← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

سُبْحانَ مَن لو سجدْنا بالعيون لَهُ … على حِمَى (١) الشَّوْكِ والمُحْمَى من الإبَر لم نَبْلُغ العُشْرَ مِن مِعْشَارِ نِعْمَتِه … ولا العُشَيْرَ ولا عُشْرًا من العُشَر هو الرفيعُ فَلَا الأبْصَارُ تُدْرِكُه … سُبْحانَهُ مِن مليكٍ نافِذِ القَدَرِ سبحانَ مَن هُو أُنسِي إذْ خَلَوْتُ به … في جَوْف ليلي (٢) وفي الظَّلماء والسَّحَرِ أنتَ الحبيبُ وأنتَ الحِبُّ (٣) يا أَمَلِي … مَن لي سِواك ومن أرجُوه يا ذُخرِي ومن العارفين من كان في الموقف يتعلَّق بأذيال الرجاء؛ قال ابنُ المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشيَّة عرَفَةَ، وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تهمُلان، فالتفت (٤) إليَّ، فقلت له: من أسوأُ هذا الجمع حالًا؟ قال: الذي يظنُّ أن الله لا يغفر لهم. ورُوي عن الفُضَيل أنَّه نظر إلى نشيج (٥) الناس وبكائهم عشيَّة عرَفَةَ، فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجلٍ فسألوه دانِقًا، يعني سدسَ درهم، أكان يردُّهم؟ قالوا: لا. قال: والله، لَلْمغفرةُ عندَ الله أهوَنُ من إجابة رجلٍ لهم بدانِقٍ. وإنِّي لأدعو الله أسألُ (٦) عَفْوَه … وأعلَمُ أن الله يعفُو ويغفِرُ لَئِنْ أعظَمَ النَّاسُ الذُّنوبَ فإنها … وإنْ عظُمَتْ في رحمةِ اللهِ تصغُرُ وعمَّا قليل يقف إخوانكم بعرفة في ذلك الموقف، فهنيئًا لمن رُزِقَهُ، يجأرون إلى الله بقلوبٍ محترقةٍ، ودموع مستبقةٍ؛ فكم فيهم من خائفٍ أزعجَهُ الخوفُ وأقلَقَه، ومحبٍّ ألهبَهُ الشَّوقُ وأحرقَهُ، وراجٍ أحسَنَ الظَّنَّ بوعدِ الله وصَدَّقه، وتائبٍ نَصَحَ لله في التَّوبة وصَدَقَه، وهاربٍ لجأ إلى باب الله وطَرَقَه؛ فكم هنالِك من مستوجبٍ للنار أنقذَه الله وأعتقه، ومن أسيرٍ (٧) للأوزار فكَّه وأطلَقَه. وحينئذ يطَّلع عليهم أرحَمُ الرُّحماء، ويُباهِي بجمعهم أهلَ السَّماء، ويدنو ثم يقول: ما أراد هؤلاء؟ لقد قطعنا عندَ وصولهم الحرمان (٨)، وأعطاهم نهاية سؤلهم الرحمان، هو الذي أعطَى وَمنَع، ووَصَلَ وقطَع.

стр. 492

ما أصنَعُ هكذا جَرَى المقدور … الجبر لغيري وأنا المكسور (١) أسير ذنبٍ مقيد ما سور … هل يمكن أن يُبْدَلَ المسطور (٢) من فاته في هذا العام القيامُ بعرَفَةَ فلْيقُمْ لله بحقِّه الذي عرفَه. من عجِزَ عن المبيت بمزدلفة فليبتَّ عزمه على طاعة الله، وقد قرَّبه وأَزْلَفَه. من لم يمكنه القيام بأرجاء الخَيْفِ، فليقمْ للهِ بحقِّ الرجاءِ والخوف. من لم يقدر على نَحْر هَدْيه بمنىً فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنى. من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد ربَّ البيت؛ فإنَّه أقرَبُ إلى من دعاه ورجاه من حَبْل الوريد. نفحت في هذه الأيام نَفْحَة من نَفَحاتِ الأنس من رياض القدس على كُل قلبٍ أجاب إلى ما دُعي. يا هممَ العارفين، بغير الله لا تقنعي. يا عزائمَ الناسكين، لجميع أَنْساك السالكين أجْمعي، لِحُبِّ مولاك افردي، وبين خوفِه ورجائه اقرني، وبذكره تمتعي (٣). يا أسرارَ المحبين، بكعبة الحُبِّ طُوفي وارْكعِي، وبين صفاء الصفا ومروة المروةِ اسْعِي وأسرِعي، وفي عرفات العرفان (٤) قفي وتضرّعي، ثم إلى مزدلفة الزُّلْفَى فادْفعي، ثم إلى مِنىً نيل المنى فارجعي. فإذا قُرِّب (٥) القرابين فقرِّبي الأرواح ولا تمنعي؛ لقد وضح اليوم الطريق، ولكن قَلَّ السَّالك (٦) على التحقيق وكثر المدَّعِي. لئن لم أحجَّ البيتَ إذْ شَطَّ (٧) رَبْعُهُ … حَجَجْتُ إلى مَنْ لا يَغيبُ عن الذِّكْر فأحْرَمْتُ مِن وقتِي بخَلْعِ نقائصي (٨) … أطوفُ وأسْعَى في اللطائف والبِرِّ صفايَ صفائي عن صفاتي ومَرْوَتي … مروءة قلبٍ عن سِوى حُبِّه قَفْرِ (٩) وفي عرفات الأُنس بالله موقفي … ومُزْدَلفي الزُّلْفَى لَدَيْهِ إلى الحَشْرِ وَبتَّ المُنَى منِّي مَبيتي في منى … وَرَمْيُ جِمارِي جَمْرُ شَوقيَ في صَدْرِي

стр. 493

وإشعارُ هَدْي ذَبْحُ نفسي بقهرها … وحَلْقي بمحق (١) الكائنات عن السِّرِّ وَمَن رَامَ نَفْرًا بعدَ نُسْكٍ فإنَّني … مُقِيمٌ على نُسْكِي حَيَاتي بلا نَفْرِ * * * المجلس الثالث في أيام التشريق خرَّج مسلم في "صحيحه" (٢) من حديث نُبَيْشَةَ الهُذَلي أن النبي ﷺ ، قال: "أَيَّامُ مِنىً (٣) أيَّامُ أكلٍ وشُرْبٍ، وذِكْرِ الله ". وخرَّجه أهل السُّنن والمسانيد من طرقٍ متعددةٍ (٤) عن النبي ﷺ ؛ وفي بعضها أن النبي ﷺ بعث في أيَّام منىً مناديًا ينادِي: "لا تصوموا هذه الأيام؛ فإنَّها أيام أكْلٍ وشرْبٍ وذِكْرٍ اللُهِ ". وفي رواية للنسائي (٥): "أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وصلاةٍ". وفي روَاية للدَّارقطني (٦) بإسنادٍ فيه ضعفٌ: "أيَّام أَكْلٍ وشُرْبٍ وَبِعَال" (٧). وفي رواية للإمام أحمد (٨): "مَن كان صائمًا فليفطر؛ فإنَّها أيامُ أكْلٍ وشرْبٍ". وفي رواية "إنها ليسَتْ أيَّامُ صيامٍ". أيَّام (٩) مِنىً هي الأيَّام المعدودات التي قال الله فيها: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١٠). وهي ثلاثة أيامٍ بعدَ يوم النَّحْر، وهي أيَّام التشريق، هذا قولُ ابن عمر وأكثرِ العلماء. ورُوِي عن ابن عباس وعطاءٍ أنَّها أربعةُ أيامٍ: يومُ النَّحْر، وثلاثةُ أيَّام بعدَه، وسمَّاها عطاء أيَّامَ التشريق؛ والأوَّل أظهر.

стр. 494

وقد قال النبي ﷺ : "أيَّام مِنىً ثلاثة، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١). خرَّجه أهلُ السُّنن الأربعة (٢) من حديث عبد الرحمن بن يَعْمَر، عن النبي ﷺ . وهذا صريح في أنها أيام التشريق. وأفضلُها أولُها، وهو يوم القَرِّ؛ لأنَّ أهلَ مِنىً يستقرّون فيه، ولا يجوز فيه النّفر. وفي حديث عبد الله بن قُرْط عن النبي ﷺ : "أعظمُ الأيَّام عند اللّه يومُ النَّحْر، ثم يوم القَر" (٣). وقد رُوِي عن سعيد بن المسيّب أن يومَ الحجِّ الأكبرِ هو يومُ القَرِّ، وهو غريبٌ. ثم يوم النَّفْر الأَوَّل، وهو أوسَطُها. ثم يوم النَّفْر الثاني، وهو آخرها. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١). قال كثيرٌ من السَّلف: يريد أن المتعجِّل والمتأخِّر يُغفَر له ويَذهبُ عنه الإِثم الذي كان عليه قبل حجِّه، إذا حجَّ فلم يرفُثْ ولم يَفْسُقْ، ورَجَعَ من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه. ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، فتكون التقوى شَرْطًا لذهاب الإِثم على هذا التقدير، وتصير الآية دالَّةً على ما صرَّح به قولُ النبي ﷺ : "مَن حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رَجَعَ مِن ذُنوبه كيوم وَلَدَتْهُ أمُّه" (٤). وقد أمر اللّه تعالى بذِكْرِه في هذه الأيَّام المعدُودات، كما قال النبيُّ ﷺ : "إنَّها أيام أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ الله ". وذِكْرُ الله المأمورُ به في أيَّام التشريق أنواعٌ متعددة: منها: ذِكْرُ الله عقِبَ (٥) الصَّلواتِ المكتوباتِ بالتكبير في أَدْبَارها، وهو مشروعٌ إلى آخر أيَّام التشريق عند جمهور العلماء. وقد رُوي عن عمر وعلي وابن عباس. وفيه حديثٌ مرفوع في إسناده ضعف.

стр. 495

ومنها: ذِكْرُه بالتَّسمية والتكبير عند ذَبْح النُّسُك؛ فإنَّ وقت ذبْح الهدايا والأضاحي يمتدُّ إلى آخر أيَّام التشريق عند جماعةٍ من العلماء، وهو قولُ الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، وفيه حديث مرفوع: "كُلُّ أيام مِنىً ذبْح" (١)، وفي إسناده مقال. وأكثر الصَّحابة على أنَّ الذبْح يختصُّ بيومين من أيَّام التشريق مع يوم النَّحْر، وهو المشهور عن أحمدَ، وقول مالكٍ، وأبي حنيفة، والأكثرين. ومنها: ذِكْرُ اللهِ على الأكْل والشرب؛ فإنَّ المشروع في الأكل والشرب أن يُسمِّيَ الله في أوله، ويحمَدَه في آخره. وفي الحديث عن النبي ﷺ : "إن اللّهَ يَرْضَى عن العَبْدِ أن يأكُلَ الأكْلَةَ فيحمَدَهُ عليها، ويشرَبَ الشَّرْبَة فيحمَدَه عليها" (٢). وقد رُوي أنَّ من سمَّى على أوَّل طعامه وحمِدَ اللّهَ على آخره، فقد أدَّى ثمنَه، ولم يُسألْ بعدُ عن شكره (٣). ومنها: ذِكْرُه بالتكبير عند رَمْي الجمار في أيَّام التشريق، وهذا يختصُ به أهلُ الموسم. ومنها: ذِكْرُ الله تعالى المطلقُ؛ فإنَّه يستحبُّ الإكثار منه في أيَّام التشريق، وقد كان عُمَرُ يُكبِّر بمنىً في قبّته، فيسمعه النَّاس فيكبِّرون فترتج منىً تكبيرًا. وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٤). وقد استحَبَّ كثيرٌ من السَّلف كثرةَ الدُّعاء بهذا في أيام التشريق.

стр. 496

قال عكرمة: كان يُستحَبُّ أن يُقالَ في أيام التشريق: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وعن عطاءٍ، قال: ينبغي لكُلٍّ مَن نَفَر أن يقولَ حين ينفِرُ متوجهًا إلى أهله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. خرَّجهما عبدُ بن حُميد في تفسيره. وهذا الدعاء من أجمع الأدعية للخير، وكان النبي ﷺ يكثِرُ منه، ورُوِي أنَّه كان أكثَرَ دعائه، وكان إذا دعا بدعاءٍ جعَلَه معه؛ فإنَّه يجمع خيرَ الدنيا والآخرة. قال الحسن: الحسنة في الدنيا العِلْم والعبادة، وفي الآخرة الجنة. وقال سفيان: الحسنة في الدنيا العلْم والرزق الطيّب، وفي الآخرة الجنة. والدُّعاءُ من أفضل أنواع ذِكْر الله . وقد رَوَى زيادٌ الجصَّاص عن أبي كِنانة القرشي أنَّه سمع أبا موسى الأشعري، يقول في خطبته يوم النَّحْر: بعد يوم النَّحر ثلاثة أيام التي ذكر الله الأيام المعدُودات لا يُرَدُّ فيهن الدُّعاء، فارفعوا رغبتكم إلى الله . وفي الأمر بالذكر عند انقضاء النُّسُك معنىً، وهو أنَّ سائر العبادات تنقضي ويفرغ منها، وذِكْرُ الله باقٍ لا ينقضِي ولا يُفرَغ منه، بل هو مستمر للمؤمنين في الدنيا والآخرة. وقد أمر الله تعالى بذكره عند انقضاء الصلاة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (١)، وقال تعالى في صَلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٣). رُوِي عن ابن مسعود، قال: فإذا فرغْتَ من الفرائض فانْصَبْ. وعنه في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: في المسألة، وأنت جالس. وقال الحسن: أمرَه إذا فرغ من غزوه أن يجتهدَ في الدُّعاء والعبادة، والأعمالُ كلُّها يُفرغ منها، والذِّكر لا فراغ له ولا انقضاء؛ والأعمالُ تنقطع بانقطاع الدُّنيا ولا يبقَى منها

стр. 497

شيء في الآخرة، والذِّكر لا ينقطع. المؤمنُ يعيش على الذكر، ويموت عليه، وعليه يُبعث. أحسِبْتُمُ أنَّ الليالي غَيَّرَتْ … عَهْدَ الهَوَى لا كانَ مَن يتغيَّرُ يفنَى الزَّمانُ وليس يفنَى ذِكْركُمْ … وعلى محبَّتِكُم أَمُوتُ وأُحْشَرُ قال ذو النون: ما طابت الدنيا إلَّا بذكره، ولا الآخرة إلَّا بعفوه، ولا الجنَّة إلَّا برؤيته. بِذِكْرِ اللهِ تَرْتَاحُ القُلُوبُ … وَدُنيانا بذِكْراهُ تطيبُ إذا ذُكِرَ المحبوبُ عندَ حَبِيبِهِ … تَرَنَّح نَشوانٌ وحَنَّ طَروبُ (١) فأيَّام التشريق يجتمع فيها للمؤمنين نعيمُ أبدانهم بالأَكْل والشُّرب، ونعيمُ قلوبهم بالذِّكر والشكر؛ وبذلك تتمّ النِّعمة (٢)، وكلما أحدَثُوا شكرًا على النِّعْمة كان شكرُهم نعمةً أخرى، فيحتاج إلى شكر آخر، ولا ينتهي الشكر أبدًا (٣). إذا كان شُكْرِي نِعْمَةَ اللهِ نِعْمَةً … عليَّ لَهُ في مِثْلِها يَجِبُ الشُّكْرُ فكيفَ بلوغ (٤) الشُّكْر إلَّا بفضْلِهِ … وإنْ طالَتِ الأيَّام واتَّصَلَ العُمْرُ وفي قول النبي ﷺ "إنَّها أيام أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللهِ عزَّوجلَّ" إشارةٌ إلى أنَّ الأكل في أيَّام الأعياد والشُّربَ إنَّما يُستعانُ به على ذِكْر اللهِ تعالى وطاعتِه، وذلك من تمام شُكْر النَّعمة أن يستعانَ بها على الطاعات. وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيِّبات والشكر له، فمن استعان بنعم الله على معاصيه فقد كَفَر نِعْمَةَ اللهِ وبدَّلها كُفْرًا، وهو جديرٌ أن يُسْلَبَها، كما قيل:

стр. 498

إذا كنْتَ في نِعْمةٍ فارْعَها … فإنَّ المعاصِي تُزيلُ النِّعم وداوِمْ عليها بشُكْر الإله … فشُكْرُ الإِله يُزيلُ النِّقَم وخصوصًا نعمة الأكل من لحوم بهيمة الأنعام، كما في أيام التشريق؛ فإنَّ هذه البهائم مُطيعةٌ لله لا تَعصيه، وهي مُسبِّحة له قانتة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (١)، وأنَّها تسجُد له، كما أخبر بذلك في سورة النحل (٢) وسورة الحج (٣)، وربما كانت أكثرَ ذكرًا لله من بعض بني آدم. وفي "المسند" (٤) مرفوعًا: "رُبَّ بهيمةٍ خيرٌ من راكبها، وأكثَرُ للهِ منه ذكرًا". وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن كثيرًا من الجنِّ والإنس كالأنعام بل هم أضلُّ. فأباح الله ذَبْحَ هذه البهائم المطيعة الذاكرة له لعباده المؤمنين حتى تتقوَّى بها أبدانُهم، وتكمُلَ لذَّاتُهم في أكلهم اللحوم، فإنَّها (٥) من أجلّ الأغذية وألذّها، مع أنَّ الأبدان تقوم بغير اللحم من النباتات وغيرِها، لكن لا تكمُل القوَّة والعقل واللذةُ إلَّا باللحم، فأباح للمؤمنين قَتْلَ هذه البهائم والأكْلَ من لحومها؛ ليكمِلَ بذلك قوَّةَ عباده وعقولَهم، فيكون ذلك عَوْنًا لهم على علومٍ نافعةٍ وأعمالٍ صالحةٍ يمتاز بها بنو آدم على البهائم، وعلى ذِكْرِ اللهِ ، وهو أكثر (٦) من ذكر البهائم، فلا يليق بالمؤمن مع هذا إلَّا مقابلة هذه النِّعم بالشكر عليها، والاستعانة بها على طاعة الله ، وذِكْرِه حيثُ فضَّلَ الله ابنَ آدم على كثير من المخلوقات، وسخَّر له هذه الحيوانات، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧). فأمَّا مَن قَتَلَ هذه البهائمَ (٨) المطيعةَ الذَّاكرة لله ، ثم استعان بأكْل لحومها على معاصِي الله ، ونسِي ذكرَ اللهِ ، فقد قلَبَ الأمرَ وكفرَ النِّعمة، فلا كان من كانت البهائمُ خيرًا منه وأطوَعَ.

стр. 499

نهارُك يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ … وليلُكَ نَوْمٌ والرَّدَى لكَ لازِمُ وتتعَبُ فيما سَوْفَ تكْرَهُ غِبَّهُ (١) … كذلك في الدُّنيا تعيشُ البَهائمُ وإنَّما نُهِيَ عن صيام أيام التشريق؛ لأَنَّها أعيادٌ للمسلمين مع يوم النَّحر، فلا تُصامُ بمنىً ولا غيرِها عندَ جمهور العلماء، خلافًا لعطاء، في قوله: إنَّ النهي مختصٌّ (٢) بأهل منًى، وإنما نُهِي عن التطوُّع بصيامها، سواء وافَقَ عادةً أو لم يُوافق. فأمَّا صيامُها عن قضاءِ فرضٍ أو نَذْرٍ، أو صيامُها بمنىً للمتمتع إذا لم يجد الهَدْي، ففيه اختلافٌ مشهورٌ بين العلماء، ولا فرقَ بين يومٍ منها ويومٍ عند الأكثرين، إلَّا عند مالكٍ؛ فإنَّه قال: في اليوم الثالث منها يجوز صيامُه عن نَذْرٍ خاصةً. وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمرِ بالأكْل فيها والشُّرب سِرٌّ حسنٌ، وهو أن الله تعالى لمَّا علِمَ ما يُلاقي الوافِدون إلى بيته من مشاقّ السَّفر وتعب الإِحرام وجهاد النفوس على قضاءِ المناسِك، شَرَعَ لهم الاستراحةَ عقيب ذلك بالإِقامة بمنىً يوم النَّحْر وثلاثة أيام (٣) بعدَه، وأمرَهم بالأكْل فيها من لحونم نُسُكهم؛ فهم في ضيافة الله فيها؛ لطفًا من إله بهم، ورأفةً ورحمةً. وشاركهم أيضًا أهلُ الأمصار في ذلك؛ لأنَّ أهلَ الأمصار شاركوهم في حصول المغفرة والنَّصَبِ لله والاجتهاد في عَشْر ذي الحجّة؛ بالصَّوم والذِّكْرِ والاجتهاد في العبادات، وشاركوهم في حُصول المغفرة وفي التقرُّب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحي، فشاركوهم في أعيادهم، واشترك الجميع في الراحة في أيام الأعياد بالأكْل والشُّرْب، كما اشتركوا جميعًا في أيام العَشْر في الاجتهاد في الطاعة والنَّصَب، وصار المسلمون كلُّهم في ضيافة اللهِ في هذه الأيام، يأكلون من رزقه، ويشكرونه على فضله. ونُهوا عن صيامها؛ لأنَّ الكريم لا يليق به أن يُجيعَ أضيافَهُ، فكأنَّه قيل للمؤمنين في هذه الأيام: قد فَرَغَ عملُكم الذي عَمِلْتُموه، فما بقي لكم إلَّا الرَّاحة؛ فهذه الراحة

стр. 500

بذلك التعب، كما أريح الصائمون لله في شهر رمضانَ بأمرهم بإفطار يوم عيد الفطر. ويؤخذ من هذا إشارة إلى حال المؤمن في الدنيا؛ فإنَّ الدُّنيا كلَّها أيامُ سَفَرٍ كأيَّام الحجِّ، وهي زمانُ إحرام المؤمن عمَّا حرَّم الله عليه من الشهوات، فمن صَبَرَ في مدَّة سفرِه على إحرامه وكفَّ عن الهوى، فإذا انتهى سفر عمره ووَصَل إلى مِنَى المُنى، فقد قضَى تَفَثَه ووفَّى نَذْره، فصارت أيَّامُه كلُّها كأيَّام مِنىً، أيَّامُ أَكْلٍ وشُربٍ وذِكْرِ اللهِ ، وصار في ضيافة اللهِ في جواره أبدَ الأبد، ولهذا يقال لأهل الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (٢). وقد قيل: إنَّها نزلت في الصُّوَّام في الدنيا. وقد صُمْتُ عن لذات دهريَ كُلّها … وَيَوْمَ لقاكُمْ ذَاكَ فِطْرُ صِيامِي قال بعضُ السَّلف: صُم (٣) الدنيا وليكن فطرك الموت. [غيره] (٤): فصُمْ يومَكَ الأدنى لَعَلَّكَ في غَدٍ … تفوزُ بعيدِ الفِطْرِ والنَّاسُ صُوَّمُ من صام اليومَ عن شهواته أفطَرَ عليها غدًا بعد وفاته، ومن تعجَّل ما حُرِّم عليه من لذَّاته عُوقِب بحرمان نصيبهِ من الجنة وفواتِهِ؛ شاهدُ ذلك مَن شرِبَ الخمرَ في الدُّنيا لم يشربْها في الآخرة، ومن لبس الحرير لم يلْبَسْه في الآخرة. أنتَ في دار شَتاتٍ … فتأهَّبْ لشَتاتِكْ واجْعَلِ الدُّنيا كيومٍ … صُمْتَه عن شَهواتِك ولْيكُن فِطْرُك عندَ اللَّـ … ـهِ في يَوْمِ وفاتِك قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥). الجنَّة ضيافة اللهِ أعدَّها لعباده المؤمنين نُزُلًا، فيها ما لا عَيْنٌ رأتْ ولا أذنً سمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلب بشرٍ. وبُعِثَ (٦) رسولُ الله ﷺ يدعو إليها بالإِيمان

стр. 501

والإِسلام والإِحسان، فمن أجابه دخلَ الجنَّة وأَكَلَ من تلك الضيافة، ومن لم يجبْ حُرِم. خرَّج الترمذي (١) عن جابر، قال: "خرج علينا رسولُ الله ﷺ يومًا، فقال: رأيتُ في المنام كأنَّ جبريلَ عند رأسي وميكائيلَ عند رجليَّ، فقال أحدُهما لصاحبه: اضْرِبْ له مثلًا، فقال: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ (٢)، واعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُك؛ إنَّما مثَلُكَ ومثَلُ أُمَّتِك كمثل ملِكٍ اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بيتًا (٣)، وجعل فيها مائدة (٤)، ثم بعث رسولًا يَدْعُو النَّاسَ إلى طعامه؛ فمنهم من أجاب الرسولَ، ومنهم مَن ترَكَه، فاللهُ تعالى: هو المَلِكُ، والدَّارُ هي الإسلامُ، والبيتُ الجنَّةُ، وأنتَ يا محمّد رسولٌ، من أجابك دخَلَ الإِسلام، ومن دخل الإسلامَ دخَل الجنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجنَّة أكَلَ مما فيها". وخرَّجه البخاري (٥) بمعناه، ولفظه: "مثلُهُ كمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دارًا، وجَعَلَ فيها مأدُبَةً، وبَعَثَ داعيًا، فمن أجاب الدَّاعي دَخَلَ الدَّارَ وأَكَلَ مِن المأدُبَة، ومن لم يُجِبِ الدَّاعِي لم يدخُلِ الدَّارَ ولم يأْكُلْ مِنَ المأْدُبَة؛ والدَّارُ الجنة، والدَّاعي محمد ﷺ ". في بعض الآثار الإِسرائيلية يقولُ الله تعالى: "ابنَ آدمَ! ما أنصفتني، أذكُرُكَ وتنسَاني، وأدعوك إليَّ فتفرّ منِّي إلى غيري، وأُذْهِبُ عنك البَلايا وأنتَ منعكِف (٦) على الخطايا، ابنَ آدم! ما يكونُ اعتذارك غدًا إذا جئتني؟ طوبى لمن أجاب دعوة (٧) مولاه، ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (٨). يا نفس ويحكِ قد أتاكِ هُداكِ (٩) … أَجيبي فَدَاعِي الحَقِّ قَدْ نَادَاكِ كم قد دُعِيتِ إلى الرَّشاد فتعرضِي … وأَجَبْتِ (١٠) داعِي الغَيِّ حينَ دَعَاكِ

стр. 502

كُلُّ ما في الدنيا يذكِّر بالآخرة؛ فمواسِمُها وأعيادُها وأَفراحُها تذكِّر بمواسم الآخرة وأَعيادِها وأفراحِها. صنع عبدُ الواحد بن زيد طعامًا لإخوانه، فقام عُتْبَةُ الغُلام على رؤوس الجماعة يخدُمُهم وهو صائم، فجعل عبدُ الواحد ينظرُ إليه ويُسَارِقه النظر ودُموعُ عُتْبَةَ (١) تجري، فسأله بعد ذلك عن بكائِه (٢) حينئذ، فقال: ذكرْتُ موائدَ الجنَّة والولدانُ قائمون على رؤُوسهم؛ فصعق عبدُ الواحد. أَبْدَانُ العارفينَ في الدنيا وقلوبُهم في الآخرة. جِسْمِي مَعِي غَيْرَ أن الرُّوحَ عندَكُمُ … فالجِسْمُ في غُربةٍ والرُّوحُ في وَطَنِ أعيادُ الناس تنقضِي، فأمَّا أعيادُ العارفين فدائمة. قال الحسن: كُلُّ يومٍ لا تعصِي الله فيه فهو لكَ عيدٌ. جاء بعضُهم إلى بعض العارفين فسلَّم عليه، وقال له: أريدُ أن أكلمك، قال (٣): اليوم لنا عيد، فتركه، ثم جاءه يومًا آخر، فقال له مثل ذلك، ثم جاء (٤) يومًا آخر، فقال له مثل ذلك. فقال له: ما أكثَرَ أعيادَك! قال: يا بطَّال (٥)! أما علِمْتَ أنَّ كُلَّ يومٍ لا نَعصِي الله فيه فهو لنا عيد. أوقات العارِفين كلُّها فرحٌ وسرورٌ بمناجاةِ مولاهم وذكرِه، فهي أعيادٌ. وكان الشِّبْلِي ينشِدُ: إذا ما كنْتَ لي عِيدًا … فما أصنَعُ بالعِيدِ جَرَى حُبُّكَ في قلبي … كجرْي الماء في العُودِ وأنشد أيضًا: عِيدِي مُقيمٌ وَعِيدُ النَّاسِ منصَرفُ … والْقَلْبُ منِّي عن اللَّذات مُنحرِفُ وَلي قرينان ما لي منهما خلَفٌ … طُولُ الحَنين وعَيْنٌ دَمْعُها يَكِفُ * * *

стр. 503

المجلس الرابع في ذِكر ختام العام خرَّج الإِمام أحمد (١) من حديث جابر، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تتمنَّوا (٢) الموت؛ فإنَّ هَوْلَ المطّلع شَدِيد، وإنَّ من السَّعادة أن يَطُولَ عُمُرُ العَبْدِ ويرزُقَه اللهُ الإِنابة". تمني الموت (٣) يقع على وجوهٍ: منها: تمنيه لضُرٍّ دنيوي ينزل بالعبد، فيُنهَى حينئذ عن تمني الموت. وفي "الصحيحين" (٤): عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يتَمنَّيَنَّ أحدُكُم الموتَ لِضُرٍّ نَزَلَ به، فإنْ كان لا بُدَّ فاعلًا، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ، أَحْيِني ما كانَتِ الحياةُ خَيْرًا لي، وتوفَّنِي إذا كان الوفاةُ خَيْرًا لي". ووجه كراهته في هذه الحال أنَّ المتمني للموت لِضُرٍّ نزل به، إنَّما يتمنَّاه تعجيلًا للاستراحة من ضُرِّه، وهو لا يدري إلى ما يصير بعدَ الموت، فلعله يصير إلى ضُرٍّ أعظَمَ من ضُرِّه، فيكون كالمستجير من الرَّمضاء بالنار. وفي الحديث: عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّما يستريحُ مَن غُفِر له" (٥). فلهذا لا ينبغي له أن يدعو بالموت إلا أن يشترط أن يكونَ خيرًا له عندالله ، وكذلك كُلُّ ما لا يعلم العبدُ فيه الخيرةَ له، كالغنى والفقر وغيرهما، كما يُشرَع له استخارة الله تعالى فيما يريدُ أن يعمله مما لايعلم وجه الخيرة فيه، وإنما يُسأل الله على وجه الجزم والقطع مما يُعلَم أنَّه خيرٌ محضٌ، كالمغفرة والرَّحمة والعفو والعافية والتُّقى والهُدَى ونحو ذلك.

стр. 504

ومنها: تمنيه خوفَ الفتنة في الدِّين، فيجوز حينئذ. وقد تمنَّاه ودعا به خشيةَ فتنة الدِّين (١) خلْقٌ من الصحابة وأئمة الإِسلام. وفي حديث المنام: "وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقْبِضْنِي إليكَ غيرَ مَفْتُونٍ" (٢). ومنها: تمني الموت عند حضور أسباب الشهادة اغتنامًا لحصولها، فيجوز ذلك أيضًا. وسؤال الصحابة الشهادة وتعرُّضُهم لها عندَ حضور الجهاد كثيرٌ مشهور، وكذلك سؤال معاذ لنفسه وأهل بيته الطاعون لمَّا وقع بالشام. ومنها: تمني الموت لمن وثِقَ بعمله شوقًا إلى لقاء الله ، فهذا يجوز أيضًا، وقد فعلَه كثير من السَّلف. قال أبو الدَّرداء: أُحِبُّ الموتَ اشتياقًا إلى ربِّي. وقال أبو عِنَبَةَ (٣) الخولاني: كان مَن قبلكم لقاءُ اللهِ أحبُّ إليه من الشهد. وقال بعض العارفين: طالت عليَّ الأيام والليالي بالشوق إلى لقاء الله . وقال بعضُهم: طال شوقي إليك فعجِّلْ قَدومي عليك. وقال بعضُهم: لا تطيبُ نفسِي بالموت إلَّا إذا ذكرت لقاءَ الله ؛ فإنَّني أشتاق حينئذ إلى الموت، كشوقِ الظمآن الشديدِ ظمؤُه في اليوم الحارّ الشديد حرُّهُ إلى الماء البارد الشديد بردُهُ، وفي هذا يقولُ بعضُهم: أشتاقُ إليكَ يا قريبًا نائي … شوقَ ظام (٤) إلى زُلال الماءِ وقد دلَّ على جواز ذلك قولُ الله : ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا

стр. 505

الْمَوْتَ﴾ (١)، فدَلَّ ذلك على أنَّ أولياء الله لا يكرهون الموت بل يتمنونه، ثم أخبر أنهم ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (٢)، فدَلَّ على أنَّه إنَّما يكْرَه الموتَ مَن له ذنوبٌ يخاف القدومَ عليها، كما قال بعضُ السلف: ما يكره الموتَ إلا مُريب. وفي حديث عمَّار بن ياسر، عن النبي ﷺ : "أسألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وَجْهِكَ وَشَوقًا إلى لقائِكَ، في غير ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّة" (٣). فالشوق إِلى لقاء الله تعالى إنما يكون بمحبة الموت، وذلك لا يقَعُ غالبًا إلَّا عند خوف ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ في الدنيا، أو فتنةٍ مُضِلَّةٍ في الدِّين. فأمَّا إذا خلا عن ذلك، كان شوقًا إلى لقاء الله ، وهو المسؤول في هذا الحديث. وفي "المسند" (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "لا يتمنين الموتَ إِلَّا مَن وَثِقَ بعمله". فالمطيع لله مستأنسٌ بربِّه، فهو يحبُّ لقاءَ الله، واللهُ يحبُّ لقاءه. والعاصِي مستوحش، بينَه وبينَ مولاه وحشةُ الذُّنوب، فهو يكره لقاءَ ربِّه ولابدَّ له منه. قال ذوالنون: كُلُّ مطيعٍ مستأنِسٌ، وكُلُّ عاصٍ مستوحِشٌ. وفي هذا يقول بعضُهم: أمستوحشٌ أَنْت مما جنيتَ (٥) فأحسِنْ إِذا شئْت واسْتأنِسِ قال أبو بكر الصديق لعمر ﵄ في وصيته له عند الموتِ (٦): إِن حفِظْت وَصِيَّتي لم يكن غائبٌ أحبَّ إِليك من الموت ولا بُدَّ لك منه، وإن ضيعتَها لم يكن غائبٌ أكرَه إليك من الموت ولن تُعجزَه. قال أبو حازم: كُلُّ عملٍ تكره الموتَ من أجله فاتركْه، ثم لا يضرُّك متى مُتَّ. العاصي يفِرُّ من الموت لكراهية لقاءِ الله، وأين يفِرُّ مَن هو في قبضةِ مَن يطلبُه. أينَ المَفَرُّ والإِلهُ الطَّالِبُ … والمجرِمُ المغلُوبُ ليسَ الغالِبُ

стр. 506

سئل أبو حازم: كيفَ القدوم على الله؟ قال: أمَّا المطيعُ (١) فكقدوم الغائب على أهله المشتاقين إليه، وأمَّا العاصِي فكقُدوم الآبق على سيِّدِهِ الغضبان. رؤي بعضُ الصالحين في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: خيرًا، لم تَرَ مثلَ الكريم إذا حلَّ به المطيع (٢). الدنيا كلُّها شهرُ صيامِ المتقينَ، وعيدُ فطرِهم يومَ لقاءِ ربِّهم، كما قيل: وقد صُمْتُ عن لذَّاتِ دَهْرِي كلِّها … ويومَ لقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي ومنها: تمني الموت على غير الوجوه المتقدِّمة، فقد اختلف العلماء في كراهته واستحبابه، وقد رخَّص فيه جماعة من السَّلف، وكرهه آخرون، وحكى بعضُ أصحابنا عن أحمد في ذلك روايتين ولا يصحُّ؛ فإنَّ أحمد إنما نصَّ على كراهة تمني الموت؛ لضرر الدنيا، وعلى جواز تمنيه خشيةَ الفتنة في الدِّين. وربما أدخل بعضُهم في هذا الاختلاف القسمَ الذي قبلَه، وفي ذلك نظر. واستدلَّ مَن كرِهَه بعمُوم النَّهي عنه، كما في حديث جابر الذي ذكرناه، وفي معناه أحاديثُ أُخَرُ يأتي بعضُها إن شاء الله تعالى. وقد عُلِّلَ النهيُ عن تمني الموت في حديث جابر بعلتين: إحداهما: أنَّ هَوْلَ المُطَّلَعِ شديد، وهولُ المُطَّلَعِ هو ما يُكشَفُ للميت عندَ حضور الموت من الأهوال التي لا عهدَ له بشيء منها في الدنيا؛ من رؤية الملائكة، ورؤية أعماله من خيرٍ أو شرٍّ، وما يُبَشَّرُ به عند ذلك من الجنَّة والنار، هذا مع ما يلقاه من شدَّةِ الموتِ وكَرْبِه وغُصَصِه. وفي الحديث الصحيح (٣): "إذا حُمِلَت الجنازة وكانت صالحة، قالت: قدِّموني قدِّموني، وإن كانت غيرَ ذلك، قالت: يا ويلَها! أين تذهبون بها؟ يَسمَعُ صوتَها كُلُّ شيء إلَّا الإِنسانَ، ولو سَمِعَها الإنسانُ لَصعِقَ". قال الحسن: لو علم ابنُ آدمَ أنَّ له في الموت راحةً وفرحًا لشَقَّ عليه أن يأتيَه الموتُ؛ لِما يعلَمُ من فظاعته وشدَّته وهولهِ، فكيف وهو لا يعلَمُ ما لَه في الموت نعيمٌ (٤) دائمٌ أو عذابٌ مقيمٌ. بكى النَّخعي عند

стр. 507

احتضاره، وقال: أنتظِرُ ملَكَ الموتِ لا أدري يُبشرني بالجنة أو النار. فالمتمني للموت كأنه يستعجل حلولَ البلاء، وإنما أمرنا بسؤال العافية. وسمعَ ابنُ عُمَرَ رجلًا يتمنَّى الموت، فقال: لا تتمنَّ (١) الموت؛ فإنَّك ميت، ولكن سَلِ الله العافيةَ. قال إبراهيم بن أدهم: إن للموت كأسًا لا يقوَى عليها إلا خائفٌ وَجِلٌ مطيعٌ لله كان يتوقَّعُها. وقال أبو العتاهية (٢): أَلا لِلْمَوْتِ كأْسٌ أيُّ كأسِ … وأنْتَ لِكَأْسِهِ لا بُدَّ حاسِي إلى كَمْ والمماتُ (٣) إلى قريبٍ … تُذَكَّر بالممات وأنتَ ناسِي جَزِعَ الحسنُ بن علي ﵄ عند مَوْته، وقال: إني أريد أن أُشرِفَ على ما لم أشرِفْ عليه قطُّ. وبكى الحسنُ البصريُّ عندَ موته، وقال: نُفَيْسَةٌ ضعيفةٌ وأمرٌ مهولٌ (٤) عظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقول: إنِّي أريد أن أسافر سفرًا ما سافرته قطُّ، وأسلُكُ طريقًا ما سلكْتُه قطُّ، وأزورُ سيّدي ومولاي وما رأيتُه قطُّ، وأُشْرِفُ على أهوال ما شاهدْتُها قطُّ. فهذا كلُّه من هَوْل المُطلَع الذي قطَعَ قلوبَ الخائفين، حتى قال عمر عند موته: لو أن لي ما في الأرض لافتديتُ به من هَوْلِ المُطَّلَع. ومن هول المُطَّلَع ما يُكشَفُ للميت عند نزوله قبرَه من فتنةِ القبْر؛ فإنَّ الموتى يُفتنون بالمسالة في قبورهم مثلَ أو قريبًا من فتنة المسيح الدَّجَّال، وما يكشَفُ لهم في قبورهم عن منازلهم من الجنة والنار وما يَلْقَون من ضمَّة القبر وضَيْقَتِه (٥) وهَوْله وعَذَابِه إن لم يُعافِ الله من ذلك. ولأبي العتاهية يبكي نفسَه (٦): لأبْكِيَنَّ على نَفسِي وحُقَّ لِيَهْ … يا عَيْنُ لا تَبْخَلِي عَنِّي بِعَبْرَتيَهْ يا هَولَ مُطَّلَعِي، يا ضِيق مُضْطَّجَعِي … يا نَأْيَ مُنْتَجَعِي، يا بُعْدَ شُقَّتِيَهْ] (٧)

стр. 508

رؤي بعضُ الصَّالحين في المنام بعد موته فسئل عن حاله، فأنشد: وليس يعلَمُ ما في القَبْرِ داخِلُهُ … إلَّا الإلهُ وساكنُ الأجداثِ [كان سفيان ينشد: إنَّ امرءًا يصفُو لَه عيشُهُ … لَغَافِلٌ عمَّا تُجِنُّ القُبورُ نخن بنو الأرضِ وسُكانُها … منها خُلِقْنا وإليها نصيرُ] (١) والعلة الثانية: أن المؤمن لا يزيده عمرُه الَّا خيرًا، فمن سعادته أن يطولَ عمره، ويرزقَه الله الإنابة إليه، والتوبةَ مِن ذنوبه السالفة، والاجتهادَ في العمل الصالح؛ فإذا تمنَّى الموت، فقد تمنَّى انقطاعَ عمله الصالح، فلا ينبغي له ذلك. وروى إبراهيم الحربيّ من رواية ابن لَهيعة، عن ابن الهادِ، عن ابن المطلب، عن أبيه أن النبي ﷺ ، قال: "السَّعَادة كُل السَّعادة طولُ العُمرِ في طاعةِ الله " (٢). وقد رُوي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوة متعددةٍ، ففي "صحيح البخاري" (٣) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يتمنَّيَنَّ أحدُكم الموتَ؛ إمَّا مُحْسِنًا، فلعلَّه يزدادَ خيرًا وإمَّا مُسيئًا فلعلَّه أن يَسْتَعْتِبَ". وفي "صحيح مسلم" (٤) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكم الموتَ، ولا يدْعُ بهِ من قَبْلِ أن يأتيَهُ، إنَّه إذا ماتَ أحدُكم انقطع عَمَلُه، وإنَّه لا يزيدُ المؤمنَ عُمُرُهُ إلَّا خيرًا". وفي مسند الإمام أحمد (٥) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال:

стр. 509

"لا يتمنين أحدُكم الموتَ، ولا يدْعُ به من قبل أن يأتيَه، إلا أن يكونَ قد وثِقَ بعمَلِه؛ فإنَّه إن مات أحدكم انقطَعَ عنه عمله، وأنه لا يزيدُ المؤمنَ عُمُرُه إلَّا خيرًا". وفيه (١) عن أُمِّ الفضل (٢) ﵂ أن النبي ﷺ سمع العباس وهو يشتكي يتمنَّى الموت، فقال: "لا تتمنَّ الموتَ؛ فإنَّك إن كنْتَ محسنًا تزدادُ إحسانًا إلى إحسانك، وإن كنْتَ مسيئًا فإن تُؤَخَّرَ تستعتِبُ من إساءتك خيرٌ لك". وفيه (٣) أيضًا: عن أبي أمامة ﵁، قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكَّرنا ورقَّقَنا، فبكى سعدُ بن أبي وقاص، فأكثَرَ البكاء، وقال: يا ليتني متُّ. فقال النبي ﷺ : "يا سعدُ! إن كنْتَ خُلِقْتَ للجنَّة فما طَالَ مِن عمرِكَ وحَسُن من عملك، فهو خيرٌ لك". وفي المعنى أحاديثُ أُخَرُ كثيرة وكلُّها تدلُّ على النَّهي عن تمني الموت بكل حالٍ، وأنَّ طُولَ عُمُر المؤمنِ خَيْرٌ له، فإنَّه يزداد فيه خيرًا. وهذا قد قيل: إنه يدخل فيه تمنيه للشوق إلى لقاء الله، وفيه نظر، فإنَّ النبي ﷺ قد تمنَّاه في تلك الحال. واختلف السالكون: أيما أفضلُ؛ مَن تمنَّى الموتَ شوقًا إلى لقاءِ الله، أو مَن تمنَّى الحياة رغبةً في طاعة الله، أو مَن فوَّض الأمرَ إلى الله ورضِي باختياره له ولم يختَرْ لنفسه شيئًا. واستدلَّ طائِفةٌ من الصحابة على تفضيل الموت على الحياة بقول الله : ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (٤). ولكن الأحاديث الصحيحة تدلُّ على أنَّ عمر المؤمن كلَّما طال ازداد بذلك مالَه عندَ الله من الخير، فلا ينبغي له أن يتمنَّى انقطاعَ ذلك، اللهم إلا أن يخشَى الفتنةَ على دينه؛ فإنه إذا خشِي الفتنةَ على دينه، فقد

стр. 510

خشِي أن يفوتَه ما عندَ اللهِ من الخير ويتبدَّل ذلك بالشر، عياذًا بالله من ذلك؛ والموتُ خير (١) من الحياة على هذه الحال. قال مَيْمُون بن مِهْران (٢): لا خيرَ في الحياة إلا لتائبٍ أو رجلٍ يعمَلُ في الدَّرَجات. يعني أن التائب يمحو بالتوبة ما سلَفَ من السيئات، والعامل يجتهد في علو الدَّرَجات، ومَن عداهما فهو خاسر، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣). فأقسَمَ الله تعالى أنَّ كلَّ إنسان خاسرٌ إلَّا من اتَّصَف بهذه الأوصاف الأربعة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصِي بالحق، والتواصي بالصَّبر على الحق. فهذه السورة ميزان للأعمال يَزِن المؤمن بها نفسَه فيبين (٤) له بها ربحُه من خسرانه، ولهذا قال الشافعي رضي (٥) الله عنه: لو فكَّر النَّاس كلُّهم فيها لكفتهم. رأى بعضُ المتقدِّمين النبيَّ ﷺ في منامه، فقال له: أوصني، فقال له: من استَوى يوماه فهو مَغْبُون، ومن كان يومه شرًّا من أمسه فهو ملعون، ومَن لم يتفقَّدِ الزِّيادةَ في عَمَله فهو في نقصانٍ، ومَن كان في نقصانٍ فالموتُ خيرٌ له. قال بعضُهم: كان الصِّدِّيقون يستحيون من الله أن يكونوا اليومَ على مثل حالهم بالأمس. يشيرُ إلى أنَّهم كانوا لا يَرضون كُلَّ يومٍ إلا بالزِّيادة من عمل الخير، ويستحيون من فقد ذلك ويعدُّونه خسرانًا، كما قيل: أليس من الخُسْرانِ أن لياليًا … تمرُّ بلا نَفْعٍ وتُحسَبُ مِن عُمري فالمؤمنُ القائمُ بشروط الإِيمان لا يزداد بطول عمره إلَّا خيرًا، ومَن كان كذلك فالحياةُ خيرٌ له من الموت. وفي دعاء النبي ﷺ : "اللهم اجْعَلِ الحياةَ زِيادةً لي في

стр. 511

كُلِّ خيرٍ، والموتَ راحةً لي من كُلِّ شرٍّ". خرَّجه مسلم (١). وفي "الترمذي" (٢) عنه ﷺ أنَّه سئل: أيُّ النَّاس خَيْر؟ قال: "مَن طال عُمُره وحسُنَ عملُه". قيل: فأيُّ النَّاس شَرٌّ؟ قال: "مَن طال عُمُرُه وساء عَمَلُهُ". وفي "المسند" (٣) وغيره أنَّ نفرًا [من بني عَذْرَةَ] ثلاثةً قدِموا على النبي ﷺ فأَسْلَموا، فكانوا عند طلحة، فبعث النبي ﷺ بعثًا، فخرج فيه (٤) أحدُهُم فاستُشهد، ثم بَعَثَ بَعْثًا آخَرَ، فخرج آخرُ منهم فاستُشهِد، ثم مات الثالث على فِراشِه. قال طلحة: فرأيتُهم في الجنَّة، فرأيتُ الميِّتَ على فراشِه أمامَهم، ورأيتُ الذي استُشهِد آخِرًا يليه، ورأيتُ الذي استُشهِد أوَّلَهُمْ آخِرَهُمْ. فأتيتُ النبيَّ ﷺ فذكَرْتُ ذلك له، فقال: وما أنكرْتَ من ذلك؟ ليس [أحدٌ] أفضلَ عند الله من مؤمنٍ يُعَمَّرُ في الإِسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله. وفي رواية (٥)، قال: أليس قد مكثَ هذا بعدَه سنةً؟ قالوا: بلى، قال: وأدرك رمضانَ فصامَه؟ قالوا: بلى. قال: وصلَّى كذا وكذا سَجْدَةً في السَّنة؟ قالوا: بلى. قال: فلما (٦) بينَهما أبعدُ ما بينَ السَّماء والأرض. قيل لبعض السَّلف: طاب الموت. قال: لا تفعل، لَساعةٌ تعيش فيها تستغفِرُ الله خيرٌ لك من موت الدَّهر. وقيل لشيخ كبير منهم: تحبُّ الموت؟ قال: لا. قيل: ولِمَ؟ قال: ذهب الشباب وشرُّه، وجاء الكِبَرُ وخيرُه؛ فإذا قمْتُ قلْتُ:

стр. 512

بسم الله، وإذا قعدْتُ قلْتُ: الحمد لله، فانا أحبُّ أَن يبقَى لي هذا. وقيل لشيخ آخر منهم: ما بقي مِمَّا تحبُّ له الحياة؟ قال: البكاء على الذنوب. ولهذا كان السَّلفُ الصالح يتأسَّفون عند موتهم على انقطاع أعمالهم عنهم بالموت. وبكى معاذٌ عند موته وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالرُّكَب عند حِلَق الذِّكر. وبكى عبد الرحمن بن الأسود عند موته، وقال: وا أسفاه على الصوم والصلاة، ولم يزلْ يتلو القرآنَ حتى مات. وبكى يزيد الرقاشي عند موته، وقال: أبكي على ما يفوتُني من قيام الليل وصِيام النَّهار، ثم بكى وقال: من يصلي لك يا يزيدُ بعدَك؟ ومن يصومُ ومن يتقرَّب لك بالأعمال الصالحة؟ ومن يتوبُ لك من الذنوب السَّالفة؟. وجَزِعَ بعضُهم عند موته، وقال: إنما أبكي على أن يصومَ الصائمون لله ولستُ فيهم، ويصلِّي المصلُّون ولستُ فيهم، ويذكُرَ الذَّاكرون ولستُ فيهم، فذلك الذي أبكاني. تحمَّلَ أصحابي ولم يجدوا وَجْدِي … وللنَّاس أَشْجَانٌ وَلِي شَجَنٌ وَحْدِي أحبُّكُمُ ما دُمْتُ حَيًّا فإنْ أمُتْ … فوا أسَفي مِمَّن يحبُّكُمُ بَعْدِي في "الترمذي" (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ما مِن ميت مات إلَّا نَدِمَ؛ إن كان مُحْسِنًا نَدِمَ أن لا يكونَ ازْدَادَ، وإن كان مُسِيئًا ندِمَ أن لا يكونَ استعتبَ" (٢). إذا كان المحسن يندَمُ على ترك الزِّيادة، فكيفَ يكون حالُ المسيء؟ رأى بعضُ المتقدِّمين في المنام قائلًا يقولُ له: [قل] (٣): يا خَدُّ إنَّكَ تُوسَّد لَيِّنًا … وُسِّدْتَ بَعْدَ المَوْتِ صُمَّ الجَنْدلِ فاعْمَلْ لنفسِكَ في حياتِكَ صَالحًا … فَلَتَنْدَمَنَّ غَدًا إذا لم تفْعَلِ ورأى آخر في المنام قائلًا يقول له: إن كنت لا ترتاب أنَّك ميِّتُ … ولسْتَ لبَعْدِ الموت ما أنتَ تعمَلُ

стр. 513

فعمرُكَ ما يغني وأنتَ مفرِّط … واسْمُكَ في المَوْتى مُعَدٌّ مُحصَّلُ رُئي بعضُ الموتى في المنام، فقال: ما عندنا أكثرُ من الندامة، ولا عندكم أكثرُ من الغَفْلَة. وُجِدَ على قبرٍ مكتوبٌ: ندِمْتُ على ما كان منِّي ندامَةً … وَمَن يتَّبِعْ ما تشتهِي النَّفْسُ يَنْدَمُ ألم تَعْلَمُوا أن الحسابَ أمامَكُم … وأنَّ وراكُم طالبًا ليسَ يسأمُ فخافُوا لكيما تأمنُوا بَعْدَ مَوْتِكُم … ستلقون ربًّا عادلًا ليس يظلِمُ فليس لمغرورٍ بدُنياهُ راحَةٌ … سَيندَمُ إنْ زلَّتْ به النَّعْلُ فاعْلَمُوا الموتى في قبورهم يتحسَّرون على زيادةٍ في أعمالهم بتسبيحةٍ أو بركعة، ومنهم من يسأل الرجعة إلى الدنيا لذلك، فلا يقدرون (١) على ذلك، قد حيل بينهم وبين العمل، وغلِقت (٢) منهم الرهون. ورئي بعضُهم في المنام فقال: قدمنا على أمرٍ عظيمٍ، نعلَم ولا نعمَلُ، وأنتم تعملون ولا تعلمون، واللهِ لَتسبيحةٌ أو تسبيحتان، أو ركعةٌ أو ركعتان في صحيفةِ أحدِنا أحبٌ إليه من الدنيا وما فيها. قال بعضُ السَّلف: كُلُّ يومٍ يعيش فيه المؤمن غنيمةٌ. وقال بعضُهم: بقيَّةُ عمر المؤمن لا قيمةَ له، يعني أنه يمكنه أن يمحوَ فيه ما سلَفَ منه من الذنوب بالتوبة، وأن يجتهدَ فيه في بلوغ الدَّرَجات العالية بالعمل الصالح. فأمَّا من فرط في بقية عمره فإنَّه خاسر، فإن ازداد فيه من الذنوب فذلك هو الخسران المبين. الأعمالُ بالخواتيم؛ من أصلح فيما بقي غُفِر له ما مضَى، ومن أساء فيما بقي أُخِذ بما بقي وما مضَى. يا بائعَ عمره مطيعًا أملَهْ … في معصية الله كفعل الجهلَهْ إن ساوَمَك الجهلُ (٣) بباقيه فقُلْ … باقِي عُمُرِ المؤمنِ لا قيمةَ لَه ما مضى من العمر وإن طالت أوقاته فقد ذهبت لذَّاته وبقيت تبعاتُه، وكأنَّه لم يكن إذا جاء الموتُ وميقاتُه؛ قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ

стр. 514

جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (١). تلا بعضُ السَّلف هذه الآية وبكى، وقال: إذا جاء الموت لم يُغنِ عن المرء ما كان فيه من اللذَّة والنعيم. وفي هذا المعنى ما أنشدَه أبو العتاهية للرشيد حين بنَى قصرَه واستدعى إليه ندماءه، [ثم قال له: ما تقول فيما نحن فيه؟ فأنشده هذه الأبيات] (٢): عِشْ ما بدا لك سالمًا … في ظِلِّ شَاهِقَةِ القُصُورِ يَسْعَى عليكَ بما اشْتَهَيْـ … ـتَ لَدَى الرَّواحِ وفي البُكُورِ فإذا النُّفوسُ تَقَعْقَعَتْ … في ضِيقِ حَشْرَجةِ الصُّدورِ فهناكَ تَعْلَمُ مُوقِنًا … ما كنْتَ إلَّا في غُرورِ في "صحيح البخاري" (٣) عن النبي ﷺ ، قال: "أَعْذَرَ (٤) اللهُ إلى من بلَّغه ستين من عُمْره". وفي الترمذي (٥): "أعمارُ أُمَّتي ما بينَ السِّتِّين إلى السَّبعين، وأقلُّهم مَن يَجُوزُ ذلك". وفي رواية: "حَصَادُ أُمَّتي مَن بلَغَ الخمسين، فقد تنصَّفَ المائة فماذا ينتظر". لَهْفِي عَلَى خَمْسِينَ عامًا قَدْ مَضَتْ … كانَتْ أمامِي ثمَّ خلّفْتُها لو كان عُمْري مائةً هَدَّني … تَذَكُّرِي أنِّي تنصَّفْتُها في بعض الكتب السَّالفة: إنَّ لله مناديًا يُنادي كُلَّ يومٍ أبناءَ الخمسين: زَرْعٌ دنا حصادُه، أبناءَ السِّتين: هلموا إلى الحساب، أبناء السَّبعين: ماذا قدَّمتم وماذا أخرتم؟ أبناءَ الثمانين: لا عذرَ لكم. ليت الخلْقَ لم يُخلقوا، وليتهم إذ خُلِقُوا علِموا لماذا خُلِقوا، وتجالَسُوا بينهم فتذاكروا ما عمِلوا، ألا أتتكم السَّاعة فخذوا حذرَكم. وقال

стр. 515

وَهْب (١): إن لله مُناديًا ينادي في السَّماء الرابعة كُلَّ صباح: أبناءَ الأربعين: زَرْعٌ دَنَا حصادُه، أبناءَ الخمسين: ماذا قدَّمْتم وماذا أخَّرتم؟ أبناءَ الستين: لا عذرَ لكم. وفي حديثٍ: "إنَّ الله تعالى يقولُ للحَفَظَةِ: ارفقوا بالعَبْدِ ما دامَتْ حداثتُه (٢)، فإذا بلغ الأربعين حقِّقا وتحفَّظا" (٣). فكان بعضُ رواته يبكي عند روايته، ويقول: حين كبِرتِ السِّنُّ، ورَقَّ العَظْمُ، وقَعَ التحفُّظُ. قال مسروق: إذا أتتك الأربعون فخذ حذرك. وقال النَّخعي: كان يقال لصاحب الأربعين: احتفظ بنفسك. وكان كثير من السَّلف إذا بلغ الأربعين تفرَّغ للعبادة. وقال عمر بن عبد العزيز: تمَّت حُجَّةُ الله على ابن الأربعين، فمات لها (٤). ورأى في منامه قائلًا يقول له: إذا ما أتتك الأربعون فعندها … فاخْشَ الإلهَ وكُنْ للموت حذَّارا (٥) يا أبناءَ العشرين! كم مات من أقرانكم وتخلفتم. يا أبناء الثلاثين! أُصِبْتم بالشباب على قرب من العهد، فما تأسفتم (٦). يا أبناءَ الأربعين! ذَهَبَ الصِّبا وأنتم على اللهو قد عكفتم. يا أبناءَ الخمسين! تنصفتم المائة وما أنصفتم. يا أبناءَ الستين! أنتم على معترك المنايا قد أشرفتم، أتلهون وتلعبون، لقد أسرفتم!! وإذا تكامَلَ للفَتَى من عُمْره … خَمسونَ وَهْوَ التُّقَى لا يَجْنَحُ عَكَفَتْ (٧) عليه المخزياتُ فما لَهُ … متأخّرٌ عنها ولا متزحزحُ وإذا رأَى الشيطانُ غُرَّةَ وَجْهِهِ … حيّا وقال فَدَيْتُ من لا يُفْلِحُ قال الفضيل لرجلٍ: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة. قال له: أنت منذ ستين سنة تسير إلى رَبِّك يوشِك أن تصلَ.

стр. 516

وإنَّ امْرأً قد سَارَ ستينَ حِجَّةً … إلى مَنْهَلٍ مِن وِرْدِه لَقريبُ يا من يفرَحُ بكثرة مرور السِّنين عليه، إنما تفرَحُ بنقْص عمرك. قال (١) أبو الدَّرداء والحسن ﵄: إنما أنتَ أيامٌ، كلَّما مضَى منك يومٌ مضَى بعضُك. [وأنشد بعضهم] (٢): إنَّا لنفرَحُ بالأيَّام نَقْطَعُها … وكُلُّ يومٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الأَجَلِ فاعْملْ لنفسِكَ قبلَ الموتِ مجتهدًا … فإنَّما الرِّبْحُ والخسرانُ في العَمَلِ قال بعضُ الحكماء: كيفَ يفرحُ بالدنيا مَن يومُه يهدِمُ شهرَه، وشهرُه يهدِم سنتَه، وسنتُه تهدِمُ عمرَه؟! كيف يفرح مَن يقودُه عمرُه إلى أجله، وحياتُه إلى موته؟! نجد (٣) سرورًا بالهلال إذا بَدَا … وما هُوَ إلَّا السَّيفُ للحَتْفِ يُنْتَضَى إذا قيلَ تمَّ الشَّهرُ (٤) فهو كنايةٌ … وترجمةٌ عن شَطْرِ عُمْرٍ قَد انْقَضَى قال الحسن: الموتُ معقودٌ بنواصيكم، والدنيا تُطْوَى من ورائكم. نَسيرُ إلى الآجال في كُلِّ لحظةٍ … وأعمارُنا تُطوى وهُنَّ مراحِلُ (٥) تَرحَّلْ من الدنيا بزادٍ من التُّقَى … فعُمْرُك أيَّامٌ وهُنَّ قلائلُ قال بعضُ الحكماء: من كانت الليالي مطاياه سارتا به وإن لم يَسِر. وما هذه الأيام إلَّا مراحلُ … يحثُّ بها حادٍ إلى الموت قاصِدُ وأعجَبُ شيءٍ لو تأمَّلْتَ أنَّها … منازِلُ تُطْوَى والمسافرُ قاعِدُ [قال بعضُ الحكماء: قد اعتورَكَ الليلُ والنَّهارُ، يدفعك (٦) الليلُ إلى النهار، ويدفعك النهارُ إلى الليل، حتى يأتيكَ الموت:

стр. 517

أَيَا وَيْحَ نَفْسِي مِن نَهَارٍ يَقُودُها … إلى عَسْكَرِ المَوْتَى وَلَيْلٍ يَذُودُها] (١) يا مَن كلَّما طالَ عمره زاد ذنبُه، يا مَن كلَّما ابيضَّ شعره بمرور الأيام اسودَّ بالآثام قلبُه. شَيْخٌ كَبِيرٌ لَهُ ذُنوبُ … تَعجِزُ عن حَمْلِها المطايا قَدْ بَيَّضَتْ شَعْرَهُ الليالي … وَسَوَّدَت قلبَهُ الخطايا يا من تمرُّ عليه سنةٌ بعد سنةٍ وهو مستثقل في نوم الغَفْلَة والسِّنَة. يا من يأتي عليه عامٌ بعدَ عام وقد غرِقَ في بحر الخطايا فعام (٢). يا من يشاهد الآياتِ والعِبَرَ كلَّما توالتْ عليه الأعوام والشهور، ويسمَعُ الآيات والسور، ولا ينتفع بما يسمع ولا بما يرى من عظائم الأمور، ما الحيلة فيمن سبق عليه الشقاء في الكتاب المسطور ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٣) ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤). خليليَّ كم مِن ميتٍ قد حَضَرْتُهُ … ولكنَّني لم أنتفِعْ بحضوري وكم مِن ليالي قَدْ أرَتْني عَجَائبًا … لَهُنَّ وأيامٍ خلَتْ وشهورِ وكم مِن سنين قد طَوَتْنِي كثيرة … وكم من أمورٍ قد جَرَتْ وأمورِ وَمَن لم يزدْه السِّنُّ ما عَاشَ عِبْرةً … فَذَاكَ الَّذي لا يستنِيرُ بنُورِ * * *

стр. 518

فصل ويلتحق بوظائف شهور السنة الهلالية وظائف فصول السنة الشمسية، وفيه ثلاثة مجالس: المجلس الأول في ذكر فصل الربيع خرَّجا في "الصحيحين" (١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ أَخْوَفَ ما أخافُ عليكم ما يُخرِجُ الله لكم من بَرَكاتِ الأرض. قيل: ما بركات الأرض؟ قال: زَهرة (٢) الدنيا. فقال له رجل: هل يأتي الخيرُ بالشَّرِّ؟ فصَمَتَ رسولُ الله ﷺ حتى ظننتُ أنه سَيُنزَلُ عليه. ثم جَعَلَ يمسَحُ عن جبينه. قال: أين السائلُ؟ قال: أنا. قال: لا يأتي الخيرُ إلَّا بالخير؛ إنَّ هذا المالَ خَضِرةٌ (٣) حُلْوةٌ، وإنَّ كُلَّ ما أنبَتَ الرَّبيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا (٤) أو يُلِمُّ، إلَّا آكِلَةَ الخضِرِ (٥)، أكلَتْ، حتى إذا امْتَدَّتْ خاصِرَتَاها استقبلت الشمسَ، فاجترَّتْ وَثَلَطَت (٦) وبالَت، ثم عادَتْ فأكلَتْ؛

стр. 519

وإنَّ هذا المال خَضِرةً حُلوةٌ، مَنْ أَخَذَهُ بحقِّه، ووضَعَهُ في حقِّه، فَنِعْمَ المعونةُ هو، وإن أخذَهُ بغير حقِّه كان كالذي يأكُلُ ولا يشبع" (١). كان النبي ﷺ يتخوَّف على أمَّته من فتح الدنيا عليهم، فيخاف عليهم الافتتان بها. ففي "الصحيحين" (٢) عن عمرو بن عوفٍ أنَّ النبي ﷺ قال للأنصار لما جاءه مالٌ (٣) من البحرين: "أَبْشِرُوا وأَمِّلُوا ما يَسُرُّكُمْ، فوالله ما الْفَقْرَ أَخْشَى عليكم، ولكن أخشَى عليكم أن تُبْسَطَ الدُّنيا عليكم كما بُسِطَتْ على من كان قبلَكم؛ فَتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها؛ فتهلككُم كما أهلكَتْهم". وكان آخر خطبةٍ خطبَها على المنبر حذَّر فيها من زهرة الدنيا، ففي "الصحيحين" (٤) عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ صَعِدَ المنبر، فقال: "إني لستُ أخشَى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكني أخشَى عليكم الدنيا أن تنافَسُوا

стр. 520

فيها، فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم". قال عقبة: فكان آخرَ ما رأيتُ (١) رسول الله ﷺ على المنبر. وفي "صحيح مسلم" (٢) عن عبد الله بن عمرٍو أنَّ النبيَّ ﷺ ، قال: "إذا فُتِحَتْ (٣) عليكم خَزائنُ فارسَ والروم، أيُّ قومٍ أنتم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: نقولُ كما أمرنا اللهُ . فقال رسولُ اللهُ ﷺ : أو غيرَ ذلك، تتنافَسُون، ثم تَتَحَاسَدُون، ثم تَتَدَابَرُون، ثم تَتَبَاغَضُون". وفي "المسند" (٤) عن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تُفتَح الدنيا على أحدٍ إلَّا ألقى اللهُ بينهم العداوة والبغضاءَ إلى يوم القيامة. قال عمر: وأنا أشفق من ذلك". وفيه (٥) أيضًا عن أبي ذرٍّ أنَّ أعرابيًا قال: يا رسولَ الله! أكلتنا الضَّبُعُ، يعني السَّنَةَ والجَدْبَ. فقال النبي ﷺ : غيرُ ذلك أخوفُ منِّي عليكم حين تُصَبُّ عليكم الدنيا صَبًّا، فليتَ أمتي لا يلبَسُون الذَّهَبَ. وفي روايةٍ (٦): الديباج. وفيه (٧) أيضًا: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "ما أخْشَى عليكم الفَقْرَ، ولكنِّي أخْشَى عليكم التكاثر". ويُروى من حديث عوف بن مالكٍ وأبي الدَّرداء، عن النبي ﷺ ، قال: "الفقرَ تخافون؟ والذي نفسي بيدِه، لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صبًّا حتى لا يزيغَ قلبُ أحدِكم إن أزاغه إلَّا هي" (٨).

стр. 521

وفي رواية عوفٍ: "فإنَّ الله فاتحٌ عليكم فارسَ والروم" (١). وفي المعنى أحاديث أخر. وفي "الترمذي" (٢) أنَّه ﷺ قال: "لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المالُ". فقوله ﷺ في حديث أبي سعيدٍ: "إن أخوفَ ما أخافُ عليكم ما يُخرِجُ الله لكم من بركات الأرض"، ثم فسَّره بزهرة الدنيا؛ ومراده: ما يُفْتَحُ على أمَّته منها من مُلْكِ فارِسَ والروم وغيرهم من الكفار الذين وَرِثَتْ هذه الأمة ديارهم وأموالَهم وأراضيهم التي تَخرجُ منها زروعُهم وثمارُهم وأنهارُهم ومعادنُهم، وغيرُ ذلك مما يَخرجُ من بَرَكات الأرض، وهذا من أعظم المعجزات، وهو إخباره بظهور أمته على كنوز فارِسَ والروم وأموالِهم وديارهم. ووقع على ما أخبر به؛ ولكنَّه لما سمَّى ذلك "بركاتِ الأرض" وأخبر أنه "أخوَفُ ما يخافُه عليهم" أشكَلَ ذلك على بعض مَن سمِعه حيثُ سمَّاه بَرَكَةً، ثم خاف منه أشدَّ الخوفِ؛ فإنَّ البركة إنَّما هي خيرٌ ورحمةٌ. وقد سمَّى اللّه تعالى المالَ خيرًا في مواضِعَ كثيرةٍ من القرآن، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٣)، وقال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٤)، وقالَ تعالى عن سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ (٥). فلمَّا سأله السائل: هل يأتي الخيرُ بالشر؟ صَمَتَ النبيُّ ﷺ حتَّى ظنُّوا أنَّه أُوحِي إليه، والظاهر أنَّ الأمر كان كذلك، ويدُلُّ عليه أنَّه ورد في روايةٍ لمسلم في هذا الحديث: "فأَفَاقَ يمسَحُ عنه الرُّحَضَاءَ" (٦) وهو العَرَقُ، وكان النبي ﷺ إذا أوحِي إليه يتحدَّرُ منه مثلُ الجُمان من العَرَقِ من شدَّة الوَحْي وثقله عليه؛ وفي هذا دليل على أنه ﷺ كان إذا سُئل عن شيءٍ لم يكن أوحِي إليه فيه شيء انتظر الوحيَ فيه، ولم يتكلَّمْ فيه بشيءٍ حتى يُوحَى إليه فيه، فلمَّا نزل عليه جوابُ ما سئل عنه، قال: أين

стр. 522

السائل؟ قال: ها أنا، فقال النبي ﷺ : "إنَّ الخير لا يأتي إلَّا بالخير". وفي رواية لمسلم، فقال: "أوَخيرٌ هو " (١)؟ وفي ذلك دليل على أنَّ المال ليس بخيرٍ على الإِطلاق، بل منه خيرٌ ومنه شرٌ. ثم ضرَبَ مثلَ المال ومثلَ مَن يأخُذُه بحقِّه ويصرِفُه في حقه، ومَن يأخذُه من غير حقِّه ويصرفه في غير حقِّه؛ فالمالُ في حقِّ الأوَّل خيرٌ، وفي حقِّ الثاني شرٌّ، فتبيَّن بهذا أنَّ المال ليس بخير مُطلقٍ، بل هو خيرٌ مقيَّدٌ، فإنْ استعان به المؤمنُ على ما ينفعُه في آخرته كان خيرًا له، وإلَّا كان شرًّا له. فأمَّا المالُ، فقال: إنه خضِرَة حُلْوةٌ، وقد وُصِفَ المالُ والدنيا بهذا الوصف في أحاديثَ كثيرةٍ؛ ففي "الصحيحين" (٢) عن حكيم بن حِزام، أنَّه سأل النَّبيَّ ﷺ فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله، فقال له النبي ﷺ : يا حكيم! إنَّ هذا المال خضِرَةٌ حلوةٌ، فَمَنْ أَخَذَه بسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فيه، ومَن أخذَه بإشرافِ نَفْسٍ لم يُبَارَكْ له فيه؛ وكان كالذي يأكلُ ولا يشبَعُ". وفي "صحيحِ مسلم" (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ الدُّنيا خَضِرةٌ حُلْوةٌ، وإنَّ اللّهَ مُسْتَخْلِفُكم فيها، فناظِرٌ كيفَ تعملون؛ فاتَّقُوا الدنيا، واتقوا النِّساء؛ فإنَّ أوَّلَ فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء". واستخلافُهم فيها هو ما أورثهم اللهُ منها مما كان في أيدي الأمم من قبلهم كفارِسَ والروم، وحذَّرهم من فتنة الدنيا، وفتنة النِّساء خُصوصًا؛ فإنَّ النِّساءَ أوَّلُ ما ذكره اللّه تعالى من شهواتِ الدنيا

стр. 523

ومتاعِها في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١). وفي "المسند" (٢) و"الترمذي" عن خولةَ بنت قيس، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ هذا المالَ خضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمن أصابَه بحقِّه بُورِك له فيه، وَرُبَّ متخوِّض فيما شاءت نفسُهُ من مال اللهِ ورسولِه ليس له يوم القيامة إلَّا النار". وفي "المسند" (٣) أيضًا عن خولة بنت تامر الأنصارية، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ الدُّنيا خَضِرةٌ حُلْوَةٌ، وإنَّ رجالًا يتخوَّضون (٤) في مال الله بغير حقٍّ، لهم النَّارُ يومَ القيامة". وخرَّج البخاري (٥) من قوله "إنَّ رجالًا"، إلى آخره. وفي "المسند" (٦) أيضًا عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: "إن هذه الدنيا خضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمن آتيناه منها شيئًا بطيب نفس أو طيب طعمة ولا إشراف (٧)، بُورِك له فيه، ومن آتيناه منها شيئًا بغير طيبِ نَفْس منَّا وغير طيب طعمةٍ وإشراف منه لم يبارَكْ له فيه". وفي المعنى أحاديثُ أخر. وقوله ﷺ : "إن مما يُنبت الربيع يقتُلُ حَبَطًا، أو يُلِمُّ، إلَّا آكِلَةَ الخَضِرِ"، مَثَلٌ آخَرُ ضرَبَه ﷺ لزهْرة الدُّنيا وبهجةِ منظرِها وطيبِ نعيمها وحلاوته في النفوس، فمثله كمثل نبات الربيع، وهو المرعى الخضر الذي ينبتُ في زمان الربيع؛ فإنَّه يُعجِبُ الدَّوابّ التي ترعَى فيه وتستطيبه وتكثر (٨) من الأكل منه أكثَرَ من قدر حاجتها؛ لاستحلائها له؛ فإمَّا أن يقتلَها فتهلك وتموت حَبَطًا؛ والحَبَطُ: انتفاخُ البطن مِن كثرة الأَكْل، أو يقاربُ

стр. 524

قتلَها، ويُلِمُّ به، فتمرض منه مَرَضًا مخوفًا مقاربًا للموت، فهذا مَثَلُ مَن يأخُذ من الدنيا بشَرَهٍ وجُوعِ نَفْسٍ من حيثُ لاحَتْ له، لا بقليلٍ يقنع، ولا بكثيرٍ يشبع، ولا يحلل ولا يحرِّمُ، بل الحلال عنده ما حلَّ بيده وقَدَرَ عليه، والحرام عنده ما مُنِعَ منه وعَجَزَ عنه. فهذا هو المتخوِّضُ في مال الله ورسوله فيما شاءت نفسُه، وليس له إلَّا النَّار يومَ القيامة، كما في حديث خَوْلَةَ المتقدِّم. والمراد بمال الله ومالِ رسوله الأموالُ التي يجب على وُلاة الأمور حِفظُها وصَرفُها في طاعة الله ورسوله من أموال الفيء والغنائم، ويتبع ذلك مالُ الخراج والجزية، وكذلك أموالُ الصَّدقات التي تُصرف للفقراء والمساكين، كمالِ الزَّكاة والوقف ونحو ذلك. وفي هذا تنبيهٌ على أنَّ من تخوَّض من الدُّنيا في الأموال المحرَّمِ أكلُها، كمالِ الرِّبا، ومال الأيتام الذي مَن أكله أَكَلَ نارًا، والمغصوب، والسَّرقة، والغشِّ في البيوع، والخِداع والمكر وَجَحْد الأمانات والدَّعاوَى الباطلة، ونحوِها من الحيل المحرمة، أولى أن يتخوَّض صاحبُها في نار جهنم غدًا. فكلُّ هذه الأموال وما أشبهَها يتوسَّع بها أهلُها في الدنيا ويتلذَّذون بها، ويتوصَّلون بها إلى لذَّات الدنيا وشهواتها، ثم ينقلب ذلك بعد موتهم فيصيرُ جَمْرًا من جَمْر جهنَّم في بطونهم، فما تفي لذَّتُها بتبعتها، كما قيل: تَفْنَى اللَّذاذَةُ مِمَّن نَالَ لَذَّتَها … مِنَ الحَرَامِ ويَبْقَى الإِثْمُ والعَارُ تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ مِن مغبَّتِها … لا خَيْرَ في لذَّةٍ مِن بَعْدِها النَّارُ فلهذا شَبَّهَ النبيُّ ﷺ مَن يأخُذ الدنيا بغير حقِّها، ويضعُها في غير حقِّها، بالبهائم الراعِية من خضراء (١) الربيع حتى تنتفخَ بطونُها من أكلِه؛ فإمَّا أن يقتلَها، وإمَّا أن يقارِبَ قتلها. فكذلك مَن أخذ الدنيا من غير حقِّها ووضَعَها في غير وجهها (٢)؛ إمَّا أن يقتُلَه ذلك فيموتَ به قلبُه ودينُه، وهو من مات على ذلك من غير توبة منه وإصلاحِ حال، فيستحقُّ النَّارَ بعمله؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا

стр. 525

تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (١). وهذا هو الميتُ حقيقةً؛ فإنَّ الميت من مات قلبه، كما قيل (٢): لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتراحَ بميْتٍ … إنَّما المَيْتُ ميِّتُ الأَحْيَاءِ وإمَّا أن يقاربَ موته ثم يُعافَى، وهو مَن أفاق من هذه السكرة وتاب، وأصلح عمله قبلَ موته. وقد قال عليّ ﵁ في كلامه المشهور في أقسام حَمَلَةِ العلم: أو منهومٌ باللذات سلِسُ القياد للشهوات، أو مُغْرًى بجمع الأموال والادخار، وليسوا (٣) من رعاة الدين أقربُ شبهًا بهم الأنعامُ السارحة. وفي الأبيات المشهورة التي كان عمر بن عبد العزيز ينشدها كثيرًا: نَهَارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلةٌ … ولَيْلُك نومٌ والرَّدَى لَكَ لازِمُ [تُسَرُّ بما يفنَى وتفرحُ بالمنى … كما سُرَّ باللَّذات في النوم حالِمُ] (٤) وتتعبُ فيما سوْفَ تكرَهُ غِبَّهُ … كذلك في الدُّنيا تَعِيشُ البَهَائمِ وأمَّا اسْتثناؤه ﷺ من ذلك "آكِلةَ الخَضِرِ" فمرادُه بذلك مثل المقتصد الذي يأخذ من الدنيا بحقِّها مقدارَ حاجته، فإذا نفِد واحْتاج عاد إلى الأَخْذ منها قَدْرَ الحاجة بحقِّه. وآكِلةُ الخَضِر: دُوَيْبَّةٌ تأكُل من الخضر بقدر حاجتها إذا احتاجت إلى الأكل، ثم تصرِفُه عنها فتستقبل عينَ الشمس، فتصرف (٥) بذلك ما في بطنها وتخرج (٦) منه ما يؤذيها من الفضلات. وقد قيل: إنَّ الخَضِر ليس من نبات الربيع عند العرب، إنما هو مِن كلإِ الصيف بعدَ يَبْسِ العُشب وهَيْجه واصْفرارِه، والماشية من الإِبل لا تستكثر

стр. 526

منه، بل تأخذ منه قليلًا قليلًا، ولا تَحْبَطُ بطونُها منه. فهذا مثل المؤمن المقتصِد من (١) الدنيا؛ يأخُذُ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها، قَدْرَ بُلْغَتِه وحاجتِه، ويجتزِئ من متاعِها بأدونِه وأخشنِه، ثم لا يعود إلى الأخذ منها إلَّا إذا نفِدَ ما عندَه وخرجَت فضلاته، فلا يوجِبُ له هذا الأخْذُ ضَررًا ولا مَرَضًا ولا هلاكًا، بل يكون ذلك بلاغًا له، ويتبلَّغ به مُدَّة حياته، ويعينُه على التزوُّد لآخرته. وفي هذا إشارة إلى مدح مَن أخذ من حلال الدنيا بقدر بُلْغَتِه وقنعَ بذلك، كما قال ﷺ : "قد أَفْلَحَ مَن هَدَاهُ اللهُ إلى الإسلام، وكان عيشُه كفافًا فقنِعَ به" (٢). وقال ﷺ : "خيرُ الرِّزْقِ ما يكفي " (٣). وقال: "اللهم! اجْعَلْ رِزْقَ آلِ محمَّد قُوتًا" (٤). خُذْ مِن الرِّزق ما كَفَى … وَمِنَ العَيْشِ ما صَفَا كُلُّ هذا سينقضِي … كسِراجٍ إذا انْطَفا ثم قال ﷺ : "إن هذا المال خَضِرة حُلْوةٌ" فأعاد مرةً ثانية تحذيرًا من الاغترار به، فخضرته بهجةُ منظرِه، وحلاوتُه طِيبُ طَعْمِه؛ فلذلك تشتهيه النفوس وتسارع إلى طلبه، ولكن لو فكرتْ في عواقبه لهربَت منه. الدنيا في الحال حُلوة خضِرةٌ، وفي المآل مُرَّةٌ كدِرَةٌ؛ نعمَتْ المرضِعَةُ، وبئست الفاطمةُ!

стр. 527

إنَّما الدُّنيا نَهَارٌ … ضَوْؤه ضَوْءٌ مُعَارُ بينما عَيْشُكَ غَضٌّ … ناعِمٌ فيه اخْضِرارُ إذْ رَمَاهُ زَمَناهُ … فإذا فيه اصْفِرارُ وكذاكَ اللَّيلُ يأتي … ثم يمحُوه النَّهارُ مَثَلُ حرامِ الدُّنيا كشجرة الدِّفْلَى (١)، تعجِبُ من رآها، وتقتُلُ مَن أكلَها. نَرَى الدُّنيا وَزَهْرَتَها فنصْبُوا … وما يَخْلُو مِنَ الشَّهوَاتِ قَلْبُ فُضُولُ العَيْشِ أكثَرُهُ همومٌ … وأكثَرُما يضرُّكَ ما تُحِبُّ إذا اتفَقَ القليلُ وفيه سِلْمٌ … فلا تُرِدِ الكَثيرَ وفيه حَرْبُ الذي بشَّر أمَّته بفتح الدنيا عليهم حذَّرهم من الاغترار بزهرتها، وخوَّفهم من خُضْرتِها وحلاوتِها، وأخبرَهم بخرابها وفنائها، وأنَّ بين أيديهم دارًا لا تنقطع خُضْرَتُها وحلاوتُها؛ فمن وقف مع زَهْرةِ هذه العاجِلة انقطَعَ وهَلَكَ، ومَن لم يقفْ مَعَهَا وسار إلى تلك (٢)، وَصَلَ ونجا. في "المسند" (٣) عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أتاه فيما يَرَى النائمُ مَلَكانِ، فقعد أحدُهما عند رأسه، والآخرُ عند رجليه، فقال (٤) أحدُهما للآخر: اضرِبْ له مثَلًا، فقال: إنَّ مَثَلَهُ ومَثَلَ أُمَّتِه كمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ انْتَهَوْا إلى رأسِ مَفَازَةٍ، فلم يكنْ معهم من الزَّاد ما يقطعون به المفازَةَ، ولا ما يرجعون به، فبيما هم كذلك إذْ أتاهم رجلٌ في حُلَّةٍ حِبَرَةٍ، فقال: أرأيتم إنْ وَرَدْتُ بكم رياضًا مُعْشِبةً وحِياضًا رُوَاءً، أَتَتْبعوني؟ قالوا: نعم. قال (٥): فانطلق بهم فأوردهم رياضًا معشِبةً وحياضًا رُواءً، فأكلوا وشربوا وسَمِنوا، فقال لهم: ألم أَلْقَكم على تلك الحال فجعلتم لي إنْ وردت بكم رياضًا معشِبةً وحياضًا رُواءً أن تَتَّبعوني؟ قالوا: بلى. قال: فإنَّ بين أيديكم رِياضًا

стр. 528

هي أعْشَبُ من هذه، وحِياضًا هي أَرْوَى مِن هذه، فاتَّبعوني. قال: فقالت طائفةٌ: صَدَقَ واللهِ، لنتَّبِعَنَّه. وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نُقيمُ عليه. وقد خرَّجه ابن أبي الدنيا وغيرُه عن الحسن مرسلًا بسياقٍ أبسَطَ من هذا، وفيه أنَّهم لما رَتَعوا وسَمِنوا وأعجَبَهم المنزلُ صاح بهم، فقال: ارتحلوا؛ فإنَّ هذه الروضة ذاهِبةٌ، وإنَّ هذا الماء غائرٌ ذاهبٌ، وإنَّ أمامكم روضَةٌ أعشَبُ من هذه، وماءٌ أَرْوَى من هذا الماء. فكرِه ذلك عامَّةُ الناس، وقالوا: ما نريد بهذه (١) بدلًا، وهم أكثر الناس. وقال آخرون: والله إنَّ آخر قوله كأوَّله، ارتحلوا، فأبوا، فارتحل قوم فنجَوا، ولم يشعر الذين أقاموا حتى طرقَهُم العدوُّ ليلًا، فأصبحوا من بين قتيل وأسير. الدنيا خَضْرَاءُ الدِّمَن (٢). ومعنى ذلك أن خُضْرتَها نابتة على مَزْبَلَةٍ منتنةٍ. يا دَني الهِمَّة، قنِعْتَ بروضةٍ على مَزْبَلةٍ، والملِكُ يدعوك إلى فردوسه الأعلى؛ ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٣)، أرضيتم بخرابات البِلى من (٤) الفردوس؟ يا لها صفقة غبن ما أخسرها (٥)! أتقنَعُ بخسائسِ الحشائش والرِّياضُ معشِبةٌ بين يديك؟ فإنْ حَنَنْتَ لِلْحِمَى وَرَوْضِهِ … فبالغَضَى ماءٌ وَرَوْضَاتٌ أُخَر (٦) وقوله ﷺ : "مَن أخذَهُ بحقِّه ووضَعَه في حقِّه، فنِعْمَ المعونة هو؛ ومَن أخذَهُ بغير حقِّه كان كالذي يأكل ولا يشبع" تقسيمٌ لمن يأخذُ المالَ إلى قسمين: فأحدهما: يُشبِه حالَ آكلةِ الخَضِر، وهو مَن أخذَه بحقِّه ووضَعَه في حقِّه؛ وذكر أنه نِعْم المعونةُ هو؛ فإنَّه نعم العونُ لمن هذه صفته على الآخرة، كما في حديث عمرو بن العاص عن النبي ﷺ ، قال: "نعم المالُ الصَّالح للرجُل الصَّالح"، (٧) وهو الذي يأخذُه بحقِّه ويضعه في حَقِّه، فهذا يوصِله مالُه إلى الله ، فمن أخَذَ من

стр. 529

المال بحقِّه ما يقوِّيه على طاعة الله، ويستعين به عليها، كان أخذُه طاعةً، ونفقتُه طاعةً. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّكَ لن تُنْفِقَ نفقةً تبتَغي بها وَجْهَ الله إلا أُجِرْتَ عليها، حتى اللقمةُ ترفَعُها إلى فِي امرأتِك" (١). وفي حديث آخر: "ما أطعمْتَ نفسَكَ فهو لَكَ صَدَقَةٌ، وما أطعمْتَ أهلَكَ فهو لك صَدَقة، وما أطعمْتَ ولَدَكَ فهو لك صَدَقَة، وما أطعمْتَ خادِمَكَ فهو لك صَدَقة" (٢). فما أخِذَ من الدُّنيا بنيَّة التقوِّي على طلب الآخرة فهو داخِلٌ في قسم إرادة الآخرة والسَّعي لها، لا في إرادة الدنيا والسعي لها؛ قال الحسن: ليس من حُبِّ الدنيا طلبُكَ ما يُصلحك فيها، ومن زُهدك فيها تركُ الحاجة يسدُّها عنك تَرْكها. ومَن أحبَّ الدنيا وسرَّته ذهب خوفُ الآخرة من قلبه. وقال سعيد بن جُبَيرٍ (٣): متاع الغرور ما يُلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يُلْهِك فليس بمتاع (٤) الغرور، ولكنَّه بلاغٌ إلى ما هو خير منه. وقال بعضُ العارفين: كُلُّ ما أصبْتَ من الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكُلُّ ما أصبْتَ منها تريد به الآخرة فليس من الدنيا. وقال أبو سليمان: الدنيا حجابٌ عن الله لأعدائه، ومطِيَّةٌ موصِلَةٌ إليه لأوليائه، فسبحان مَن جَعَلَ شيئًا واحدًا سببًا للاتصال به والانقطاع عنه. والقسم الثاني: يشبه حالُه حالَ البهائم التي ترعى مما ينبت الربيع، فيقتلها حَبَطًا أو يُلِمُّ، وهو من يأخذ المالَ بغير حقِّه، فيأخذه من الوجوه المحرمة، فلا يقنع منه بقليل ولا بكثير، ولا تشبع نفسُه منه، ولهذا قال: "وكان كالَّذي يأكُلُ ولا يشبَعُ". وكان النبي ﷺ "يتعوَّذ من نفسٍ لا تشبع" (٥).

стр. 530

وفي حديث زيد بن ثابتٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "من كانَت الدُّنيا همَّه، فرَّقَ اللهُ عليه أمرَه، وجعَلَ فَقْرَه بين عينيه، ولم يأتِه من الدَّنيا إلَّا ما كُتِبَ لَهُ" (١). فمن كان فقرُه بين عينيه لم يَزَلْ خائفًا من الفقر، لا يستغني قلبُه بشيءٍ، ولا يشبَعُ من الدنيا؛ فإنَّ الغِنَى غِنَى القلب، والفقر فقر النفس. وفي حديث خرَّجه "الطبراني" (٢) مرفوعًا: "الغِنَى في القَلْب، والفَقْرُ في القَلْب، ومَن كان الغِنَى في قلبه فلا يضرّه ما لقِي من الدُّنيا، ومَن كان الفقرُ في قلبه فلا يغنيه ما أُكثر له منها، وإنما يضُرُّ نفسه [شحُّها] ". وعن عيسى ﵇، قال: مَثَلُ طالبِ الدنيا كشارب البحر، كلما زاد شرْبًا منه زاد عطشًا حتى يقتلَه. قال يحيى بن معاذ: مَن كان غِناهُ في قلبه لم يزل غنيًا، ومَن كان غناه في كسْبه لم يزل فقيرًا، ومن قَصَدَ المخلوقين لحوائجه (٣) لم يزلْ محرومًا، ويشهدُ لذلك كلِّه الحديثُ الصحيح، عن النبي ﷺ : "لو كان لابن آدَمَ وادِيان مِن ذَهَبٍ لابْتَغَى لهما ثالثًا، ولا يملأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ، وَيتُوبُ اللّهُ على مَن تاب" (٤). لو فكَّر الطامع في عاقبة الدنيا لقنِع، ولو تذكَّر الجائع إلى فضول مآلها لشبع. هَب انَّكَ قَدْ مَلَكْتَ الأَرْضَ طُرًّا … وَدَانَ لَكَ العِبادُ فكان ماذا أليس إذًا مَصِيرُكَ جَوْفَ قَبْرٍ (٥) … ويحثي التُّرْبَ هذا ثمَّ هذا وقد ضرب الله تعالى في كتابه مثلَ الدنيا وخُضرتها ونضرتها وبهجتها وسُرعة تقلُّبها وزوالها، وجعل مثَلها كمثل نباتِ الأرض النابت من (٦) مطر السماء في تقلُّب أحواله ومآله.
следующие страницы →