← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فجئت بنصف مالي، فقال رسولُ الله ﷺ : ما أبقيتَ لأهلك؟ قلْتُ: مثلَه. وإِنَّ أبا بكر أتى بكل ما عِندَه، فقال: يا أبا بكر: ما أبقيْتَ لأهلك؟ قال: أبقيْتُ لهم اللهَ ورسولَه. فقلت: لا أسابِقُه إِلى شيءٍ أبدًا. وخرَّج الإِمام أحمد (١) والنسائي وابنُ ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "ما نَفَعَني مالٌ قَطُّ ما نَفَعَنِي مالُ أبي بكرٍ". فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالِي إِلَّا لك يا رسولَ الله. وخرَّجه الترمذي (٢) بدون هذه الزيادة في آخره. وكان من المنفقين أموالَهُم في سبيل الله، عثمانُ بن عفان، ففي الترمذي (٣)، عن عبد الرحمن بن خباب، قال: "شَهِدْتُ النَّبيَّ ﷺ وهو يَحُثُّ على جيش العُسْرَةِ، فقام عثمان، فقال: يا رسولَ الله! عليَّ مائِةُ بعيرٍ بأَحْلاسها (٤) وأقتابِها في سبيل الله. ثم حَضَّ على الجيش، فقام عثمان، فقال: يا رسولَ الله! عليّ مائتا بعيرٍ بأَحْلاسِها وأَقْتابِها في سبيل الله (٥). ثم حَضَّ على الجيش، فقام عثمان، فقال: يا رسولَ الله! عليَّ ثلاثمائة بعيرٍ بأحلاسِها وأقتابِها في سبيل الله. قال: فرأيْتُ رسولَ الله ﷺ ينزل على المِنْبر، وهو يقول: ما على عثمان ما فَعَلَ بعدَ هذه، ما على عثمان ما فعل بعد هذه". وخرج الإِمام أحمد (٦) والترمذي من حديث عبد الرحمن بن سَمُرَة ﵁

стр. 422

أنَّ عثمان جاء إِلى النبي ﷺ بألف دينارٍ حينَ جَهَّزَ جيشَ العُسْرَة، فنثرها في حجْرِه. قال: فرأيتُ النبي ﷺ يقلِّبُها في حِجْره ويقول: ما ضَرَّ عثمان ما عمل (١) بَعْدَ هذا اليوم، مرتين. وكان منهم أيضًا عبد الرحمن بن عوف: وفي مسند الإِمام أحمد (٢) أنَّه قدِمَ له عِيرٌ إِلى المدينة، فارتجت لها المدينة، فسألَتْ عائشةُ عنها، وحدثت حديثًا عن النَّبيِّ ﷺ ، فبلغ عبد الرحمن فجَعَلَها كُلَّها في سبيل الله بأقتابها وأحلاسِها، وكانت سبعمائة راحلةٍ. وخرَّجه ابنُ سعدٍ (٣) من وجهٍ آخر فيه انقطاع، وعنده أنَّها كانت خمسمائة راحلةٍ. وخرَّج الترمذي (٤) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوفٍ، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان يقول، تعني لأزواجه: "إِنَّ أمرَكُنَّ لما يُهِمُّني بعدي، ولن يصبرَ عليكنَّ إِلَّا الصَّابرون". قال: ثم تقول عائشة لأبي سلمة: سقَى اللهُ أباكَ من سَلْسَبِيل الجنَّة. وكان قد وَصَلَ أزواجَ النَّبيِّ ﷺ بحديقةٍ (٥) بيعَت بأربعين ألفًا. وقال: حَسَنٌ غريب. وخرَّجه الحاكم (٦) وصححه. وخرَّج الإِمام أحمدُ أوَّلَه. وخرَّج الإِمام أحمد أيضًا والحاكم (٧) من حديث أُمِّ بكر بنت المِسْوَر بن مَخْرَمَةَ: أنَّ عبد الرحمن بن عوف باع أرضًا له من عثمان بأربعين ألف دينارٍ، فقسمها في فقراء بني زُهْرَةَ وفي المهاجرين وأمَّهات المؤمنين. قال المِسْوَر: فأتيت عائشةَ ﵂ بنصيبها من ذلك، فقالت لنا: إِني سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يحنُو عليكُنَّ بَعْدِي إِلَّا الصَّابرون، سَقَى الله ابنَ عَوْفٍ من سَلْسَبيل الجنَّة".

стр. 423

وخرَّج الإِمام أحمد (١) والحاكم (٢) من حديث أمِّ سَلَمة ﵂: أنَّ النبي ﷺ قال لأزواجه: "إِنَّ الذي يحنُو عليكن بعدِي هو الصَّادِقُ البارّ، اللهمَّ اسْقِ عبدَ الرحمن بن عوف من سَلْسَبيل الجنَّة". وخرَّجه ابنُ سعدٍ (٣)، وزاد: إِنَّ إِبراهيم بن سعدٍ، قال: حدثني بعضُ أهلي من ولد عبد الرحمن بن عَوْفٍ: أنَّ عبدَ الرحمن بن عَوْف باع أموالَهُ مِن كيْدَمَةَ (٤)، وهو سَهْمُه (٥) من بني النَّضير، بأربعين ألف دينار، فَقَسَمها على أزواج النبي ﷺ . وخرَّج الترمذي (٦) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵁: أنَّ أباه عبد الرحمن بن عوف أوْصَى بحديقةٍ لأمّهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألفٍ. وخرَّجه الحاكم (٧)، ولفظه: "بيعت بأربعين (٨) ألف دينارٍ". وأخبار الأجواد المنفقين أموالَهُم في سبيل الله مِن أصحاب رسولِ الله ﷺ يطولُ ذِكْرُها جدًّا، وكان الفقراء من الصَّحابة كلَّما رأوا أصحابَ الأموال منهم ينفقون أموالَهم فيما يُحبُّه الله؛ مِن الحَجِّ والاعتمار والجهاد في سبيل الله والعِتْق والصَّدقة والبِرِّ والصِّلة وغير ذلك من أنواع البِرِّ والطاعات والقربات، حَزِنُوا لما فاتَهُم مِن مُشَاركتهم في هذه الفضائل، وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه بذلك، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٩). نزلت هذه الآية بسبب قومٍ من فقراء المسلمين أتوا النَّبيَّ ﷺ -وهو يتجهَّزُ إِلى

стр. 424

غزوة تبوكَ، فطلبوا منه أن يحملَهم، فقال لهم: لا أجِدُ ما أحملُكُم عليه، فرَجعُوا وهم يبكون حزنًا على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله ﷺ . قال بعضُ العلماء: هذا واللهِ بكاءُ الرجال، بَكوا على فقدهم رواحِلَ يتحمَّلُون عليها إِلى الموت في مواطِنَ تُرَاقُ فيها الدِّماء في سبيل الله، وتنزعُ فيها رؤوس الرِّجال عن كواهلها بالسّيوف. فأمَّا مَن بَكَى على فَقْد حَظِّه من الدُّنيا وشهواتِهِ العاجلة، فذلك شبيهٌ ببكاء الأطفال والنساء على فَقْدِ حظوظهم العاجلة: سَهَرُ العُيونِ لِغَيْرِ وَجْهِكَ باطِلٌ … وبكاؤهُنَّ لِغَيْرِ فَقْدِكَ ضَائعُ إنما يحسُنُ البكاءُ والأسفُ على فَوَاتِ الدَّرجاتِ العُلَى والنَّعيم المقيم. قال بعضُهم: يُرَى رجلٌ في الجنَّة يبكي، فيُسْأَلُ عن حالِه، فيقول: كانت لي نفس واحِدةٌ قُتِلَتْ (١) في سبيل الله، وودِدْتُ أنَّه كانت لي نفوسٌ كثيرة تُقْتَلُ كلُّها في سبيله. غزا قومٌ في سبيل الله، فلمَّا صافُّوا عدوِّهم واقتتلوا، رأى كُلُّ واحدٍ منهم زوجتَهُ من الحُورِ قد فتحَتْ بابًا من السَّماء، وهي تستدعي صاحبَها إِليها وتحثُّه على القتال، فقُتلوا كلُّهم إِلَّا واحدًا. وكان كلَّما قُتِلَ منهم واحدٌ غُلِّق (٢) بابٌ وغابَتْ منه المرأة، فأُفْلِتَ آخِرُهم، فأغلَقَتْ تلك المرأةُ البابَ الباقي، وقالت: ما فاتَكَ يا شقي! فكان يبكي على حالِه إِلى أن مات، ولكنَّه أورثه ذلك طول الاجتهاد والحزن والأسف. على مِثْل لَيْلَى يَقْتُلُ المَرْءُ نفْسَهُ … وإِنْ كانَ مِن لَيْلَى علَى الهَجْر طَاوِيا لما سمِعَ الصَّحابة ﵃ قول الله ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٣) ﴿سَابِقُوا (٤) إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٥) فهِمُوا من ذلك أنَّ المراد أن يجتهدَ كُلُّ واحدٍ منهم أن يكونَ هو السابقَ لغيرِه إِلى هذه الكرامة، والمسارِعَ إِلى بلوغ هذه الدرجة العالية، فكان أحدُهم اذا رأى مَن يعمَلُ

стр. 425

عملًا يعجِزُ عنه، خَشِي أن يكونَ صاحِبُ ذلك العمل هو السابقَ له، فيحزنَ لفوات سَبْقِهِ. فكان تنافُسُهم في دَرَجَاتِ الآخرةِ واستباقُهم إِليها، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١). ثم جاء مَنْ بعدَهُم، فَعَكَسَ الأمْرَ، فصار تنافُسُهم في الدنيا الدنية وحظوظها الفانية. قال الحسن: إِذا رأيتَ الرجل ينافسك في الدُّنيا فنافِسْه في الآخرة. وقال وُهَيْب بن الوَرْد: إِن استطعْتَ ألا يسبقكَ إِلى اللهِ أحدٌ فافْعَلْ. وقال بعضُ السَّلَف: لو أنَّ رجلًا سَمِعَ بأحَدٍ أطوَعَ لله منه، كان ينبغي له أن يُحزِنَه ذلك. وقال غيرُه: لو أنَّ رجلًا سمِعَ برجُلٍ أطوَعَ لله منه فاَنْصَدَعَ قلبُه فمات، لم يكن ذلك بعجبٍ. قال رجلٌ لمالك بن دينار: رأيتُ في المنام مناديًا ينادي: أيُّها الناس! الرَّحيلَ الرحيلَ، فما رأيْتُ أحدًا يرتحِلُ إِلَّا محمد بن واسِعٍ؛ فصاح مالك وغُشي عليه ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٢). قال عمر بن عبد العزيز في حجةٍ حجَّها عند دَفْعِ الناس مِن عَرَفَةَ: ليس السَّابقُ اليومَ مَن سَبَقَ به بعيرهُ، إِنَّما السَّابقُ مَن غُفِرَ له. كان رأسُ السَّابقين إِلى الخيرات من هذه الأمَّة أبو بكر الصِّدِّيق ﵁، قال عمر: ما استبقنا إِلى شيءٍ من الخير إِلَّا سَبَقَنَا أبو بكرٍ، وكان سبَّاقًا بالخيرات. ثم كان السَّابق بعدَه إِلى الخيرات عُمر، وفي آخر حجَّةٍ حجَّها عُمَرُ جاء رجُلٌ لا يُعْرَفُ، كانوا يرونه مِن الجن، فرثاه بأبيات منها: فمن يَسْعَ أو يَرْكَبْ جناحَيْ نَعَامَةٍ .. لِيدْرِكَ ما قدَّمْتَ بالأمْسِ يُسْبَقِ صاحب الهمَّةِ العالية والنفس الشريفة التوَّاقَةِ لا يرضَى بالأشياء الدنية الفانية، وإِنَّما هِمَّتُه المسابقةُ إِلى الدَّرَجَاتِ الباقية الزاكية، التي لا تَفْنَى ولا يرجِعُ عن مطلوبِه، ولو تَلِفَتْ نفسُه في طلبه. ومن كان في الله تلفُهُ كان على الله خلَفُه. قيل لبعض المجتهدين في الطاعات: لِمَ تعذِّب هذا الجسد؟ قال: كرامتَهُ أريدُ.

стр. 426

وإِذا كانت النُّفُوسُ كِبَارًا … تَعِبَتْ في مُرَادِها الأَجْسَامُ (١) قال عمر بن عبد العزيز: إِنَّ لي نفسًا تَوَّاقةً، ما نالَتْ شيئًا إِلَّا تاقَتْ إِلى ما هو أفضلُ منه، وإِنَّها لمَّا نالَتْ هذه المنزِلَة - يعني الخلافة - وليس في الدنيا منزلةٌ أعلَى منها، تاقَتْ إِلى ما هو أعلى من الدنيا، يعني الآخِرَةَ. على قدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تأتي العَزَائمُ … وتأتي علَى قدْرِ الكِرامِ المكارِمُ (٢) قِيمةُ كُلِّ إِنسان ما يطلُبُ؛ فمن كان يطلبُ الدنيا فلا أدنى منه؛ فإِنَّ الدنيا دنيَّة، وأدنَى منها مَن يطلبها، وهي خسِيسَةٌ؛ وأخسُّ منها من يخطُبُها (٣). قال بعضُهم: القلوبُ جوَّالةٌ، فقلْبٌ يجولُ حولَ العَرْشِ، وقلْبٌ يجولُ حول الحشِّ (٤). الدُّنيا كلُّها حشٌّ، وكُلُّ ما فيها من مَطْعَمٍ ومَشْربٍ يؤول إِلى الحشّ، وما فيها من أجسامٍ ولباسٍ يصير ترابًا، كما قيل (٥): * وَكُلُّ الَّذي فَوْقَ التُّرابِ تُرَابُ * وقال بعضُهم في يوم عيدٍ لإِخوانه: هل تنظرون إِلَّا خِرَقًا تبلَى، أو لحمًا يأكلُه الدُّود غدًا. وأمَّا مَن كان يطلبُ الآخرة فقدْرُهُ خطيرٌ؛ لأنَّ الآخِرَةَ خطيرةٌ شريفةٌ؛ ومن يطلبها أشْرفُ منها، كما قيل: أُثامِنُ (٦) بالنَّفْسِ النَّفيسة ربَّها … وليس لها في الخَلْقِ كُلِّهم ثَمَنْ

стр. 427

بها تدركُ الأخرى فإِنْ أنا بِعتُها … بشيءٍ مِن الدُّنيا فذاكَ هو الغَبَنْ لئن ذهَبَتْ نفسِي بِدُنيا أصبْتُها … لقد ذَهَبَتْ نَفْسِي وقد ذَهَبَ الثَّمَنْ وأمَّا مَن كان يطلبُ اللهَ فهو أكبَرُ النَّاسِ عندَه، كما أنَّ مطلوَبهُ أكبَرُ مِن كُلِّ شيءٍ كما قيل: لَهُ هِمَمٌ لا مُنْتَهَى لكبارِها … وهِمَّتُه الصُّغْرَى أَجَلُّ مِنَ الدَّهْرِ قال الشِّبْلِيُّ: مَن رَكَنَ إِلى الدنيا أحرقَتْه بنارِها، فصار رَمَادًا تذرُوه الرِّياحُ؛ ومن رَكَنَ إِلى الآخِرة أَحرَقَتْه بنورِها، فصار سَبيكةَ ذَهَب يُنْتَفَعُ به؛ ومَن رَكَنَ إِلى الله أحرَقَهُ بنور (١) التوحيد، فصار جوهرًا لا قِيمَةَ له. العاليَ الهِمَّة يجتَهِدُ في نَيْل مطلوبِهِ، ويبذُلُ وُسْعَهُ في الوصول إِلى رِضَا محبوبه. فأمَّا خسِيسُ الهِمَّةِ فاجتهادُه في متابعة هواهُ، ويتَّكِلُ على مجرَّد العفو، فيفوته إِن حصَلَ له العفو منازلُ السَّابقين المقرَّبين. قال بعضُ السَّلف: هَبْ أنَّ المسيءَ عُفِي عنه، أليس قد فاتَهُ ثوابُ المحسنين؟ فيا مُذنبًا يرجُو مِنَ الله عَفْوَهُ … أَتَرْضَى بسبقِ المتقين إِلى اللهِ لمَّا تنافَسَ المتنافسون في نيل الدَّرجاتِ، غَبَطَ بعضُهم بعضًا بالأعمال الصَّالحات. قال النبي ﷺ : "لا حَسَدَ إِلَّا في اثْنتين؛ رَجُلٌ آتاهُ اللهُ مالًا فهو يُنْفِقُهُ في سبيل الله آناءَ اللَّيل وآناءَ النَّهارِ، ورجلٌ آتاهُ الله القرآنَ فهو يَقُومُ به آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهار". وفي رواية: "لا تحاسُدَ إِلَّا في اثْنتين؛ رجلٌ آتاه الله القرآنَ فهو يتلُوه آناءَ اللَّيل والنَّهار، يقول: لو أوتِيتُ مثلَ ما أُوتِي هذا لفعلْتُ كما يفعَلُ؛ ورجُلٌ آتاهُ اللهُ مالًا فهو يُنْفِقُه في حَقِّه، يقول: لو أُوتيتُ مِثْلَ ما أوتِي هذا لَفَعَلْتُ كما يَفْعَلُ". وهذا الحديث في الصحيحين (٢).

стр. 428

وفي الترمذي (١) وغيرِه عن النبي ﷺ ، قال: "إِنَّما مَثَلُ هذه الأمَّة كأربَعَةِ نَفَرٍ؛ رجلٍ آتاهُ الله مالًا وعِلْمًا، فهو يَعْمَلُ بِعِلْمِه في مالِه يُنْفِقُه في حقِّه؛ ورجُلٍ آتاهُ. الله عِلْمًا ولم يؤتِه مالًا، وهو يقول: لو كان لي مثلُ هذا لَعَمِلْتُ فيه مثلَ الَّذي يعمَلُ. قال رسول الله ﷺ : فهما في الأَجْرِ سَوَاءٌ. ورجلٍ آتاهُ الله مالًا ولم يؤتِه عِلْمًا، فهو يَخْبِطُ في مالِهِ يُنْفِقُه في غَيْرِ حَقِّه. ورجلٍ لم يؤتهِ اللهُ عِلْمًا ولا مالًا، فهو يقول: لو كان لي مالُ (٢) هذا عَمِلْتُ فيه مِثْلَ الَّذي يَعْمَلُ. قال رسول الله ﷺ : فهما في الوِزْرِ سَواءٌ". وروى حُمَيْد بن زَنْجَوَيه (٣) بإِسناده، عن زيد بن أسلم، قال: يؤتَى يومَ القيامة بفقيرٍ وغنيٍّ اصطحبا في الله، فيوجَدُ للغني فَضْلُ عَمَلٍ فيما كان يصنَعُ في ماله، فيُرفَعُ على صاحبه، فيقولُ الفقير: ياربّ! لِمَ رَفعتَهُ؟ وإِنَّما اصطحبنا فيك، وعَمِلْنا لك. فيقول الله تعالى: له فَضْلُ عَمَلٍ بما صَنَعَ في ماله، فيقول: ياربّ! لقد علمْتَ لو أعطيْتَني مالًا لصنَعْتُ مثلَ ما صنع، فيقول: صدَقَ، فارفعوه إِلى منزلة صاحبه. ويؤتى بمريضٍ وصحيحٍ اصطحبا في الله، فيرفَعُ الصَّحيحُ بفضلِ عمله، فيقول المريض: يا ربِّ! لِمَ رَفعْتَه عليَّ؟ فيقول: بما كان يعمَلُ في صحته. فيقول: يا ربّ! لقد عَلِمْتَ لو أَصْحَحْتني لعمِلْتُ كما عَمِلَ، فيقول الله: صَدَقَ فارفعُوه إِلى درجة صاحبه. ويؤتى بِحُرٍّ ومملوكٍ اصطحبا [في الله] (٤) فيقولُ مثل ذلك. ويؤتى بحَسَنِ الخُلُقِ وسيئ الخُلُقِ، فيقول: يا ربِّ! لمَ رفعْتَه عليَّ، وإِنَّما اصطحبنا فيك وعملنا؟ فيقول: بحُسْنِ خُلُقِه، فَلا يجِدُ له جوابًا. العاقِلُ يغبِطُ من أنفَقَ ماله (٥) في سبيل الخيرات ونيل علوِّ الدَّرجات، والجاهلُ يغبِطُ مَن أَنْفَقَ مالَه في الشَّهوات وتوصَّل به إِلى اللَّذَّاتِ المحرَّمات. قال الله تعالى

стр. 429

حاكيًا عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (١) إِلى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). فلمَّا رأى النَّبيُّ ﷺ تأَسُّفَ أصحابه الفقراءِ وحُزنَهم على ما فاتَهم من إِنفاق إِخوانهم الأغنياءِ أموالَهم في سبيل الله تقرُّبًا إِليه وابتغاءً لمرضاتِهِ، طَيَّبَ قلوبَهم ودلَّهم على عملٍ يسيرٍ يُدرِكُون به عن سَبَقَهم ولا يلحَقُهم معه أحَدٌ بعدَهم، ويكونون به خيرًا مِمَّن هم معه إِلَّا مَن عمِلَ مثلَ عملِهم، وهو الذِّكر عَقيبَ (٣) الصَّلوات المفروضات، وقد اختلفَتِ الرواياتُ في أنواعِه وعددِه. والأخذُ بكُلِّ ما ورد مِن ذلك حَسَنٌ ولَهُ فضلٌ عظيمٌ. وفي حديث أبي هريرة هذا أنَّهم يسبِّحون ويحمَدُون ويكبِّرون خَلْفَ كُلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين. وقد فسَّره أبو صالحٍ راويه عنهُ بالجمع، وهو أن يقولَ: سبحان الله، والحمدُ لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين مرَّةً، فيكون جُمْلَةُ ذلك تسعًا وتسعين. وقد يستشكل على هذا حديثُ أنَّ رجلًا سأل النبي ﷺ عمَّا يعدِلُ الجِهادَ، فقال: "هل تَسْتَطِيعُ إِذا خَرَجَ المجاهِدُ أنْ تصومَ فلا تُفْطِر، وتَقُومَ ولا تَفْتُرَ" (٤). وهو حديثٌ ثابت صحيح أيضًا. فلم يجعل للجهاد عَدْلًا سوى الصِّيام الدَّائم والقيام الدَّائم. وفي هذا الحديث قد جَعَلَ الذِّكْر عقِيبَ الصَّلوات عِدْلًا له. والجمع بين ذلك كُلِّه أنَّ النبي ﷺ لم يجعل للجِّهاد في زمانه عملًا يعدِلُه، بحيث إِذا انقضى الجهاد انقضَى ذلك العمل، واستوى العاملُ مع المجاهد في الأجر، وإِنَّما جعل الذي يعدِلُ الجهادَ الذكرَ الكثيرَ المستدامَ في بقية عمر المؤمن من غير قطعٍ له حتى يأتي صاحبَه أجلُه، فإِذا استمَرَّ على هذا الذِّكر في أوقاته إِلى أن مات عليه عَدَلَ ذكرُه هذا الجهادَ.

стр. 430

وقد دَلَّ على ذلك أيضًا ما خرَّجَهُ الإِمامُ أحمدُ (١) والترمذيّ من حديث أبي الدَّرْدَاء، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ألا أنبِّئُكُم بخيرِ أعمالِكُم، وأزكاها عندَ مليكِكُمْ، وأرفعِها في دَرَجَاتِكم، وخَيْرٍ لكُم من إِنفاق الذَّهب والوَرِق، وخيرٍ لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم فتضربُوا أعناقَهُم ويَضْرِبوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى، يا رسولَ الله. قال: ذِكْرُ اللهِ ". وخرَّجه مالك في "الموطأ" (٢) موقوفًا. وخرَّج الإِمام أحمد (٣) والترمذي أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ "أنَّ النبي ﷺ سئل: أيُّ العِبادِ (٤) أفضَلُ دَرَجَةً عند اللهِ يَوْمَ القِيامة؟ قال: الذَّاكِرُون اللهَ كَثيرًا. قلت: يا رسولَ الله! ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: لو ضَرَبَ بسَيْفِه الكُفَّار والمشركينَ حتَّى يَنْكَسِرَ ويَخْتَضِبَ دَمًا، لكان الذَّاكرون الله أفضَلَ منه دَرَجَةً". وقد رُوِي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ﵁ وطائفةٍ من الصَّحابة موقوفًا. وإِن الذِّكْرَ لله أفضلُ من الصَّدقة بعدَّتِه دراهمَ ودنانيرَ، ومن النفقة في سبيل الله. وقيل لأبي الدَّرداء ﵁: رجلٌ أعتَقَ مائة نَسَمَةٍ. قال: إِنَّ مائة نَسَمةٍ من مال رجلٍ كثيرٌ، وأفضَلُ من ذلك إِيمانٌ ملزُومٌ بالليل والنهار، وأن لا يزالَ لسانُ أحدكم رَطْبًا من ذكر الله . وعنه قال: لأنْ أقولَ "لا إِله إِلَّا الله والله أكبر" مائة مرة أحَبُّ إِليَّ من أن أتصدَّقَ بمائة دينارٍ. ويُروى مرفوعًا وموقوفًا من غير وجهٍ. مَن فاتَهُ اللَّيلُ أن يكابدَه، وبخِلَ بماله (٥)

стр. 431

أن ينفِقَه، وجَبُنَ عن عَدُوِّه أن يقاتلَه، فليكثر من "سبحانَ الله وبحمده"؛ فإِنَّها أحَبُّ إِلى الله من جَبَلِ ذهبٍ أو فضّةٍ يُنفقه في سبيل الله . وذِكْرُ اللهِ من أفضل أنواع الصَّدَقة. وخرَّج الطبراني (١) عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "ما صدَقَةٌ أفضَلُ من ذِكْرِ الله ". وقد قال طائفة من السَّلف في قول الله : ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٢): إِنَّ القرضَ الحسَنَ قولُ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إِلا الله، والله أكبر. وفي مراسِيلِ الحسن، عن النبي ﷺ ، قال: "ما أنفَقَ عبدٌ نفقَةً أفضَلَ عندَ الله من قولٍ ليس من القرآن وهو من القرآن: "سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إِلَّا الله، والله أكبر" (٣). وروى عبد الرزَّاق في كتابه (٤)، عن مَعْمَر، عن قَتَادَةَ، قال: قال ناسٌ مِن فقراء المؤمنين: يا رسولَ الله! ذهَبَ أصحابُ الدُّثور بالأُجور؛ يتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويُنْفِقون ولا نُنْفِق. فقال: أرأيتم لو أنَّ مالَ الدنيا وُضِعَ بعضُه على بعض أكان بالغًا السَّماءَ؟ قالوا: لا يا رسولَ الله! قال: أفلا أخبركم بشيءٍ أصْلُهُ في الأرض وفَرعُهُ في السَّماء؛ أن تقولوا في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ: لا إِله إِلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمدُ لله، عشرَ مرات؛ فإِنَّ أصْلَهُنَّ في الأرض وفرْعُهن في السَّماء. وقد كان بعضُ الصَّحابة يظنُّ أن لا صدقَةَ إِلَّا بالمال، فأَخْبرَه النَّبيُّ ﷺ أنَّ الصَّدَقة لا تختصُّ بالمال، وأن الذِّكر وسائرَ أعمال المعروف صَدَقَةٌ، كما في صحيح مسلمٍ (٥) عن أبي ذَرٍّ ﵁: "أنَّ ناسًا مِن أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، قالوا: يا رسولَ اللهِ! ذَهَبَ أهلُ الدُّثور بالأُجُور، يُصَلُّون كما نصلِّي، ويَصُومُون كما نَصُوم،

стр. 432

ويتَصَدَّقُون بفُضُولِ أموالهم. فقال النبيُّ ﷺ : أَوَلَيْسَ قد جَعَلَ الله لكم (١) ما تتصدَّقُون به؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تكبيرةٍ صَدَقَةً، [وكُلِّ تحميدَةٍ صدقةً] (٢)، وكُلِّ تهليلَةٍ صَدَقَةً؛ وأَمْرٌ بالمعروفِ صدَقَةٌ، ونَهْيٌ عن مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ؛ وفي بُضْعِ أَحَدِكُم صَدَقَةٌ" (٣). وفي "المسند" (٤) عنه أنَّه قال: يا رسولَ الله! الأغنياء يتصدَّقون ولا نتصدَّقُ. قال: "وأنتَ فيك صدقة؛ رفعُكَ العَظْمَ عن الطَّريق صدقةٌ، وهِدايتُكَ الطريقَ صدقةٌ، وعونُك الضعيفَ بفضل قوَّتك صدقَةٌ، وبيانُكَ عن الأَرتَمِ (٥) صدقة، ومُباضعَتُكَ امرأتَكَ صدقَةٌ". وفي المعنى أحاديث كثيرة جدًّا يطول ذكرها. واعلم أنَّ من عَجَزَ عن عَمَلِ خيرٍ، وتأسَّفَ عليه، وتمنَّى حُصُولَهُ، كان شريكًا لفاعله في الأجر، كما تقدَّم (٦) في الذي قال: "لو كان لي مالٌ لعمِلْتُ فيه ما عمِلَ فلانٌ … " أنَّهما سواءٌ في الأجر والوِزْر. وقد قيل: إِنَّهما سواءٌ في أصل الأجر دون المضاعفة؛ فإِنَّها تختصُّ بالعامل، فمن هنا كان أربابُ الهِمَمِ العالية لا يَرضَوْنَ بمجرَّد هذه المشارَكَةِ، ويطلبون أن يعملوا أعمالًا تقاوم الأعمالَ التي عَجَزُوا عنها؛ ليفوزوا بثوابٍ يقاومُ ثوابَ تلك الأعمال، ويضاعَفُ لهم كما يضاعف لأولئك، فيستووا هم وأولئك العُمَّال في الأجر كُلِّه.

стр. 433

وقد كان بعضُ من يقعُدُ عن الجهاد من امرأةٍ وضعيفٍ في عهد النَّبيِّ ﷺ يسألُه عن عَمَلٍ يَعدِلُ الجِهادَ. وفاتَ بعضَ النساءِ الحجُّ مع النبيّ ﷺ ، فلمَّا قدِمَ سألَتْهُ عمَّا يجزئُ من تلك الحجَّةِ، قال: "اعْتَمِري في رَمَضَانَ؛ فإِنَّ عُمْرَةً في رَمَضان تعدِلُ حجَّةً، أو حجَّةً معي" (١). وقالت عائشة: "يا رسولَ الله! نَرَى الجهادَ أفضَلَ العَمَلِ، أفلا نجاهِدُ؟ قال: جهادُكُنَّ الحَجُّ والعُمْرَةُ" (٢). وكان منهم من إِذا تخلَّف عن الغزو، واجتهَدَ في مشاركة الغُزاةِ في أجرهم؛ فإِمَّا أن يُخرِجَ مكانه رَجُلًا بمالِهِ؛ وإِمَّا أن يُعينَ غازيًا؛ وإِمَّا أن يَخْلُفَه في أهلِهِ بخيرٍ. فإِنَّ. مَن فَعَلَ هذا كُلَّه فقد غَزَا. تصدَّق بعضُ الأغنياء بمالٍ كثيرٍ، فبلَغَ ذلك طائفةً من الصَّالحين، فاجتمعوا في مكانٍ، وحسِبوا ما تصدَّق (٣) بهِ من الدَّراهم، وصلّوا بَدَلَ كُلِّ درهمٍ تصدَّقَ به لله ركْعَةً. هكذا يكونُ اسْتِباقُ الخيرات والتنافسُ في عُلُوِّ الدرجات. كَذَاكَ الفَخْرُ يا هِمَمَ الرِّجالِ … تَعَالَيْ فاَنْظُري كيفَ التَّغالي سبحان مَن فَضَّلَ هذه الأمَّة وفَتَحَ لها على يَدَيْ نبيِّها، نبيِّ الرَّحمة، أبوابَ الفضائل الجمَّة؛ فما مِن عَمَلٍ عظيمٍ يقومُ به قومٌ ويعجِزُ عنه آخرون، إِلَّا وقد جَعَلَ اللهُ عَمَلًا يُقاوِمُه، أو يفضُلُ عليه، فتتساوى الأُمَّةُ كُلُّها في القُدرة عليه. لمَّا كان الجهادُ أفضَلَ الأعمالِ ولا قُدرَةَ لكثيرٍ من النَّاسِ عليه، كان الذِّكْرُ الكثيرُ الدَّائمُ يُساويه ويفضُلُ عليه، وكان العملُ في عَشْر ذي الحجَّةِ يفضُلُ عليه، إِلَّا مَن خَرَجَ بنفسِهِ ومالِهِ ولم يرجِعْ منهما بشيء.

стр. 434

لمَّا كان الحجُّ من أفضَلِ الأعمال، والنُّفوسُ تتوقُ إِليه؛ لِما وَضَعَ اللهُ في القلوب من الحنين إِلى ذلك البيت المُعَظَّم (١)، وكان كثير من النَّاسِ يعجِزُ عنه، ولا سيما كُلَّ عامٍ، شَرَعَ الله لعبادِهِ أعمالًا يبلُغُ (٢) أجرُها أَجْرَ الحجِّ، فيتعوَّضُ بذلك العاجزون عن التطوُّع بالحجِّ. ففي الترمذيِّ (٣)، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَن صلَّى الصُّبْحَ في جماعةٍ (٤)، ثمَّ جَلَسَ في مُصَلَّاه يذكُرُ اللهَ حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ، ثم صلَّى ركعتين، كان له مثلُ أَجْرِ حجةٍ وعُمرةٍ تامَّةٍ. قال رسولُ الله ﷺ : تَامَّةٍ، تامَّةٍ، تامَّةٍ". شُهُودُ الجُمُعة يَعْدِلُ حجَّةَ تطوُّعٍ؛ قال سعيد بن المسيِّب: هو أحبُّ إِليَّ من حجَّةٍ نافلةٍ؛ وقد جَعَلَ النَّبيُّ ﷺ المبكِّرَ (٥) إِليها كالمُهْدِي هديًا إِلى بيت الله الحرام. وفي حديث ضعيفٍ: "الجمعة حجُّ المساكين". وفي تاريخ ابن عساكر: عن الأوزاعي، قال: مَرَّ يونس بنُ مَيْسَرَة بنِ حَلْبَسَ بمقابِرِ "باب توما"، فقال: السَّلام عليكم يا أهلَ القبور، أنتم لنا سَلَفٌ، ونحن لكم تبَعٌ، فرحمنا الله وإِياكم، وغَفَرَ لنا ولكم، فكأنْ قد صِرْنا إِلى ما صِرْتم إِليه. فردَّ اللهُ الرُّوح إِلى رجُلٍ منهم، فأجابَه، فقال: طوبى لكم يا أهلَ الدنيا حين تحجُّون في الشهر أربع مِرارٍ (٦). قال: وإِلى أين يرحَمُكَ .. اللهُ؟ قال: إِلى الجمعة، أَمَا تعلمون أنَّها حجَّةٌ مبرورةٌ متقبَّلةٌ. قال: ما خير ما قدَّمتم؟ قال: الاستغفار يا أهلَ الدنيا. قال: فما يمنعك أن ترُدَّ السَّلامَ؟ قال: يا أهلَ الدنيا، السَّلام والحَسَنَاتُ قد رُفِعَتْ عنَّا، فلا في حَسَنةٍ نزيدُ، ولا في سيئةٍ ننقص؛ غَلِقَتْ (٧) رُهُونُنا، يا أهلَ الدنيا.

стр. 435

في سنن أبي داود (١)، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "مَن تطَهَّر في بيتِهِ، ثم خَرَجَ إِلى المسجد لأداءِ صَلاةٍ مكتوبةٍ، فأجرُه مثلُ أجرِ الحاجِّ المحرِمِ. وَمَنْ خَرَجَ لصلاة الضحى، كان له مثلُ أجرِ المعتمِر". وفي حديث أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ وصَّي رجلًا ببِرِّ أُمِّه، وقال له: أنت حاجُّ ومعتمِرٌ ومجاهِدٌ، يعني إِذا برَّها. وقال بعضُ الصحابة: الخروج إِلى العيد يومَ الفِطر يعْدِلُ عُمْرَةً، ويومَ الأَضْحَى يعْدِلُ حجَّةً. قال الحسن: مَشْيُكَ في حاجةِ أخيكَ المسلمِ خيرٌ لكَ من حجَّةٍ بعد حجَّةٍ. وقال عقبة بن عبد الغافر (٢): صلاةُ العِشاء في جماعة تَعْدِلُ حجَّةً، وصلاةُ الغدَاة في جماعةٍ تَعْدِلُ عُمْرَةً. وقال أبو هريرة لرجلٍ: بُكُورُكَ إِلى المسجد أحَبُّ إِليَّ من غزوتنا مع رسول الله ﷺ ؛ ذكره الإِمامُ أحمد. أداءُ الواجبات كلِّها أفضَلُ من التنفُّلِ بالحجِّ والعُمْرَةِ وغيرِهما؛ فإِنَّه ما تقرَّبَ العِبادُ إِلى الله تعالى بأحَبَّ إِليه مِن أداءِ ما افترضَ عليهم. وكثيرٌ من الناس يَهُونُ عليه التنفُّلُ بالحَجِّ والصَّدَقة ولا يهُون عليه أداءُ الواجبات من الديون وَرَدِّ المظالم، وكذلك يثقُلُ على كثيرٍ من النُّفوس التنزُّه عن كَسْبِ الحرامِ والشبهاتِ، ويَسْهُلُ عليها إِنفاق ذلك في الحَجِّ والصَّدقة. قال بعضُ السَّلفِ: تَرْكُ دانِقٍ (٣) مِمَّا يكرَهُهُ اللهُ أَحَبُّ إِليَّ من خمسمائة حجَّةٍ. كَفُّ الجوارِحِ عن المُحرَّمات أفضَلُ من التطوُّع بالحَجِّ وغيرِه، وهو أشَقُّ على النفوس. قال الفُضيل بن عياض: ما حَجٌّ ولا رِباطٌ ولا جهادٌ أشَدُّ مِن

стр. 436

حَبْس اللسان، ولو أصبحْت يهمُّكَ لسانُكَ أصبحْت في هَمٍّ شديدٍ. ليس الاعتبار بأعمال البِرِّ بالجوارح، إِنَّما الاعتبار بِبِرِّ (١) القلوب وتقواها، وتطهيرها عن الآثام. سَفَرُ الدنيا يقطعُ (٢) بسير الأبدان، وسَفَرُ الآخرة يقطع (٢) بسير القلوب. قال رجلٌ لبعض العارفين: قد قطعْتُ إِليك مسافةً، قال: ليس هذا الأمر بقطْعِ المسافات، فارِقْ نفسَكَ بخُطْوَةٍ وقد وصَلْت إِلى مقصودِك. سيْرُ القلوب أبلَغُ من سَيْر الأبدان. كم من واصلٍ ببدنه إِلى البيت وقلبُهُ منقطِعٌ عن رَبِّ البيت، وكم مِن قاعدٍ على فراشِهِ في بيته وقلبُه متَّصِلٌ بالمحلِّ الأعلى. جِسمى معي غيرَ أنَّ الرُّوحَ عِندَكُمُ … فالجِسْمُ في غُرْبَةٍ والرُّوحُ في وَطنِ قال بعضُ العارفين: عجبًا لمن يقطَعُ المفاوِزَ والقِفار؛ ليصِلَ إِلى البيت فيشاهِدَ فيه آثارَ الأنبياء، كيف لا يقطَعُ هواهُ ليصِل إِلى قلبه فيَرَى فيه أثَرَ "ويسمعني قلبُ عَبْدِي المؤمن". أيُّها المؤمنُ، إِنَّ لله بين جنبيك بيتًا لو طَهَّرْته لأشرَقَ ذلك البيتُ بنورِ رَبِّه وانشرح وانْفَسَحَ. أنشد الشِّبْلِيُّ (٣): إِنَّ بيتًا أَنْتَ ساكِنُهُ … غَيْرُ مُحْتاجٍ إِلى السُّرُجِ ومريضًا (٤) أنْتَ عائِدُهُ … قَدْ أَتَاهُ الله بالفَرَجِ وَجْهُكَ المأمُولُ حُجَّتُنا … يومَ يأتي النَّاسُ (٥) بالحُججِ تطهيرُه (٦): تفريغُه مِن كُلِّ ما يكرَهُهُ اللهُ تعالى من أصنامِ النَّفس والهَوَى، ومتَى بقيَتْ فيه مِن ذلك بقيَّةٌ، فاللهُ أغنَى الأغنياء عن الشِّرْك، وهو لا يرْضَى بمزاحمة الأصنام. قال سهل بنُ عبد الله (٧): حرامٌ على قلبٍ أن يدخُلَهُ النُّورُ وفيه شيء مِمَّا يكرهُهُ اللهُ.

стр. 437

أردناكُمُ صِرْفًا فلمَّا مُزِجْتُمُ … بعُدْتُمْ بمقدارِ التِفاتِكُمُ عنَّا وقُلْنا لَكُمْ لا تُسْكِنُوا القَلْبَ غَيْرَنا … فأَسْكَنْتُمُ الأَغْيَارَ ما أَنْتُمُ مِنَّا إِخواني، إِنَّ. حُبِسْتُم العامَ عن الحَجِّ فاَرْجِعُوا إِلى جهادِ النُّفوس، فهو الجهاد الأكبر، أو أُحْصِرْتُم عن أداءِ النُّسُك فأرِيقُوا على تخلُّفكم من الدُّموع ما تيسَّر؛ فإِنَّ إِراقة الدِّماء لازمة (١) للمُحْصَر. ولا تحلِقُوا رؤوس أديانكم بالذنوب؛ فإِنَّ الذنوب حالِقَةُ الدِّين ليست حالِقَةَ الشعر. وقوموا لله باسْتِشْعار الرَّجاء والخوف مقامَ القيام بأرجاء الخَيفِ (٢) والمَشْعَرِ. ومن كان قد بَعُدَ عن حَرَم الله، فلا يُبعِد نفسَه بالذنوب عن رحمة الله، فإِنَّ رحمةَ الله قريبٌ مِمَّن تاب إِليه واستغفر. ومن عَجَزَ عن حَجِّ البيت أو البيت (٣) منه بعيد، فليقصد رَبَّ البيت؛ فإِنَّه ممن دَعَاهُ ورَجَاه أقرَبُ مِن حَبْل الوريد. إِليكَ قَصْدِيَ رَبَّ البيتِ والحَجَرِ … فأنْتَ سُؤليَ مِن حَجِّي ومِن عُمَرِي وفيكَ سَعْيي وتَطْوَافِي ومُزْدَلفي … والهَدْيُ جِسْمِي الذي يُغني عن الجُزُرِ ومسجِدُ الخَيفِ خَوْفي مِن تباعُدِكُم … وَمَشْعَري ومُقامي دونَكم خَطَرِي زادِي رَجَائي لكُم والشَّوقُ راحِلتي … والماءُ من عَبَراتِي والهَوَى سَفَري * * *

стр. 438

وظيفة شهر ذي القَعْدَة (١) خرَّج الإِمام أحمد (٢) بإِسناده عن رَجُلٍ من باهِلَةَ، قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ لحاجةٍ مَرَّةً، فقال: مَن أنْتَ؟ قلْتُ: أما تعرِفُني؟ قال: ومن أنتَ؟ قلْت: أنا الباهِليُّ الذي أتيتُك عامَ أوَّل. فقال: أنَّك أتيتني وجسمُكَ ولونُّك وهيئتُك حَسَنةٌ، فما بَلَغَ بك ما أرى؟ قُلْتُ: واللهِ ما أفطرْتُ بعدَك إِلَّا ليلًا (٣). قال: مَنْ أمَرَكَ أن تعذِّبَ نفسَك؟ من أمَرَك أن تُعذِّبَ نفسك؟ ثلاث مراتٍ، صُمْ شهرَ الصَّبْرِ [رمضان]. قلْتُ: إِنِّي أجِدُ قُوَّةً، وإِنِّي أحِبُّ أن تزِيدَني. قال: صُمْ يومًا من الشهر. قلْتُ: إِنِّي أجِدُ قُوَّةً، وإِنِّي أحِبُّ أن تزيدَني. قال: فيومين من الشهر. قلت: إِنِّي أجِدُ قُوَّةً، وإِني أحِبُّ أن تزيدني. قال: فثلاثة أيامٍ من الشهر. قال: وألَحَّ عند الرابعة (٤) فما كاد. فقلْتُ: إِنِّي أجِدُ قُوَّةً وإِني أحِبُّ أن تزيدَني. قال: فمِن الحُرُمِ وأفطِر. وخرَّجه أبو داود (٥) والنسائي وابن ماجه بمعناه، وفي ألفاظهم زيادةٌ ونقصٌ. وفي بعض الروايات "صُم الحُرُمَ وأفطِر".

стр. 439

في هذا الحديث دليلٌ على أنَّ من تكلَّف مِن العبادة ما يشقُّ عليه حتَّى تأذَّى بذلك جسَدُه؛ فإِنَّه غيرُ مأمورٍ بذلك، ولذلك قال النبي ﷺ له: "مَنْ أمرَكَ أن تعذِّب نفسَك؟ "، وأعادَها عليه ثلاث مرارٍ. وهذا كما قال لمن رآه يمشي في الحجّ وقد أجهَدَ نفسَه: "إِنَّ الله لغنِيٌّ عن "تعذيبِ هذا نفسَه، فَمُروه فلْيَرْكَب" (١). وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص حيثُ كان يصُومُ النَّهار، ويقومُ الليلَ، ويختم القرآن في كُلِّ ليلةٍ ولا ينام مع أهله، فأمَرَه أن يصومَ ويفطِرَ، ويقرأَ القرآن في كُلِّ سَبْعٍ. وقال له: "إِنَّ لنفسك عليك حقًّا، وإِنَّ لأهلك عليك حقًّا، فآتِ كُلَّ ذي حَقٍّ حقَّه" (٢). ولمَّا بلَغه عن بعض أصحابه أنه قال: أنا أصومُ ولا أُفطِر، وقال آخر منهم: أنا أقوم ولا أنام، وقال آخر منهم: لا أتزوَّج النِّساء. فخطَبَ، وقال: "ما بالُ رجالٍ يقولون كذا وكذا، لكنِّي أصومُ وأفطِرُ، وأقومُ وأنام، وآكلُ اللَّحْمَ، وأتزوَّج النساء؛ فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مِنِّي" (٣). وسببُ هذا أنَّ الله تعالى خَلَقَ ابنَ آدم محتاجًا إِلى ما يقوم به بدنُه؛ من مأكلٍ ومَشْرَبٍ ومنكِحٍ وملبسٍ، وأباح له من ذلك كُلِّه ما هو طيِّبٌ حلالٌ، تقوَى (٤) به النفسُ ويصحُّ به الجسَدُ، ويتعاونان على طاعة الله ، وحرَّم من ذلك ما هو ضارٌّ خبيثٌ يوجبُ للنفس طغيانَها وعَمَاهَا وقسوتَها وغفلَتها وأشَرَها وبَطَرَها، فمن أطاعَ نفسَه في تناول ما تشتهيه مِمَّا حرَّمه الله عليه، فقد تعدَّى وطَغَى وظلَم نَفْسَه، ومَن مَنَعها حقَّها من المباح حتى تضرَّرت بذلك، فقد ظلمها ومنعها حقَّها؛ فإِنْ كان ذلك سببًا لضعفها وعجزها عن أداء شي من فرائض الله عليه، ومن حقوق الله أو حقوق عبادِه، كان بذلك عاصِيًا، وإِن كان ذلك سببًا للعجز

стр. 440

عن نوافِلَ هي أفضَلُ مِمَّا فعَلَه، كان بذاك مفرِّطًا (١) مغبُونًا خاسِرًا. وقد كان رجلٌ في زمن التابعين يصومُ ويواصِلُ حتى يعجِزَ عن القيام؛ فكان يُصلِّي الفرْضَ جالسًا، فأنكروا ذلك عليه، حتى قال عمرو بن مَيْمون (٢): لو أدرَكَ هذا أصحابُ محمد ﷺ لرجموه. وكان ابن مسعودٍ يقِلُّ الصِّيامَ، ويقول: إِنَّه يُضعِفني عن قراءة القرآن، وقراءةُ القرآن أحَبُّ إِليّ. وأَحْرَمَ رَجُلٌ مِن الكوفة، فقدِمَ مكَّة وقد أصابَه الجهدُ، فرآه عمر بن الخطاب وهو سيئ الهيئة، فأخذ عمرُ بيده وجَعَلَ يدور به الحَلَقَ، ويقول للناس: انظروا إِلى ما يصنَعُ هذا بنفسه وقد وسَّع الله عليه!. فمن تكلَّفَ مِن التطوُّع ما يتضرَّرُ به في جسمِه، كما فعل هذا الباهِليُّ، أو منع به حقًّا واجبًا عليه، كما فعل عبدُ الله بن عمرو بن العاص وغيرُه ممن عزم على ترك المباحات في عهد النبي ﷺ ؛ فإِنَّه يُنْهَى عن ذلك. ومن احتمَلَ بدنُه ذلك ولم يمنَعْهُ مِن حقٍّ واجبٍ عليه لم يُنْهَ عن ذلك إِلَّا أن يمنَعَه عمَّا هو أفضَلُ من ذلك من النوافل؛ فإِنَّه يرشَدُ إِلى عَمَلِ الأفضَلِ. وأحوالُ الناس تختلف فيما تحمل (٣) أبدانُهم من العمل. كان سفيان الثوري يَصُوم ثلاثة أيامٍ من الشهر فيُرى أثرُ ذلك عليه، وكان غيرُه في زمنه يصومُ الدَّهْرَ فلا يظهرُ عليه أثرُه. وكان كثير من المتقدِّمين يحمِلون على أنفسهم من الأعمال ما يُضِرُّ بأجسادِهم ويحتسبون أجرَ ذلك عند الله، وهؤلاء قومٌ أهلُ صِدْقٍ وجدٍّ واجتهادٍ فيُحَيّون (٤) على ذلك، ولكن لا يُقْتدَى بهم، وإِنَّما يُقْتدَى بسنَّةِ رسول الله ﷺ ؛ فإِنَّ خيرَ الهَدْي هَدْيُهُ، ومن أَطاعه فقد اهتدَى، ومن اقتدَى به وسَلَكَ وراءه وَصَلَ إِلى الله .

стр. 441

وقد كان النبي ﷺ ينهى عن التعسير ويأمر بالتيسير، ودينُه الذي بُعِثَ به يُسْر. وكان يقولُ: خيرُ دينِكم أيسَرُه. ورأى رجُلًا يُكثِر الصَّلاة، فقال: إِنَّكم أمَّةٌ أريدَ بكم اليُسْر. ولم يكن أكثرُ تطوُّعِ النبي ﷺ وخواصّ أصحابه بكثرة الصَّوم والصَّلاة، بل بِبِرِّ القلوب وطهارتِها وسلامتها وقوَّة تعلُّقها بالله، خشيةً له ومحبَّةً، وإِجلالًا وتعظيمًا، ورغبةً فيما عنده، وزُهدًا فيما يفنَى. وفي "المسند" (١) عن عائشة ﵂: أنَّ النبي ﷺ ، قال: "إِنِّي أعلَمُكُم بالله وأتقاكُم له قلبًا". قال ابنُ مسعود ﵁ لأصحابه: أنتم أكثرُ صلاةً وصيامًا من أصحاب محمَّدٍ ﷺ وهم كانوا خيرًا منكم. قالوا: ولِمَ؟ قال: كانوا أزهَدَ منكم في الدُّنيا وأرغَبَ في الآخرة. وقال بكر المزنِيُّ (٢): ما سبَقَهم أبو بكرٍ بكثرة صيامٍ ولا صلاةٍ، ولكن بشيءٍ وَقَرَ في صَدْرِه. قال بعضُ العلماء المتقدِّمين: الذي وَقَرَ في صَدْرِه هو حُبُّ اللهِ والنصيحةُ لخلْقِه. وسئلت فاطمةُ بنتُ عبد الملك زوجَةُ عمر بن عبد العزيز بعدَ وفاته عن عمله، فقالت: والله، ما كان بأكثَرَ الناسِ صلاةً ولا بأكثرِهم صِيامًا، ولكن والله، ما رأيتُ أحدًا أخوَفَ لله من عُمَرَ، لقد كان يذكُر الله في فراشه فينتفِضُ انتفاضَ العصفور من شِدَّة الخوف، حتى نقولَ: ليُصْبِحَنَّ الناسُ ولا خليفَةَ لهم. قال بعضُ السلف: ما بلغ مَنْ بلَغَ عندنا بكثرةِ صلاةٍ ولا صيامٍ، ولكن بسخاوَةِ النفوسِ، وسَلامةِ الصُّدور، والنُّصحِ لِلأمَّة. وزاد بعضُهم: واحتقار أنفسِهم. وذُكِرَ لبعضهم شِدَّةُ اجتهادِ بني اسرائيلَ في العبادة، فقال: إِنَّما يريد الله منكم صِدْقَ النِّيَّة فيما عنده. فمن كان بالله أعرَفَ، وله أخوَفَ، وفيما عندَه أرغَبَ؛ فهو أفضَلُ مِمَّن دونه في ذلك، وإِن كَثُرَ صومُه وصلاتُه. قال أبو الدَّرداء ﵁: يا حبَّذا نوم

стр. 442

الأكياس (١) وفِطرُهم، كيفَ يسبِقُ سَهَرَ الجاهلين وصيامَهم. ولهذا المعنى كان فَضْلُ العلم النافع الدَّالِّ على معرفة الله وخشيته ومحبَّته ومحبَّةِ ما يُحبُّه وكراهة ما يكرهُهُ، لا سيما عند غلبة الجَهْلِ، والتعبُّد به، أفضَلَ من التطوُّع بأعمال الجوارح. قال ابن مسعودٍ ﵁: أنتم في زمانٍ العمَلُ فيه أفضَلُ من العلم، وسيأتي زمانٌ العِلْمُ فيه أفضَلُ مِن العمل. وقال مطرِّف: فَضْلُ العِلْم أحَبُّ إِليَّ مِن فَضْلِ العِبادة؛ وخيرُ دينكم الوَرَعُ. وخرَّجه الحاكم (٢) وغيرُه مرفوعًا. ونصَّ كثير من الأئمة على أنَّ طلبَ العلم أفضَلُ مِن صلاة النَّافِلَة، وكذلك الاشتغالُ بتطهير القلوب أفضَلُ من الاستكثار مِن الصَّوْم والصَّلاة مع غِشّ القلوب ودَغَلِها (٣). ومَثَلُ مَن يستكثِرُ مِن الصَّوم والصَّلاة مَعَ دَغَلِ القَلْب وغِشِّه، كمثَلِ مَن بَذَرَ بَذْرًا في أرضٍ دَغِلةٍ (٤) كثيرةِ الشَّوك، فلا يزكو ما ينبُتُ فيها مَن الزرع بل يمحَقُهُ دَغَلُ الأرض ويُفسِدُه، فإِذا نُطِّفَت الأرضُ من دَغَلِها زكا ما ينبُتُ فيها ونما. قال يحيى بن معاذ: كم من مستغفرٍ ممقوتٍ وساكتٍ مرحومٍ؛ هذا استغفَرَ وقلبُه فاجرٌ، وهذا سَكَتَ (٥) وقلبُه ذاكر. وقال غيرُه: ليس الشأن فيمن يقوم الليل، إِنَّما الشأنُ فيمن ينام على فراشِهِ ثم يصبح وقد سَبَقَ الركبَ. مَن سار على طريق الرسول ﷺ -ومنهاجه وإِن اقتصد، فإِنَّ يسبِقُ مَن سَارَ على غير طريقه وإِن اجتهَدَ. مَن لي بمثْلِ سَيْرِك المذلَّل … تمشِي رُويدًا وتجِي في الأوَّلِ والمقصود أنَّ هذا الباهلِيَّ لمَّا رآه النبيُّ ﷺ قد أَنهَكَهُ الصَّومُ وغيَّر هيئتَه، وأضرَّ به في جسَدِه، أمَرَهُ أوَّلًا أن يقتصِرَ على صيام شهر الصَّبْر، وهو شهرُ رمضانَ؛ فإِنَّه الشهرُ الذي افترضَ الله صيامَهُ على المسلمين، واكتفَى منهم بصيامه من السَّنَة كُلِّها؛

стр. 443

وصيامُه كفَّارةٌ لِمَا بينَ الرَّمضانين إِذا اجتنبتِ الكبائرُ. فطلبَ منه الباهِليُّ أن يزيدَه من الصِّيام ويأمرَه بالتطوُّع، وأخبَرَه أنَّه يجِدُ قوَّةً على الصِّيام، فقال له: صُم يوماً مِن الشهر، فاستزادَهُ، وقال: إِنِّي أجِدُ قوَّةً، فقال: صُم يومين مِن الشهر، فاستزاده، وقال: إِني أجِدُ قوَّةً، فقال: صُم ثلاثة أيَّامٍ من الشهر. قال: وألحَّ عند الثالثة فما كاد، يعني ما كاد يزيدُه على الثلاثة أيَّامٍ من الشهر. وهكذا قال لعبد الله بن عمرو بن العاص أيضًا؛ ففي "صحيح مسلم" (١) عنه: أنَّ النبي ﷺ قال له: صُم يوماً، يعني من الشهر، ولكَ أجْرُ ما بقي، قال: إِنِّي أطيقُ أكثرَ من ذلك، قال: صُم يومين ولك أجرُ ما بقي، قال: إِنِّي أطيقُ أكثَرَ من ذلك، قال: صُم ثلاثة أيام ولكَ أجرُ ما بقي. ففي هذا أنَّ صيام (٢) ثلاثة أيام من الشهر يحصُل به أجرُ صيامِ الشهر كُلِّه، وكذلك صيامُ يومين منه. ووجْهُ ذلك أنَّ الصِّيامَ يُضاعَفُ ما لا يُضاعَفُ غيرُه من الأعمال، وقد سبَقَ ذكرُ ذلك عند الكلام على حديث (كُلٌّ عملِ ابن آدم له الحسنة بعَشْرِ أمثالها إِلى سبعمائة ضعفٍ. قال الله : إِلاَّ الصِّيام فإِنَّه لي وأنا أجزي به" (٣). فالصِّيام لا يعلم منْتَهَى مضاعَفَتِه إِلاَّ الله . وكلَّما قوِيَ الإِخلاصُ فيه وإِخفاؤه وتنزيهه من المحرَّمات والمكروهات كثُرَتْ مضاعفَتُه، فلا يستنكر أن يصومَ الرجلُ يوماً من الشهر فيضاعَف له بثواب ثلاثين يومًا، فيكتب له صيام الشهر كلِّه. وكذلك إِذا صَامَ يومين من الشهر. وأمَّا إِذا صَامَ منه ثلاثة أيام فهو ظاهر؛ لأنَّ الحسنة بعشر أمثالها. وخرَّج الترمذي (٤) والنسائي عن أبي ذَرٍّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 444

"مَن صام من كل شهر ثلاثة أيام كان كمن صام الدهرَ، فأنزل الله تصديقَ ذلك: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١)، اليومُ بعشرة أيام". وفي "الصحيحين" (٢) عن عبد الله بن عمرو (٣) ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "صُم مِن الشَّهْر ثلاثةَ أيَّام؛ فإِنَّ الحسنة بعشْرِ أمثالها، وذلك مثلُ صِيام الدَّهرِ". وفي رواية فيهما أيضًا: "إِنَّ بِحَسْبِك أن تَصُومَ من كُلِّ شهر ثلاثةَ أيامٍ؛ فإِنَّ لك بكُلِّ حسنةٍ عشْرَ أمثالها، فإِذن ذلك صيامُ الدَّهر كلِّه". وفي "المسند" (٤) عن قرَّة المزني، عن النبي ﷺ ، قال: "صيامُ ثلاثة أيامٍ من كُلِّ شهر صيامُ الدَّهرِ وإِفطاره". يعني صيامَه في مضاعفة الله، وإِفطاره في رخصة الله، كما كان أبو هريرة وأبو ذَرٍّ ﵄ يقولان ذلك، وكانا يصومان ثلاثة أيام من كُلِّ شهر، ويقولان في سائر أيام الشهر: نحن صيام، ويتأوَّلان أنَّهما صيامٌ في مضاعفَةِ الله، وهما مفطران في رُخْصَة الله. وقد وصَّى النبي ﷺ جماعةً من أصحابه بصيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ منهم أبو هريرة وأبو الدَّرداء وأبو ذَرٍّ وغيرهم. وفي المسند أنَّ النبي ﷺ قال في صيام ثلاثة أيامٍ من كُلِّ شهرٍ: "هو صَوْمٌ حَسَنٌ". وفيه (٥) أيضًا عن أبي ذَرٍّ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: صومُ شهرِ الصَّبْرِ وثلاثةِ أيامٍ من كُلِّ شهرٍ صومُ الدَّهْر، ويُذهِبُ مَغَلَةَ الصَّدر. قلْتُ: وما مَغَلَةُ الصدر؟ قال رجسُ الشيطان. وفيه (٦) أيضًا: عن رجل، عن النبي ﷺ ، قال: "صيامُ شهرِ الصَّبْرِ وثلاثةِ أيامٍ من كُلِّ شهرٍ يُذْهِبْن كثيرًا من وَحَرِ الصَّدْر". وفي غير هذه

стр. 445

الرواية: "وَغْرَ الصَّدْر"، وهما بمعنىً واحدٍ، يقال: وحَرَ صدْرُه وَوَغَر، إِذا كان فيه غلٌّ وغِشٌّ. وقيل: الوَحَر: الغِلُّ، والوَغَرُ: الغَيْظُ. وقد كان النبي ﷺ يتحرَّى صيامَ ثلاثة أيامٍ من كُلِّ شهرٍ، وكذلك كان إِبراهيم ﵇. كما خرَّجه ابنُ ماجة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا، قال: صيامُ إِبراهيمَ ثلاثة أيام مِن كُلِّ شهرٍ، صام الدَّهْرَ وأفطَر الدَّهرَ. وفي السنن (١) عن حفصة ﵂: أنَّ النبي ﷺ كان يصوم العَشْرَ وعاشُوراءَ وثلاثَةَ أيَّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ؛ وفي إِسناده اختلافٌ. وفي "صحيح مسلم" (٢) عن عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كُلِّ شهرٍ. قيلَ لها: مِن أيِّهِ كان يصوم؟ قالت: كان لا يبالي من أيِّهِ صَامَ. ففي هذا الحديث أنَّه ﷺ لم يكن يبالي من أيِّ الشهر صَامَ الأيام الثلاثة. وقد رُوي في صفة صيام النبي ﷺ للأيام الثلاثة من الشهر أنواع أُخَرُ: أحدها: ما خرَّجه الترمذي (٣) من حديث عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يصومُ من الشهر السبت والأحَدَ والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس. وقال: حديث حسنٌ. وذكر أنَّ بعضهم رواه موقوفًا، يعني من فعل (٤) عائشة ﵂، غيرَ مرفوعٍ (٥). الثاني: ما خرَّجه أبو داود (٦) وغيرُه من حديث حفصَةَ أنَّ النبي ﷺ "كان يصوم

стр. 446

ثلاثة أيامٍ من كُلِّ شهرٍ؛ الاثنين والخميس، والاثنين من الجمعة الأخرى". فعلى هذه الرواية كان النبي ﷺ يجعلها من أوَّل الشهر ولا يوالي بينها. بل كان يتحرَّى بها يومَ الاثنين مرتين والخميس مرة. الثالث: عكسُ الثاني؛ خرَّجه النسائي (١) من حديث حفصة أيضًا أن النبي ﷺ "كان يصومُ من كُلِّ شهر ثلاثة أيام؛ أوَّل اثنين من الشهر، ثم الخميس، ثم الخميس الذي يليه". وفي رواية له (٢) أيضًا: أول اثنين من الشهر، وخميسين. وخرَّج أبو داود (٣) من حديث أم سَلَمَةَ عن النبي ﷺ معنَى ذلك. وفي رواية في المسند (٤) "الاثنين والجمعة والخميس"؛ وكأنها غيرُ محفوظةٍ، فإِن كانت محفوظةً فهي نوعٌ رابعٌ. والنوع الخامس: ما خرَّجه أبو داود (٥) والنسائي والترمذي من حديث ابن مسعودٍ ﵁ أنَّ النبي ﷺ كان يَصومُ من غُرَّةِ كُلِّ شهر ثلاثةَ أيامٍ، وحَسَّنه الترمذي، وذَكَر أنَّ بعضَهم لم يرفعه، يعني أنَّه وقَفَه على ابن مسعود. وظاهر هذا أنَّه كان يوالي بين الأيَّام الثلاثة من أَوَّل كُلِّ شهرٍ. والنوع السادس: أنَّه كان يصوم أيَّام البيض، فخرَّج النسائي (٦) عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ "كان لا يدَعُ صِيامَ أيام البيض في حَضرٍ ولا سَفَرٍ". وخرَّج الترمذيُّ (٧) والنسائي عن أبي ذَرٍّ ﵁ أنَّ النبي ﷺ أمرَه بصيام أيام

стр. 447

البيض؛ ثلاثَ عَشْرَةَ، وأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وخَمْسَ عَشْرَة. وفي السُّنن الأربعةِ (١) خلا الترمذي، عن قتادَةَ بن مِلْحان، عن النبي ﷺ نحوه. وخرَّج النسائي (٢) من حديث جابر البجلي عن النبي ﷺ نحوَه أيضًا. وقد رُوي عن الحسن أنَّه كان يصومُ خمسةَ أيامٍ من أوَّل الشهر، ويقول: ما يدريني لعلي لا أدرِكُ البيضَ. وفي كتاب "مناقب الحسن" لأبي حيان التوحيدي أنَّ رجلًا سأل الحَسَن: لأيِّ شيءٍ استُحِبَّ صِيامُ أيَّامِ البيض؟ فلم يَدْرِ ما يقولُ. فقال أعرابي عنده (٣): لأنَّ القمر ينكسِفُ في لياليهنَّ، فيَكون الناسُ عند حدوث الآيات (٤) على عبادة. فقال الحسَن: خُذُوها من غير فقيهٍ. وفي حديث الباهلي (٥) أنَّه قال للنبي ﷺ بعد ذلك: إِنِّي أجدُ قُوَّةً وإِني أُحِبُّ أن تزيدني، فقال له: "فمن الحُرُمِ وأفطِر". وفي رواية: "صُمْ الحُرُمَ وأفطِر". وفي روايةٍ، قال: "صُم الأشهرَ الحُرُمَ". فهذا دليلُ على فَضْلِ صيام الأشهر الحرم الأربعة التي ذكرها الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُم﴾ (٦)، وقد فسَّرها النبي ﷺ في حديث أبي بَكْرة بأنَّها ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القَعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ وشهر رجب. وقد ذكرناه في وظيفة شهر رجبٍ، وذكرنا عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّ العمل الصالح والأجْرَ في هذه الحُرُمِ أعظَمُ. وذكرنا في وظائف المحرَّم قولَ النبي ﷺ : "أفضَلُ الصِّيام بعد رمضانَ

стр. 448

شهرُ الله الذي تدعونه المحرَّم". وسيأتي في وظائف ذي الحجة ذِكْرُ فَضْلِ صيام عشر ذي الحجة إِن شاء الله تعالى. وقد كان كثير من السَّلَف يصومُ الأشهر الحُرُمَ كلَّها؛ رُوي ذلك عن ابن عمر (١) والحسن البصريّ وأبي إِسحاق السَّبيعيّ. وقال سفيان الثوري: الأشهر الحرُمُ أحَبُّ إِليَّ أن أصوم (٢) منها. وروى خَلَّاد الصَّفَّار عن أبي مسلم، قال: صيام يومٍ مِن أشهُر الحجِّ - أو قال: أشهُر الحرم - يعدِلُ شهرًا، وصيامُ يومٍ من غير الأشهر الحُرُم يعدِلُ عشرًا. ورُوي عن النَّخعي نحوه، لكنه قال: من المحرَّم، فيحتمل أنَّه أراد جنسَ الأشهر المحرَّمة. ورُوي معناه مرفوعًا من حديث أنسٍ، وإِسنادُه ضعيفٌ جدًّا. ويُروى بإِسنادٍ مجهولٍ عن أنسٍ مرفوعًا: "مَن صام من شهر حرامٍ الخميسَ والجمعةَ والسبتَ، كتبَ الله له عبادةَ تسعمائة سنة". وقال كعب: اختار الله الزمان؛ فأحبُّه إِليه الأشهرُ الحُرمُ. ويُروى من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا ولا يصحُّ. وعن قيس بن عُبَاد أنَّه قال: ليس في الأشهر الحرم شهر إِلَّا في اليوم العاشر منه خيرٌ، قال: ففي ذي (٣) الحِجَّة في العاشر النَّحْرُ يوم الحجِّ الأكبر، وفي المحرَّم العاشر عاشوراءُ، وفي العاشر من رجب ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (٤). قال الراوي: ونسيتُ ما قال في ذي القَعْدَة. وقد تقدَّم في ذكر وظيفة رجبٍ أنَّه رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّه ذكر من عجائب الدنيا بأرض عادٍ عمود من نحاسٍ، عليه شجرةً من نحاسٍ؛ فإِذا كان في الأشهر الحُرُم قَطَرَ منها الماءُ، فملؤوا منه حِياضَهم، وسقوا مواشِيَهم وزروعَهم، فإِذا ذهبَت الأشهرُ الحُرُمُ انقطع الماء. وذو القَعْدَة من الأشهر الحرم بغير خلاف، وهو أَوَّل الأشهر الحُرُم المتوالية. وهل هو أولُ الحُرُم مُطلقًا أم لا، فيه اختلاف (٥) ذكرناه في وظيفة رجب. وهو أيضًا من أشهر الحجّ التي قال الله تعالى فيها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ

стр. 449

مَعْلُومَاتٌ﴾ (١). وقيل: إِنَّ تحريم ذي القَعْدَة كان في الجاهلية لأجل السير إِلى الحج، وسُمِّي ذا القَعْدَة لقعودهم فيه عن القتال؛ وتحريم المحرَّم لرجوع النَّاس فيه من الحجّ إِلى بلادهم؛ وتحريم ذي الحِجَّة لوقوع حجِّهم فيه؛ وتحريم رجب كان للاعتمار فيه من البلاد القريبة. ومن خصائص ذي القَعْدَة: أنَّ عُمَرَ النبيِّ ﷺ كلَّها كانت في ذي القَعْدَة، سِوى عُمرتِهِ التي قرنها بحجّته، مع أنَّه ﷺ أحرمَ بها أيضًا في ذي القَعْدَة، وفعَلَها في ذي الحجّة مع حجَّته. وكانت عُمَرُه ﷺ أربعًا: عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَة ولم يُتِمَّها (٢)، بل تحلَّل منها ورجَعَ. وعُمْرَةُ القَضَاءِ من قابل. وعُمْرَةُ الجِعِرَّانة (٣)، عام الفتح، لمَّا قسم غنائم حُنين؛ وقيل: إِنها كانت في آخر شوال، والمشهور أنها كانت في ذي القَعْدَة، وعليه الجمهور. وعُمْرَتُه في حجَّة الوَدَاع، كما دلَّت عليه النصوص الصحيحة، وعليه جمهور العلماء أيضًا (٤). وقد رُوي عن طائفة من السَّلف؛ منهم ابنُ عمر وعائشة وعطاء، تفضيلُ عُمْرة ذي القَعْدَة وشوَّال على عُمْرة رمضان؛ لأنَّ النبي ﷺ اعتمَرَ في ذي القَعْدَة، وفي أشهر الحجِّ حيث يجبُ عليه الهَدْيُ إِذا حجَّ من عامِهِ؛ لأنَّ الهَدْيَ زيادَةُ نُسُكٍ، فيجتمع نُسُكُ العُمْرَةِ مع نُسُكِ الهَدْي. ولذي القَعْدَة فضيلةٌ أُخْرَى، وهي أنَّه قد قيل: إِنَّه الثلاثون يومًا الذي واعَدَ اللهُ فيه موسى ﵇؛ قال ليثٌ عن مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾، قال: ذو القَعْدَة ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (٥) قال: عَشْرُ ذي الحجة.

стр. 450

يا مَن لا يُقلِعُ عن ارتكاب الحرام؛ لا في شهرِ حلالٍ ولا في شهرِ حرام. يا مَن هو في الطَّاعات (١) إِلى وراء، وفي المعاصي إِلى قدَّام. يا من هو في كُلِّ يومٍ من عُمُرِه شرٌّ (٢) مِمَّا كان قبله من الأيام، متى تستفيقُ مِن هذا المنام؟! متى تتوبُ من هذه الأَجْرام؟! يا من أنذرَهُ الشيب بالموت وهو مقيم على الآثام، أَمَا كفاكَ واعظُ الشَّيْبِ مع واعظِ القرآن والإِسلام؟ الموتُ خيرٌ لكَ من الحياة على هذه الحال، والسَّلام. يا غاديًا في غَفْلَةٍ ورائحا … إِلى مَتَى تستحسنُ القبائحا وكم إِلى كم لا تخافُ مَوْقِفًا … يستنطِقُ اللهُ به الجوارحا واعجبًا منكَ وأنْتَ مُبْصِرٌ … كيفَ تجنَّبْتَ الطَّريقَ الواضِحا وكيفَ ترضَى أن تكونَ خاسِرًا … يومَ يفوزُ مَن يكونُ رابحا * * *

стр. 451

وظائف شهر ذي الحجَّة ويشتمل على مجالس: المجلس الأوَّل في فضل عشر ذي الحجَّة خرَّج البخاري (١) من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: "ما مِنْ أيَّام العملُ الصَّالحُ فيها أحَبُّ إِلى الله من هذه الأيام، يعني أيَّامَ العَشْرِ. قالوا: يا رسولَ الله! ولا الجِهادُ في سبيل الله؟ قال: ولا الجِهادُ في سبيل الله، إِلَّا رجل (٢) خَرَجَ بنفسِه ومالِه، ثم لم يرجعْ من ذلك بشيء". الكلامُ في فضل عَشْرِ ذي الحِجَّة في فصلين: في فَضْل العَمَل فيه، وعليه دَلَّ هذا الحديث، وفي فَضْله في نفسه. الفصل الأول في فضل العمل فيه وقد دلَّ هذا الحديث على أنَّ العملَ في أيَّامه أحَبُّ إِلى الله من العمل في أيَّام الدنيا من غير استثناءِ شيءٍ منها، وإِذا كان أحَبَّ إِلى الله فهو أفضَلُ عندَه. وقد ورَدَ هذا الحديث بلفظ: "ما من أيامٍ العَمَلُ فيها أفضَلُ من أيام العَشْر". وروي بالشك في لفظة أحَبُّ أو أفضَلُ. وإِذا كان العَمَل في أيَّام العَشْر أفضَلَ وأحَبَّ إِلى الله من العمَل

стр. 452

في غيره من أيَّام السَّنة كُلِّها، صار العملُ فيه، وإِن كان مفضولًا، أفضَلَ من العمل في غيره وإِن كان فاضِلًا؛ ولهذا قالوا: يا رسولَ الله! ولا الجِهادُ في سبيل الله؟ قال: ولا الجِهادُ، ثم استثنى جهادًا واحدًا هو أفضَلُ الجهادِ؛ فإِنَّه ﷺ سئل أيُّ الجهاد أفضَلُ؟ قال: مَن عُقِرَ جَوادُه وأُهْرِيقَ دَمُهُ (١)، وصاحِبُهُ أفضَلُ الناس دَرَجةً عندَ الله. سمِعَ النبي ﷺ رجلًا يدعو، يقول: اللهم، أعطني أفضَلَ ما تعطي عبادَكَ الصالحين. فقال له: اذن يُعْقَرُ جوادُك وتستشهد. فهذا الجهاد بخصوصه يفضُلُ على العمل في العشر. وأمَّا بقيةُ أنواع الجِهاد فإِنَّ العمل في عشر ذي الحِجَّة أفضَلُ وأحَبُّ إِلى الله منها، وكذلك سائرُ الأعمال. وهذا يدلُّ على أنَّ العمَلَ المفضولَ في الوقت الفاضل يلتحقُ بالعمل الفاضِلِ في غيره، ويزيدُ عليه لمضاعفة ثوابه وأجرِه. وقد رُوِي في حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ هذا زيادة "والعَمَلُ فيهن يُضاعَفُ بسبعمائة" وفي إِسنادها ضعفٌ. وقد ورد في قدر المضاعفة روايات متعدِّدة مختلفة، فخرَّج الترمذي (٢) وابنُ ماجة من رواية النَّهَّاس بن قَهْمٍ، عن قَتَادة، عن ابن المسيَّب، عن أبي هُريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "ما مِنْ أيَّام أحَبُّ إِلى الله أن يُتَعَبَّدَ له فيها من عَشْرِ ذي الحِجَّة، يَعْدِل (٣) صيامُ كُلِّ يومٍ منها بصيام سنةٍ، وقيامُ كلِّ ليْلَةٍ منها بقيام لَيْلَةِ القَدْرِ". والنَّهَّاسُ بن قَهْم ضعفوه. وذكر الترمذي (٤) عن البخاري أنَّ الحديث يُروى عن

стр. 453

قتادَةَ عن سعيدٍ مرسلًا. ورَوى ثُوَيْر (١) بن أبي فاخِتَة - وفيه ضعف - عن مجاهد، عن ابن عمر، ﵄، قال: "ليس يومٌ أعظم عندَ الله من يوم الجمعة ليس العشر؛ فإِنَّ العمل فيها يعدِلُ عملَ سنةٍ. وروى أبو عمرو النيسابُوري في "كتاب الحكايات" بإِسناده، عن حُميد، قال: سمعت ابنَ سيرينَ وقتادَةَ يقولان: صومُ كُلِّ يومٍ من العَشْر يعدِلُ سنةً. وقد رُوي في المُضاعَفَة أكثرُ من ذلك؛ فرَوَى هارون بن موسى النَّحوي، قال: سمِعْتُ الحسن يحدِّث عن أنس بن مالك، قال: كان يقال في أيَّام العشر: بكُلِّ يومٍ ألفُ يومٍ، ويومُ عرفَةَ عشرةُ آلاف. قال الحاكم: هذا من المسانيد التي لا يُذكَرُ سَندُها عن رسول الله ﷺ . وروي في المضاعفة أقلُّ من سنةٍ، قال حُميد بن زَنْجَويه، حدثنا يحيى بن عبد الله الحَرَّاني، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن راشد بن سعدٍ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "صيامُ كُلِّ يومٍ من أيَّام العَشْر كصيامِ شَهْر". وهذا مرسَل ضعيفُ الإِسناد. وروى عبد الرزَّاق في كتابه عن جعفرٍ، عن هشامٍ، عن الحسن، قال: صيامُ يوم من العَشْر يعدِلُ شهرين. وقال عبد الكريم (٢) عن مجاهدٍ: العَمَلُ في العَشْر يضاعَفُ (٣). وفي المضاعَفَة أحاديثُ أُخَرُ مرفوعةٌ، لكنها موضوعة، فلذلك أعرضنا عنها وعمَّا أشبهها من الموضوعات في فضائل العشر، وهي كثيرة. وقد دَلَّ حديثُ ابن عبَّاسٍ على مضاعَفَة جميع الأعمال الصالحة في العَشْر من غير استثناءِ شيءٍ منها. وقد رُوي في خصوص صيام أيَّامِه وقيام لياليه وكثرةِ الذِّكْر فيه، ما يذكر (٤) مما يَحسُن ذكره دون ما لا يحسُنُ؛ لِعَدم صحَّتِه. وقد سبَقَ حديثُ أبي هريرة في ذلك، ومرسَلُ راشد بن سعدٍ، وما رُوي عن الحسن، وابن سيرين، وقتادة في صومه.

стр. 454

وفي المسند (١) والسُّنن عن حفصة أنَّ النبي ﷺ "كان لا يَدَعُ صيامَ عاشوراءَ، والعَشْر، وثلاثةِ أيام من كُلِّ شهرٍ"؛ وفي إِسناده اختلاف. ورُوي عن بعض أزواج النبي ﷺ أنَّ النبي ﷺ "كان لا يدَعُ صِيام تسعِ ذي الحجَّة" (٢). وممن كان يصومُ العَشْرَ عبدُ الله بنُ عمر ﵄. وقد تقدَّم عن الحسن وابن سيرين وقتادَةَ ذِكْرُ فَضْل صيامِه، وهو قولُ أكثر العلماء، أو كثيرٍ منهم. وفي صحيح مسلم (٣) عن عائشة ﵂، قالت: "ما رأيْتُ رسولَ الله ﷺ صائمًا العَشْرَ قَطُّ". وفي رواية "في العَشْر قَطُّ". وقد اختلف جوابُ الإِمام أحمد عن هذا الحديث؛ فأجابَ مرَّةً بأنَّه قد رُوي خلافُه، وذَكَر حديثَ حَفْصَةَ، وأشار إِلى أنَّه اختُلِفَ في إِسناد حديث عائشة؛ فأسنَدَهُ الأعمشُ، ورواه منصورٌ عن إِبراهيم مرسلًا، وكذلك أجاب غيرُه من العلماء بأنَّه إِذا اختلَفَتْ عائشة وحفصَةُ في النفي والإِثبات أُخِذَ بقول المثبت؛ لأنَّ معه عِلْمًا خفِيَ على النَّافي. وأجاب أحمد مرَّةً أخرى بأنَّ عائشة أرادت أنَّه لم يَصُم العَشْرَ كاملًا، يعني وحَفْصَة أرادت أنَّه كان يصوم غالبَه؛ فينبغي أن يُصَامَ بعضُه ويُفْطَرَ بعضُه. وهذا الجمع يصحُّ في رواية مَن رَوَى "ما رأيتُه صائمًا العَشْرَ". وأمَّا من رَوَى: "ما رأيتُه صائمًا في العَشْر" فيبعدُ أو يتعذَّر هذا الجَمْعُ فيه. وكان ابن سيرينَ يكرَهُ أن يقالَ: صَامَ العَشْرَ؛ لأنه يُوهم دخُول يوم النَّحْر فيه، وإِنَّما يقال: صَامَ التِّسْعَ، ولكنَّ الصِّيام إِذا أضيفَ إِلى العَشْر فالمرادُ صيامُ ما يجوزُ صومُهُ منه. وقد سَبَقَ حديث أنَّ النبي ﷺ كان يصومُ العَشْرَ. ولو نذر صيام العَشْر، فينبغي أن ينصرفَ إِلى التسع أيضًا، فلا يَلْزَمُ بفِطْر يومِ النَّحْر قضاءٌ ولا كفَّارةٌ؛ فإِنَّه غلبَ استعمالُه عُرفًا في التسع، ويحتمل أن يُخرَّجَ في لُزومِ القضاءِ والكفَّارة خلافٌ؛ فإِنَّ

стр. 455

أحمد قال فيمن نَذَرَ صَوْمَ شَوَّالٍ فأفطر يومَ الفِطْر وصَامَ باقيَهُ، أنَّه يلزمه قضاءُ يومٍ وكفَّارةٌ. وقال القاضي أبو يَعْلى (١): هذا إِذا نوى صومَ جميعه، فأمَّا إِن أطلق لم يلزمْهُ شيءٌ، لأنَّ يومَ الفِطْر مستثنًى شرعًا. وهذه قاعدةٌ مِن قواعد الفقه، وهي أنَّ العمومَ هَلْ يُخَصُّ بالشرْعِ أم لا؛ ففي المسألة خلافٌ مشهور. وأمَّا قيام ليالي العَشْر فمستحَبٌّ، وقد سَبَقَ الحديثُ في ذلك، وقد ورد في خصوص إِحياء ليلتي العيدين أحاديثُ لا تصِحُّ، وورَدَ إِجابةُ الدُّعاءِ فيهما، واستحبَّه الشافعِيُّ وغيرُه مِن العلماء. وكان سعيدُ بن جُبَير، وهو الذي رَوَى هذا الحديث عن ابن عبَّاس ﵄، إِذا دَخَلَ العَشْرُ اجتهَدَ اجتهادًا حتَّى ما يكاد يُقْدَرُ عليه. ورُوي عنه أنَّه قال: لا تطفئوا سُرُجَكم لياليَ العَشْرِ؛ تعجبُه العبادة. وأمَّا استحبابُ الإِكثار مِن الذكر فيها فقد دَلَّ عليه قول اللهِ : ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٢)، فإِنَّ الأيام المعلومات هي أيام العشر عند جُمهور العلماء. وسيأتي ذكرُ ذلك فيما بعد إِن شاء الله تعالى. وفي مسند الإِمام أحمد (٣) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: "ما من أيامٍ أعظمُ عند الله ولا أحَبُّ إِليه العملُ فيهن من هذه الأيام العشر". فأكثِروا فيهن من التَّهليل والتكبير والتحميد. فإِن قيل: فإِذا كان العملُ في أيام العَشْرِ أفضَلَ من العمل في غيرها، وإِن كان ذلك العملُ أفضَلَ في نفسه مِمَّا عُمِلَ في العشر؛ لفضيلةِ العَشْر في نفسِه، فيصيرُ العملُ المفضولُ فيه فاضلًا حتى يفضُلَ على الجهاد الذي هو أفضلُ الأعمال، كما دَلَّت على ذلك النُّصوصُ الكثيرة، وهو قولُ الإِمام أحمد وغيرِه من العلماء، فينبغي أن يكون الحجُّ أفضَلَ من الجهاد؛ لأنَّ الحجَّ مخصوصٌ بالعَشْر، وهو من أفضل ما عُمِلَ في العشر، أو أفضل (٤) ما عمل فيه. فكيف كان الجهادُ أفضَلَ من الحج؟ فإِنه ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة

стр. 456

رضي الله عنه أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله! أيُّ الأعمال أفضَلُ؟ قال: إِيمان بالله ورسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: جِهادٌ في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حَجٌّ مبرورٌ (١). قيل: التطوُّع بالجهاد أفضَلُ من التطوُّع بالحَجِّ عندَ جمهور العلماء، وقد نَصَّ عليه الإِمام أحمد، وهو مروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ورُوي فيه أحاديث مرفوعة، في أسانيدها مقالٌ. وحديثُ أبي هريرة هذا صريحٌ في ذلك. ويمكن الجمع بينه وبين حديث ابن عبَّاسٍ بوجهين: أحدهما: أنَّ حديثَ ابن عبَّاسٍ قد صرَّحَ فيه بأنَّ جهادَ مَن لا يرجعُ من نفسِه ومالِه بشيءٍ يفضُلُ على العَمَلِ في العَشْر، فيمكن أن يقالَ: الحجُّ أفضَلُ من الجهاد، إِلَّا جهادَ مَن لم يرجع من نفسِه ومالِه بشيءٍ، ويكون هو (٢) المراد من حديث أبي هريرة، ويجتمع حينئذٍ الحديثان. والثاني: وهو الأظهر أنَّ العَمَلَ المفضُولَ قد يقترِنُ به ما يصيرُ أفضَلَ من الفاضِل في نفسِه، كما تقدَّم. وحينئذٍ فقد يقترِنُ بالحَجِّ ما يصيرُ به أفضَلَ من الجهاد، وقد يتجرَّدُ عن ذلك، فيكون الجهادُ حينئذٍ أفضَلَ منه، فإِن كان الحَجُّ مفروضًا فهو أفضَلُ من التطوُّع بالجهاد؛ فإِنَّ فروضَ الأعيان أفضَلُ مِن فُروض الكفاياتِ عند جمهور العلماءِ. وقد رُوي هذا في الحَجِّ والجهاد بخُصُوصهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وروي مرفوعًا من وجوهٍ متعدِّدَةٍ، في أسانيدِها لين. وقد دَلَّ على ذلك ما حكاهُ النبي ﷺ عن رَبِّه ، أنَّه قال: "ما تقرَّب إِليَّ عبدي بمثلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عليه" (٣). وإِن كان الحاج ليس من أهل الجهاد فحجُّه أفضَلُ من جهاده، كالمرأة.

стр. 457

وفي "صحيح البخاري" (١) عن عائشة ﵂ أنها قالت: "يا رسولَ الله، نَرَى الجهادَ أفضَلَ العَمَلِ، أفلا نجاهِدُ؟ قال: أفضَل الجهاد حَجٌّ مَبْرورٌ. وفي رواية له: "جهادُكُنَّ الحجُّ". وفي رواية له أيضًا: "نِعم الجهادُ الحَجُّ". وكذلك إِذا استغرق العَشْرُ كلُّه عملَ الحَجِّ وأتى به على أكمل وجوه البِرِّ من أداءِ الواجبات واجتناب المحرَّمات، وانضَمَّ إِلى ذلك الإِحسانُ إِلى الناس ببذْلِ السَّلام وإِطعام الطعام، وضَمَّ إِليه كثرةَ ذكر الله ، والعجَّ والثَّجَّ، وهو رَفْعُ الصَّوْت بالتلبية وسَوْقُ الهَدْي؛ فإِنَّ هذا الحجَّ على هذا الوَجْه قد يفضُلُ على الجهادِ. وإِن وَقَعَ عملُ الحَجِّ في جزءٍ يسيرٍ من العَشْر ولم يؤتَ به على الوجْهِ المبرور، فالجهادُ أفضَلُ منه. وقد رُوي عن عُمَرَ وابن عمر وأبي موسى الأشعري ومجاهدٍ ما يدلُّ على تفضِيل الحَجِّ على الجهاد وسائر الأعمال. وينبغي حملُه على الحَجِّ المبرور الذي كَمُلَ بِرُّه واستوعَبَ فِعْلُه أيَّام العَشْر، والله أعلم (٢). فإِن قيل: قولُه ﷺ : "ما مِن أيامٍ العَمَلُ الصَّالحُ فيها أحَبُّ إِلى الله من هذه الأيام"، هل يقتضي تفضيل كُلِّ عملٍ صالح وَقَعَ في شيءٍ من أيام العَشْر على جميع ما يقعُ في غيرها، وإِن طالت مدته أم لا؟ قيل: الظاهر - والله أعلم - أنَّ المرادَ أنَّ العَمَلَ في هذه الأيام العَشْر أفضَلُ من العمل في أيامٍ عشرٍ غيرِها، فكُلُّ عَمَلٍ صالحٍ يقعُ في هذا العشر فهو أفضَلُ من عملٍ في عشرة أيامٍ سِواها، مِن أيِّ شَهْرٍ كان، فيكون تفضيلًا للعمل في كُلِّ يومٍ منه على العَمَلِ في كُلِّ يومٍ من أيَّامِ السَّنة غيره. وقد قيل: إِنَّما يفضُلُ (٣) العَمَلُ فيها على الجهاد إِذا كان العَمَلُ فيها مستغرقًا لأيام العَشْر، فيفضُلُ على جهادٍ في عدد تلك الأيَّامِ مِن غير العَشْر. وإِن كان العَمَلُ

стр. 458

مستغرقًا لبعض أيَّام العشر، فهو أفضَلُ من جهادٍ في نظير ذلك الزمان من غير العَشْر. واستُدِلَّ على ذلك بأنَّ النبيَّ ﷺ جَعَلَ العَمَلَ الدَّائمَ الذي لا يفتُرُ من صيامٍ وصلاةٍ معادلًا للجهاد في أيِّ وقتٍ كان، فإِذا وقَعَ ذلك العَمَلُ الدَّائم في العشر، كان أفضَلَ مِن الجهاد في (١) مثل أيامه، لفضل العَشْرِ وشَرَفِه؛ ففى "الصحيحين" (٢) عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إِلى رسول الله ﷺ ، فقال: دُلَّني على عملٍ يَعْدِلُ الجهادَ. قال: لا أجِدُه. قال: هل تستطيعُ إِذا خَرَجَ المجاهِدُ أن تَدْخُلَ مسجدَك، فتقومَ ولا تَفْتُرَ، وتَصومَ ولا تُفطِرَ؟ قال: وَمَنَ يستطيعُ ذلك؟ ". ولفظه للبخاري، ولمسلمٍ معناه، وزاد: ثم قال: "مثلُ المجاهد في سبيل الله كمثل الصَّائم القائم القانت بآيات الله، الذي لا يَفْتُر من صلاةٍ ولا صيامٍ، حتَّى يرجعَ المجاهدُ في سبيل الله". وللبخاري: "مثلُ المجاهد في سبيل الله، - والله أعلم بمن يجاهدُ في سبيله - كمثل الصائم القائم". وللنسائي: "كمثل الصائم القائم الخاشِع الراكع السَّاجد". ويدُلُّ على أنَّ المراد تفضيلُهُ على جهادٍ في مثل أيَّامِه خاصَّةً ما في (٣) صحيح ابن حِبَّان (٤)، عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: "ما مِن أيامٍ أفضلُ عند اللهِ من أيام عَشْر ذي الحجة. فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، هو أفضَلُ أم عِدَّتُهن جهادًا في سبيل الله؟ قال: هو أفضَلُ من عدتهِنَّ جهادًا في سبيل الله. فلم يُفَضّل العمل في العَشْر إِلَّا على الجهاد في عدَّة أيام العَشْر لا مطلقًا. وأمَّا ما تقدَّم من أنَّ كُلَّ يومٍ منه يعدِلُ سنةً أو شهرين أو ألفَ يومٍ، فكُلُّها مِن أحاديثِ الفضائل، ليست بقويَّةٍ. ثم إِنَّ أكثر ما ورد ذلك في صيامها، والصيامُ له خُصُوصيَّة في المضاعَفَة، فإِنَّه لله، واللهُ يجزي به. فإِن قيل: إِنه لا يختص بالصَّوم، بل يعمُّ سائرَ الأعمال،

стр. 459

فإِنَّما يدُلُّ على تفضيل كُلِّ عَمَلٍ في العَشْر على مثل ذلك العمل في غيره سنةً، فلا يدخُل فيه إِلَّا تفضيل مَنْ جاهد في العَشْر على من جاهد في (١) غيره سنةً. وإِذا قيل: يلزم من تفضيل العَمَل في هذا العشر على كُلِّ عَشْر غيرِهِ أن يكونَ صيامُ هذا العَشْر أفضَلَ مِن صَوْم عَشْر رمضانَ، وقيامُ لياليه أفضَلَ من قيام لياليه. قيل: أمَّا صيامُ رمضان فأفضَلُ مِنَ صيامِهِ بلا شَكٍّ؛ فإِنَّ صَوْمَ الفَرْض أفضَلُ من النَّفْل بلا تردُّدٍ، وحينئذٍ فيكونُ المرادُ أنَّ ما فُعِلَ في العشر من فرضٍ فهو أفضَلُ مِمَّا فُعِل في عشر غيره من فرضٍ، فقد تضاعف صلواته المكتوبة على صلوات عشر رمضانَ، وما فُعِل فيه من نفْلٍ فهو أفضلُ مِمَّا فُعِلَ في غيره من نفْلٍ. وقد اختلف عُمَرُ وعلي ﵄ في قضاءِ رمضانَ في عَشْر ذي الحِجَّة، فكان عمر يستحبه لفضل أيامه، فيكون قضاءُ رمضان (٢) فيه أفضَلَ من غيره، وهذا يدُلُّ على مضاعَفَةِ الفرض فيه على النَّفْل. وكان عليٌّ ينهَى عنه. وعن أحمد في ذلك روايتان. وقد عُلِّلَ قولُ عليٍّ بأنَّ القضاءَ فيه يفوتُ به فَضْلُ صيامِه تطوُّعًا، وبهذا علَّله الإِمامُ أحمدُ وغيرُه. وقد قيل: إِنه يحصُل به فضيلةُ صيام التطوُّع أيضًا، وهذا على قول من يقولُ: إِنْ نَذَرَ صيامَ شهرٍ، فصَامَ رمضانَ، أجزأَهُ (٣) عن نذره فيه، وفرضُه متوجِّهٌ، وقد عُلِّلَ بغير ذلك. وأمَّا قيامُ لياليه وتفضيلُ قيامِه على قيام عشر رمضان، فيأتي الكلام فيه إِن شاء الله تعالى. * * *

стр. 460

الفصل الثاني في فضل عشر ذي الحجّة على غيره من أعشار الشهور قد سبق (١) حديث ابن عمر المرفوع: "ما من أيامٍ أعظَمُ عندَ الله ولا أحبُّ إِليه العَمَلُ فيهِنَّ من هذه الأيام العَشْر". وفي صحيح ابن حبان عن جابرٍ عن النبي ﷺ ، قال: "ما من أيامٍ أفضلُ عند الله من أيام عشر ذي الحِجَّة"، وقد تقدَّم (٢). ورويناه من وجهٍ آخر بزيادةٍ، وهي "ولا لياليَ أفضَلُ من لياليهِنَّ"، قيل: يا رسولَ الله، هُنَّ أفضلُ من عدتِهِنَّ جِهادًا في سبيل الله؟ قال: "هنَّ أفضَلُ من عدتِهِنَّ جِهادًا في سبيل الله، إِلَّا من عُفِّرَ وجهُه تعفِيرًا. وما من يومٍ أفضَلُ مِن يوم عَرَفَةَ". خرَّجه الحافظ أبو موسى المديني من (٣) جهة أبي نُعيم الحافظ بالإِسناد الذي خرَّجه به ابن حبان. وخرَّج البزار (٤) وغيرُه من حديث جابر أيضًا عن النبي ﷺ ، قال: "أفضَلُ أيام الدُّنيا أيامُ العَشْر". قالوا: يا رسولَ الله، ولا مِثلُهُنَّ في سبيل الله؟ قال: "ولا مِثْلُهُنَّ في سبيل الله، إِلَّا من عُفَّرَ وجهُه بالتراب". ورُوي مُرسلًا، وقيل: إِنه أصحُّ. وقد سَبَقَ ما رُوي عن ابن عمر، قال: ليس يومٌ أعظمُ عند الله من يوم الجُمُعةِ، ليس العَشْرَ. وهو يدُلُّ على أنَّ أيام العَشْر أفضَلُ من يوم الجُمُعة الذي هو أفضَلُ الأيام. وقال سهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن كعبٍ، قال: اختار الله الزَّمان، فأحبُّ الزَّمان إِلى الله الشهر (٥) الحرام، وأحبُّ الأشهر الحُرُم إِلى الله ذو الحِجَّة، وأحَبُّ ذي الحِجَّة إِلى الله العَشْرُ الأوَّل. ورواه بعضُهم عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، ورفعه؛ ولا يصِحُّ ذلك. وقال مسروق في قوله تعالى ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ (٦):
следующие страницы →