← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1153

الشرح الكبير على المقنع - ط المنار

ابن أبي عمر

Полный текст (7 422 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

به ولأن هذا البلد ملك للمسلمين ولا يجوز أن يبنوا فيه مجامع للكفر وما وجد في هذه البلاد من البيع والكنائس مثل كنيسة الروم في بغداد فهذه كانت في قرى أهل الذمة فأقرت على ما كانت عليه (القسم الثاني) ما فتحه المسلمون عنوة فلا يجوز احداث شئ من ذلك فيه لأنها صارت ملكاً للمسلمين وما فيه من ذلك ففيه وجهان (أحدهما) يجب هدما (هدمها) وتحرم تبقينه (تبقيته) لأنها بلاد مملوكة للمسلمين فلم يجز أن تكون فيها بيعة كالبلاد التي اختطها المسلمون (والثاني) يجوز لأن في حديث ابن عباس أيما مصر مصرته العجم ثم فتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم ولأن الصحابة ﵃ فتحوا كثيراً من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئاً من الكنائس ويشهد بصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة ومعلوم أنها لم تحدث فلزم أن تكون موجودة فأبقيت، وقد كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عماله أن لا تهدموا بيعه ولا كنيسة ولا بيت نار ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير (القسم الثالث) ما فتح صلحاً وهو نوعان (أحدهما) أن يصالحهم على أن الأرض لهم، ولنا الخراج عنها فلم احداث ما يخنارون لأن الدار لهم (الثاني) أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح من إحداث ذلك وعمارته لأنه إذا جاز أن يصالحهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن بعض البلد لهم ويكون موضع الكنائس والبيع معنا والاولى أن يصالحهم على ما صالحهم عليه عمر رضي الله

стр. 6372

عنه ويشترط عليهم الشروط المذكورة في كتاب عبد الرحمن بن غنم وفيه أن لا تحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا صومعة راهب ولا قلاية، وإن وقع الصلح مطلقاً من غير شرط عمل على ما وقع عليه صلح عمر وأخذوا بشروطه، فأما الذين صالحهم عمر وعقد معهم الذمة فهم على ما في كتاب عبد الرحمن بن غنم مأخوذون بشروطه كلها وما وجدوا في بلاد المسلمين من الكنائس والبيع فهي على ما كانت عليه في زمن من فتحها ومن بعدهم وكل موضع قلنا بجواز إقرارها لم يجز هدمها ولهم رم ما تشعث منها وإصلاحها لأن المنع من ذلك يفضي إلى خرابها فجرى مجرى هدمها فأما إن استهدمت كلها ففيها روايتان (إحداهما) لا يجوز وهو قول بعض أصحاب الشافعي (والثانية) يجوز وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه بناء لما استهدم أشبه بناء بعضها إذا انهدم ورم شعثها ولأن استدامتها جائزة وبناؤها كاستدامتها وحمل الخلال قول أحمد لهم أن يبنوا ما انهدم منها على ماذا انهدم بعضها ومنعه من بناء ما انهدم على ما إذا انهدمت كلها فجمع بين الروايتين. ووجه الرواية الأولى أن في كتاب أهل الجزيرة لعياض بن غنم ولا نجدد ما خرب من كنائسنا، وروى كثير بن مرة قال علي سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول قال رسول الله ﷺ (لا تبنى الكنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها) ولأنه بناء كنيسة في دار الإسلام فلم يجز كما لو ابتدأ بناءها وفارق رم ماشعث فإنه إبقاء واستدامة وهذا إحداث (مسألة) (ويمنعون من إظهار المنكر وضرب الناقوس والجهر بكتابهم) يمنعون من إظهار المنكر كالخمر والخنزير وضرب الناقوس ورفع أصواتهم بكتابهم وإظهار أعيادهم

стр. 6373

وصلبهم لأن في شروطهم لعبد الدحمن بن غنم أن لا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في صلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون وأن لا نخرج صليباً ولا كتابا في سوق المسلمين وأن لا نخرج باعوثا ولا شعانين ولا نرفع أصواتنا مع موتانا وأن لا نجاورهم بالخنازير ولا نظهر شركا وقد ذكرنا بقية الكتاب (مسألة) (وإن صولحوا في بلادهم على إعطاء الجزية لم يمنعوا شيئاً من ذلك ولم يؤخذوا بغيار ولا زنار ولا تغيير شعورهم ولا مراكبهم) لأنهم في بلدانهم فلم يمنعوا من إظهار دينهم كأهل الحرب في الهدنة (مسألة) (ويمنعون من دخول الحرم) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لهم دخوله كالحجاز ولا يستوطنون به ولهم دخول الكعبة والمنع من الاستيطان لا يمنع الدخول والتصرف كالحجاز ولنا قوله تعالى (إنما المشركون نجس فلا يقوبوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) والمراد به الحرم بدليل قوله (سبحانه سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) وإنما أسري به من بيت أم هانئ وهو خارج المسجد ويخالفه الحجاز لأن الله تعالى منع منه مع إذنه في الحجاز فإن هذه الآية نزلت واليهود بخيبر والمدينة وغيرهما من الحجاز ولم يمنعوا الإقامة به وأول من أجلاهم عمر ﵁ ولأن الحرم أشرف لتعلق النسك به ويحرم شجرة وصيده والملتجئ إليه فلا يصح قياس غيره عليه (مسألة) (فإن قدم رسول لا بدله من لقاء الإمام خرج إليه ولم يأذن له فإن دخل عزر وهدد وأخرج فإن مرض أو مات أخرج وإن دفن نبش وأخرج إلا أن يكون قد بلي)

стр. 6374

إذا أراد كافر الدخول إلى الحرم منع على ما ذكرنا فإن كانت معه تجارة أو ميرة خرج إليه من يشتري منه ولم يمكن من الدخول للآية وإن كان رسولا إلى الإمام بالحرم خرج إليه من يسمع رسالته فإن قال لابد لي من لقاء الإمام خرج إليه الإمام ولم يأذن له فإن دخل عالماً بالمنع عزر وإن دخل جاهلاً هدد وأخرج فإن مرض بالحرم أو مات أخرج ولم يدفن به لأن حرمه الحرم أعظم ويفارق الحجاز من وجهين (أحدهما) أن دخوله إلى الحرم حرام وإقامته به حرام بخلاف الحجاز (والثاني) أن خروجه من الحرم سهل ممكن لقرب الحل منه وخروجه من الحجاز في مرضه صعب ممتنع وإن دفن نبش وأخرج لأنه إذا لم يجز دخوله في حياته فدفن جيفته أولى أن لا يجوز فإن كان قد بلي أو يصعب إخراجه لنتنه وتقطعه ترك للمشقة فيه (فصل) فإن صالحهم الامام على دخول الحرم بعوض فالصلح باطل فان دخلوا إلى الموضع الذي صالحهم عليه لم يرد عليهم العوض لانهم قد استوفوا ما صالحهم عليه، وان وصلوا إلى بعضه أخذ من العوض بقدره، ويحتمل أن يرد عليهم العوض بكل حال لأن ما استوفوه لا قيمة له، والعقد لم يوجب العوض لبطلانه (مسألة) (ويمنعون من الإقامة بالحجاز كالمدينة واليمامة وخيبر وفدك وما والاها) وبهذا قال مالك والشافعي إلا أن مالكا قال أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها لأن رسول الله ﷺ قال (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) وروى أبو داود بإسناده عن عمر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلماً) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وعن ابن عباس قال: أوصى رسول الله ﷺ بثلاثة أشياء قال (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) وسكت عن الثالث رواه أبو داود

стр. 6375

وجزيرة العرب مابين الوادي إلى أقصى اليمن قاله سعيد بن عبد العزيز، وقال الاصمعي وابو عبيد هي من ريف العراق إلى عدن طولا ومن تهامة وما وراها إلى أطراف الشام عرضاً وقال أبو عبيدة هي من حفر أبي موسى إلى اليمن طولا ومن رمل تبرين إلى منقطع السماوة عرضا وقال الخيل إنما قيل لها جزيرة العرب لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها ونسبت إلى العرب لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها. قال أحمد جزيرة العرب المدينة وما والاها يعني أن الممنوع من سكنى الكفار به المدينة وما والاها وهو مكة والمدينة وخيبر والينبع وقيل ومخاليفها وما والاها وهو قول الشافعي لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن، وقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال آخر ما تكلم به النبي ﷺ أنه قال (أخرجوا اليهود من الحجاز) وأما إخراج أهل نجران منه فلأن النبي ﷺ صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز وإنما سمي حجازا لأنه؟ حجز بين تهامة ونجد (مسألة) (فإن دخلوا بتجارة لم يقيموا في موضع واحد أكثر من أربعة أيام) يجوز لهم دخول الحجاز لتجارة لأن النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر ﵁ وأتاه شيخ بالمدينة وقال: أنا الشيخ النصراني وإن عاملك عشرني مرتين فقال عمر وأنا الشيخ الحنيف، وكتب له عمر ألا يعشروا في السنة إلا مرة فعلى هذا لا يأذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيام على ماروى عمر ﵁ ثم ينتقل عنه، وقال القاضي يقيمون أربعة أيام حد ما يتم المسافر الصلاة والحكم في دخولهم إلى الحجاز في اعتبار الإذن كالحكم في دخول أهل الحرب دار الإسلام لا يجوز إلا بإذن الإمام فيأذن لهم إذا رأى المصلحة فيه (مسألة) (فإن مرض لم يخرج حتى يبرأ وإن مات دفن به) إذا مرض بالحجاز جازت له الإقامة لمشقة الانتقال على المريض وتجوز الإقامة

стр. 6376

لمن يمرضه لأنه لا يستغني عنه فإن كان له دين حال أجبر غريمة على وفائه فإن تعذر لمطل أو تغيب فينبغي أن تجوز له الاقامة ليستوفي دينه لأن التعدي من غيره، وفي إخراجه ذهاب ماله، وإن كان الدين مؤجلاً لم يمكن من الإقامة ويوكل من يستوفيه له لأن التفريط منه، وإن دعت الحاجة إلى الإقامة ليبيع بضاعته احتمل الجواز لأن في تكليفه تركها وحملها معه ضياع ماله وذلك مما يمنع من الدخول إلى الحجاز بالبضائع فتفوت مصلحتهم وتلحقهم المضرة بانقطاع الجلب عنهم، ويحتمل أن يمنع من الإقامة لأن له من الإقامة بدا فإن أراد الانتقال إلى مكان آخر من الحجاز جاز ويقيم فيه أيضاً ثلاثة أيام أو أربعة على الخلاف فيه وكذلك إن انتقل منه الى مكان آخر، ولو حصلت الإقامة في الجميع شهراً، وإذا مات بالحجاز دفن لأنه يشق نقله وإذا جازت الإقامة للمريض فدفن الميت أولى (مسألة) (ولا يمنعون من تيماء وفيد ونحوهما) لأن عمر لم يمنعهم من ذلك (مسألة) (وهل لهم دخول المساجد بإذن مسلم؟ على روايتين) لا يجوز لهم دخول مساجد الحل بغير إذن المسلمين لما روت ام عراب قالت رأيت علياً ﵁ على المنبر وبصر بمجوسي فنزل فضربه وأخرجه من أبواب كندة، فإن أذن لهم في دخولها جاز في الصحيح من المذهب لأن النبي ﷺ قدم عليه وفد من أهل الطائف فأنزلهم في المسجد قبل إسلامهم وقال سعيد بن المسيب كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة وهو على شركه وقدم عمير بن وهب فدخل المسجد والنبي ﷺ فيه ليفتك به فرزقه الله الإسلام وفيه رواية أخرى ليس لهم دخوله بحال لأن أبا موسى دخل على عمر ومعه كتاب قد كتب فيه حساب عمله فقال له عمر ادع الذي كتبه ليقرأه قال إنه لا يدخل المسجد قال ولم لا يدخل المسجد؟ قال أنه نصراني فانتهره عمر وهذا اتفاق منهم على إنه لا يدخل المسجد وفيه دليل على شهرة ذلك بينهم وتقريره عندهم لأن حدث الحيض

стр. 6377

والجنابة والنفاس يمنع الإقامة في المسجد فحدث الشرك أولى والأول أصح لأنه لو كان محرماً لما أقرهم عليه النبي ﷺ (فصل) قال أحمد في الرجل له المرأة النصرانية لا يأذن لها أن تخرج إلى عيد أو تذهب إلى بيعه وله أن يمنعها ذلك وكذلك في الأمة قيل له أله أن يمنعها من شرب الخمر؟ قال يأمرها فإن لم تقبل فليس له منعها قيل له فإن طلبت منه أن يشتري لها زناراً قال لا يشتري زناراً؟ تخرج هي تشتري لنفسها (فصل) قال ﵁ وإن اتجر ذمي الى غير بلده ثم عاد فعليه نصف العشر وقال الشافعي ليس عليه إلا الجزية إلا أن يدخل أرض الحجاز فينظر في حاله فإن كان لرسالة أو نقل ميرة أذن له بغير شئ وإن كان لتجارة لا حاجة بأهل الحجاز إليها لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضاً بحسب ما يراه. والأولى أن يشترط نصف العشر لأن عمر شرط نصف العشر على من دخل الحجاز من أهل الذمة ولنا ما روى أبو داود أن النبي ﷺ قال (ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى) وعن أنس بن سيرين قال بعثني أنس بن مالك إلى العشور فقلت بعثتني إلى العشور من بين عمالك قال ألا ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب ﵁ أمرني إن أخذ من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر رواه الإمام أحمد وهذا كان بالعراق وروى أبو عبيد في كتاب الأموال بإسناده عن لاحق بن عميد أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها في كل عشرين درهما درهما وهذا كان بالعراق واشتهرت هذه القصص وعمل بها الخلفاء بعده ولم ينكر ذلك فكان إجماعاً ولم يأت تخصيص الحجاز بنصف العشر في شئ من الأحاديث عن عمر ولا غيره فيما علمنا ولأن ما وجب في الحجاز من الأموال وجب في غيره كالديون والصدقات إذا ثبت هذا فلا فرق في ذلك بين بني تغلب ولا غيرهم. وروى عن أحمد أن التغلبي يؤخذ منه العشر ضعف ما يؤخذ من أهل الذمة لما روي بإسناده عن زياد بن حدير أن عمر رضي الله عنه

стр. 6378

بعثه مصدقاً فأمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر ومن نصارى أهل الذمة نصف العشر رواه أبو عبيد قال: والعمل على حديث داود بن كردوس والنعمان بن زرعة وهو أن يكون عليهم الضعف مما على المسلمين ألا تسمعه يقول من كل عشرين درهماً درهم؟ وإنما يؤخذ من المسلمين من كل أربعين درهماً درهم فذلك ضعف هذا وهو ظاهر كلام الخرقي وهو أقيس فإن الواجب في سائر أموالهم ضعف ما على المسلمين لا ضعف ما على أهل الذمة (فصل) ولا يؤخذ من غير مال التجارة شئ فلو مر بالعاشر منهم منتقل ومعه أمواله أو سائمة لم يؤخذ منه شئ نص عليه أحمد ﵀ إلا أن تكون الماشية للتجارة فيؤخذ منها نصف العشر (فصل) واختلفت الرواية عن أحمد في العاشر يمر عليه الذمي بخمر أو خنزير فقال عمر: قال في موضع ولو هم بيعها ولا يكون إلا على الأخذ منها وروي بإسناده عن سويد بن غفلة في قول عمر ولو هم بيع الخمر والخنزير لعشرها قال أحمد إسناده جيد، وممن رأى ذلك مسروق والنخعي وابو حنيفة وبه قال محمد بن الحسن في الخمر خاصة وذكر القاضي أن أحمد نص على أنه لا يؤخذ وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو عبيد وأبو ثور قال عمر بن عبد العزيز الخمر لا يعشرها مسلم. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أن عتبة بن فرقد بعث إليه بأربعين ألف درهم صدقة الخمر فكتب إليه عمر بعث إلي بصدقة الخمر وأنت أحق بها من المهاجرين فأخبر بذلك الناس وقال والله لااستعملتك علي شئ بعدها قال فنزعه قال أبو عبيد معنى قول عمر ولوهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من جزيتهم وخراج أرضهم بقيمتها ثم يتولى المسلمون بيعها فأنكره عمر ثم رخص لهم أن يأخذوا من أثمانها اذا كان أهل الذمة المتولين لبيعها وروى بإسناده عن سويد بن غفلة أن بلالاً قال لعمر إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال لا تأخذوه ولكن ولوهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن

стр. 6379

(فصل) وإذا مر الذمي بالعشر وعليه دين بقدر ما معه أو ينقص ما معه عن النصاب فظاهر كلام أحمد أن ذلك يمنع أخذ نصف العشر منه لأنه حق يعتبر له النصاب والحول فمنعه الدين كالزكاة فإن ادعى الدين احتاج إلى بينة مسلمين وإن مر بجارية فادعى أنها ابنته أو أخته قبل قوله في إحدى الروايتين لأن الأصل عدم ملكه. (والثانية) لا يقبل لأنها في يده أشبهت البهيمة ولأنه تمكنه إقامة البينة. (مسألة) (فان انجر حربي إلينا أخذ منه العشر ولا يؤخذ من أقل من عشرة دنانير) . هذا قول أحمد ﵀ وقال أبو حنيفة لا يؤخذ منهم شئ إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئاً فنأخذ منهم مثله لما روي عن أبي مجلزقال قالوا لعمر كيف نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا؟ قال كيف يأخذون منكم إذا دخلتم إليهم؟ قالوا العشر قال فكذلك خذوا منهم وعن زياد بن حدير قال كنا لانعشر مسلماً ولا معاهداً قال من كنتم تعشرون؟ قال كفار أهل الحرب نأخذ منهم كما يأخذون منا، وقال الشافعي إن دخل إلينا لتجارة لا يحتاج إليها المسلمون لم يأذن له الإمام إلا بعوض يشرطه وما شرطه جاز ويستحب أن يشرط العشر ليوافق فعل عمر ﵁، وإن أذن مطلقاً من غير شرط فالمذهب أنه لا يؤخذ منهم شئ لأنه أمان من غير شرط فلم يستحق به شئ كالهدنة ويحتمل أن يجب عشر لأن عمر أخذه. ولنا ما رويناه في المسألة التي قبلها ولأن عمر أخذ منهم العشر واشتهر ذلك فيما بين الصحابة وعمل به الخلفاء بعده والأئمة في كل عصر من غير نكيرفاي إجماع يكون أقوى من هذا؟ ولم ينقل عنه أنه شرط عليهم ذلك عند دخولهم ولا يثبت ذلك بالظن من غير نقل ولأن مطلق الأمر يحمل على المعهود في الشرع وقد اشتهر أخذ العشر منهم في زمن الخلفاء الراشدين فيجب أخذه فأما سؤال عمر عما يأخذون منا فإنما كان لأنهم سألوا عن كيفية الأخذ ومقداره ثم استمر الأخذ من غير سؤال، ولو تقيد أخذنا منهم بأخذهم منا لوحب أن يسأل عنه في كل وقت

стр. 6380

(فصل) ويؤخذ منهم العشر لكل مال للتجارة في ظاهر كلامه ههنا وهو ظاهر قول الخرقي،. وقال القاضي إن دخلوا في نقل ميرة بالناس إليها حاجة أذن لهم في الدخول بغير عشر وهو قول الشافعي لأن في دخولهم نفع المسلمين. ولنا عموم مارويناه، وقد روى صالح عن أبيه عن عبد الرحمن بن مهدي عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر أنه كان يأخذ من النبط من القطنية العشر ومن الحنطة والزبيب نصف العشر ليكثر الحمل إلى المدينة فعلى هذا يجوز للإمام التخفيف عنهم إذا رأى المصلحة فيه وله الترك أيضاً إذا رأى المصلحة لانه فيئ فملك تخفيفه وتركه كالخراج. (فصل) ويؤخذ العشر من كل حربي تاجر ونصف العشر من كل ذمي تاجر ذكراً كان أو انثى صغيراً أو كبيراً، وقال القاضي ليس على المرأة عشر ولا نصف عشر سواء كانت حربية أو ذمية لكن إن دخلت الحجاز عشرت لأنها ممنوعة من الإقامة به، قال شيخنا ولا نعرف هذا التفصيل عن أحمد ولا يقتضيه مذهبه لأنه يوجب الصدقة في أموال نساء بني تغلب وصبيانهم فكذلك يوجب العشر ونصفه في مال النساء وعموم الأحاديث المروية ليس فيها تخصيص للرجال دون النساء وليس هذا بجزية إنما هو حق يختص بمال التجارة لتوسعه في دار الإسلام وانتفاعه بالتجارة فيه فيستوي فيه الذكر والأنثى كالزكاة في حق المسلمين. (فصل) واختلفت الرواية في القدر الذي يؤخذ منه العشر ونصف العشر فروى صالح عنه في نصف العشر من كل عشرين دينارا دينارا يعني فإذا نقصت عن العشرين فليس عليه شئ لأن ما دون النصاب لا يجب فيه زكاة على مسلم ولا على تغلبي فلا يجب على ذمي كالذي دون العشرة وروى صالح أيضاً أنه قال إذا مروا بالعاشر فإن كانوا أهل الحرب أخذ منهم العشر من العشرة واحداً فإن كانوا من أهل الذمة أخذ منهم نصف العشر من كل عشرين دينارا دينارا فإذا نقصت فليس عليه شئ وإن نقص مال الحربي عن عشرة دنانير لم يؤخذ منه شئ ولا يؤخذ منهم إلا مرة واحدة المسلم والذمي في ذلك سواء وروى عن أحمد أن في العشرة نصف مثقال وليس فيما دون العشرة شئ، نص عليه

стр. 6381

في رواية أبي الحارث قال قلت إذا كان مع الذمي عشرة دنانير قال نأخذ منه نصف دينار قلت فإن كان معه أقل من عشرة دنانير، قال إذا نقصت لم يؤخذ منه شئ وذلك لأن العشرة مال يبلغ واجبه نصف دينار فوجب فيه كالعشرين في حق المسلم ولأنه مال معشور فوجب في العشرة منه كمال الحربي وقال ابن حامد يؤخذ عشر الحربي ونصف عشر الذمي من كل مال قل أو كثر لأن عمر قال خذ من كل عشرين درهماً درهماً ولأنه حق عليه فوجب في قليلة وكثيره نصيب المالك في أرضه التي عامله عليها. ولنا أنه عشر ونصف عشر وجب بالشرع فاعتبر له نصاب كزكاة الزرع والثمرة ولأنه حق يقدر بالحول فاعتبر له النصاب كالزكاة، وأما قول عمر فالمراد به والله أعلم بيان قدر المأخوذ وأنه نصف العشر ومعناه إذا كان معه عشرة دنانير فخذ من كل عشرين درهماً درهماً لأن في صدر الحديث أن عمر أمر مصدقاً وأمره أن يأخذ من المسلمين من كل أربعين درهماً درهماً ومن أهل الذمة من كل عشرين درهماً درهماً ومن أهل الحرب من كل عشرة واحدا، وإنما يؤخذ ذلك من المسلم إذا كان معه نصاب فكذلك من غيرهم (مسألة) (ويؤخذ منه في كل عام مرة، وقال ابن حامد يؤخذ من الحربي كلما دخل إلينا لا يعشر الذمي ولا الحربي في السنة إلا مرة، نص عليه أحمد لما روي الإمام أحمد بإسناده قال جاء شيخ نصراني إلى عمر فقال إن عاملك عشرني في السنة مرتين، قال ومن أنت؟ قال أنا الشيخ النصراني فقال وأنا الشيخ الحنيف ثم كتب إلى عامله لا تعشروا في السنة إلا مرة، ولأن الجزية والزكاة إنما تؤخذ في السنة مرة فكذلك هذا، ومتى أخذ منهم ذلك مرة كتب لهم حجة بأدائهم لتكون وثيقة لهم وحجة على من يمرون عليه فلا يعشرهم ثانية إلا أن يكون معه أكثر من المال الأول فيأخد منه الزيادة لأنها لم تعشر وحكي عن أبي عبد الله بن حامد أن الحربي يعشر كلما دخل إلينا وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأننا لو أخذنا منه واحدة لا يأمن أن يدخلوا فإذا جاء وقت السنة لم يدخلوا فيتعذر الأخذ منهم

стр. 6382

ولنا أنه حق يؤخذ من التجارة فلا يؤخذ في السنة إلا مرة كنصف العشر من الذمي، وقولهم يفوت لا يصلح فإنه يؤخذ منه أول ما يدخل مرة ويكتب الآخذ له بما أخذ منه ثم لا يؤخذ منه شئ حتى تمضي تلك السنة فإذا جاء في العام الثاني أخذ منه في أول ما يدخل فإن لم يدخل فما فات من حق السنة الأولى شئ (مسألة) (وعلى الامام حفظهم والمنع من أذاهم واستنقاذ من أسر منهم) تلزمه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة لأنه التزم بالعهد حفظهم ولهذا قال علي ﵁ إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا وقال عمر ﵁ في وصيته للخليفة بعده وأوصيه بأهل ذمة المسلمين خيراً أن يوفى لهم بعهدهم ويحاطوا من ورائهم ويجب فداء أسراهم سواء كانوا في معونتنا أو لم يكونوا وهذا ظاهر قول الخرقي وهو قول عمر بن عبد العزيز والليث لأننا التزمنا حفظهم بمعاهدتهم وأخذ جزيتهم فلزمنا القتال من ورائهم والقيام دونهم فإذا عجزنا عن ذلك وأمكننا تخليصهم لزمنا ذلك وقال القاضي إنما يجب فداؤهم إذا استعان بهم الإمام في قتال فسبوا وجب عليه فداءهم لأن أسرهم كان لمعنى من جهته وهو المنصوص عن أحمد ومتى وجب فداؤهم فإنه يبدأ بفداء المسلمين قبلهم ولأن حرمة المسلم أعظم والخوف عليه أشد وهو معرض الفتنة عن دين الحق بخلاف أهل الذمة (فصل) ومن هرب منهم إلى دار الحرب ناقضاً للعهد عاد حربياً حكمه حكم الحربي سواء كان رجلاً أو امرأة ومتى قدر عليه أبيح منه ما يباح من الحربي من القتل والأسر وأخذ المال فإن هرب بأهله وذريته أبيح من الهاربين منهم ما يباح من أهل الحرب ولم يبح سبي الذرية لأن النقض إنما وجد من البالغين دون الذرية، وإن نقضت طائفة من أهل الذمة جاز غزوهم وقتالهم، وإن نقص بعضهم دون بعض اختص حكم النقض بالناقض وإن لم ينقضوا لكن خاف النقض منهم لم يجز أن ينبذ إليهم عهدهم لأن عقد الذمة لحقهم بدليل أن الإمام تلزمه إجابتهم بخلاف عقد الأمان والهدنة فإنه لمصلحة المسلمين ولأن عقد الذمة آكد لأنه مؤبد وهو معاوضة وكذلك إذا نقض بعض أهل الذمة العهد

стр. 6383

وسكت بقيتهم لم يكن سكوتهم نقضاً وفي عقد الهدنة يكون نقضا (مسألة) وإن تحاكموا إلى الحاكم مع مسلم لزمه الحكم بينهم وإن تحاكم بعضهم مع بعض أو استعدى بعضهم على بعض خير بين الحكم بينهم وبين تركهم) لأن إنصاف المسلم والإنصاف منه واحب وطريقه الحكم لقول الله تعالى (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) ولأنهما كافران فلم يجب الحكم بينهما كالمستأمنين ولا يحكم بينهم إلا بحكم الإسلام لقول الله تعالى (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) وعنه يلزمه الحكم بينهم لقول الله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله) ولأن رفع الظلم عنهم واجب وطريقه الحكم فوجب كالحكم بين المسلمين (فإن استعدت المرأة على زوجها في طلاق أو إيلاء أو ظهار فإن شاء أعداهما وإن شاء تركهما على الرواية الأولى فإن أحضرت زوجها حكم عليه بحكم المسلمين في مثل ذلك، فإن كان قد ظاهر منها منعه وطأها حتى يكفر وتكفيره بالإطعام لأنه لا يصح منه الصوم ولا يصح شراؤه للعبد المسلم ولا تملكه (مسألة) (وإن تبايعوا بيوعاً فاسدة وتقابضوا لم ينقض فعلهم لانه عقدتم قبل إسلامهم على ما يجوز ابتداء العقد عليه فأقروا عليه ولم ينقض كأنكحتهم وإن لم يتقابضوا فسخه سواء كان قد حكم بينهم حاكمهم أم لا) لأنه عقد لم يتم ولا يجوز الحكم بإتمامه لكونه فاسداً فتعين نقضه وحكم حاكمهم وجوده كعدمه لأن من شرط الحاكم النافذة أحكامه الإسلام ولم يوجد (فصل) سئل أحمد ﵀ عن الذمي يعامل بالربا ويبيع الخمر والخنزير ثم يسلم وذلك المال في يده فقال لا يلزمه أن يخرج منه شيئاً لأن ذلك مضى في حال كفره فأشبه نكاحه في الكفر إذا أسلم، وسئل عن المجوسيين يجعلان ولدهما مسلماً فيموت وهو ابن خمس سنين، فقال يدفن في مقابر المسلمين لقول النبي ﷺ (فأبواه يهودانه أو ينصرانه اويمجسانه)) يعني أن هذين لم يمجساه فبقي على الفطر (الفطرة) :، وسئل عن أطفال المشركين فقال: اذهب إلى قول النبي ﷺ (أعلم بما كانوا عاملين) قال وكان ابن عباس يقول (وأبواه يهودانه وينصرانه - حتى سمع - الله أعلم بما كانوا عاملين) فترك قوله وسأله ابن الشافعي فقال يا أبا عبد الله ذراري المشركين والمسلمين؟ فقال هذه مسائل أهل الزيغ وقال أبو عبد الله سأل بشر بن السري سفيان الثوري عن أطفال المشركين فصاح به وقال

стр. 6384

يا صبي أنت تسأل عن هذا؟ قال أحمد ونحن نمر هذه الأحاديث على ما جاءت ولا نقول شيئاً وسئل عن أطفال المسلمين فقال ليس فيه اختلاف أنهم في الجنة وذكروا له حديث عائشة الذي قالت فيه عصفور من عصافير الجنة فقال وهذا حديث؟ وذكر فيه رجلاً ضعفه طلحة وسئل عن الرجل يسلم بشرط أن لا يصلي إلا صلاتين فقال يصح إسلامه ويؤخذ بالخمس وقال معنى حديث حكيم بن حزام بايعت النبي ﷺ ألا أخر إلا قائماً أنه لا يركع في الصلاة بل يقرأ ثم يسجد من غير ركوع قال وحديث قتادة عن نصر بن عاصم أن رجلاً منهم بايع النبي ﷺ على أن لا يصلي طرفي النهار. (مسألة) (وإن تهود نصراني أو تنصر يهودي لم يقر ولم يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه ويحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام فإن أبى هدد ويحبس ويحتمل أن يقبل وعنه أنه يقر) إذا انتقل الكتابي إلى دين آخر من دين أهل الكتاب ففيه ثلاث روايات (إحداهن) لا يقر لأنه انتقل إلى دين باطل قد أقر ببطلانه فلم يقر عليه كالمرتد. فعلى هذا يجبر على الإسلام ولأن ما سواه باطل اعترف ببطلانه قبل ينتقل إليه ثم اعترف ببطلان دينه حين انتقل عنه فلم يبق إلا الاسلام (والثانية) لا يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه لأننا أقررناه عليه أولاً فنقره عليه ثانياً (والثالثة) يقر نص عليه أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال وصاحبه وقول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب فأشبه غير المنتقل ولأنه دين أهل الكتاب فيقر عليه كأهل ذلك الدين وفي صفة إجباره على ترك ما انتقل إليه روايتان (احدهما) يجبر عليه بالقتل لعموم قوله ﵊ (من بدل دينه فاقتلوه) ولأنه ذمي نقض العهد فأشبه ما لو نقضه بترك التزام الذمة وهل يستتاب؟ يحتمل وجهين (احدهما) يستتاب لأنه استرجع عن دين باطل انتقل إليه فيستتاب كالمرتد (والثاني) لا يستتاب لأنه كافر أصلي أبيح دمه فأشبه الحربي فعلى هذا إن بادر وأسلم أو رجع إلى ما يقر عليه عصم دمه وإلا قتل (والثانية) أنه يجبر بالضرب والحبس فإن أحمد قال إذا دخل اليهودي في النصرانية رددته إلى اليهودية فقيل له اتفقله (أتقتله) قال لا ولكن يضرب ويحبس لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب فلم يقتل كالباقي على دينه ولأنه مختلف فيه فلا يقتل للشبهة

стр. 6385

(مسألة) (وإن انتقل إلى غير دين أهل الكتاب أو انتقل المجوسي إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر وأمر أن يسلم فإن أبى قتل إذا انتقل الكتابي إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر عليه لا نعلم فيه خلافا لأنه انتقل إلى دين لا يقر عليه بالجزية كعبدة الأوثان فالأصلي منهم لا يقر فالمنتقل أولى وإن انتقل إلى المجوسية لم يقر لأنه انتقل إلى أدنى من دينه فلم يقر كالمسلم إذا أرتد وكذلك الحكم في المجوسي إذا انتقل إلى إلى أدنى من دينه كعبادة الأوثان كذلك وإذا قلنا لا يقر ففيه ثلاث روايات (إحداهن) لا يقبل منه إلا الإسلام، نص عليه أحمد واختاره الخلال وصاحبه وهو أحد قولي الشافعي لأن غير الإسلام أديان باطلة فقد أقر ببطلانها فلم يقر عليها كالمرتد وإذا قلنا لا يقبل منه إلا الإسلام فأبى أجبر عليه بالقتل لأنه انتقل إلى دين أدنى من دينه أشبه المرتد. (والثانية) لا يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه لأن دينه الأول قد أقررناه عليه مرة ولم ينتقل إلى خير منه فنقره عليه إن رجع إليه ولأنه انتقل من دين يقر عليه إلى دين لا يقر عليه فقبل رجوعه إلى دينه كالمرتد إذا رجع إلى الإسلام. (والثالثة) أنه يقبل منه أحد ثلاثة أشياء الإسلام أو الدين الذي كان عليه أو دين أهل الكتاب لأنه دين أهل الكتاب فيقر عليه كغيره من أهل ذلك الدين وإذا انتقل المجوسي إلى غير دين أهل الكتاب ثم رجع إلى المجوسية أقر عليه في إحدى الروايتين لأنه أقر عليه أولاً فيقر عليه ثانيا. (مسألة) (وإن انتقل غير الكتابي إلى دين أهل الكتاب أقر ويحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام) إذا انتقل المجوسي إلى دين أهل الكتاب ففيه أيضاً الروايات الثلاث (إحداهن) لا يقبل منه إلا الاسلام لما ذكرنا (والثانية) يقر على ما انتقل إليه لأنه أعلى من دينه ولأنه انتقل إلى دين يقر عليه أهله والثالثة لا يقبل منه إلا الإسلام أو دينه الذي كان عليه لما تقدم (مسألة) (وإن تمجس الوثني فهل يقر؟ على روايتين) إحداهما يقر لما ذكرنا والثانية لا يقر لأنه انتقل إلى دين لا تحل ذبائح أهله ولا تنكح نساؤهم أشبه ما لو انتقل إلى دين لا يقر عليه أهله والأولى أولى (فصل) (في نقض العهد وإذا امتنع الذمي من بذل الجزية أو التزام أحكام الملة انتقض عهده)

стр. 6386

إذا امتنع الذمي من بذل الجزية أو التزام أحكام الملة إذا حكم بها حاكم انتقض عهده بغير خلاف في المذهب سواء شرط عليهم أو لا، وهو مذهب الشافعي لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون) قيل الصغار التزام أحكام المسلمين فأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية ويلتزموا أحكام الملة، فإذا امتنعوا من ذلك وجب قتالهم فإذا قاتلوا فقد نقضوا العهد وفي معنى هذين قتالهم للمسلمين منفردين أو مع الحرب لأن إطلاق الأمان يقتضي ذلك وقال أبو حنيفة لا ينتقض العهد إلا بالامتناع من الإمام بحيث يتعذر أخذ الجزية منهم ولنا ما ذكرناه ولأنه ينافي الأمان أشبه مالو امتنعوا من بذل الجزية (مسألة) وإن تعدى على مسلم بقتل أو قذف أو زنا أو قطع طريق أو تجسس أو إيواء جاسوس أو ذكر الله تعالى أو كتابة أو رسوله بسوء فعلى روايتين) ويلتحق بذلك أو فتن مسلم عن دينه أو إصابة المسلمة باسم نكاح (إحداهما) ينتقض عهده اختاره القاضي والشريف أبو جعفر سواء شرط عليهم أو لم يشرط ومذهب الشافعي نحو هذا فيما إذا شرط عليهم لما روي عن عمر ﵁ أنه رفع إليه رجل أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا فقال ما على هذا صالحناكم وأمر به فصلب في بيت المقدس وقيل لأبن عمر إن راهباً يشتم رسول الله ﷺ فقال لو سمعته لقتلته إنا لم نعط الأمان على هذا ولما روي عن عمر أنه أمر عبد الرحمن بن غنم أن يلحق في كتاب صلح الجزيرة ومن ضرب مسلماً عمداً فقد خلع عهده ولأن فيه ضرراً على المسلمين فأشبه الامتناع من بذل الجزية ولأنه لم يف بمقتضى الذمة وهو الأمن من جانبه فانتقض عهده كما لو قاتل المسلمين (والثاينة) لا ينتقض العهد به لكن يقام عليه الحد فيما يوجب الحد أو يقتص منه فيما يوجب القصاص ويعذر فيما سوى ذلك بما ينكف به أمثاله عن فعله لأن ما يقتضيه العهد من التزام الجزية وأحكام المسلمين والكف عن قتالهم باق فوجب بقاء العهد (مسألة) (وان أظهر منكراً أو رفع صوته بكتابه لم ينتض عهده) وظاهر كلام الخرقي أنه ينتقض إن كان مشروطاً عليهم أما ما سوى الخصال المذكورة في المسألة

стр. 6387

التي قبلها كالتميز عن المسلمين وترك إظهار المنكر ونحو ذلك فإن لم يشرط عليهم لم ينتقض عهدهم به لأن العقد لا يقتضيها ولا ضرر فيها على المسلمين وإن شرطت عليهم فظاهر كلام الخرقي إن عهدهم ينتقض بمخالفتنا لقوله ومن نقض العهد بمخالفة شئ مما صولحوا عليه حل دمه وماله. ووجه ذلك أن في كتاب صلح الجزيرة لعبد الرحمن بن غنم بعد استيفاء الشروط: وأن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق ولأنه عقد بشرط فزال بزوال الشرط كما لو امتنع من بذل الجزية وقال غيره من أصحابنا لا ينتقض العهد به لأنه لا ضرر على المسلمين فيه ولا ينافي عقد الذمة أشبه ما لو لم يشرطه ولكنه يعزر ويلزم ما تركه (مسألة) (ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقض عهده وإذا انتقض عهده خير الإمام فيه كالأسير الحربي) لأن النقض وجد منه دونهم فاختص حكمه به قال شيخنا في كتاب العمدة إلا أن يذهب بهم إلى دار الحرب وذكر في كتاب المغني أنه لا يباح سبي الذرية وإن ذهب بهم إلى دار الحرب وإذا انتقض عهده خير الإمام فيه كالأسير الحربي فيخير فيه بين القتل والاسترقاق والمن والفداء لأن عمر ﵁ صلب الذي أراد استكراه امرأة ولأنه كافر لا أمان له قدرنا عليه في دارنا بغير عقد ولا عهد ولا شبهة ذلك فأشبه اللص الحربي هذا اختيار القاضي، وقال بعض أصحابنا فيمن سب النبي ﷺ أنه يقتل بكل حال وذكر أن أحمد نص عليه (مسألة) (وماله فيئ عند الخرقي وقال أبو بكر هو لورثته)

стр. 6388

التي قبلها كالتميز عن المسلمين وترك إظهار المنكر ونحو ذلك فإن لم يشرط عليهم لم ينتقض عهدهم به لأن العقد لا يقتضيها ولا ضرر فيها على المسلمين وإن شرطت عليهم فظاهر كلام الخرقي إن عهدهم ينتقض بمخالفتنا لقوله ومن نقض العهد بمخالفة شئ مما صولحوا عليه حل دمه وماله. ووجه ذلك أن في كتاب صلح الجزيرة لعبد الرحمن بن غنم بعد استيفاء الشروط: وأن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق ولأنه عقد بشرط فزال بزوال الشرط كما لو امتنع من بذل الجزية وقال غيره من أصحابنا لا ينتقض العهد به لأنه لا ضرر على المسلمين فيه ولا ينافي عقد الذمة أشبه ما لو لم يشرطه ولكنه يعزر ويلزم ما تركه (مسألة) (ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقض عهده وإذا انتقض عهده خير الإمام فيه كالأسير الحربي) لأن النقض وجد منه دونهم فاختص حكمه به قال شيخنا في كتاب العمدة إلا أن يذهب بهم إلى دار الحرب وذكر في كتاب المغني أنه لا يباح سبي الذرية وإن ذهب بهم إلى دار الحرب وإذا انتقض عهده خير الإمام فيه كالأسير الحربي فيخير فيه بين القتل والاسترقاق والمن والفداء لأن عمر ﵁ صلب الذي أراد استكراه امرأة ولأنه كافر لا أمان له قدرنا عليه في دارنا بغير عقد ولا عهد ولا شبهة ذلك فأشبه اللص الحربي هذا اختيار القاضي، وقال بعض أصحابنا فيمن سب النبي ﷺ أنه يقتل بكل حال وذكر أن أحمد نص عليه (مسألة) (وماله فيئ عند الخرقي وقال أبو بكر هو لورثته) لأنه إنما عصم بعقد الذمة فزال بزواله كالمرتد لأن ماله كان معصوماً فلا تزول عصمته بنقضه العهد كأولاده الصغار (آخر كتاب الجهاد والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم) (تسليما كثيراً) (تم بحمد الله وعونه الجزء العاشر من كتابي المغني والشرح الكبير) (ويليه بمشيئة الله وتوفيقه الجزء الحادي عشر منهما وأوله (كتاب الصيد والذبائح)

стр. 6389

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصيد الأصل في إباحة الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وقال سبحانه (وإذا حللتم فاصطادوا) وقال سبحانه (يسئلونك ماذا أحل لهم؟ قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) وأما السنة فروى أبو ثعلبة الخشني قال أتيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله أنا بأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم فأخبرني ماذا يصلح لي؟ " قال أما ما ذكرت أنكم بأرض

стр. 6390

صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم والذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل " متفق عليه وعن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله إنا نرسل الكلب المعلم فيمسك علينا قال " كل " قلت فإن قتل؟ قال " وإن قتل ما لم يشركه كلب غيره " قال وسئل رسول الله ﷺ عن صيد المعراض قال " ما خرق فكل وما قتل بعرضه فلا تأكل " متفق عليه أيضاً وأجمع أهل العلم على إباحة الإصطياد والأكل من الصيد * (مسألة) * (ومن صاد صيداً فأدركه حياً حياة مستقرة لم يحل إلا بالذكاة) أما ما ادرك ذكاته من الصيد فلا يشترط في إباحته سوى صحة التذكية ولذلك قال ﵊ " وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل " فأما إن أدركه وفيه حياة مستقرة فلم يذبحه حتى مات نظرت، فإن كان الزمان لا يتسع لذكاته فمات فإنه يحل أيضاً قال قتادة يأكله ما لم يتوان في ذكاته أو يتركه عمدا وهو قادر على ذكاته ونحوه قول مالك والشافعي وروي ذلك عن الحسن والنخمي، وقال أبو حنيفة لا يحل لأنه أدركه وفيه حياة مستقرة فتعلقت إباحته بتذكيته كما لو اتسع الزمان

стр. 6391

ولنا أنه لم يقدر على ذكاته كالذي قتله الصائد، ويفارق ما قاسوا عليه لأنه أمكنه ذكاته وفرط بتركها، لو أدركه وفيه حياة مستقرة يعيش بها زمناً طويلاً وأمكنه ذكاته ولم يذكه حتى مات لم يبح سواء كان به جرح يعيش معه أولا وبه قال مالك والليث والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي لأن ما كان كذلك فهو في حكم الحي بدليل أن عمر ﵁ كانت جراحاته موجبة فأوصى واجيزت وصاياه وأقواله في تلك الحال ولم تسقط عنه الصلاة ولا العبادات ولأنه ترك تذكيته مع القدرة عليها فأشبه غير الصيد * (مسألة) * (فإن لم يجد ما يذكيه به أرسل الصائد له عليه حتى يقتله في إحدى الروايتين) واختاره الخرقي * (مسألة) * (فإن لم يفعل وتركه حتى مات لم يحل وقال القاضي يحل والأخرى لا يحل إلا أن يذكيه) اختلف قول أحمد في هذه المسألة فعنه مثل قول الخرقي وهو قول الحسن وابراهيم وقال في موضع إني لأقشعر من هذا يعني أنه لا يراه وهو قول أكثر أهل العلم لأنه مقدور عليه فلم يبح بقتل الجارح كالأنعام وكما لو أخذه سليماً. ووجه الأول أنه صيد قتله الجارح له من غير إمكان ذكاته فأبيح كما لو أدركه ميتاً ولأنها حال تتعذر فيها الذكاة في الحلق واللبة غالباً فجاز أن تكون ذكاته على حسب الإمكان

стр. 6392

كالمتردية في بئر، وحكي عن القاضي أنه قال في هذا يتركه حتى يموت فيحل لأنه صيد تعذرت تذكيته فأبيح بموته من غير عقر الصائد له كالذي تعذرت تذكيته لقلة لبثه، والأول أصح لأنه حيوان لا يباح بغير التذكية إذا كان معه آلة الذكاة فلم يبح بغيرها إذا لم تكن آلة كسائر المقدور على تذكيته، ومسألة الخرقي محمولة على ما يخاف موته إن لم يقتله الحيوان أو يذكى فإن كان به حياة يمكن بقاؤه إلى أن يأتي به منزله فليس فيه اختلاف لأنه لا يباح إلا بالذكاة * (مسألة) * (وإن رمى صيداً فأثبته ثم رماه آخر فقتله لم يحل ولمن أثبته قيمته مجروحاً على قاتله إلا أن يصيب الأول مقتله دور الثاني أو يصيب الثاني مذبحه فيحل وعلى الثاني ما خرق من جلده) إذا رمى صيداً فأثبته ثم رماه آخر فأصابه لم تخل رمية الأول من قسمين (أحدهما) أن تكون موجئة مثل أن ينحره أو يذبحه أو تقع في خاصرته أو قلبه فينظر في رمية الثاني فإن كانت غير موجئة فهو حلال ولا ضمان على الثاني إلا أن ينقصه برميه شيئاً فيضمن ما نقصه وبالرمية الأولى صار مذبوحاً، وإن كانت رمية الثاني موجئة فقال القاضي وأصحابه يحل كالتي قبلها وهو مذهب الشافعي

стр. 6393

ويجئ على قول الخرقي أن يكون حراماً كما لو ذبح حيوان فغرق في ماء أو ولئ عليه شئ فقتله وقد ذكرناه (القسم الثاني) أن يكون جرح الأول غير موجئ فينظر في رمية الثاني فإن كانت موجئة فهو محرم لما ذكرنا إلا أن تكون رمية الثاني ذبحته أو نحرته (فصل) فإن لم تكن جراحة الثاني موجئة فله ثلاث صور (أحدها) أن يذكى بعد ذلك فيحل (الثانية) لم يذك حتى مات فهو حرام لأنه مات من جرحين مبيح ومحرم فحرم كما لو مات من جرح مسلم ومجوسي وعلى الثاني ضمان جميعه لأن جرحه هو الذي حرمه فكان جميع الضمان عليه (الثانية) قدر على ذكاته فلم يذكه حتى مات فيحرم لمعنيين (أحدهما) أنه ترك ذكاته مع إمكانه (الثاني) أنه مات من جرحين مبيح ومحرم ويلزم الثاني الضمان وفي قدره احتمالان (أحدهما) يضمن جميعه كالتي قبلها (الاحتمال الثاني) يضمن بقسط جرحه لأن الأول إذا ترك الذبح مع إمكانه كان جرحه حاضراً أيضاً بدليل ما لو انفرد وقتل الصيد فيكون الضمان منقسماً عليهما، وذكر القاضي في قسمه عليهما أن يقسط أرش جرح الأول وعلى الثاني أرش جراحته ثم يقسم ما بقي من القيمة بينهما نصفين، وفرض المسألة في صيد قيمته عشرة دراهم نقصه جرح الأول درهما ونقصه جرح الثاني درهما فعليه درهم

стр. 6394

ويقسم الباقي وهو ثمانية بينهما نصفين فيكون على الثاني خمسة دراهم درهم بالمباشرة وأربعة بالسراية وتسقط حصة الأول وهي خمسة، وإن كان أرش جرح الثاني درهمين لزماه ويلزمه نصف السبعة الباقية ثلاثة ونصف وذلك خمسة ونصف وتسقط حصة الأول أربعة ونصف، فإن كانت جنايتهما مملوكة لغيرهما قسم الضمان عليهم كذلك، قال شيخنا: ويتوجه على هذه الطريقة أنه سوى بين الجنايتين مع أن الثاني جنى عليه وقيمته دون قيمته يوم جنى عليه الأول وإن لم يدخل أرش الجناية في بدل النفس كما يدخل في الجناية على الآدمي قال شيخنا والجواب عن هذا أن كل واحد منهما انفرد باتلاف ما قيمته درهم وتساويا في إتلاف الباقي بالسراية وتساويا في الضمان وإنما يدخل أرش الجناية في بدل النفس التي لا ينتقص بدلها باتلاف بعضها وهو الآدمي، أما البهائم فإذا جنى عليها جناية أرشها درهم نقص ذلك من قيمتها فإذا سرى إلى النفس أوجبنا ما بقي من قيمة النفس ولم يدخل الارش فيها وذكر أصحاب الشافعي في قسمة الضمان طرقاً ستة (أصحها) عندهم أن يقال أن الأول اتلف نصف نفس قيمتها تسعة فيلزمه أربعة ونصف فيكون المجوع تسعة ونصفا وهي أقل من قيمته لأنها عشرة فتقسم العشرة على تسعة ونصف فيسقط عن الأول ما يقابل أربعة ونصفاً، ويتوجه على هذا أن كل

стр. 6395

واحد منهما يلزمه أكثر من قيمة نصف الصيد حين جنى عليه، وإن كانت الجراحات من ثلاثة فإن كان الأول أثبته فعلى طريقة القاضي على كل واحد أرش جرحه وتقسم السراية عليهم أثلاثاً وإن كان المثبت له الثاني فجراحة الأول هدر لا عبرة بها والحكم في جرجي الآخرين كما ذكرنا وعلى الطريقة الأخرى الأول أتلف ثلث نفس قيمتها عشرة فيلزمه ثلاثة وثلث والثاني أتلف ثلثها وقيمتها تسعة فيلزمه ثلاثة (والثالث) أتلف ثلثها وقيمتها ثمانية فيلزمه درهمان وثلثان فمجموع ذلك تسعة تقسم عليها العشرة حصة كل واحد منهم ما يقابل ما أتلفه، وإن أتلفوا شاة مملوكة لغيره ضمنوها كذلك (فصل) فإن رمياه معاً فقتلاه كان حلالا وملكاه لا نهما اشتركا في سبب الملك والحلل تساوى الجرحان أو تفاوتا لأن موته كان بهما فإن كان أحدهما موجئا والآخر غير موجئ ولا يثبته مثله فهو لصاحب الجرح الموجئ لأنه الذي أثبته وقتله، ولا شئ على الآخر لأن جرحه كان قبل ثبوت ملك الآخر فيه وإن أصابه أحدهما بعد صاحبه فوجدناه ميتاً لم نعلم هل صار بالأول ممتنعاً أولاً؟ حل لأن الأصل الامتناع ويكون بينهما لأن أيديهما عليه، فإن قال كل واحد منهما أنا أثبته ثم قتلته أنت حرم لأنهما اتفقا على تحريمه ويتخالفان لاجل الضمان، ان اتفقا على الأول منهما فادعى الأول أنه أثبته

стр. 6396

ثم قتله الآخر وأنكر الثاني إثبات الأول له فالقول قول الثاني لأن الأصل امتناعه ويحرم على الأول لإقراره بتحريمه والقول قول الثاني في عدم الامتناع مع يمينه، وإن علمت جراحة كل واحد منهما نظر فيها فإن علم أن جراحة الأول لا يبقى معها امتناع مثل أن كسر جناح الطير أو ساق الظبي فالقول قول الأول بغير يمين، وإن علم أنه لا يزيل الامتناع مثل خدش الجلد فالقول قول الثاني وإن احتمل الأمرين فالقول قول الثاني لأن الأصل معه وعليه اليمين لأن ما ادعاه الأول محتمل * (مسألة) * (وإن أدرك الصيد متحركاً كحركة المذبوح فحكمه حكم الميت لا يحتاج إلى ذكاة) لأن عقره كذكاته، ومتى أدركه ميتاً حل بشروط أربعة (أحدها) أن يكون من أهل الذكاة وهو أن يكون مسلماً عاقلاً أو كتابياً فإن كان وثنياً أو مجوسياً أو مرتداً أو من غير المسلمين وأهل الكتاب أو مجنوناً لم يبح صيده لأن الاصطياد أقيم مقام الذكاة والجارح مقام الآلة كالسكين وعقره للحيوان بمنزلة افراء الأوداج قال النبي ﷺ " فإن أخذ الكلب له ذكاة " والصائد بمنزلة المذكي فتشترط الأهلية فيه

стр. 6397

(فصل) فأما ما لا يفتقر إلى الذكاة كالحوت والجراد فيباح إذا صاده المجوسي ومن لا تباح ذبيحته وقد أجمع على ذلك أهل العلم غير ان مالكا والليث وأبا ثور شذوا عن الجماعة وأفرطوا فقال مالك والليث لا نرى أن يؤكل الجراد إذا صاده المجوسي ورخصا في السمك، وأباح أبو ثور صيد المجوسي وذبيحته وقد ذكرنا ذلك في باب الذكاة * (مسألة) * (فإن رمى مسلم ومجوسي صيداً أو أرسلا عليه جارحاً أو شارك كلب المجوسي كلب المسلم في قتله لم يحل، وإن أصاب أحدهما المقتل دون الآخر حل ويحتمل أن لا يحل) متى رمى مسلم ومجوسي أو من ليس من أهل الذكاة صيداً أو أرسلا عليه جارحاً فمات بذلك لم يحل لأنه اجتمع في قتله مبيح ومحرم فغلب التحريم كالمتدلد بين ما يؤكل وبين مالا يؤكل، وكذلك إن شارك كلب المجوسي كلب المسلم في قتله لما ذكرنا ولأن الأصل الحظر، والحل موقوف على شرط وهو أن يذكيه من هو من أهل الذكاة أو صيده الذي حصلت التذكية به ولم يتحقق ذلك وكذلك إن رمياه بسهميهما فأصاباه فمات لما ذكرناه ولا فرق بين أن يقع سهماهما فيه دفعة واحدة أو يقع أحدهما قبل الآخر، فإن أصاب أحدهما مقتله دون الآخر مثل أن يكون قد عقره (١) عقراً موحياً مثل أن ذبحه أو جعله في حكم المذبوح ثم أصابه الثاني وهو غير موح ويجئ، على قول الخرقي أن لا يباح فإنه قال

стр. 6398

إذا ذبح فأتى على المقاتل فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء لم تؤكل ولأن الروح خرجت بالجرحين فأشبه ما لو جرحاه معاً وإن كان الأول ليس بموح فالحكم للثاني في الحظر والإباحة (فصل) فإن أرسل مسلمان كلبيهما على صيد وسمى أحدهما دون الآخر وكان أحد الكلبين غير معلم فقتلا صيداً لم يحل، وكذلك إن أرسل كلبه المعلم فاستهل معه معلم آخر بنفسه فقتلا الصيد في قول أكثر أهل العلم منهم ربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الأوزاعي يحل ههنا ولنا أن إرسال الكلب على الصيد شرط لما نذكره ولم يوجد في أحدهما. (فصل) إذا أرسل جماعة كلابا وسموا فوجدوا الصيد قتيلاً لا يدرون من قتله حل أكله فإن اختلفوا في قاتله وكانت الكلاب متعلقة به فهو بينهم على السواء لأن الجميع مشتركة في إمساكه فأشبه ما لو كان في أيدي الصيادين وعبيدهم، وان كان البعض متعلقاً به دون باقيها فهو لمن كلبه معلق

стр. 6399

به وعلى من حكمنا له به اليمين في المسئلتين، لأن دعواه محتملة فكانت اليمين عليه كصاحب، اليد وإن كان قتيلاً والكلاب ناحية وقف الأمر حتى يصطلحوا ويحتمل أن يقرع بينهم فمن قرع صاحبه حلف وكان له، وهذا قول أبي ثور قياساً على ما لو تداعيا دابة في يد غيرهما وعلى الأول إذا خيف فساده قبل اصطلاحهم عليه باعوه ثم اصطلحوا على ثمنه. * (مسألة) * (وإن رد كلب المجوسي إلى كلب المسلم فقتله حل أكله) وهذا قول الشافعي وأبي ثور وقال أبو حنيفة لا يحل لأن كلب المجوسي عاون في اصطياده فأشبه إذا عقره. ولنا أن جارحة المسلم انفردت بقتله فأبيح كما لو رمى المجوسي سهمه فرد الصيد فأصابه سهم المسلم فقتله أو أمسك مجوسي شاة فذبحها مسلم وبهذا يبطل ما قاله. * (مسألة) * (وإن صاد المسلم بكلب المجوسي حل صيده) . وعنه لا يحل صيد المسلم بكلب المجوسي في الصحيح من المذهب، وبه قال سعيد بن المسيب والحكم ومالك والشافعي وأبو ثور واسحاق وأصحاب الرأي وعنه لا يباح وكرهه جابر والحسن ومجاهد والنخعي والثوري لقول الله تعالى (وما علمتم من الجوارح) وهذا لم يعلمه وعن الحسن أنه كره الصيد بكلب اليهودي والنصراني لهذه الآية.

стр. 6400

ولنا أنه آلة صاد بها المسلم فحل صيده كالقوس والسهم، وقال ابن المسيب هو بمنزلة شفرته والآية دلت على إباحة الصيد بما علمناه وما علمه غيرنا فهو فيثبت الحكم بالقياس الذي ذكرناه، يحققه أن التعليم إنما اثر في جعله آلة ولا تشترط الأهلية في ذلك هنا كعمل القوس والسهم وإنما أثر فيما أقيم مقام الزكاة وهو إرسال الآلة من الكلب والسهم وقد وجد الشرط هنا. * (مسألة) * (وإن صاد المجوسي بكلب المسلم لم يحل صيده في قول الجميع) * (مسألة) * (وإن أرسل المسلم كلبا فزجره المجوسي حل صيده لأن الصائد هو المسلم وإن أرسله مجوسي فزجره مسلم لم يحل لأن الصائد هو المجوسي) . (فصل) الثاني الآلة وهي نوعان: محدد فيشترط له ما يشترط لآلة الذكاة ولابد أن يجرحه فإن قتله بثقله لم يحل لأنه وقذ فيدخل في عموم قوله تعالى (والموقوذة) * (مسألة) * (وإن أصاب بالمعراض أكل ما قتل بحده دون عرضه) المعراض عود محدد وربما جعل في راسه حديدة. قال أحمد المعراض يشبه السهم يحذف به الصيد فربما أصاب الصيد بحده فخرق وقتل فيباح.

стр. 6401

وربما أصاب بعرضه فقتل بثقله فيكون موقوذاً فلا يباح وهذا قول علي وسليمان وعمار وابن عباس وبه قال النخعي والحكم ومالك والثوري والشافعي وابو حنيفة واسحاق وأبو ثور وقال الاوزاعي والحكم وأهل الشام يباح ما قتل بحده وعرضه وقال ابن عمر ما رمي من الصيد بحلاهق أو معراض فهو من الموقوذة وبه قال الحسن. ولنا ما روى عدي بن حاتم قال سئل رسول الله ﷺ عن صيد المعراض فقال " ما خرق فكل وما قتل بعرضه فهو وقيذ فلا تأكل " متفق عليه، وهذا نص صريح ولأن ما قتل بحده بمنزلة ما طعنه برمحه أو رماه بسهمه، ولأنه محدد خرق وقتل بحده وما قتل بعرضه إنما يقتله بثقله فهو موقوذ كالذي رماه بحجر أو بندق ويحمل قول ابن عمر في تحريم ما قتل بالمعراض على ما قتل بعرضه ولأنه شبهه بالبندق. (فصل) وحكم آلات الصيد حكم المعراض في أنها إذا قتلت بعرضها ولم تجرح لم يبح الصيد كالسهم يصيب الطائر بعرضه فيقتله أو الرمح والحربة والسيف يضرب به صفحا فيقتل فكل ذلك حرام، وكذا أن أصاب بحده فلم يجرح وقتل بثقله لم يبح لقول النبي ﷺ " ما خرق فكل " ولأنه إذا لم يجرحه فإنما يقتل بثقله فاشبه ما أصاب بعرضه.

стр. 6402

* (مسألة) * (وإن نصب مناجل أو سكاكين وسمى عند نصبها فقتلت صيداً أبيح فإن بان منه عضو فحكمه حكم البائن بضربة الصائد على ما نذكره) . وروي نحو هذا عن ابن عمر وهو قول الحسن وقتادة، وقال الشافعي لا يباح بحال لأنه لم يذكه أحد وإنما قتلت المناجل بنفسها ولم يوجد من الصائد إلا السبب فجرى ذلك مجرى من نصب سكينا فذ بحث شاة ولأنه لو رمى سهماً وهو لا يرى صيداً فقتل صيداً لم يحل فذا أولى ولنا قول النبي ﷺ " كل ما ردت عليك يدك " ولأنه قصد قتل الصيد بما له حد جرت العادة بالصيد به أشبه ما ذكرنا والتسبب يجري مجرى المباشرة في الضمان فكذلك في إباحة الصيد، وفارق ما إذا نصب سكيناً فإن العادة لم تجر بالصيد بها وإذا رمى سهماً ولم يرم صيداً فليس ذلك بمعتاد والظاهر أنه لا يصيب صيداً فلم يصح قصده بخلاف هذا. * (مسألة) * (وإذا قتله بسهم مسموم لم يبح إذا غلب على الظن أن السم أعان على قتله) إنما كان كذلك لأن ما قتله السم محرم وما قتله السهم مباح فإذا مات بسبب مباح ومحرم حرم كما لو مات بسهمي مسلم، فأما ان علم أن السم لم يعن على قتله لكون السهم أوحى منه فهو مباح.

стр. 6403

* (مسألة) * (وإن رماه فوقع في ماء أو تردى من جبل أو وطئ عليه شئ فقتله لم يبح إلا أن تكون الجراح موحية كالذكاة فهل يحل؟ على روايتين) . إذا وقع في ماء يقتله مثله أو تردى تردياً يقتله مثله فلا يحل إذا لم تكن الجراح موحية فإن كانت الجراح موحية كالذكاة ففيه روايتان (إحداهما) لا يحل وهو الذي ذكره الخرقي، وهي المشهورة عن أحمد وهو ظاهر قول ابن مسعود وعطاء وأصحاب الراي (والرواية الثانية) يحل وهو قول أكثر أصحابنا المتأخرين ولا يضر وقوعه في الماء ولا ترديه، هو قول الشافعي ومالك والليث وقتادة وأبي ثور لان هذا صار في حكم الميت بالذبح فلا يؤثر فيه ما أصابه. ووجه الأولى قوله ﵊ " وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل " ولأنه يحتمل أن الماء أعان على خروج روحه فصار بمنزلة ما لو كانت الجراحة غير موحية ولا خلاف في تحريمه إذا كانت الجراح غير موحية، فأما إن وقع في الماء على وجه لا يقتله مثل أن يكون رأسه خارجاً من الماء أو يكون من طير الماء الذي لا يقتله الماء أو كان التردي لا يقتل مثل ذلك الحيوان فلا خلاف في إباحته، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 6404

" وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله " يقتضي أن يغرق جميعه، ولأن الوقوع في الماء والتردي إنما حرم خشية أن يكون قاتلاً أو معيناً على القتل وهذا منتف فيما ذكرناه * (مسألة) * (فإن رماه في الهواء فوقع على الأرض فمات حل) إذا رمى طائراً في الهواء أو على شجرة أو جبل فوقع على الأرض فمات به حل وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال مالك لا يحل إلا أن تكون الجراح موحية أو يموت قبل سقوطه وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية نحو ذلك لقوله تعالى (والمتردية) ولأنه اجتمع المبيح والحاظر فغلب الحاظر كما لو غرق. ولنا أنه صيد سقط بالإصابة سقوطاً لا يمكن الاحتراز عن سقوطه عليه فوجب أن يحل كما لو أصاب الصيد فوقع على جنبه ويخالف ما ذكروه فإن الماء يمكن التحرز عنه بخلاف الأرض. * (مسألة) * (وإن رمى صيداً فغاب ثم وجده ميتاً لا أثر به غير سهمه حل وعنه إن كانت الجراح موحية حل وإلا فلا وعنه إن جده في يومه حل وإلا فلا وإن وجد به غير أثر سهمه مما يحتمل أنه أعان على قتله لم يبح)

стр. 6405

متى رمى صيداً فغاب عن عينه فوجده ميتاً وسهمه فيه لا أثر به غيره حل أكله. هذا المشهور عن أحمد وكذلك لو أرسل كلبه على صيد فغاب عن عينه ثم وجده ميتاً ومعه كلبه حل وهذا قول الحسن وقتادة عن أحمد أن كانت الجراح موحية حل وإلا فلا لأنها إذا كانت موحية لم يتأخر الموت عنها ولم تجز نسبة الموت إلى غيرها إلا بوجود مثلها أو أوحى بخلاف غيرها، وعنه أن وجده في يومه حل وإلا فلا قال أحمد إن غاب نهاراً فلا بأس وإن غاب ليلاً لم يأكله وعن مالك كالروايتين وعن أحمد ما يدل على أنه ان غاب مدة طويلة لم يبح وإن كانت يسيرة أبيح قيل له إن غاب يوماً؟ قال يوم كثير، ووجه ذلك قول ابن عباس إذا رميت فاقعصت فكل وإن رميت فوجدت فيه سهمك من يومك أو ليلتك فكل وإن غاب عنك ليلة فلا تأكل فإنك لا تدري ما حدث به بعدك. وكره عطاء والثوري أكل ما غاب وعن أحمد مثل ذلك وللشافعي فيه قولان لأن ابن عباس قال: كل ما أصميت وما أنميت فلا تأكل، قال الحكم الأصماء الأقعاص يعني أنه يموت في الحال والانماء أن يغيب عنك يعني أنه لا يموت في الحال قال الشاعر فهو لا تنمي رميته * ماله لا عد من نفره وقال أبو حنيفة يباح إن لم يكن ترك طلبه وإن تشاغل عنه ثم وجده لم يبح

стр. 6406

ولنا ما روى عدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال " إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل " متفق عليه، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله افتني في سهمي قال " ما رد عليك سهمك فكل " قال وإن تغيب عني؟ قال " وإن تغيب عنك ما لم تجد فيه أثراً غير سهمك أو تجده قد صل " رواه أبو داود وعن أبي ثعلبة عن النبي ﷺ أنه قال " إذا رميت الصيد فادركته بعد ثلاث وسهمك فيه فكله ما لم ينتن " ولأن جرحه سبب إباحته وقد وجد يقيناً والمعارض له مشكوك فيه فلا نزول عن اليقين بالشك ولانه جده وسهمه فيه ولم يجد به أثراً آخر فأشبه ما لو لم يترك طلبه عند أبي حنيفة أو كما لو غاب نهاراً أو مدة يسيرة أو كما لو لم يغب. إذا ثبت هذا فإنه يشترط لحله شرطان (أحدهما) أن يجد سهمه فيه أو أثره ويعلم أنه أثر سهمه لأنه إذا لم يكن كذلك فهو شاك في وجود المبيح فلا يثبت بالشك (والثاني) أن لا يجد به أثراً غير أثر سهمه مما يحتمل أنه أعان على قتله لقول النبي ﷺ " ما لم تجد فيه أثراً غير سهمك " وفي لفظ " إن وجدت فيه أثر غير سهمك فلا تأكله فإنك لا تدري أقتلته أنت أو غيرك " رواه الدارقطني وفي لفظ " إذا وجدت فيه سهمك ولم يأكل منه سبع فكل منه " رواه النسائي وفي حديث عدي أن النبي ﷺ قال " فإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في

стр. 6407

الماء فلا تأكل " رواه البخاري ولأنه إذا وجد به أثراً يصلح أن يكون قد قتله أو أعان على قتله فقد تحقق المعارض فلم يبح كما لو جد مع كلبه كلباً سواه، فأما إن كان الأثر مما لا يقتل مثله مثل أكل حيوان ضعيف كالسنور والثعلب من حيوان قوي فهو مباح لأن هذا يعلم أنه لم يقتله فهو كما لو تهشم من وقعته * (مسألة) * (وإن ضربه فأبان منه عضو أو بقيت فيه حياة مستقرة لم يبح ما أبان منه وإن بقي معلقا بجلده حل وإن أبانه ومات في الحال حل الجميع وعنه لا يباح ما أبان منه) وجملة ذلك أنه إذا رمى صيداً أو ضربه فأبان منه بعضه لم يخل من ثلاثة أقسام (أحدها) أن يقطعه قطعتين أو يقطع رأسه فيحل جميعه سواء كانت القطعتان متساويتين أو متفاوتتين وبهذا قال الشافعي وروي ذلك عن عكرمة والنخعي وقتادة، قال أبو حنيفة إن كانتا متساويتين أو التي مع الرأس أقل حلتا وإن كانت الأخرى أقل لم تحل وحل الرأس وما معه لأن النبي ﷺ قال " ما أبين من حي فهو ميت " ولنا أنه جزء لا تبقى الحياة مع فقده فأبيح كما لو تساوت القطعتان (والثاني) أن يبين منه عضو وتبقى فيه حياة مستقرة فالبائن محرم بكل حال سواء بقي الحيوان حياً أو أدركه فذكاه أو رماه

стр. 6408

بسهم آخر فقتله إلا أنه إن ذكاه حل بكل حال دون ما أبان منه، وإن ضربه في غير مذبحه فقتله نظرت، فإن لم يكن أثبته بالضربة الأولى حل دون ما أبان منه، وإن كان اثتبه لم يحل شئ منه لأن ذكاة المقدور في الحلق واللبة (الثالث) أبان منه عضواً ولم تبق فيه حياة مستقرة ففيها روايتان (أشهرهما) عن أحمد إباحتها قال أحمد إنما حديث النبي ﷺ " ما قطعت من الحي ميتة إذا قطعت وهي حية تمشي وتذهب " أما إذا كانت البينونة والموت جميعاً أو بعده بقليل إذا كان في علاج الموت فلا بأس به ألا ترى الذي يذبح ربما مكث ساعة وربما مشى حتى يموت، وهذا مذهب الشافعي وروي ذلك عن علي وعطاء والحسن وقال قتادة وابراهيم وعكرمة أن وقعا معاً أكلهما وإن مشى بعد قطع العضو أكله ولم يأكل العضو (والرواية الثانية) لا يباح ما بان منه وهو مذهب أبي حنيفة لقول النبي ﷺ " ما أبين من حي فهو ميت " ولأن هذه البينونة لا تمنع بقاء الحيوان في العادة فلم يبح أكل البائن كما لو أدركه الصياد وفيه حياة مستقرة والأولى المشهورة لأن ما كان ذكاة لبعض الحيوان كان ذكاة لجميعه كما لو قده نصفين والخبر يقتضي أن يكون الباقي حياً حتى يكون المنفصل منه ميتاً وكذا نقول قال فإن بقي معلقا بجلده حل رواية واحدة ذكره أبو الخطاب لأنه لم يبن

стр. 6409

(فصل) قال أحمد ثنا هشيم عن منصور عن الحسن أنه كان لا يرى بالطريدة بأساً كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم واستحسنه أبو عبد الله قال والطريدة الصيد يقع بين القوم فيقطع ذامنه بسيفه قطعة ويقطع الآخر أيضاً حتى يؤتى عليه وهو حي قال وليس هو عندي إلا أن الصيد يقع بينهم لا يقدرون على ذكاته فيقطعونه قطعاً * (مسألة) * (وإن أخذ قطعة من حوت وأفلت حيا أبيح ما أخذ منه) لأن أقصى ما فيه أنه ميت وميتته حلال لقوله ﵊ في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " * (مسألة) * (وأما ما ليس بمحدد كالبندق والعصي والحجر والشبكة والفخ فلا يباح ما قتل به) لأنه وقيذ أما ما قتلته الشبكة والحبل فهو محرم لا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن أنه مباح إذا قتله الحبل إذا سمى فدخل فيه وجرحه وهذا قول شاذ يخالف عوام أهل العلم ولأنه قتل بما ليس له حد أشبه ما قتله بالبندق (فصل) فأما ما قتل البندق والحجر الذي لا حد له فلا يؤكل وهذا قول عامة الفقهاء فأما الحجر المحدد كالصوان فهو كالمعراض إن قتل بحده ابيح وان قتل بعضره أو ثقله فهو وقيذ لا يباح قال

стр. 6410

ابن عمر في المقتولة بالبندق: تلك الموقوذة وكره ذلك سالم والقاسم ومجاهد وعطاء والحسن وابراهيم ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور. ورخص فيما قتل بها ابن المسيب أيضاً وعمار وعبد الرحمن ابن أبي ليلى ولنا قوله تعالى (حرمت عليكم الميتة - إلى قوله - والموقوذة) وروى سعيد بإسناده عن إبراهيم عن عدي قال: قال رسول الله ﷺ " ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت " وقال عمر ﵁ ليتق أحدكم أن يحذف الأرنب بالعصا والحجر ثم قال ولتذك لكم الأسل الرماح والنبل. إذا ثبت هذا فسواء شدخه أو لم يشدخه حتى لو رماه ببندقة فقطعت حلقوم طائر ومريئه أو أطارت راسه لم يحل ومثله لو فعل ذلك بحجر غير محدد (فصل) أجمع أهل العلم على تحريم صيد المجوسي إذا لم يذكه من هو من أهل الذكاة الا مالا ذكاة له كالسمك والجراد، إلا أن مالكا والليث وأبا ثور شذوا عن الجماعة وأفرطوا، فأما مالك والليث فقالا لا نرى يؤكل الجراد إذا صاده المجوسي ورخصا في السمك، وأبا ثور أباح صيده لقول رسول الله ﷺ " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " وهذا قول يخالف الإجماع فلا عبرة به والحديث إنما أريد به قبول الجزية منهم لا تحليل ذبائحهم ونسائهم لمخالفته الإجماع
следующие страницы →