← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1153

الشرح الكبير على المقنع - ط المنار

ابن أبي عمر

Полный текст (7 422 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

(باب عقد الذمة) لا يجوز عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه وبهذا قال الشافعي، ولا نعلم فيه خلافاً لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة، ولأنه عقد مؤبد فلم يجز أن يفتات به على الإمام، فإن فعله غيرهما لم يصح لكن إن عقده على مال لا يجوز أن يطلب منهم أكثر منه لزم الإمام إجابتهم إليه وعقدها عليه، والأصل في جواز عقد الذمة وأخذ الجزية الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وأما السنة فما روى المغيرة بن شعبة ﵁ انه قال لجند كسرى يوم نهاوند: أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية رواه البخاري: وعن بريدة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيراً وقال له إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منه وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) رواه مسلم في أخبار كثيرة وأجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة (مسألة) (ولا يجوز عقدها إلا لأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التدين

стр. 6337

بالتوارة والإنجيل كالسامرة والفرنج ومن له شبهة كتاب وهم المجوس وعنه يجوز عقدها لجميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب) وجملة ذلك أن الذين تقبل منهم الجزية صنفان أهل كتاب ومن له شبهة كتاب في ظاهر المذهب فأهل الكتاب اليهود والنصارى ومن دان بدينهم كالسامرة يدينون بالتوارة ويعملون بشريعة موسى وإنما خالفوهم في فروع دينهم وفرق النصارى من اليعقوبية والنسطورية والملكية والفرتج والروم والأرمن وغيرهم ممن دان بالأنجيل وانتسب إلى دين عيسى والعمل بشريعته فكلهم من أهل الأنجيل ومن عدا هؤلاء من الكفار فليسوا من أهل الكتاب بدليل قوله تعالى (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) فأما أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود فلا تقبل منهم الجزية لأنهم من غير الطائفتين ولأن هذه الصحف لم تكن فيها شرائع إنما هي مواعظ وأمثال كذلك وصف النبي ﷺ صحف إبراهيم وزبور داود في حديث أبي ذر، وأما الذين لهم شبهة كتاب فهم المجوس فإنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع فصار بذلك شبهة أوجبت حقن دمائهم وأخذ الجزية منهم ولم ينتهض في إباحة نكاح نسائهم ولا ذبائحهم هذا قول أكثر أهل العلم ونقل عن أبي ثور أنهم من أهل الكتاب وتحل ذبائحهم ونساؤهم لما روي عن علي ﵁ أنه قال أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم ودعي أهل مملكته وقال أتعلمون ديناً خيراً من دين آدم وقد أنكح بنيه بناته؟ فأنا على دين آدم قال فتابعه قوم وقاتلوا الذين يخالفونه حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسري بكتابهم ورفع العلم الذي

стр. 6338

في صدورهم فهم أهل كتاب وقد أخذ رسول الله ﷺ وأبو بكر - وأراه قال - وعمر منهم الجزية رواه الشافعي وسعيد وغيرهما ولأن النبي ﷺ قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولنا قول الله تعالى (ان تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) والمجوس من غير الطائفتين، وقول النبي ﷺ (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) فدل على أنهم غيرهم وروى البخاري بإسناده عن بجالة أنه قال: ولم يكن عمر ﵁ أخذ الجزية من المجوس حتى قال له عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر ولو كانوا اهل كتاب لما وقف عمر في أخذ الجزية منهم مع أمر الله تعالى بأخذ الجزية من أهل الكتاب. وما ذكروه هو الذي صار لهم به شبهة كتاب. وما رووه عن علي فقد قال أبو عبيد لا أحسبه محفوظاً ولو كان له أصل لما حرم النبي ﷺ نساءهم وهو كان أولى بعلم ذلك، ويحوز أن يصح هذا الذي ذكر عن علي مع تحريم نسائهم لأن الكتاب المبيح لذلك هو الكتاب المنزل على إحدى الطائفتين وليس هؤلاء منهم ولأن كتابهم رفع فلم ينتهض للإباحة وثبت به حقن دمائهم، فأما قول أبي ثور في حل ذبائحهم ونسائهم فيخالف الإجماع فلا يلتفت إليه، وقول النبي ﷺ (سنو بهم سنة أهل الكتاب) أي في أخذ الجزية منهم إذا ثبت ذلك فإن أخذ الجزية من أهل الكتابين والمجوس اذا لم يكونوا من العرب ثابت بالإجماع لا نعلم فيه خلافا فان الصحابة ﵁ أجمعوا على ذلك وعمل به الخلفاء الراشدون ومن بعدهم مع دلالة الكتاب العزيز على أخذ الجزية من أهل الكتابين ودلالة السنة المذكورة على أخذها من المجوس فإن كانوا من العرب فحكمهم حكم العجم فيما ذكرنا وبه قال مالك والشافعي والاوزاعي وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو يوسف لا تؤخذ الجزية من العرب لأنهم شرفوا بكونهم من رهط النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 6339

ولنا عموم الآية وأن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى دومة الجندل فأخذ أكيدر دومة فصالحه على الجزية وهو من العرب رواه ابودواد وأخذ الجزية من نصارى نجران وهم عرب وبعث معاذاً إلى اليمن فقال إنك تأتي قوماً من أهل كتاب وأمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً ولو كانوا عرباً ولأن ذلك إجماع فإن عمر أراد أخذ الجزية من نصارى بني تغلب وابوا ذلك وسألوه أن يأخذ منهم مثلما يأخذ من المسلمين فأبى ذلك عليهم حتى لحقوا بالروم ثم صالحهم على ما يأخذ منهم عوضاً عن الجزية فالمأخوذ منهم جزية غير أنه على غير صفة جزية غيرهم ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعاً. وقد ثبت بطريق القطع أن كثيراً من نصارى العرب ويهودهم كانوا في عصر الصحابة في بلاد الإسلام ولايجوز إقرارهم فيها بغير جزية فثبت يقيناً انهم أخذوا الجزية منهم (فصل) ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين (أحدهما) التزام إعطاء الجزية في كل حول (والثاني) التزام أحكام الإسلام وهو قبول ما يحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ولقول النبي ﷺ في حديث بريدة (فادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم) ولا تعتبر حقيقة الإعطاء ولا جريان الأحكام لأن الإعطاء إنما يكون في آخر الحول والكف عنهم في ابتدائه عند البذل. والمراد بقوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد) أي يلتزموا وهذا كقوله (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فإن المراد به التزام ذلك فإن الزكاة إنما يجب أداؤها عند الحول

стр. 6340

(فصل) فأما غير اليهود والنصارى والمجوس من الكفار فلا تقبل منهم الجزية ولا يقرون بها ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل هذا ظاهر المذهب. وروى عنه الحسن بن ثواب أنها تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب لأن حديث بريدة يدل بعمومه على قبول الجزية من كل كافر إلا أنه خرج منه عبدة الأوثان من العرب لتغليظ كفرهم من وجهين (أحدهما) دينهم (والثاني) كونهم من رهط النبي ﷺ . وقال الشافعي لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس لكن في أهل الكتب غير اليهود والنصارى مثل أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود ومن تمسك بدين آدم وجهان (أحدهما) يقرون بالجزية لأنهم أهل كتاب فأشبهوا اليهود والنصارى. وقال أبو حنيفة تقبل من جميع الكفار إلا العرب لأنهم رهط النبي ﷺ فلا يقرون على غير دينه وغيرهم يقر بالجزية لأنه يقر بالاسترقاق فأقر بالجزية كالمجوس. وعن مالك أنها تقبل من جميعهم إلا مشركي قريش لأنهم ارتدوا. وعن الاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أنها تقبل من جميعهم وهو قول عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر لحديث بريدة ولأنه كافر فأقر بالجزية كأهل الكتاب ولنا قول الله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وقول النبي ﷺ (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها) وهذا عام خص منه جميع أهل الكتاب بالآية والمجوس بالسنة فمن عداهم من الكفار يبقى على قضية العموم وقد بينا أن أهل الصحف من غير أهل الكتاب المراد بالآية

стр. 6341

(فصل) وإذا عقد الذمة لكفار زعموا انهم أهل كتاب ثم تبين أنهم عبدة أوثان فالعقد باطل من أصله وإن شككنا فيهم لم ينتقض عهدهم بالشك لأن الأصل صحته فإن أقر بعضهم بذلك دون بعض قبل من المقر في نفسه فانتقض عهده وبقي فيمن لم يقر بحاله (مسألة) (فأما الصابئ فينظر فيه فإن انتسب إلى أحد الكتابين فهو من أهله وإلا فلا) اختلف أهل العلم في الصابئين فروي عن أحمد أنهم جنس من النصارى وقال في موضع آخر بلغني أنهم يسبتون فإذا اسبتوا فهم من اليهود وروي عن عمر ﵁ أنه قال هم يسبتون وقال مجاهد هم بين اليهود والنصارى وقال السدي والربيع هم بين أهل الكتاب وتوقف الشافعي في أمرهم والصحيح ما ذكر ههنا من أنه ينظر فيهم فإن كانوا يوافقون أحد أهل الكتابين في نبيهم وكتابهم فهم منهم، وإن خالفوهم في ذلك فليسوا منهم ويروى عنهم أنهم يقولون الفلك حي ناطق وإن الكواكب السبعة آلهة فإن كانوا كذلك فهم كعبدة الأوثان (مسألة) (ومن تهود أو تنصر بعد بعث نبينا محمد ﷺ أو ولد بين أبوين لا يقبل الجزية من أحدهما فعلى وجهين) (أحدهما) أنه لا فرق بين من دخل في دينهم قبل تبديل كتابهم أو بعده ولا بين أن يكون ابن كتابيين أو كتابي ووثني وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال أبو الخطاب من دخل في دينهم بعد تبديل كتابهم لم تقبل منهم الجزية لأنه دخل في دين باطل ومن ولد بين أبوين احدهما تقبل من

стр. 6342

الجزية والآخر لا تقبل منه ففيه وجهان وهذا مذهب الشافعي والصحيح الأول لعموم النص فيهم ولأنهم من أهل دين تقبل منه الجزية فيقرون بها كغيرهم وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه من بذل الجزية والتزام أحكام الملة لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية أي يلتزموا أداءها فما لم يوجد ذلك يبقوا على إباحة دمائهم وأموالهم (مسألة) (ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب وتؤخذ الزكاة من أموالهم مثلي ما تؤخذ من أموال المسلمين) بنو تغلب بن وائل من العرب من ولد ربيعة بن نزار انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية فدعاهم عمر ﵁ إلى بذل الجزية فأبوا وأنفوا وقالوا نحن عرب خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة فقال عمر لا آخذ من مشرك صدقة فلحق بعضهم بالروم فقال النعمان بن زرعة يا أمير المؤمنين إن القوم لهم بأس وشدة وهم عرب يأنفون من الجزية فلا تعن عدوك عليك بهم وخذ منهم الجزية باسم الصدقة فبعث عمر في طلبهم فردهم وضعف عليهم من الابل من كل خمس شاتين ومن كل ثلاثين بقرة تبيعين ومن كل عشرين دينارا دينارا ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم وفيما

стр. 6343

سقت السماء الخمس وفيما سقي بنضح أو غرب أو دولاب العشر فاستقر ذلك من قول عمر ولم يخالفه أحد من الصحابة فكان اجماعا وقال به العلماء بعد الصحابة منهم ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابو حنيفة وأبو يوسف والشافعي ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أبى على نصارى بني تغلب الا الجزية وقال لا والله إلا الجزية وإلا فقد آذنتكم بالحرب وحجته عموم الاية فيهم وروي عن علي ﵁ انه قال لأن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي لاقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم وذلك أن عمر ﵁ صالحهم على أن لا ينصروا أولادهم والعمل على الأول لما ذكرنا من الإجماع وأما الآية فإن هذا المأخوذ منهم جزية باسم الصدقة فإن الجزية يجوز أخذها عروضا (مسألة) (ويؤخذ ذلك من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم) كذلك قال أصحابنا تؤخذ الزكاة منهم مضاعفة من مال من تؤخذ منه الزكاة لو كان مسلما وبه قال أبو حنيفة وأبو عبيد وذكر أنه قول أهل الحجاز فعلى هذا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم. زمناهم ومكافيفهم وشيوخهم إلا أن أبا حنيفة لا يوجب الزكاة في مال صبي ولا مجنون من المسلمين فكذلك الواجب في مال بني تغلب لا يجب على صبي ولا مجنون إلا في الارض خاصة وذهب الشافعي إلى أن هذا جزية تؤخذ باسم الصدقة فعنده لا تؤخذ ممن لا جزية عليه كالنساء والصبيان والمجانين قال وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى وأبوا الاسم

стр. 6344

وقال النعمان بن زرعة خذ منهم الجزية باسم الصدقة ولأنهم أهل ذمة فكان الواجب عليهم جزية لا صدقة كغيرهم من أهل الذمة ولأنه مال يؤخذ من أهل الكتاب لحقن دمائهم فكان جزية كما لو أخذ باسم الجزية، يحققه أن الزكاة طهرة وهؤلاء لاطهرة لهم قال شيخنا وهذا أقيس وحجة أصحابنا أنهم سألوا عمر أن يأخذ منهم ما يأخذ بعضهم من بعض فأجابهم عمر إليه بعد الامتناع منه والذي يأخذه بعضنا من بعض هو الزكاة من كل مال زكوي لأي مسلم كان من صغير وكبير وصحيح ومريض كذلك المأخوذ من بني تغلب ولأن نساءهم وصبيانهم صينوا عن السبي بهذا الصلح ودخلوا في حكمه فجاز أن يدخلوا في الواجب به كالرجال والعقلاء وعلى هذا من كان منهم فقيراً أو له مال غير زكوي كالرقيق والدور وثياب البذلة فلا شئ عليه كما لا يجب ذلك على أهل الزكاة من المسلمين ولا تؤخذ من مال لم يبلغ نصابا (مسألة) (ومصرفه مصرف الجزية اختاره القاضي) وهو مذهب الشافعي لأنه مأخوذ من مشرك ولأنه جزية مسماة بالصدقة وقال أبو الخطاب مصرفه مصرف الصدقات لأنه مسمى باسم الصدقة مسلوك به فيمن يؤخذ منه مسلك الصدقة فيكون مصرفه مصرفها والأول أقيس وأصح لأن معنى الشئ أخص به من اسمه ولهذا لو سمي رجل أسداً

стр. 6345

لم يصر له حكم المسمى بذلك ولأنه لو كان صدقة على الحقيقة لجاز دفعها إلى فقراء من أخذت منهم لقول النبي ﷺ في الصدقة (تؤخذ من اغنائهم فترد في فقرائهم) (فصل) فإن بذل التغلبي أداء الجزية وتحط عنه الصدقة لم يقبل منه لأن الصلح وقع على هذا فلا يغير، ويحتمل أن يقبل لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) أي يبذلوها وهذا قد أعطى الجزية وإن كان الذي بذلها منهم حربياً قبلت منه للآية وخبر بريدة ولأنه لم يدخل في صلح الأولين فلم يلزمه حكمه وهو كتابي باذل للجزية فيحقن بها دمه فإن أراد الإمام نقض العهد وتجديد الجزية عليهم كفعل عمر بن عبد العزيز لم يكن له ذلك لأن عقد الذمة على التأبيد وقد عقده معهم عمر بن الخطاب ﵁ فلم يكن لأحد نقضه ماداموا على العهد. (مسألة) (ولا يؤخذ ذلك من كتابي غيرهم، وقال القاضي تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم) وجملته أن سائر أهل الكتاب من اليهود والنصارى العرب وغيرهم تقبل منهم الجزية إذا بذلوها ولا يؤخذون بما يؤخذ به نصارى بني تغلب، نص عليه أحمد رواه عن الزهري قال ونذهب إلى أن يأخذ من مواشي بني تغلب خاصة الصدقة وتضعف عليهم كما فعل عمر ﵁ وذكر القاضي وابو الخطاب ان حكم من تنصر من تنوخ وبهرا وتهود من كنانة وحمير وتمجس من

стр. 6346

تميم حكم بني تغلب سواء وذكر أن الشافعي نص عليه في تنوخ وبهرا لأنهم من العرب فأشبهوا بني تغلب. ولنا عموم قوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وأن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن فقال (خذ من كل حالم دينارا) وهم عرب وقبل الجزية من أهل نجران وكانوا نصارى وأخذ الجزية من اكيدر دومة وهو عربي ولأن حكم الجزية ثابت بالكتاب والسنة في كل كتابي عربياً كان أو غير عربي إلا ما خص به بنو تغلب لمصالحة عمر إياهم ففيما عداهم يبقى الحكم على عموم الكتاب وشواهد السنة ولم يكن بين غير بني تغلب وبين أحد من الأئمة صلح كصلح بني تغلب فيما بلغنا ولا يصح قياس غير بني تغلب عليهم لوجوه (أحدها) أن قياس سائر العرب عليهم يخالف النصوص التي ذكرناها ولا يصح قياس المنصوص عليه على ما يلزم منه مخالفة النص (الثاني) أن العلة في بني تغلب الصلح ولم يوجد في غيرهم ولا يصح القياس مع تخلف العلة (الثالث) أن بني تغلب كانوا ذوي قوة وشوكة لحقوا بالروم وخيف منهم الضرر إن لم يصالحوا ولم يوجد هذا في غيرهم فإن وجد في غيرهم فامتنعوا من أداء الجزية أو خيف الضرر بترك مصالحتهم فرأى الإمام مصالحتهم على أداء الجزية باسم الصدقة جاز إذا كان المأخوذ منهم بقدر ما يجب عليهم

стр. 6347

من الجزية أو زيادة، وذكر هذا أبو إسحاق في كتابه المهذب والحجة في هذا قصة بني تغلب وقياسهم عليهم قال علي بن سعيد سمعت أحمد يقول أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم صدقة ولا في أموالهم إنما تؤخذ منهم الجزية، إلا أن يكونوا صولحوا على أن تؤخذ منهم كما صنع عمر بنصارى بني تغلب حين أضعف عليهم الصدقة في صلحه إياهم إذا كانوا في معناهم، أما قياس من لم يصالح عليهم في جعل جزيتهم صدقة فلا يصح (مسألة) (ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا زمن ولا أعمى ولا عبد ولا فقير يعجز عنها) لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن الجزية لا تجب على صبي ولا امرأة ولا زائل العقل وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحاب الشافعي وأبي ثور وقال ابن المنذر لا أعلم من غيرهم خلافاً وقد دل على هذا أن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد أن اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان ولا تضربوها إلا على من جرت عليه الموسى رواه سعيد وابو عبيد والاثرم والمجنون كالصبي لأنه غير ملكف وقول النبي ﷺ لمعاذ (خذ من كل حالم دينارا) دليل على أنها لا تجب على غير بالغ ولأن الجزية تؤخذ لحقن الدم وهؤلاء دماؤهم محقونة بدونها ولا تجب على خنثى مشكل لأنه لا يعلم كونه رجلاً (فصل) فإن بذلت المرأة الجزية أخبرت أنها لا جزية عليها، فإن قالت أنا أتبرع بها أو أنا أؤديها قبلت منها ولم تكن جزية بل هبة تلزم بالقبض فإن شرطته على نفسها ثم رجعت فلها ذلك وإن بذلت

стр. 6348

الجزية لتصير إلى دار الإسلام مكنت من ذلك بغير شئ ولكن يشترط عليها التزام أحكام الإسلام وتعقد لها الذمة ولا يؤخذ منها شئ إلا أن تتبرع به بعد معرفتها ان لا شئ عليها وإن أخذ منها على غير ذلك رد إليها لأنها بذلته معتقدة أنه عليها وأن دمها لا يحقن إلا به فأشبه من أدى مالاً إلى من يعتقد أنه له فتبين أنه ليس له. ولو حاصر المسلمون حصناً ليس فيه إلا نساء فبذلن الجزية لتعقد لهن الذمة عقدت لهن بغير شئ وحرم استرقاقهن كالتي قبلها سواء، فان كان في الحصن رجال فسألوا الصلح لتكون الجزية على النساء والصبيان دون الرجال لم يصح لأنهم جعلوها على غير من هي عليه وبرءوا من تجب عليه، وان بذلوا جارية عن الرجال ويؤدوا عن النساء والصبيان من أموالهم جاز وكان ذلك زيادة في جزيتهم وإن كان من أموال النساء والصبيان لم يجز لأنهم يجعلون الجزية على من لا تلزمه فإن كان القدر الذي بذلوه من أموالهم مما يجزئ في الجزية أخذوه وسقط الباقي (فصل) ولا تجب على زمن ولا أعمى ولا شيخ فان ولا على من هو في معناهم كمن به داء لا يستطيع معه القتال ولا يرجى برؤه وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه تجب عليهم الجزية بناء على قتلهم وقد سبق قولنا في أنهم لا يقتلون فلا تجب عليهم الجزية كالنساء والصبيان (فصل) وأما العبد فإن كان لمسلم لم تجب عليه الجزية بغير خلاف علمناه لأنه يروي عن النبي ﷺ أنه قال (لا جزية على العبد) وعن ابن عمر مثله ولأن ما لزم العبد إنما يؤديه سيده فيؤدي إيجابها على

стр. 6349

العبد المسلم إلى إيجابها على المسلم وإن كان لكافر فكذلك نص عليه أحمد وهو قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا جزية على العبد وذلك لما ذكرنا من الحديث ولأنه محقون الدم أشبه النساء والصبيان، أو لا مال له أشبه الفقير العاجز ويحتمل كلام الخرقي وجوب الجزية عليه وروي ذلك عن أحمد لما روي عن عمر ﵁ أنه قال لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا مما في أيديهم لأنهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضاً ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذا نفذه الله منه قال أحمد ﵁ أراد عمر أن تتوفر الجزية لأن المسلم إذا اشتراه سقط عنه أداء ما يؤخذ منه والذمي يؤدي عنه وعن مملوكة خراج جماجمهم وروي عن علي مثل حديث عمر ولأنه ذكر مكلف قوي مكتسب فوجبت عليه الجزية كالحر والأول أولى (فصل) واذا اعتق لزمته الجزية لما يستقبل سواء كان معتقه مسلماً أو كافراً هذا الصحيح عن أحمد وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وبه قال سفيان والليث والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعنه يقر بغير جزية وروي نحوه عن الشعبي لأن الولاء شعبة كشعبة الرق وهو ثابت عليه ووهن الخلال هذه الرواية وقال هذا قول قديم رجع عنه وعن مالك كقول الجماعة وعنه إن كان المعتق له مسلماً فلا جزية عليه لأن عليه الولاء لمسلم أشبه ما لو كان عليه الرق ولنا أنه حر مكلف موسر من أهل القتال فلم يقر في دارنا بغير جزية كالحر الأصلي. إذا ثبت

стр. 6350

هذا فإن حكمه فيما يستقبل من جزيته حكم من بلغ من صبيانهم أو أفاق من مجانينهم على ما ذكرناه (فصل) ومن بعضه حر فقياس المذهب أن عليه من الجزية بقدر ما فيه من الحرية لأنه حكم يختلف بالرق والحرية فينقسم على قدر ما فيه كالإرث ولا جزية على أهل الصوامع من الرهبان ويحتمل أن تجب عليهم وهذا أحد قولي الشافعي وروي عن بن عبد العزيز أنه فرض على رهبان الديارات الجزية على كل راهب ديناراً لعموم النصوص ولأنه كافر صحيح حر قادر على أداء الجزية فأشبه الشماس. ووجه الأول أنهم محقونون بدون الجزية فلم تجب عليهم كالنساء وقد ذكرنا دليل تحريم قتلهم والنصوص مخصوصة بالنساء وهؤلاء في معناهن ولأنه لا كسب له أشبه الفقير غير المعتمل (فصل) ولا تجب على فقير عاجز عنها وهذا أحد قولي الشافعي وله قول أنها تجب عليه لقوله ﵇ (خذ من كل حالم ديناراً) ولأن دمه غير محقون فلا تسقط عنه الجزية كالقادر ولنا أن عمر ﵁ جعل الجزية على ثلاث طبقات جعل أدناها على الفقير المعتمل فدل على أن غير المعتمل لا شئ عليه ولأن الله تعالى قال (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ولأنه مال يجب بحلول الحول فلم يلزم الفقير العاجز كالزكاة ولأن الخراج ينقسم إلى خراج أرض وخراج رؤوس وقد ثبت أن خراج الأرض على قدر طاقتها وما لا طاقة له لا شئ عليه كذلك خراج الرؤوس وأما الحديث فيتناول الأخذ ممن يمكن الأخذ منه والأخذ ممن لا يقدر على شئ مستحيل فكيف يؤمر به ويؤخذ منه بقدر ما أدرك؟

стр. 6351

(مسألة) (ومن بلغ أو أفاق أو استغنى فهو من أهلها بالعقد الأول ويؤخذ منه في آخر الحول بقدر ما أدرك) ولا يحتاج إلى استئناف عقد له وقال القاضي في موضع هو مخير بين التزام العقد وبين أن يرد إلى مأمنه فيجاب إلى ما يختار وهو قول الشافعي ولنا أنه لم يأت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه تجديد عقد لهؤلاء ولأن العقد يكون مع سادتهم فدخل فيه سائرهم ولأنه عقد مع الكفار فلم يحتج إلى استئنافه كذلك كالهدنة ولأن الصغار والمجانين دخلوا في العقد فلم يحتج إلى تجديده له عند تغير أحوالهم كغيرهم. إذا ثبت هذا فإن كان البلوغ والافاقة في أول أحوال قومه أخذ منه في آخره معهم، وإن كان في أثناء الحول أخذ منه عند تمام الحول بقسطه ولم يترك حتى يتم لئلا يحتاج إلى أفراده بحول وضبط حول كل إنسان منهم وربما أفضى إلى أن يصير لكل واحد حول مفرد وذلك يشق. (مسألة) (ومن كان يجن ويفيق لفقت إفاقته فإذا بلغت حولاً أخذت منه ويحتمل أن يؤخذ في آخر كل حول بقدر إفاقته منه) . إذا كان يجن ويفيق لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يكون غير مضبوط مثل من يفيق ساعة من أيام أو من يوم أو يصرع ساعة من يوم أو من أيام فهذا يعتبر حالة بالأغلب لأن هذه الإفاقة غير ممكن ضبطها فلم تمكن مراعاتها.

стр. 6352

(الثاني) أن يكون مضبوطاً مثل من يجن يوماً ويفيق يومين أو أقل من ذلك أو أكثر إلا أنه مضبوط ففيه وجهان (أحدهما) يعتبر الأغلب من حاله وهذا مذهب أبي حنيفة لأنه يجن ويفيق فاعتبر الأغلب من حاله كالأول. (والوجه الثاني) تلفق أيام إفاقته لأنه لو كان مفيقاً في الكل وجبت الجزية فإذا وجدت الإفاقة في بعض الحول وجب فيه ما يجب به لو انفرد فعلى هذا الوجه في أخذ الجزية وجهان (أحدهما) أن الأيام تلفق فإذا بلغت حولاً أخذت منه لأن أخذها قبل ذلك أخذ لجزيته قبل كمال الحول فلم يجز كالصحيح (والثاني) يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر ما أفاق منه كما لو أفاق في بعض الحول إفاقة مستمرة، وإن كان يجن ثلث الحول ويفيق ثلثيه أو بالعكس ففيه الوجهان كما ذكرنا، فإن استوت إفاقته وجنونه مثل من يجن يوماً ويفيق يوماً أو يجن نصف الحول ويفيق نصفه عادة لفقت إفاقته لأنه تعذر اعتبار الأغلب لعدمه فتعين الوجه الآخر. (الحال الثالث) أن يجن نصف حول ثم يفيق إفاقة مستمرة أو يفيق نصفه ثم يجن جنوناً مستمراً فلا جزية عليه في الثاني وعليه في الأول من الجزية بقدر ما أفاق كما تقدم.

стр. 6353

(مسألة) (وتقسم الجزية بينهم فيجعل على الغني ثمانية وأربعون درهماً وعلى المتوسط أربعة وعشرون وعلى الفقير اثنا عشر) . الكلام في هذه المسألة في فصلين (أحدهما) في تقدير الجزية (والثاني) في كمية مقدارها فأما الأول ففيه ثلاث روايات. (إحداهن) أنها مقدرة بمقدار لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي لأن النبي ﷺ فرضها مقدرة بقوله لمعاذ (خذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر) وفرضها عمر بمحضر من الصحابة فلم ينكر فيكون إجماعاً. [والثانية] أنها غير مقدرة بل يرجع فيها الى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان قال الأثرم قيل لأبي عبد الله فيزاد اليوم وينقص؟ يعني من الجزية قال نعم يزاد فيها وينقص على قدر طاقتهم على قدر ما يرى الإمام وذكر أنه زيد عليهم فيما مضى درهمان فجعله خمسين، قال الخلال العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة بأنه لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص على ما رواه عنه أصحابه في عشرة مواضع فاستقر قوله على ذلك وهو قول الثوري وابي عبيد لأن النبي ﷺ أمر معاذاً أن يأخذ من كل حالم دينارا وصالح أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر والنصف في رجب، رواهما أبو داود، وعمر ﵁ جعل الجزية على ثلاث طبقات على الغني ثمانية وأربعين درهماً وعلى المتوسط

стр. 6354

اربعه وعشرين درهما وعلى الفقير اثني عشر درهماً وصالح بني تغلب على مثلي ما على المسلمين من الزكاة وهذا يدل على أنها إلى رأي الإمام لولا ذلك لكانت على قدر واحد في جميع هذه المواضع ولم يجز أن يختلف فيها، قال البخاري قال ابن عيينة عن ابن أبي نجيح قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال جعل ذلك من قبل اليسار ولأنها عوض فلم تتقدر كالأجرة. (والرواية الثالثة) إن أقلها مقدر بدينار وأكثرها غير مقدر وهو اختيار أبي بكر فتجوز الزيادة ولا يجوز النقص لأن عمر زاد على ما فرض رسول الله ﷺ ولم ينقص منه وروي أنه زاد على ثمانية وأربعين فجعلها خمسين. (والفصل الثاني) أننا إذا قلنا بالرواية الأولى وإنها مقدرة فقدرها في حق الموسر ثمانية وأربعون درهماً وفي حق المتوسط أربعة وعشرون وفي حق الفقير اثنا عشر وهذا قول أبي حنيفة، وقال مالك هي في حق الغني أربعون درهماً أو أربعة دنانير وفي حق الفقير عشرة دراهم أو دينار وروي ذلك عن عمر وقال الشافعي الواجب دينار في حق كل أحد لحديث معاذ إلا أن المستحب جعلها على ثلاث طبقات كما ذكرناه لنخرج من الخلاف قالوا وقضاء النبي ﷺ أولى بالاتباع من غيره. ولنا حديث عمر ﵁ وهو حديث لا شك في صحته وشهرته بين الصحابة ﵃ وغيرهم ولم ينكره منكر ولا خالف فيه وعمل به من بعده من الخلفاء رحمة الله عليهم فكان

стр. 6355

إجماعاً لا يجوز الخطأ عليه وقد وافق الشافعي على استحباب العمل به وأما حديث معاذ فلا يخلوا من وجهين (أحدهما) أنه فعل ذلك لغلبة الفقر عليهم بدليل قول مجاهد أن ذلك من أجل اليسار (والوجه الثاني) أن يكون التقدير غير واجب بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام ولأن الجزية وجبت صغارا وعقوبة فتخلف (فتختلف) باختلاف أحوالهم كالعقوبة في البدن منهم من يقتل ومنهم من يسترق ولا يصح كونها عوضاً عن سكنى الدار لأنها لو كانت كذلك لوجبت على النساء والصبيان والزمنى والمكافيف (مسألة) (والغني منهم من عده الناس غنياً في ظاهر المذهب) وليس ذلك بمقدر لأن التقديرات بابها التوقيف ولا توقيف في هذا فيرجع فيه إلى العادة والعرف (مسألة) (وإذا بذلوا الواجب عليهم لزم قبوله وحرم قتالهم) لقول الله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) الآية إلى قوله (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فجعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم فمتى بذلوها لم يجز قتادة (قتالهم) للآية ولقول النبي ﷺ في حديث بريدة (فادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم) فإن قلنا أن الجزية غير مقدرة الأكثر لم يحرم قتالهم حتى يجيبوا إلى بذل مالا يجوز طلب أكثر منه (فصل) وتجب الجزية في آخر كل حول وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة تجب بأوله ويطالب بها عقيب العقد وتجب الثانية في أول الحول الثاني لقول تعالى (حتى يعطوا الجزية) ولنا أنه مال يتكرر بتكرر الحول أو يؤخذ في آخر كل حول فلم يجب بأوله كالزكاة والدية

стр. 6356

وأما الآية فالمراد بها التزام إعطائها دون نفس الإعطاء ولهذا يحرم قتالهم بمجرد بذلها قبل أخذها (فصل) وتؤخذ الجزية مما يسر من أموالهم ولا يتعين أخذها من ذهب ولا فضة نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وأبي عبيد وغيرهم لأن النبي ﷺ لما بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافر وكان النبي ﷺ يأخذ من نصارى نجران ألفي حلة وكان عمر ﵁ يؤتى بنعم كثيرة يأخذها من الجزية وروي عن علي ﵁ أنه كان يأخذ الجزية من كل ذي صنعة من متاعه من صاحب الإبر إبراً ومن صاحب المسال مسالاً ومن صاحب الحبال حبالاً ثم يدعوا الناس فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه ثم يقول خذوا أو اقتسموا فيقولون لا حاجة لنا فيه فيقول أخذتم خياره وتركتم شراره لتحملنه. إذا ثبت هذا فإنه يؤخذ بالقيمة لقوله ﵇ (أو عدله معافر) ويجوز أخذ ثمن الخمر والخنزير منهم عن جزية رؤوسهم وخراج أرضهم لقول عمر ﵁ ولوهم ببيعها وخذوا أنتم من الثمن ولأنها من أموالهم التي نقرهم على اقتنائها فجاز أخذ أثمانها كثيابهم (مسألة) (ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه الجزية وإن مات اخذت من تركته وقال القاضي تسقط) إذا أسلم من عليه الجزية في أثناء الحول لم تجب الجزية عليه وإن أسلم بعده سقطت عنه وهذا قول مالك والثوري وأبي عبيد وأصحاب الرأي وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إن أسلم بعد الحول

стр. 6357

لم تقسط لأنه دين استحقه صاحبه واستحق المطالبة به في حال الكفر فلم يسقط بالاسلام كالخراج وسائر الديون وللشافعي فيما إذا أسلم في أثناء الحول قولان (أحدهما) عليه من الجزية بالقسط كما لو أفاق بعض الحول ولنا قول الله تعالى (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال (ليس على المسلمين جزية) رواه الخلال وذكر أن أحمد سئل عنه فقال ليس يرويه غير جرير قال وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال إن أخذها في كفه ثم أسلم ردها عليه وروي عن النبي ﷺ أنه قال (لا ينبغي للمسلم أن يؤدي الخراج) يعني الجزية وروي أن ذمياً أسلم فطولب بالجزية وقيل إنما أسلم تعوذا قال إن في الإسلام معاذا فرفع إلى عمر فقال عمر إن في الإسلام معاذا وكتب أن لا تؤخذ منه الجزية رواه أبو عبيد بنحو من هذا المعنى ولأن الجزية صغار فلا تؤخذ منه كما لو أسلم قبل الحول ولأن الجزية عقوبة تجب بسبب الكفر فيسقطها الإسلام كالقتل وبهذا فارق الخراج وسائر الديون (فضل) فان مات بعد الحول لم تسقط عنه الجزية في ظاهر كلام أحمد وهو مذهب الشافعي وحكي عن القاضي أنها تسقط بالموت وهو قول أبي حنيفة ورواه أبو عبيد عن عمر بن عبد العزيز لأنها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود ولأنها تسقط بالإسلام فسقطت بالموت كما قبل الحول ولنا أنه دين وجب عليه في حياته فلم يسقط بموته كديون الآدميين والحد إنما سقط لفوات محله وتعذر استيفائه بخلاف الجزية وفارق الإسلام فإنه الأصل والجزية بدل عنه فإذا أتى بالأصل استغنى

стр. 6358

عن البدل كمن وجد الماء لا يحتاج معه إلى التيمم بخلاف الموت ولأن الإسلام قربة وطاعة يصلح أن يكون معاذاً من الجزية كما ذكر عمر ﵁ والموت بخلافه (مسألة) (وإن اجتمعت عليه جزية سنين استوفيت كلها ولم تتداخل) وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة تتداخل لأنها عقوبة فتتداخل كالحدود. ولنا انها حق مال يجب في آخر كل حول فلم يتداخل كالدية (مسألة) (وتؤخذ الجزية منهم في آخر الحول ويمتهنون عند أخذها ويطال قيامهم وتجر أيديهم) وإنما تؤخذ منهم في آخر الحول لانه مال يتكرر بتكرر الحول فلم يؤخذ قبل حولان الحول كالزكاة ويمتهنون عند أخذها منهم وهكذا ذكر أبو الخطاب، ويطال قيامهم وتجر أيديهم عند أخذها لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وقد قيل الصغار التزام الجزية وجريان أحكامنا عليهم، ولا يقبل منهم إرسالها بل يحضر الذمي بنفسه ويؤديها وهو قائم والآخذ جالس (فصل) ولا يعذبون في أخذها ولا يشط عليهم فإن عمر ﵁ أتي بمال كثير قال أبو عبيد أحسبه من الجزية فقال إني لأظنكم قد أهلكتم الناس، قالوا لا والله ما أخذنا إلا عفواً صفواً قال فلا سوط ولا بوط؟ قالوا نعم قال الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني، وقدم عليه سعيد بن عامر بن خريم فعلاه عمر بالدرة فقال سعيد سبق سيلك مطرك إن تعاقب نصبر وإن

стр. 6359

تعف نشكر وإن تستعتب نعتب فقال ما على المسلمين إلا هذا مالك تبطئ بالخراج فقال أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على اربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكنا نؤخرهم إلى غلاتهم فقال عمر: لا أعزلنك ماحييت. رواهما أبو عبيد وقال إنما وجه التأخير إلى الغلة الرفق بهم، وقال ولم نسمع في استيداء الجزية والخراج وقتاً غير هذا واستعمل علي بن أبي طالب ﵁ رجلا على عكبرى فقال له علي رءوس الناس لا تدعن لهم درهماً من الخراج وشدد عليه القول ثم قال ائتني عند انتصاف النهار فأتا فقال اتي كنت أمرتك بأمر وإني أتقدم إليك الآن فإن عصيتني نزعتك لا تبيعن لم في خراجهم حماراً ولا بقرة ولا كسوة شتاء ولا صيف وارفق بهم وافعل بهم (مسألة) (ويجوز أن يشترط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين ويبين أيام الضيافة وقدر الطعام والادام والعلف وعدد من يضاف ولا يجب ذلك من غير شرط وقيل يجب) يجوز أن يشترط في عقد الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين لما روى الإمام أحمد ﵁ بإسناده عن الأحنف بن قيس أن عمر شرط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة وأن يصلحوا القناطر وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته قال إبن المنذر وروي عن عمر أنه قضى على أهل الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين ثلاثة أيام وعلف دوابهم وما يصلحهم. روي أن النبي ﷺ ضرب على نصارى أيلة ثلثمائة دينار وكانوا

стр. 6360

ثلثمائة نفس في كل سنة وأن يضيفوا من يمر بهم من المسلمين ثلاثة أيام، ولأن في هذا ضربا من المصلحة لأنهم ربما امتنعوا من مبايعة المسلمين إضراراً بهم فإذا شرطت عليهم الضيافة أمن ذلك فإن لم يشرط عليهم الضيافة لم يجب ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي. ومن أصحابنا من قال تجب بغير شرط لوجوبها على المسلمين والأول أصح لأنه أداء مال لم يجب بغير رضاهم كالجزية، فإن شرطها عليهم فامتنعوا من قبولها لم تعقد لهم الذمة، وقال الشافعي لا يجوز قتالهم عليها (فصل) قال القاضي إذا شرط الضيافة فإنه يشترط أن يبين أيام الضيافة وعدد من يضاف من الرجالة والفرسان فيقول تضيفون في كل سنة مائة يوم في كل يوم عشرة من المسلمين من خبز كذا وادم كذا وللفرس من الشعير كذا ومن التبن كذا لأنه من الجزية فاعتبر العلم به كالنقود فإن شرط الضيافة مطلقاً صح في الظاهر لأن عمر ﵁ شرط عليهم ذلك من غير عدد ولا تقدير قال أبو بكر وإذا أطلق مدة الضيافة فالواجب يوم وليلة لأن ذلك الواجب على المسلمين ولا يكلفون الذبيحة ولا أن يضيفوهم بأرفع من طعامهم لأنه يروي عن عمر ﵁ انه شكى إليه أهل الذمة أن المسلمين يكلفونهم الذبيحة فقال أطعموهم مما تأكلون وقال الأوزاعي ولا يكلفون الذبيحة ولا الشعير، وقال القاضي إذا وقع الشرط مطلقاً لم يلزمهم الشعير ويحتمل أن يلزمهم ذلك للخيل لأن العادة جارية به فهو كالخبز للرجل. وللمسلمين النزول في الكنائس والبيع فإن عمر ﵁ صالح أهل الشام على أن يوسعوا أبواب بيعهم وكنائسهم

стр. 6361

لمن يجتاز بهم من المسلمين ليدخلوا ركبانا، فإن لم يجدوا مكاناً فلهم النزول في الأفنية وفضول المنازل، وليس لهم تحويل صاحب المنزل منه، والسابق إلى منزل أحق به ممن يأتي بعده فإن امتنع بعضهم من القيام بما يجب عليه أجبر عليه، فإن امتنع الجميع أجبروا، فإن لم يكن إلا بالقتال قوتلوا فإن قاتلوا انتقض عهدهم (فصل) وتقسم الضيافة بينهم على قدر جزيتهم فإن جعل الضيافة مكان الجزية جاز لما روي أن عمر ﵁ كتب لراهب من أهل الشام إني إن وليت هذه الأرض اسقطت عنك خراجك فلما قدم الجابية وهو أمير المؤمنين جاءه بكتابة فعرفه وقال إني جعلت لك ما ليس لي ولكن اختر إن شئت أداء الجزية وإن شئت أن تضيف المسلمين فاختار الضيافة ويشترط أن تكون الضيافة يبلغ قدرها أقل الجزية إذا قلنا مقدرة الأقل لئلا ينقص خراجه عن أقل الجزية وذكر أن من الشروط الفاسدة لاكتفاء بضيافتهم عن جزيتهم لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية فإذا لم يعطوها كان قتالهم مباحاً. ولنا أن هذا اشتراط مال يبلغ قدر الجزية فجاز كما لو شرط عليهم عدل الجزية معافر. وإذا شرط في عقد الذمة شرطاً فاسداً مثل أن يشترط أن لا جزية عليهم أو إظهار المنكر أو اسكانهم الحجاز أو إدخالهم الحرم أو نحو هذا فقال القاضي يفسد به العقد لأنه شرط فعل محرم فأفسد العقد كما لو شرط قتال المسلمين ويحتمل أن يبطل الشرط وحده بناء على الشروط الفاسدة في البيع والمضاربة.

стр. 6362

(مسألة) (وإذا تولى إمام فعرف قدر جزيتهم وما شرط عليهم أقرهم عليه، فإن لم يعرف رجع إلى قولهم فإن بان كذبهم رجع عليهم وعند أبي الخطاب أنه يسأنف العقد معهم) إذا مات الإمام أو عزل وتولى غيره فإن عرف ما عقد عليه عقد الذمة الذي قبله وكان عقداً صحيحاً أقرهم عليه ولم يحتج إلى تجديد عقد لأن الخلفاء ﵃ أقروا عهد عمر ولم يجددوا عقداً سواه ولأن عقد الذمة مؤبد، وإن كان فاسداً رده إلى الصحة وإن لم يعرف فشهد به مسلمان أو كان أمره ظاهراً عمل به، وإن أشكل عليهم سألهم فإن ادعوا العقد بما يصلح أن يكون جزية قبل قولهم وعمل به، وإن شاء استحلفهم استظهاراً فإن بان له بعد ذلك انهم نقصوا من المشروط رجع عليهم بما نقصوا، وإن قالوا كنا نؤدي كذا وكذا جزية وكذا كذا هدية استحلفهم يميناً واحدة لأن الظاهر فيما يدفعونه أنه جزية وإن قال بعضهم كنا نؤدي ديناراً وقال بعضهم كنا نؤدي دينارين أخذ كل واحد منهم بإقراره ولم يقبل قول بعضهم على بعض لأن أقوالهم غير مقبولة واختار أبو الخطاب أنه إذا لم يعرف ما عوهدوا عليه استأنف العقد معهم، لأن عقد الاول لم يثبب عنده فصار كالمعدوم (فصل) وما يذكره بعض أهل الذمة من أن معهم كتاب النبي ﷺ بإسقاط الجزية عنهم لا يصح وسئل عن ذلك أبو العباس بن سريج فقال ما نقل ذلك أحد من المسلمين وروي أنهم طولبوا بذلك فأخرجوا كتاباً وذكروا أنه بخط علي كتبه عن النبي ﷺ كان فيه شهادة سعد بن معاذ

стр. 6363

ومعاوية وتاريخه بعد موت سعد قبل إسلام معاوية فاستدل بذلك على بطلانه ولأن قولهم غير مقبول ولم يرو ذلك من يعتمد على روايته. (مسألة) (وإذا عقد الذمة معهم كتب أسماءهم وأسماء آبائهم وعددهم وحلاهم ودينهم) . فيقول فلان بن فلان الفلاني طويل أو قصير أو ربعة أسمر أو أبيض أدعج العين أقنى الأنف مقرون الحاجبين ونحو هذا من صفاتهم التي يتميز بها كل واحد عن الآخر ويجعل لكل طائفة عريفاً يجمعهم عند أداء الجزية ويعرف من يبلغ من غلمانهم ويفيق من مجانينهم ويقدم من غيابهم ومن يوت أو يسلم أو يستغني أو يسافر لأنه أمكن لاستيفاء الجزية وأحوط ويبين حال من خرق شيئاً من أحكام الذمة أو نقض العهد ليفعل فيه الإمام ما يجب عليه ومن أخذت منه الجزية كتب له براءة لتكون له حجة إذا احتاج إليها. (باب أحكام الذمة) يلزم الإمام أن يأخذهم بأحكام المسلمين في ضمان النفس والمال والعرض وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله. لا يجوز عقد الذمة إلا بشرطين بذل الجزية والتزام أحكام الملة من حقوق الآدميين في العقود والمعاملات وأروش الجنايات وقيم المتلفات فإن عقد على غير هذا من الشروط لم يصح لقول الله تعالى

стр. 6364

(حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ، قيل الصغار جريان أحكام المسلمين عليهم وتلزمه إقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه في دينهم كالزنا والسرقة والقتل والقذف سواء كان الحد واجباً في دينهم أو لا لما روى أنس أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها فقتله رسول الله ﷺ متفق عليه وروى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أتي بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما فرجمهما ولأنه محرم في دينه وقد التزم حكم الإسلام فأما ما يعتقدون حله كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير ونكاح ذوات المحارم للمجوس فيقرون عليه ولا حد عليهم فيه لأنهم يعتقدون حله ولأنهم يقرون على كفرهم وهو أعظم إثماً من ذلك إلا أنهم يمنعون من إظهاره بين المسلمين لأنهم يتأذون بذلك والمأخوذ من أحكام الذمة ينقسم خمسة أقسام. (أحدهما) ما لا يتم العقد إلا بذكره وهو التزام الجزية وجريان أحكامنا عليهم فإن أخل بذكر واحد منها لم يصح العقد لما ذكرنا وفي معنى ذلك ترك قتال المسلمين فإنه وإن لم يذكر لفظه فذكر المعاهدة يقتضيه. (القسم الثاني) ما فيه ضرر على المسلمين في أنفسهم وذلك ثمانية خصال تذكر في نقض العهد إن شاء الله تعالى. (القسم الثالث) ما فيه غضاضة على المسلمين وهو ذكر ربهم أو كتابهم أو رسولهم بسوء (القسم الرابع) ما فيه إظهار منكر كإحداث الكنائس والبيع ورفع أصواتهم بكتابهم وإظهار

стр. 6365

الخمر والخنزير والضرب بالنواقيس وتعليه البنيان على أبنيه المسلمين والإقامة بالحجاز ودخول الحرم فيلزمهم الكف عنه سواء شرط عليهم أو لم يشرط في جميع هذه الأقسام الأربعة [القسم الخامس] التميز عن المسلمين في أربعة أشياء لباسهم وشعورهم وركوبهم وكناهم (مسألة) (ويلزمهم التميز عن المسلمين في شعورهم بحذف مقادم رؤوسهم وترك الفرق وكناهم فلا يتكنون بكنى المسلمين كأبي القاسم وأبي عبد الله وركوبهم بترك الركوب على السروج وركوبهم عرضاً على الأكف، ولباسهم فيلبسون ثياباً تخالف ثيابهم كالعسلي والأدكن، وتشد الخرق في قلانسهم وعمائمهم، ويؤمر النصارى بشد الزنار فوق ثيابهم ويجعل في رقابهم خواتيم الرصاص وجلجل يدخل معهم الحمام) ينبغي للإمام إذا عقد الذمة أن يشرط عليهم شروطاً نحو ما شرطه عمر ﵁، وقد رويت عن عمر ﵁ أخبار منها ما رواه الخلال باسناده عن إسماعيل بن عياش قال حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم: إنا حين قدمنا بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا شرطنا لك على أنفسنا وأهل ملتنا إنا لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديراً ولا قلاية ولا صومعه راهب ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ماكان منها في خطط المسلمين ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار وإن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوساً وأن لا نكتم أمر من غش المسلمين وأن لا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا، ولا نظهر علينا صليباً

стр. 6366

ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون ولا نخرج صليبنا ولا كتابنا في سوق المسلمين وأن لا نخرج باعوثا ولا شعانين ولا نرفع أصواتنا مع أمواتنا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لانجاورهم بالخنازير ولا نبيع الخمور ولا نظهر شركاً ولا نرغب في ديننا ولا ندعوا إليه أحداً ولا نتخذ شيئاً من الرقيق الذين جرت عليهم سهام المسلمين وأن لا نمنع أحداً من أقربائنا إذا أرادوا الدخول في الإسلام، وأن نلزم زينا حيثما كنا وأن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مراكبهم ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا ولا نفرق نواصينا ونشد الزنانير على اوساطنا ولاننقش خواتيمنا بالعربية ولا نركب السروج ولا نتخذ شيئاً من السلاح ولا نحمله ولا نتقلد السيوف وأن نوقر المسلمين في مجالسهم ونرشد الطريق ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا المجالس ولا نطلع عليهم في منازلهم ولا نعلم أولادنا القرآن ولا يشارك أحد منا مسلماً في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيام ونطعمه من أوسط ما نجد، ضمنا ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكننا، وأن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق. فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر أن امض لهم ما سألوا وألحق فيها حرفين اشترطها عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم أن لا يشتروا من سبايانا شيئاً ومن ضرب مسلماً عمداً فقد خلع عهده. فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك وأقر من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط

стр. 6367

فهذه جملة شروط عمر ﵁ فلذلك يلزمهم التميز عن المسلمين في شعورهم بحذف مقادم رؤوسهم ويجزون شعورهم ولا يفرقونها لأن النبي ﷺ فرق شعره وأما في الكنى فلا يتكنوا بكنى المسلمين كأبي القاسم وأبي عبد الله وأبي محمد وأبي بكر وأبي الحسن وشبهها. ولا يمنعون الكنى بالكلية فإن أحمد قال لطبيب نصراني يا أبا إسحاق وقال أليس النبي ﷺ حين دخل على سعد بن عبادة قال (ألا ترى ما يقول أبو الحباب؟) وقال لأسقف نجران (أسلم يا أبا الحارث) وقال عمر لنصراني يا أبا حسان أسلم تسلم وأما الركوب فلا يركبون الخيل لأن ركوبها عز، ولهم ركوب ما سواها، ولا يركبون السروج ويركبون عرضاً، رجلاه إلى جانب وظهره إلى آخر لما روى الخلال أن عمر ﵁ أمر بجز نواصي أهل الذمة وإن يشدوا المناطق وأن يركبوا الأكف بالعرض وأما في اللباس فهو أن يلبسوا ما يخالف لونه لون سائر الثياب فعاده اليهود العسلي وعادة النصارى الأدكن وهو الفاختي وبكون هذا في ثوب واحد لا في جميعها ليقع الفرق ويضيف إلى هذا شد الزنار فوق ثوبه إن كان نصرانياً أو علامة أخرى إن لم يكن نصرانياً كخرقة يجعلها في عمامته أو قلنسوة يخالف لونه لونها ويختم في رقبته خاتم رصاص أو حديد وجلجل يدخل معه الحمام ليفرق بينه وبين

стр. 6368

المسلمين، ويلبس نساؤهم ثوباً ملوناً وتشد الزنار تحت ثيابها وتختم في رقبتها، ولا يمنعون فاخر الثياب ولا العمائم ولا الطيلسان لحصول التميز بالغيار والزنار (مسألة) (ولا يجوز تصديرهم في المجالس ولا بداءتهم بالسلام فإن سلم أحدهم قيل له عليكم) لا يتصدرون في المجالس عند المسلمين لأن في كتاب عبد الرحمن بن غنم وأن نوقر المسلمين في مجالسهم ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا المجالس ولا يبدؤون بالسلام وذلك لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروي عن النبي ﷺ أنه قال (أنا غادون غداً فلا تبدءوهم بالسلام وإن سلموا عليكم فقولوا وعليكم) رواه الإمام أحمد بإسناده عن أنس ﵁ أنه قال نهينا أو أمرنا أن لا نزيد أهل الكتاب على وعليكم وقال أبو داود قلت لأبي عبد الله ﵀ تكره أن يقول الرجل للذمي كيف أصبحت؟ أو كيف؟ أنت أو كيف حالك؟ قال نعم أكرهه هذا عندي أكثر من السلام وقال أبو عبد الله ﵀ إذا لقيته في طريق فلا توسع له لما تقدم من حديث أبي هريرة وروي عن ابن عمر أنه مر على رجل فسلم عليه فقيل إنه كافر فقال رد علي ما سلمت عليك فرد عليه فقال أكثر الله مالك وولدك ثم التفت إلى أصحابه فقال أكثر للجزية وقال يعقوب بن يحيى سألت أبا عبد الله ققلت نعامل اليهود والنصارى ونأتيهم في منازلهم وعندهم قوم

стр. 6369

مسلمون انسلم عليهم قال نعم تنوي السلام على المسلمين وسئل عن مصافحة أهل الذمة فكرهه (فصل) ولا يجوز تمكينهم من شراء مصحف ولا حديث رسول الله ﷺ ولا فقه وإن فعل فالشراء باطل لأن ذلك يتضمن ابتذاله وكره أحمد بيعهم الثياب المكتوب عليها ذكر الله تعالى قال منها سألت أبا عبد الله هل يكره للمسلم أن يعلم غلاما مجوسيا شيئا من القرآن؟ قال إن أسلم فنعم وإلا فأكره أن يضع القرآن في غير موضعه قلت فنعلمه أن يصلي على النبي ﷺ قال نعم وقال الفضل ابن زياد سألت أبا عبد الله عن الرجل يرهن المصحف عند أهل الذمة قال لا نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (مسألة) (وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان) تهنئتهم وتعزيتهم تخرج على عيادتهم فيها روايتان (إحداهما) لا نعودهم لأن النبي ﷺ نهى عن بداءتهم بالسلام وهذا في معناه (والثانية) تجوز لأن النبي ﷺ أتى غلاماً من اليهود كان مريضاً يعوده فقعد عند رأسه فقال (له أسلم) فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال أطع أبا القاسم فأسلم فقام النبي ﷺ فقال (الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) رواه البخاري (مسألة) (ويمنعون من تعلية البنيان على المسلمين وفي مساواتهم وجهان) لقولهم في شروطهم ولا نطلع عليهم في منازلهم ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال (الإسلام

стр. 6370

يعلو ولا يعلى) ولأن في ذلك رتبة على المسلمين فمنعوا منه كما يمنعون التصدير في المجالس وإنما يمنع من تعليته على المسلم المجاور له ولا يمنع من تعليتها على من ليس بمجاور له لأن الضرر إنما يحصل عليه دون غيره وفي المساواة وجهان (أحدهما) يجوز لأنه لا يفضي إلى علو الكفر (والثاني) المنع لقوله ﵇ (الإسلام يعلو ولا يعلى) ولأنهم منعوا من مساواة المسلمين في لباسهم وشعورهم وركوبهم وكذلك في بنيانهم فإن كان للذمي دار عالية فملك المسلم داراً إلى جانبها أو بنى المسلم إلى جنب دار الذمي داراً دونها أو اشترى ذمي داراً عالية من المسلم فله سكنى داره ولا يلزمه هدمها لأنه ملكها على هذه الصفة ولأنه لم يعل على المسلمين شيئاً ويحتمل أن يلزمه لقوله ﵇ (الإسلام يعلو ولا يعلى) فإن انهدمت داره العالية ثم جدد بناءه لم تجز له تعليته على بناء المسلمين وإن انهدم ما علا منها لم تكن له اعادته فإن تشعث منه شئ ولم ينهدم فله رمه وإصلاحه لأنه ملك استدامته فملك رم شعثه كالكنيسة (مسألة) (وإن ملكوا داراً عالية من مسلم لم يجب نقضها لأنهم ملكوها على هذه الصفة) ويحتمل أن يجب لقولهم فيما شرطوا على أنفسهم ولا نطلع عليهم في منازلهم ولقوله ﵇ (الإسلام يعلو ولا يعلى) (مسألة) (ويمنعون من إحداث الكنائس والبيع ولا يمنعون رم شعثها وفي بناء ما استهدم منها روايتان) أمصار المسلمين ثلاثة أقسام (أحدها) ما مصره المسلمون كالبصرة والكوفة وبغداد وواسط فلا يجوز فيه إحداث كنيسة ولا بيعة ولا مجتمع لصلاتهم ولا يجوز صلحهم على ذلك لما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا فيه ناقوساً ولا يشربوا فيه خمراً ولا يتخذوا فيه خنزيراً رواه الإمام أحمد واحتج

стр. 6371

به ولأن هذا البلد ملك للمسلمين ولا يجوز أن يبنوا فيه مجامع للكفر وما وجد في هذه البلاد من البيع والكنائس مثل كنيسة الروم في بغداد فهذه كانت في قرى أهل الذمة فأقرت على ما كانت عليه (القسم الثاني) ما فتحه المسلمون عنوة فلا يجوز احداث شئ من ذلك فيه لأنها صارت ملكاً للمسلمين وما فيه من ذلك ففيه وجهان (أحدهما) يجب هدما (هدمها) وتحرم تبقينه (تبقيته) لأنها بلاد مملوكة للمسلمين فلم يجز أن تكون فيها بيعة كالبلاد التي اختطها المسلمون (والثاني) يجوز لأن في حديث ابن عباس أيما مصر مصرته العجم ثم فتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم ولأن الصحابة ﵃ فتحوا كثيراً من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئاً من الكنائس ويشهد بصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة ومعلوم أنها لم تحدث فلزم أن تكون موجودة فأبقيت، وقد كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عماله أن لا تهدموا بيعه ولا كنيسة ولا بيت نار ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير (القسم الثالث) ما فتح صلحاً وهو نوعان (أحدهما) أن يصالحهم على أن الأرض لهم، ولنا الخراج عنها فلم احداث ما يخنارون لأن الدار لهم (الثاني) أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح من إحداث ذلك وعمارته لأنه إذا جاز أن يصالحهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن بعض البلد لهم ويكون موضع الكنائس والبيع معنا والاولى أن يصالحهم على ما صالحهم عليه عمر رضي الله

стр. 6372

عنه ويشترط عليهم الشروط المذكورة في كتاب عبد الرحمن بن غنم وفيه أن لا تحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا صومعة راهب ولا قلاية، وإن وقع الصلح مطلقاً من غير شرط عمل على ما وقع عليه صلح عمر وأخذوا بشروطه، فأما الذين صالحهم عمر وعقد معهم الذمة فهم على ما في كتاب عبد الرحمن بن غنم مأخوذون بشروطه كلها وما وجدوا في بلاد المسلمين من الكنائس والبيع فهي على ما كانت عليه في زمن من فتحها ومن بعدهم وكل موضع قلنا بجواز إقرارها لم يجز هدمها ولهم رم ما تشعث منها وإصلاحها لأن المنع من ذلك يفضي إلى خرابها فجرى مجرى هدمها فأما إن استهدمت كلها ففيها روايتان (إحداهما) لا يجوز وهو قول بعض أصحاب الشافعي (والثانية) يجوز وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه بناء لما استهدم أشبه بناء بعضها إذا انهدم ورم شعثها ولأن استدامتها جائزة وبناؤها كاستدامتها وحمل الخلال قول أحمد لهم أن يبنوا ما انهدم منها على ماذا انهدم بعضها ومنعه من بناء ما انهدم على ما إذا انهدمت كلها فجمع بين الروايتين. ووجه الرواية الأولى أن في كتاب أهل الجزيرة لعياض بن غنم ولا نجدد ما خرب من كنائسنا، وروى كثير بن مرة قال علي سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول قال رسول الله ﷺ (لا تبنى الكنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها) ولأنه بناء كنيسة في دار الإسلام فلم يجز كما لو ابتدأ بناءها وفارق رم ماشعث فإنه إبقاء واستدامة وهذا إحداث (مسألة) (ويمنعون من إظهار المنكر وضرب الناقوس والجهر بكتابهم) يمنعون من إظهار المنكر كالخمر والخنزير وضرب الناقوس ورفع أصواتهم بكتابهم وإظهار أعيادهم

стр. 6373

وصلبهم لأن في شروطهم لعبد الدحمن بن غنم أن لا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في صلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون وأن لا نخرج صليباً ولا كتابا في سوق المسلمين وأن لا نخرج باعوثا ولا شعانين ولا نرفع أصواتنا مع موتانا وأن لا نجاورهم بالخنازير ولا نظهر شركا وقد ذكرنا بقية الكتاب (مسألة) (وإن صولحوا في بلادهم على إعطاء الجزية لم يمنعوا شيئاً من ذلك ولم يؤخذوا بغيار ولا زنار ولا تغيير شعورهم ولا مراكبهم) لأنهم في بلدانهم فلم يمنعوا من إظهار دينهم كأهل الحرب في الهدنة (مسألة) (ويمنعون من دخول الحرم) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لهم دخوله كالحجاز ولا يستوطنون به ولهم دخول الكعبة والمنع من الاستيطان لا يمنع الدخول والتصرف كالحجاز ولنا قوله تعالى (إنما المشركون نجس فلا يقوبوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) والمراد به الحرم بدليل قوله (سبحانه سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) وإنما أسري به من بيت أم هانئ وهو خارج المسجد ويخالفه الحجاز لأن الله تعالى منع منه مع إذنه في الحجاز فإن هذه الآية نزلت واليهود بخيبر والمدينة وغيرهما من الحجاز ولم يمنعوا الإقامة به وأول من أجلاهم عمر ﵁ ولأن الحرم أشرف لتعلق النسك به ويحرم شجرة وصيده والملتجئ إليه فلا يصح قياس غيره عليه (مسألة) (فإن قدم رسول لا بدله من لقاء الإمام خرج إليه ولم يأذن له فإن دخل عزر وهدد وأخرج فإن مرض أو مات أخرج وإن دفن نبش وأخرج إلا أن يكون قد بلي)

стр. 6374

إذا أراد كافر الدخول إلى الحرم منع على ما ذكرنا فإن كانت معه تجارة أو ميرة خرج إليه من يشتري منه ولم يمكن من الدخول للآية وإن كان رسولا إلى الإمام بالحرم خرج إليه من يسمع رسالته فإن قال لابد لي من لقاء الإمام خرج إليه الإمام ولم يأذن له فإن دخل عالماً بالمنع عزر وإن دخل جاهلاً هدد وأخرج فإن مرض بالحرم أو مات أخرج ولم يدفن به لأن حرمه الحرم أعظم ويفارق الحجاز من وجهين (أحدهما) أن دخوله إلى الحرم حرام وإقامته به حرام بخلاف الحجاز (والثاني) أن خروجه من الحرم سهل ممكن لقرب الحل منه وخروجه من الحجاز في مرضه صعب ممتنع وإن دفن نبش وأخرج لأنه إذا لم يجز دخوله في حياته فدفن جيفته أولى أن لا يجوز فإن كان قد بلي أو يصعب إخراجه لنتنه وتقطعه ترك للمشقة فيه (فصل) فإن صالحهم الامام على دخول الحرم بعوض فالصلح باطل فان دخلوا إلى الموضع الذي صالحهم عليه لم يرد عليهم العوض لانهم قد استوفوا ما صالحهم عليه، وان وصلوا إلى بعضه أخذ من العوض بقدره، ويحتمل أن يرد عليهم العوض بكل حال لأن ما استوفوه لا قيمة له، والعقد لم يوجب العوض لبطلانه (مسألة) (ويمنعون من الإقامة بالحجاز كالمدينة واليمامة وخيبر وفدك وما والاها) وبهذا قال مالك والشافعي إلا أن مالكا قال أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها لأن رسول الله ﷺ قال (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) وروى أبو داود بإسناده عن عمر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلماً) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وعن ابن عباس قال: أوصى رسول الله ﷺ بثلاثة أشياء قال (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) وسكت عن الثالث رواه أبو داود

стр. 6375

وجزيرة العرب مابين الوادي إلى أقصى اليمن قاله سعيد بن عبد العزيز، وقال الاصمعي وابو عبيد هي من ريف العراق إلى عدن طولا ومن تهامة وما وراها إلى أطراف الشام عرضاً وقال أبو عبيدة هي من حفر أبي موسى إلى اليمن طولا ومن رمل تبرين إلى منقطع السماوة عرضا وقال الخيل إنما قيل لها جزيرة العرب لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها ونسبت إلى العرب لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها. قال أحمد جزيرة العرب المدينة وما والاها يعني أن الممنوع من سكنى الكفار به المدينة وما والاها وهو مكة والمدينة وخيبر والينبع وقيل ومخاليفها وما والاها وهو قول الشافعي لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن، وقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال آخر ما تكلم به النبي ﷺ أنه قال (أخرجوا اليهود من الحجاز) وأما إخراج أهل نجران منه فلأن النبي ﷺ صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز وإنما سمي حجازا لأنه؟ حجز بين تهامة ونجد (مسألة) (فإن دخلوا بتجارة لم يقيموا في موضع واحد أكثر من أربعة أيام) يجوز لهم دخول الحجاز لتجارة لأن النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر ﵁ وأتاه شيخ بالمدينة وقال: أنا الشيخ النصراني وإن عاملك عشرني مرتين فقال عمر وأنا الشيخ الحنيف، وكتب له عمر ألا يعشروا في السنة إلا مرة فعلى هذا لا يأذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيام على ماروى عمر ﵁ ثم ينتقل عنه، وقال القاضي يقيمون أربعة أيام حد ما يتم المسافر الصلاة والحكم في دخولهم إلى الحجاز في اعتبار الإذن كالحكم في دخول أهل الحرب دار الإسلام لا يجوز إلا بإذن الإمام فيأذن لهم إذا رأى المصلحة فيه (مسألة) (فإن مرض لم يخرج حتى يبرأ وإن مات دفن به) إذا مرض بالحجاز جازت له الإقامة لمشقة الانتقال على المريض وتجوز الإقامة
следующие страницы →