وإنْ تَكُنْ بِتِلوِ مِنْ مُسْتَفْهِمَا ... فَلَهُمَا كُنْ أَبَدًا مُقَدِّما
كَمِثْلِ مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ وَلَدَى ... إِخْبارِ التَّقْدِيمُ نَزْرًا وَرَدًا
ــ
قال في شرح التسهيل: والذي سمع منه فالمشهور فيه التزام الإفراد والتذكير. وقد يجمع إذا كان ما هو له جمعًا كقوله:
٨٠٢- إذا غابَ عَنكُمْ أَسْودُ العيْنِ كُنْتمُ ... كِرامًا وأَنْتمُ ما أقامَ أَلائِمُ
قال: إذا صح جمعه لتجرده من معنى التفضيل جاز أن يؤنث, فيكون قول ابن هانئ:
٧٠٣- كَأَنَّ صُغْرَى وكُبْرَى من فَقَاقِعِهَا
صحيحًا ا. هـ. "وإن تكن بتلو منه" الجارة "مستفهما فلهما" أي: لمن ومجرورها المستفهم به "كن أبدًا مقدمًا" على أفعل التفضيل لا على جملة الكلام كما فعل المصنف، إذ يلزم على تمثيله الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي ولا قائل به "كمثل ممن أنت خير" ومن أيهم أنت أفضل، ومن كم دراهمك أكثر، ومن غلام أيهم أنت أفضل لأن
ــ
وأما فشركما لخيركما الفداء
فشرّ وخير فيه ليسا أفعل تفضيل بل اسمان كالسهل والصعب؛ لأنهما يردان كذلك. هذا ما ظهر فجعل البعض تأويل ما استدل به بجعل التفضيل فيه باعتبار الاعتقاد لا نفس الأمر. إنما يصح في بعض ما استدل به لا في كله فتدبر. قوله: "إذا غاب" أي: عدم. وأسود العين اسم جبل ومعنى البيت أنتم لئام أبدًا؛ لأن هذا الجبل لا يغيب. قوله: "وإن تكن بتلو من إلخ" بقي ما إذا كان الاستفهام بالهمزة, ويتجه أن يقال إن أريد الاستفهام عن المفضل عليه وجب التقديم فتقول: أمن زيد أنت أفضل, فقد ذكر في علم المعاني أن المسئول عنه بالهمزة هو ما يليها فيجب التقديم ليكون المسئول عنه قد وليها, وإن أريد الاستفهام عن المفضل وجب التأخير, فتقول: أأنت أفضل من زيد ليليها المسئول عنه وفاء بالقاعدة المذكورة سم. قوله: "لا على جملة الكلام إلخ" وإنما فعل الشارح مثل ما فعله المصنف مجاراة لمثال المصنف لا يقال إذا لم يقدم على الجملة خرج الاستفهام عن الصدارة؛ لأنا نقول صدارته الواجبة له إنما هي بالنسبة لما عمل فيه فقط وهو أفعل. قوله: "الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي" لأن المبتدأ ليس من معمولات الخبر وقد يقال المختار جواز تقدم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ والخبر في السعة, إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا فليكن ما فعله المصنف مثله, إلا أن يفرق بقوة الخبر الفعلي بخلاف الخبر الذي هو
стр. 982
وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ وَمَتَى ... عاقَبَ فِعْلا فَكَثِيرًا ثَبَتَا
ــ
الاستفهام له الصدر "ولدي إخبار" أي: وعند عدم الاستفهام "التقديم نزرًا وجدا" كقوله:
٨٠٤- فقالت لنا أَهْلًا وسَهْلًا وزَوَّدَتْ ... جَنَى النَّخْلِ بل ما زَوَّدَتْ منه أَطْيَبُ
وقوله:
٨٠٥- ولا عَيْبَ فِيها غير أنَّ سَرِيعَها ... قَطُوفٌ وأنْ لا شيءَ مِنْهُنَّ أكْسَلُ
وقوله:
٨٠٦- إذا سايَرَتْ أَسْماءُ يَومًا ظَعِينَةً ... فأسماء من تلك الظعينَةِ أمْلحُ
"ورفعه الظاهر نزر" أي: أفعل التفضيل يرفع الضمير المستتر في كل لغة، ولا يرفع اسمًا ظاهرًا ولا ضميرًا بارزًا إلا قليلًا. حكى سيبويه. مررت برجل أكرم منه أبوه؛ وذلك لأنه ضعيف الشبه باسم الفاعل من قبل أنه في حال تجريده لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع،
ــ
أفعل تفضيل فتأمل. قوله: "التقديم نزرًا وجدا" وفي التوضيح أنه ضرورة عند الجمهور.
قوله: "أهلًا وسهلًا" أي: أتيتم أهلًا ومكانًا سهلًا. وقوله جنى النحل أي: شبيهه بدليل ما بعده والاستشهاد بالبيت مبني على أن منه متعلق بأطيب. قال زكريا: ويجوز تعلقه بزودت, وحينئذٍ لا شاهد فيه. قوله: "ولا عيب فيها" أي: في النساء المذكورة فيما قبله. وقوله: غير أن إلخ من تأكيد المدح بما يشبه الذم, والقطوف بفتح القاف وفي آخره فاء المتقارب الخطأ. قوله: "ظعينة" هي في الأصل الهودج كانت فيه امرأة أو لم تكن ثم سميت المرأة ما دامت في الهودج ظعينة. وأملح من الملاحة وهي الحسن. قوله: "ورفعه الظاهر" المراد به المصرح به فيشمل الضمير البارز المنفصل؛ ولهذا أدرجه الشارح في حيز تفسير كلام المصنف وإن أفرده فيه بالذكر. قوله: "يرفع الضمير المستتر" أي: لأن العمل فيه ضعيف لا يظهر أثره لفظًا فلا يحتاج إلى قوة العامل سم. قوله: "إلا قليلًا" أي: شاذا. قوله: "لأنه ضعيف الشبه باسم الفاعل" أي: مع عدم ما يجبر الضعف من صحة وقوع فعل بمعناه موقعه فلا يرد أن الضعف موجود حتى في مسألة الكحل. قوله: "في حال تجريده" مثلها حال إضافته إلى نكرة, وخص حالة التجريد بالذكر؛ لأنها الأصل فيه كما
стр. 983
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا إذا لم يعاقب فعلًا أي: لم يحسن أن يقع موقعه فعل بمعناه "ومتى عاقب فعلًا فكثيرًا" رفعه الظاهر "ثبتا" وذلك إذا سبقه نفي وكان مرفوعه أجنبيا مفضلًا على نفسه باعتبارين، نحو: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، فإنه يجوز أن
ــ
سيأتي, يعني فلما ضعف بعدم قبول العلامات في بعض أحواله انحطت رتبته في جميعها, فلم يعمل في الاسم الظاهر إلا بالشروط الآتية. قوله: "لا يؤنث إلخ" بهذا فارق الصفة المشبهة, فإنها تؤنث وتثنى وتجمع؛ فلهذا عملت في الظاهر كثيرًا وإن لم يكن لها فعل بمعناها وهو الثبوت. قوله: "إذا لم يعاقب فعلًا" جارى فيه الناظم وإلا فالأحسن إسناد المعاقبة إلى الفعل, كما يشير إليه قول الشارح أي: لم يحسن إلخ فعلم أن قوله أي: لم يحسن إلخ تفسير باللازم فتفطن.
قوله: "إذا سبقه نفي إلخ" زاد غيره قيدًا وهو أن يكون أفعل صفة لاسم جنس ليكون معتمدًا عليه, ولم يكف النفي كما في اسم الفاعل؛ لأنه لم يقو قوته ولهذا لا ينصب المفعول به بخلاف اسم الفاعل, وإنما اشترط سبق النفي ليكون أفعل التفضيل بمعنى الفعل فيعمل عمله؛ وذلك لأن النفي إذا دخل على أفعل توجه إلى قيده وهو الزيادة فيزيلها فيبقى أصل حسن كحل عين رجل مقيسًا إلى حسن كحل عين زيد إما بأن يساويه أو يكون دونه, ومقام المدح يأبى المساواة فيرجع المعنى إلى أن حسن الكحل في عين رجل دون حسنه في عين زيد أفاده الجامي، وأورد عليه أنه لو كان زوال الزيادة بالنفي مجوّزًا لعمل اسم التفضيل في ظاهر لجاز العمل في نحو: ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه. وأجيب بالفرق بينه وبين مثال الكحل بأن اسم التفضيل في مثال الكحل خالف الأصل, وهو تغاير المفضل والمفضل عليه ذاتًا لاتحادهما فيه ذاتًا فحصل في معناه التفضيليّ ضعف يقتضي أنه إذا زال بالنفي لم يبق لأفعل قوة اقتضاء حكمه وهو امتناع عمله في الظاهر بخلاف نحو: ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه فإنه لا ضعف في معناه التفضيلي لاختلاف المفضل والمفضل عليه ذاتًا, فله قوة اقتضاء حكمه, وقيل إنما اشترط تقدم النفي ليقوى طلب الموصوف الصفة المقتضي ذلك لقوتها في العمل؛ وذلك لأن طلب النكرة للمخصص في الإثبات دون طلبها له في النفي؛ لأنه في الإثبات لزيادة الفائدة وفي النفي لصون الكلام عن كونه كذبًا, فإنك إذا قلت: ما رأيت رجلًا, كان صدق الكلام موقوفًا على تخصيص الرجل بأمر يمكن أنه لم يحصل لمن رأيته من الرجال بخلاف رأيت رجلًا, وفي هذا أيضًا ما تقدم إيرادًا وجوابًا. قوله: "وكان مرفوعه أجنبيًا" أي: غير ملابس لضمير الموصوف بخلاف نحو: ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه فالمراد نفي كونه سببيًا بهذا المعنى فلا ينافي اشتراط ابن الحاجب كونه سببيا بمعنى أن للموصوف به تعلقًا ما كما في المثال قاله سم, واعترض البعض على الشارح بأن هذا القيد مستغنى عنه بقوله مفضلًا على نفسه باعتبارين لما علمت من أن المفضل والمفضل عليه في نحو: ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه مختلفان بالذات وفيه أن الاعتراض بإغناء المتأخر عن المتقدم غير ناهض.
قوله: "مفضلًا على نفسه باعتبارين" كان ينبغي أن يقول باعتبار آخر؛ لأن التفضيل أي
стр. 984
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقال: ما أريت رجلًا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، لأن أفعل التفضيل إنما قصر عن رفع الظاهر؛ لأنه ليس له فعل بمعناه. وفي هذا المثال يصح أن يقع موقعه فعل بمعناه كما رأيت. وأيضًا فلو لم يجعل المرفوع فاعلًا لوجب كونه مبتدأ فيلزم الفصل بين أفعل ومن بأجنبي، والأصل أن يقع هذا الظاهر بين ضميرين: أولهما للموصوف وثانيهما للظاهر كما رأيت. وقد يحذف الضمير الثاني وتدخل من إما على الاسم الظاهر أو على محله أو على ذي المحل فتقول من كحل عين زيد، أو من عين زيد، أو من زيد فتحذف
ــ
الزيادة إنما هو باعتبار واحد لا باعتبارين كما لا يخفى, إلا أن يجعل فيه اكتفاء والأصل ومفضولًا, فمعنى المثال أن الكحل باعتبار كونه في عين زيد أحسن من نفسه باعتبار كونه في عين غيره من الرجال وخرج به نحو: ما رأيت رجلًا أحسن كحل عينه من كحل عين زيد لاختلاف المفضل والمفضل عليه ذاتًا؛ لأنه اعتبر فيه فردان من أفراد الكل وأوقع التفاضيل بينهما بخلاف المثال المشهور فإنه اعتبر فيه ماهية الكحل مقيدة بقيد تارة ومقيدة بآخر تارة أخرى. والظاهر الذي يرمز إليه صنيع الشارح أن هذه الشروط شروط لعمل أفعل التفضيل مطلقًا في الظاهر لا لعمل أفعل من فقط, كما بينه البعض فانظره. قوله: "في عينه" حال من الكحل مقدم عليه أو ظرف لغو متعلق بأحسن, وفي عين زيد حال من الضمير المجرور بمن. قوله: "فإنه يجوز أن يقال إلخ" تعليل لمحذوف أي: وإنما كان هذا المثال مما يعاقب فيه أفعل الفعل؛ لأنه يجوز إلخ. قوله: "لأن أفعل التفضيل إلخ" علة لقول المصنف:
ومتى عاقب فعلًا فكثيرًا ثبتا. قوله: "لأنه ليس له فعل بمعناه" أي: في الزيادة ليعمل عمله, ولا يرد عليه أن أفعال الغلبة بمعناه نحو: كاثرني فكثرته أي: غلبته في الكثرة وزدت عليه فيها لعدم اطراد الغلبة في كل مادة كما قاله سم, نعم يرد عليه أن الصفة المشبهة ليس لها فعل بمعناها في الثبوت مع عملها في الظاهر, وأن أفعل التفضيل المجرد عن معنى التفضيل بمعنى الفعل لعدم دلالته على الزيادة, مع أنه لا يعمل في الظاهر على ما يقتضيه إطلاقهم.
وتعليلهم بما قدمه الشارح في قوله؛ وذلك لأنه ضعيف الشبه إلخ فلا يتم المطلوب بمجرد هذا التعليل, بل مع ضميمة التعليل الذي قدمه الشارح فتنبه. قوله: "يصح أن يقع إلخ" أي: بمعونة المقام. قوله: "لوجب كونه مبتدأ" أي: مخبرًا عنه باسم التفضيل.
قوله: "فيلزم الفصل" أي: ولو تقديرًا كما في ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل فإن تقديره: ما رأيت عينا كعين زيد أحسن فيها الكحل منه في غيرها, فلو لم يجعل الكحل فاعلًا بل جعل مبتدأ لزم الفصل بأجنبي تقديرًا فلا يقال لزوم الفصل بأجنبي غير مطرد لعدمه في نحو: هذا المثال أفاده سم والأجنبي هنا المبتدأ والمراد بالأجنبي هنا: ما ليس من معمولات ذلك العامل, لا ما لا تعلق له به بوجه ما ولم يجعل الكحل مبتدأ مؤخرًا عن من فلا يلزم الفصل بأجنبي بأن يقال: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه منه في عين زيد الكحل فرارًا من التزام مخالفة الأصل, وهو تقديم مرجع الضمير عليه بلا ضرورة ولا مقدمًا على الوصف بأن يقال: ما رأيت رجلًا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد فرارًا من التزام تقديم غير الأهم وهو الوصف بلا ضرورة, والتزام مخالفة الأصل وهو النعت بالمفرد بلا ضرورة. قوله:
стр. 985
كَلَنْ تَرَى في الناسِ مِن رَفِيقِ ... أولَى بِه الفَضْلُ مِنَ الصِّدِّيقِ
ــ
مضافًا أو مضافين وقد لا يؤتى بعد المرفوع بشيء نحو: ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل. وقالوا: أما أحد أحسن به الجميل من زيد، والأصل ما أحد أحسن به الجميل من حسن الجميل بزيد، ثم أضيف الجميل إلى زيد لملابسته إياه ثم حذف المضاف الأول ثم الثاني. ومثله قوله ﵊: "ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم" من أيام العشر. والأصل من محبة الصوم في أيام العشر، ثم من محبة صوم أيام العشر، ثم من صوم أيام العشر، ثم من أيام العشر. وقول الناظم "كلن ترى في الناس من رفيق أولى به الفضل من الصديق" والأصل من ولاية الفضل بالصديق ففعل به ما ذكر.
ــ
"فتقول من كحل عين زيد" قد يقال إذا قيل ذلك لم يكن المرفوع مفضلًا على نفسه بل على غيره بالذات, أما على أن أل في الكحل عوض عن ضمير الرجل فالتغاير بالذات ظاهر, وأما على أنها للجنس؛ فلأن الماهية الكلية مغايرة بالذات لفردها الجزئي إلا أن يختار الثاني, ويقال لما كان الفرد مندرجًا تحت الماهية الكلية كان كأنها نفسه والتغاير اعتباري فافهم. قوله: "فتحذف مضافًا" أي: إذا دخلت من على المحل وهو العين أو مضافين أي: إذا دخلت من على ذي المحل وهو زيد. قوله: "وقد لا يؤتى بعد المرفوع بشيء" أي: اختيارًا وذلك إذا تقدم محل المفضل على أفعل كما في مثال الشارح, وكذا إذا تقدم صاحب محل المفضل على أفعل فيما يظهر كما في ما رأيت كزيد أحسن في عينه الكحل, فاقتصار البعض على الأول قصور ورأى بصرية على الظاهر, والكاف اسمية, وأحسن حال من مجرور الكاف على ما قاله البعض, ويلزم عليه مجيء الحال من المضاف إليه بدون شرطه أو كعين وأحسن صفتان لعينا محذوفة ويصح غير ذلك.
قوله: "وقالوا إلخ" أي: فأدخلوا من في اللفظ على غير المفضل عليه وهو ملابسه كما بينه الشارح فهو كقولك: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل من عين زيد, لكن مدخول من في هذا التركيب محل المفضل عليه حقيقة وفي ما أحد أحسن به الجميل من زيد ملابس المفضل عليه لا محله حقيقة؛ ولهذا ذكره الشارح هنا, ولم يكتف بقوله سابقًا وقد يحذف الضمير الثاني إلخ فافهم. قوله: "من حسن الجميل بزيد" كان عليه إسقاط حسن؛ لأن المفاضلة بين الجميل ونفسه باعتبارين. لا يقال الداعي إلى ذكره تعلق بزيد به؛ لأنا نقول على حذفه يكون بزيد حالًا من مجرور من كما في نظائره, ولا حاجة إلى ما نقله شيخنا, والبعض عن اللقاني وأقراه من التكلف. ومثل ذلك يقال في الحديث ومثال الناظم الآتي. قوله: "ما من أيام أحب" إلخ أفعل التفضيل فيه مصوغ من فعل المفعول ففيه شذوذ من هذه الجهة إلا على قول من يجعل الصوغ منه مقيسًا عند أمن اللبس, وكذا من جهة صوغه من زائد على الثلاثي إن كان من أحب الرباعي فإن كان من حب الثلاثي فلا شذوذ فيه إلا من الجهة الأولى, وبهذا يعلم ما في كلام البعض من المؤاخذة. قوله: "أولى" فيه شذوذ من جهة أنه لا فعل له؛ لأنه بمعنى أحق ولم يستعمل من هذه المادة فعل بهذا المعنى؛ لأن الفعل المستعمل منها ولي بمعنى تولى أو تبع وبهذا يعلم حسن قوله, ومتى عاقب فعلًا ولم يقل فعله ولا الفعل لئلا يخرج مثل هذا أفاده شيخنا نقلًا عن يس قال:
стр. 986
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهات: الأول إنما امتنع نحو: رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، ونحو: ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه، وإن كان أفعل فيهما يصح وقوع الفعل موقعه؛ لأن المعتبر في اطراد رفع أفعل التفضيل الظاهر جواز أن يقع موقعه الفعل الذي بني منه مفيدًا فائدته, وهو في هذين المثالين ليس كذلك، ألا ترى أنك لو قلت: رأيت رجلًا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، أو يحسن في عينه الكحل كحلًا في عين زيد بمعنى يفوقه في الحسن فأتت الدلالة على التفضيل في الأول وعلى الغريزة في الثاني. وكذا القول في ما رأيت رجلًا يحسن أبوه كحسنه إذا أتيت في موضع أحسن بمضارع حسن حيث تفوت الدلالة على التفضيل، أو قلت: ما رأيت رجلًا يحسنه أبوه, فأتيت موضع أحسن بمضارع حسنه إذا فاقه في الحسن حيث تغير الفعل الذي بني منه أحسن, ففاتت الدلالة على الغريزة المستفادة من أفعل التفضيل. ولو رمت أن توقع الفعل موقع أحسن على غير هذين الوجهين لم تستطع. الثاني قال في شرح التسهيل: لم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بأفعل إلا بعد نفي ولا بأس باستعماله بعد نهي أو استفهام فيه معنى النفي كقوله: لا يكن غيرك أحب إليه الخير منه إليك، وهل في الناس رجل أحق به الحمد منه
ــ
البعض وينازعه قول الشارح الآتي؛ لأن المعتبر في اطراد إلخ ا. هـ. أي: حيث قيد الفعل بالذي بنى منه أفعل, ويندفع بأن القيد مبني على الغالب فتدبر.
قوله: "إنما امتنع نحو: إلخ" المانع في المثال الأول عدم سبق النفي, وفي الثاني عدم كون المرفوع أجنبيا. قوله: "مفيدًا فائدته" أي: فائدة أفعل من الدلالة على التفضيل وعلى الغريزة كما يؤخذ مما بعده. قوله: "ألا ترى أنك لو قلت إلخ" هذا متعلق بالمثال الأول, وقوله وكذا القول إلخ متعلق بالمثال الثاني. قوله: "كحلًا" مفعول يحسن لتضمنه معنى يفوق. قوله: "وعلى الغريزة في الثاني" لأن يحسن فيه مضارع حسنه إذا فاقه في الحسن فهو متعد وأفعال الغرائز لازمة. قوله: "حيث تفوت الدلالة على التفضيل" أورد عليه سم أن المثال المشهور يصدق لغة بصورتين؛ نقص حسن كحل عين الرجل عن حسن كحل عين زيد وتساويهما, والمراد بحسب المقام الأولى لا الثانية كما تقدم, ومثله: ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه لصدقه بنقص حسن الأب ومساواته, وإذا عبر بالفعل فيهما صدق التركيب لغة بالأولى, وكذا بزيادة حسن كحل عين الرجل وحسن الأب على بعد والمقام يعين الأولى, فالتركيبان مستويان في المعنى سواء عبر فيهما بأفعل أو بالفعل فالحكم بفوات الدلالة على التفضيل في أحدهما دون الآخر تحكم. قوله: "على غير هذين الوجهين" يعني بهما كونه مضارع حسن اللازم وكونه مضارع حسنه أي: فاقه في الحسن. قوله: "منه" أي: الحمد, وقوله بمحسن حال من مجرور من أي: حالة كونه ملابسًا لمن ذكر. قوله: "أجمعوا إلخ" ينافيه قوله بعد وأجاز بعضهم إلخ, إلا أن يقال لم يعتد المصنف بمخالفة هذا المجيز فحكى الإجماع, أو يقال الإجماع في غير المتجرد عن معنى التفضيل, كما يؤخذ من
стр. 987
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بمحسن لا يمن. الثالث قال في شرح الكافية: أجمعوا على أنه لا ينصب المفعول به، فإن وجد ما يوهم جواز ذلك جعل نصبه بفعل مقدر يفسره أفعل، نحو: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ، فحيث هنا مفعول به لا مفعول فيه، وهو في موضع نصب بفعل مقدر يدل عليه أعلم. ومنه قوله:
٨٠٧- وَأَضْرَبُ مِنّا بالسُّيوفِ القَوانِسَا
وأجاز بعضهم أن يكون أفعل هو العامل لتجرده عن معنى التفضيل ا. هـ.
خاتمة: في تعدية أفعل التفضيل بحروف الجر. قال في شرح الكافية: وجملة القول في ذلك أن أفعل التفضيل إذا كان من متعد بنفسه دال على حب أو بغض عدي باللام
ــ
تعليل المجيز وكما في شرح الدماميني على المغني فتدبر. قوله: "لا ينصب المفعول به" أي: بل يصل إليه بواسطة اللام نحو: هو أوعى للعلم فإن كان مما يتعدى لاثنين نصب الآخر بفعل مقدر نحو: أكسي للفقراء الثياب أي: يكسوهم الثياب قاله الدماميني. قال المصرح: وكذا لا ينصب المفعول معه والمفعول المطلق والتمييز إلا إذا كان فاعلًا في المعنى نحو: زيد أحسن الناس وجهًا ويجوز نصبه للباقي, وقال بعضهم: غلط من قال إن أفعل التفضيل لا يعمل في المفعول به لورود السماع بذلك كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤] ، وليس تمييزًا؛ لأنه ليس فاعلًا في المعنى.
قوله: "فحيث هنا مفعول به لا مفعول فيه" اعترضه أبو حيان بأنه ضرب من التصرف, وحيث لا تتصرف وفي المرادي على التسهيل لم تجئ حيث فاعلًا ولا مفعولًا به ولا مبتدأ ا. هـ. وفي التسهيل أن تصرفها نادر, قال الدماميني: ولو قيل إن المراد يعلم الفضل الذي هو في محل الرسالة لم يبعد وفيه إبقاء حيث على ما عهد لها من ظرفيتها. والمعنى أن الله تعالى لن يؤتيكم مثل ما آتى رسله؛ لأنه يعلم ما فيهم من الذكاء والطهارة والفضل والصلاحية للإرسال ولستم كذلك. قال الشمني: بل هو بعيد لما فيه من حذف المفعول والاسم الموصول وبعض صلته بلا دليل. قوله: "القوانسا" جمع قونس وهو أعلى البيضة وعظم ناتئ بين أذني الفرس كما في القاموس. قوله: "لتجرده عن معنى التفضيل" رد بأنه وإن أول بما لا تفضيل فيه لا يلزم كون تعديه كتعديه وخصوصيات الألفاظ لا تنكر وأجاب الدماميني بأن أصل المتوافقين معنى أن يتوافقا حكمًا. قوله: "وجملة القول" أي: مجمله أي: مجموعه فهو من الإجمال بمعنى الجمع ضد التفريق لا من الإجمال ضد التفصيل والبيان. قوله:
"دال على حب أو بغض" أي: على معناهما فيشمل
стр. 988
النعت:
يَتْبَعُ في الإعرابِ الأسماء الأُوَل ... نَعْتٌ وتَوْكيدٌ وعَطْفٌ وبَدَل
ــ
إلى ما هو مفعول في المعنى وبإلى إلى ما هو فاعل في المعنى، نحو: المؤمن أحب لله من نفسه، وهو أحب إلى الله من غيره, وإن كان من متعد بنفسه دال على علم عدي بالباء نحو: زيد أعرف بي وأنا أدرى به، وإن كان من متعد بنفسه غير ما تقدم عدي باللام نحو: هو أطلب للثأر وأنفع للجار, وإن كان من متعد بحرف جر عدي به لا بغيره، نحو: هو أزهد في الدنيا وأسرع إلى الخير وأبعد من الإثم وأحرص على الحمد وأجدر بالحلم وأحيد عن الخنى. ولفعل التعجب من هذا الاستعمال ما لأفعل التفضيل، نحو: ما أحب المؤمن لله وما أحبه إلى الله، وما أعرفه بنفسه وأقطعه للعوائق وأغضه لطرفه وأزهده في الدنيا، وأسرعه إلى الخير، وأحرصه عليه، وأجدره به ا. هـ. وقد سبق بعض ذلك في بابه والله تعالى أعلم.
النعت:
"يتبع في الإعراب الأسماء الأُول نعت وتوكيد وعطف وبدل" وتسمى لأجل ذلك
ــ
ما كان من مادة الكراهة مثلًا. قوله: "وهو أحب إلى الله من غيره" أي: يحب الله المؤمن أكثر من محبته للكافر, قال البعض: وظاهره أنه حينئذٍ مجرد عن معنى التفضيل إذ لا يحب الله تعالى الكافر أصلًا ا. هـ. وفيه أنه ينافيه ما اشتهر وقدمه هو أيضًا من أن المقرون بمن لا يتجرد عن معنى التفضيل, فالذي ينبغي عندي أنه غير مجرد عن ذلك بل فيه معنى التفضيل باعتبار محبة الله تعالى الكافر من حيث كونه مخلوقًا, قاله مثلًا فتأمل. قوله: "وأحيد عن الخنى" بفتح الخاء المعجمة أي: أميل عن الزنا. قوله: "وقد سبق بعض ذلك في بابه" فيه أنه ذكر جميع هذا التفصيل في أفعل التعجب في بابه لا بعضه فقط والله أعلم.
النعت:
ويقال له الوصف والصفة, وقيل: النعت خاص بما يتغير كقائم وضارب والوصف والصفة لا يختصان به بل يشملان نحو: عالم وفاضل, وعلى الثاني يقال صفات الله وأوصافه ولا يقال نعوته, والذي في القاموس أن النعت والوصف مصدران بمعنى واحد, وأن الصفة تطلق مصدرًا بمعنى الوصف واسمًا لما قام بالذات كالعلم والسواد. قوله: "في الإعراب" يرد عليه نحو: قام قام زيد ولا لا, وعطف النسق إذا لم يكن للمعطوف عليه إعراب كالجملة المستأنفة, والجواب أن المراد في الإعراب وجودًا أو عدمًا فيدخل ما ذكر, ويرد أيضًا: يا زيد الفاضل ويا سعيد كرز بضم الفاضل وكرز اتباعًا لضمة زيد وسعيد, فإن تبعية الفاضل وكرز لزيد وسعيد في الضم ليست تبعية في الإعراب. والجواب أن المراد الإعراب وما يشبهه من حركة عارضة لغير الإعراب, مع أنهما تابعان لزيد وسعيد في إعراب غير ظاهر, بل هو محلي في المتبوع وتقديري في التابع منع من ظهوره
стр. 989
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التوابع. فالتابع هو المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد غير خبر. فخرج بالحاصل والمتجدد خبر المبتدأ والمفعول الثاني وحال المنصوب. وبغير خبر حامض من قولك: هذا حلو حامض.
تنبيهات: الأول سيأتي أن التوكيد والبدل وعطف النسق تتبع غير الاسم وإنما خص
ــ
حركة الاتباع فعلم أن ضمة التابع ليست ضمة إعراب لعدم الرافع, ولا ضمة بناء لعدم مقتضيه هذا هو التحقيق. ثم المراد الإعراب لفظًا أو تقديرًا أو محلا فيدخل نحو: حجر ضب خرب, فخرب تابع لحجر ورفعه مقدر ونحو: رحم الله سيبويه الذي كان ماهرًا في العربية, فسيبويه والذي متوافقان في الإعراب محلا.
فائدة: الجواز يختص بالجر وبالنعت قليلًا والتوكيد نادرًا على ما في التسهيل والمغني. وقال الناظم في العمدة: يجوز في العطف لكن بالواو خاصة وجعل منه "وَأَرْجُلِكُمْ" في قراءة الجر, وضعفه في المغني بأن العاطف يمنع التجاوز, وعلى منع عطف الجوار يكون جر الأرجل للعطف على الرءوس لا لتمسح بل لينبه بعطفها على الممسوح على طلب الاقتصاد في غسلها الذي هو مظنة الإسراف؛ لكونها من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها, وجيء بالغاية دفعًا لتوهم أنها تمسح؛ لأن المسح لم تضرب له غاية في الشرع كذا في الكشاف, ويلزم عليه إما استعمال المسح في حقيقته بالنسبة إلى الرءوس وفي مجازه وهو الغسل الشبيه بالمسح في قلة الماء بالنسبة إلى الأرجل. وصاحب الكشاف ممن يمنعه وإما جعل العطف من عطف الجمل بتقدير: وامسحوا بأرجلكم فكون الأرجل معطوفة على الرءوس على هذا باعتبار صورة اللفظ, وفي هذا حذف الجار وإبقاء عمله وهو ضعيف إلا أن يقال قوة الدلالة عليه بسبق مثله تدفع الضعف. قال شيخنا السيد: قال بعضهم الجر بالجوار مقيس عند سيبويه سماع عند الفراء ا. هـ. وفي الدماميني أن ابن جني أنكره وجعل خرب صفة ضب بتقدير مضاف أي: خرب جحره وإن حركة الجوار حركة مناسبة لا حركة إعرابية, وأن الحركة الإعرابية مقدرة بحسب ما يقتضيه عامل المتبوع, وعبارة المغني أنكر ابن جني الجر على الجوار وجعل خرب صفة لضب والأصل خرب جحره, ثم أنيب المضاف إليه عن المضاف فارتفع واستتر, ويلزمه استتار الضمير مع جريان الصفة على غير ما هي له, وهو لا يجوز عند البصريين وإن أمن اللبس.
قوله: "وعطف" أي: بيان أو نسق. قوله: "الحاصل" أي: في هذا التركيب والمتجدد أي: تركيب آخر. قوله: "غير خبر" حال من ضمير المشارك. قوله: "فخرج بالحاصل والمتجدد" أي: بمجموعهما ولو قال فخرج بقولنا والمتجدد لكان أحسن؛ لأنه المخرج لخبر المبتدأ أي: غير الثاني من الخبر المتعدد كما يدل عليه ما بعده. قوله: "حامض إلخ" مقتضاه أن حامض خبر بعد خبر وهو الموافق لما سبق أن نحو: الرمان حلو حامض مما تعدد فيه الخبر لفظًا ولا ينافيه قول بعضهم أنه جزء خبر؛ لأنه ناظر إلى المعنى. قوله: "إن التوكيد" أي: اللفظي أما المعنوي فمختص بالأسماء كالنعت وعطف البيان؛ ولذلك كانت الأسماء أصلًا في ذلك. قوله: "لكونها الأصل في
стр. 990
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأسماء بالذكر لكونها الأصل في ذلك. الثاني في قوله الأول إشارة إلى منع تقديم التابع على متبوعه. وأجاز صاحب البديع تقديم الصفة على الموصوف إذا كان لاثنين أو جماعة
ــ
ذلك" فيكون تقديمها على الفاعل في عبارته للاهتمام لا للحصر. قوله: "إلى منع تقديم التابع إلخ" مثل التابع معموله فلا يجوز: هذا طعامك رجل يأكل. قال البعض: لأن المعمول لا يحل إلا حيث يحل عامله ا. هـ. وهو منقوض بنحو: زيدًا لم أضرب. وجوز الكوفيون تقديم المعمول ووافقهم الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] ، فجعل في أنفسهم متعلقًا ببليغًا.
فائدة: يجوز الفصل بين التابع والمتبوع بغير أجنبي محض كمعمول الوصف نحو: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤] ، ومعمول الموصوف نحو: يعجبني ضربك زيدًا الشديد وعامله نحو: زيدًا ضربت القائم ومفسر عامله نحو: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] ، ومعمول عامل الموصوف نحو: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [المؤمنون: ٩٢] ، والمبتدأ الذي خبره فيه الموصوف نحو: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] ، الخبر نحو: زيد قائم العاقل والقسم نحو: زيد والله العاقل قائم وجواب القسم نحو: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣] ، والاعتراض نحو: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ، والاستثناء نحو: ما جاءني أحد إلا زيدًا خير منك, ومن الفصل بين التأكيد والمؤكد: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] ، وبين المعطوف والمعطوف عليه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ، فصل به الأيدي والأرجل على قراءة نصب الأرجل وبين البدل والمبدل منه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣] ، بخلاف الأجنبي بالكلية من التابع والمتبوع فلا يقال: مررت برجل على فرس عاقل أبيض, وكذا لا يجوز فصل نعت المبهم ونحوه مما لا يستغنى عن الصفة من منعوته, فلا يقال: ضربت هذا
زيدًا الرجل ولا الشعري طلعت العبور كذا في الهمع. واعترض الأخير باستغناء الشعري في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩] ، وما ذكره من أن نصفه بدل من الليل هو أحد أوجه ذكرها البيضاوي وغيره, والاستثناء عليه من نصفه والضمير في منه وعليه للأقل من النصف كالثلث فيكون التخيير بين الأقل منه كالربع والأكثر منه كالنصف، ومنها أن الاستثناء من الليل ونصفه بدل من قليلًا فيكون التخيير بين النصف والزائد عليه كالثلثين والناقص عنه كالثلث. واعترضه الشهاب القرافي بأنه يقتضي تسمية النصف قليلًا وهي غير معروفة في استعمال اللغة واختار أن نصفه بدل من الليل إلا قليلًا وأن المراد بالليل الليالي بناء على استغراقية أل وبالقليل منها ليالي الأعذار كالمرض والسفر فأبدل نصفه من الليالي التي لا عذر فيها والمعنى قم الليالي التي لا عذر فيها نصفها أي: نصف كل منها لكن ذكر الضمير المضاف إليه نصف لكون الليل مفردًا مذكرًا في اللفظ, وأن المراد بالقليل في قوله: أو انقص منه قليلًا أو زد عليه أي: قليلًا هو السدس فخير ﷺ بين قيام نصف الليل وثلثه وثلثيه.
قوله: "إذا كان" أي: الصفة والتذكير باعتبار المذكور أو النعت, وفي بعض النسخ إذا كانت
стр. 991
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد تقدم أحد الموصوفين، فتقول: قام زيد العاقلان وعمرو, ومنه قوله:
٨٠٨- ولَسْتُ مُقرًّا للرجال ظُلامَة ... أَبَى ذاك عَمِّي الأَكْرَمانِ وخَالِيا
وأجاز الكوفيون تقديم المعطوف بشروط تذكر في موضعها. الثالث اختلف في العامل في التابع فذهب الجمهور إلى أن العالم فيه هو العامل في المتبوع واختاره الناظم وهو ظاهر مذهب سيبويه. الرابع لم يتعرض هنا لبيان رتبة التابع. قال في التسهيل: ويبدأ عند اجتماع التوابع بالنعت، ثم بعطف البيان، ثم بالتوكيد، ثم بالبدل، ثم بالنسق أي: فيقال: جاء الرجل الفاضل أبو بكر نفسه أخوك وزيد. الخامس قدم في التسهيل باب التوكيد على باب النعت، وكذا فعل ابن السراج وأبو علي والزمخشري وهو حسن؛ لأن التوكيد بمعنى الأول, والنعت على خلاف معناه؛ لأنه يتضمن حقيقة الأول وحالًا من أحواله،
ــ
وهي ظاهرة. قوله: "ظلامة" قال البعض: منصوب بنزع الخافض أي: بظلامة ا. هـ. ولا حاجة إليه بل الظاهر أنه مفعول به حقيقة أي: ولست مبقيًا ظلامة لأحد بل أزيلها, قال العيني: وتبعه غيره كشيخنا والبعض وذاك إشارة إلى المذكور من الظلامة ا. هـ. والأحسن إرجاع الإشارة إلى إقرار الظلامة المفهوم من مقرا, وفتح ياء المتكلم جائز اختيارًا إجماعًا. فقول العيني حركت الياء للضرورة غير صحيح. قوله: "بشروط تذكر في موضعها" أي: عند قوله وحذف متبوع إلخ. قوله: "اختلف في العامل في التابع" أي: غير البدل بقرينة قوله فذهب إلخ؛ لأن مذهب الجمهور في البدل كما في الهمع أن عامله محذوف بدليل ظهوره جوازًا مع الظاهر ووجوبًا مع الضمير نحو: مررت بزيد به فإعادة عامل الجر في نحوه واجبة, وبهذا يعلم ما في كلام الإسقاطي من الخلل, وزيف الدماميني الدليل بجعل الجار والمجرور الثاني بدلًا من الجار والمجرور الأول والعامل ما قبل الجار الأول وهو غير معاد. وأما مذهب غيرهم فهو: أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه. قوله: "فذهب الجمهور" وقيل العامل في النعت والبيان والتوكيد التبعية, وقيل مقدر وفي النسق مقدر, وقيل: حرف العطف نيابة كذا في الدماميني والهمع, قال الدماميني: فائدة الخلاف عدم جواز الوقف على المتبوع دون التابع عند من قال العامل فيه هو الأول ا. هـ. ويظهر أن الأمر كذلك على القول بأن العامل التبعية تأمل.
قوله: "ثم عطف البيان" أي: ثم يبدأ به بدءًا عرفيا أي: بالنسبة لما بعده وكذا يقال فيما بعده, إلا قوله ثم بالنسق فلا يتأتى فيه البدء العرفي فيقدر له عامل يناسبه أي: ثم يؤتى بالنسق ولك تقديره في الكل. قوله: "لأن التوكيد بمعنى الأول" أي: فهو كالجزء من النعت لدلالة النعت على الأول وزيادة والجزء مقدم على الكل, وكون التوكيد بمعنى الأول ظاهر في التوكيد اللفظي وفي
стр. 992
فالنَّعتُ تابِعٌ مُتِمُّ ما سَبَقْ ... بوَسْمِه أو وَسْمِ ما بِهِ اعْتَلَقْ
ــ
والتوكيد يتضمن حقيقة الأول فقط. وقدم في الكافية النعت كما هنا. وكذا فعل أبو الفتح والزجاجي والجزولي نظرًا لما سبق في التنبيه الرابع. "فالنعت" في عرف النحاة "تابع متم ما سبق" أي: مكمل المتبوع "بِوَسْمِه" أي: بوسم المتبوع أي: علامته "أو وسم ما به اعتلق" فالتابع جنس يشمل جميع التوابع المذكورة، ومتم ما سبق مخرج للبدل والنسق، وبوسمه أو وسم ما به اعتلق مخرج لعطف البيان والتوكيد؛ لأنهما شاركا النعت في إتمام ما سبق؛ لأن الثلاثة تكمل دلالته وترفع اشتراكه واحتماله، إلا أن النعت يوصل إلى ذلك بدلالته على معنى في المنعوت أو في متعلقه، والتوكيد والبيان ليسا كذلك. والمراد بالمتم المفيد ما يطلبه المتبوع بحسب المقام من توضيح نحو: جاءني زيد التاجر أو التاجر أبوه، أو تخصيص نحو: جاءني رجل تاجر أو تاجر أبوه، أو تعميم نحو: يرزق الله عباده الطائعين والعاصين الساعية أقدامهم والساكنة أجسامهم، أو مدح نحو: الحمد لله رب العالمين الجزيل عطاؤه، أو ذم نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ، أو تَرَحُّم
ــ
المعنوي بالنفس والعين, وأما بكل وأجمع ففيه نظر لزيادته لإفادة الشمول فتأمل. قوله: "وحالًا من أحواله" هذا في النعت الحقيقي, واقتصر عليه لكونه الأصل. قوله: "نظرًا لما سبق إلخ" أي: من كونه يبدأ به عند اجتماع التوابع. قوله: "متم ما سبق" أي: المقصود منه أصالة إتمام متبوعه أي: إيضاحه أو تخصيصه كما سيأتي, فلا يرد النعت لغير الإيضاح والتخصيص كالمدح والذم والتأكيد؛ لأن هذا أمر عارض, ومنه النعت الكاشف إذا خوطب به العالم بحقيقة المنعوت وسيدفع الشارح الإيراد بوجه آخر. وبحث في التعريف بأنه غير مانع لشموله, لقولهم: يا هذا ذا الجمة, مع أنه عطف بيان عند سيبويه كما سيأتي, والمراد ما سبق ولو تقديرًا ليشمل المنعوت المحذوف. قوله: " بوسمه" الباء سببية والوسم يطلق بمعنى العلامة, وجرى على هذا الشارح وعليه يقدر مضاف أي: بإفهام وسمه. ويطلق بالمعنى المصدري وهو الوسم بالسمة, وهي العلامة ولا تقدير على هذا. ومعنى العبارة تابع مكمل لمتبوعه بسبب دلالته على معنى في متبوعه, أو في سببي متبوعه والمراد الدلالة التضمنية, فلا يرد علمه من قولنا: نفعني زيد علمه؛ لأن دلالة لفظ علم على المعنى الذي في زيد مطابقية لا تضمنية.
قوله: "مخرج للبدل والنسق" لأنهما لا يتمان متبوعهما لا بإيضاح ولا تخصيص أي: لم يقصد بهما ذلك أصالة فلا ينافي عروض الإيضاح للبدل بل ولعطف النسق في بعض الصور. قوله: "أو في متعلقه" بكسر اللام أي: ما تعلق به وهو السببي. قوله: "ليسا كذلك" لأن البيان عين الأول وكذا التوكيد اللفظي والمعنوي بالنفس والعين, وأما بكل وأجمع ففيه ما تقدم. قوله: "من توضيح" المراد به رفع الاشتراك اللفظي في المعارف, وبالتخصيص تقليل الاشتراك المعنوي في النكرات, فالنعت في الأول جار مجرى بيان المجمل وفي الثاني جار مجرى تقييد المطلق أفاده في التصريح. قوله: "أو تعميم" مجيء النعت للتعميم وما بعده مجاز؛ لأن أصل وضعه
стр. 993
وليُعْطَ في التَّعريف والتَّنْكيرِ ما ... لِمَا تلا كامْرُرْ بقَوم كُرَمَا
ــ
نحو: اللهم أنا عبدك المسكين المنكسر قلبه، أو توكيد نحو: أمس الدابر المنقضي أمده لا يعود، أو إبهام نحو: تصدقت بصدقة كثيرة أو قليلة ثوابها أو شائع احتسابها، أو تفصيل نحو: مررت برجلين عربي وعجمي كريم أبواهما لئيم أحدهما. ويسمى الأول من هذه الأمثلة نعتًا حقيقيا والثاني سببيا "فليعط" النعت مطلقًا "في التعريف والتنكير ما" أي: الذي "لما تلا" وهو المنعوت "كامرر بقوم كرما" وبقوم كرماء آباؤهم، وبالقوم الكرماء وبالقوم الكرماء آباؤهم.
تنبيهات: الأول ما ذكره من وجوب التبعية في التعريف والتنكير هو مذهب الجمهور. وأجاز الأخفش نعت النكرة إذا خصصت بالمعرفة، وجعل الأوليان صفة لآخران في قوله تعالى: ﴿فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧] ، وأجاز بعضهم وصف المعرفة بالنكرة، وأجازه ابن الطراوة بشرط كون الوصف خاصا بذلك الموصوف كقوله:
٨٠٩- أَبِيتُ كأنِّي ساوَرَتْنِي ضَئيلَةٌ ... من الرُّفْشِ في أَنْيابِها السمُّ ناقِعُ
ــ
للتوضيح أو التخصيص كذا في التصريح. قوله: "الرجيم" أي: الراجم للناس بالوسوسة أو المرجوم بالشهب أو اللعنة, وكون هذا النعت للذم لا ينافيه كونه تأكيدًا لما فهم من لفظ الشيطان. قوله: "أو إبهام" ينبغي أن يزاد أو شك ويمثل له بمثال الإبهام إذا لم يعرف المتكلم حقيقة الأمر وكان شاكا نبه عليه الدماميني. ثم نقل عن ابن الخباز: أن النعت يجيء لإعلام المخاطب بأن المتكلم عالم بحال المنعوت, كقولك: جاء قاضي بلدك الكريم قيه إذا كان المخاطب يعلم اتصاف القاضي بذلك, ولم تقصد مجرد المدح بل قصدت إعلام مخاطبك بأنك عالم بحال الموصوف. وعن بعضهم أنه قد يكون النعت لإفادة رفعة معناه نحو: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] ، أجرى هذا الوصف على النبيين لإفادة عظم قدر الإسلام.
قوله: "في التعريف والتنكير" في بمعنى من البيانية لما الأولى, وقول شيخنا لما في لما تلا سهو والواو بمعنى؛ أو لأن الثابت للمتلوّ أحدهما. وقوله تلا صلة أو صفة جرت على غير ما هي له, ولم يبرز جريًا على المذهب الكوفي. قوله: "بالمعرفة" متعلق بنعت. قوله: "وأجاز بعضهم وصف المعرفة بالنكرة" أي: مطلقًا بقرينة مقابلته بما بعده. قوله: "ساورتني" أي: واثبتني بمعنى وثبت عليّ فالمفاعلة على غير بابها ضئيلة بفتح الضاد المعجمة وكسر الهمزة وهي الحية الدقيقة التي أتى عليها سنون كثيرة فقلّ لحمها واشتد سمها. والرقش بضم الراء وسكون القاف آخره شين معجمة
стр. 994
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والصحيح مذهب الجمهور, وما أوهم خلاف ذلك مؤول. الثاني استثنى الشارح من المعارف المعرف بلام الجنس قال: فإنه لقرب مسافته من النكرة يجوز نعته بالنكرة المخصوصة، ولذلك تسمع النحويين يقولون في قوله:
٨١٠- وَلَقَدْ أَمُرُّ على اللَّئِيم يَسُبُّنِي ... فأعِفُّ ثمّ أقول لا يَعْنِينِي
أن يسبني صفة لا حال؛ لأن المعنى: ولقد أمر على لئيم من اللئام. ومنه قوله تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] ، وقولهم: ما ينبغي للرجل مثلك أو خير
ــ
جمع رقشاء وهي الحية التي لها نقط سود وبيض ومن تبعيضية. وقول البعض للبيان غير ظاهر وناقع بالنون والقاف أي: بالغ في الإهلاك وفيه الشاهد حيث وصف به السم وهو معرفة؛ لأنه لا يوصف به غير السم ولا يرد قولهم دم ناقع؛ لأنه بمعنى طري. قوله: "مؤوّل" أي: بجعل التابع بدلًا فالأوليان أي: الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتها بدل من آخران, وناقع بدل من السم.
ويصح جعل الأوليان خبر محذوف أي: هما الأوليان أو خبر آخران لتخصيصه بالصفة أو مبتدأ خبره آخران أو بدلًا من الضمير في يقومان, وجعل ناقع خبرًا ثانيًا للسم. قوله: "المعرّف بلام الجنس" أي: لام الحقيقة في ضمن فرد غير معين, وتسميها أهل المعاني لام العهد الذهني لعهد الحقيقة في الذهن. قوله: "لقرب مسافته من النكرة" أي: لعدم تعين شيء من الأفراد فيهما.
قوله: "بالنكرة المخصوصة" أي: بإضافة أو عمل كما يؤخذ من التمثيل بقولهم ما ينبغي للرجل إلخ, وقول البعض أي: بوصف أو إضافة كما يؤخذ من الأمثلة سهو منشؤه توهم أن منك صفة لخير, وهو باطل بل هو ظرف لغو متعلق بخير, والمراد النكرة المخصوصة وما في حكمها وهو الجملة كما يؤخذ من التمثيل بالبيت والآية, وقد يستفاد من تعبيره بالجواز أن الأحسن النعت بالمعرفة نظرًا للفظ وهو كذلك. قوله: "لا حال" جوّز جماعة الحالية نظرًا لصورة التعريف, وما ردّ به من أنه ليس المعنى أنه يمر عليه في حال السب بل المراد أن ذلك دأبه يردّ بأنا لا نسلم أنه ليس المعنى ما ذكر, بل المراد أن ذلك دأبه لم لا يجوز أن يكون المعنى ما ذكر ولئن سلم فجعل الحال لازمة يفيد أن ذلك دأبه. قوله: "وآية لهم الليل" أي: حقيقة الليل في ضمن فردّ ما من الليالي فلا ينافيه أن الواقع سلخ النهار من أفراد الليل فلا اعتراض. قوله: "بالأخص" أي: الأقل
стр. 995
وهُوَ لَدَى التَّوْحيدِ والتَّذْكيرِ أو ... سِواهُما كالفِعْلِ فاقْفُ ما قَفَوا
ــ
منك أن يفعل كذا. الثالث لا يمتنع النعت في النكرات بالأخص نحو: رجل فصيح وغلام يافع. وأما في المعارف فلا يكون النعت أخص عند البصريين بل مساويًا أو أعم. وقال الشلوبين والفراء: ينعت الأعم بالأخص، قال المصنف: وهو الصحيح. وقال بعض المتأخرين: توصف كل معرفة بكل معرفة كما توصف كل نكرة بكل نكرة ا. هـ. "وهو لدى التوحيد والتذكير أو سواهما" وهو التثنية والجمع والتأنيث "كالفعل فاقف ما قفوا" أي: يجري النعت في مطابقة المنعوت وعدمها مجرى الفعل الواقع موقعه، فإن كان جاريًا على الذي هو له رفع ضمير المنعوت وطابقه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، تقول: مررت برجلين حسنين وامرأة حسنة، كما تقول مررت برجلين حسنا وامرأة حسنت. وإن كان جاريًا على ما هو لشيء من سببيه فإن لم يرفع السببي فهو كالجاري على ما هو له في مطابقته للمنعوت؛ لأن مثله في رفعه ضمير المنعوت نحو: مررت بامرأة حسنة الوجه أو حسنة وجهًا، وبرجلين كريمي الأب أو كريمين أبًا، وبرجال حسان الوجوه أو حسان
ــ
شيوعًا. قوله: "يافع" بالتحتية ثم الفاء أي: مراهق.
قوله: "فلا يكون النعت أخص" أي: أعرف كما في سم فنحو: بالرجل أخيك التابع بدل لا نعت لئلا يفضل التابع على المتبوع, وقد أسلفنا رده في باب النكرة والمعرفة. قوله: "أو أعم" أي: أقل تعريفًا. قوله: "ينعت الأعم بالأخص" قال البعض أي: فقط وإلا ساوى ما بعده ا. هـ. وترجاه شيخنا وفيه نظر إذ يبعد كل البعد أن الفراء والشلوبين يوجبان وصف الأعم بالأخص مع منع غيرهما أيا, ولا يجيزان الوصف بالأعم أو المساوي مع إيجاب غيرهما إياه, وأي ضرر في كون ما بعده مساويًا له فيكون سوقه لتأييده ثم رأيت ما يؤيد ما قلته بخط بعض الأفاضل. قوله: "توصف كل معرفة بكل معرفة" أي: إلا اسم الإشارة فإنه لا يوصف إلا بذي أل إجماعًا وإنما وصفوه باسم الجنس المعرّف بأن لبيان حقيقة الذات المشار إليها إذ لا دلالة لاسم الإشارة على حقيقتها, وألحق به الموصول؛ لأنه مع صلته بمعنى ذي اللام؛ ولأن الموصول الذي يقع صفة ذو لام, وإن كانت زائدة وكما يجوز في تابع اسم الإشارة كونه نعتًا من حيث دلالته على معنى في متبوعه يجوز كونه عطف بيان من حيث إيضاحه له, والأول مبني على ما عليه جمع محققون أنه لا يشترط كون النعت مشتقا أو مؤوّلًا به. والثاني مبني على أنه لا يشترط في البيان أن يكون أعرف من المبين وهو الصحيح. قوله: "لدى التوحيد إلخ" أي: عند ملاحظة التوحيد إلخ. قوله: "الواقع موقعه" أي: الذي يقع في محل النعت على خلاف الأصل.
قوله: "وطابقه في الإفراد إلخ" أورد عليه نحو: نطفة أمشاج وبرمة أعشار وثوب أخلاق. وأجيب بأن النطفة لما كانت مركبة من أشياء كل منها مشيج. والبرمة من أعشار هي قطعها. والثوب من قطع كل منها خلق كان كل من الثلاثة مجموع أجزاء فجاز وصفه بالجمع. وقيل أفعال في مثل ذلك واحد لا جمع كذا في الدماميني. قوله: "على ما هو إلخ" أي: على منعوت
стр. 996
وانْعَتْ بِمُشتقٍّ كصَعْب وذَرِبْ ... وشِبْهِهِ كذا وذي والمُنْتَسِبْ
ــ
وجوهًا، وإن رفع السببي كان بحسبه في التذكير والتأنيث كما هو في الفعل، فيقال: مررت برجال حسنة وجوههم, وبامرأة حسن وجهها, كما يقال: حسنت وجوههم وحسن وجهها.
تنبيهات: الأول يجوز في الوصف المسند إلى السببي المجموع الإفراد والتكسير فيقال: مررت برجل كريم آباؤه وكرام آباؤه. الثاني قد يعامل الوصف الرافع ضمير المنعوت معاملة رافع السببي إذا كان معناه له، فيقال: مررت برجل حسنة العين, كما يقال: حسنت عينه, حكى ذلك الفراء وهو ضعيف، وذهب كثير منهم الجرمي إلى منعه. الثالث أفهم قوله كالفعل جواز تثنية الوصف الرافع للسببي, وجمعه الجمع المذكر السالم على لغة أكلوني البراغيث، فيقال: مررت برجل كريمين أبواه، وجاءني رجل حسنون غلمانه، الرابع ما ذكره من مطابقة النعت للمنعوت مشروط بأن لا يمنع منها مانع كما في صبور وجريح وأفعل من ا. هـ "وانعت بمشتق" والمراد به ما دل على حدث وصاحبه, وذلك اسم الفاعل كضارب
ــ
هو أي: النعت أي: معناه ثابت لشيء من سببيه أي: هو سببيه أو بعض أفراد سببيه. قوله: "كان" أي: النعت بحسبه أي: السببي وقوله في التذكير والتأنيث أي: وأما في الإفراد وضديه فسيأتي في التنبيه الأول والثالث. وقوله كما هو في الفعل أي: كحال هو أي: الحال في الفعل إذا وقع نعتًا مثلًا. قوله: "يجوز في الوصف إلخ" أي: على اللغة الفصحى فظهر وجه اقتصاره على الإفراد والتكثير؛ وذلك لأن التصحيح إنما يجوز على لغة أكلوني البراغيث. وسيصرح بهذا في التنبيه الثالث, ولم يتنبه البعض لهذا التحقيق فقال ما قال. واختلف في الأفصح من الإفراد والتكسير فالتكسير أفصح عند سيبويه, والمبرد قال في المغني: وهو الأصح وعكس الشلوبين وطائفة. وفصل آخرون فقالوا: إن كان النعت تابعًا لجمع فالتكسير أفصح وإن كان لمفرد أو مثنى فالإفراد أفصح, كذا في التصريح قال الدماميني: وإنما لم يضعف نحو: مررت برجل كرام آباؤه مع ضعف كريمين آباؤه؛ لأن اسم
الفاعل المشابه للفعل إذا كسر خرج عن موازنة الفعل ومناسبته؛ لأن الفعل لا يكسر بخلافه إذا صحح ا. هـ. ووجه أفصحية التكسير إذا تبع جمعًا المشاكلة. قوله: "المجموع" فإن كان السببي مثنى تعين الإفراد على اللغة الفصحى.
فائدة: يجوز مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين, وإن لزم استتار الضمير في قاعدين مع جريان الصفة على غير من هي له؛ لأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل, ويمتنع قائمين لا قاعد أبواه على إعمال الثاني للزوم وما ذكر في الأوائل أفاده في المغني. قوله: "قد يعامل إلخ" فيه إشارة إلى أنه قليل والكثير المطابقة كما مر. قوله: "إذا كان معناه" أي: الوصف له أي: السببي. قوله: "أفهم قوله كالفعل إلخ" وأفهم أيضًا جواز نحو: برجل قائم اليوم أمه للفصل ونحو: بامرأة حسن نغمتها, لمجازية التأنيث وبه صرح بعضهم سم. قوله: "بأن لا يمنع منها مانع" ككون الوصف يستوي فيه المذكر والمفرد وأضدادهما وكونه أفعل تفضيل مجردًا أو مضافًا لمنكور. قوله: "وانعت بمشتق إلخ" المتبادر منه أنه يشترط في النعت كونه مشتقا أو مؤوّلًا به وهو رأي
стр. 997
ونَعَتُوا بجمْلَةٍ مُنْكّرًا ... فَأُعْطِيَتْ ما أُعْطِيَتْهُ خَبرا
ــ
وقائم واسم المفعول كمضروب ومهان والصفة المشبهة. "كصعب وذرب" وأفعل التفضيل كأقوى وأكرم، ولا يرد اسم الزمان والمكان والآلة؛ لأنها ليست مشتقة بالمعنى المذكور وهو اصطلاح "وشبهه" أي: شبه المشتق والمراد به ما أقيم مقام المشتق في المعنى من الجوامد "كذا" وفروعه من أسماء الإشارة عبر المكانية "وذي" بمعنى صاحب والموصولة وفروعهما "والمنتسب" تقول: مررت بزيد هذا، وذي المال، وذو قام، والقريشي، فمعناها الحاضر وصاحب المال، والقائم، والمنسوب إلى قريش "ونعتوا بجملة" بثلاثة شروط: شرط في المنعوت وهو أن يكون "منكرًا" إما لفظًا ومعنى نحو: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ
ــ
الأكثرين وذهب جمع محققون كابن الحاجب إلى عدم الاشتراط وأن الضابط دلالته على معنى في متبوعه كالرجل الدال على الرجولية قاله الدماميني. قوله: "وذلك اسم الفاعل" أراد به ما يشمل أمثلة المبالغة. قوله: "ومهان" كان عليه أن يأتي بالمزيد في اسم الفاعل كما أتى به في اسم المفعول, وأن يأتي باللازم في اسم المفعول كما أتى به في اسم الفاعل, ويمكن أن يجعل في كلامه احتباك.
قوله: "وذرب" بالذال المعجمة الحاد من كل شيء وبالمهملة المعتاد للأشياء الخبير بها. قوله: "ليست مشتقة بالمعنى المذكور" لأنها لا تدل على صاحب الحدث أي: فاعله أو مفعوله بل هي مشتقة بالمعنى الأعم, وهو ما أخذ من المصدر للدلالة على شيء منسوب للمصدر, فمفتاح مثلًا مأخوذ من الفتح للدلالة على آلة منسوبة للفتح, ومرمى مأخوذ من الرمي للدلالة على مكان أو زمان منسوب للرمي. قوله: "وهو" أي: المشتق بالمعنى المذكور اصطلاح أي: لهم في مثل هذا المقام ولا يرد كونها مشتقة باصطلاح آخر. قوله: "في المعنى" أي: من جهة دلالته على معناه. قوله: "غير المكانية" أما هي كمررت برجل هنا أو هناك أو ثم أو ثم فمتعلقة بمحذوف صفة لرجل فهي ظروف لا صفات بل الصفات متعلقاتها. قوله: "والموصولة" إنما يكون قول الناظم وذي شاملًا للموصولة على لغة إعرابها, أما على لغة البناء فلا؛ لأنها بالواو لزومًا على هذه اللغة لا بالياء. ومثلها في الوصف بها سائر الموصولات المبدوءة بهمزة الوصل بخلاف نحو: من وما. قوله: "وذي المال" هل يجوز أن يقال برجل ذي مال أبوه على أن ذي رافع للأب نقل ابن جني عن الأكثرين المنع وعللوه بثلاثة أوجه ذكرها شيخنا فراجعه. قوله: "وذو قام" كذا في نسخ بالواو على لغة بناء ذو الموصولة, لكنه لا يناسب ما جرى عليه الشارح من شمول ذي في كلام المصنف للموصولة؛ لأن شموله للموصولة إنما يجيء على لغة الإعراب؛ لأنها في كلامه بالياء وفي نسخ وذي قام بالياء وهي المناسبة للشمول المذكور.
قوله: "شرط في المنعوت إلخ" فيه شرط آخر وهو أن يكون مذكورًا إن لم يكن بعض اسم متقدم مجرور بمن أو في كما سيأتي ا. هـ تصريح. وأما أنا ابن جلا فضرورة. قوله: "أن يكون منكرًا" أي: لتأوّل الجملة بالنكرة فنحو: جاء رجل قام أبوه أو أبوه قائم من كل وصف بجملة
стр. 998
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] ، أو معنى لا لفظًا وهو المعرف بأل الجنسية كقوله:
٨١١- وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
وشرطان في الجملة: أحدهما أن تكون مشتملة على ضمير يربطها بالموصوف إما ملفوظ كما تقدم أو مقدر كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] ، أي: لا تجزي فيه أو بدل منه كقوله:
٨١٢- كَأَنَّ حَفِيفَ النَّبْلِ من فَوْق عَجْسِهَا ... عوَازِبُ نَخْل أَخْطأَ الغارَ مُطْنِفُ
أي: أخطأ غارها، فأل بدل من الضمير وإلى هذا الشرط الإشارة بقوله: "فأعطيت ما
ــ
المجهول فيها اتصاف المسند إليه بالمسند في تأويل جاء رجل قائم أبوه ونحو: جاء رجل أبوه القائم أو أبوه زيد من كل وصف بجملة المجهول فيها اتحاد ذاتيهما في تأويل جاء رجل كائن ذات أبيه ذات القائم أو ذات زيد, كذا في الدماميني عن ابن الحاجب والرضي لا لكون الجمل نكرات وإن جرى على ألسنتهم, ووجهه بعضهم بما ردّه الرضي ثم قال: والحق أن الجملة ليست معرفة ولا نكرة؛ لأن التعريف والتنكير من عوارض مدلول الاسم والجملة من حيث هي جملة ليست اسمًا, وإنما جاز نعت النكرة بها دون المعرفة لتأولها بالنكرة كما مر.
قوله: "على ضمير يربطها بالموصوف" اقتصر على الضمير؛ لأن الرابط هنا لا يكون إلا للضمير بخلاف الخبر والفرق أن المنعوت لا يستلزم النعت صناعة, فضعف طلبه له فاحتيج لدليل قوي يدل على ارتباط الجملة به, وأنها نعت له بخلاف المبتدأ فإنه يستلزم الخبر, فقوي طلبه له فاكتفى بأي دليل يدل على ارتباط الجملة به, وأنها خبر عنه أفاده سم. ورأيت بخط بعض الفضلاء أن الصحيح عدم تقييد الربط هنا أيضًا بالضمير. قوله: "أي: لا تجزي فيه" وهل حذف الجار والمجرور معًا أو الجار وحده فانتصب الضمير واتصل بالفعل, ثم حذف منصوبًا قولان: الأول عن سيبويه. والثاني عن الأخفش.
تصريح. قوله: "أو بدل منه" معطوف على ضمير. قوله: "كأن حفيف النبل" بالحاء المهملة أي: دويّ ذهاب السهام ومن فوق حال من النبل, وضمير عجسها للقوس. والعجس بتثليث العين المهملة فجيم فسين مهملة مقبض القوس. والعوازب بعين مهملة وبعد الألف زاي جمع عازبة من عزبت الإبل إذا بعدت في المرعى. ومطنف بضم الميم وكسر النون فاعل أخطأ, والمطنف الذي يعلو الطنف كجبل وهو رأس الجبل وأعلاه, وكأن المعنى أخطأ غارها منطفها أي: العالي منها رأس الجبل الذي هو أي: ذلك المنطف كدليلها الذي تتبعه في السير وقيد بقوله أخطأ إلخ؛ لأن النحل إذا تاه عن محله عظم دويه.
стр. 999
وامْنَعْ هنا إيقاعَ ذاتِ الطَّلَبِ ... وإنْ أَتَتْ فالقَولَ أَضْمِرْ تُصِبِ
ونَعَتُوا بمصْدَرٍ كثيرًا ... فالتزموا الإفرادَ والتَّذكيرا
ــ
أعطيته خبرا" والثاني أن تكون خبرية أي: محتملة للصدق والكذب وإليه الإشارة بقوله: "وامنع هنا إيقاع ذات الطلب" فلا يجوز مررت برجل أضربه أو لا تهنه، ولا بعبد بعتكه قاصدًا إنشاء البيع "وإن أتت" الجملة الطلبية في كلامهم "فالقول أضمر تصب" كقوله:
٨١٣- جَاءُوا بِمَذْقٍ هل رأيت الذِّئبَ قَطْ
أي: جاءوا بلبن مخلوط بالماء مقول فيه عند رؤيته هذا الكلام.
تنبيهان: الأول ذكر في البديع أن الوصف بالجملة الفعلية أقوى منه بالجملة الاسمية. الثاني فهم من قوله:
أعطيت ما أعطيته خبرًا أنها لا تقترن بالواو بخلاف الحالية فلذلك لم يقل ما أعطيته حالًا "ونعتوا بمصدر كثيرًا" وكان حقه أن لا ينعت به لجموده، ولكنهم فعلوا ذلك قصدًا للمبالغة أو توسعًا
ــ
قوله: "فأعطيت ما أعطيته خبرًا" أي: من أصل الربط وإن كان في النعت بالضمير فقط, وفي الخبر به وبغيره على ما تقدم. قوله: "أن تكون خبرية" أي:
لأن النعت يوضح المنعوت أو يخصصه, والجملة لا تصلح لذلك إلا إذا كان مضمونها معلومًا للسامع قبل. ومضمون الجملة الإنشائية غير معلوم قبل. قوله: "وامنع هنا" أي: لا في الخبر على المختار, وكالنعت الحال ففي المفهوم تفصيل. قوله: "جاءوا بمذق إلخ" قبله:
حتى إذا جنّ الظلام واختلط
وصف به قومًا ما أضافوه وأطالوا عليه, ثم أتوه بلبن مخلوط بالماء حتى صار لونه في العشية يشبه لون الذئب في قلة البياض. والمذق بفتح الميم وسكون الذال المعجمة مصدر مذقت اللبن إذا خلطته بالماء، والمراد به هنا الممذوق. قوله: "أن الوصف بالجملة الفعلية أقوى" أي: لاشتمالها على الفعل المناسب للوصف في الاشتقاق, وأما الاسمية فقد تخلو عن المشتق بالكلية نحو: جاء رجل أبوه زيد، هكذا ينبغي تقرير التوجيه, ونقل شيخنا عن الدماميني أن الماضي أكثر من المضارع. قوله: "لا تقترن بالواو" خلافًا للزمخشري كما في الدماميني. قوله:
стр. 1000
وَنَعْتُ غَيْرِ واحِدٍ إذا اخْتَلَفْ ... فعاطِفًا فَرِّقْه لا إذا انْتَلَفْ
ــ
بحذف مضاف "فالتزموا الإفراد والتذكيرا" تنبيهًا على ذلك. فقالوا: رجل عدل ورضا وزور، وامرأة عدل ورضا وزور، ورجلان عدل ورضا وزور، وكذا في الجمع أي: هو نفس العدل أو ذو عدل، وهو عند الكوفيين على التأويل بالمشتق أي: عادل ومرضي وزائر.
تنبيهان: الأول وقوع المصدر نعتًا وإن كان كثيرًا لا يطرد كما لا يطرد، وقوعه حالًا وإن كان أكثر من وقوعه نعتًا. الثاني أطلق المصدر وهو مقيد بأن لا يكون في أوله ميم زائدة كمزاد ومسير فإنه لا ينعت به لا باطراد ولا بغيره "ونعت غير واحد إذا اختلف
ــ
"تنبيهًا على ذلك" أي: ما ذكر من قصد المبالغة والتوسع؛ ولأن المصدر من حيث هو مصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث وإنما كان منبهًا على قصد المبالغة؛ لأن معنى قصد المبالغة جعل الموصوف نفس المعنى مجازًا لكثرة وقوعه منه, والمعنى شيء واحد مذكر على حذف المضاف؛ لأن المصدر يكون كذلك أي: مفردًا مذكرًا لو صرح بالمضاف نحو: هند ذات عدل والزيدان ذوا عدل وهكذا. قوله: "وهو عند الكوفيين إلخ" قد خالف كل من الفريقين مذهبه في باب الحال في أتيته ركضًا, فقال البصريون: إن ركضًا بمعنى راكضًا والكوفيون أنه على تقدير مضاف. وقد يقال إن كلا ذكر في كل من الموضعين ما هو بعض الجائز عنده. قوله: "على التأويل بالمشتق" أي: الذي بمعنى الفاعل كثيرًا كما في عدل وزور، وبمعنى المفعول قليلًا كما في رضا قاله الدماميني.
فائدة: قيل من النعت بالمصدر على التأويل باسم المفعول أو تقدير المضاف قولهم مررت برجل ما شئت من رجل؛ لأن ما مصدرية، ومثله قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] ، وارتضى في المغني أن ما شرطية حذف جوابها أي: فهو كذلك ومجموع الجملتين نعت, وأن ما في الآية إما زائدة فالنعت جملة شاء وحدها بتقدير الرابط أي: شاءها وفي متعلقة بركبك أو باستقرار محذوف حال من مفعوله أو بعدلك أي: وضعك في صورة أي صورة شاء, وإما شرطية, فالنعت مجموع الجملتين والرابط محذوف أي: ما شاء تركيبك ركبك عليها, وفي متعلقة بعدلك لا بركبك؛ لأن الجواب لا يعمل فيما قبل أداة الشرط. قوله: "لا يطرد" أي: بل يقتصر على ما سمع منه, ولما لم يستفد من هذا التنبيه أن المسموع منه غير ميمي أتى بالتنبيه الثاني لإفادة ذلك. ولي في المقام بحث وهو أنهم كيف حكموا بعدم الاطراد مع أن وقوع المصدر نعتًا أو حالًا إما على المبالغة أو على المجاز بالحذف إن قدر المضاف أو على المجاز المرسل الذي علاقته التعلق إن أول المصدر باسم الفاعل أو اسم المفعول، وكل من الثلاثة مطرد كما صرح به علماء المعاني. اللهم إلا أن يدعي اختلاف مذهبي النحاة وأهل المعاني، أو أن المطرد عند أهل المعاني وقوع المصدر على أحد الأوجه الثلاثة إذا كان غير نعت أو حال كأن يكون خبرًا نحو: زيد عدل فتدبر.
قوله: "ونعت غير واحد" بالرفع مبتدأ ولا يجوز نصبه؛ لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها
стр. 1001
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فعاطفًا فرقه لا إذا ائتلف" مثال المختلف: مررت برجلين كريم وبخيل، ومثال المؤتلف: مررت برجلين كريمين أو بخيلين. ويستثنى من الأول اسم الإشارة فلا يجوز تفريق نعته، فلا يقال مررت بهذين الطويل والقصير نص على ذلك سيبويه وغيره كالزيادي والزجاج والمبرد. قال الزيادي وقد يجوز ذلك على البدل أو عطف البيان.
تنبيهات: الأول قيل يندرج في غير الواحد ما هو مفرد لفظًا مجموع معنى كقوله:
ــ
فلا يفسر عاملًا. والمراد بغير الواحد ما دل على متعدد مثنى أو جمعًا أو اسم جمع أو اسم جنس أو اسمين متعاطفين أو أسماء متعاطفة كذا فسر الدماميني وأورد عليه أن نحو: زيد وعمرو إذا اختلف نعته لا يجب فيه التفريق بالعطف, بل يجوز فيه ذكر كل نعت بجانب منعوته نحو: جاء زيد العاقل وعمرو الكريم. وما أجيب به من أن المراد بالتفريق ما يشمل إيلاء كل نعت منعوته يرده قوله فعاطفًا إلا أن يقال عاطفًا في الجملة وأيضًا على ما فسر به الدماميني يرد على قوله لا إذا ائتلف نحو: أعطيت زيدًا أباه مما اتفق فيه المنعوتان إعرابًا لا بسبب العطف فإنه يمتنع جمعهما في وصف واحد, بل يفرد كل بوصف أو يجمعان في نعت مقطوع؛ لأن التابع في حكم المتبوع ولا يكون اسم واحد مفعولًا أولًا، وثانيًا نص على ذلك الرضي فقول المصنف: لا إذا ائتلف أي: فلا يفرق بل يجمع محله ما لم يمنع مانع أفاده سم. وفي هذا الإيراد نظر؛ لأن المنعوت في هذه الصورة ليس من غير الواحد بتفسير الدماميني لعدم العطف فاعرفه ولو أريد بغير الواحد المثنى والمجموع لم يرد شيء من ذلك فتأمل.
قوله: "إذا اختلف" أي: لفظًا ومعنى كالعاقل والكريم أو معنى لا لفظًا كالضارب من الضرب بالعصا مثلًا, والضارب من الضرب في الأرض أي: السير فيها أو لفظًا لا معنى كالذاهب والمنطلق. قوله: "فعاطفًا فرقه" أي: ففرق النعت حال كونك عاطفًا بالواو فقط, إجماعًا إذ لو قيل مررت برجلين صالح فطالح أو ثم طالح لم يستفد الترتيب في المرور, بل في حصول الوصفين للرجلين والترتيب في هذا غير مراد أفاده الدماميني. وأما قول ابن الحاجب الإدغام: أن تأتي بحرفين ساكن فمتحرك, فمردود بخلاف ما إذا كان المنعوت واحدًا فإنه يجوز العطف بغير الواو، حكى سيبويه مررت برجل راكب فذاهب وبرجل راكب ثم ذاهب قاله زكريا أي: لأن قصد الترتيب في حصول الوصفين للرجل سائغ. قوله: "كريمين" أي: بالتثنية ولا يجوز كريم وكريم بالتفريق، نعم يجوز مررت بإنسانين صالح وصالحة إذ لم يتفقا إلا بالتغليب فالنعت مختلف في الحقيقة فجاز تفريقه نظرًا لذلك وجمعه نظرًا للاتحاد في التغليب. قوله: "ويستثنى من الأول" اعترض بأنه لا استثناء؛ لأن نعت اسم الإشارة لا يكون مختلفًا أصلًا فهو خارج بقوله إذا اختلف. قوله: "فلا يجوز تفريق نعته" أي: لوجوب مطابقته له لفظًا, قال الدماميني: اختص نعت اسم الإشارة بأمور: منها هذا. ومنها وجوب كونه ذا أل. ومنها امتناع فصله من موصوفه فلا يجوز مررت بهذا في الدار الفاضل وإن جاز مررت بالرجل في الدار الكريم. ومنها امتناع قطعه، وأما كونه جنسًا لا وصفًا فغالب لا لازم.
قوله: "فلا يقال مررت بهذين الطويل والقصير" أي: على النعتية بقرينة ما يأتي. قوله: "قيل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحو: جاء زيد وأتى عمرو العاقلان، وهذا زيد وذاك خالد الكريمان، ورأيت زيدًا وأبصرت عمرًا الظريفين، وخصص بعضهم جواز الاتباع بكون المتبوعين فاعلي فعلين أو خبري مبتدأين، فإن اختلف العاملان في المعنى والعمل أو في أحدهما وجب القطع بالرفع على إضمار مبتدأ، أو بالنصب على إضمار فعل نحو: جاء زيد ورأيت عمرًا الفاضلان أو الفاضلين، ونحو: جاء زيد ومضى بكر الكريمان أو الكريمين، ونحو: هذا مؤلم زيد وموجع عمرا الظريفان أو الظريفين، ولا يجوز الاتباع في ذلك؛ لأن العمل الواحد لا يمكن نسبته لعاملين من شأن كل واحد منهما أن يستقل.
تنبيهان: الأول إذا كان عامل المعمولين واحدًا ففيه ثلاث صور: الأولى أن يتحد العمل والنسبة نحو: قام زيد وعمرو العاقلان. وهذه يجوز فيها الاتباع والقطع في أماكنه من غير إشكال. الثانية أن يختلف العمل وتختلف نسبة العامل إلى المعمولين من جهة المعنى
ــ
منصوبين وقد مثل الشارح لذلك, أو مخفوضين كسقت النفع إلى خالد وسيق لزيد الكاتبين وكمررت بزيد وبعمرو الكاتبين. قال في الهمع: قال أبو حيان: ومقتضى مذهب سيبويه أنه لا يجوز الاتباع لما انجر من جهتين كالحرف والإضافة نحو: مررت بزيد وهذا غلام بكر الفاضلين، والحرفين المختلفين لفظًا ومعنى نحو: مررت بزيد ودخلت إلى عمرو الظريفين، أو معنى فقط نحو: مررت بزيد واستعنت بعمرو الفاضلين، والإضافتين المختلفتين معنى نحو: هذه دار زيد وهذا أخو عمرو الفاضلين. قوله: "ورأيت زيدًا" أي: أبصرته ليتحد مع ما بعده معنى. قوله: "وخصص بعضهم إلخ" هذا هو الذي أشار الناظم إلى رده بقوله بغير استثنا. قوله: "وجب القطع" قال سم: فيه تأمل فإنه يجوز إفراد كل بوصفه بجنبه ا. هـ. وقد يقال مراده بوجوب القطع امتناع الاتباع حالة جمع النعتين لا مطلقًا. قوله: "على إضمار فعل" أي: كأمدح وأذم وأعني وأذكر. قال الدماميني: قال المصنف في شرح عمدته: إذا كان المنعوت متعينًا لم يقدر أعني بل أذكر ا. هـ. وللبحث فيه مجال فتأمل.
قوله: "أن يستقل" أي: ينفرد عن الآخر بالمعنى أو العمل لاختلافهما معنى أو عملًا بخلاف المتحدين معنى وعملًا فإنهما لاتحادهما ينزلان منزلة العامل الواحد فلا يلزم عمل عاملين في معمول واحد. قوله: "والنسبة" أي: نسبة العامل إليهما بأن تكون على جهة الفاعلية أو المفعولية مثلًا. قوله: "يجوز فيها الاتباع والقطع" ويجوز أيضًا إفراد كل بوصفه كجاء زيد الظريف وعمرو الظريف كما قاله الرضي. قال الإسقاطي: وهل يجوز تفريق النعتين مع تأخيرهما في الشاطبي ما يفيد المنع ا. هـ. ومقتضى القياس على ما يأتي عن الرضي في الصورة الثانية الآتية في كلام الشارح الجواز إلا أن يفرق بين هذه والصورة الثانية بأن في الصورة الثانية ما يرد كل نعت إلى منعوته إذا أخر النعت فيها وفرق, وهو اختلاف إعراب النعت بخلاف هذه الصورة لعدم ذلك فيها. وقد يقال لا ضرر فيه إذ لا يترتب عليه اختلاف المعنى فتأمل. قوله: "في أماكنه" أي: القطع
стр. 1004
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحو: ضرب زيد عمرا الكريمان، ويجب في هذه القطع قطعًا. الثالثة أن يختلف العمل وتتحد النسبة من جهة المعنى نحو: خاصم زيد عمرا الكريمان، فالقطع في هذه واجب عند البصريين, وأجاز الفراء وابن سعدان الاتباع، والنص عن الفراء أنه إذا أتبع غلب المرفوع, فتقول خاصم زيد عمرًا الكريمان. ونص ابن سعدان على جواز اتباع أي شيء؛ لأن كلًا منهما مخاصم ومخاصم، والصحيح مذهب البصريين؛ قيل بدليل أنه لا يجوز ضارب زيد هندًا العاقلة برفع العاقلة نعتًا لهند، لكن ذكر الناظم في باب أبنية الفعل من شرح التسهيل أن الاسمين من نحو: ضارب زيد عمرا, ليس أحدهما أولى من الآخر بالرفع ولا بالنصب. قال: ولو أتبع منصوبهما بمرفوع أو مرفوعهما بمنصوب لجاز، ومنه قول الراجز:
٨١٥- قَدْ ساَلَمَ الحَيَّاتُ منه القَدَمَا ... الأُفْعوانَ والشجَاعَ الشَّجْعَمَا
ــ
وهي المواضع التي يتعين فيها المنعوت بدون النعت. قوله: "ويجب في هذه القطع قطعًا" المراد بوجوب القطع امتناع الاتباع مع جمع النعتين وإلا فيجوز إفراد كل بنعت, كما في الرضي وفيه أيضًا أنه يجوز تأخير النعتين مع إفرادهما فتقول: ضرب زيد عمرًا الظريف الظريف لكن على أن الأول للثاني والثاني للأول؛ لأن اللازم عليه فصل أحدهما من منعوته وهو خير من فصلهما معًا كما سبق مثل ذلك في الحال ا. هـ. ولا يخفى أن غاية ما يفيده هذا التعليل الأولوية دون الوجوب. فإن كان مراده الأولوية فذاك وإلا منعناه مع أن قد يقال فصل أحدهما بمنزلة فصلهما؛ لأن فصل أحدهما بكلمتين وفصل كل منهما بكلمة فتأمل.
قوله: "قيل بدليل أنه لا يجوز إلخ" وجه التمريض أن هذا الدليل لا يبطل مذهب الخصم لجواز أن يقال المجوز لملاحظة المعنى في الاتباع التغليب, ولا تغليب هنا, وأيضًا عدم جواز ضارب إلخ غير مجمع عليه فلا يبطل هذا الدليل مذهب الخصم. وقد أشار الشارح إلى هذا بالاستدراك على الدليل بقوله لكن إلخ. قوله: "قد سالم" من المسالمة وهي المصالحة. والأفعوان بضم الهمزة والعين المهملة ذكر الحيات والأنثى أفعى. والشجاع الحية وكذا الشجعم وميمه زائدة. والشاهد في الأفعوان فإنه تابع للحيات لكن نصب نظرًا إلى كونه مفعولًا معنى.
стр. 1005
وإنْ نُعُوت كَثُرتْ وقَد تَلَتْ ... مُفْتقرًا لِذِكْرهنّ أُتْبِعتْ
واقْطَع أو أََتْبِع إنْ يكن مُعَيَّنا ... بدونها أو بعضِها اقْطَع مُعْلِنا
ــ
فنصب الأفعوان وهو بدل من الحيات وهو مرفوع لفظًا؛ لأن كل شيئين تسالما فهما فاعلان مفعولان. وهذا التوجيه أسهل من أن يكون التقدير قد سالم الحيات منه القدم، وسالمت القدم الأفعوان. الثاني قوله: أتبع يوهم وجوب الاتباع وليس كذلك؛ لأن القطع في ذلك منصوص على جوازه "وإن نعوت كثرت وقد تلت" أي: تبعت منعوتًا "مفتقرًا لذكرهن" بأن كان لا يعرف إلا بذكر جميعها "أتبعت" كلها لتنزيلها منه حينئذ منزلة الشيء الواحد، وذلك كقولك: مررت بزيد التاجر الفقيه الكاتب إذا كان هذا الموصوف يشاركه في اسمه ثلاثة أحدهم تاجر كاتب والآخر تاجر فقيه والآخر فقيه كاتب "واقطع" الجميع "أو أتبع" الجميع أو اقطع البعض وأتبع البعض "إن يكن" المنعوت "معينًا بدونها" كلها كما في قول خرنق:
ــ
قوله: "أسهل" أي: لسلامته من كثرة الحذف. قوله: "وسالمت القدم إلخ" أي: فيكون الأفعوان مفعول فعل حذف للعلم به من التعبير بالمسالمة التي هي مفاعلة من الجانبين. قوله: "يوهم وجوب الاتباع" قال سم, وأقره شيخنا والبعض قد يقال لا عبرة بهذا الإيهام مع ذكر مسائل القطع فيما سيأتي ا. هـ. وفيه أن المصنف إنما ذكر القطع مع تعدد النعوت، وكلامه الآن غير مفروض في التعدد فلا يندفع الإيهام هنا بكلامه الآتي.
قوله: "وإن نعوت كثرت" مراده بالكثرة ما قابل الوحدة فيشمل النعتين وإطلاقه شامل للجمل, لكن سيأتي أن الواجب في المنعوت النكرة اتباع نعت واحد. قوله: "مفتقرًا لذكرهن" قال سم: هل يشكل ما أفاده هذا من أن النعت قد يفتقر إليه, وقد يستغنى عنه على ما أفاده التعريف من أنه أبدًا متمم للمنعوت, وذلك يتضمن الافتقار إليه أبدًا؛ لأن ما يتم بغيره يفتقر إليه فليتأمل ا. هـ ويظهر أنه لا إشكال؛ لأن المراد بإتمامه المنعوت أن شأنه والمقصود الأصلي منه الإتمام فلا يضر عروض عدم ذلك فتأمل. قوله: "أتبعت كلها" أي: وجوبًا وأورد عليه أن القطع لا يزيد على ترك النعت بالكلية وهو جائز. وأجيب بأن قطعه بعد الذكر يفوت الغرض من ذكره فبينهما تناف بخلاف الترك. وقد يقال الغرض من الذكر كالتوضيح والتخصيص حاصل عند القطع؛ لأن تلك النعوت المقطوعة في المعنى متعلقة بالمنعوت والتركيب يفهم ذلك فالأولى في الجواب أن يقال لما كان القطع مشعرًا بالاستغناء منعوه عند الحاجة لما فيه من التنافي إذ الغرض الاحتياج وهو يدل على عدم الاحتياج. قوله: "واقطع الجميع إلخ" لم يتعرض للقطع عند عدم تعدد النعت والصحيح جوازه خلافًا للزجاج المشترط في جواز القطع تعدد النعت. واعلم أن النعت إذا قطع خرج عن كونه نعتًا كما ذكره ابن هشام. قوله: "أو اقطع البعض وأتبع البعض" قد يشملها كلام المصنف بأن يراد واقطع الجميع أو البعض؛ لأن حذف المعمول يؤذن بالعموم قاله
стр. 1006
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨١٦- لا يَبْعدَنْ قَومِي الذين هم ... سمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُر
النازلون بكل معتَرَك ... والطيبون معاقدُ الأُزُر
فيجوز رفع النازلين والطيبين على الاتباع لقومي، أو على القطع بإضمارهم، ونصبهما بإضمار أمدح أو أذكر، ورفع الأول ونصب الثاني على ما ذكرنا، وعكسه على القطع فيهما "أو بعضها اقطع معلنا" أي: إذا كان المنعوت مفتقرًا إلى بعض النعوت دون بعض وجب اتباع المفتقر إليه, وجاز فيما سواه القطع والاتباع. هكذا في شرح الكافية.
تنبيهات: الأول إذا قطع بعض النعوت دون بعض قدم المتبع على المقطوع ولا
ــ
سم. قوله: "لا يبعدن قومي إلخ" دعاء لقومها خرج مخرج النهي. ويبعد مضارع بعد من باب فرح أي: لا يهلكن والعداة بضم العين جمع عاد. والأزر بضمتين جمع إزار, ومعاقدها مواضع عقدها. وكنى بالطيبين معاقد الأزر عن طهارتهم عن الفاحشة.
قوله: "فيجوز رفع النازلين إلخ" سكت عن النعت الأول وهو الموصول لخفاء إعرابه فيتبع أن أتبعت الجميع, وكذا إن أتبعت البعض وقطعت البعض بناء على الصحيح من أن القطع في البعض والاتباع في البعض مشروط بتقدم المتبع كما سيذكره الشارح, ويقطع إن قطعت الجميع. قوله: "على ما ذكرنا" راجع لرفع الأول ونصب الثاني أي: على الاتباع أو القطع بإضمارهم في الرفع وعلى القطع بإضمار أمدح أو أذكر في النصب. قوله: "على القطع فيهما" أي: في الرفع والنصب, ولم يقل على ما ذكرنا كسابقه؛ لأن مما ذكره فيما قبله الرفع على الاتباع, وهو لا يأتي في هذا بناء على الصحيح من امتناع الاتباع بعد القطع. قوله: "أو بعضها اقطع معلنًا" مقتضى حل الشارح أن بعضها بالجر عطفًا على الضمير في لذكرهن, أو في بدونها بناء على مذهب المصنف من جواز العطف على ضمير الخفض بغير إعادة الخافض, أو على دونها ومفعول اقطع محذوف أي: وإن يكن المنعوت مفتقرًا لذكر بعضهًا أو معينًا بدون بعضها أو معينًا ببعضها فاقطع ما سواه على الأول والأخير, أو فاقطعه دون ما سواه على الثاني, وعلى هذا يكون المتن مشتملًا على مسألتين: مسألة استغناء المنعوت عن جميع النعوت, ومسألة استغنائه عن بعضها وافتقاره إلى بعضها الآخر. وجعل الشيخ خالد بعضها بالنصب مفعولًا مقدمًا لاقطع, على أن تقدير البيت, واقطع جميع النعوت أو أتبع جميعها أو اقطع بعضها وأتبع بعضها إن يكن المنعوت معينًا بدونها, وعلى هذا فالمسألة الثانية مسكوت عنها في النظم مفهومة بالمقايسة.
قوله: "قدم المتبع" هذا هو الراجح كما يشير إليه تقديمه. قوله: "وفيه" أي: في العكس
стр. 1007
وارْفَعْ أو انصِب إنْ قَطَعْتَ مُضمِرًا ... مبتدأ أو ناصِبًا لن يَظْهَرَا
ــ
يعكس، وفيه خلاف. قال ابن أبي الربيع: الصحيح المنع. وقال صاحب البسيط: الصحيح الجواز. ولو فرق بين الحالة الثانية وهي الاستغناء عن الجميع فيجوز, والحالة الثالثة وهي الافتقار إلى البعض دون البعض فلا يجوز لكان مذهبًا. الثاني إذا كان المنعوت نكرة تعين في الأول من نعوته الاتباع وجاز في الباقي القطع كقوله:
٨١٧- وَيَأوِي إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ ... وشُعْثًا مَراضِيعَ مِثل السَّعَالِي
الثالث يستثنى من إطلاقه النعت المؤكد نحو: إلهين اثنين، والملتزم نحو: الشعرى العبور، والجاري على مشاربه نحو: هذا العالم فلا يجوز القطع في هذه "وارفع أو انصب إن قطعت" النعت عن التبعية "مضمرا مبتدأ أو ناصبًا لن يظهرا" أي: لا يجوز إظهارهما،
ــ
المستفاد من يعكس. قوله: "ولو فرق إلخ" وجهه أنه في حالة الاستغناء عن الجميع يكون الاتباع كلا اتباع بخلاف حالة الافتقار. قوله: "إذا كان المنعوت نكرة إلخ" هل يجري هذا في المعرف بأل الجنسية نظرا إلى أنه في المعنى نكرة فيه نظر سم. قوله: "تعين في الأول إلخ" فلو كان نعت النكرة واحدًَا نحو: جاء رجل كريم لم يجز قطعه إلا في الشعر, كما في الهمع ورأيت بخط بعض الفضلاء أن منع قطعه هو المشهور وأن سيبويه يجوزه. قوله: "وجاز في الباقي القطع" أي: وإن لم يتعين مسمى النكرة إلا بالجميع؛ لأن المقصود من نعتها التخصيص وقد حصل بتبعية الأول. قوله: "ويأوي" الضمير للصائد يغيب في صيده الوحش عن نسائه ثم يأتي إليهن فيجدهن في أسوأ حال، وعطل بضم العين وتشديد الطاء جمع عاطلة وهي المرأة التي خلا جيدها من القلائد. وشعثًَا منصوب بفعل محذوف على الاختصاص أي: وأخص شعثًَا ليبين أن هذا الضرب من النساء أسوأ حالًَا من الضرب الأول الذي هو العطل, وهو جمع شعثاء وهي المغبرة الرأس أي: التي لم تسرح شعر رأسها ولم تدهنه ولم تغسله. والمراضيع جمع مرضع والياء للإشباع أو جمع مرضاع فالياء قياسية, والسعالى جمع سعلاة بكسر السين كما في القاموس وهي أخبث الغيلان.
قوله: "والملتزم" أي: الذي التزمت العرب النعت به نحو: الشعرى العبور والمراد أنه إذا وقع بعدها وصف كان نعتا, لا أنه يلزم بعدها نعت فلا يرد قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩] ، نقله شيخنا السيد عن الدماميني وهو أحسن مما قاله البعض، وسميت العبور لعبورها المجرة. قوله: "لن يظهرا" ألفه للتثنية كما عليه حل الشارح؛ لأن أو تنويعية وهي كالواو كما مر غير مرة فعلم ما في كلام البعض وإنما التزم حذف العامل ليكون حذفه الملتزم أمارة على
стр. 1008
وَمَا من المَنْعوتِ والنَّعتِ عُقِل ... يجوز حَذْفُه وفي النعت يَقِلْ
ــ
وهذا إذا كان النعت لمجرد مدح أو ذم أو ترحم نحو: الحمد لله الحميد بالرفع بإضمار هو. ونحو: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] ، بالنصب بإضمار أذم. أما إذا كان للتوضيح أو للتخصيص فإنه يجوز إظهارهما، فتقول مررت بزيد التاجر بالأوجه الثلاثة، ولك أن تقول: هو التاجر وأعني التاجر "وما من المنعوت والنعت عقل" أي: علم "يجوز حذفه" ويكثر ذلك في المنعوت "وفي النعت يقل" فالأول شرطه إما كون النعت صالحًا لمباشرة العامل نحو: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] ، أي: دروعًا سابغات، أو كون المنعوت بعض اسم مخفوض بمن أو في كقولهم: منا ظعن ومنا أقام: أي: منا فريق ظعن ومنا فريق أقام. وكقوله:
٨١٨- لَو قُلتَ مَا فِي قَومِها لَمْ تِيثَمِ ... يَفْضُلهَا في حَسَب ومَيسَمِ
ــ
قصد إنشاء المدح أو الذم أو الترحم. قوله: "ونحو وامرأته إلخ" كان عليه أن يزيد ونحو: اللهم الطف بعبدك المسكين بالرفع والنصب لاستيفاء التمثيل , وقوله بالنصب أي: لحمالة. قوله: "أما إذا كان للتوضيح أو للتخصيص" أي: أو للتعميم أو الإبهام أو التفصيل, كما يدل عليه قول الموضح وإن كان لغير ذلك أي: لغير المدح والذم والترحم جاز ذكره أي: العامل. قوله: "فإنه يجوز إظهارهما" أي: لعدم قصد الإنشاء حينئذٍ. قوله: "فتقول مررت بزيد التاجر" مثال للنعت الموضح. قوله: "وأعني التاجر" قال البعض أي: إن كان المنعوت غير متعين وإلا قدر اذكر ا. هـ. ونقله شيخنا عن الدماميني وفيه نظر؛ لأن مقتضاه جواز القطع مع عدم تعين المنعوت, مع أن محل القطع إذا تعين المنعوت بدون النعت. وممن صرح به هذا البعض عند قول الشارح سابقًا, وهذه يجوز فيها الاتباع والقطع في أماكنه فتدبر.
قوله: "وما من المنعوت والنعت إلخ" يشمل حذفهما معًا نحو: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ أي: حياة نافعة إذ لا واسطة بين مطلق الحياة والموت. قوله: "علم" فما لم يعلم منهما لا يجوز حذفه إلا عند قصد الإبهام على السامع نحو: رأيت طويلًا أي: شيئًا طويلًا نقله شيخنا عن الدماميني. قوله: "صالحًا لمباشرة العامل" أي: بأن يكون مفردًا إن كان منعوته فاعلًا أو مفعولًا مثلًا, وجملة مشتملة على الرابط إن كان المنعوت خبرًا مثلًا نحو: أنت يضرب زيدًا بالياء التحتية أي: أنت رجل يضرب زيدًا. قوله: "أي: دروعًا" بدليل ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ . قوله: "ظعن" أي: سافر. قوله: "لو قلت إلخ" فيه حذف وتغيير وتقديم وتأخير كما أشار إليه الشارح بقوله: أصله إلخ, ومتعلق تيثم محذوف أي: في مقالتك, والحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه والميسم بكسر
стр. 1009
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أصله لو قلت أحد يفضلها لم تأثم، فحذف الموصوف وهو أحد، وكسر حرف المضارعة من تأثم وأبدل الهمزة ياء، وقدم جواب لو فاصلًا بين الخبر المقدم وهو الجار والمجرور، والمبتدأ المؤخر وهو أحد المحذوف، فإن لم يصلح ولم يكن المنعوت بعض ما قبله من مجرور بمن أو في امتنع ذلك أي: إقامة الجملة وشبهها مقامه, إلا في الضرورة كقوله:
٨١٩- لَكُمْ قِبْصَةٌ من بينَ أَثْرَى وأَقْتَرَا
وقوله:
٨٢٠- تَرْمِي بِكَفِّي كانَ مِن أَرْمَى البَشَرْ
ــ
الميم وفتح السين المهملة الجمال وأصله موسم قلبت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة كميزان. قوله: "وكسر حرف المضارعة" أي: على غير لغة الحجازيين تصريح.
قوله: "والمبتدأ المؤخر" قال الشيخ خالد: إنما قدر مؤخرًا؛ لأن النكرة المخبر عنها بظرف مختص يجب تقديم خبرها عليها ا. هـ. ووجه وجوب تقديم الخبر دفع توهم كونه صفة للنكرة لما قالوه من أن النكرة أحوج إلى الصفة منها إلى الخبر فاندفع اعتراض سم وأقره شيخنا والبعض, بما حاصله أن النفي يكفي مسوغًا للابتداء بالنكرة. قوله: "إلا في الضرورة" أي: وإلا في قليل من النثر كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] ، أي: بناء على أن من لا تزاد في الإيجاب ولا داخلة على معرفة قاله في التصريح, ولا يلزم حذف الفاعل في غير المواضع المستثناة؛ لأن حذفه الممنوع إذا لم يقم شيء مقامه في اللفظ ونعته هنا قائم مقامه في اللفظ, وإن لم يصلح للفاعلية بنفسه قاله سم. قوله: "لكم قبصة إلخ" الخطاب لبني أمية يمدحهم. والقبصة بكسر القاف وسكون الموحدة وبالصاد المهملة العدد الكثير من الناس والشاهد في قوله من بين أثرى أي: من أثرى أي: كثر ماله وأقتر أي: افتقر فحذف النكرة الموصوفة وأقام الصفة مقامها بدون الشرط المتقدم للضرورة. قوله: "ترمي" بالتاء الفوقية لرجوع ضميره إلى مؤنث وهي الكبداء في
стр. 1010
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله:
٨٢١- كَأَنَّكَ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيشٍ ... يُقَعْقَعُ بينَ رِجْلَيهِ بِشَنَّ
والثاني كقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] ، أي: كل سفينة صالحة. وقوله:
٨٢٢- فَلَمْ أُعْطَ شَيئًا ولم أُمْنَعِ
أي: شيئًا طائلًا وقوله:
ــ
قوله قيل:
مالك عندي غير سهم وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر
والكبداء بفتح الكاف وسكون الموحدة بعدها دال مهملة القوس الواسعة المقبض, قاله الدماميني والشمني وغيرهما, وقوله بكفي كان أي: بكفي رجل كان. قوله: "كأنك من جمال إلخ" أي: كأنك جمل من جمال. وأقيش بضم الهمزة وفتح القاف وسكون التحتية آخره شين معجمة. ويقعقع بالبناء للمفعول أي: يصوت نعت ثان للمنعوت المحذوف, وإليه يرجع الضمير في رجليه وهو المحوج لتقدير المنعوت, والشن بفتح الشين المعجمة وتشديد النون القربة اليابسة, وهو أشد لنفور الإبل, ووجه الشبه سرعة الغضب وشدة النفور, والبيت يشهد لإقامة الجملة وإقامة شبهها. قوله: "والثاني" أي: حذف النعت. قوله: "أي: كل سفينة صالحة" بدليل أنه قرئ كذلك وأن تعييبها لا يخرجها عن كونها سفينة فلا فائدة فيه حينئذٍ ا. هـ. مغني. قوله: "فلم أعط شيئًا ولم أمنع" ببناء الفعلين للمجهول وصدره:
وقد كنت في الحرب ذا تدرأ
بضم الفوقية وسكون الدال المهملة وفتح الراء آخره همزة أي: عدة وقوة قال العيني: والشاهد في شيئًا إذ أصله شيئًا طائلًا فحذف الصفة, ولولا هذا التقدير لتناقض مع قوله ولم أمنع
стр. 1011
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨٢٣- وَرُبَّ أَسِيلَةِ الخَدَّينِ بِكْرٍ ... مُهَفْهَفَةٍ لها فَرْع وجِيد
أي: فرع فاحم وجيد طويل.
تنبيهات: الأول قد يلي النعت لا أو إما فيجب تكررهما مقرونين بالواو نحو: مررت برجل لا كريم ولا شجاع، ونحو: ائتني برجل إما كريم وإما شجاع. الثاني يجوز عطف بعض النعوت المختلفة المعاني على بعض نحو: مررت بزيد العالم والشجاع والكريم. الثالث إذا صلح النعت لمباشرة العامل جاز تقديمه مبدلًا منه المنعوت نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١] . الرابع إذا نعت بمفرد وظرف وجملة قدم المفرد وأخرت الجملة غالبًا نحو: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] ، وقد تقدم
ــ
وسبقه إلى ذلك صاحب المغني وناقشه الدماميني بأن عدم الإعطاء لا يناقض عدم المنع فتقدير الصفة لتحري الصدق. قال الشمني: وقد يقال هو وإن لم يناقضه عقلًا يناقضه عرفًا, والأظهر في تمثيل تقدير النعت لدفع التناقض قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨] ، أي: السابقة ووجه التناقض المدفوع بتقدير السابقة أن أفعل التفضيل يقتضي زيادة المفضل على المفضل عليه فلا يصح الزيدان كل منهما أفضل من الآخر لاقتضائه إثبات الزيادة لكل ونفيها عنه وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨] ، شامل لجميع الآيات المرئية لهم فيلزم أن يكون كل منها أكبر من غيرها, فيكون أكبر وغير أكبر فافهم. قوله: "لها فرع وجيد" الفرع الشعر التام والجيد العنق. قوله: "أي: فرع فاحم" أي: أسود وجيد طويل الدليل على هذا الحذف أن البيت للمدح وهو لا يحصل بإثبات الفرع والجيد مطلقين بل بإثباتهما موصوفين بصفتين محبوبتين. قوله: "مقرونين بالواو" أي: في المرة الثانية كما هو ظاهر. قوله: "عطف بعض النعوت إلخ" أي: بجميع حروف العطف إلا أم وحتى كما صوبه الموضح في الحواشي, والأحسن في الجمل العطف وفي المفردات تركه كما قاله أبو حيان. قوله: "المختلفة المعاني" أما متفقتها فلا؛ لئلا يلزم عطف الشيء على نفسه. وقال في الهمع: وإنما يحسن العطف عند تباعد المعاني نحو: هو الأول والآخر والظاهر والباطن بخلاف ما إذا تقاربت نحو: هو الله الخالق البارىء المصور. قوله: "مبدلًا منه المنعوت" قال البعض: أي: إن كان المنعوت معرفة أما إذا كان نكرة فينصب نعته المتقدم عليه حالًا نحو:
لمية موحشًا طلل ا. هـ. وأنت خبير بأن هذا ليس على إطلاقه فإن من المنعوت النكرة ما هو كالمنعوت المعرفة في إعراب نعته بحسب العوامل وإعرابه هو بدلًا أو عطف بيان نحو: مررت بقائم رجل, وقصدت بلد كريم رجل, ثم رأيت في الدماميني ما يؤيده حيث ذكر أن نصب نعت النكرة
стр. 1012
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجملة نحو: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] ، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] الآية ا. هـ.
خاتمة: من الأسماء ما ينعت وينعت به كاسم الإشارة نحو: مررت بزيد هذا وبهذا العالم، ونعته مصحوب أل خاصة، فإن كان جامدًا محضًا نحو: بهذا الرجل فهو عطف بيان على الأصح، ومنها ما لا ينعت ولا ينعت به كالمضمر مطلقًا خلافًا للكسائي في نعت ذي الغيبة تمسكًا بما سمع نحو: صلى الله عليه الرءوف الرحيم، وغيره يجعله بدلًا. ومنها ما ينعت ولا ينعت به كالعلم. ومنها ما ينعت به ولا ينعت كأي نحو: مررن بفارس أي فارس. ولا يقال جاءني أي فارس. والله أعلم.
ــ
المتقدم عليها حالًا غالب لا واجب على الأصح, وأن محل نصبه حالًا إذا قبل الحالية ليخرج النعت في نحو: جاءني رجل أحمر ونحوه من الصفات الثابتة إذا لم يمنع مانع من نصبه حالًا ليخرج الوصف في نحو: المثالين المتقدمين. قوله: "أنزلناه مبارك" قال ابن عصفور: الأحسن جعل مبارك خبرًا ثانيًا. قوله: " مصحوب أل خاصة" شامل للموصول ذي أل كالذي والتي وإن كانت أل فيه زائدة وإنما خصوا نعته بمصحوب أل؛ لأنه مبهم وإبهامه لا يرفع بمثله؛ لأنه أيضًا مبهم ولا بالمضاف إلى معرفة؛ لأن تعريفه مكتسب من المضاف إليه فهو كالعارية. كذا عللوا ويرد عليه الموصول غير ذي أل كمن وما فلماذا لم ينعت به اسم الإشارة.
قوله: "كالمضمر" أما أنه لا ينعت؛ فلأن ضمير المتكلم والمخاطب أعرف المعارف فلا حاجة لهما إلى التوضيح, وحمل عليهما ضمير الغائب وحمل على الوصف الموضح الوصف المادح أو الذم أو غيرهما طردًا للباب. وأورد عليه الشنواني أن اسم الله تعالى أعرف المعارف فهو غني عن الإيضاح ومع ذلك ينعت للمدح. وأجيب بأنه نعت نظرًا لأصله وهو الإله الذي هو اسم جنس أو إلحاقًا له بالأعم الأغلب, إذ الأصل في الاسم الظاهر أن ينعت وأما أنه لا ينعت به؛ فلأنه ليس في الضمير معنى الوصفية؛ لأنه لا يدل إلا على الذات لا على قيام معنى بها كذا قالوا. ويرد على تعليل عدم النعت به ما إذا كان الضمير يرجع إلى مشتق لدلالته حينئذٍ على قيام معنى بذات لما قالوه من أن الضمير كمرجعه دلالة اللهم إلا أن يقال طردوا الباب فتأمل, قال في الهمع: وكالضمير في أنه لا ينعت ولا ينعت به أسماء الشرط والاستفهام وكم الخبرية وما التعجبية والآن وقبل وبعد. قوله: "وغيره بجعله بدلًا" أي: بناء على أن البدل لا يشترط فيه الجمود. قوله: "كالعلم" إنما نعت لإزالة الاشتراك اللفظي ولم ينعت به؛ لأنه ليس بمشتق ولا في حكمه إذ هو موضوع لمجرد الذات نعم العلم المشتهر مسماه بصفة كحاتم يصح أن يؤول بوصف وينعت به.
فائدة: يجوز نعت النعت عند سيبويه ومنه: يا زيد الطويل ذو الجمة ومنعه جماعة منهم ابن جني قاله في الارتشاف.
فائدة ثانية: النعت بعد المركب الإضافي للمضاف؛ لأنه المقصود بالحكم وإنما جيء
стр. 1013
التوكيد:
بالنَّفْسِ أو بالعَيْنِ الاسمُ أُكِّدَا ... معَ ضَميرٍ طابَقَ المُؤكَّدَا
ــ
التوكيد:
هو في الأصل مصدر ويسمى به، التابع المخصوص. ويقال أكد تأكيدًا ووكد توكيدًا.
وهو بالواو أكثر. وهو على نوعين: لفظي وسيأتي، ومعنوي وهو التابع الرافع احتمال إرادة غير الظاهر. وله ألفاظ أشار إليها بقوله: "بالنفس أو بالعين الاسم أكدا مع ضمير طابق المؤكدا" أي: في الإفراد والتذكير وفروعهما, فتقول: جاء زيد نفسه أو عينه، أو نفسه عينه فتجمع بينهما، والمراد حقيقته. وتقول: جاءت هند نفسها أو عينها وهكذا. ويجوز جرهما بباء زائدة فتقول:
ــ
بالمضاف إليه لغرض التخصيص فلا يكون له إلا بدليل ما لم يكن المضاف لفظ كل, فالنعت للمضاف إليه لا له؛ لأن المضاف إنما جيء به لقصد التعميم ولذلك ضعف قوله:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
أفاده في المغني.
التوكيد:
قوله: "ويسمى به إلخ" الأنسب بمقام النقل أن يقول: ثم سمي به إلخ. قوله: "وهو بالواو أكثر" وهي الأصل والهمزة بدل. قوله: "الرافع احتمال إلخ" إما أن يكون المراد بالرفع الإبعاد, وإما أن يراد بالاحتمال الاحتمال القوي فوافق كلامه قول ابن هشام الظاهر أنه يبعد إرادة المجاز ولا يرفعها بالكلية؛ لأن رفعها بالكلية ينافي الإتيان بالألفاظ متعددة ولو صار بالأول نصا لم يؤكد ثانيًا وإنما اقتصر الشارح على رفع الاحتمال المذكور؛ لأن رفع توهم السهو والغلط إنما يكون بالتأكيد اللفظي كما نقله سم عن السعد والسيد وخرج بقوله الرافع إلخ, ما عدا التوكيد حتى البدل فإنه وإن رفع الاحتمال في نحو: مررت بقومك كبيرهم وصغيرهم أولهم وآخرهم, إلا أن ذلك عارض نشأ من خصوص المادة قاله شيخنا. قوله: "بالنفس أو بالعين" أي: بهاتين المادتين بقطع النظر عن إفرادهما وغيره, وليس المراد بالنفس أو بالعين مفردين حتى يفيد أن النفس والعين يبقيان على إفرادهما وإن أكد بهما مثنى أو مجموع مع أنه ليس كذلك, كما يصرح به قوله واجمعهما إلخ, فاندفع ما أطال به البعض عن البهوتي. واعلم أن في البيت إجمالًا بينه البيت بعده على أنه يمكن بقطع النظر عن قول الشارح أي: في الإفراد والتذكير وفروعهما أن يحمل الاسم في النظم على المفرد ولا يضيع على هذا قوله:
مع ضمير طابق المؤكدا
وإن زعمه البعض؛ لأن المراد بالمطابقة على هذا المطابقة في التذكير والتأنيث فقط فاعرفه, وأوفي النظم لمنع الخلو. قوله: "فتجمع بينهما" أي: بلا عطف كما سيأتي, والظاهر أن تقديم النفس على العين لازم وقيل حسن كذا في المرادي. قوله: "بباء زائدة" ومحل المجرور إعراب
стр. 1014
واجْمَعهُما بأَفْعُل إن تَبِعًا ... ما ليس واحِدًا تكن مُتَّبِعا
ــ
جاء زيد بنفسه وهند بعينها "واجمعهما" أي: النفس والعين "بأفعل إن تبعا ما ليس واحدًا تكن متبعا" فتقول: قام الزيدان أو الهندان أنفسهما أو أعينهما. وقام الزيدون أنفسهم أو أعينهم، والهندات أنفسهن أو أعينهن. ولا يجوز أن يؤكد بهما مجموعين على نفوس وعيون ولا على أعيان، فعبارته هنا أحسن من قوله في التسهيل جمع قلة, فإن عينا تجمع جمع قلة على أعيان ولا يؤكد به.
تنبيه: ما أفهمه كلامه من منع مجيء النفس والعين مؤكدًا بهما غير الواحد وهو المثنى والمجموع غير مجموعين على أفعل هو كذلك في المجموع، وأما المثنى فقال الشارح: بعد ذكره أن الجمع فيه هو المختار ويجوز فيه أيضًا الإفراد والتثنية. قال أبو حيان: ووهم في ذلك إذ لم يقل أحد من النحويين به. وفيما قاله أبو حيان نظر فقد قال ابن إياز في شرح الفصول: ولو قلت نفساهما لجاز فصرح بجواز التثنية. وقد صرح النحاة بأن كل مثنى في المعنى مضاف إلى متضمنه يجوز في الجمع والإفراد والتثنية, والمختار الجمع نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ، ويترجح الإفراد على التثنية عند الناظم وعند غيره بالعكس وكلاهما مسموع كقوله:
٨٢٤- حَمامَةَ بَطْنِ الوادِييَنِ تَرَنَّمِي
وكقوله:
ــ
المتبوع. قوله: "واجمعهما" الأمر مستعمل في الوجوب بالنسبة إلى الجمع, وفي الأولوية بالنسبة إلى المثنى. قوله: "بأفعل" أي: جمعًا ملابسًا لأفعل أو على أفعل. قوله: "ولا على أعيان" لو قال: ولا بالعين مجموعًا على أعيان لكان مستقيمًا. قوله: "ولا يؤكد به" أي: المختار وإلا ففي الدماميني عن شرح العمدة للمصنف والمفصل للزمخشري والكفاية لابن الخباز جواز التوكيد بأعيان. قوله: "وقد صرح النحاة إلخ" لما لم يكن كلام ابن إياز ردا على أبي حيان بالنظر إلى الإفراد, أتى بهذا الرد الثاني؛ لأنه يرد عليه بالنظر إلى الإفراد والتثنية. ولأبي حيان أن يقول ما صرح به النحاة لا يظهر الرد به؛ لأن النفس والعين لم يضافا إلى المتضمن بل إلى ما هو بمعناهما؛ لأن المراد بهما الذات. قوله: "إلى متضمنه" بصيغة اسم الفاعل أي: ما اشتمل على المضاف. قوله: "والمختار الجمع" إما على التثنية؛ فلأن المتضايفين كالشيء الواحد فكرهوا الجمع بين تثنيتهما, وإما على الإفراد؛ فلأن الاثنين جمع في المعنى. قوله: "حمامة إلخ" تمامه:
стр. 1015
وكُلًّا اذْكُر في الشُّمُولِ وكِلا ... كِلتا جَمِيعًا بالضمير مُوصَلَا
стр. 1016
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والهندان كلتاهما، لجواز أن يكون الأصل، جاء بعض الجيش، أو القبيلة أو الرجال أو الهندات، أو أحد الزيدين، أو إحدى الهندين. ولا يجوز جاءني زيد كله ولا جميعه. وكذا لا يجوز اختصم الزيدان كلاهما ولا الهندان كلتاهما لامتناع التقدير المذكور. وأشار بقوله "بالضمير موصلًا" إلى أنه لا بد من اتصال ضمير المتبوع بهذه الألفاظ ليحصل الربط بين التابع ومتبوعه كما رأيت. ولا يجوز حذف الضمير استغناء بنية الإضافة خلافًا للفراء والزمخشري. ولا حجة في: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ، ولا قراءة بعضهم: "إِنَّا كُلًّا فِيهَا" على أن المعنى جميعه وكلنا، بل جميعًا حال وكلا بدل من اسم إن أو حال من الضمير المرفوع في فيها. وذكر في التسهيل أنه يستغنى عن الإضافة إلى الضمير إلى مثل الظاهر المؤكد بكل، وجعل منه قول كثير:
٧٢٦- يا أَشْبَهَ النَّاسِ كُلِّ الناسِ بالقَمَرِ
ــ
فلا يقال مات زيد وعاش عمرو كلاهما، فإن اتحدا معنى جاز وإن اختلفا لفظًا جزم به الناظم تبعًا للأخفش نحو: انطلق زيد وذهب عمرو كلاهما. قال أبو حيان: ويحتاج ذلك إلى سماع. سيوطي سم. قوله: "لجواز أن يكون الأصل إلخ" فيه ما في التعليل الأول, ولو قال لجواز أن يكون المعنى إلخ لو في بالاحتمالات الثلاثة. قوله: "وكذا لا يجوز اختصم الزيدان كلاهما إلخ" هذا مذهب الأخفش والفراء وهشام وأبي علي، وذهب الجمهور إلى الجواز كما قاله الدماميني, ووافق الناظم في تسهيله الجمهور. قوله: "لامتناع التقدير المذكور" أي: فلا فائدة في التأكيد حينئذٍ. قوله: "بالضمير موصلًا" حال من الألفاظ المتقدمة بتأويلها بالمذكور وبالضمير متعلق به. قوله: "ولا يجوز حذف الضمير" والكلام مفروض فيما إذا جرت على المؤكد فلا يرد نحو: كل في فلك يسبحون. قوله: "على أن المعنى إلخ" راجع للمنفي بالميم. قوله: "بل جميعًا حال" بمعنى مجتمعًا إن قيل الحالية تقتضي وقوع الخلق على ما في الأرض حالة الاجتماع وليس كذلك. أجيب بأن خلق بمعنى قدر خلق ذلك في علمه.
قوله: "وكلا بدل من اسم إن" وإبدال الظاهر من ضمير الحاضر بدل كل جائز إذا أفاد الإحاطة نحو: قمتم ثلاثتكم وبدل الكل لا يحتاج إلى ضمير. قوله: "أو حال من الضمير إلخ" قال في المغني: فيه ضعفان: تقدمه على عامله الظرفي وتنكير كل بقطعه عن الإضافة لفظًا ومعنًى؛ لأن الحال واجبة التنكير. قوله: "بالإضافة إلى مثل الظاهر" أي: لحصول الربط به كما تقدم في الموصول. قوله: "وجعل منه إلخ" جعل أبو حيان كل الناس نعتًا أي: الكاملين في الحسن
стр. 1017
واستعملوا أيضًا كَكُل فاعِلَه ... من عَمَّ في التوكيد مِثل النَّافله
وبعد كُلٍّ أكدوا بأجْمَعا ... جَمْعاءَ أَجْمَعِينَ ثُمّ جُمَعَا
ودُون كُلٍّ قد يَجِيء أَجْمَع ... جَمْعاءُ أَجْمَعون ثُمَّ جُمَع
ــ
"واستعملوا أيضًا ككل" في الدلالة على الشمول اسمًا موازنًا "فاعله من عم في التوكيد" فقالوا: جاء الجيش عامته، والقبيلة عامتها، والزيدون عامتهم، والهندات عامتهن. وعد هذا اللفظ "مثل النافله" أي: الزوائد على ما ذكره النحويون في هذا الباب، فإن أكثرهم أغفله، لكن ذكره سيبويه وهو من أجلهم فلا يكون حينئذ نافلة على ما ذكروه، فلعله إنما أراد أن التاء فيه مثلها في النافلة أي: تصلح مع المؤنث والمذكر فتقول: اشتريت العبد عامته كما قال تعالى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] .
تنبيه: خالف في عامة المبرد وقال: إنما هي بمعنى أكثرهم "وبعد كل أكدوا بأجمعا جمعاء أجمعين ثم جمعا" فقالوا: جاء الجيش كله أجمع، والقبيلة كلها جمعاء، والزيدون كلهم أجمعون، والهندات كلهن جمع "ودون كل قد يجيء أجمع جمعاء أجمعون ثم جمع" المذكرات نحو: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] ، ﴿لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] ، وهو قليل بالنسبة لما سبق، وقد يتبع أجمع وأخواته بأكتع وكتعاء وأكتعين وكتع، وقد يتبع أكتع وأخواته بأبصع وبصعاء وأبصعين وبصع، فيقال: جاء الجيش كله أجمع أكتع أبصع، والقبيلة كلها جمعاء كتعاء بصعاء، والقوم كلهم أجمعون أكتعون أبصعون، والهندات كلهن جمع كتع بصع. وزاد الكوفيون بعد أبصع وأخواته أبتع وبتعاء وأبتعين وبتع. قال الشارح: ولا يجوز أن يتعدى هذا الترتيب. وشذ قول بعضهم أجمع
ــ
والفضل. همع. قوله: "واستعملوا أيضًا" أي: كما استعملوا غير عامة, وقوله: من عم أي: مشتقا من مصدره, وقوله في التوكيد متعلق باستعملوا ويغني عنه قوله: ككل. قوله: "فاعله من عم" لم يقل عامة مع أنه أخصر؛ لأن فيه اجتماع ساكنين وهو لا يجوز في النظم. قوله: "مثل النافلة" حال من فاعله, وقول الشارح: وعد هذا اللفظ مثل النافلة, حل معنى ولم يجعله زائدًا بل مثل الزائد نظرًا لكون البعض قد ذكره، وحينئذٍ لا يرد الاستدراك الذي ذكره الشارح؛ لأنه لم يجعله نافلة بل مثلها أفاده سم. قوله: "ويعقوب نافلة" حال من يعقوب أي: حالة كونه نافلة على ما طلبه إبراهيم من ولد صالح وهو إسحاق حيث قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِين﴾ فوهب له إسحق وولد لإسحق يعقوب.
قوله: "بمعنى أكثرهم" أي: فتكون بدل بعض من كل. قوله: "المذكورات" دفع به ما يوهمه تعبير المصنف بالظاهر في موضع الضمير من مغايرة الألفاظ المذكورة في البيت الثاني للألفاظ المذكورة في البيت الأول. قوله: "بالنسبة لما سبق" أي: من وقوع المذكورات بعد كل أما بالنسبة لنفسه فكثير.
قوله: "ولا يجوز أن يتعدى هذا الترتيب" أي: بتقديم وتأخير أو بحذف بعض ما في الأثناء.
стр. 1018
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبصع. وأشذ منه قول الآخر: جمع بتع. وربما أكد بأكتع وأكتعين غير مسبوقين بأجمع وأجمعين. ومنه قول الراجز:
٨٢٧- يَالَيْتَنِي كُنْتُ صَبِيًّا مُرْضَعا ... تَحْمِلُنِي الذَّلفَاءُ حَولًا أَكْتَعا
إذا بكيت قَبَّلَتْنِي أَرْبَعا ... إذًا ظَلِلتُ الدهر أَبْكي أَجْمَعا
وفي هذا الرجز أمور: إفراد أكتع عن أجمع، وتوكيد النكرة المحدودة، والتوكيد بأجمع غير مسبوق بكل، والفصل بين المؤكد والمؤكد، ومثله في التنزيل: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] .
تنبيهات: الأول زعم الفراء أن أجمعين تفيد اتحاد الوقت، والصحيح أنها ككل في إفادة العموم مطلقًا بدليل قوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] . الثاني إذا تكررت ألفاظ التوكيد فهي للمتبوع وليس الثاني تأكيدًا للتأكيد. الثالث لا يجوز في ألفاظ التوكيد القطع إلى الرفع ولا إلى النصب. الرابع لا يجوز عطف بعضها على بعض فلا يقال: قام زيد نفسه وعينه، ولا جاء القوم كلهم وأجمعون. وأجازه بعضهم وهو قول ابن الطراوة
ــ
قال الفارضي: قدمت كل على الجميع لعراقتها وكونها أنص في الإحاطة, ووليها أجمع؛ لأنه صريح في الجمعية لاشتقاقه من الجمع, ووليه أكتع لانحطاطه عنه في الدلالة على الجمع؛ لأنه من تكتع الجلد إذا انقبض, ففيه معنى الجمع ووليه أبصع؛ لأنه من تبصع العرق إذا سال وهو لا يسيل حتى يجتمع, وأخر أبتع؛ لأنه أبعد من أبصع؛ لأنه طويل العنق أو شديد المفاصل لكن لا يخلو من دلالته على اجتماع ا. هـ. ببعض تلخيص. وإذا اجتمع النفس والعين وكل قدما على كل ولم يتعرضوا لما إذا اجتمع كل وعامة والظاهر تقديم كل على عامة. قوله: "وأشذ منه إلخ" أي: لأن في الأول حذف واسطة واحدة وهي أكتع, وفي الثاني حذف واسطتين وهما كتع وبصع. قوله: "بأكتع وأكتعين" لم يستشهد للثاني وقد استشهد له في الهمع. قوله: "إفراد أكتع عن أجمع" أي: وهو قليل. قوله: "وتوكيد النكرة المحدودة" أي: الموضوعة لمدة لها ابتداء وانتهاء أي: وهو ممنوع عند البصريين كما سيأتي. قوله: "والتوكيد بأجمع إلخ" أي: وهو قليل بالنسبة للتأكيد مسبوقة بكل. قوله: "والفصل إلخ" أي: وهو خلاف الأصل. قوله: "إفادة العموم مطلقًا" أي: لا بقيد اتحاد الوقت. قوله: "لا يجوز في ألفاظ إلخ" أي: على المختار لمنافاة القطع مقصود التوكيد. قوله: "فلا يقال إلخ" عللوه باتحاد معنى النفس والعين واتحاد معنى كل وأجمع وهذا يقتضي جواز نحو: جاء القوم أنفسهم وكلهم لعدم الاتحاد ولم أر من ذكره بل إطلاقهم يخالفه فافهم.
стр. 1019
وإن يُفِد تَوكِيدُ منكور قُبِل ... وعن نُحَاةِ البَصْرَةِ المنع شَمِل
ــ
الخامس قال في التسهيل: وأجرى في التوكيد مجرى كل ما أفاد معناه من الضرع والزرع والسهل والجبل واليد والرجل والبطن والظهر, يشير إلى قولهم: مطرنا الضرع والزرع، ومطرنا السهل والجبل، وضربت زيدًا اليد والرجل، وضربته البطن والظهر. السادس ألفاظ التوكيد معارف: أما ما أضيف إلى الضمير فظاهر، وأما أجمع وتوابعه ففي تعريفه قولان: أحدهما أنه بينة الإضافة ونسب لسيبويه، والآخر بالعلمية علق على معنى الإحاطة "وإن يفد توكيد منكور" بواسطة كونه محدودًا وكون التوكيد من ألفاظ الإحاطة "قبل" وفاقًا للكوفيين والأخفش، تقول اعتكفت شهرًا كله. ومنه قوله:
٨٢٨- يَا لَيتَ عِدَّةَ حَولٍ كُلِّهِ رَجَبُ
ــ
قوله: "الضرع" بفتح الضاد المعجمة والزرع أي: جميعنا وكذا يقال فيما بعده. قوله: "وضربت زيدًا إلخ" أي: إذا أريد باليد والرجل وبالبطن والظهر الجملة أما إذا أريد العضوان فقط فبدل بعض. قوله: "معارف" ومن ثم لم تنصب حالًا على الأصح كما في السيوطي أي: مع إضافتها فلا ينافي ما قدمه الشارح في خلق لكم ما في الأرض جميعًا إنا كلا فيها. قوله: "بنية الإضافة" قيل هذا ينافي ما قدمه من امتناع حذف الضمير استغناء بنية الإضافة, والحق أنه لا منافاة؛ لأن ما تقدم في غير أجمع وتوابعه كما نبه عليه سم. قال في المغني: يجب تجريد نحو: أجمع المؤكد به من ضمير المؤكد. وأما قولهم: جاءوا بأجمعهم فهو بضم الميم لا بفتحها, فهو جمع لجمع كأفلس وفلس أي: بجماعاتهم ا. هـ. لكن نقل الرضي والبرماوي في شرح ألفية الأصول فتح الميم أيضًا.
قوله: "بالعلمية" أي: الجنسية وعليه فهي ممنوعة من الصرف للعلمية, ووزن الفعل إلا جمع وتوابعه فللعلمية والعدل وعلى الأول يكون منعها من الصرف للوصفية ووزن الفعل, إلا جمع وتوابعه فللوصفية والعدل كأخر كذا قال البعض. وظاهره أن جمعاء وتوابعه كأجمع وتوابعه, ويبطله أنها ليست بوزن الفعل, ولو جعل مانع صرفها ألف التأنيث الممدودة لم يبعد بل يتعين. ثم الذي قاله الدماميني أن منع الصرف على الأول لشبه العلمية ووزن الفعل ووجه الشبه كون كل من منوي الإضافة والعلم معرفة بغير معرف لفظي. قوله: "علق على معنى الإحاطة" أي: وضع على معنى هو الأحاطة ولا يخفى أن جعل مدلوله الإحاطة يورث اختلال الكلام, إذ يكون حينئذٍ معنى جاء القوم أجمع جاء القوم الإحاطة, فلعل في العبارة حذف مضاف أي: ذي الإحاطة على أن الإحاطة مصدر المبني للمفعول فافهم. قوله: "وفاقًا للكوفيين والأخفش" فلا يشترط عندهم
стр. 1020
وَاغْنَ بكِلتا في مُثَنَّى وكِلا ... عن وَزْنِ فَعْلاء وَوَزْنِ أَفْعَلا
ــ
وقوله:
٨٢٩- تَحْمِلُني الذَّلفاءُ حَولًا أَكْتَعا
وقوله:
٨٣٠- قَد صَرَّتِ البَكْرَةُ يومًا أَجْمَعا
"وعن نحاة البصرة المنع شمل" أي: عم المفيد وغير المفيد. ولا يجوز صمت
زمنًا كله ولا شهرًا نفسه "واغن بكلتا في مثنى وكلا عن" تثنية "وزن فعلاء ووزن أفعلا" كما استغنى بتثنية سي عن تثنية سواء، فلا يجوز جاء الزيدان أجمعان، ولا الهندان جمعاوان، وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش قياسًا معترفين بعدم السماع.
ــ
تطابق التوكيد والمؤكد تعريفًا وتنكيرًا. قوله: "رجب" هو كصفر إن أريد به معين فغير منصرف للعلمية والعدل عن المحلى بأل, وإلا فمنصرف نقله الدنوشري عن السعد وغيره, ونقل شيخنا عن شرح المواهب لشيخه الزرقاني أن رجب من أسماء الشهور مصروف, وإن أريد به معين كما في المصباح.
قوله: "الذلفاء" بالذال المعجمة ثم الفاء اسم امرأة. قوله: "قد صرت" بتشديد الراء أي: صوتت البكرة أي: بكرة البئر كما في العيني وشيخ الإسلام زكريا فتفسير البعض لها بالناقة فيه نظر. وهي بسكون الكاف وجوز بعضهم فتحها. قوله: "ولا يجوز صمت زمنًا إلخ" أي: بإجماع الفريقين؛ لأن النكرة في الأول غير محدودة والتوكيد في الثاني ليس من ألفاظ الإحاطة وفي نسخ فلا يجوز بالفاء وهي أولى. قوله: "واغن بكلتا إلخ" قال في النكت: ظاهره أن ما عدا ذلك من كل وعامة وجميع يستعمل في المثنى والمجموع؛ لأن كلامه فيما تقدم عام خصوصًا أنه ذكر في التسهيل جواز الاستغناء بكل عن كلا وكلتا, ورده أبو حيان وقال: إنه يحتاج إلى نقل وسماع من العرب. قوله: "في مثنى" أي: فيما دل على اثنين وإن لم يسم في الاصطلاح مثنى ليدخل
نحو: جاء زيد وعمرو كلاهما وهند ودعد كلتاهما. قوله: "عن تثنية وزن إلخ" قدر تثنية؛ لأن نفس وزن فعلاء لا يصلح للمثنى حتى يستغنى فيه عنه لغيره.
قوله: "فلا يجوز جاء الزيدان أجمعان ولا الهندان جمعاوان" لو قال فلا يجوز جاء