُ القَلْبِ بِكُلِّ فنِّ يقولُ أمَّلْتُ بأن أزورَكُمْ … في جُملَة الوفد فخابَ ظنِّي أقعَدَني الحِرْمانُ عَن قَصْدِكُم … ورُمْتُ أن أسْعَى فلم يَدَعْنِي ينبغي للمنقطعين طلبُ الدُّعاء من الواصلين؛ لتحصلَ المشاركةُ، كما رُوِي عن

стр. 415

النبي ﷺ ، قال لِعُمَرَ لما أراد العُمْرة: "يا أخي، أَشْرِكْنا في دُعَائك" (١). وفي مسند البزار (٢) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "اللهم، اغفر للحاجّ، ولمن استغفَرَ له الحاجُّ". وفي الطبراني (٣) عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ سَمِعَ رجلًا يقول في الطَّواف: اللهم! اغفر لفلان بن فلان، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ هذا"؟. قال: رجُلٌ حَمَّلَني أن أدعُوَ لَهُ بينَ الرُّكْن والمقام. فقال: "قد غُفِرَ لصاحبك". أَلَا قُلْ لزوَّار دارِ الحبيبِ … هنيئًا لكُم في الجِنانِ الخُلودُ أَفِيضُوا علينا مِنَ الماءِ فيضًا … فنحنُ عِطاشٌ وأنتُم وُرودُ لئن سار القومُ وقَعَدنا، وقرُبوا وبَعُدنا، فما يُؤمننا أن نكونَ مِمَّن ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (٤). للهِ دَرُّ ركَائبٍ سارَتْ بهم … تَطْوِي القِفَارَ الشَّاسِعَاتِ عَلَى الدُّجا رَحَلُوا إِلى البيتِ الحَرَامِ وقَدْ شَجَا … قَلْبُ المتيِّمِ منهُمُ ما قَدْ شَجَا نَزَلُوا ببابٍ لا يَخيبُ نزِيلُهُ … وقلوُبهُمْ بينَ المخافةِ والرَّجَا على أنَّ المتخلِّف لعذرٍ شريكٌ للسَّائر، كما قال النبيُّ ﷺ لمَّا رجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ: "إِنَّ بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم مَسِيرًا، ولا قَطَعْتُم وادِيًا، إِلَّا كانوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُم (٥) العُذْرُ" (٦).

стр. 416

يا سائرين إِلى البَيْتِ العَتيقِ لَقَدْ … سِرْتُم جُسُومًا وسِرْنا نحنُ أَرْواحَا إِنَّا أَقَمْنا على عُذْرٍ وقَدْ رَحَلُوا … وَمَنْ أَقَامَ على عُذْرٍ كَمَنْ راحَا وربَّما سَبَقَ بعضُ من سار بقلبه وهِمَّته وعَزْمه بعضَ السائرين ببدنه. رأى بعضُ الصالحين في منامه عشيَّةَ عَرَفَةَ بعرَفَةَ قائلًا يقول له: ترى هذا الزِّحام بالموقف؟ قال: نعم. قال: ما حَجَّ منهم إِلَّا رجلٌ واحد (١) تخلَّف عن الموقف، فحَجَّ بهمَّتِه، فوهَبَ الله لَهُ أَهْلَ الموقفِ. ما الشأنُ فيمَن سارَ ببدنه، إِنَّما الشأنُ فيمَنْ قَعَدَ بدنُهُ وسار بقلبه، حتى سَبَقَ الرَّكْبَ. مَنْ لي بمثل سيرك المُذَلَّلِ … تمشي رُوَيدًا وتجي في الأوَّلِ يا سائرين الى دار الأحباب قِفُوا للمنقطِعين، تحمَّلوا معكم رسائلَ المحصَرين، خُذُوا نَظْرَةً مِنِّي فَلَاقُوا بها الحِمَى. شعر: يا سائرين الى الحبيبِ ترفَّقُوا … فالقلبُ بينَ رحالكُم خلَّفْتُهُ ما لي سِوَى قلبي وفيكَ أَذَبْتُهُ … ما لي سِوى دَمْعِي وفيكَ سَكَبْتُهُ كان عُمَرُ بن عبد العزيز إِذا رأى مَن يسافرُ الى المدينة النبوية يقول له: أقرِئ رسولَ الله ﷺ مِنِّي السَّلامَ. ورُوي أنه كان يُبردُ (٢) عليه البريدَ من الشام. هذه الخيفُ وهاتيك مِنىً … فَتَرَفَّقْ أيُّها الحادي بنا واحْبِسِ الرَّكْبَ علينا سَاعَةً … نَنْدُبُ الرَّبْعَ ونَبْكِي الدِّمَنا فلِذا الموقِفِ أعْدَدْنا البُكَا … ولِذا اليوم الدُّموعُ (٣) تُقْتَنى أتراكُمْ في النَّقَا والمُنْحَنَى … أهْلَ سلْعٍ تذكُرونا ذِكْرَنا انقَطَعْنا ووصَلْتُم فاعْلَمُوا … واشْكُروا المنعِمَ يا أهْلَ مِنَى

стр. 417

قد خَسِرنا وَرَبِحتُم فصِلُوا … بفضُولِ الرِّبْح مَن قد غُبِنا سار قلبي خَلْفَ أحمالكُمُ (١) … غيْرَ أنَّ العُذْرَ عَاقَ البدَنا ما قَطعْتُمْ وادِياً إِلَّا وَقَدْ … جئتُه أَسْعَى بأقْدَامِ المُنَى آه! واشوقي إِلى ذاك الحِمَى … شوقَ مَحْرُومٍ وقد ذَاقَ العَنَا سلِّموا عنِّي على أربابهِ … أخبرُوهُمْ أنَّني حِلْفُ الضَّنَا أنا مُذ غِبْتُم على تذكارِكُم … أَتُرَى عندَكُمُ ما عندَنا بيننا يومَ أَثيلاتِ النَّقا … كان عن غير تراضٍ بيننا زمنًا كان وكُنَّا جِيرةً … فأعادَ الله ذاكَ الزَّمنا مَنْ شَاهَدَ تلك الدِّيار، وعايَنَ تلك الآثار، ثم انقطَعَ عنها، لم يمُتْ إِلَّا بالأسَفِ عليها، والحنين إِليها. ما أذكُرُ عَيْشَنا الَّذي قدْ سَلَفا … إِلَّا وَجَفَ القَلْبُ وَكَمْ قَدْ وَجَفا واهًا لزمانِنا الَّذي كان صَفَا (٢) … واأَسَفا لِرَدِّهِ واأَسَفا (٣) [مَن يرجِعُ دَهْرَنا بأَرْضِ الجزعِ … بين الأثلاثِ والرُّبا في سَلْعِ قالوا اصْبر وليس ذا في وُسْعِي … يا حُزْنُ أَقِم وأنتَ سِرْ يا دَمْعِي * * * يا ليتنا بزَمْزَم والحجْرِ … يا جيرتنا قُبيل يوم النَّفْرِ هل يرجع صافي ما مضى من عمري (٤) … أدري ما كان، ليتني لا أدري] (٥) * * *

стр. 418

المجلس الثالث فيما يقوم مقام الحجّ والعمرة عند العجز عنهما يُذْكَر بعد خروج الحاج في "صحيح البخاري" (١) عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء الفقراء إِلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: "ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ من الأموال بالدَّرَجَاتِ العُلَى والنَّعيم المُقيم، يُصَلُّون كما نُصَلِّي، ويصُومُون كما نصوم، ولهم (٢) فَضْلٌ من أموالٍ يَحُجُّون بها وَيَعتمِرون، ويجاهِدُون، ويَتَصَدَّقون. فقال رسولُ الله ﷺ : ألا أحدِّثُكم بما (٣) إِنْ أخذتم به لَحِقْتُمْ مَن سَبَقَكُم ولم "يُدْرِكْكُم أحَدٌ بعدَكُم، وكنْتُم خَيْرَ مَن أنتُم بينَ ظَهْرانَيْهِ؛ إِلَّا مَن عَمِلَ مِثْلَه: تُسبِّحون وتَحْمَدُون وتُكَبِّرون خَلْفَ كُلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين". وفي المسند (٤) وسنن النسائي عن أبي الدَّرداء ﵁، قال: قلنا: يا رسولَ اللهِ، ذهَبَ الأغنياء: بالأجْر، يحجُّون ولا نحجُّ، ويجاهِدُون ولا نُجاهِد، وبكذا وبكذا. فقال رسولُ الله ﷺ : "ألَا أَدلُّكُم على شيءٍ إِن أخذْتُم به جئتُم من أفْضَلِ ما يجيء به أحد منهم: أن تكبِّروا الله أربعًا وثلاثين، وتسبِّحوه ثلاثًا وثلاثين، وتَحْمَدُوه ثلاثًا وثلاثين في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ". المالُ لمن استعانَ به على طاعة الله وأنفقه في سُبُلِ (٥) الخيرات المقرِّبة إِلى الله، سببٌ موصِلٌ له إِلى الله، وهو لمن أنفَقَه في معاصي الله، واستعانَ به على نيل أغراضه المحرَّمة، أو اشتغل به عن طاعة الله، سببٌ قاطع له عن الله، كما قال أبو سليمان الدَّاراني: الدنيا حجابٌ عن الله لأعدائه، ومطيةٌ موصِلةٌ إِليه لأوليائه، فسبحان مَن جعل شيئًا واحدًا سببًا (٦) للاتصال به والانقطاع عنه. وقد مَدَحَ الله في

стр. 419

كتابه القِسْمَ الأول، وذَمَّ القسم الثاني، فقال في مدح الأولين: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٢)، والآيات في المعنى كثيرة جدًا. وقال في ذمِّ الآخرين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣). وقد قال ابن عباس ﵄: ليس أحدٌ لا يؤتي زكاة مالِه إِلَّا سألَ الرَّجْعَةَ عندَ الموت، ثم تلا هذه الآية. وأخبر الله عن أهل النَّار الذين يؤتى أحدهم كتابه بشماله أنَّه يقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (٤). والأحاديث في مَدْحِ من أنفَقَ مالَه في سبيل الطاعات (٥)، وفي ذَمِّ قن لم يؤدِّ حقَّ الله منه كثيرةٌ جدًّا. وقد قال ﷺ :"نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للرَّجُل الصَّالح" (٦). وقال: "الأكثرون هُمُ الأقلُّونَ يَوْمَ القِيامة، إِلَّا مَن قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شِماله ومِن خلفه، وقليلٌ ما هم" (٧). وقال: "إِنَّ هذا المالَ خَضِرةٌ حُلْوةٌ؟ فمن أَخَذَه بحقِّه وَوَضَعَه في حَقِّه، فنِعْمَ المَعُونَةُ هو. وإِن أخذَه بغير حقِّه، كان كالذي يأكُلُ ولا يشبَعُ" (٨). فالمؤمِنُ الذي يأخُذُ المالَ من حقِّه ويضَعُه في حقِّه، فلَهُ أَجْرُ ذلك كلِّه،

стр. 420

وكلما أنفق منه يبتغي به وَجْهَ الله فهو له صدقَةٌ يؤجَرُ عليها، حتى ما يُطعم نفسَه فهو له صَدَقَةٌ، وما يطعِمُ وَلَدَه فهو له صدقة، وما يُطْعِمُ أهلَه فهو له صدقة، وما يطعِمُ خادِمَه فهو له صَدَقَةٌ. وكان عامة أهلِ الأموال من أصحاب النبي ﷺ من هذا القِسم. قال أبو سليمان: كان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف خازنين من خزان الله تعالى في أرضه، ينفقان في طاعته، وكانت معاملتهما لله بقلوبهما. ورأس المنفقين أموالَهم في سبيل الله من هذه الأمة أبو بكر الصَّدِّيق ﵁، وفيه نزلت هذه الآية ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (١). وفي صحيح الحاكم (٢) عن ابن الزُّبير، قال: قال أبو قُحَافة لأبي بكر: أراك تُعتِقُ رِقابًا ضِعَافًا، فلو أنَّك إِذا فعلْتَ ما فعلْتَ أعتقْتَ رجالًا جُلدًا، يمنعونك وَيقُومُون دُونَك. فقال أبو بكر: يا أبت! إِنِّي إِنَّما أريدُ ما أريدُ. قال: وإِنَّما نزلت هذه الآيات فيه ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ (٣) إِلى آخر السورة. ورُوِي من وجهٍ آخر عن ابن الزبير، وخرَّجه الإِسماعيلي، ولفظُه أن أبا بكرٍ كان يبتاع الضَّعَفَةَ فيعتِقُهم، فقال له أبو قحافة: يا بني، لو ابتعت من يمنع ظهرك. فقال: يا أبتِ، مَنْعَ ظَهْرِي أريدُ. ونزلت فيه ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾، إِلى آخر السورة. وخرَّج أبو داود (٤) والترمذي من حديث عمر، قال: أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نتصدَّق، ووافَقَ ذلك عندِي مالًا، فقلْتُ: اليومَ أسبِقُ أبا بكر إِن سبقته يومًا. قال:

стр. 421

فجئت بنصف مالي، فقال رسولُ الله ﷺ : ما أبقيتَ لأهلك؟ قلْتُ: مثلَه. وإِنَّ أبا بكر أتى بكل ما عِندَه، فقال: يا أبا بكر: ما أبقيْتَ لأهلك؟ قال: أبقيْتُ لهم اللهَ ورسولَه. فقلت: لا أسابِقُه إِلى شيءٍ أبدًا. وخرَّج الإِمام أحمد (١) والنسائي وابنُ ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "ما نَفَعَني مالٌ قَطُّ ما نَفَعَنِي مالُ أبي بكرٍ". فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالِي إِلَّا لك يا رسولَ الله. وخرَّجه الترمذي (٢) بدون هذه الزيادة في آخره. وكان من المنفقين أموالَهُم في سبيل الله، عثمانُ بن عفان، ففي الترمذي (٣)، عن عبد الرحمن بن خباب، قال: "شَهِدْتُ النَّبيَّ ﷺ وهو يَحُثُّ على جيش العُسْرَةِ، فقام عثمان، فقال: يا رسولَ الله! عليَّ مائِةُ بعيرٍ بأَحْلاسها (٤) وأقتابِها في سبيل الله. ثم حَضَّ على الجيش، فقام عثمان، فقال: يا رسولَ الله! عليّ مائتا بعيرٍ بأَحْلاسِها وأَقْتابِها في سبيل الله (٥). ثم حَضَّ على الجيش، فقام عثمان، فقال: يا رسولَ الله! عليَّ ثلاثمائة بعيرٍ بأحلاسِها وأقتابِها في سبيل الله. قال: فرأيْتُ رسولَ الله ﷺ ينزل على المِنْبر، وهو يقول: ما على عثمان ما فَعَلَ بعدَ هذه، ما على عثمان ما فعل بعد هذه". وخرج الإِمام أحمد (٦) والترمذي من حديث عبد الرحمن بن سَمُرَة ﵁

стр. 422

أنَّ عثمان جاء إِلى النبي ﷺ بألف دينارٍ حينَ جَهَّزَ جيشَ العُسْرَة، فنثرها في حجْرِه. قال: فرأيتُ النبي ﷺ يقلِّبُها في حِجْره ويقول: ما ضَرَّ عثمان ما عمل (١) بَعْدَ هذا اليوم، مرتين. وكان منهم أيضًا عبد الرحمن بن عوف: وفي مسند الإِمام أحمد (٢) أنَّه قدِمَ له عِيرٌ إِلى المدينة، فارتجت لها المدينة، فسألَتْ عائشةُ عنها، وحدثت حديثًا عن النَّبيِّ ﷺ ، فبلغ عبد الرحمن فجَعَلَها كُلَّها في سبيل الله بأقتابها وأحلاسِها، وكانت سبعمائة راحلةٍ. وخرَّجه ابنُ سعدٍ (٣) من وجهٍ آخر فيه انقطاع، وعنده أنَّها كانت خمسمائة راحلةٍ. وخرَّج الترمذي (٤) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوفٍ، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان يقول، تعني لأزواجه: "إِنَّ أمرَكُنَّ لما يُهِمُّني بعدي، ولن يصبرَ عليكنَّ إِلَّا الصَّابرون". قال: ثم تقول عائشة لأبي سلمة: سقَى اللهُ أباكَ من سَلْسَبِيل الجنَّة. وكان قد وَصَلَ أزواجَ النَّبيِّ ﷺ بحديقةٍ (٥) بيعَت بأربعين ألفًا. وقال: حَسَنٌ غريب. وخرَّجه الحاكم (٦) وصححه. وخرَّج الإِمام أحمدُ أوَّلَه. وخرَّج الإِمام أحمد أيضًا والحاكم (٧) من حديث أُمِّ بكر بنت المِسْوَر بن مَخْرَمَةَ: أنَّ عبد الرحمن بن عوف باع أرضًا له من عثمان بأربعين ألف دينارٍ، فقسمها في فقراء بني زُهْرَةَ وفي المهاجرين وأمَّهات المؤمنين. قال المِسْوَر: فأتيت عائشةَ ﵂ بنصيبها من ذلك، فقالت لنا: إِني سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يحنُو عليكُنَّ بَعْدِي إِلَّا الصَّابرون، سَقَى الله ابنَ عَوْفٍ من سَلْسَبيل الجنَّة".

стр. 423

وخرَّج الإِمام أحمد (١) والحاكم (٢) من حديث أمِّ سَلَمة ﵂: أنَّ النبي ﷺ قال لأزواجه: "إِنَّ الذي يحنُو عليكن بعدِي هو الصَّادِقُ البارّ، اللهمَّ اسْقِ عبدَ الرحمن بن عوف من سَلْسَبيل الجنَّة". وخرَّجه ابنُ سعدٍ (٣)، وزاد: إِنَّ إِبراهيم بن سعدٍ، قال: حدثني بعضُ أهلي من ولد عبد الرحمن بن عَوْفٍ: أنَّ عبدَ الرحمن بن عَوْف باع أموالَهُ مِن كيْدَمَةَ (٤)، وهو سَهْمُه (٥) من بني النَّضير، بأربعين ألف دينار، فَقَسَمها على أزواج النبي ﷺ . وخرَّج الترمذي (٦) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵁: أنَّ أباه عبد الرحمن بن عوف أوْصَى بحديقةٍ لأمّهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألفٍ. وخرَّجه الحاكم (٧)، ولفظه: "بيعت بأربعين (٨) ألف دينارٍ". وأخبار الأجواد المنفقين أموالَهُم في سبيل الله مِن أصحاب رسولِ الله ﷺ يطولُ ذِكْرُها جدًّا، وكان الفقراء من الصَّحابة كلَّما رأوا أصحابَ الأموال منهم ينفقون أموالَهم فيما يُحبُّه الله؛ مِن الحَجِّ والاعتمار والجهاد في سبيل الله والعِتْق والصَّدقة والبِرِّ والصِّلة وغير ذلك من أنواع البِرِّ والطاعات والقربات، حَزِنُوا لما فاتَهُم مِن مُشَاركتهم في هذه الفضائل، وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه بذلك، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٩). نزلت هذه الآية بسبب قومٍ من فقراء المسلمين أتوا النَّبيَّ ﷺ -وهو يتجهَّزُ إِلى

стр. 424

غزوة تبوكَ، فطلبوا منه أن يحملَهم، فقال لهم: لا أجِدُ ما أحملُكُم عليه، فرَجعُوا وهم يبكون حزنًا على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله ﷺ . قال بعضُ العلماء: هذا واللهِ بكاءُ الرجال، بَكوا على فقدهم رواحِلَ يتحمَّلُون عليها إِلى الموت في مواطِنَ تُرَاقُ فيها الدِّماء في سبيل الله، وتنزعُ فيها رؤوس الرِّجال عن كواهلها بالسّيوف. فأمَّا مَن بَكَى على فَقْد حَظِّه من الدُّنيا وشهواتِهِ العاجلة، فذلك شبيهٌ ببكاء الأطفال والنساء على فَقْدِ حظوظهم العاجلة: سَهَرُ العُيونِ لِغَيْرِ وَجْهِكَ باطِلٌ … وبكاؤهُنَّ لِغَيْرِ فَقْدِكَ ضَائعُ إنما يحسُنُ البكاءُ والأسفُ على فَوَاتِ الدَّرجاتِ العُلَى والنَّعيم المقيم. قال بعضُهم: يُرَى رجلٌ في الجنَّة يبكي، فيُسْأَلُ عن حالِه، فيقول: كانت لي نفس واحِدةٌ قُتِلَتْ (١) في سبيل الله، وودِدْتُ أنَّه كانت لي نفوسٌ كثيرة تُقْتَلُ كلُّها في سبيله. غزا قومٌ في سبيل الله، فلمَّا صافُّوا عدوِّهم واقتتلوا، رأى كُلُّ واحدٍ منهم زوجتَهُ من الحُورِ قد فتحَتْ بابًا من السَّماء، وهي تستدعي صاحبَها إِليها وتحثُّه على القتال، فقُتلوا كلُّهم إِلَّا واحدًا. وكان كلَّما قُتِلَ منهم واحدٌ غُلِّق (٢) بابٌ وغابَتْ منه المرأة، فأُفْلِتَ آخِرُهم، فأغلَقَتْ تلك المرأةُ البابَ الباقي، وقالت: ما فاتَكَ يا شقي! فكان يبكي على حالِه إِلى أن مات، ولكنَّه أورثه ذلك طول الاجتهاد والحزن والأسف. على مِثْل لَيْلَى يَقْتُلُ المَرْءُ نفْسَهُ … وإِنْ كانَ مِن لَيْلَى علَى الهَجْر طَاوِيا لما سمِعَ الصَّحابة ﵃ قول الله ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٣) ﴿سَابِقُوا (٤) إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٥) فهِمُوا من ذلك أنَّ المراد أن يجتهدَ كُلُّ واحدٍ منهم أن يكونَ هو السابقَ لغيرِه إِلى هذه الكرامة، والمسارِعَ إِلى بلوغ هذه الدرجة العالية، فكان أحدُهم اذا رأى مَن يعمَلُ

стр. 425

عملًا يعجِزُ عنه، خَشِي أن يكونَ صاحِبُ ذلك العمل هو السابقَ له، فيحزنَ لفوات سَبْقِهِ. فكان تنافُسُهم في دَرَجَاتِ الآخرةِ واستباقُهم إِليها، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١). ثم جاء مَنْ بعدَهُم، فَعَكَسَ الأمْرَ، فصار تنافُسُهم في الدنيا الدنية وحظوظها الفانية. قال الحسن: إِذا رأيتَ الرجل ينافسك في الدُّنيا فنافِسْه في الآخرة. وقال وُهَيْب بن الوَرْد: إِن استطعْتَ ألا يسبقكَ إِلى اللهِ أحدٌ فافْعَلْ. وقال بعضُ السَّلَف: لو أنَّ رجلًا سَمِعَ بأحَدٍ أطوَعَ لله منه، كان ينبغي له أن يُحزِنَه ذلك. وقال غيرُه: لو أنَّ رجلًا سمِعَ برجُلٍ أطوَعَ لله منه فاَنْصَدَعَ قلبُه فمات، لم يكن ذلك بعجبٍ. قال رجلٌ لمالك بن دينار: رأيتُ في المنام مناديًا ينادي: أيُّها الناس! الرَّحيلَ الرحيلَ، فما رأيْتُ أحدًا يرتحِلُ إِلَّا محمد بن واسِعٍ؛ فصاح مالك وغُشي عليه ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٢). قال عمر بن عبد العزيز في حجةٍ حجَّها عند دَفْعِ الناس مِن عَرَفَةَ: ليس السَّابقُ اليومَ مَن سَبَقَ به بعيرهُ، إِنَّما السَّابقُ مَن غُفِرَ له. كان رأسُ السَّابقين إِلى الخيرات من هذه الأمَّة أبو بكر الصِّدِّيق ﵁، قال عمر: ما استبقنا إِلى شيءٍ من الخير إِلَّا سَبَقَنَا أبو بكرٍ، وكان سبَّاقًا بالخيرات. ثم كان السَّابق بعدَه إِلى الخيرات عُمر، وفي آخر حجَّةٍ حجَّها عُمَرُ جاء رجُلٌ لا يُعْرَفُ، كانوا يرونه مِن الجن، فرثاه بأبيات منها: فمن يَسْعَ أو يَرْكَبْ جناحَيْ نَعَامَةٍ .. لِيدْرِكَ ما قدَّمْتَ بالأمْسِ يُسْبَقِ صاحب الهمَّةِ العالية والنفس الشريفة التوَّاقَةِ لا يرضَى بالأشياء الدنية الفانية، وإِنَّما هِمَّتُه المسابقةُ إِلى الدَّرَجَاتِ الباقية الزاكية، التي لا تَفْنَى ولا يرجِعُ عن مطلوبِه، ولو تَلِفَتْ نفسُه في طلبه. ومن كان في الله تلفُهُ كان على الله خلَفُه. قيل لبعض المجتهدين في الطاعات: لِمَ تعذِّب هذا الجسد؟ قال: كرامتَهُ أريدُ.
следующие страницы →