Полный текст (7 422 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.
стр. 6301
بني النضير فيحتمل أن النبي ﷺ كان ينفق منها على أهله لأن ذلك من أهم المصالح فبدأ بهم ثم جعل باقيه أسوة المال ويحتمل أن تكون أموال بني النضير اختص بها رسول الله ﷺ من الفيئ وترك سائرة لمن سمي في الآية وهذا مبين في قول عمر كانت لرسول الله ﷺ خالصاً دون المسلمين (مسألة) (ولا يخمس وقال الخرقي يخمس فيصرف خمسه إلى أهل الخمس وباقيه في المصالح) ظاهر المذهب أن الفيئ لا يخمس نقلها أبو طالب فقال إنما تخمس الغنيمة وعنه يخمس كما تخمس الغنيمة اختارها الخرقي وهو قول الشافعي لقول الله تعالى (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) فظاهر هذا أن جميعه لهؤلاء وهو أهل الخمس وجاءت الأخبار دالة على اشتراك جميع المسلمين فيه عن عمر ﵁ مستدلاً بالآيات التي بعدها فوجب الجمع بينهما كيلا تتناقض الآية والاخبار وتتعارض وفي إيجاب الخمس فيه جمع بينهما وتوقيف فإن خمسه لمن سمي في الآية وسائره يصرف إلى ما ذكر في الآيتين الآخيرتين والأخبار وقد روى البراء بن عازب قال لقيت خالي ومعه الراية فقلت إلى أين؟ قال بعثني رسول الله ﷺ الى رجل عرس بامرأة أبيه أن أضرب عنقه وأخمس ماله والرواية الأولى هي
المشهورة قال القاضي لم أجد بما قال الخرقي من أن الفيئ مخموس نصاً فأحكيه وإنما نص على أنه غير
стр. 6302
مخموس وهذا قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر لانحفظ عن أحد قبل الشافعي في أن في الفيئ خمساً كخمس الغنيمة والدليل على ذلك قوله تعالى (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) الآيات إلى قوله (والذين جاءوا من بعدهم) فجعله كله لهم ولم يذكر خمساً ولما قرأ عمر هذه الآية قال هذه استوعبت جميع المسلمين (فصل) فان قلنا إنه يخمس صرف خمسه إلى أهل الخمس في الغنيمة عند من يرى تخميس الفيئ من أصحابنا وأصحاب الشافعي وحكمهما واحد لااختلاف بينهم في هذا لأنه في معنى خمس الغنيمة ثم يصرف الباقي في مصالح المسلمين على ما ذكرنا ويبدأ بالأهم فالأهم من سد الثغور وأرزاق الجند ونحو ذلك.
(مسألة) (فإن فضل منه فضلة قسمه بين المسلمين ويبدأ بالمهاجرين ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ .
ينبغي أن يبدأ في القسمة بالمهاجرين ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ لما روى أبو هريرة قال قدمت على عمر ﵁ ثمانمائة ألف درهم فلما أصبح أرسل إلى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لهم قد جاء الناس مال لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام أشيروا علي بمن أبدأ؟ قالوا بك يا أمير المؤمنين إنك ولي ذلك قال لا ولكن أبدأ برسول الله ﷺ الاقرب فالاقرب
стр. 6303
فوضع الديوان على ذلك وينبغي للإمام أن يضع ديوانا يكتب فيه أسماء المقاتلة وقدر أرزاقهم ويجعل لكل طائفة عريفاً يقوم بأمرهم ويجمعهم وقت العطاء ووقت الغزو لأنه يروى أن النبي ﷺ جعل عام خيبر على كل عشرة عريفاً ويجعل العطاء في كل عام مرة أو مرتين ولا يجعل في أقل من ذلك لئلا يشغلهم عن الغزو ويبدأ ببني هاشم لأنهم أقارب رسول الله ﷺ لما ذكرنا من خبر عمر ثم ببني المطلب لقول رسول الله ﷺ (انما بنوا هاشم وبنوا المطلب شئ واحد) وشبك بين أصابعه ثم ببني عبد شمس لأنه أخو هاشم لأبيه وأمه ثم بني نوفل لأنه أخو هاشم لأبيه ثم يعطي بني عبد الدار
وعبد العزى ويقدم عبد العزى لأن فيهم أصهار رسول الله ﷺ فإن خديجة منهم وعلى هذا يعطى الأقرب فالأقرب حتى تنقضي قريش وهم بنو النضر بن كنانة وقيل بنو فهر بن مالك (مسألة) (ثم الأنصار ثم سائر المسلمين وهل يفاضل بينهم؟ على روايتين) .
يقدم الأنصار بعد قريش لفضلهم وسابقتهم وآثارهم الجميلة ثم سائر العرب ثم العجم والموالي فإن استوى اثنان في الدرجة قدم أسنهما ثم أقدمهما هجرة وسابقة ويخص في كل ذا الحاجة.
(فصل) واختلف الخلفاء الراشدون ﵃ في قسم الفئ بين أهله فذهب ابو بكر ﵁ إلى التسوية بينهم وهو المشهور عن علي ﵁ فروي أن أبا بكر سوى بين الناس في العطاء وأدخل فيه العبيد فقال له عمر يا خليفة رسول الله ﷺ أتجعل الذين جاهدوا في سبيل
стр. 6304
الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم له كمن إنما دخلوا في الإسلام كرهاً؟ فقال أبو بكر إنما عملوا لله وإنما أجورهم على الله وانما الدنيا بلاغ فلما ولي عمر ﵁ فاضل بينهم وأخرج العبيد فلما ولي علي ﵁ سوى بينهم وأخرج العبيد وذكر عن عثمان ﵁ أنه فضل بينهم في القسمة فعلى هذا مذهب اثنين منهم أبي بكر وعلي التسوية ومذهب اثنين عمر وعثمان التفضيل وقد روي عن أحمد ﵀ فروى عنه الحسن بن (علي) بن الحسن أنه قال للإمام أن يفضل قوماً على قوم لأن عمر قسم بينهم على السوابق وقال لا أجعل من قاتل على الإسلام كمن قوتل عليه، ولأن النبي ﷺ قسم النفل بين أهله متفاضلاً على قدر غنائهم وهذا في معناه وروي عنه أنه لا يجوز التفضيل قال أبو بكر اختار أبو عبد الله أن لا يفضلوا وهو قول الشافعي لما ذكرنا من فعل أبي بكر ﵁ قال الشافعي إني رأيت أنه قسم المواريث على العدد يكون الأخوة متفاضلين في الغناء عن الميت والصلة في الحياة والحفظ بعد الموت فلا يفضلون وقسم رسول الله ﷺ أربعة أخماس الغنيمة على العدد ومنهم من يغني غاية الغناء ويكون الفتح على يديه ومنهم من يكون محضره إما غير نافع وإما ضرر ابا لجبن والهزيمة وذلك إنهم استووا في سبب الاستحقاق وهو انتصابهم للجهاد فصاروا كالغانمين، قال شيخنا والصحيح إن شاء الله أن ذلك مفوض إلى اجتهاد الإمام يفعل ما يراه
من تسوية وتفضيل لما ذكرنا من فعل النبي ﷺ في الأنفال وهذا في معناه وقد روي عن عمر ﵁ أنه فرض للمهاجرين من أهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف ولأهل بدر من الأنصار أربعة آلاف أربعة آلاف وفرض لأهل الحديبية ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف ولاهل الفتح ألفين ألفين.
(فصل) قال القاضي ويتعرف قدر حاجة أهل العطاء وكفايتهم ويزيد ذا الولد من أجل ولده
стр. 6305
وذا الفرس من أجل فرسه وإن كان له عبيد في مصالح الحرب حسبت مؤنتهم في كفايتهم وإن كانوا لزينة أو تجارة لم تحسب مؤنتهم وينظر في أسعارهم في بلدانهم لأن أسعار البلاد تختلف والغرض الكفاية ولهذا تعتبر الذرية والولد فيختلف عطاؤهم لاختلاف ذلك وإن كانوا سواء في الكفاية لا يفضل بعضهم على بعض وإنما تتفاضل كفايتهم ويعطون قدر كفايتهم في كل عام مرة وهذا والله أعلم على قول من رأى التسوية، فأما من رأى التفضيل فإنه يفضل أهل السوابق والغناء في الإسلام على غيرهم بحسب ما يراه كما فعل عمر ﵁ ولم يقدر ذلك بالكفاية والعطاء الواجب لا يكون إلا لبالغ يطيق مثله القتال ويكون عاقلاً حراً بصيراً صحيحاً ليس به مرض يمنعه القتال فإن مرض الصحيح مرضاً غير مرجو الزوال كالزمانة ونحوها خرج من المقاتلة وسقط سهمه فإن كان مرضاً مرجو الزوال كالحمى والصداع والبرسام لم يسقط عطاؤه لأنه في حكم الصحيح ولذلك لا يستنيب في الحج كالصحيح.
(مسألة) (ومن مات بعد حلول وقت العطاء دفع إلى ورثته حقه لأنه مات بعد الاستحقاق فانتقل حقه إلى وارثه كسائر الموروثات) (مسألة) (ومن مات من أجناد المسلمين دفع إلى امرأته وأولاده الصغار ما يكفيهم) لان فيه تطييب قلوب المجاهدين فمتى علموا أن عيالهم يكفون المؤنة بعد موتهم توفروا على
стр. 6306
الجهاد وإذا علموا خلاف ذلك توفروا على الكسب وآثروه على الجهاد مخافة الضيعة على عيالهم ولهذا قال أبو خالد الهناي:
لقد زاد الحياة إلي حباً بناتي أنهن من الضعاف مخافة أن يرين الفقر بعدي وأن يشربن رنقا بعد صافي وأن يعرين إن كسي الجواري فتنبو العين عن كرم عجاف ولولا ذاك قد سومت مهري وفي الرحمن للضعفاء كافي ومتى تزوجت المرأة سقط حقها لأنها خرجت عن عيال الميت (مسألة) (فإذا بلغ ذكورهم فاختاروا أن يكونوا في المقاتلة فرض لهم وإن لم يختاروا تركوا سقط حقهم من عطاء المقاتلة
стр. 6307
(باب الأمان) يصح أمان المسلم المكلف ذكراً كان أو أنثى حراً أو عبداً مطلقاً أو أسيراً، وفي أمان الصبي المميز روايتان) وجملة ذلك أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم، ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار ذكراً كان أو انثى حرا أو عبدا وبهذا قال الثوري والشافعي والاوزاعي واسحاق وابن القاسم وأكثر أهل العلم وروي ذلك عن عمر ﵁.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يصح أمان العبد إلا أن يكون مأذوناً له في القتال لأنه لا يجب عليه الجهاد فلا يصح أمانة كالصبي ولأنه مجلوب من دار الحرب فلا يؤمن أن ينظر لهم في تقديم مصلحتهم ولنا ما روى علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منهم صرف ولا عدل) رواه البخاري والعبد إما أن يكون أدناهم فيصح أمانه بالحديث أو يكون غيره أدنى منه فيصح أمانة بطريق التنبيه.
وروى فضيل بن يزيد الرقاشي قال جهز عمر بن الخطاب جيشاً فكنت فيهم فحضرنا موضعاً فرأينا أنا نستفتحها اليوم وجعلنا نقبل ونروح وبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه فكتب لهم الأمان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم فأخذوها وخرجوا فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب فقال:
العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم، رواه سعيد ولأنه مسلم مكلف فصح أمانه كالحر والمرأة، وما ذكروه من التهمة يبطل بما إذا أذن له في القتال فإنه يصح أمانه وبالمرأة.
стр. 6308
(فصل) ويصح أمان المرأة في قول الجميع.
قالت عائشة ﵂ ان كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز وعن أم هانئ أنها قالت يارسول الله قد أجرت أحمائي وأغلقت عليهم وإن ابن أمي أراد قتلهم فقال لها رسول الله ﷺ (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ إنما يجير على المسلمين أدناهم) رواهما سعيد.
وأجارت زينب بنت رسول الله ﷺ أبا العاص بن الربيع فأمضاه رسول الله ﷺ (فصل) ويصح أمان الأسير إذا عقده غير مكره لدخوله في عموم الخبر، ولأنه مسلم مكلف مختار أشبه غير الأسير، وكذلك يصح أمان الأجير والتاجر في دار الحرب وبهذا قال الشافعي، وقال الثوري لا يصح أمان أحد منهم ولنا عموم الحديث والقياس.
فأما الصيي المميز ففيه روايتان (إحداهما) لا يصح أمانه وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه غير مكلف ولا يلزمه بقوله حكم فلا يلزم غيره كالمجنون (والثانية) يصح أمانه وهو قول مالك.
قال أبو بكر يصح أمانه رواية واحدة وحمل رواية المنع على غير المكلف واحتج بعموم الحديث ولأنه مسلم عاقل فصح أمانه كالبالغ بخلاف المجنون فإنه لا قول له أصلاً (فصل) ولا يصح أمان كافر وإن كان ذمياً لأن النبي ﷺ قال (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم) فجعل الذمة للمسلمين فلا تحصل لغيرهم، ولانه تهم على الإسلام وأهله فأشبه الحربي ولا يصح أمان مجنون ولا طفل لأن كلامه غير معتبر فلا يثبت به حكم.
ولا يصح أمان زائل العقل بنوم أو سكر أو إغماء لذلك ولانه لايعرف المصلحة من غيرها أشبه المجنون.
ولا يصح من مكره لانه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح كالاقرار (مسألة) (ويصح أمان الإمام لجميع الكفار وآحادهم)
стр. 6309
لأن ولايته عامة على المسلمين.
ويصح أمان الأمير لمن جعل باذائه من الكفار فأما في حق
غيرهم فهو كآحاد المسلمين لأن ولايته على قتال أولئك دون غيرهم، ويصح أمان أحد الرعية للواحد والعشرة والقافلة الصغيرة والحصن الصغير لأن عمر ﵁ أجاز أمان العبد لأهل الحصن الذي ذكرنا حديثه ولا يصح امانه لاهل بلدة ورستاق وجمع كثير لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام.
ويصح أمان الإمام للأسير بعد الاستيلاء عليه لأن عمر ﵁ أمن الهرمزان وهو أسير.
رواه سعيد.
ولأن الأمان دون المن عليه وقد جاز المن عليه.
فأما أحد الرعية فليس له ذلك وهذا مذهب الشافعي وذكر أبو الخطاب أنه يصح أمانه لأن زينب بنت رسول الله ﷺ أجارت زوجها أبا العاص بعد أسره فأمضاه النبي ﷺ وحكي عن الأوزاعي ولنا أن أمر الأسير مفوض إلى الإمام فلم يجز الافتيات عليه بما يمنعه ذلك كقتله.
وحديث زينب ﵂ في أمانها إنما صح بإجازة النبي ﷺ (فصل) وإذا شهد للأسير اثنان أو أكثر من المسلمين أنهم أمنوه قبل إذا كانوا بصفة الشهود وقال الشافعي لاتقبل شهادتهم لانهم يشهدون على فعل أنفسهم ولنا أنهم عدول من المسلمين غير متهمين شهدوا بأمانه فوجب أن يقبل كما لو شهدوا على غيرهم أنه أمنه وما ذكره لا يصح لأن النبي ﷺ قبل شهادة المرضعة على فعلها في حديث عقبة بن الحارث فإن شهد واحد: إني أمنته فقال القاضي قياس قول أحمد أنه يقبل كما لو قال الحاكم بعد عزله كنت حكمت لفلان على فلان بحق فإنه يقبل قوله وعلى قول أبي الخطاب يصح امانه فقبل خبره لانه كالحاكم
стр. 6310
في حال ولايته وهو قول الأوزاعي ويحتمل أن لا يقبل لأنه ليس له أن يؤمنه في الحال فلم يقبل إقراره به كما لو اقر بحق على غيره وهذا قول الشافعي (مسألة) (ومن قال لكافر أنت آمن أو لا بأس عليك أو اجرتك أوقف أو ألق سلاحك أو مترس نفذ أمنه) قد ذكرنا من يصح امانه وقد ذكرنا ههنا صفة الأمان والذي ورد به الشرع لفظتان أجرتك وأمنتك قال الله تعالى (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) وقال النبي ﷺ (قد أجرنا من
أجرت وأمنا من أمنت - وقال - من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) وفي معنى ذلك قوله (لا تخف لا تذهل لا تخش لاخوف عليك لا بأس عليك) وقد روي عن عمر أنه قال إذا قلتم لا بأس أو لا تذهل أو مترس فقد أمنتموهم فإن الله تعالى يعلم الألسنة وروي عن عمر ﵁ انه قال للهرمزان تكلم ولا بأس عليك فلما تكلم أمر عمر بقتله فقال أنس بن مالك ليس لك إلى ذلك سبيل قد أمنته قال عمر كلا قال الزبير إنك قد قلت تكلم ولا بأس عليك فدرأ عنه عمر القتل رواه سعيد وغيره ولا نعلم في هذا كله خلافاً وأما إن قال له قف أو قم أو ألق سلاحك فقال أصحابنا هو أمان أيضاً لأن الكافر يعتقد هذا أماناً فأشبه قوله أمنتك وقال الأوزاعي إن ادعى الكافر أنه أمان وقال
стр. 6311
إنما وقفت لذلك فهو آمن وإن لم يدع ذلك فلا يقبل قال شيخنا ويحتمل أن هذا ليس بأمان لان لفظه لايشعر به وهو يستعمل للارهاب والتخويف فأشبه قوله لاقتلنك لكن يرجع إلى القائل فإن قال نويت به الأمان فهو أمان وإن قال لم أرد أمانه نظرنا في الكافر فإن قال اعتقدته أماناً رد إلى مأمنه ولم يجز قتله وإن لم يعتقده أماناً فليس بأمان كما لو أشار إليهم بما اعتقدوه أماناً (فصل) فإن أشار إليهم بما اعتقدوه أماناً وقال أردت به الأمان فهو أمان، وإن قال لم أرد به الأمان فالقول قوله لأنه أعلم بنيته فإن خرج الكفار من حصنهم بناء على أن هذه الإشارة أمان لم يجز قتلهم ويردون إلى مأمنهم فقد قال عمر ﵁ والله لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء إلى مشرك فنزل بأمانة فقتله لقتلته به رواه سعيد وإن مات المسلم أو غاب فإنهم يردون إلى مأمنهم وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر فإن قيل فكيف صححتم الأمان بالإشارة مع القدرة على النطق بخلاف البيع والطلاق والعتق؟ قلنا تغليباً لحقن الدم كما حقن دم من له شبهة كتاب تغليباً لحقن دمه ولان الكفار في الغالب لا يفهمون كلام المسلمين ولا يفهم المسلمون كلامهم فدعت الحاجة إلى الاشار بخلاف غيره ومن قال لكافر أنت آمن فرد الأمان لم ينعقد لأنه إيجاب حق بقد (بعقد) فلم يصح مع الرد كالبيع وإن قبله ثم رده انتقض لأنه حق له فسقط بإسقاطه كالرق (فصل) إذا سبيت كافرة وجاء ابنها يطلبها وقال ان عندي أسيراً مسلماً فاطلقوها حتى أحضره
فقال الإمام أحضره فأحضره لزم إطلاقها لأن المفهوم من هذا إجابته إلى ما سأل فإن قال الامام لم
стр. 6312
أراد إجابته لم يجبر على ترك أسيره ورد إلى مأمنه وقال أصحاب الشافعي يطلق الأسير ولا تطلق المشركة لأن المسلم حر لا يجوز أن يكون ثمن مملوكة ويقال إن اخترت شراءها فائت بثمنها ولنا أن هذا يفهم منه الشرط فوجب الوفاء به كما لو صرح به ولأن الكافر فهم منه ذلك وبنى عليه فأشبه ما لو فهم الأمان من الإشارة وقولهم لا يكون الحر ثمن مملوكة قلنا لكن يصلح أن يفادى بها فقد فادى النبي ﷺ بالأسيرة التي أخذها من سلمة بن الاكوع برجلين من المسلمين وفادى برجلين من المسلمين بأسير من الكفار ووفي لهم برد من جاء مسلماً وقال (إنه لا يصلح في ديننا الغدر) وإن كان رد المسلم إليهم ليس بحق لهم، ولأنه التزم اطلاقها فلزمه ذلك لقوله ﵊ (المسلمون على شروطهم - وقوله - إنه لا يصلح في ديننا الغدر) (مسألة) (ومن جاء بمشرك فادعى أنه أمنه فأنكره فالقول قوله وعنه القول قول الأسير وعنه قول من يدل الحال على صدقة) إذا جاء المسلم بمشرك فادعى المشرك أنه أمنه وادعى المسلم أسره ففيه ثلاث روايات (إحداهن) القول قول المسلم لأن الأصل إباحة دم الكافر وعدم الأمان (والثانية) القول قول الأسير لأن صدقة محتمل فيكون ذلك شبهة تمنع قتله وهذا اختيار أبي بكر (والثالثة) يرجع إلى قول من يدل ظاهر الحال على صدقة فإن كان الكافر ذا قوة معه سلاحه فالظاهر صدقه وإن كان ضعيفاً مسلوب السلاح فالظاهر كذبه فلا يلتفت الى قوله وقال أصحاب
стр. 6313
الشافعي لا يقبل قوله وإن صدقه المسلم لأنه لا يقدر على أمانه فلم يقبل إقراره به ولنا أنه كافر لم يثبت أسره ولا نازعه فيه منازع فقبل قوله في الأمان كالرسول (فصل) ومن طلب الامان ليسمع كلام الله تعالى ويعرف شرائع الاسلام لزمه اجابتهم ثم يرد إلى مأمنه لا نعلم فيه خلافاً وبه قال قتادة ومكحول والاوزاعي والشافعي وكتب بذلك عمر بن عبد العزيز إلى الناس لقول الله تعالى (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام
الله ثم أبلغه مأمنه) قال الأوزاعي هي إلى يوم القيامة (مسألة) (ومن أعطي أماناً ليفتح حصناً ففتحه واشتبه علينا حرم قتلهم واسترقاقهم) .
إذا حصر المسلمون حصناً فناداهم رجل أمنوني افتح لكم الحصن جاز أن يعطوه أماناً فإن زياد بن لبيد لما حصر النحير قال الأشعث بن قيس أعطوني الأمان لعشرة افتح لكم الحصن ففعلوا فإن أشكل عليهم وادعى كل واحد من الحصن أنه الذي أمنوه لم يجز قتل واحد منهم، لأن كل واحد منهم يحتمل صدقه وقد اشتبه المباح بالمحرم فيما لاضرورة إليه فحرم الكل كما لو اشتبهت ميته بمذكاة وأخته بأجنبيات أو زان محصن بمعصومين، وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه خلافا ويحرم استرقاقهم أيضاً في أحد الوجهين وذكر القاضي أن أحمد نص عليه وهو مذهب الشافعي لما ذكرنا في تحريم
стр. 6314
القتل فإن استرقاق من لا يحل استرقاقه محرم (والوجه الثاني) يقرع فيخرج صاحب الأمان بالقرعة ويسترق الباقون، قاله أبو بكر لأن الحق لواحد منهم غير معلوم فأخرج بالقرعة كما لو أعتق عبداً من عبيده وأشكل ويخالف القتل فإنه إراقة دم يندرئ بالشبهات بخلاف الرق، ولهذا يمتنع القتل في النساء والصبيان دون الاسترقاق، وقال الأوزاعي إذا أسلم واحد من أهل الحصن قبل فتحه أشرف علينا ثم أشكل فادعى كل واحد منهم أنه الذي أسلم سعى كل واحد منهم في قيمة نفسه ويترك له عشر قيمته وقياس المذهب أن فيها وجهين كالتي قبلها.
(فصل) قال أحمد إذا قال الرجل كف عني حتى أدلك على كذا فبعث معه قوماً ليدلهم فامتنع من الدلالة فلهم ضرب عنقه لأن أمانه بشرط ولم يوجد.
قال أحمد إذا لقي علجاً وطلب منه الأمان فلا يؤمنه لأنه يخاف شره وإن كانوا سرية فلهم أمانه يعني أن السرية لا يخافون من غدر العلج بخلاف الواحد وإن لقيت السرية اعلاجا فادعوا أنهم جاءوا مستأمنين فإن كان معهم سلاح لم يقبل منهم لأن حملهم السلاح يدل على محاربتهم وإن لم يكن معهم سلاح قبل قوله لأنه دليل على صدقهم.
(مسألة) (ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن ويقيمون مدة الهدنة بغير جزية وعند أبي
الخطاب لا يقيمون سنة إلا بجزية) .
стр. 6315
يجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن، لأن النبي ﷺ كان يؤمن رسل المشركين ولما جاءه رسولا مسليمة (مسيلمة) قال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لأننا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا فتفوت مصلحة المراسلة ويجوز عقد الأمان لكل واحد منهما مطلقاً ومقيداً بمدة سواء كانت طويلة أو قصيرة بخلاف الهدنة فإنها لا تجوز إلا مقيدة لأن في جوازها مطلقة ترك للجهاد وهذا بخلافه ويجوز أن يقيموا مدة الهدنة بغير جزية، ذكره القاضي، قال أبو بكر هذا ظاهر كلام أحمد.
وقال أبو الخطاب عندي أنه لا يجوز أن يقيم سنة بغير جزية وهو قول الأوزاعي والشافعي لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ووجه الأول أنه كافر أبيح له الاقامة في دار الإسلام من غير التزام جزية فلم يلزمه كالنساء والصبيان ولأن الرسول لو كان مما لا يجوز أخذ الجزية منه لاستوى في حقه السنة وما دونها في أن الجزية لا تؤخذ منه في المدتين فإذا جازت له الإقامة في إحداهما جازت في الأخرى قياساً لها عليها وقوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون) أي يلتزمونها ولم يرد حقيقة الإعطاء وهذا مخصوص منها بالاتفاق فإنه تجوز له الإقامة من غير التزام لها ولأن الآية تخصصت بما دون الحول فنقيس على المحل المخصوص.
стр. 6316
(مسألة) (ومن دخل دار الإسلام بغير أمان وادعى أنه رسول أو تاجر معه متاع يبيعه قبل منه) .
إذا دخل حربي دار الإسلام بغير أمان وادعى أنه رسول قبل منه ولم يجز التعرض له لقول النبي ﷺ لرسولي مسيلمة (لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما) ولأن العادة جارية بذلك وإن ادعى أنه تاجر وقد جرت العادة بدخول تجارهم إلينا لم يعرض له إذا كان معه ما يبيعه لأنهم دخلوا يعتقدون الامان أشبه مالو دخلوا بإشارة مسلم.
قال أحمد إذا ركب القوم في البحر فاستقبلهم فيه تجار مشركون من أرض العدو ويريدون بلاد الاسلام لم يعرضوا لهم ولم يقاتلوهم وكل من دخل بلاد المسلمين من أرض الحرب بتجارة بويع ولم يسأل عن شئ وإن لم يكن معه تجارة فقال جئت مستأمنا لم يقبل منه وكان الإمام فيه مخيراً ونحو هذا قول الاوزاعي والشافعي وكذلك إن كان جاسوساً لأنه حربي أخذ بغير أمان فأشبه المأخوذ في حال الحرب وإن كان ممن ضل الطريق أو حملته الريح في مركب إلينا فهو لمن أخذه في إحدى الروايتين لأنه أخذ بغير قتال في دار الإسلام فكان لآخذه كالصيد والحشيش والأخرى يكون فيئاً للمسلمين لأنه أخذ بغير قتال أشبه مالو أخذ في دار الحرب، وقد روي عن أحمد ﵀ أنه سئل عن الدابة تخرج من بلد الروم أو تنفلت فتدخل القرية وعن القوم يضلون عن الطريق فيدخلون القرية من
стр. 6317
قرى المسلمين فيأخذونهم فقال يكون لأهل القرية كلهم وسئل عن مركب بعث به ملك الروم وفيه رجاله فطرحته الريح إلى طرسوس فخرج إليه أهل طرسوس فقتلوا الرجالة واخذوا الأموال فقال هذا فيئ للمسلمين مما أفاء الله عليهم، وقال الزهري هو غنيمة وفيه الخمس.
(فصل) ومن دخل دار الحرب رسولاً أو تاجراً بأمانهم فخيانتهم محرمة عليه لانهم إنما أعطوه الأمان مشروطاً بترك خيانتهم وأمنه إياهم من نفسه وإن لم يكن ذلك مذكوراً في اللفظ فهو معلوم في المعنى وكذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا فهو ناقض لأمانه ولأن خيانتهم غدر ولا يصلح في ديننا الغدر فإن خانهم أو سرق منهم أو اقترض شيئاً وجب عليه رد ما أخذ إلى أربابه فإن جاء أربابه إلى دار الإسلام بأمان أو إيمان رده إليهم وإلا بعث به إليهم لأنه أخذه على وجه يحرم عليه أخذه فلزمه رده كما لو أخذه من مال مسلم.
(مسألة) (وإذا أودع المستأمن ماله مسلماً أو أقرضه إياه ثم عاد إلى دار الحرب بقي الأمان في ماله يبعث إليه إن طلبه) وجملة ذك (ذلك) أن من دخل من أهل الحرب إلى دار الإسلام بأمان فأودع ماله مسلماً أو ذمياً أو أقرضهما إياه ثم عاد إلى دار الحرب لحاجة يقضيها أو رسولاً ثم يعود إلى دار الاسلام فهو على أمانه في
نفسه وماله لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة بدار الإسلام فأشبه الذمي إذا دخل لذلك، وإن دخل مستوطناً
стр. 6318
أو محارباً بطل الأمان في نفسه وبقي في ماله لأنه بدخوله دار الإسلام بأمان ثبت الأمان لماله الذي معه تبعاً فإذا بطل في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله لاختصاص المبطل في نفسه فيختص البطلان به، فإن قيل إنما يثبت الأمان لماله تبعاً فإذا بطل في المتبوع بطل في التبع قلنا بل يثبت له الامان لمعنى وجد فيه وهو إدخاله معه وهذا يقتضي ثبوت الأمان له وإن لم يثبت في نفسه بدليل مالو بعثه مع مضارب له أو وكيل فإنه يثبت له الأمان وإن لم يثبت في نفسه ولم يوجد فيه ههنا ما يقتضي نقض الأمان فيه فبقي على ما كان عليه فإن أخذه معه إلى دار الحرب انتقض الأمان فيه كما انتقض في نفسه لوجود المبطل فيهما.
إذا ثبت هذا فإذا طلبه صاحبه بعث إليه وإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو نحوهما صح تصرفه لأنه ملكه وإن مات في دار الحرب انتقل المال إلى وارثه ولم يبطل الأمان فيه، وقال أبو حنيفة يبطل وهو قول الشافعي لأنه قد صار لوارثه ولم يعقد فيه أماناً فوجب أن يبطل فيه كسائر أمواله ولنا أن الأمان حق واجب لازم متعلق بالمال فإذا انتقل إلى الوارث انتقل بحقه كسائر الحقوق من الرهن والضمين والشفعة وهذا اختيار المزني ولأنه مال له أمان فينقل إلى وارثه مع بقاء الأمان فيه كالمال الذي مع مضاربه وإن لم يكن له وارث صار فيئاً لبيت المال كمال الذمي إذا مات وليس له وارث فإن كان له وارث في دار الإسلام لم يرثه ذكره القاضي لاختلاف الدارين والأولى أنه يرثه
стр. 6319
لأن ملتهما واحدة فورثه كالمسلمين فإن مات المستأمن في دار الإسلام فهو كموته في دار الحرب سواء لأن المستأمن حربي تجري عليه أحكامهم وإن رجع إلى دار الحرب فسبي واسترق فقال القاضي يكون أمره موقوفاً حتى يعلم آخر أمره فإن مات كان فيئاً لأن الرقيق لا يورث وإن عتق كان له وإن لم يسترق ولكن من عليه الإمام أو فاداه فماله له وإن قتله فماله لورثته كما لو مات إن لم يسب لكن دخل دار الإسلام بغير أمان ليأخذ ماله جاز قتله وسبيه لأن ثبوت الأمان لماله لا يثبت الأمان لنفسه كما لو كان ماله وديعة بدار الإسلام وهو مقيم بدار الحرب
(فصل) وإن أخذ المسلم من الحربي في دار الحرب مالاً مضاربه أو وديعة ودخل به دار الاسلام فهو في أمان حكمه حكم ما ذكرنا وإن أخذه ببيع في الذمة أو قرض فالثمن في ذمته عليه أداؤه إليه وإن اقترض حربي من حربي مالاً ثم دخل الينا فأسلم فعليه رد البدل لأنه أخذه على سبيل المعاوضة فأشبه ما لو تزوج حربية ثم أسلم لزمه مهرها (فصل) وإذا سرق المستأمن في دار الإسلام أو قتل أو غصب ثم عاد إلى دار الحرب ثم خرج مستأمناً مرة ثانية استوفي منه ما لزمه في أمانه الأول كما لو لم يدخل دار الحرب وإن اشترى عبداً مسلماً فخرج به إلى دار الحرب ثم قدر عليه لم يغنم لأنه لم يثبت ملكه عليه لكون الشراء باطلاً
стр. 6320
ويرد بائعه الثمن إلى الحرب لأنه حصل في أمان فإن كان العبد تالفاً فعلى الحربي قيمته ويترادان الفضل (فصل) وإذا دخلت الحربية إلينا بأمان فتزوجت ذمياً في دارناً ثم أرادت الرجوع لم تمنع إذا رضي زوجها أو فارقها وقال أبو حنيفة تمنع ولنا أنه عقد لا يلزم الرجل به المقام فلا يلزم المرأة كعقد الاجارة (مسألة) (وإذا أسر الكفار مسلماً فأطلقوه بشرط أن يقيم عندهم مدة لزمه الوفاء لهم ولم يكن له أن يهرب) نص عليه لقول النبي ﷺ (المؤمنون عند شروطهم) وقال الشافعي لا يلزمه، وإن أطلقوه وأمنوه صاروا في أمان منه لأن أمانهم له يقتضي سلامتهم منه فإن أمكنه المضي إلى دار الإسلام لزمه وإن تعذر عليه أقام وكان حكمه حكم من أسلم في دار الحرب فإن خرج فأدركوه وتبعوه قاتلهم وبطل الأمان لأنهم طلبوا منه الأمان وهو معصية (مسألة) (فإن لم يشترطوا شيئاً أو شرطوا كونه رقيقاً فله أن يقتل ويسرق ويهرب) أما إذا أطلقوه ولم يؤمنوه فله أن يأخذ منهم ما قدر عليه ويسرق ويهرب لم يؤمنهم ولم يؤمنوه وكذلك إن شرطوا كونه رقيقاً فرضي بذلك أولم يرض لأن كونه رقيقاً حكم شرعي لا يثبت عليه بقوله ولو ثبت لم يقتض أماناً له منهم ولا لهم منه وهذا مذهب الشافعي وإن أحلفوه على ذلك وكان مكرهاً لم تنعقد يمينه وإن كان مختاراً انعقدت يمينه ويحتمل أن تلزمه الإقامة إذا قلنا يلزمه
الرجوع إليهم على ما نذكره في المسألة التي بعدها وهو قول الليث
стр. 6321
(مسألة) (وإن أطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالاً وإن عجز عنه عاد إليهم لزمه الوفاء لهم إلا أن تكون امرأة فلا ترجع إليهم وقال الخرقي لا يرجع الرجل أيضاً) وجملة ذلك أن الأسير إذا أطلقه الكفار وشرطوا عليه أن يبعث إليهم بفدائه أو يعود إليهم واحلفوه فإن كان مكرهاً لم يلزمه الوفاء لهم برجوع ولا فداء لقول النبي ﷺ (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهو عليه، وإن لم يكره وقدر على الفداء الذي شرط على نفسه لزمه أداؤه وبه قال الحسن وعطاء والزهري والنخعي والثوري والاوزاعي ونص الشافعي على أنه لا يلزمه لأنه حر لا يستحقون بدله ولنا قول الله تعالى (وأوفو بعهد الله إذا عاهدتم) ولما صالح النبي ﷺ أهل الحديبية على رد من جاءه مسلما وفي لهم وقال (إنا لا يصلح في ديننا الغدر) ولأن في الوفاء مصلحة للأسارى وفي الغدر مفسدة في حقهم لأنهم لا يأمنون بعده والحاجة داعية إليه فلزمه الوفاء كما يلزمه الوفاء بعقد الهدنة ولأنه عاهدهم على أداء مال فلزمه الوفاء لهم كثمن المبيع والمشروط في عقد الهدنة في موضع يجوز شرطه فإن عجز عن الفداء وكانت امرأة لم ترجع إليهم ولم يحل لها ذلك لقول الله تعالى (فلا ترجعونهن إلى الكفار) ولأن في رجوعها تسليطاً لهم على وطئها حراماً وقد منع الله رسوله رد النساء إلى الكفار
стр. 6322
بعد صلحه على ردهن في قضية الحديبية وفيها فجاء نسوة مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن رواه أبو دواد وغيره وإن كان المفادى رجلا فقيه روايتان (إحداهما) لا يرجع اختاره الخرقي وهو قول الحسن والنخعي والثوري والشافعي لأن الرجوع إليهم معصية فلم يلزم بالشرط كما لو كان امرأة وكما لو شرط قتل مسلم أو شرب الخمر (والثانية) يلزمه وهو قول عثمان والزهري والاوزاعي لما ذكرنا في بعث الفداء ولأن النبي ﷺ عاهد قريشاً على رد من جاءه مسلما فرد أبا بصير وأبا جندل وقال (إنا لا يصلح في ديننا الغدر) وفارق
رد المرأة فإن الله تعالى فرق بينهما في هذا الحكم حين صالح النبي ﷺ قريشاً على رد من جاءه منهم مسلماً فأمضى الله سبحانه ذلك في الرجال ونسخه في النساء وسنذكر الفرق بينهما في هذا الباب الذي بعده انشاء الله تعالى (فصل) فإن اشترى الأسير شيئاً مختاراً أو اقترضه فالعقد صحيح ويلزمه الوفاء لهم لأنه عقد معاوضة فأشبه مالو فعله غير الأسير وإن كان مكرهاً لم يصح وإن أكرهوه على قبضه لم يضمنه ولكن عليه رده إليهم إن كان باقيا لأنهم دفعوه إليه بحكم العقد وإن قبضه باختياره ضمنه لأنه قبضه باختياره عن عقد فاسد وإن باعه والعين قائمة لزمه ردها وإن عدمت رد قيمتها (فصل) وإذا اشترى المسلم أسيرا من أيدي العدو فإن كان بإذنه لزمه أن يؤدي إلى الذي اشتراه ما أداه فيه بغير خلاف علمناه لأنه إذا أذن فيه كان نائبه في شراء نفسه فكان الثمن على الآمر كالوكيل، وإن كان بغير إذنه لزم الأسير الثمن أيضاً وبه قال الحسن والزهري والنخعي
стр. 6323
ومالك والاوزاعي، وقال الثوري والشافعي وابن المنذر لا يلزمه لأنه تبرع بما لا يلزمه ولم يؤذن له فيه أشبه ما لو عمر داره ولنا ما روى سعيد بن عثمان بن مطر ثنا أبو جرير عن الشبعي (الشعبي) قال أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا العرب فكتب السائب بن الأكوع إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم فكتب عمر: أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره، وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما قسم فلا سبيل إليه.
وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم فإن الحر لا يباع ولا يشترى.
فحكم للتجار برؤوس أموالهم، ولأن الأسير يجب عليه فداء نفسه ليتخلص من حكم الكفار فإذا ناب عنه غيره في ذلك وجب عليه قضاؤه كما لو قضى الحاكم عنه حقاً امتنع من أدائه، فعلى هذا إذا اختلفا في قدر الثمن فالقول قول الأسير وهو قول الشافعي إذا أذن له، وقال الأوزاعي القول قول المشتري لأنهما اختلفا في فعله وهو أعلم به ولنا ان الأسير منكر للزيادة والقول قول المنكر ولأن الأصل براءة ذمته من الزيادة فيرجح قوله بالأصل
(فصل) ويجب فداء أسير المسلمين إذا أمكن وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك وإسحاق.
ويروى عن ابن الزبير أنه سأل الحسن بن علي ﵄ على من فكاك الأسير؟ قال على الأرض التي يقاتل عليها وقد قال النبي ﷺ (أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني)
стр. 6324
وروى سعيد بإسناده عن حبان بن أبي جبلة أن رسول الله ﷺ قال (إن على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم ويؤدوا عن غارمهم) وفادي رسول الله ﷺ رجلين من المسلمين بالرجل الذي أخذه من بني عقيل، وفادى بالمرأة التي استوهب من سلمة بن الاكوع رجلين.
ويجب فداء أسير أهل الذمة سواء كانوا في معونتنا أو لا هذا ظاهر كلام الخرقي وهو قول عمر بن عبد العزيز والليث لأننا التزمنا حفظهم بمعاهدتهم وأخذ جزيتهم فلزمنا المدافعة من ورائهم والقيام دونهم فإذا عجزنا عن ذلك وأمكننا تخليصهم لزمنا ذلك كمن يحرم عليه إتلاف شئ فإذا أتلفه ضمن غرمه وقال القاضي إنما يجب فداؤهم إذا استعان بهم الامام في قتالهم فسبوا وجب عليه ذلك لأن أسرهم كان لمعنى من جهته وهو المنصوص عن أحمد، ومتى وجب فداؤهم فإنه يبدأ بفداء المسلمين قبلهم لأن حرمة المسلم أعظم والخوف عليه أشد وهو معرض لفتنته عن دينه الحق بخلاف أهل الذمة
стр. 6325
(باب الهدنة) ومعناها أن يعقد الإمام أو نائبه عقداً على ترك القتال مدة بعوض وبغير عوض ويسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة وهي جائزة لقوله تعالى (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) وقوله تعالى (فإن جنحوا للسلم فاجنح لها) وروى مروان والمسور بن مخرمة أن النبي ﷺ صالح سهيل بن عمرو على وضع القتال عشر سنين، ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف فيهادنهم حتى يقوى المسلمون، وإنما تجوز للنظر للمسلمين أما لضعفهم عن القتال أو للطمع في إسلامهم بهدنتهم أو في أدائهم الجزية أو غير ذلك من المصالح، وتجوز على غير مال لأن النبي ﷺ صالح يوم الحديبية على غير مال، وتجوز على مال يأخذه منهم فإنها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى، فأما إن
صالحهم على ما يبذله لهم فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه وهو مذهب الشافعي لأن فيه صغاراً للمسلمين قال شيخنا وهذا محمول على غير حال الضرورة مثل أن يخاف على المسلمين الهلاك والاسر فيحوز لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال كذا هذا.
ولأن بذل المال وإن كان صغارا ًفإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه وهو القتل والأسر وسبي الذرية الذين يفضي سبيهم إلى كفرهم
стр. 6326
وقد روى عبد الرزاق في المغازي عن الزهري قال أرسل رسول الله ﷺ إلى عبينة بن حصن وهو مع أبي سفيان يعني يوم الأحزاب (أرأيت إن جعلت لك ثلث ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان وتخذل بين الأحزاب؟) فأرسل إليه عبينة إن جعلت لي الشطر فعلت قال فحدثني ابن أبي نجيح أن سعد بن معاذ وسعد بن عبادة قالا يا رسول الله والله لقد كان يجر سرمه في الجاهلية في عام السنة حول المدينة ما يطيق أن يدخلها فالآن حين جاء الله بالإسلام نعطيهم ذلك؟ فقال النبي ﷺ (فنعم إذا) ولولا أن ذلك جائز لما بذله النبي ﷺ (مسألة) (ولا يجوز عقد الهدنة إلا من الإمام أو نائبه) لأنه عقد مع جملة الكفار وليس ذلك لغيره ولأنه يتعلق بنظر الإمام وما يراد من المصلحة على ما قدمنا، ولأن تجويزه لغير الإمام يتضمن تعطيل الجهاد بالكلية أو إلى تلك الناحية وفيه إفتيات على الإمام، فإن هادنهم غير الإمام أو نائبه لم يصح، فإن دخل بعضم دار الإسلام بهذا الصلح كان آمناً لأنه دخل معتقداً للأمان ويرد إلى دار الحرب ولا يقر في دار الإسلام لأن الأمان لم يصح، وإن عقد الإمام الهدنة ثم مات أو عزل لم ينتقض عهده وعلى من بعده الوفاء به لان الإمام عقده باجتهاده فلم يجز نقضه اجتهاد غيره كما لا يجوز للحاكم نقض أحكام من قبله باجتهاده، وإذا عقد الهدنة لزمه الوفاء بها لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وقال تعالى (فأتموا إليهم عهدهم إلى
стр. 6327
مدتهم) ولأنه إذا لم يف بها لم يسكن إلى عهده وقد يحتاج إلى عقدها (فصل) فان نقضوا العهد بقتال أو مظاهرة أو قتل مسلم أو أخذ مال انتقض عهدهم لأن
الهدنة تقتضي الكف فانتقضت بتركه ولا يحتاج في نقضها إلى حكم الإمام لأنه إنما يحتاج إلى حكمه في أمر محتمل وفعلهم لا يحتمل غير نقض العهد وإذا انتقض جاز قتالهم لقول الله تعالى (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) الآيتين.
وقال تعالى (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) ولما نقضت قريش عهد رسول الله ﷺ سار إليهم وقاتلهم وفتح مكة، وإن نقض بعضهم دون بعض فسكت باقيهم عن الناقض ولم يوجد منهم انكار ولا مراسلة الإمام ولا تبرؤ فالكل ناقضون لأن النبي ﷺ لما هادن قريشاً دخلت خزاعة في حلف النبي ﷺ وبنو بكر في حلف قريش فعدت بنو بكر على خزاعة وأعانهم بعض قريش وسكت الباقون فكان ذلك نقص عهدهم وسار إليهم رسول الله ﷺ فقاتلهم ولأن سكوتهم يدل على رضاهم كما أن عقد الهدنة مع بعضهم يدخل فيه جميعهم لدلالة سكوتهم على رضاهم كذلك في النقض، فإن أنكر من لم ينقض على الباقين بقول أو فعل ظاهر أو اعتزال أو راسل الإمام بأني منكر لما فعله الناقض مقيم على العهد لم ينتقض في حقه ويأمره الإمام بالتمييز ليأخذ الناقض وحده فإن امتنع من التميز أو إسلام الناقض صار ناقضاً لأنه منع من أخذ الناقض فصار بمنزلته، وإن
стр. 6328
لم يمكنه التميز لم ينتقض عهده لأنه كالأسير.
فإن أسر الإمام منهم قوماً فادعى الأسير أنه لم ينقض وأشكل ذلك عليه قبل قول الأسير لأنه لا يتوصل إلى ذلك إلا من قبله (مسألة) (فمتى رأى المصلحة جاز له عقدها مدة معلومة وإن طالت وعنه لا يجوز في زيادة على العشر فإن زاد على عشر بطل في الزيادة وفي العشر وجهان) إذا رأى الإمام المصلحة في عقد الهدنة جاز عقدها لما ذكرنا من أن النبي ﷺ هادن قريشاً ولا يجوز عقدها إذا لم يرى المصلحة فيه لأنه يتصرف لهم على وجه النظر أشبه ولى اليتيم ولايجوز عقدها إلا على مدة معلومة لأن مهادنتهم مطلقاً تفضي إلى تعطيل الجهاد بالكلية لكونها تقتضي التأييد فلم يجز ذلك وتجوز على المدة القصيرة والطويلة على حسب ما يراه الإمام من المصلحة في إحدى الروايتين وبهذا قال أبو حنيفة لأنه عقد يجوز في العشر فجاز في الزيادة عليها كعقد الإجارة (والرواية
الثانية) لا يجوز على أكثر من عشر سنين قال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد واختاره أبو بكر وهو مذهب الشافعي لأن قوله تعالى (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) عام خص منه مدة العشر لمصالحة النبي ﷺ قريشاً يوم الحديبية عشراً فما زاد يبقى على مقتضى العموم فعلى هذا إن زاد على العشر يبطل في الزيادة وهل يبطل في العشر؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة وكذلك إن هادنهم أكثر من قدر الحاجة
стр. 6329
(مسألة) (وإن هادنهم مطلقاً لم يصح) لأن ذلك يقتضي التأبيد فيفضي إلى ترك الجهاد بالكلية وذلك لا يجوز (مسألة) (وإن شرط فيها شرطاً فاسداً كنقضها متى شاء أو رد النساء إليهم أو صداقهن أو سلاحهم أو ادخالهم الحرم لم يصح الشرط وفي العقد وجهان) الشروط في عقد الهدنة تنقسم قسمين صحيح وفاسد فالفاسد مثل أن يشترط نقضها لمن شاء منهما فلا يصح ذلك لأنه يفضي الى ضد المقصود منها وإن قال هادنتكم ما شئتم لم يصح لأنه جعل الكفار متحكمين على المسلمين، وإن قال ما شئنا أو شاء فلان أو شرط ذلك لنفسه دونهم لم يجز أيضاً ذكره أبو بكر لأنه ينافي مقتضى العقد فلم يصح كما لو شرط ذلك في البيع والنكاح وقال القاضي يصح وهذا قول الشافعي لأن النبي ﷺ صالح أهل خيبر على أن يقرهم ما أقرهم الله تعالى ولنا أنه عقد لازم فلم يجز اشتراط نقضه كسائر العقود اللازمه ولم يكن بين النبي ﷺ وبين أهل خيبر هدنة فإنه فتحها عنوة وإنما ساقاهم وقال لهم ذلك وإنما يدل ذلك على جواز المساقاة وليس هو بهدنة اتفاقاً، وقد واقفوا الجماعة في أنه لو شرط في عقد الهدنة إني أقركم ما أقركم الله لم يصح فكيف يصح منهم الاحتجاج به مع الإجماع على أنه لا يجوز اشتراط؟ وكذلك إن شرط رد النساء المسلمات إليهم
стр. 6330
أو مهورهن أو رد سلاحهم أو إعطائهم شيئاً من سلاحنا أو من آلة الحرب أو يشرط لهم مالا في موضع لا يجوز بذله أو يشترط رد الصبيان أو رد الرجال مع عدم الحاجة إليه فهذه كلها شروط فاسدة
وكذلك إن شرط ادخالهم الحرم لقول الله تعالى (إنما المشركون نجس فلا يقربو المسجد الحرام بعد عامهم هذا) ولا يجوز الوفاء بشئ من هذه الشروط وإنما لم يصح شرط رد النساء المسلمات لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنونهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) وقال النبي ﷺ (إن الله منع الصلح في النساء) وتفارق المرأة الرجل من ثلاثة أوجه (أحدها) أنها لا تأمن أن تزوج كافراً يستحلها أو يكرهها من ينالها واليه أشار الله سبحانه بقوله (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) (الثاني) إنها ربما فتنت عن دينها لأنها أضعف قلباً وأقل معرفة من الرجل (الثالث) أن المرأة لا يمكنها الهرب عادة بخلاف الرجل ولا يجوز رد الصبيان العقلاء إذا جاءوا مسلمين لانهم بمنزلة المرأة في ضعف العقل والمعرفة والعجز عن التخلص والهرب، فأما الطفل الذي لا يصح اسلامه فيجوز شرط رده لأنه ليس بمسلم وهل يفسد العقد بالشروط الفاسدة؟ على وجهين بناء على الشروط الفاسدة في البيع إلا فيما إذا شرط أن لكل واحد منهما نقضها متى شاء فينبغي أن لا يصح العقد وجهاً واحداً لأن طائفة الكفار يبنون على هذا الشرط فلا يحصل الأمن منهم ولا أمنهم
стр. 6331
منا فيفوت معنى الهدنة ومتى وقع العقد باطلا فدخل بعض الكفار دار الإسلام معتقداً للأمان كان آمناً لأنه دخل بناء على العقد ويرد إلى دار الحرب ولا يقر في دار الإسلام لأن الأمان لم يصح (فصل) وإذا عقد الهدنة من غير شرط فجاءنا منهم إنسان مسلماً أو بأمان لم يجب رده إليهم ولم يجز ذلك سواء كان حرا أو عبدا أو رجلاً أو امرأة ولا يجب رد مهر المرأة، وقال أصحاب الشافعي إن خرج العبد إلينا لم يصر حراً لأنهم في أمان منا والهدنة تمنع من جواز القهر وقال الشافعي في قول له: إذا جاءت امرأة مسلمة وجب رد مهرها لقول الله تعالى (وآتوهم ما أنفقوا) يعني رد المهر إلى زوجها إذا جاء يطلبها وإن جاء غيره لم يرد اليه شئ ولنا أنه من غير أهل دار الإسلام خرج إلينا فلم يجب رده ولا رد شئ عنه كالحر من الرجال
وكالعبد إذا خرج ثم أسلم، قولهم إنهم في أمان منا.
قلنا إنما أمناهم ممن هو في دار الإسلام الذين هم في قبضة الامام فأما من هو في دارهم ومن ليس في قبضته فلا يمنع منه بدليل ما لو خرج العبد قبل إسلامه ولهذا لما قتل أبو بصير الرجل الذي جاء ليرده لم ينكره النبي ﷺ ولم يضمنه ولما انفرد هو وأبو جندل وأصحابهما عن النبي ﷺ في صلح الحديبية فقطعوا الطريق عليهم وقتلوا من قتلوا منهم واخذوا المال لم ينكر ذلك النبي ﷺ ولم يأمرهم برد ما أخذوه ولا غرامه ما أتلفوه وهذا الذي أسلم كان في دارهم وقبضتهم وقهرهم على نفسه فصار حراً كما لو أسلم بعد خروجه وأما المرأة فلا يجب رد مهرها لأنها لم تأخذ منهم شيئاً ولو أخذته كانت قد قهرتهم عليه في
стр. 6332
دار القهر، ولو وجب عليها عوضه لوجب مهر المثل دون المسمى، وأما الآية فقد قال قتادة نسخ رد المهر، وقال عطاء والزهري والثوري لا يعمل بها اليوم، وعلى أن الآية إنما نزلت في قضية الحديبية حين كان النبي ﷺ شرط رد من جاءه مسلما، فلما منع الله رد النساء وجب رد مهورهن، وكلامنا فيما إذا وقع الصلح من غير شرط فليس هو في معنى ما تناوله الأمر، وإن وقع الكلام فيما إذا شرط رد النساء لم يصح أيضاً لأن الشرط الذي كان النبي ﷺ شرطه كان صحيحاً وقد نسخ فإذا شرط الآن كان باطلاً ولا يجوز قياسه على الصحيح والالحاق به.
(مسألة) (وإن شرط رد من جاء من الرجال مسلماً جاز ولا يمنعهم أخذه ولا يجبره على ذلك وله أن يأمرهم بقتالهم والفرار منهم) .
قد ذكر قسم الشروط الفاسدة والشروط الصحيحة مثل أن يشترط عليهم مالاً أو معونة المسلمين عند حاجتهم إليهم أو يشترط رد من جاء من الرجال مسلماً أو بأمان فهذا صحيح وقال أصحاب الشافعي لا يصح شرط رد المسلم إلا أن تكون له عشيرة تحميه وتمنعه ولنا أن النبي ﷺ شرط ذلك في صلح الحديبية ووفى لهم به فرد أبا جندل وأبا بصير ولم يخص بالشرط ذا العشيرة ولأن ذا العشيرة إذا كانت عشيرته هي التي تفتنه وتؤذيه فهو كمن لا عشيرة له لكن إنما يجوز هذا الشرط عند شدة الحاجة إليه وتعين المصلحة فيه ومتى شرط لهم ذلك لزم الوفاء به
بمعنى أنهم إذا جاءوا في طلبه لم يمنعهم أخذه ولا يجبره عل المضي معهم، وله أن يأمره سراً بالهرب.
стр. 6333
منهم ومقاتلتهم فان أبا بصير لما جاء النبي ﷺ وجاء الكفار في طلبه قال له النبي ﷺ (إنا لا يصلح في ديننا الغدر وقد علمت ما عاهدناهم عليه ولعل الله أن يجعل لك فرجاً ومخرجاً) فلما رجع مع الرجلين قتل أحدهما في طريقه ثم رجع إلى النبي ﷺ فقال يا رسول قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم وأنجاني الله منهم فلم ينكر عليه النبي ﷺ ولم يلمه بل قال (ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال) فلما سمع ذلك أبو بصير لحق بساحل البحر وأنحاز إليه أبو جندل بن سهيل ومن معه من المستضعفين بمكة، فجعلوا لا تمر عير لقريش إلا عرضوا لها فأخذوها وقتلوا من معها، فارسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم ان يضمهم إليه ولا يرد إليهم أحداً جاءه ففعل، فيجوز حينئذ لمن أسلم من الكفار أن يتحيزوا ناحية ويقتلوا من قدروا عليه من الكفار ويأخذوا أموالهم ولا يدخلون في الصلح، فإن ضمهم الإمام إليه بإذن الكفار دخلوا في الصلح وحرم عليهم قتل الكفار وأخذ اموالهم، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما جاء أبو جندل إلى النبي ﷺ هارباً من الكفار يرسف في قيوده قام إليه أبوه فلطمه وجعل يرده قال عمر فقمت إلى جانب أبي جندل وقلت إنهم الكفار وإنما دم أحدهم دم كلب وجعلت أدني منه قائم السيف لعله أن يأخذه فيضرب به أباه قال فضن الرجل بأبيه، (فصل) وإذا طلبت امرأة أو صبية مسلمة الخروج من عند الكفار جاز لكل مسلم إخراجها لما روي أن النبي ﷺ لما خرج من مكة وقفت ابنة حمزة على الطريق فلما مر بها علي قالت يا ابن عم إلى من تدعني فتناولها فدفعها إلى فاطمة حتى قدم بها المدينة.
стр. 6334
(مسألة) (وعلى الامام حماية من هادنه من المسلمين دون غيرهم وإن سباهم كفار آخرون لم يجز لنا شراؤهم) .
وذلك أن الإمام إذا عقد الهدنة لقوم فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الذمة، لأنه امنه ممن هو
في قبضته وتحت يده كما أمن من في قبضته منهم، ومن أتلف من المسلمين أو من أهل الذمة عليهم شيئاً فعليه ضمانه ولا يلزمه حمايتهم من أهل الحرب ولا حماية بعضهم من بعض، لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط، فإن أغار عليهم قوم آخرون فسبوهم لم يلزمه استنقاذهم وليس للمسلمين شراؤهم لأنهم في عهدهم ولا يجوز لهم شراؤهم ولا استرقاقهم، وذكر عن الشافعي ما يدل على هذا ويحتمل جواز ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة لأنه لا يجب عليه من يدفع عنهم فلم يحرم استرقاقهم بخلاف أهل الذمة، فعلى هذا إن استولى المسلمون على الذين اشتروهم وأخذوا اموالهم لم يلزم رده إليهم على هذا القول، ومقتضى القول الأول وجوب رده كما يجب رد أموال أهل الذمة.
(مسألة) (وإن خاف نقض العهد منهم نبذ إليهم عهدهم لقول الله تعالى (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليم على سواء) .
أي أعلمهم بنقض عهدهم حتى تصير أنت وهم سواء في العلم، ولا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتى يكون عن امارة تدل عليه، ولا يفعل ذلك إلا الإمام لأن نقضها لخوف الخيانة يحتاج إلى نظر واجتهاد فافتقر إلى الحاكم ومتى
стр. 6335
نقضها وفي دارنا منهم أحد وجب ردهم إلى مأمنهم لانهم دخلوا بأمان فوجب ردهم إلى مأمنهم كما لو أفردهم بالأمان، وإن كان عليهم حق استوفي منهم، ولا يجوز أن يبدأهم بقتال ولا غارة قبل إعلامهم بنقض العهد للآية، ولأنهم آمنون منه بحكم العهد فلا يجوز قتلهم ولا أخذ مالهم، فإن قيل فقد قلتم أن الذمي إذا خيف منه الخيانة لم ينتقض عهده؟ قلنا عقد الذمة آكد لأنه يجب على الإمام إجابتهم إليه وهو نوع معاوضة وعقده مؤبد يخلاف الهدنة والأمان، ولهذا لو نقض بعض أهل الذمة لم ينتقض عهد الباقين بخلاف الهدنة، ولأن أهل الذمة في قبضه الإمام وتحت ولايته ولا يخشى الضرر كثيراً من نقضهم بخلاف أهل الهدنة فإنه يخشى منهم الغارة والضرر الكثير (فصل) ومن أتلف منهم شيئاً على مسلم فعليه ضمانه وإن قتله فعليه القصاص وإن قذفه فعليه الحد، لأن الهدنة تقتضي أمان المسلمين منهم وأمانهم من المسلمين في النفس والمال والعرض فلزمهم ما يجب في ذلك ومن شرب منهم خمراً أو زنى لم يحد لأنه حق لله تعالى ولم يلتزموه بالهدنة، وإن سرق مال مسلم
ففيه وجهان (أحدهما) لا يقطع لأنه حد خالص لله تعالى أشبه حد الزنا (والثاني) يقطع لأنه يجب صيانة لحق الآدمي فهو كحد القذف (فصل) وإذا نقضوا العهد حلت دماؤهم وأموالهم وسبي ذراريهم لأن النبي ﷺ قتل رجال بني قريظة حين نقضوا عهدهم وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم ولما هادن قريشاً فنقضوا عهده حل له منهم ما كان حرم عليه منهم، ولأن الهدنة عقد مؤقت ينتهي بانقضاء مدته فيزول بنقضه وفسخه كعقد الإجارة بخلاف عقد الذمة
стр. 6336
(باب عقد الذمة) لا يجوز عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه وبهذا قال الشافعي، ولا نعلم فيه خلافاً لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة، ولأنه عقد مؤبد فلم يجز أن يفتات به على الإمام، فإن فعله غيرهما لم يصح لكن إن عقده على مال لا يجوز أن يطلب منهم أكثر منه لزم الإمام إجابتهم إليه وعقدها عليه، والأصل في جواز عقد الذمة وأخذ الجزية الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وأما السنة فما روى المغيرة بن شعبة ﵁ انه قال لجند كسرى يوم نهاوند: أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية رواه البخاري: وعن بريدة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيراً وقال له إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منه وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) رواه مسلم في أخبار كثيرة وأجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة (مسألة) (ولا يجوز عقدها إلا لأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التدين
стр. 6337
بالتوارة والإنجيل كالسامرة والفرنج ومن له شبهة كتاب وهم المجوس وعنه يجوز عقدها لجميع الكفار إلا
عبدة الأوثان من العرب) وجملة ذلك أن الذين تقبل منهم الجزية صنفان أهل كتاب ومن له شبهة كتاب في ظاهر المذهب فأهل الكتاب اليهود والنصارى ومن دان بدينهم كالسامرة يدينون بالتوارة ويعملون بشريعة موسى وإنما خالفوهم في فروع دينهم وفرق النصارى من اليعقوبية والنسطورية والملكية والفرتج والروم والأرمن وغيرهم ممن دان بالأنجيل وانتسب إلى دين عيسى والعمل بشريعته فكلهم من أهل الأنجيل ومن عدا هؤلاء من الكفار فليسوا من أهل الكتاب بدليل قوله تعالى (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) فأما أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود فلا تقبل منهم الجزية لأنهم من غير الطائفتين ولأن هذه الصحف لم تكن فيها شرائع إنما هي مواعظ وأمثال كذلك وصف النبي ﷺ صحف إبراهيم وزبور داود في حديث أبي ذر، وأما الذين لهم شبهة كتاب فهم المجوس فإنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع فصار بذلك شبهة أوجبت حقن دمائهم وأخذ الجزية منهم ولم ينتهض في إباحة نكاح نسائهم ولا ذبائحهم هذا قول أكثر أهل العلم ونقل عن أبي ثور أنهم من أهل الكتاب وتحل ذبائحهم ونساؤهم لما روي عن علي ﵁ أنه قال أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم ودعي أهل مملكته وقال أتعلمون ديناً خيراً من دين آدم وقد أنكح بنيه بناته؟ فأنا على دين آدم قال فتابعه قوم وقاتلوا الذين يخالفونه حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسري بكتابهم ورفع العلم الذي
стр. 6338
في صدورهم فهم أهل كتاب وقد أخذ رسول الله ﷺ وأبو بكر - وأراه قال - وعمر منهم الجزية رواه الشافعي وسعيد وغيرهما ولأن النبي ﷺ قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولنا قول الله تعالى (ان تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) والمجوس من غير الطائفتين، وقول النبي ﷺ (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) فدل على أنهم غيرهم وروى البخاري بإسناده عن بجالة أنه قال: ولم يكن عمر ﵁ أخذ الجزية من المجوس
حتى قال له عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر ولو كانوا اهل كتاب لما وقف عمر في أخذ الجزية منهم مع أمر الله تعالى بأخذ الجزية من أهل الكتاب.
وما ذكروه هو الذي صار لهم به شبهة كتاب.
وما رووه عن علي فقد قال أبو عبيد لا أحسبه محفوظاً ولو كان له أصل لما حرم النبي ﷺ نساءهم وهو كان أولى بعلم ذلك، ويحوز أن يصح هذا الذي ذكر عن علي مع تحريم نسائهم لأن الكتاب المبيح لذلك هو الكتاب المنزل على إحدى الطائفتين وليس هؤلاء منهم ولأن كتابهم رفع فلم ينتهض للإباحة وثبت به حقن دمائهم، فأما قول أبي ثور في حل ذبائحهم ونسائهم فيخالف الإجماع فلا يلتفت إليه، وقول النبي ﷺ (سنو بهم سنة أهل الكتاب) أي في أخذ الجزية منهم إذا ثبت ذلك فإن أخذ الجزية من أهل الكتابين والمجوس اذا لم يكونوا من العرب ثابت بالإجماع لا نعلم فيه خلافا فان الصحابة ﵁ أجمعوا على ذلك وعمل به الخلفاء الراشدون ومن بعدهم مع دلالة الكتاب العزيز على أخذ الجزية من أهل الكتابين ودلالة السنة المذكورة على أخذها من المجوس فإن كانوا من العرب فحكمهم حكم العجم فيما ذكرنا وبه قال مالك والشافعي والاوزاعي وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو يوسف لا تؤخذ الجزية من العرب لأنهم شرفوا بكونهم من رهط النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 6339
ولنا عموم الآية وأن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى دومة الجندل فأخذ أكيدر دومة فصالحه على الجزية وهو من العرب رواه ابودواد وأخذ الجزية من نصارى نجران وهم عرب وبعث معاذاً إلى اليمن فقال إنك تأتي قوماً من أهل كتاب وأمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً ولو كانوا عرباً ولأن ذلك إجماع فإن عمر أراد أخذ الجزية من نصارى بني تغلب وابوا ذلك وسألوه أن يأخذ منهم مثلما يأخذ من المسلمين فأبى ذلك عليهم حتى لحقوا بالروم ثم صالحهم على ما يأخذ منهم عوضاً عن الجزية فالمأخوذ منهم جزية غير أنه على غير صفة جزية غيرهم ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعاً.
وقد ثبت بطريق القطع أن كثيراً من نصارى العرب ويهودهم كانوا في عصر الصحابة في بلاد الإسلام ولايجوز إقرارهم
فيها بغير جزية فثبت يقيناً انهم أخذوا الجزية منهم (فصل) ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين (أحدهما) التزام إعطاء الجزية في كل حول (والثاني) التزام أحكام الإسلام وهو قبول ما يحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ولقول النبي ﷺ في حديث بريدة (فادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم) ولا تعتبر حقيقة الإعطاء ولا جريان الأحكام لأن الإعطاء إنما يكون في آخر الحول والكف عنهم في ابتدائه عند البذل.
والمراد بقوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد) أي يلتزموا وهذا كقوله (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فإن المراد به التزام ذلك فإن الزكاة إنما يجب أداؤها عند الحول
стр. 6340
(فصل) فأما غير اليهود والنصارى والمجوس من الكفار فلا تقبل منهم الجزية ولا يقرون بها ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل هذا ظاهر المذهب.
وروى عنه الحسن بن ثواب أنها تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب لأن حديث بريدة يدل بعمومه على قبول الجزية من كل كافر إلا أنه خرج منه عبدة الأوثان من العرب لتغليظ كفرهم من وجهين (أحدهما) دينهم (والثاني) كونهم من رهط النبي ﷺ .
وقال الشافعي لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس لكن في أهل الكتب غير اليهود والنصارى مثل أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود ومن تمسك بدين آدم وجهان (أحدهما) يقرون بالجزية لأنهم أهل كتاب فأشبهوا اليهود والنصارى.
وقال أبو حنيفة تقبل من جميع الكفار إلا العرب لأنهم رهط النبي ﷺ فلا يقرون على غير دينه وغيرهم يقر بالجزية لأنه يقر بالاسترقاق فأقر بالجزية كالمجوس.
وعن مالك أنها تقبل من جميعهم إلا مشركي قريش لأنهم ارتدوا.
وعن الاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أنها تقبل من جميعهم وهو قول عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر لحديث بريدة ولأنه كافر فأقر بالجزية كأهل الكتاب ولنا قول الله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وقول النبي ﷺ (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها) وهذا عام خص منه جميع أهل الكتاب بالآية والمجوس بالسنة فمن عداهم من الكفار يبقى على قضية العموم وقد بينا أن
أهل الصحف من غير أهل الكتاب المراد بالآية
следующие страницы →