← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

رضي الله عنه أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله! أيُّ الأعمال أفضَلُ؟ قال: إِيمان بالله ورسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: جِهادٌ في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حَجٌّ مبرورٌ (١). قيل: التطوُّع بالجهاد أفضَلُ من التطوُّع بالحَجِّ عندَ جمهور العلماء، وقد نَصَّ عليه الإِمام أحمد، وهو مروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ورُوي فيه أحاديث مرفوعة، في أسانيدها مقالٌ. وحديثُ أبي هريرة هذا صريحٌ في ذلك. ويمكن الجمع بينه وبين حديث ابن عبَّاسٍ بوجهين: أحدهما: أنَّ حديثَ ابن عبَّاسٍ قد صرَّحَ فيه بأنَّ جهادَ مَن لا يرجعُ من نفسِه ومالِه بشيءٍ يفضُلُ على العَمَلِ في العَشْر، فيمكن أن يقالَ: الحجُّ أفضَلُ من الجهاد، إِلَّا جهادَ مَن لم يرجع من نفسِه ومالِه بشيءٍ، ويكون هو (٢) المراد من حديث أبي هريرة، ويجتمع حينئذٍ الحديثان. والثاني: وهو الأظهر أنَّ العَمَلَ المفضُولَ قد يقترِنُ به ما يصيرُ أفضَلَ من الفاضِل في نفسِه، كما تقدَّم. وحينئذٍ فقد يقترِنُ بالحَجِّ ما يصيرُ به أفضَلَ من الجهاد، وقد يتجرَّدُ عن ذلك، فيكون الجهادُ حينئذٍ أفضَلَ منه، فإِن كان الحَجُّ مفروضًا فهو أفضَلُ من التطوُّع بالجهاد؛ فإِنَّ فروضَ الأعيان أفضَلُ مِن فُروض الكفاياتِ عند جمهور العلماءِ. وقد رُوي هذا في الحَجِّ والجهاد بخُصُوصهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وروي مرفوعًا من وجوهٍ متعدِّدَةٍ، في أسانيدِها لين. وقد دَلَّ على ذلك ما حكاهُ النبي ﷺ عن رَبِّه ، أنَّه قال: "ما تقرَّب إِليَّ عبدي بمثلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عليه" (٣). وإِن كان الحاج ليس من أهل الجهاد فحجُّه أفضَلُ من جهاده، كالمرأة.

стр. 457

وفي "صحيح البخاري" (١) عن عائشة ﵂ أنها قالت: "يا رسولَ الله، نَرَى الجهادَ أفضَلَ العَمَلِ، أفلا نجاهِدُ؟ قال: أفضَل الجهاد حَجٌّ مَبْرورٌ. وفي رواية له: "جهادُكُنَّ الحجُّ". وفي رواية له أيضًا: "نِعم الجهادُ الحَجُّ". وكذلك إِذا استغرق العَشْرُ كلُّه عملَ الحَجِّ وأتى به على أكمل وجوه البِرِّ من أداءِ الواجبات واجتناب المحرَّمات، وانضَمَّ إِلى ذلك الإِحسانُ إِلى الناس ببذْلِ السَّلام وإِطعام الطعام، وضَمَّ إِليه كثرةَ ذكر الله ، والعجَّ والثَّجَّ، وهو رَفْعُ الصَّوْت بالتلبية وسَوْقُ الهَدْي؛ فإِنَّ هذا الحجَّ على هذا الوَجْه قد يفضُلُ على الجهادِ. وإِن وَقَعَ عملُ الحَجِّ في جزءٍ يسيرٍ من العَشْر ولم يؤتَ به على الوجْهِ المبرور، فالجهادُ أفضَلُ منه. وقد رُوي عن عُمَرَ وابن عمر وأبي موسى الأشعري ومجاهدٍ ما يدلُّ على تفضِيل الحَجِّ على الجهاد وسائر الأعمال. وينبغي حملُه على الحَجِّ المبرور الذي كَمُلَ بِرُّه واستوعَبَ فِعْلُه أيَّام العَشْر، والله أعلم (٢). فإِن قيل: قولُه ﷺ : "ما مِن أيامٍ العَمَلُ الصَّالحُ فيها أحَبُّ إِلى الله من هذه الأيام"، هل يقتضي تفضيل كُلِّ عملٍ صالح وَقَعَ في شيءٍ من أيام العَشْر على جميع ما يقعُ في غيرها، وإِن طالت مدته أم لا؟ قيل: الظاهر - والله أعلم - أنَّ المرادَ أنَّ العَمَلَ في هذه الأيام العَشْر أفضَلُ من العمل في أيامٍ عشرٍ غيرِها، فكُلُّ عَمَلٍ صالحٍ يقعُ في هذا العشر فهو أفضَلُ من عملٍ في عشرة أيامٍ سِواها، مِن أيِّ شَهْرٍ كان، فيكون تفضيلًا للعمل في كُلِّ يومٍ منه على العَمَلِ في كُلِّ يومٍ من أيَّامِ السَّنة غيره. وقد قيل: إِنَّما يفضُلُ (٣) العَمَلُ فيها على الجهاد إِذا كان العَمَلُ فيها مستغرقًا لأيام العَشْر، فيفضُلُ على جهادٍ في عدد تلك الأيَّامِ مِن غير العَشْر. وإِن كان العَمَلُ

стр. 458

مستغرقًا لبعض أيَّام العشر، فهو أفضَلُ من جهادٍ في نظير ذلك الزمان من غير العَشْر. واستُدِلَّ على ذلك بأنَّ النبيَّ ﷺ جَعَلَ العَمَلَ الدَّائمَ الذي لا يفتُرُ من صيامٍ وصلاةٍ معادلًا للجهاد في أيِّ وقتٍ كان، فإِذا وقَعَ ذلك العَمَلُ الدَّائم في العشر، كان أفضَلَ مِن الجهاد في (١) مثل أيامه، لفضل العَشْرِ وشَرَفِه؛ ففى "الصحيحين" (٢) عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إِلى رسول الله ﷺ ، فقال: دُلَّني على عملٍ يَعْدِلُ الجهادَ. قال: لا أجِدُه. قال: هل تستطيعُ إِذا خَرَجَ المجاهِدُ أن تَدْخُلَ مسجدَك، فتقومَ ولا تَفْتُرَ، وتَصومَ ولا تُفطِرَ؟ قال: وَمَنَ يستطيعُ ذلك؟ ". ولفظه للبخاري، ولمسلمٍ معناه، وزاد: ثم قال: "مثلُ المجاهد في سبيل الله كمثل الصَّائم القائم القانت بآيات الله، الذي لا يَفْتُر من صلاةٍ ولا صيامٍ، حتَّى يرجعَ المجاهدُ في سبيل الله". وللبخاري: "مثلُ المجاهد في سبيل الله، - والله أعلم بمن يجاهدُ في سبيله - كمثل الصائم القائم". وللنسائي: "كمثل الصائم القائم الخاشِع الراكع السَّاجد". ويدُلُّ على أنَّ المراد تفضيلُهُ على جهادٍ في مثل أيَّامِه خاصَّةً ما في (٣) صحيح ابن حِبَّان (٤)، عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: "ما مِن أيامٍ أفضلُ عند اللهِ من أيام عَشْر ذي الحجة. فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، هو أفضَلُ أم عِدَّتُهن جهادًا في سبيل الله؟ قال: هو أفضَلُ من عدتهِنَّ جهادًا في سبيل الله. فلم يُفَضّل العمل في العَشْر إِلَّا على الجهاد في عدَّة أيام العَشْر لا مطلقًا. وأمَّا ما تقدَّم من أنَّ كُلَّ يومٍ منه يعدِلُ سنةً أو شهرين أو ألفَ يومٍ، فكُلُّها مِن أحاديثِ الفضائل، ليست بقويَّةٍ. ثم إِنَّ أكثر ما ورد ذلك في صيامها، والصيامُ له خُصُوصيَّة في المضاعَفَة، فإِنَّه لله، واللهُ يجزي به. فإِن قيل: إِنه لا يختص بالصَّوم، بل يعمُّ سائرَ الأعمال،

стр. 459

فإِنَّما يدُلُّ على تفضيل كُلِّ عَمَلٍ في العَشْر على مثل ذلك العمل في غيره سنةً، فلا يدخُل فيه إِلَّا تفضيل مَنْ جاهد في العَشْر على من جاهد في (١) غيره سنةً. وإِذا قيل: يلزم من تفضيل العَمَل في هذا العشر على كُلِّ عَشْر غيرِهِ أن يكونَ صيامُ هذا العَشْر أفضَلَ مِن صَوْم عَشْر رمضانَ، وقيامُ لياليه أفضَلَ من قيام لياليه. قيل: أمَّا صيامُ رمضان فأفضَلُ مِنَ صيامِهِ بلا شَكٍّ؛ فإِنَّ صَوْمَ الفَرْض أفضَلُ من النَّفْل بلا تردُّدٍ، وحينئذٍ فيكونُ المرادُ أنَّ ما فُعِلَ في العشر من فرضٍ فهو أفضَلُ مِمَّا فُعِل في عشر غيره من فرضٍ، فقد تضاعف صلواته المكتوبة على صلوات عشر رمضانَ، وما فُعِل فيه من نفْلٍ فهو أفضلُ مِمَّا فُعِلَ في غيره من نفْلٍ. وقد اختلف عُمَرُ وعلي ﵄ في قضاءِ رمضانَ في عَشْر ذي الحِجَّة، فكان عمر يستحبه لفضل أيامه، فيكون قضاءُ رمضان (٢) فيه أفضَلَ من غيره، وهذا يدُلُّ على مضاعَفَةِ الفرض فيه على النَّفْل. وكان عليٌّ ينهَى عنه. وعن أحمد في ذلك روايتان. وقد عُلِّلَ قولُ عليٍّ بأنَّ القضاءَ فيه يفوتُ به فَضْلُ صيامِه تطوُّعًا، وبهذا علَّله الإِمامُ أحمدُ وغيرُه. وقد قيل: إِنه يحصُل به فضيلةُ صيام التطوُّع أيضًا، وهذا على قول من يقولُ: إِنْ نَذَرَ صيامَ شهرٍ، فصَامَ رمضانَ، أجزأَهُ (٣) عن نذره فيه، وفرضُه متوجِّهٌ، وقد عُلِّلَ بغير ذلك. وأمَّا قيامُ لياليه وتفضيلُ قيامِه على قيام عشر رمضان، فيأتي الكلام فيه إِن شاء الله تعالى. * * *

стр. 460

الفصل الثاني في فضل عشر ذي الحجّة على غيره من أعشار الشهور قد سبق (١) حديث ابن عمر المرفوع: "ما من أيامٍ أعظَمُ عندَ الله ولا أحبُّ إِليه العَمَلُ فيهِنَّ من هذه الأيام العَشْر". وفي صحيح ابن حبان عن جابرٍ عن النبي ﷺ ، قال: "ما من أيامٍ أفضلُ عند الله من أيام عشر ذي الحِجَّة"، وقد تقدَّم (٢). ورويناه من وجهٍ آخر بزيادةٍ، وهي "ولا لياليَ أفضَلُ من لياليهِنَّ"، قيل: يا رسولَ الله، هُنَّ أفضلُ من عدتِهِنَّ جِهادًا في سبيل الله؟ قال: "هنَّ أفضَلُ من عدتِهِنَّ جِهادًا في سبيل الله، إِلَّا من عُفِّرَ وجهُه تعفِيرًا. وما من يومٍ أفضَلُ مِن يوم عَرَفَةَ". خرَّجه الحافظ أبو موسى المديني من (٣) جهة أبي نُعيم الحافظ بالإِسناد الذي خرَّجه به ابن حبان. وخرَّج البزار (٤) وغيرُه من حديث جابر أيضًا عن النبي ﷺ ، قال: "أفضَلُ أيام الدُّنيا أيامُ العَشْر". قالوا: يا رسولَ الله، ولا مِثلُهُنَّ في سبيل الله؟ قال: "ولا مِثْلُهُنَّ في سبيل الله، إِلَّا من عُفَّرَ وجهُه بالتراب". ورُوي مُرسلًا، وقيل: إِنه أصحُّ. وقد سَبَقَ ما رُوي عن ابن عمر، قال: ليس يومٌ أعظمُ عند الله من يوم الجُمُعةِ، ليس العَشْرَ. وهو يدُلُّ على أنَّ أيام العَشْر أفضَلُ من يوم الجُمُعة الذي هو أفضَلُ الأيام. وقال سهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن كعبٍ، قال: اختار الله الزَّمان، فأحبُّ الزَّمان إِلى الله الشهر (٥) الحرام، وأحبُّ الأشهر الحُرُم إِلى الله ذو الحِجَّة، وأحَبُّ ذي الحِجَّة إِلى الله العَشْرُ الأوَّل. ورواه بعضُهم عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، ورفعه؛ ولا يصِحُّ ذلك. وقال مسروق في قوله تعالى ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ (٦):

стр. 461

هي أفضَلُ أيَّام السنة. خرَّجه عبد الرزاق (١) وغيره. وأيضًا فأيَّام هذا العَشْر يشتمل على يوم عَرَفَة. وقد رُوي أنَّه أفضَلُ أيَّام الدنيا، كما جاء في حديث جابرٍ الذي ذكرناه، وفيه "يوم النَّحْر". وفي حديث عبد الله بن قُرْطٍ، عن النبي ﷺ ، أنَّه قال: "أعظَمُ الأيَّام عندَ الله يومُ النَّحْر، ثم يوم القَرِّ" (٢). خرَّجه الإِمام أحمد (٣) وأبو داود وغيرُهما. وهذا كُلُّه يدُلُّ على أنَّ عَشْرَ ذي الحِجَّة أفضَلُ من غيره مِن الأيام من غير استثناءٍ؛ هذا في أيامه. فأمَّا لياليه فمن المتأخرين مَن زَعَمَ أنَّ ليالي عَشْر رمضان أفضلُ من لياليه؛ لاشتمالها على ليلة القدر، وهذا بعيدٌ جدًا (٤). ولو صحَّ حديثُ أبي هريرة "قيام كُلِّ ليلةٍ منها بقيام ليلةِ القَدْر" (٥) لكان صريحًا في تفضيل لياليه على ليالي عَشْر رمضانَ، فإِنَّ عَشْرَ رمضان فُضِّلَ بليلةٍ واحدةٍ فيه، وهذا جميعُ لياليهِ متساوِيةٌ لها في القيام على هذا الحديث. ولكن حديث جابر الذي خرَّجه أبو موسى (٦) صريح في تفضيل لياليه كتفضيل أيَّامه أيضًا. والأيَّام إِذا أُطلِقَتْ دخلت فيها الليالي تبعًا، وكذلك الليالي تدخُلُ أيَّامُها تبعًا. وقد أقسَمَ الله تعالى بلياليه، فقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. (٧)، وهذا يدلُّ على فضيلة (٨) لياليه أيضًا، لكن لم يثبُتْ أنَّ لياليه ولا شيئًا منها يعدِل ليلةَ القَدْر. وقد زعم طوائفُ من أصحابنا أنَّ ليلة الجمعة أفضَلُ من ليلة القدر، ولكن لا يصحُّ ذلك عن أحمد؛ فعلى قولِ هؤلاء لا يُسْتَبْعَدُ تفضيلُ ليالي هذا العَشْر على ليلة القَدْر.

стр. 462

والتحقيقُ ما قاله بعضُ أعيان المتأخِّرين من العلماء، أن يقال: مجموعُ هذا العَشْر أفضلُ من مجموع عَشْر رمضان، وإِن كان في عَشْر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرُها، والله أعلمُ. وما تقدَّم عن كعبٍ يدُلُّ على أنَّ شهر ذي الحجة أفضلُ الأشهر الحُرُم الأربعة، وكذا قال سعيدُ بن جُبَير؛ راوي هذا الحديث عن ابن عبًاسٍ؛ "ما مِن الشهور شهرٌ أعظمُ حُرمةً مِن ذي الحجة". وفي "مسند البزار" (١) عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، قال: "سيد الشهور رمضان، وأعظمها حرمةً ذو الحجة". وفي إِسناده ضعفٌ. وفي "مسند" (٢) الإِمام أحمد، عن أبي سعيد الخدري أيضًا: أنَّ النبي ﷺ ، قال في حجّة الوَداع في خطبته يوم النَّحْر: "ألا إِنَّ أحرمَ الأيام يومُكُم هذا، ألا وإِنَّ أحرَمَ الشُّهورِ شهرُكُم هذا، ألا وإِنَّ أحرَمَ البلادِ بلدُكُم هذا". وروي ذلك أيضًا عن جابرٍ، ووابصَةَ بن مَعْبَدٍ، ونُبَيط بن شَريطٍ، وغيرهم، عن النبي ﷺ . وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ شهر ذي الحِجَّة أفضَلُ الأشهر الحُرُمِ، حيثُ كان أشدَّها حُرمةً. وقد رُوِي عن الحسن أنَّ أفضلَها المحرَّمُ، وسنذكره عند ذكر شهر المحرّم، إِن شاء الله تعالى. وأمَّا من قال: إِنَّ أفضلَها رجبٌ، فقولُهُ مردودٌ. ولعشر ذي الحِجَّة فضائلُ أُخَرُ غير ما تقدَّم؛ فمن فضائله: أنَّ الله تعالى أقسَمَ به جملةً، وببعضِهِ خصوصًا. قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (٣)؛ فأمَّا الفجر فقيل: إِنَّه أراد جنس الفجر. وقيل: المرادُ طُلوع الفجر، أو صلاة الفجر، أو النَّهار كلّه؛ فيه اختلاف بين المفسرين. وقيل: إِنه أُريدَ به فجر معيَّنٌ، ثم قيل: إِنَّه أُرِيدَ به

стр. 463

فجرُ أوَّلِ يوم من عَشْر ذي الحِجّة. وقيل: بل أُرِيدَ به فجرُ آخرِ يومٍ منه، وهو يومُ النَّحْر. وعلى جميع هذه الأقوال، فالعَشْر يشتمل على الفجْر الذي أقسم الله به. وأمَّا "الليالي العشر" فهي عشر ذي الحجة؛ هذا الصحيحُ الذي عليه جمهور المفسرين من السَّلف وغيرهم، وهو الصحيح عن ابن عبَّاسٍ؛ روي عنه من غير وجهٍ. والرواية عنه "أنَّه عَشْرُ رمضانَ" إِسنادُها ضعيف. وفيه حديثٌ مرفوعٌ خرَّجه الإِمام أحمد (١)، والنّسائي في التفسير، من رواية زيد بن الحُباب، حدثنا عيَّاش بن عقبة، حدثنا خيرُ بن نُعيم، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "العَشْرُ عَشْرُ الأضحى، والوَتْر يومُ عَرَفة، والشَّفْعُ يومُ النَّحْر"، وهو إِسناد حسن. وكذا فسَّر "الشَّفْعَ" و "الوَتْرَ" ابنُ عبَّاسٍ في رواية عِكرمة وغيره. وفسَّرهما أيضًا بذلك عِكرمة والضحاك وغيرُ واحدٍ. وقد قيل في "الشَّفع" و"الوَتر" أقوالٌ كثيرة، وأكثرها لا يخرج عن أن يكون العشرُ أو بعضُه مشتملًا على "الشفع" و "الوتر"، أو أحدهما؛ كقول من قال: "هي الصَّلاة، منها (٢) شَفعٌ ومنها (٢) وَترٌ"، وقد خرَّجه الإِمام أحمد (٣) والترمذي من حديث عمران بن حُصين، عن النبي ﷺ . وقول من قال: هي المخلوقات، منها شَفْع ومنها وَتْر، يدخل فيها أيام العشر. وقول من قال: الشَّفْع الخَلْقُ كُلُّه، والوترُ الله، فإِنَّ أيام العشر من جملة المخلوقات. ومن فضائله أيضًا: أنَّه من جملة الأربعين التي واعدها الله لموسى ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (٤)، لكن (٥) هل عَشْرُ ذي الحِجّة خاتمة الأربعين، فيكون هو العَشْر

стр. 464

الذي أُتِمَّ به الثلاثون (١)، أم هو أوَّل الأربعين، فيكون من جملة الثلاثين التي أُتِمَّتْ بعَشْرٍ؛ فيه اختلافٌ بين المفسرين. روى عبد الرزَّاق (٢)، عن مَعْمَر، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، قال: "ما مِن عملٍ في أيَّام السَّنة أفضَلُ منه في العَشْر من ذي الحِجّة، وهي العَشْر التي أتمَّها الله لموسى (٣) ﵇". ومن فضائله: أنَّه خاتمةَ الأشهر المعلومات، أشهر الحجّ التي قال الله فيها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٤)؛ وهي شوَّالٌ، وذوالقَعْدَة، وعشر من ذي الحِجَّة. وروي ذلك عن عمر، وابنه عبد الله، وعليّ، وابن مسعودٍ، وابن عبَّاس، وابن الزبير وغيرهم؛ وهو قولُ أكثر التابعين؛ ومذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وأبي يوسُف وأبي ثور وغيرهم، لكن الشافعي وطائفة أخرجوا منه يومَ النَّحْر، وأدخلَهُ فيه الأكثرون؛ لأنَّه يومُ الحجِّ الأكبر، وفيه يقع أكثر أفعال مناسِك الحج. وقالت طائفة: ذو الحجة كلُّه من أشهر الحج، وهو قولُ مالك، والشافعي في القديم؛ ورواه عن ابن عمر أيضًا؛ وروي عن طائفة من السَّلف. وفيه حديث مرفوع خرَّجه الطبراني، لكنه لا يصح. والكلامُ في هذه المسألة يطولُ، وليس هذا موضعه. ومن فضائله: أنَّه (٥) الأيَّام المعلومات التي شَرَعَ اللهُ ذكرَه فيها على ما رَزَقَ من بهيمة الأنعام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٦). وجمهور العلماء على أنَّ هذه الأيام المعلومات هي عَشْر ذي الحِجَّة؛ منهم ابنُ عمَرَ (٧) وابنُ عبَّاس والحسن وعطاء ومجاهد وعِكرمة وقَتَادة والنَّخعيّ؛ وهو قولُ أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه.

стр. 465

وَرُوي عن أبي موسى الأشعري أنَّ الأيَّام المعلومات هي تسعُ ذي الحِجَّة غير يوم النَّحْر، وأنَّه قال: لا يُرَدُّ فيهنَّ الدُّعاءُ. خرَّجه جعفر (١) الفِرْيابيّ وغيرُه. وقالت طائفة: هي أيَّام الذّبح. وروي عن طائفةٍ من السَّلَف، وهو قول مالكٍ، وأيي يوسُف، وجعلوا ذِكْرَ الله فيها ذكْرَه على الذّبح؛ وهو قول ابن عمر ﵄. ونقل المَرُّوْذِيّ (٢) عن أحمدَ أنَّه استحسنه. والقولُ الأول أظهر. وذِكْرُ الله على بَهيمة الأنعام لا يختصُّ بحال ذبْحها، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ " (٣). وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٤). وأيضًا فقد قال الله تعالى بعدَ هذا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٥). فجعل هذا كلَّه بعدَ ذِكْره في الأيَّام المعلوماتِ وقضاءِ التَّفَثِ، وهو شَعَثُ الحجِّ وغبارُه ونصَبُهُ. والطَّوافُ بالبيت إِنَّما يكون في يوم النَّحْر وما بعدَه، ولا يكون قبلَه. وقد جعل الله سبحانه هذا مرتَّبًا على ذكره في الأيَّام المعلومات بلفظة "ثم"، فدَلَّ على أنَّ المراد بالأيَّام المعلومات ما قبْلَ يوم النَّحْر، وهو عَشْرُ ذي الحِجَّة. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٦)، فقيل: إِنَّ المراد ذكرُهُ عند ذَبْحها، وهو حاصلٌ بذكره في يوم النَّحْر؛ فإِنَّه أفضَلُ أيَّام النَّحْر. والأصَحُّ أنَّه إِنَّما أُريدَ ذكرُه شكرًا على نِعْمَةِ تسخير بَهيمة الأنعام لعباده؛ فإِنَّ لله تعالى على عبادهِ في بهيمة الأنعام نِعَمًا كثيرةً قد عدَّد بعضَها في مواضعَ من القرآن. والحاجّ (٧) لهم خصوصيَّةٌ في ذلك عن غيرهم؛ فإِنَّهم يسيرون

стр. 466

عليها إِلى الحرَم؛ لِقَضَاء نُسُكِهم، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ (٢). ويأكلون من لحومها، ويشربون من ألبانها، وينتفِعون بأصوافها وأوبارها وأشعارها. ويختصُّ عَشْرُ ذي الحِجَّة في حقِّ الحاج بأنَّه زمَنُ سَوْقهم للهَدْي الذي به يكمُلُ فَضْلُ الحجِّ، ويأكلون من لحومِهِ في آخِرِ العَشْر، وهو يومُ النَّحْرِ. وأفضَلُ سَوْقِ الهَدْي مِن الميقات، ويُشعر ويُقلَّد (٣) عند الإِحرام، وتقارِنُهُ التلبية، وهي من الذِّكْر لله في الأيَّام المعلومات. وفي الحديث: "أفضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ" (٤). وفي حديث آخر: "عجُّوا التَّكْبيرَ عَجًّا، وثُجُّوا الإِبلَ ثجًا". فيكون كثرةُ ذِكْرِ اللهِ في أيَّام العَشْر شكرًا على هذه النّعمة المختصَّة ببهيمة الأنعام، التي بعضُها يتعلَّق بدِين الحاج، وبعضُها بدنياهم. وأفضَلُ الأعمالِ ما كثُر ذِكْرُ الله تعالى فيها؛ منها خصوصًا الحجُّ. وقد أمر الله تعالى بذكره كثيرًا في أيَّام (٥) الحجِّ؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦)؛ فهذا الذِّكْرُ يكون في عَشْر

стр. 467

ذي الحِجَّة. ثمَّ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (١)، وهذا يقع في يوم النَّحْر، وهو خاتمة العَشْر أيضًا. ثم أمر بذكره بعد العَشْر في الأيام المعدودات، وهي أيَّام التشريق. وفي "السُّنن" عن النبي ﷺ ، قال: "إِنَّما جُعِل الطَّوافُ بالبيت، والسعيُ بين الصَّفا والمروة، ورميُ الجمار؛ لِإِقامة ذكر الله " (٢). وفي "مسند" الإِمام أحمد (٣)، عن معاذ بن أنس: أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله! أيُّ الجهاد أعظمُ أجرًا؟ قال: أكثرُهُم لله ذِكرًا. قال: فأيُّ الصائمين أعظمُ أجرًا؟ قال: أكثرهم لله ذكرًا. قال: ثم ذكر الصَّلاة، والزَّكاة، والحجَّ، والصَّدقَةَ؛ كلُّ [ذلك] ورسولُ الله ﷺ يقول: أكثرهم لله ذِكْرًا. فقال أبو بكر: يا أبا حفص! ذهبَ الذَّاكرون بكُلِّ خيرٍ. فقال رسولُ الله ﷺ : أجَلْ!. وقد خرَّجه ابن المبارك، وابن أبي الدنيا من وجوهٍ أخر مرسلةٍ، وفي بعضها: أي الحاج خير؟ قال: أكثرهم ذكرًا لله. وفي بعضها: أيُّ الحاج أعظمُ أجرًا؟ قال: أكثرهم لله ذكرًا، وذكر بقية الأعمال، بمعنى ما تقدَّم. فهذا كُلُّه بالنسبة إِلى الحاج. فأمَّا أهلُ الأمصار فإِنَّهم يشاركون الحاج في عَشْر ذي الحجة؛ في الذِّكْر، وإِعداد الهَدْي. فأمَّا إِعدادُ الهَدْي فإِنَّ العَشْر تُعَدُّ فيه الأضاحي، كما يَسوق أهلُ الموسم الهَدْيَ، ويشاركونهم في بعض إِحرامهم؛ فإِنَّ من دخل عليه العَشْرُ وأراد أن يضحي، فلا يأخُذْ من شَعره ولا مِنْ أظفاره شيئًا، كما روت ذلك أم سلمةَ عن النبي ﷺ . خرَّج حديثها مسلم (٤)، وأخذ بذلك الشافعي، وأحمد، وعامَّة فقهاء الحديث. ومنهم من شرط أن يكون قد اشترى هَدْيَه قبلَ العَشْر، وأكثرهم لم يشرطوا ذلك.

стр. 468

وخالف فيه مالك، وأبو حنيفة، وكثيرٌ من الفقهاء، وقالوا: لا يُكره شيء من ذلك. واستدلّوا بحديث عائشة: "كُنْتُ أفْتِلُ قلائدَ الهَدْي لرسول الله ﷺ ، فلا يحرّم عليه شيء أحلَّه الله له" (١). وأجاب كثيرٌ من أهل القول الأول: بأنه يجمع بين الحديثين؛ فيؤخذ (٢) بحديث أم سَلَمة فيمن يريد أن يضحي في مصره (٣). وبحديث عائشة فيمن أرسَلَ بهديه مع غيره، وأقام في بلده. وكان ابن عُمَر إِذا ضحَّى يومَ النَّحْر حَلَق رأسَه، ونصَّ أحمد على ذلك. واختلف العلماء في التعريف بالأمصار عشيَّة عرفة، وكان الإِمام أحمد لا يفعله ولا ينكِرُ (٤) على مَنْ فَعَلَه؛ لأنَّه رُوي عن ابن عباس وغيره من الصحابة. وأما مشاركتهم لهم في الذكر في الأيام المعلومات؛ فإِنَّه يُشرَعُ للنَّاس كلِّهم الإِكثارُ من ذِكر الله في أيام العشر خُصوصًا، وقد سَبَقَ حديثُ ابن عمر المرفوع "فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد". واختلف العلماء: هل يُشرَع إِظهارُ التكبير والجهرُ به في الأسواق فىِ العَشْر، فأنكَرَهُ طائفةٌ، واستحبَّه (٥) أحمدُ والشافعيُّ، لكنَّ الشافعيُّ خصَّهُ بحالِ رؤيةِ بهيمة الأنعام، وأحمدُ يستحبُّه مطلقًا. وقد ذكر البخاري في "صحيحه" (٦) عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يخرجان إِلى السُّوق في العَشْر، فيكبِّران ويكبِّرُ الناس بتكبيرهما. ورواه عفان: حدثنا سلام أبو المنذر، عن حُميد الأعرج، عن مجاهدٍ، قال: كان أبو هريرة وابنُ عمر يأتيان السُّوقَ أيَّامَ العَشْر فيكبِّران ويكبِّر الناسُ معهما، ولا يأتيان لشيءٍ إِلا لذلك. وروى جعفر الفريابي في "كتاب العيدين"، حدثنا إِسحاق بن راهَوَيْه، أخبرنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، قال: رأيت سعيدَ بن جبير ومجاهدًا وعبد الرحمن بن أبي ليلى، أو

стр. 469

اثنين من هؤلاء الثلاثة، ومن (١) رأينا من فقهاء الناس، يقولون في أيام العشر: الله أكبر، الله أكبر، [الله أكبر،] (٢) لا إِله إِلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. لما كان الله قد وضع في نفوس المؤمنين حنينًا إِلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كُلُّ أحدٍ قادرًا على مشاهدته في كُلِّ عامٍ، فَرَضَ على المستطيع الحجَّ مرَّةً واحدةً في عمره، وجَعَلَ مَوْسِمَ العَشْر مشتركًا بين السائرين والقاعدين، فمن عَجَزَ عن الحجِّ في عامٍ قَدَرَ في العَشْر على عَمَلٍ يعمَلُه في بيته، يكونُ أفضَلَ من الجهاد الذي هو أفضَلُ من الحج. ليالي العَشْر أوقاتُ الإِجَابَه … فبادِرْ رَغْبَةً تَلْحَقْ ثوابَه ألا لا وقْتَ للعمَّال فيهِ … ثوابُ الخَيْرِ أقرَبُ للإِصابَه (٣) مِنَ أوقات الليالي العَشْر حقًّا .. فَشَمِّرْ وأطْلُبَنْ فيها الإِنابَه احذروا المعاصي؛ فإِنَّها تحرم المغفرة في مواسم الرَّحمة. روى المَرُّوذِيُّ في "كتاب الورع" بإِسناده عن عبد الملك بن عميرٍ، عن رجلٍ؛ إِمَّا مِن الصحابة أو من التابعين، أنَّ آتيًا أتاه في منامه في العَشْر من ذي الحِجّة، فقال: ما من مسلم إِلَّا يُغفَر له في هذه الأيام، كُلَّ يومٍ خمسَ مرارٍ (٤)، إِلَّا أصحابَ الشاهِ، يقولون: مات، ما موته؟! يعني أصحابَ الشطرنج. فإِذا كان اللعب بالشطرنج مانعًا من المغفرة، فما الظنُّ بالإِصرار على الكبائر المجمَعِ عليها؟ طاعةُ اللهِ خَيْرُ ما لَزِمَ العَبْدُ … فكُنْ طائعًا ولا تعصيَنَّه ما هلاكُ النُّفوس إِلَّا المعاصِي … فاجْتَنِبْ ما نهاكَ لا تقرَبَنَّه إِنَّ شيئًا هلاكُ نفسِكَ فيهِ … ينبغي أن تصونَ نفسَكَ عنَّه المعاصي سببُ البُعْدِ والطَّرْدِ، كما أنَّ الطاعاتِ أسبَابُ القُرْب والودّ. أيضمَنُ لِي فتىً تَرْكَ المعاصِي … وأرهنَهُ الكَفَالَة بالخلاصِ

стр. 470

أطاعَ اللهَ قومٌ فاسْتَرَاحُوا … ولم يتجرَّعوا غُصَصَ المعاصي إِخوانكم في هذه الأيام قد عَقَدُوا الإِحرام، وقصَدُوا البيتَ الحرامَ، وملؤوا الفضاءَ بالتَّلبية والتكبير والتهليل والتحميد والإِعظام، لقد ساروا وقَعَدنا، وقَرُبُوا وبَعُدْنا، فإِن كان لنا معهم نصيبٌ سَعِدْنا. أتراكم في النَّقا والمنحنى … أهلَ سَلْعٍ تذكرُونا ذِكرنا انقطَعْنا ووصَلْتم فاعْلَمُوا … واشْكُروا المنْعِمَ يا أهْلَ مِنى قد خسِرْنا وربحْتُم فَصِلُوا … بفُضُول الرِّبْح مَن قَدْ غُبِنا سار قلبي خَلْفَ أحمالِكُمُ (١) … غيرَ أنَّ العُذْرَ عَاقَ البَدَنا ما قطعتم واديًا إِلَّا وقَدْ … جئتُه أسعَى بأقدامِ المُنَى أنا مذْ غبتم علَى تذكاركُمْ … أترى عندكُمُ ما عندَنا القاعدُ لعذرٍ شريك السَّائر، وربما سبق السائرُ بقلبه السَّائرين بأبدانهم. رأى بعضُهم في المنام عشيَّةَ عرفَةَ في الموقف قائلًا يقول له (٢): أترَى هذا الزِّحام على هذا الموقف؟ فإِنه لم يحجَّ منهم أحدٌ إِلَّا رجلٌ تخلَّف عن الموقف، فحجَّ بهمَّته فوُهِبَ له أهلُ الموقف. يا سائرينَ الى البيتِ العَتيقِ لَقَدْ … سرْتُمْ جُسُومًا وسِرْنا نحنُ أَرْواحا إِنَّا أقمْنا علَى عُذْرٍ وقد رَحَلُوا … وَمَنْ أقام على عُذْرٍ كَمَنْ رَاحَا الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عِوضٌ ولا لها قيمة. المبادرةَ المبادرةَ بالعمل، والعجَلَ العجَلَ قبلَ هُجُوم الأجل، قبلَ أن يندَمَ المفرِّطُ على ما فعل، قبلَ أن يسألَ الرجعةَ ليعمل صالحًا فلا يجاب إِلى ما سأل، قبلَ أن يحولَ الموتُ بين المؤمِّل وبلوغ الأمل، قبلَ أن يصيرَ المرء مُرتهنًا في حفرته بما قدَّم من عمل.

стр. 471

ليس للميت في قبره … فِطْرٌ ولا أضْحَى ولا عَشْرُ ناءٍ عن الأهل على قُربه .. كذاك مَن مسكنُه القَبْرُ يا من طلع فَجْرُ شيبِه بعدَ بلوغ الأربعين! يا مَن مَضَى عليه بعد ذلك ليالي (١) عَشْر سنين حتى بلغ الخمسين! يا مَن هو في معترك المنايا ما بينَ الستين والسبعين! ما تنتظر بعد هذا الخبر إِلا أن ياتيك اليقين؟ يا مَن ذنوبُه بعدد الشَّفْع والوتر! أَمَا تستحيي من الكرام الكاتبين؟ أم أنت ممن يكذِّبُ (٢) بيوم الدِّين؟ يا مَن (٣) ظلمة قلبه كالليل إِذا يسري! أما آن لقلبك أن يستنيرَ أو يلين؟ تعرَّضْ لنَفَحَاتِ مولاكَ في هذا العشر؛ فإِنَّ لله فيه نَفَحاتٍ يُصيبُ بها من يشاء، فمن أصابته سعِدَ بها آخِرَ الدَّهر. [جَنَحَتْ شمسُ حياتي … وتَدَلَّتْ للغروب وتولَّى ليلُ رأسي … وَبَدا فَجْرُ المشيبَ ربِّ خلِّصني فقد … لججت في بحر الذُّنوبِ وأنلني العَفْوَ يا أقـ … ـربَ مِن كلِّ قريبِ] (٤) * * * المجلس الثاني في فضل يوم عرفة مع عيد النَّحْر في "الصحيحين" (٥) عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ رجلًا من اليهود قال له: يا أميرَ المؤمنين! آيةٌ في كتابكم لو علينا مَعْشَرَ اليهودِ نزلَتْ، لاتَّخذْنا ذلك اليومَ عيدًا. فقال: أيُّ آيةٍ؛ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٦). فقال عمر: إِنِّي لأعلم اليومَ الذي نزلَتْ فيه،

стр. 472

والمكانَ الذي نزلت فيه؛ نزلَتْ ورسولُ الله ﷺ قائِمٌ بِعَرَفَةَ يومَ جُمعةٍ. وخرَّج الترمذي (١) عن ابن عباس نحوَه، وقال فيه: نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة (٢). العيدُ هو موسم الفرح والسرور، وأفراحُ المؤمنين وسرورُهم في الدنيا إِنَّما هو بمولاهم، اذا فازوا بإِكمال طاعته، وحازوا ثوابَ أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣). قال بعضُ العارفين: ما فرِحَ أحدٌ بغير الله إِلَّا بغفلته عن الله؛ فالغافِلُ يفرَحُ بلهوه وهواه، والعاقلُ يفرَحُ بمولاه. وأنشد سَمْنُون (٤) في هذا المعنى: وكان فُؤادِي خاليًا قَبْلَ حُبِّكُم … وكان بذِكْرِ الخَلْق يَلْهُو ويمرَحُ فلمَّا دعا قلبي هواك أجابَهُ … فلسْتُ أراهُ عن فنائِكَ يَبْرَحُ رُمِيتُ ببعدٍ منكَ إِنْ كنْتُ كاذبًا … وإِن كنتُ في الدنيا بغيرك أفرَحُ وإِن كان شيء في البلاد بأسْرِها … إِذا غِبْتَ عن عيني لعينيَ يَملُحُ فإِن شئْتَ واصِلْني وإِن شئْتَ لا تصِلْ … فلسْتُ أرَى قلبي لغيرِك يصلُحُ لمَّا قدم النبي ﷺ المدينةَ كان لهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "إِنَّ الله قد

стр. 473

أبدَلَكم يومين خيرًا منهما؛ يومَ الفطر، والأضحى" (١). فأبدل الله هذه الأمة بيومي اللعب واللهو يومي الذِّكْر والشُّكر والمغفرة والعفو. ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعيادٍ: عيدٌ يتكرَّر كُلَّ أسبوعٍ، وعيدان يأتيان في كُلِّ عامٍ مَرَّةً مرَّةً، من غير تكررٍ في السنة. فأمَّا العيدُ المتكرِّرُ، فهو يومُ الجمعة، وهو عيدُ الأسبوع، وهو مترتب على إِكمال الصَّلوات المكتوبات؛ فإِنَّ الله فَرَضَ على المؤمنين في كُلِّ يومٍ وليلةٍ خمسَ صلواتٍ، وأيامُ الدنيا تدورُ على سبعةِ أيامٍ، فكلَّما كمُلَ دورُ أسبوعٍ من أيام الدنيا، واستكملَ المسلمون صلواتِهم فيه، شُرِع لهم في يومِ استكمالهم (٢)، وهو اليوم الذي كمُل فيه الخلْقُ، وفيه خُلِقَ آدمُ وأُدخِل الجنَّة وأخرج منها، وفيه ينتهي أمدُ الدنيا فتزول وتقوم الساعة (٣)، وفيه (٤) الاجتماع على سماع الذِّكر والموعظة وصلاة الجمعة، وجُعل ذلك لهم عيدًا؛ ولهذا نُهِي عن إِفراده بالصِّيام. وفي شهود الجمعة شبَهٌ من الحجِّ، وروي (٥) أنَّها حجُّ المساكين. وقال سعيد بن المسيِّب: شهودُ الجمعة أحبُّ إِليَّ من حجة نافلةٍ، والتبكير إِليها يقومُ مقام الهَدْي على قدْر السَّبْق؛ فأوَّلهم كالمُهدِي بَدَنةً ثم بَقَرةً، ثم كَبْشًا، ثم دَجَاجةً، ثم بَيْضةً (٦). وشهودُ الجمعة يوجب تكفيرَ الذنوب إِلى الجمعة الأخرى اذا سلِم ما بين الجمعتين من

стр. 474

الكبائر، كما أن الحَجَّ المبرور يكفِّر ذنوبَ تلك السنة إلى الحجة الأخرى. وقد رُوِي: "إذا سلمتِ الجمعةُ سلِمَت الأيام" (١). ورُوي: "إن الله تعالى يغفِر يومَ الجمعة لكُلِّ مسلم" (٢). وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما طلعتِ الشمسُ ولا غَرَبت على يومٍ أفضَلَ من يوم الجمعة" (٣). وفي "المسند" عنه ﷺ أنَّه قال في يوم الجمعة: "هو أفضَلُ عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى". فهذا عيدُ الأسبوع، وهو متعلِّق بإكمال الصلوات (٤) المكتوبة، وهي أعظمُ أركان الإسلام ومَبَانِيهِ بعدَ الشهادتين. وأمَّا العيدان اللذان لا يتكرران في كُلِّ عامٍ، وإنما يأتي كُلُّ واحدٍ منهما في العام مرَّة واحدةٌ؛ فأحدُهما: عيدُ الفطر من صوم رمضانَ، وهو مرتب (٥) على إكمال صيام رمضان، وهو الرُّكن الثالث من أركان الإسلام ومَبَانيه، فإذا استكمل المسلمون صيامَ شهرهم المفروض عليهم، واستوجبوا من الله المغفرة والعِتْقَ من النار؛ فإنَّ صيامَه يوجبُ مغفرةَ ما تقدَّم من الذنوب، وآخره عِتْقٌ من النار، يُعتق فيه من النار من استحقَّها بذنوبه، فشرع الله تعالى لهم عقيب إكمالهم لصيامهم عيدًا يجتمعون فيه

стр. 475

على شُكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له. وشرع لهم في ذلك العيد الصَّلاةَ والصَّدَقة. وهو يوم الجوائز يستوفي الصائمون فيه أَجْرَ صيامهم، ويرجعون من عيدهم بالمغفرة. والعيدُ الثاني: عيدُ النَّحْر، وهو أكبَرُ العيدين وأفضلُهما، وهو مترتب على إكمال الحجِّ، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومَبَانيه، فإذا أكمَلَ المسلمون حجَّهم غُفِر لهم. وإنما يكمُلُ الحجُّ بيوم عرفة والوقوف فيه بعرفة؛ فإنَّه ركنُ الحجِّ الأعظم، كما قال ﷺ : "الحجُّ عرفة". ويوم عرفة هو يومُ العِتْق من النار، فيعتِقُ الله فيه من النار مَن وقَفَ بعرَفَةَ ومَن لم يقفْ بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليومُ الذي يليه عيدًا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم؛ مَن شهِدَ المَوْسمَ منهم ومَن لم يشهدْه؛ لاشتراكهم في العِتق والمغفرة يومَ عَرَفَةَ. وإنما لم يشترك المسلمون كلُّهم في الحجِّ كُلِّ عامٍ رحمةً من الله وتخفيفًا على عباده، فإنَّه جعل الحجِّ فريضةَ العمر لا فريضة كُلِّ عامٍ، وإنما هو في كل عام فرضُ كفايةٍ، بخلاف الصيام؛ فإنَّه فريضةُ كُلِّ عامٍ على كُلِّ مسلم. فإذا كَمَلَ يومُ عرفة، وأعتَقَ الله عبادَه المؤمنين من النار، اشترك المسلمون كلُّهم في العيد عقب (١) ذلك. وشُرع للجميع التقرُّبُ إليه بالنُّسُكِ، وهو إراقة دِماء القرابين. فأهلُ الموسم يرمون الجمرة، فيشرعون في التحلُّل من إحرامهم بالحجِّ، ويقضون تفثَهُم (٢)، ويوفون نذورهم، ويقرِّبون قرابينهم من الهدايا، ثم يطوفون بالبيت العتيق. وأهلُ الأمصار يجتمعون على ذكر الله وتكبيره والصلاة له. قال مخنفُ بن سليم (٣)، وهو معدود من الصحابة: الخروجُ يومَ الفطر يعدِلُ عمرةً، والخروج يوم الأضحى يعدِلُ حجةً. ثم ينسكون عقيب ذلك نُسُكهم، ويقرِّبُون قرابينَهم بإراقة دماءِ ضحاياهم؛ فيكون ذلك شكرًا منهم لهذه النعم. والصلاة والنَّحْر الذي يجتمع في عيد

стр. 476

النَّحْر أفضلُ من الصَّلاة والصَّدقة الذي في عيد الفطر، ولهذا أُمِرَ رسولُ الله ﷺ أن يجعلَ شكره لربِّه على إعطائه الكوثر أن يُصلِّي لربِّه وينحر، وقيل له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). ولهذا ورد الأمر بتلاوة هذه الآية عند ذبْح الأضاحي، والأضاحي سنَّةُ إبراهيمَ ﵇ ومحمد ﷺ ، فإن الله شرعها لإبراهيمَ حين فَدَى ولدَه الذي أمره بذَبْحه، بِذِبْحٍ عَظيمٍ (٢). وفي حديث زَيد بن أَرْقم، قيل: يا رسولَ الله، هذه الأضاحي؟ قال: سنةُ [أبيكم] إبراهيمَ. قيل له: فما لنا بها؟ قال: بكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَة. قيل: فالصُّوفُ؟ قال: بكُلِّ شَعَرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةً. خرَّجه ابنُ ماجة (٣) وغيره. فهذه أعيادُ المسلمين في الدنيا، وكلُّها عند إكمال طاعة مولاهم الملك الوهاب، وحيازتهم لما وعدَهم من الأجر والثواب. مَرَّ قومٌ براهبٍ في دَيْرٍ، فقالوا له: متى عيدُ أهلِ هذا الدَّيْر؟ قال: يوم يُغفَر لأهله. ليس العيدُ لمن لبس الجديدَ، إنَّما العيدُ لمن طاعاتُه (٤) تزيد. ليس العيدُ لمن تجمَّل باللباس والركوب (٥)، إنَّما العيدُ لمن غفرت له الذنوب. في ليلة العيد تفرَّقُ خِلَعُ العِتْق والمغفرة على العبيد؛ فمن ناله منها شيء فله عيدٌ، وإلَّا فهو مطرود بعيد. كان بعضُ العارفين ينوح على نفسه ليلة العيد بهذه الأبيات: بحرمة غربتي كم ذا الصُّدُودُ … ألا تعطِفْ عليَّ ألا تَجُودُ سُرورُ العيدِ قَدْ عَمَّ النَّواحِي … وحُزني في ازديادٍ لا يبيدُ فإن كنْتُ اقْتَرَفْتُ خِلالَ سَوءٍ … فعُذْرِي في الهوى أن لا أعودُ

стр. 477

وأنشدَ غيره: للناس عَشْرٌ وعيدُ … وأنا فقيرٌ وحيدُ يا غايتي ومُنَايَ … قد لَذَّ لي ما تريدُ وأنشد الشِّبْليُّ: ليس عيدُ المحِبِّ قَصْدَ المُصَلَّى … وانتظارَ الأمير والسلطان إنَّما العيدُ أن تكونَ لَدَى الحِـ … ـبِّ كريمًا مقرَّبًا في أمانِ (١) وأنشد (٢): إذا ما كنت لي عيدًا … فما أصنَعُ بالعيدِ جَرَى حُبُّكَ في قلبي … كجري الماءِ في العودِ وأنشد (٣): قالوا غدًا لعيدُ ماذا أنْتَ لابسُهُ … فقلْتُ خِلْعَةَ ساقٍ حُسْنُهُ (٤) بَرَعَا صَبْرٌ وفَقْرٌ هما ثَوْبانِ تحتَهُما … قَلْبٌ يَرَى إلفَه الأعيادَ والجمُعَا أَحْرى الملابسِ أن تلْقَى الحبيبَ به .. يومَ التزاورِ في الثَّوْب الَّذي خَلَعا الدَّهْرُ لي مأتمٌ إن غبْتَ يا أملي … والعِيدُ ما كنتَ لي مَرْأَى ومستمَعَا وأمَّا أعياد المؤمنين في الجنة فهي أيام زيارتهم لربِّهم ، فيزورونه ويكرمهم غايةَ الكرامةِ، ويتجلَّى لهم فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا هو أحبُّ إليهم من ذلك. وهو الزِّيادة التي قال الله تعالى فيها: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٥). ليس للمحبِّ عيد سوى قرب محبوبه. إن يومًا جامعًا شَمْلِي بهم … ذاكَ عيدٌ ليس لي عيدٌ سِواه كُلُّ يوم كان للمسلمين عيدًا (٦) في الدنيا، فإنَّه عيدٌ لهم في الجنَّة، يجتمعون

стр. 478

فيه على زيارة ربِّهم، ويتجلَّى لهم فيه. ويوم الجمعة يُدعى في الجنَّة يومَ المزيد، ويوم الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة. ورُوي أنَّه يشارك النساءُ الرجالَ فيهما، كما كن يشهدن العيدين مع الرجال دون الجمعة. فهذا لعموم أهل الجنة، فأمَّا خواصُّهُم فكُلُّ يومٍ لهم عيدٌ يزورون ربِّهم كُلَّ يوم مرتين؛ بُكرةً وعشيًا. الخواصُّ كانت أيامُ الدُّنيا كلُّها لهم أعيادًا، فصارت أيامهم في الآخرة كلُّها أعيادًا. قال الحسن: كُلُّ يوم لا يُعصَى الله فيه فهو عيد، كُلُّ يومٍ يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكرِه وشكرِه فهو له عيد. أركان إسلام التي بُني الإسلام عليها خمسةٌ: الشهادتان، والصَّلاة، والزَّكاة، وصِيامُ رمضان، والحجُّ. فأعياد عموم المسلمين في الدنيا عند إكمال دور الصلاة، وإكمال الصيام، والحج، يجتمعون عند ذلك اجتماعًا عامًّا. فامَّا الزَّكاة فليس لها وقتٌ معين لِيُتَّخَذَ عيدًا، بل كُلُّ مَن ملك نصابًا فَحَوْلُه بحسَبِ مُلْكِه. وأمَّا الشهادتان فإكمالُهما يحصُلُ بتحقيقهما والقيام بحقوقهما؛ وخواصُّ المؤمنين يجتهدون على ذلك في كُلِّ وقتٍ، فلذلك كانت أوقاتهم كلُّها أعيادًا لهم في الدنيا والآخرة، كما أنشَدَ الشِّبْليُّ: عيدِي مقيمٌ وعِيدُ الناسِ منصرفُ … والقلْبُ منِّي عن اللذَّات منحرِفُ ولي قَرينان ما لي منهما خَلَفٌ … طولُ الحنين وعينٌ دمعُها يكِفُ ولمَّا كان عيدُ النَّحْر أكبرَ العيدين وأفضلَهما، ويجتمع فيه شرفُ المكان والزمان لأهل الموسم، كانت لهم فيه معه أعيادٌ قبلَه وبعدَه؛ فقبلَه يومُ عرفة، وبعدَه أيَّامُ التشريق. وكُلُّ هذه الأيَّام (١) أعيادٌ لأهل الموسم، كما في حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ ، قال:

стр. 479

"يَوْمُ عرفةَ، ويومُ النَّحر، وأيام التشريق عيدُنا أهلَ الإسلام، وهي أيام أَكْلٍ وشُرْب". خرَّجه أهل السنن (١) وصححه الترمذي. ولهذا لا يُشرَعُ لأهل الموسم صومُ يوم عرفة؛ لأنَّه أوَّلُ أعيادهم وأكبَرُ مجامعِهم، وقد أفطره النبي ﷺ بعرفة والناسُ ينظرون إليه. وروي عنه أنَّه نَهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. وَرُوي عن سفيان بن عُيَينة أنَّه سئل عن النهي عن صيامِ يوم عرفة بعرفة، فقال: لأنهم زُوَّار اللهِ وأضيافُهُ، ولا ينبغي للكريم أن يجوِّع أضيافَه. وهذا المعنى يوجد في العيدين وأيام التشريق أيضًا؛ فإنَّ الناس كُلَّهم فيها في ضيافة الله ، لا سيما عيدَ النَّحْر؛ فإنَّ الناس يأكلون من لحوم نُسُكهم؛ أهل الموقف وغيرهم. وأيام التشريق الثلاثة هي أيام عيدٍ أيضًا، ولهذا بعث النبي ﷺ مَن ينادي بمكَّة أنها أيام أكْلٍ وشُرْبٍ وذكرِ الله ، فلا يصومَنَّ أحَدٌ. وقد يجتمع في يومٍ واحدٍ عيدان، كما إذا اجتمع يوم الجمعة مع يوم عرفة أو يوم النَّحْر، فيزداد ذلك اليوم حُرْمةً وفضلًا؛ لاجتماع عيدين فيه. وقد كان ذلك؛ اجتمع للنبي ﷺ في حجته يوم عرفة، فكان يوم جمعة، وفيه نزلت هذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢). وإكمال الدين في ذلك اليوم حَصَلَ من وجوهٍ. منها: أن المسلمين لم يكونوا حجُّوا حجَّةَ الإسلام بعد فرض الحجِّ قبلَ ذلك، ولا أحدٌ منهم؛ هذا قولُ أكثرِ العلماء أو كثيرٌ منهم؛ فكمُل بذلك دينُهم لاستكمالهم عَمَلَ أركان الإسلام كلِّها. ومنها: أن الله تعالى أعاد الحجَّ على قواعِدِ ابراهيمَ ﵇، ونفَى الشرك وأهلَه، فلم يختلطْ بالمسلمين في ذلك الموقف منهم أحدٌ. قال الشعبي: نزلتْ هذه

стр. 480

الآية على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة حين وقف موقِفَ إبراهيمَ، واضمحَلَّ الشِّرْكُ، وهُدِّمَتْ منارُ (١) الجاهلية، ولم يَطُفْ بالبيت عُريان. وكذا قال قَتَادة وغيرُه. وقد قيل: إنه لم ينزل بعدَها تحليلٌ ولا تحريمٌ؛ قاله أبو بكر بن عياش. وأمَّا إتمامُ النِّعمة فإنَّما حصل بالمغفرة، فلا تتم النِّعْمَةُ بدونها، كما قال لنبيه ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٢)، وقال تعالى في آية الوضوء: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٣). ومن هنا استنبط محمد بن كعب القرظيُّ بأنَّ الوضوءَ يكفِّر الذنوب، كما وردت السُّنَّة بذلك صريحًا. ويشهَدُ له أيضًا أن النبيَّ ﷺ سمع رجلًا يدعو ويقول: للهم إني أسألك تمامَ النِّعمة. فقال له: "تمامُ النِّعْمةِ النجاةُ مِن النَّار، ودخولُ الجنة" (٤). فهذه الآية تشهَدُ لما رُوِي في يوم عرفَةَ أنَّه يومُ المغفرة والعِتق من النار. فيوم عرفة له فضائل متعددة: منها: أنَّه يومُ إكمال الدِّين وإتمام النِّعمة. ومنها: أنَّه عيدٌ لأهل الإسلام، كما قاله عُمَرُ بن الخطاب وابنُ عباس؛ فإنَّ ابن عباس قال: نزلَتْ في يوم عيدين؛ يوم جمعة ويوم عرفة (٥). ورُوِي عن عمر أنَّه قال: وكلاهما بحمد الله لنا عيد. خرَّجه ابنُ جرير في تفسيره (٦). ويشهَدُ له حديثُ عقبة بن عامر المتقدِّم، لكنَّه عيدٌ لأهل الموقف خاصَّةً. ويُشرَعُ صيامُه لأهل الأمصار عند جمهور العلماء، وإن خالف فيه بعض السلف. ومنها: أنَّه قد قيل: إنه الشفْع الذي أقسَمَ الله به في كتابه، وأنَّ الوَتْرَ يومُ النَّحْر. وقد رُوِي هذا عن النبي ﷺ من حديث جابرٍ. خرَّجه الإمام أحمد (٧) والنسائي في تفسيره. وقيل: إنَّه الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه، فقال تعالى:

стр. 481

﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (١). وفي المسند (٢) عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا: "الشاهد يومُ عرفة، والمشهود يوم الجمعة". وخرَّجه الترمذي (٣) مرفوعًا. ورُوي ذلك عن علي (٤) من قوله. وخرَّج الطبراني (٥) من حديث أبي مالك الأشعريّ مرفوعًا: "الشاهدُ يومُ الجمعة، والمشهود يومُ عَرَفَة". وعلى هذا فإذا وقَعَ يومُ عرفة في يوم جمعة فقد اجتمع في ذلك اليوم شاهدٌ ومشهودٌ. ومنها: أنَّه روي أنَّه أفضل الأيام؛ خرَّجه ابنُ حبَّان في صحيحه (٦)، من حديث جابر عن النبي ﷺ ، قال: "أفضَلُ الأيام يومُ عَرَفَةَ". وذهب إلى ذلك طائفة من العلماء. ومنهم من قال: يومُ النَّحْر أفضَلُ الأيام؛ لحديث عبد الله بن قُرْطٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "أعظمُ الأيام عندَ اللهِ يومُ النَّحْرِ، ثم يوم القَرِّ". خرَّجه الإمام أحمد (٧) وأبو داود والنسائي وابنُ حبان في صحيحه، ولفظه: أفضَلُ الأيَّام. ومنها: أنَّه رُوِي عن أنس بن مالكٍ أنَّه قال: كان يقال: يومُ عرفَةَ بعشرة آلاف يومٍ، يعني في الفضل. وقد ذكرناه في فَضْل العَشْر. ورُوِي عن عطاء، قال: من صام يومَ عرفة كان له كأجر ألفي يوم. ومنها: أنَّه يومُ الحجِّ الأكبر عند جماعةٍ من السلف، منهم عُمَرُ وغيرُه. وخالفهم آخرون، وقالوا: يومُ الحجِّ الأكبر يومُ. النَّحر. ورُوِي ذلك عن النبي ﷺ . ومنها: أن صيامَه كفَّارَةُ سنتين، وسنذكر الحديث في ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. ومنها: أنَّه يومُ مغفرةِ الذنوب والتجاوز عنها، والعِتقِ من النار، والمباهاةِ بأهل الموقف؛ كما في "صحيح مسلم" (٨) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ، قال:

стр. 482

"ما مِن يَوْمٍ أكثَر مِن أن يُعْتِقَ الله فيه عبيدًا من النَّار مِن يوم عَرَفَةَ، وإنَّه لَيَدْنُو، ثم يُباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ". وفي "المسند" (١) عن عبد الله بن عمرٍو، عن النبي ﷺ ، قال: "إن الله تعالى يُباهي ملائكته عشيَّةَ عَرَفَةَ بأهلِ عَرَفَةَ، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شُعْثًا غُبْرًا". وفيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ الله يُباهي بأهل عرفات، يقول: انظروا إلى عبادى شعثًا غُبرًا". وخرَّجه ابنُ حبان في "صحيحه" (٢). وخرَّج فيه أيضًا (٣) من حديث جابر عن النبي ﷺ ، قال: "ما من يوم أفضلُ عند الله من يوم عَرَفَة، ينزل الله ﵎ إلى السَّماء الدنيا فيُباهي بأهل الأرض أهلَ السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي شعثًا غُبرًا ضاحين، جاؤوا من كُلِّ فجٍّ عميقٍ، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم يُرَ أكثرُ عتيقًا من النَّار مِن يوم عَرَفَةَ". وخرَّجه ابن منده في "كتاب التوحيد" ولفظُه: "إذا كان يوم عَرَفةَ ينزِلُ الله إلى سماء الدنيا فيُباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أَتَوْني شُعْثًا غُبرًا مِن كُل فَجٍّ عميقٍ، أُشهدُكُمْ أنِّي قد غَفَرْتُ لهم. فتقول الملائكة: يا رَبّ، فلان مُرَهَّقٌ (٤)، فيقول: قد غفَرْتُ لهم. فما من يومٍ أكثر عتيقًا من النار من يَوْم عرفة" (٥). وقال: إسنادٌ حسن متصل، انتهى. ورويناه من وجهٍ آخر بزيادةٍ فيه، وهي "أُشْهِدُكُم يا عبادي أنِّي قد غَفَرْتُ لمحسنهم، وتجاوزت عن مسيئهم" (٦). ورويناه من رواية إسماعيل بن رافع، وفيه

стр. 483

مقالٌ، عن أنسٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "يهبِطُ إله إلى السماء الدنيا عشيَّة عرفة، ثم يباهي بكم (١) الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوني شعثًا مِن كُلِّ فَجٍّ عميقٍ، يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانت ذنوبهم كعدد الرَّمْل لغفرْتُها؛ أفيضوا عبادي مغفورًا لكم ولمن شفعتم فيه" (٢). وخرَّجه البزار (٣) في "مسنده" بمعناه، من حديث مجاهدٍ عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، وقال: لا نعلم له طريقًا أحسَنَ من هذا الطريق. وخرَّجه الطبراني وغيرُه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ مختصرًا. ورويناه من طريق الوليد بن مسلم، قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مريم، عن الأشياخ: أن النبي ﷺ قال: "إن الله يدنو إلى السَّماء الدنيا عشيَّةَ غرَفَة، فيُقْبِلُ على ملائكته، فيقول: ألا إنَّ لكُلِّ وفدٍ جائزةً، وهؤلاء وفدي شُعْثًا غُبرًا، أعطوهم ما سألوا، وأخلِفوا لهم ما أنفقوا. حتى إذا كان عند غروب الشمس أقبَلَ عليهم، فقال: ألا إنِّي قد وَهَبْتُ مسيئَكم لمحسنكم، وأعطيتُ محسنَكُم ما سأل، أفيضُوا بسم الله". وروى إبراهيم بنُ الحكم بن أبان، حدثنا أي، حدثنا فَرْقَد، قال: إنَّ أبواب السماء تفتح كُلِّ ليلةٍ ثلاث مرات، وفي ليلة الجمعة سبع مرات، وفي ليلة عرفة تسع مرات. وروينا من طريق نُفيْع (٤) أبي داود، عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا: "إذا كان عشية يوم غرفة لم يبقَ أحدٌ في قلبه مثقال ذرَّةٍ منٍ إيمانٍ إلَّا غُفِر له. قيل له: أللمُعَرَّفِ (٥) خاصَّةً أم للناس عامَّةً؟ قال: بل للناس عامَّةً". وخرَّج مالك في "الموطأ" (٦) من مراسيل طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز أن النبي ﷺ ، قال: "ما رؤي الشيطانُ يومًا هو فيه أَصْغَرُ، ولا أَدْحَرُ ولا أَحْقَرُ، ولا أغيَظُ

стр. 484

منه يومَ عرفة، وما ذاك إلا لما يُرَى من تَنَزُّل الرحمة، وتجاوزِ اللهِ عن الذُّنوب العِظام، إلَّا ما رؤي يومَ بدرٍ. قيل (١): وما رؤي يوم بدر؟ قال: رأى جبريل ﵇ وهو يَزَعُ الملائكة". وروى أبو عثمان الصَّابوني (٢) بإسنادٍ له عن رجلٍ كان أسيرًا ببلاد الروم، فهرب من بعض الحصون، قال: فكنْتُ أسيرُ بالليل وأكمُنُ بالنَّهار، فبينا أنا ذات ليلةٍ أمشي بين جبال وأشجارٍ إذا أنا بحسٍّ، فراعني ذلك، فنظرْتُ فإذا راكبُ بعيرٍ، فازددت رُعْبًا، وذلك أنَّه لا يكون ببلاد الروم بعير، فقلت: سبحان الله! في بلاد الروم راكبُ بعيرٍ، إنَّ هذا لعجب (٣). فلمَّا انتهى إليَّ قلْتُ: يا عبدَ الله! من أنت؟ قال: لا تسأل. قلت: إنِّي أرى عجبًا، فأخبرني. فقال: لا تسأل. فأبيْتُ عليه، فقال: أنا إبليس، وهذا وجهي من عرفات، وافقتهم (٤) عشيَّة اليوم أطلِعُ عليهم، فنزلَتْ عليهم الرحمة والمغفرة، ووُهِبَ بعضُهم لبعض، فداخلني الهمُّ والحزنُ والكآبة؛ وهذا وجهي إلى قسطنطيَّة أنفرج (٥) بما أسمعُ من الشرك بالله وادِّعاء أنَّ له ولدًا. فقلْتُ: أعوذ بالله منك. فلمَّا قلْتُ هذه الكلمات لم أرَ أحدًا. ويشهد لهذه الحكاية حديثُ عبَّاس بن مرداس الذي خرَّجه أحمد وابنُ ماجة (٦) في دعاء النبي ﷺ لأمَّته عشيَّة عَرَفَة، ثم بالمزدلِفَةِ، فأجيبَ فضحِكَ ﷺ ، وقال: "إنَّ إبليسَ حين عَلِمَ أن الله قد غَفَرَ لأمتي واستجاب دعائي أهْوَى يحثي التراب على رأسِه، ويدعو بالوَيلِ والثُّبُور؛ فضحكْتُ من الخبيث مِن جَزَعِه". ويُروى عن علي بن الموفق أنَّه وقف بعرفة في بعض حجَّاته، فرأى كثرة الناس،

стр. 485

فقال: اللهم، إن كنتَ لم تتقبَّلْ (١) منهم أحدًا فقد وهبته حجّتي. فرأى ربَّ العِزَّة في منامه، وقال له: يا ابنَ الموفق! أتتسخَّى عليَّ؟ قد غَفَرْتُ لأهل الموقف ولأمثالهم، وشفعت كُلَّ واحدٍ منهم في أهلِ بيته وذريته وعشيرته، وأنا أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة (٢). ويُروى نحوُه عن غيره أيضًا من الشيوخ. فمن طمِع في العِتْق من النار ومغفرة ذنوبِه في يوم عرفة، فلْيُحَافِظْ على الأسباب التي يُرجى بها العِتْقُ والمغفرة. فمنها: صيامُ ذلك اليوم؛ ففي صحيح مسلم (٣) عن أبي قَتَادة، عن النبي ﷺ ، قال: "صيامُ يومِ عَرَفَةَ؛ أحتَسِبُ على الله أن يكفَّرَ السَّنَةَ التي قبلَه والتي بعده". ومنها: حفظُ جوارحه عن المحرَّمات في ذلك اليوم؛ ففي مسند الإمام أحمد (٤)، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "يومُ عَرَفَةَ، هذا يومٌ مَن ملَكَ فيه سمعَهُ وبصَرَه ولسانَه غُفِر له". ومنها: الإكثارُ مِن شَهادة التوحيد بإخلاص وصدقٍ؛ فإنَّها أصلُ دِين الإسلام الذي أكمله الله تعالى في ذلك اليوم، وأساسُهُ. وفي "المسند" (٥) عن عبد الله بن عمرو، قال: كان أكثرُ دعاء النبي ﷺ يوم عرفة: "لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملك، وله الحمد، بيدِه الخيرُ، وهو على كُلِّ شيءٍ قدير". وخرَّجه الترمذي (٦)،

стр. 486

ولفظُه "خيرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يومِ عَرَفَة، وخيرُ ما قلْتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، له المَلك وله الحمد، وهو على كُلِّ شيءٍ قدير". وخرَّجه الطبراني (١) من حديث عليٍّ وابن عُمَر مرفوعًا أيضًا. وخرَّج الإمام أحمد (٢) من حديث الزبير بن العوام، قال: سمِعْتُ رسول الله ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ (٣). الآية، ويقول: "وأنا على ذلك من الشاهدين، يا رَبّ". ويُروى من حديث عُبادَةَ بن الصامت، قال: شهِدْتُ النبي ﷺ يومَ عرفة، فكان أكثَرُ قوله ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، الآية. ثم قال: أي رب! وأنا أشهَدُ. فتحقيقُ كلمة التوحيد يوجبُ العِتْقَ من النار، فإنَّها تعدل عتق الرِّقاب، وعتقُ الرقاب يوجبُ العِتق من النار. كما ثبت في الصحيح، أن من قالها مائة مرَّة كانت له عِدْلَ عَشْرِ رقابٍ. وثبَتَ أيضًا أن من قالها عَشْرَ مرات كان كمن أعتق أربعةً من ولد إسماعيلَ. وفي سنن أبي داود (٤)، وغيره عن أنس عن النبي ﷺ ، قال: "مَن قال حين يُصْبِحُ أو يُمسي: اللهمَّ إنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وملائكتَكَ وَجَميعَ خَلْقِكَ أنك أنتَ الله لا إله إلَّا أنت وأنَّ محمدًا عبدُكَ ورسولُك، أعتقَ الله رُبُعَهُ مِن النَّار، ومن قالها. مَرَّتين أعتَقَ الله نِصْفَه من النار، ومن قالها ثلاث مرات أَعْتَقَ الله ثلاثة أرباعه من النَّار، ومن قالها أربع مرار أعتقَهُ اللهُ مِن النار". ويُروى من مراسيل الزُّهري: "من قال في يومٍ عشرة آلاف مرَّة لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له أعتقَهُ الله من النار". كما أنَّه لو جاء بديةِ من قتله عشرةَ آلافٍ قُبلت منه. ومنها: أن يُعتِقَ رقبةً إن أمكنه؛ فإنَّ مَن أعتَقَ رقبة مؤمنة أعتَقَ الله بكُلِّ عضوٍ منها

стр. 487

عُضوًا منه من النار. كان حكيم بن حِزام (١) ﵁ يقِفُ بعَرَفَةَ ومعه مائة بَدَنةٍ مقلَّدة، ومائة رقبة، فيعتق رقيقَه، فيضجُّ الناس بالبكاءِ والدُّعاء، ويقولون: ربَّنا، هذا عبدُك قد أعتَقَ عبيدَه، ونحن عبيدُك فاعتقنا. وجَرَى للناس مرَّةً مع الرشيد نحو هذا. وكان أبو قلابة يُعتِقُ جاريةً في عيد الفطر يرجو أن يُعتَقَ بذلك من النار. ومنها: كثرةُ الدُّعاء بالمغفرة والعِتق؛ فإنَّه يُرجى إجابةُ الدُّعاء فيه. روى ابنُ أبي الدنيا بإسناده عن علي، قال: ليس في الأرض يومُ إلَّا لله فيه عتقاءُ مِن النار، وليس يومٌ أكثَرُ فيه عِتقًا للرقاب من يوم عرفة. فأكثِر فيه أن تقول: اللهم أعتِق رقبتي من النار، وأوسع لي من الرزق الحلال، واصرف عنِّي فسَقَةَ الجِنِّ والإنس، فإنَّه عامَّةُ دعائي اليوم. وليحذَرْ من الذُّنوب التي تمنع المغفرة فيه والعتق: فمنها: الاختيال؛ روينا من حديث جابرٍ عن النبي ﷺ ، قال: "ما يُرى يوم أكثر عتيقًا ولا عتيقةٌ من يوم عرفة، لا يغفر الله فيه لمختالٍ". وخرَّجه البزار والطبراني وغيرُهما. والمختال: هو المتعاظِم في نفسه المتكبِّر، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٢). وقال النبي ﷺ : "إنَّ الله لا ينظر إلى مَن جَرَّ ثوبه خُيلا" (٣). ومنها: الإصرار على الكبائر، روى جعفر السراج بإسناده، عن يونس بن عبد الأعلى، أنَّه حَجَّ سنةً فرأى أميرُ الحاج في منامِه أن الله قد غفر لأهل الموسم سِوَى رجل فَسَقَ بغلامٍ، فأمر بالنداء بذلك في الموسم. وروى ابن أبي الدنيا (٤) وغيرُه أن رجلًا رأى في منامه أن الله قد غفر لأهل الموقف كلِّهم، إلَّا رجلًا من أهل

стр. 488

بَلْخ، فسأل عنه حتى وقع عليه، فسأله عن حاله، فذكر أنَّه كان مدمنًا لشرب الخمر، فجاء ليلةً وهو سكران، فعاتبتْه أمُّهُ وهي تسجُرُ تنورًا، فاحتمَلَها فألقاها فيه حتى احترقت. يا مَن يطمَعُ في العتق من النار ثم يمنعُ نفسَه الرحمةَ بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار! تاللهِ ما نصحْتَ نفسَكَ، ولا وقَفَ في طريقك غيرُك، توبقُ (١) نفسَك بالمعاصي، فإذا حُرمت المغفرةَ قلْتَ أنَّى هذا؟ قُلْ هو من عند أنفسكم. فنفسَكَ لُمْ ولا تَلُمِ المطَايا … ومُتْ كَمَدًا فليسَ لَكَ اعْتِذارُ إن كنت تطمع في العِتق فاشْتر نفسَكَ من الله، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٢). مَن كَرُمَتْ عليه نفسُه هان عليه كُلُّ ما يبذُل في افتكاكِها من النار. اشترى بعضُ السَّلف نفسَه مِن الله ثلاث مرار أو أربعًا؛ يتصدَّق كُلَّ مرَّةٍ بوزن نفسِه فضة. واشترى عامر بن عبد الله بن الزبير (٣) نفسَه من الله بديته ستَ (٤) مرات تصدَّق بها. واشترى حبيب العجمي نفسَه من الله بأربعين ألف درهم تصدَّق بها. وكان أبو هريرة يسبِّح كُلَّ يومٍ اثنتي عشر ألف تسبيحة بقدر دِيته يَفْتَكُّ بذلك نفسَه. بِدَمِ المحبِّ يُباعُ وصلُهُمُ … فَمَن الذي يَبتاع في الثمن من عرف ما يطلُب هان عليه كُلُّ ما يبذُل. ويحك! قد رضينا منك في فكاك نفسِك بالنَّدم، وقنعنا منك في ثمنها بالتوبة والحزن. وفي هذا الموسم قد رخُصَ السِّعر، من ملَكَ سمعَه وبصرَه ولسانَه غُفِرَ له. مُدَّ إليه يدَ الاعتذار، وقُمْ على بابه بالذُّلِّ والانكسار، وارفع قصَّةَ ندمِك مرقومةً على صحيفةِ خدِّك بمداد الدُّموع الغِزار،

стр. 489

وقل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). قال يحيى بن معاذ: العبدُ يوحِشُ فيما بينه وبين سيده بالمخالفات، ولا يُفارق بابه بحالٍ؛ لعلمه بأنَّ عِزَّ العبيد. في ظِلِّ مواليهم. وأنشأ يقول: قُرَّةَ عيني لا بدَّ لي (٢) منك وإن … أَوْحَشَ بيني وبينك الزَّلَلُ قرَّة عيني أنا الغريقُ فخُذْ … كفَّ غريقٍ عليكَ يتَّكِلُ كانت أحوال الصَّادقين في الموقف بعرفة تتنوَّع؛ فمنهم من كان يغلِبُ عليه الخوفُ أو الحياءُ. وقف مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وبكر المزني، بِعَرَفَة، فقال أحدُهما: اللهم، لا تردَّ أهلَ الموقف من أجلي. وقال الآخر: ما أشرفَهُ مِن مَوْقفٍ وأرجَاهُ لأهله، لولا أنِّي فيهم! وقف الفُضيل بعرفة والناسُ يدعون وهو يبكي بكاء الثَّكْلَى المحترِقة، قد حال البكاءُ بينه وبين الدعاء، فلمَّا كادت الشمس أن تغربَ رفَعَ رأسَه إلى السماء، وقال: واسوءتاه منكَ وإن عفوتَ (٣)!. وقال الفُضَيل أيضًا لشعيب بن حرب بالموسم: إن كنتَ تظنُّ أنَّه شهدَ الموقفَ أحدٌ شرًّا منِّي ومنك فبئس ما ظننت. دعا بعضُ العارفين بعرفة، فقال: اللهم، إن كنتَ لم تقبَلْ حجِّي وتعبِي ونَصَبِي فلا تحرمني أجْرَ المصيبة على تركك القبولَ منِّي. وقَفَ بعضُ الخائفين بعرفة إلى أن قرب غُروب الشمس، فنادى: الأمانَ الأمانَ، قد دنا الانصراف، فليت شعري ما صنعت في حاجة المساكين! وإنِّي مِن خَوفِكُم والرَّجا … أَرَى الموْتَ والعيشَ فيكم عِيانا فَمُنُّوا على تائبٍ خائفٍ … أتاكُم يُنادِي الأمانَ الأَمانا إذا طلبَ الأسيرُ الأمانَ من الملكِ الكريم أمَّنَه. الأمان الأمانَ وِزْرِي ثَقيلُ … وَذُنُوبي إذا عُدِدْن (٤) تطُولُ أوبقتْنِي وأوثقتْنِي ذنُوبي … فترَى لي إلى الخلاص سبيلُ؟

стр. 490

وقف بعضُ العارفين (١) الخائفين بعَرَفَة، فمَنَعَه الحياءُ من الدُّعاء، فقيل له: لِم لا تدعو؟ فقال: ثَمَّ وحْشَةٌ. فقيل له: هذا يومُ العفو عن الذُّنوب، فبسَطَ يديه ووقع ميتًا. حَدَا (٢) بها الحادِي إلى نعمانِ … فاستذكَرَتْ عَهْدًا لها بالبَانِ فسالَتِ الرُّوحُ مِنَ الأَجْفانِ … تشوُّقًا إلى الزمان الفاني غيره (٣): قد لجَّ بِيَ الغَرَامُ حتَّى قالوا … قد جُنَّ بهم (٤) وهكذا البَلْبَالُ الموتُ إذا رضيته سلْسَالُ … في مثل هَوَاك ترخُصُ الآجالُ وقفَ بعضُ الخائفين بعرفات، وقال: إلهي! النَّاسُ يتقرَّبون إليك بالبُدْن، وأنا أتقرَّب إليك بنفسي، ثم خرَّ ميتًا. للناس حجٌّ وَلِي حَجٌّ إلى سَكَنِي … تُهدَى الأضاحي وأهدِي مهجتي ودمي ما يرضَى المحبُّون لمحبوبهم بإراقة دماء الهدايا، وإنما يُهدون له الأرواح. أرَى مَوْسِمَ الأعياد أنسَ الأجانب (٥) … وما العيدُ عندي غير قُرب الحبائبِ إذا قرَّبوا بُدْنًا فَقُرْبانيَ الهَوَى … فإنْ قَبِلوا قَلْبِي وإلَّا فقالَبِي وَمَا بَدَمِ الأنعامِ أَقْضِي حُقُوقَهُمْ … ولكن بما بينَ الحَشا والتَّرائبِ كان أبو عُبيدةَ الخوَّاص (٦) قد غلَب عليه الشوقُ والقلقُ حتى يضرِبَ على صدره في الطريق (٧)، ويقول: وَاشَوْقَاه إلى مَن يراني ولا أراه. وكان بعدما كبُر يأخُذُ بلحيته ويقول: ياربّ، قد كبُرْتُ فأعتقني. ورؤي بعرفة وقد وَلِعَ به الولَهُ وهو يقول:

стр. 491

سُبْحانَ مَن لو سجدْنا بالعيون لَهُ … على حِمَى (١) الشَّوْكِ والمُحْمَى من الإبَر لم نَبْلُغ العُشْرَ مِن مِعْشَارِ نِعْمَتِه … ولا العُشَيْرَ ولا عُشْرًا من العُشَر هو الرفيعُ فَلَا الأبْصَارُ تُدْرِكُه … سُبْحانَهُ مِن مليكٍ نافِذِ القَدَرِ سبحانَ مَن هُو أُنسِي إذْ خَلَوْتُ به … في جَوْف ليلي (٢) وفي الظَّلماء والسَّحَرِ أنتَ الحبيبُ وأنتَ الحِبُّ (٣) يا أَمَلِي … مَن لي سِواك ومن أرجُوه يا ذُخرِي ومن العارفين من كان في الموقف يتعلَّق بأذيال الرجاء؛ قال ابنُ المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشيَّة عرَفَةَ، وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تهمُلان، فالتفت (٤) إليَّ، فقلت له: من أسوأُ هذا الجمع حالًا؟ قال: الذي يظنُّ أن الله لا يغفر لهم. ورُوي عن الفُضَيل أنَّه نظر إلى نشيج (٥) الناس وبكائهم عشيَّة عرَفَةَ، فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجلٍ فسألوه دانِقًا، يعني سدسَ درهم، أكان يردُّهم؟ قالوا: لا. قال: والله، لَلْمغفرةُ عندَ الله أهوَنُ من إجابة رجلٍ لهم بدانِقٍ. وإنِّي لأدعو الله أسألُ (٦) عَفْوَه … وأعلَمُ أن الله يعفُو ويغفِرُ لَئِنْ أعظَمَ النَّاسُ الذُّنوبَ فإنها … وإنْ عظُمَتْ في رحمةِ اللهِ تصغُرُ وعمَّا قليل يقف إخوانكم بعرفة في ذلك الموقف، فهنيئًا لمن رُزِقَهُ، يجأرون إلى الله بقلوبٍ محترقةٍ، ودموع مستبقةٍ؛ فكم فيهم من خائفٍ أزعجَهُ الخوفُ وأقلَقَه، ومحبٍّ ألهبَهُ الشَّوقُ وأحرقَهُ، وراجٍ أحسَنَ الظَّنَّ بوعدِ الله وصَدَّقه، وتائبٍ نَصَحَ لله في التَّوبة وصَدَقَه، وهاربٍ لجأ إلى باب الله وطَرَقَه؛ فكم هنالِك من مستوجبٍ للنار أنقذَه الله وأعتقه، ومن أسيرٍ (٧) للأوزار فكَّه وأطلَقَه. وحينئذ يطَّلع عليهم أرحَمُ الرُّحماء، ويُباهِي بجمعهم أهلَ السَّماء، ويدنو ثم يقول: ما أراد هؤلاء؟ لقد قطعنا عندَ وصولهم الحرمان (٨)، وأعطاهم نهاية سؤلهم الرحمان، هو الذي أعطَى وَمنَع، ووَصَلَ وقطَع.

стр. 492

ما أصنَعُ هكذا جَرَى المقدور … الجبر لغيري وأنا المكسور (١) أسير ذنبٍ مقيد ما سور … هل يمكن أن يُبْدَلَ المسطور (٢) من فاته في هذا العام القيامُ بعرَفَةَ فلْيقُمْ لله بحقِّه الذي عرفَه. من عجِزَ عن المبيت بمزدلفة فليبتَّ عزمه على طاعة الله، وقد قرَّبه وأَزْلَفَه. من لم يمكنه القيام بأرجاء الخَيْفِ، فليقمْ للهِ بحقِّ الرجاءِ والخوف. من لم يقدر على نَحْر هَدْيه بمنىً فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنى. من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد ربَّ البيت؛ فإنَّه أقرَبُ إلى من دعاه ورجاه من حَبْل الوريد. نفحت في هذه الأيام نَفْحَة من نَفَحاتِ الأنس من رياض القدس على كُل قلبٍ أجاب إلى ما دُعي. يا هممَ العارفين، بغير الله لا تقنعي. يا عزائمَ الناسكين، لجميع أَنْساك السالكين أجْمعي، لِحُبِّ مولاك افردي، وبين خوفِه ورجائه اقرني، وبذكره تمتعي (٣). يا أسرارَ المحبين، بكعبة الحُبِّ طُوفي وارْكعِي، وبين صفاء الصفا ومروة المروةِ اسْعِي وأسرِعي، وفي عرفات العرفان (٤) قفي وتضرّعي، ثم إلى مزدلفة الزُّلْفَى فادْفعي، ثم إلى مِنىً نيل المنى فارجعي. فإذا قُرِّب (٥) القرابين فقرِّبي الأرواح ولا تمنعي؛ لقد وضح اليوم الطريق، ولكن قَلَّ السَّالك (٦) على التحقيق وكثر المدَّعِي. لئن لم أحجَّ البيتَ إذْ شَطَّ (٧) رَبْعُهُ … حَجَجْتُ إلى مَنْ لا يَغيبُ عن الذِّكْر فأحْرَمْتُ مِن وقتِي بخَلْعِ نقائصي (٨) … أطوفُ وأسْعَى في اللطائف والبِرِّ صفايَ صفائي عن صفاتي ومَرْوَتي … مروءة قلبٍ عن سِوى حُبِّه قَفْرِ (٩) وفي عرفات الأُنس بالله موقفي … ومُزْدَلفي الزُّلْفَى لَدَيْهِ إلى الحَشْرِ وَبتَّ المُنَى منِّي مَبيتي في منى … وَرَمْيُ جِمارِي جَمْرُ شَوقيَ في صَدْرِي

стр. 493

وإشعارُ هَدْي ذَبْحُ نفسي بقهرها … وحَلْقي بمحق (١) الكائنات عن السِّرِّ وَمَن رَامَ نَفْرًا بعدَ نُسْكٍ فإنَّني … مُقِيمٌ على نُسْكِي حَيَاتي بلا نَفْرِ * * * المجلس الثالث في أيام التشريق خرَّج مسلم في "صحيحه" (٢) من حديث نُبَيْشَةَ الهُذَلي أن النبي ﷺ ، قال: "أَيَّامُ مِنىً (٣) أيَّامُ أكلٍ وشُرْبٍ، وذِكْرِ الله ". وخرَّجه أهل السُّنن والمسانيد من طرقٍ متعددةٍ (٤) عن النبي ﷺ ؛ وفي بعضها أن النبي ﷺ بعث في أيَّام منىً مناديًا ينادِي: "لا تصوموا هذه الأيام؛ فإنَّها أيام أكْلٍ وشرْبٍ وذِكْرٍ اللُهِ ". وفي رواية للنسائي (٥): "أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وصلاةٍ". وفي روَاية للدَّارقطني (٦) بإسنادٍ فيه ضعفٌ: "أيَّام أَكْلٍ وشُرْبٍ وَبِعَال" (٧). وفي رواية للإمام أحمد (٨): "مَن كان صائمًا فليفطر؛ فإنَّها أيامُ أكْلٍ وشرْبٍ". وفي رواية "إنها ليسَتْ أيَّامُ صيامٍ". أيَّام (٩) مِنىً هي الأيَّام المعدودات التي قال الله فيها: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١٠). وهي ثلاثة أيامٍ بعدَ يوم النَّحْر، وهي أيَّام التشريق، هذا قولُ ابن عمر وأكثرِ العلماء. ورُوِي عن ابن عباس وعطاءٍ أنَّها أربعةُ أيامٍ: يومُ النَّحْر، وثلاثةُ أيَّام بعدَه، وسمَّاها عطاء أيَّامَ التشريق؛ والأوَّل أظهر.

стр. 494

وقد قال النبي ﷺ : "أيَّام مِنىً ثلاثة، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١). خرَّجه أهلُ السُّنن الأربعة (٢) من حديث عبد الرحمن بن يَعْمَر، عن النبي ﷺ . وهذا صريح في أنها أيام التشريق. وأفضلُها أولُها، وهو يوم القَرِّ؛ لأنَّ أهلَ مِنىً يستقرّون فيه، ولا يجوز فيه النّفر. وفي حديث عبد الله بن قُرْط عن النبي ﷺ : "أعظمُ الأيَّام عند اللّه يومُ النَّحْر، ثم يوم القَر" (٣). وقد رُوِي عن سعيد بن المسيّب أن يومَ الحجِّ الأكبرِ هو يومُ القَرِّ، وهو غريبٌ. ثم يوم النَّفْر الأَوَّل، وهو أوسَطُها. ثم يوم النَّفْر الثاني، وهو آخرها. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١). قال كثيرٌ من السَّلف: يريد أن المتعجِّل والمتأخِّر يُغفَر له ويَذهبُ عنه الإِثم الذي كان عليه قبل حجِّه، إذا حجَّ فلم يرفُثْ ولم يَفْسُقْ، ورَجَعَ من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه. ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، فتكون التقوى شَرْطًا لذهاب الإِثم على هذا التقدير، وتصير الآية دالَّةً على ما صرَّح به قولُ النبي ﷺ : "مَن حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رَجَعَ مِن ذُنوبه كيوم وَلَدَتْهُ أمُّه" (٤). وقد أمر اللّه تعالى بذِكْرِه في هذه الأيَّام المعدُودات، كما قال النبيُّ ﷺ : "إنَّها أيام أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ الله ". وذِكْرُ الله المأمورُ به في أيَّام التشريق أنواعٌ متعددة: منها: ذِكْرُ الله عقِبَ (٥) الصَّلواتِ المكتوباتِ بالتكبير في أَدْبَارها، وهو مشروعٌ إلى آخر أيَّام التشريق عند جمهور العلماء. وقد رُوي عن عمر وعلي وابن عباس. وفيه حديثٌ مرفوع في إسناده ضعف.

стр. 495

ومنها: ذِكْرُه بالتَّسمية والتكبير عند ذَبْح النُّسُك؛ فإنَّ وقت ذبْح الهدايا والأضاحي يمتدُّ إلى آخر أيَّام التشريق عند جماعةٍ من العلماء، وهو قولُ الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، وفيه حديث مرفوع: "كُلُّ أيام مِنىً ذبْح" (١)، وفي إسناده مقال. وأكثر الصَّحابة على أنَّ الذبْح يختصُّ بيومين من أيَّام التشريق مع يوم النَّحْر، وهو المشهور عن أحمدَ، وقول مالكٍ، وأبي حنيفة، والأكثرين. ومنها: ذِكْرُ اللهِ على الأكْل والشرب؛ فإنَّ المشروع في الأكل والشرب أن يُسمِّيَ الله في أوله، ويحمَدَه في آخره. وفي الحديث عن النبي ﷺ : "إن اللّهَ يَرْضَى عن العَبْدِ أن يأكُلَ الأكْلَةَ فيحمَدَهُ عليها، ويشرَبَ الشَّرْبَة فيحمَدَه عليها" (٢). وقد رُوي أنَّ من سمَّى على أوَّل طعامه وحمِدَ اللّهَ على آخره، فقد أدَّى ثمنَه، ولم يُسألْ بعدُ عن شكره (٣). ومنها: ذِكْرُه بالتكبير عند رَمْي الجمار في أيَّام التشريق، وهذا يختصُ به أهلُ الموسم. ومنها: ذِكْرُ الله تعالى المطلقُ؛ فإنَّه يستحبُّ الإكثار منه في أيَّام التشريق، وقد كان عُمَرُ يُكبِّر بمنىً في قبّته، فيسمعه النَّاس فيكبِّرون فترتج منىً تكبيرًا. وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٤). وقد استحَبَّ كثيرٌ من السَّلف كثرةَ الدُّعاء بهذا في أيام التشريق.
следующие страницы →