Полный текст (7 422 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.
стр. 6406
ولنا ما روى عدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال " إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل " متفق عليه، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله افتني في سهمي قال " ما رد عليك سهمك فكل " قال وإن تغيب عني؟ قال " وإن تغيب عنك ما لم تجد فيه أثراً غير سهمك أو تجده قد صل " رواه أبو داود وعن أبي ثعلبة عن النبي ﷺ أنه قال " إذا رميت الصيد فادركته بعد ثلاث وسهمك فيه فكله ما لم ينتن " ولأن جرحه سبب إباحته وقد وجد يقيناً والمعارض له مشكوك فيه فلا نزول عن اليقين بالشك ولانه جده وسهمه فيه ولم يجد به أثراً آخر فأشبه ما لو لم يترك طلبه عند أبي حنيفة أو كما لو غاب نهاراً أو مدة يسيرة أو كما لو لم يغب.
إذا ثبت هذا فإنه يشترط لحله شرطان (أحدهما) أن يجد سهمه فيه أو أثره ويعلم أنه أثر سهمه لأنه إذا لم يكن كذلك فهو شاك في وجود المبيح فلا يثبت بالشك (والثاني) أن لا يجد به أثراً غير أثر سهمه مما يحتمل أنه أعان على قتله لقول النبي ﷺ " ما لم تجد فيه أثراً غير سهمك " وفي لفظ " إن وجدت فيه أثر غير سهمك فلا تأكله فإنك لا تدري أقتلته أنت أو غيرك " رواه الدارقطني وفي لفظ " إذا وجدت فيه سهمك ولم يأكل منه سبع فكل منه " رواه النسائي وفي حديث عدي أن النبي ﷺ قال " فإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في
стр. 6407
الماء فلا تأكل " رواه البخاري ولأنه إذا وجد به أثراً يصلح أن يكون قد قتله أو أعان على قتله فقد تحقق المعارض فلم يبح كما لو جد مع كلبه كلباً سواه، فأما إن كان الأثر مما لا يقتل مثله مثل أكل حيوان ضعيف كالسنور والثعلب من حيوان قوي فهو مباح لأن هذا يعلم أنه لم يقتله فهو كما لو تهشم من وقعته * (مسألة) * (وإن ضربه فأبان منه عضو أو بقيت فيه حياة مستقرة لم يبح ما أبان منه وإن بقي معلقا بجلده حل وإن أبانه ومات في الحال حل الجميع وعنه لا يباح ما أبان منه) وجملة ذلك أنه إذا رمى صيداً أو ضربه فأبان منه بعضه لم يخل من ثلاثة أقسام (أحدها) أن يقطعه
قطعتين أو يقطع رأسه فيحل جميعه سواء كانت القطعتان متساويتين أو متفاوتتين وبهذا قال الشافعي وروي ذلك عن عكرمة والنخعي وقتادة، قال أبو حنيفة إن كانتا متساويتين أو التي مع الرأس أقل حلتا وإن كانت الأخرى أقل لم تحل وحل الرأس وما معه لأن النبي ﷺ قال " ما أبين من حي فهو ميت " ولنا أنه جزء لا تبقى الحياة مع فقده فأبيح كما لو تساوت القطعتان (والثاني) أن يبين منه عضو وتبقى فيه حياة مستقرة فالبائن محرم بكل حال سواء بقي الحيوان حياً أو أدركه فذكاه أو رماه
стр. 6408
بسهم آخر فقتله إلا أنه إن ذكاه حل بكل حال دون ما أبان منه، وإن ضربه في غير مذبحه فقتله نظرت، فإن لم يكن أثبته بالضربة الأولى حل دون ما أبان منه، وإن كان اثتبه لم يحل شئ منه لأن ذكاة المقدور في الحلق واللبة (الثالث) أبان منه عضواً ولم تبق فيه حياة مستقرة ففيها روايتان (أشهرهما) عن أحمد إباحتها قال أحمد إنما حديث النبي ﷺ " ما قطعت من الحي ميتة إذا قطعت وهي حية تمشي وتذهب " أما إذا كانت البينونة والموت جميعاً أو بعده بقليل إذا كان في علاج الموت فلا بأس به ألا ترى الذي يذبح ربما مكث ساعة وربما مشى حتى يموت، وهذا مذهب الشافعي وروي ذلك عن علي وعطاء والحسن وقال قتادة وابراهيم وعكرمة أن وقعا معاً أكلهما وإن مشى بعد قطع العضو أكله ولم يأكل العضو (والرواية الثانية) لا يباح ما بان منه وهو مذهب أبي حنيفة لقول النبي ﷺ " ما أبين من حي فهو ميت " ولأن هذه البينونة لا تمنع بقاء الحيوان في العادة فلم يبح أكل البائن كما لو أدركه الصياد وفيه حياة مستقرة والأولى المشهورة لأن ما كان ذكاة لبعض الحيوان كان ذكاة لجميعه كما لو قده نصفين والخبر يقتضي أن يكون الباقي حياً حتى يكون المنفصل منه ميتاً وكذا نقول قال فإن بقي معلقا بجلده حل رواية واحدة ذكره أبو الخطاب لأنه لم يبن
стр. 6409
(فصل) قال أحمد ثنا هشيم عن منصور عن الحسن أنه كان لا يرى بالطريدة بأساً كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم واستحسنه أبو عبد الله قال والطريدة الصيد يقع بين القوم فيقطع ذامنه بسيفه قطعة ويقطع الآخر أيضاً حتى يؤتى عليه وهو حي قال وليس هو عندي إلا أن الصيد يقع بينهم
لا يقدرون على ذكاته فيقطعونه قطعاً * (مسألة) * (وإن أخذ قطعة من حوت وأفلت حيا أبيح ما أخذ منه) لأن أقصى ما فيه أنه ميت وميتته حلال لقوله ﵊ في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " * (مسألة) * (وأما ما ليس بمحدد كالبندق والعصي والحجر والشبكة والفخ فلا يباح ما قتل به) لأنه وقيذ أما ما قتلته الشبكة والحبل فهو محرم لا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن أنه مباح إذا قتله الحبل إذا سمى فدخل فيه وجرحه وهذا قول شاذ يخالف عوام أهل العلم ولأنه قتل بما ليس له حد أشبه ما قتله بالبندق (فصل) فأما ما قتل البندق والحجر الذي لا حد له فلا يؤكل وهذا قول عامة الفقهاء فأما الحجر المحدد كالصوان فهو كالمعراض إن قتل بحده ابيح وان قتل بعضره أو ثقله فهو وقيذ لا يباح قال
стр. 6410
ابن عمر في المقتولة بالبندق: تلك الموقوذة وكره ذلك سالم والقاسم ومجاهد وعطاء والحسن وابراهيم ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور.
ورخص فيما قتل بها ابن المسيب أيضاً وعمار وعبد الرحمن ابن أبي ليلى ولنا قوله تعالى (حرمت عليكم الميتة - إلى قوله - والموقوذة) وروى سعيد بإسناده عن إبراهيم عن عدي قال: قال رسول الله ﷺ " ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت " وقال عمر ﵁ ليتق أحدكم أن يحذف الأرنب بالعصا والحجر ثم قال ولتذك لكم الأسل الرماح والنبل.
إذا ثبت هذا فسواء شدخه أو لم يشدخه حتى لو رماه ببندقة فقطعت حلقوم طائر ومريئه أو أطارت راسه لم يحل ومثله لو فعل ذلك بحجر غير محدد (فصل) أجمع أهل العلم على تحريم صيد المجوسي إذا لم يذكه من هو من أهل الذكاة الا مالا ذكاة له كالسمك والجراد، إلا أن مالكا والليث وأبا ثور شذوا عن الجماعة وأفرطوا، فأما مالك والليث فقالا لا نرى يؤكل الجراد إذا صاده المجوسي ورخصا في السمك، وأبا ثور أباح صيده لقول رسول الله ﷺ " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " وهذا قول يخالف الإجماع فلا عبرة به والحديث إنما أريد به قبول الجزية منهم لا تحليل ذبائحهم ونسائهم لمخالفته الإجماع
стр. 6411
(النوع الثاني) الجارحة فيباح ما قتلته إن كانت معلمة إلا الكلب الأسود البهيم فلا يباح صيده، ولا خلاف في اعتبار شرط التعليم في الجارحة لقوله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم) فأما الكلب الأسود البهيم فلا يباح صيده، والبهيم الذي لا يخالط لونه لون سواه قال أحمد الذي ليس فيه بياض قال ثعلب وإبراهيم الحربي كل لون لم يخالطه لون آخر فهو بهيم قيل لهما من كل لون؟ قال نعم، وممن كره صيده الحسن والنخعي وقتادة واسحاق قال احمد ما أعرف أحدا يرخص فيه يعني من السلف واباح صيده أبو حنيفة ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر والقياس على غيره من الكلاب ولنا أنه كلب محرم اقتناؤه فلم يبح صيده كغير المعلم ودليل تحريم اقتنائه قول النبي ﷺ " فاقتلوا منها كل أسود بهيم " رواه سعيد وغيره وروى مسلم في صحيحه باسناده عن عبد الله بن المغفل قال أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها فقال " عليكم بالأسود البهيم ذي النكتتين فإنه شيطان " فأمر بقتله وما وجب قتله حرم اقتناؤه وتعليمه فلم يبح صيده كغير المعلم ولأن النبي ﷺ سماه شيطاناً ولا يجوز اقتناء الشيطان، واباحة الصيد المقتول رخصة فلا تستباح بمحرم
стр. 6412
كسائر الرخص والعمومات مخصوصة بما ذكرناه، وإن كان فيه نكتتان فوق عينيه لم يخرج بذلك عن كونه بهيماً لما ذكرنا من الخبر * (مسألة) * (والجوارح نوعان ما يصيد بنابه كالكلب والفهد فتعليمه بثلاثة أشياء، أن يسترسل إذا أرسل وينزجر إذا زجر وإذا أرسل لم يأكل) * (مسألة) * (ولا يعتبر تكرر ذلك منه) هذا قول الشريف أبي جعفر وأبي الخطاب بل يحصل ذلك بالمرة لأنه تعلم صنعة فلا يعتبر فيه التكرار كسائر الصنائع، وقال القاضي يعتبر تكرار ذلك منه مرة بعد أخرى حتى يصير معلماً في العرف وأقل ذلك ثلاث وهو قول أبي يوسف ومحمد ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات لأن التقدير بالتوقيف ولا توقيف في هذا بل قدره بما يصير به في العرف معلماً، وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا
تكرر مرتين صار معلما لأن التكرار يحصل بمرتين وإنما اشترطنا التكرار لأن تركه للأكل يحتمل أن يكون لشبع ويحتمل أن يكون لتعليم فلا يتميز ذلك إلا بالتكرار وما اعتبر فيه التكرار
стр. 6413
اعتبر ثلاثا كالمسح في الاستحمار والإقرار والشهود في العدة والغسلات في الوضوء.
ويفارق الصنائع فإنه لا يتمكن من فعلها إلا من تعلمها فإذا فعلها علم أنه تعلمها وعرفها، وترك الأكل ممكن الوجود من المتعلم وغيره فيوجد من الصنفين جميعا فلا يتميز به أحدهما من الآخر حتى يتكرر (فصل) قد ذكرنا أن ترك الاكل شرط لكون الجارح المذكور معلماً وحكي عن ربيعة ومالك أنه لا يشترط ترك الأكل لما روى أبو ثعلبة قال قال رسول الله ﷺ " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل " ذكره الإمام أحمد ورواه أبو داود ولنا أن العادة في المعلم ترك الأكل فاعتبر شرطا كالانزجار إذا زجر وحديث أبي ثعلبة معارض بما روى عدي بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال " فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه " وهذا أولى بالتقديم لأنه أصح وهو متفق عليه ولأنه متضمن للزيادة وهو ذكر الحكم معللا ثم أن حديث أبي ثعلبة محمول على جارحة ثبت تعليمها لقوله " إذا أرسلت كلبك المعلم " ولا يثبت التعليم حتى يترك الأكل، إذا ثبت هذا فإن الانزجار بالزجر إنما يعتبر قبل إرساله على الصيد أو رؤيته أما بعد ذلك فإنه لا يعتبر الانزجار بحال قال شيخنا ولا أحسب هذه الخصال تعتبر في
стр. 6414
غير الكلب فإنه الذي يجيب صاحبه إذا دعاه وينزجر إذا زجره والفهد لا يكاد يجيب داعياً وإن عد متعلماً فيكون التعليم في حقه ترك الأكل خاصة أو بما يعده به أهل العرف معلما * (مسألة) * (فإن أكل بعد تعلمه لم يحرم ما تقدم من صيده ولم يبح ما أكل منه في إحدى الروايتين والأخرى يحل) أصح الروايتين أن ما أكل منه لا يباح ويروى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وبه قال عطاء وطاوس وعبيد بن عمير والشعبي والنخعي وسويد بن عفلة وأبو بردة وسعيد بن جبير وعكرمة
والضحاك وقتادة واسحاق وأبو حنيفة وأصحابه (والثانية) يباح روى ذلك عن سعد بن أبي وقاص وسلمان وأبي هريرة وابن عمر حكاه عنهم الإمام أحمد وبه قال مالك وللشافعي قولان كالمذهبين واحتج من أباحه بعموم قوله تعالى (فكلوا مما أمسكن عليكم) ولحديث أبي ثعلبة ولأنه صيد جارح معلم فأبيح كما لو لم يأكل فإن الأكل يحتمل أن يكون لفرط جوع أو غيظ على الصيد ولنا قول النبي ﷺ في حديث عدي بن حاتم " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك " قلت وإن قتل؟ قال " وإن قتل إلا أن يأكل الكلب فإن أكل فلا
стр. 6415
تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه " متفق عليه ولأن ما كان شرطا في الصيد الأول كان شرطا في سائر صيوده كالإرسال والتعليم فأما الآية فلا تتناول هذا الصيد لأنه قال (مما أمسكن عليكم) وهذا إنما أمسك على نفسه وأما حديث أبي ثعلبة فقال أحمد يختلفون عن هشيم فيه وحديثنا أصح لأنه متفق عليه وحديث عدي أضبط ولفظه أبين لأنه ذكر الحكم والعلة، قال أحمد حديث الشعبي عن عدي من أصح ما روي عن النبي ﷺ الشعبي يقول كان جاري وربيطي فحدثني والعمل عليه ويحتمل أنه أكل منه بعد أن قتله وانصرف عنه (فصل) ولا يحرم ما تقدم من صيده في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة يحرم لأنه لو كان معلماً ما أكل ولنا عموم الآية والاخبار وانما خص ما أكل منه ففيما عداه يجب العمل بالعموم ولأن اجتماع شروط التعليم حاصل فوجب الحكم به ولهذا حكمنا بحل صيده فإذا وجد الأكل احتمل أن يكون لنسيان أو فرط جوع فلا يترك ما ثبت يقيناً بالاحتمال
стр. 6416
(فصل) ولا يحرم ما صاده الكلب بعد الصيد الذي أكل منه ويحتمل كلام الخرقي أنه يخرج عن أن يكون معلماً فتعتبر له شروط التعليم ابتداء والأول أولى لما ذكرنا في صيده قبل الأكل
(فصل) فإن شرب من دمه ولم يأكل منه لم يحرم نص عليه أحمد وبه قال عطاء والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وكرهه الشعبي والثوري لأنه في معنى الأكل ولنا عموم الآية والأخبار وإنما خرج منه ما أكل منه لحديث عدي وهو قوله " فإن أكل منه فلا تأكل " وهذا لم يأكل ولأن الدم لا يقصده الصائد منه ولا ينتفع به فلا يخرج بشربه عن أن يكون ممسكا على صائده (فصل) وكل ما يقبل التعليم ويمكن الاصطياد به من سباع البهائم كالفهد وجوارح الطير فحكمه حكم الكلب في إباحة صيده قال ابن عباس في قوله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين) هي الكلاب المعلمة وكل طير تعلم الصيد والفهود والصقور وأشباهها وبمعنى ذلك قال طاووس ويحيى ابن أبي كثير والحسن ومالك والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي وأبو ثور وحكي عن ابن عمر ومجاهد أنه لا يجوز الصيد إلا بالكلب لقول الله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين) يعني علمتم من الكلاب
стр. 6417
ولنا ما روى عن عدي قال سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي فقال " إذا أمسك عليك فكل " ولانه جارح يصاد به عادة ويقبل التعليم فاشبه الكلب، فأما الآية فإن الجوارح الكواسب قال الله تعالى (ويعلم ما جرحتم) أي كسبتم وفلان جارحة أهله أي كاسبهم (مكلبين) من التكليب وهو الاغراء (النوع الثاني) ذو المخلب كالبازي والصقر والعقاب والشاهين فتعليمه بأن يسترسل ويجيب إذا دعي ولا يعتبر ترك الأكل، فعلى هذا يباح صيده وإن أكل منه وبهذا قال ابن عباس وإليه ذهب النخعي وحماد والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ونص الشافعي على أنه كالكلب في تحريم ما أكل منه من صيده، لأن مجالدا روى عن الشعبي عن عدي عن النبي ﷺ " فإن أكل الكلب والبازي
стр. 6418
فلا تأكل " ولأنه جارح أكل مما صاده عقيب قتله فأشبه سباع البهائم.
ولنا إجماع الصحابة فروي الخلاف بإسناده عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل
وإن أكل الصقر فكل لأنك تستطيع أن تضرب الكلب ولا تستطيع أن تضرب الصقر وقد ذكرنا عن أربعة من الصحابة إباحة ما أكل منه الكلب وخالفهم ابن عباس ووافقهم في الصقر ولم ينقل عن أحد في عصرهم خلافهم ولأن جوارح الطير تعلم بالأكل ويتعذر تعليمها بترك الأكل فلم يقدح في تعليمها بخلاف الكلب والفهد، وأما الخبر فلا يصح برواية مجالد وهو ضعيف قال أحمد مجالد يضير القصة واحدة كم من أعجوبة لمجالد؟ والرواية الصحيحة تخالفه، ولا يصح قياس الطير على السباع لما بينهما من الفرق وعلى هذا كل ما أمكن تعليمه والاصطياد به من جوارح الطير كالبازي والصقر والعقاب والباشق ونحوه حل صيدها على ما ذكرنا.
* (مسألة) * (ولابد أن يجرح الصيد فإن قتله بصدمته أو خنقه لم يبح) قال الشريف وبه قال أكثرهم وقال ابن حامد يباح وهو قول للشافعي لعموم الآية والخبر.
ولنا أنه قتله بغير جرح أشبه ما لو قتله بالحجر والبندق، ولأن الله تعالى حرم الموقوذة وهذا
стр. 6419
كذلك وهو يخص ما ذكروه، وقول النبي ﷺ " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل " يدل على أنه يباح ما لم ينهر الدم.
* (مسألة) * (وما أصابه فم الكلب هل يجب غسله؟ على وجهين) [أحدهما] لا يجب، لأن الله تعالى ورسوله أمرا بأكله ولم يأمرا بغسله [والثاني] يجب لأن نجاسته قد ثبتت فيجب غسل ما أصابه كبوله.
* (فصل) * قال ﵀ (الثالث أن يرسل الآلة قاصداً للصيد فإن استرسل الكلب أو غيره بنفسه لم يبح صيده وإن زجره إلا أن يزيد عدوه بزجره فيحل، وبهذا قال ربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال عطاء والاوزاعي يؤكل صيده إذا جرح الصيد، وقال إسحاق إذا
стр. 6420
سمى عند انفلاته أبيح وروى بإسناده عن ابن عمر أنه سئل عن الكلاب تنفلت من مرابضها فتصيد الصيد قال إذا ذكر اسم الله فكل قال إسحاق فهذا الذي اختار إذا لم يتعمد إرساله من غير اسم
الله عليه قال الخلال هذا قول أبي عبد الله.
ولنا قول النبي ﷺ " إذا أرسلت كلبك وسميت فكل، ولأن إرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح ولهذا اعتبرت التسمية معه فإن استرسل بنفسه فسمى صاحبه وزجره فزاد عدوه بزجره أبيح صيده، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يباح وعن مالك كالمذهبين.
ولنا أن زجره أثر في عدوه فصار كما لو أرسله، لأن فعل الآدمي إذا انضاف إلى فعل البهيمة كان الاعتبار بفعل الإنسان بدليل أنه لو عدا على إنسان فأغراه آدمي فاصابه ضمن الآدمي، وإن لم يزد عدوه بزجره لم يبح لأنه لم يؤثر شيئاً فهو كما لو لم يزجره
стр. 6421
(فصل) وإن أرسله بغير تسمية ثم سمى وزجره فزاد عدوه فظاهر كلام أحمد أنه يباح فإنه قال إذا أرسل ثم سمى فانزجر أو أرسل وسمى فالمعنى قريب من السواء وظاهر هذا الاباحة لأنه انزجر بتسميته وزجره فأشبه التي قبلها، وقال القاضي لا يباح لأن الحكم يتعلق بالإرسال الأول بخلاف ما إذا استرسل بنفسه ولأنه لا يتعلق به حظر ولا إباحة.
* (مسألة) * (وإن أرسل كلبه إلى هدف فقتل صيداً أو أرسله يريد الصيد ولا يرى صيداً لم يحل صيده إذا قتله) لأن قصد الصيد شرط ولم يوجد وكذلك أن قصد إنساناً أو حجراً أو رمى عيناً غير قاصد صيدا فقتله لم يحل لأنه لم يقصد صيداً لكون القصد لا يتحقق إلا بعلمه، وبهذا قال الشافعي في الكلب وقال الحسن ومعاوية بن قرة يأكله لعموم الآية والخبر ولأنه قصد الصيد فحل له ما صاده كما لو رآه ولنا أن قصد الصيد شرط ولا يصح مع عدم العلم فأشبه ما لو لم يقصد الصيد.
стр. 6422
* (مسألة) * (فإن رمى حجراً يظنه صيداً فأصاب صيداً لم يحل ويحتمل أن يحل ذكره أبو الخطاب) لأنه لم يقصد شيئاً على الحقيقة ويحتمل أن يحل اختاره شيخنا لأنه قصد الصيد أشبه ما لو رآه، ولأن صحة القصد تبنى على الظن وقد وجد وصح قصده فينبغي أن يحل صيده، فأما إن شك هل هو
صيد أم لا؟ وغلب على ظنه أنه ليس بصيد لم يبح، لأن صحة القصد تنبني على العلم ولم يوجد ذلك.
(فصل) فان رأى سواداً أو سمع حساً فظنه آدمياً أو بهيمة أو حجراً فرماه فقتله فإذا هو صيد لم يبح، وبهذا قال مالك ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة والشافعي يباح أن كان المرسل سهماً ولا يباح أن كان جارحاً واحتج من أباحه بعموم الآية والخبر، ولأنه قصد الاصطياد وسمى فأشبه ما لو علمه صيداً.
ولنا أنه لم يقصد فلم يبح كما لو رمى هدفاً فأصاب صيداً أو كما في الجارح عند الشافعي وإن ظنه كلباً أو خنزيراً لم يبح لذلك وقال محمد بن الحسن يباح لأنه مما يباح قتله، ولنا ما تقدم
стр. 6423
* (مسألة) * (وإن رمى صيداً فقتل غيره أو رمى صيداً فقتل جماعة حل) إذا رمى صيداً فأصابه هو وغيره حلا جميعاً والجارح في هذا بمنزلة السهم.
نص أحمد على ذلك وبه قال الثوري وقتادة وأبو حنيفة والشافعي إلا أن الشافعي قال إذا أرسل الكلب على صيد فأخذ آخر في طريقه حل وإن عدل عن طريقه إليه ففيه وجهان، وإن أرسله على صيد فقتل غيره أبيح وقال مالك إذا ارسل كلبه على صيد بعينه فأخذ غيره لم يبح لأنه لم يقصد صيده إلا أن يرسله على صيود فتفرق عن صغار فإنها تباح إذا أخذها.
ولنا عموم قوله تعالى (فكلوا مما أمسكن عليكم) وقوله ﵇ " إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك " وقوله ﵇ " كل ما ردت عليك قوسك " ولأنه أرسل آلة الصيد على صيد فحل ما صاده كما لو أرسلها على كبار فتفرقت عن صغار فأخذها عند مالك أو كما لو أخذ صيداً في طريقه عند الشافعي ولأنه لا يمكن تعليم الجارح اصطياد واحد بعينه دون واحد فسقط اعتباره.
стр. 6424
* (مسألة) * (وإن أرسل سهمه على صيد فأعانته الريح فقتلته ولولاها ما وصل حل) لأنه قتل الحيوان بسهمه ورميه فحل كما لو وقع سهمه في حجر فرده إلى الصيد فقتله
* (مسألة) * (وإن رمى صيداً فأثبته ملكه، فإن تحامل فأخذه غيره لزمه رده كما يلزمه رد الشاة) * (مسألة) * (وإن لم يثبته فذخل خيمة إنسان فأخذه فهو لآخذه) لأن الأول لم يملكه لكونه ممتنعا فملكه الثاني بأخذه، ولو رمى طيراً على شجرة في دار قوم فطرحه في دارهم فأخذوه فهو للرامي دونهم لأنه ملكه بإزالة امتناعه.
* (مسألة) * (وإن وقع صيد في شبكة إنسان فخرقها وذهب بها فصاده آخر فهو للثاني) أما إذا تعلق صيد في شرك إنسان أو شبكته ملكه لأنه أثبته بآلته ذكره أصحابنا فإن أخذه إنسان لزمه رده عليه لأن آلته أثبتته فأشبه ما لو أثبته بسهمه وإن لم تمسكه الشبكة بل انفلت منها في الحال أو
стр. 6425
بعد حين لم يملكه لأنه لم يثبته وان أخذ الشبكة وذهب بها فصاده إنسان ملكه ويرد الشبكة على صاحبها دون الصائد لأنه لم يثبته، وإن كان يمشي بالشبكة على وجه لا يقدر على الامتناع فهو لصاحبها لأنها أزالت امتناعه، فأما أن أمسكه الصائد وثبتت يده عليه ثم انفلت منه لم يزل ملكه عنه لأنه امتنع منه بعد ثبوت ملكه عليه فلم يرد ملكه عنه.
كما لو شردت فرسه أو ند بعيره.
(فصل) فإن اصطاد صيداً فوجد عليه علامة مثل قلادة في عنقه أو في أذنه قرطاً لم يملكه لأن الذي صاده ملكه فلا يزول ملكه بالانفلات، وكذلك إن وجد طائراً مقصوص الجناح ويكون لقطة فإن قيل يحتمل أن الذي أمسكه أولاً محرم لم يملكه أو أنه أرسله على سبيل التخلية وإزالة الملك عنه كالقاء الشئ التافه قلنا أما الأول فنادر وهو مخالف للظاهر لأن ظاهر حال المحرم أنه لا يصيد ما حرم الله تعالى عليه، وأما الثاني فخلاف الأصل فإن الأصل بقاء ملكه عليه وما ذكروه محتمل فلا يزول الملك بالشك * (مسألة) * (ومن كان في سفينة فوثبت سمكة فوقعت في حجره فهي له دون صاحب السفينة) وذلك لأن السمك من الصيد المباح فملك بالسبق إليه وهذه حصلت في يد الذي هي في حجره
стр. 6426
وحجره له ويده عليه دون صاحب السفينة ألم تر أنهما لو تنازعا كيساً في حجره كان أحق به من صاحب السفينة؟ كذا ههنا، فأما إن وقعت السمكة في السفينة فهي لصاحبها ذكره ابن أبي موسى
وهو مفهوم كلام الخرقي لأن السفينة ملكه ويده عليها فما حصل من المباح فيها كان أحق به كحجره (فصل) فإن كانت السمكة وثبت بفعل إنسان لقصد الصيد كالصياد الذي يجعل في السفينة ضوأ بالليل وبدق بشئ كالجرس ليثب السمك في السفينة فهذا للصياد دون من وقع في حجره لأن الصائد أثبتها بذلك فصار كمن رمى طائراً فألقاه في دار قوم وإن لم يقصد الصيد بهذا بل حصل اتفاقاً كانت لمن وقعت في حجره * (مسألة) * (وإن صنع بركة ليصيد بها السمك فما حصل فيها ملكه وإن لم يقصد بها ذلك لم يملكه) كما لو توحل الصيد في ارضه وكذلك لو حصل في أرضه سمك من مد الماء، وإن عشش فيها طائر لم يملكه ولغيره أخذه كما يجوز له أخذ الماء والكلأ) * (مسألة) * (ويكره صيد السمك بالنجاسة) وهو أن يترك في الماء شئ نجس كالعذرة والميتة وشبههما ليأكله السمك ليصيد به، كره أحمد
стр. 6427
ذلك وقال هو حرام لابصادبه وإنما كره لما يتضمن من أكل السمك للنجاسة فيشبه الجلالة وسواء في هذا ما يتفرق كالدم ومالا يتفرق كقطعة من الميتة، وكره أحمد الصيد ببنات وردان وقال ان مأواها الحشوش وكره الصيد بالضفادع وقال نهي عن قتل الضفدع * (مسألة) * [ويكره صيد الطير بالشباش] وهو طير يخيط عينيه أو يربطه وكره أحمد الصيد بالخراطيم وكل شئ فيه روح لما فيه من تعذيب الحيوان فإن صاده فالصيد مباح ولم ير بأساً بالصيد بالشبكة والشرك وبالدبق الذي يمنع الحيوان من الطيران وإن يطعم شيئاً إذا أكله سكر وأخذ * (مسألة) * [وإن أرسل صيدا وقال أعتقتك لم يزل ملكه عنه ويحتمل أن يزول وهو لمن أخذه] ظاهر المذهب أنه لا يزول ملكه عنه بالإرسال والإعتاق قاله أصحابنا كما لو أرسل البعير والبقرة ويحتمل أن يزول الملك لأن الأصل الإباحة والإرسال يرده إلى أصله ويفارق بهيمة الأنعام من وجهين [أحدهما] أن الأصل ههنا الإباحة وبهيمة الأنعام بخلافه (الثاني) إن الإرسال ههنا يفيد وهو
رد الصيد إلى الخلاص من أيدي الآدميين وحبسهم ولهذا روي عن أبي الدرداء أنه اشترى عصفوراً من صبي فأرسله ولأنه يجب إرسال الصيد عل المحرم إذا أحرم بخلاف بهيمة الأنعام فإن إرساله تضييع له وربما هلك إذا لم يكن له من يقوم به * (فصل) * قال ﵁ (الرابع التسمية عند إرسال السهم أو الجارحة فقان تركها لم يبح سواء تركها عمداً أو سهواً في ظاهر المذهب وعنه إن نسيها على السهم أبيح وإن نسيها على الجارحة لم يبح)
стр. 6428
ظاهر المذهب أن التسمية شرط لإباحة الصيد وإنها لا تسقط بالسهو وهو قول الشعبي وأبي ثور وداود وروى حنبل عن أحمد أن التسمية تسقط بالنسيان قال الخلال سها أحمد في نقله، وممن أباح متروك التسمية في النسيان دون العمد أبو حنيفة ومالك لقول النبي ﷺ " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان " ولأن إرسال الجارحة جرى مجرى التذكية فعفي عن النسيان فيه كالذكاة، وعن أحمد أن التسمية تشترط على إرسال الكلب والعمد والنسيان بخلاف السهم فإن السهم آلة خفيفة وليس له اختيار فهو بمنزلة السكين بخلاف الحيوان فإنه يفعل باختياره وقال الشافعي يباح متروك التسمية عمداً وسهواً لأن البراء روي أن النبي ﷺ قال " المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم " وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قيل له أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله؟ فقال " اسم الله في قلب كل مسلم " وقد روي عن أحمد مثل ذلك ولنا قوله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وقال (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) وقال النبي ﷺ إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل " قلت أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر؟ قال " لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر " متفق عليه وفي لفظ " إذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل " وفي حديث أبي ثعلبة " وما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل " وهذه نصوص صحيحة فلا يعرج على ما خالفها وقوله " عفي لأمتي عن
стр. 6429
الخطأ والنسيان يقتضي نفي الإثم لا جعل الشرط المعدوم كالموجود بدليل ما لو نسي شرط الصلاة والفرق
بين الصيد والذبيحة أن الذبح وقع في محله فجاز أن يتسامح فيه بخلاف الصيد وأحاديث أصحاب الشافعي لم يذكرها أصحاب السنن المشهورة وإن صحت فهي في الذبيحة ولا يصح قياس الصيد على الذبيحة لما ذكرنا مع ما في الصيد من النصوص الخاصة والله أعلم [فصل] إذا سمى الصائد على صيد فأصاب غيره حل وإن سمى على سهم ثم ألقاه وأخذ غيره فرمى به لم يبح ما صاد به لأنه لما لم يمكن اعتبار التسمية على صيد بعينه اعتبرت على الآلة التي يصيد بها بخلاف الذبيحة ويحتمل إن يباح قياساً على ما لو سمى على سكين ثم ألقاها وأخذ غيرها وسقوط اعتبار تعيين الصيد لمشقته لا يقتضي اعتبار تعيين الآلة فلا يعتبر.
باب الذكاة * (مسألة) * (ولا يباح من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة إلا الجراد وشبهه وسائر مالا يعيش إلا في الماء فلا ذكاة له، وعنه في السرطان وسائر البحري أنه يباح بلا ذكاة) أما الحيوان المقدور عليه من الصيد والأنعام فلا يباح إلا بالذكاة بغير خلاف بين أهل العلم لقول الله تعالى (حرمت عليكم الميتة - إلى قوله - إلا ما ذكيتم) فأما السمك وشبهه مما لا يعيش إلا في
стр. 6430
الماء فإنه يباح بغير ذكاة لا نعلم في هذا خلافاً لقول رسول الله ﷺ في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وقد صح أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوا على ساحل البحر دابة يقال لها العنبر فأكلوا منها شهراً حتى سمنوا وادهنوا فلما قدموا علي رسول الله ﷺ اخبروه فقال " هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شئ تطعمونا؟ " متفق عليه (فصل) ولا فرق في ذلك بين ما مات بسبب أو بغير سبب لما ذكرنا من الحديثين وقد أجمع أهل العلم على إباحة ما مات بسبب مثل أن صاده إنسان أو نبذه البحر أو جزر عنه وكذلك ما حبس في الماء بحظيرة حتى يموت فإنه يحل، قال أحمد في الطافي يؤكل وما جزر عنه الماء أجود والسمك الذي نبذه البحر لم يختلف فيه، وإنما اختلفوا في الطافي وليس به باس وممن أباح الطافي من السمك ابو بكر الصديق وأبو أيوب ﵄ وبه قال مالك والشافعي وروي ذلك عن عطاء ومكحول والثوري
والنخعي وكره الطافي جابر وطاوس وابن سيرين وجابر بن زيد وأصحاب الرأي لما روي أن جابراً قال قال رسول الله ﷺ " ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه " رواه أبو داود ولنا قول الله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة) وقال ابن عباس طعامه ما مات فيه وأيضاً ما ذكر من الحديثين، وقال أبو بكر الصديق ﵁ الطافي حلال
стр. 6431
ولأنه لو مات في البر أبيح كالجراد وأما حديث جابر فإنما هو موقوف عليه وكذلك قال أبو داود رواه الثقات فأوقفوه على جابر وقد اسنه من وجه ضعيف فإن صح فنحمله على نهي الكراهة لأنه إذا مات رسب في أسفله فإذا انتن طفا فكرهه لنتنه لا لتحريمه.
* (مسألة) * (وعنه في السرطان وسائر البحري أنه يحل بلا ذكاة) قال أحمد السرطان لا بأس به قيل له يذبح؟ قال لا وذلك أن مقصود الذبح إنما هو إخراج الدم منه وتطيب اللحم بإزالته عنه فما لا دم فيه لا حاجة إلى ذبحه، فإن قلنا يذكى فذكاته أن يفعل به ما يموت فأما ما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر من دواب البحر كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء فلا يحل إلا أن يذبح هذا الصحيح من المذهب، قال أحمد كلب الماء نذبحه ولا أرى بأساً بالسلحفاة إذا ذبح، والرق نذبحه وفيه رواية أخرى أنه يحل بغير ذكاة وذهب إليه قوم من أهل العلم لقول النبي ﷺ في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ولأنه من حيوان الماء فأبيح بغير ذكاة كالسمك والسرطان وقال أبو بكر الصديق ﵁ كل ما في البحر قد ذكاه الله لكم وروى الإمام أحمد بإسناده عن شريح رجل أدرك النبي ﷺ قال " كل شئ في البحر مذبوح " وروي عن النبي ﷺ أنه قال " إن الله سبحانه ذبح كل شئ في البحر لابن آدم " والأولى أصح فيما سوى السرطان لأنه حيوان يعيش في البر له نفس سائلة فلم يبح بغير ذكاة كالطير، قال شيخنا ولا
стр. 6432
خلاف فيما علمناه في الطير والأخبار محمولة على مالا يعيش إلا في البحر كالسمك وشبهه لأنه لا يتمكن من تذكيته لأنه لا يذبح إلا بعد إخراجه من الماء ومتى خرج مات
* (مسألة) * (وعنه في الجراد لا يؤكل إلا أن يموت بسبب ككبه وتغريقه) لا خلاف في إباحة الجراد وقد روى عبد الله بن أبي أوفى قال غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد متفق عليه، ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب في قول عامة أهل العلم منهم الشافعي وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي وابن المنذر، وعن أحمد إذا قتله البرد لم يؤكل وعنه لا يؤكل إذا مات بغير سبب وهو قول مالك ويروى عن سعيد بن المسيب ولنا عموم قوله ﵊ " أحلت لنا ميتتان ودمان فالميتتان السمك والجراد " رواه ابن ماجه ولم يفصل ولأنه تباح ميتته فلم يعتبر له سبب كالسمك ولأنه لو افتقر إلى سبب لافتقر إلى ذبح وآلة كبهيمة الأنعام (فصل) يجوز أكل الجراد بما فيه وكذلك السمك يجوز أن يقلى من غير أن يشق جوفه وقال أصحاب الشافعي في السمك لا يجور لأن رجيعه نجس ولنا عموم النص في إباحته وما ذكروه غير مسلم وإن بلع إنسان منه شيئاً وهو حي كره لأن فيه تعذيب الحيوان (فصل) وسئل أحمد عن السمك يلقى في النار فقال ما يعجبني والجراد فقال ما يعجبني والجراد
стр. 6433
أسهل فإن هذا له دم، ولم يكره أكل السمك إذا ألقي في النار إنما كره تعذيبه بالنار وأما الجراد فسهل في إلقائه لأنه لا دم ولأن السمك لا حاجة إلى إلقائه في النار لإمكان تركه حتى يموت بسرعة، والجراد لا يموت في الحال بل يبقى مدة طويلة، وفي مسند الشافعي أن كعبا كان محرما فمرت به رجل من جراد فنسي وأخذ جرادتين فألقاهما في النار فشواهما وذكر ذلك لعمر فلم ينكر عمر تركهما في النار، وذكر له حديث ابن عمر كان الجراد يقلى له فقال إنما يؤخذ الجراد فتقطع أجنحته فيلقى في الزيت وهو حي * (مسألة) * (ويشترط للذكاة شروط أربعة (أحدها) أهلية الذابح وهو أن يكون عاقلاً مسلماً أو كتابياً فتباح ذبيحته ذكراً كان أو أنثى وعنه لا تباح ذبيحه نصارى بني تغلب ولا من أحد أبويه غير كتابي) أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب لقول الله تعالى (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) يعني ذبائحهم، قال البخاري قال ابن عبسا طعامهم ذبائحهم وكذلك قال مجاهد وقتادة
وروي معناه عن ابن مسعود وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا فرق بين العدم والفاسق من المسلمين وأهل الكتاب وعن أحمد لا تباح ذبيحة الاقلف وروي عن ابن عباس، والصحيح إباحته فإنه مسلم أشبه سائر المسلمين، وإذا أبيحت ذبيحة القاذف والزاني وشارب الخمر مع تحقق فسقه وذبيحة النصراني وهو كافر أقلف فالمسلم أولى (فصل) ولا فرق بين الحربي والذمي في إباحة ذبيحة الكتابي منهم وتحريم ذبيحة من سواه وسئل أحمد عن ذبائح نصارى أهل الحرب فقال لا باس بها حديث عبد الله بن مغفل قال إسحاق أجاد قال إبن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم مجاهد والثوري والشافعي واحمد واسحاق وأصحاب الرأي ولا فرق بين الكتابي العربي وغيره إلا أن في نصارى العرب اختلافا ذكرناه في باب الجزية وسئل مكحول عن ذبائح نصارى العرب فقال أما بهرا وتنوخ فلا باس
стр. 6434
وأما بنو تغلب فلا خير في ذبائحهم لأنه يروي عن علي ﵁ وهو مذهب الشافعي ولا ذبائح العرب من أهل الكتاب كلهم، والصحيح إباحته لعموم الآية فيهم، فأما من أحد أبويه غير كتابي ممن لا تحل ذبيحته فقال أصحابنا لا تحل ذبيحته وبه قال الشافعي وإذا كان الأب كتابياً ففيه قولان (أحدهما) تباح وهو قول مالك وابي ثور (والثاني) لا تباح لأنه وجد ما يقتضي الإباحة والتحريم فغلب ما يقتضي التحريم كما لو جرحه مسلم ومجوسي، وبيان وجود ما يقتضي التحريم إن كونه ابن مجوسي أو وثني يقتضي تحريم ذبيحته وعنه تباح ذبيحته مطلقاً وهو قول أبي حنيفة لعموم النص ولأنه كتابي يقر على دينه فتحل ذبيحته كما لو كان ابن كتابيين، فإن كان ابن وثنيين أو مجوسيين فمقتضى قول أصحابنا والشافعي ومالك تحريمه، ومقتضى قول أبي حنيفة حله لأن الاعتبار بدين الذابح لا بدين أبيه بدليل أن الاعتبار في قبول الجزية بذلك ولعموم النص والقياس * (مسألة) * (ولا تباح ذكاة مجنون ولا سكران ولا طفل غير مميز ولا مجوسي ولا وثني ولا مرتد) أما المجنون والطفل والسكران فلا تحل ذبيحتهم لأنه لا يصح مع القصد أشبه ما لو ضرب إنساناً بالسيف فقطع عنق شاة ولأنه أمر يعتبر له الدين فاعتبر له العقل كالغسل وبهذا قال مالك وقال
الشافعي لا يعتبر العقل والأولى أولى لأن الذكاة يعتبر لها العقل كالعبادة ومن لا عقل له لا يصح منه القصد فيصير ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق شاة فذبحتها (فصل) فأما ذكاة المجوسي فلا تحل في قول أهل العلم وشذ أبو ثور فأباح صيده وذبيحته لقول النبي ﷺ " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " ولأنهم يقرون بالجزية فتباح ذبيحتهم وصيدهم كاليهود والنصارى وهذا قول يخالف الإجماع فلا عبرة به قال ابراهيم الحربي خرق أبو ثور الإجماع، قال
стр. 6435
أحمد ههنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأساً ما أعجب هذا؟ يفرض بأبي ثور، وممن كره ذبائحهم ابن مسعود وابن عباس وعلي وجابر وابو بردة وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن بن محمد وعطاء ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي قال أحمد ولا أعلم أحداً يقول بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة ولأن الله تعالى قال (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار لأنهم لا كتاب لهم فلم تحل ذبائحهم كأهل الأوثان، وقد روى الإمام أحمد بإسناده عن قيس بن سكن الأسدي قال قال رسول الله ﷺ " إنكم قد تركتم بفارس من النبط فإذا اشتريتم لحماً فإن كان من يهودي أو نصراني فكلوا وإن كان من ذبيحة مجوسي فلا تأكلوا " ولأن كفرهم مع كونهم غير أهل كتاب يقتضي تحريم ذبائحهم ونسائهم بدليل سائر الكفار من غير أهل الكتاب وإنما أخذت منهم الجزية لأن شبهة الكتاب تقتضي التحريم لدمائهم فلما غلبت في التحريم لدمائهم فوجب أن يغلب عدم الكتاب في تحريم الذبائح والنساء احتياطاً للتحريم في الموضعين، ولأنه إجماع فإنه قول من سمينا ولا مخالف لهم في عصرهم ولا فيمن بعدهم إلا رواية عن سعيد بن المسيب روي عنه خلافها (فصل) وسائر الكفار من عبدة الأوثان والزنادقة وغيرهم حكمهم حكم المجوس في تحريم ذبائحهم قياساً عليهم بل هم شر من المجوس لأن المجوس لهم شبهة كتاب بخلاف هؤلاء، قال أحمد وطعام المجوس ليس به بأس أن يؤكل، وإذا أهدي إليه أن يقبل إنما كره ذبائحهم أو شيئاً فيه دسم.
يعني من اللحم ولم ير بالسمن والجبن بأساً، وسئل عما تصنع المجوس لأمواتهم ويزمزمون عليهم
أياماً عشراً ثم يقسمون ذلك في الجيران قال لا بأس بذلك وعن الشعبي قال كل مع المجوسي وإن
стр. 6436
زمزم، وروى أحمد أن سعيد بن جبير كان يأكل من كواميخ المجوس فأعجبه ذلك، وروى هشام عن الحسن أنه كان لا يرى بأساً بطعام المجوس في المصر ولا بشواريزهم ولا بكواميخهم (فصل) ولا تباح ذبيحة المرتد وإن كانت ردته إلى دين أهل الكتاب وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال إسحاق إن تدين بدين أهل الكتاب حلت ذبيحته ويحكى ذلك عن الأوزاعي لأن علياً ﵁ قال: من تولى قوماً فهو منهم ولنا أنه كافر لا يقر على دينه فلم تحل ذبيحته كالوثني ولأنه لا تثبت له أحكام أهل الكتاب إذا تدين بدينهم فإنه لا يقر بالجزية ولا يسترق ولا يحل له نكاح المرتدة، وأما قول علي فهو منهم لم يرد أنه منهم في جميع الاحكام بدليل ما ذكرنا ولأنه لم يكن يرى حل ذبائح نصارى بني تغلب ولا نكاح نسائهم مع توليهم للنصارى ودخولهم في دينهم ومع إقرارهم على ما صولحوا عليه فلا يعتقد ذلك في المرتدين.
إذا ثبت هذا فإنه إذا ذبح حيواناً لغيره بغير إذنه ضمنه بقيمته حياً لأنه أتلفه وحرمة ولا يضمنه إذا كان باذنه لأنه أذن في إتلافه * (مسألة) * قال ﵀ (الثاني الآلة وهو أن يذبح بمحدد سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره إلا السن والظفر) الآلة لها شرطان (أحدها) أن تكون محددة تقطع أو تخرق بحدها لا بثقلها (والثاني) أن لا تكون سناً ولا ظفراً فإذا اجتمع هذان الشرطان في شئ حل الذبح به حديداً كان أو حجراً أو خشباً أو قصباً لقول النبي ﷺ " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر "
стр. 6437
متفق عليه.
وعن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله إن أحدنا صاد صيداً وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال " أمرر الدم بما شئت واذكر اسم الله عليه " والمروة الصوان، وعن رجل من بني حارثة أنه كان يرعى لقحة فأخذها الموت فلم يجد شيئاً ينحرها به فوجد وتداً فوجأها به في
لبتها حتى أهريق دمها ثم جاء النبي ﷺ فأمره بأكلها رواهما أبو داود وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور ونحوه قول مالك وعمرو بن دينار وهو قول أبي حنيفة إلا في السن والظفر فإنه قال إذا كانا متصلين لم يجز الذبح بهما وإن كان منفصلين جاز ولنا عموم قول النبي ﷺ " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا إلا السن والظفر " ولأن ما لم تجز الذكاة به متصلاً لم تجز منفصلاً كغير المحدد (فصل) فأما العظم غير السن فمقتضى إطلاق قول أحمد والشافعي وأبي ثور إباحة الذبح به وهو قول مالك وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي وقال ابن جريج يذكى بعظم الحمار ولا يذكى بعظم القرد لأنك تصلي على الحمار وتسقيه في جفنتك وعن أحمد لا يذكي بعظم ولا ظفر، وقال النخعي لا يذكى بالعظم والقرن.
ووجهه قول النبي ﷺ " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة " فعلله بكونه عظما فكل عظم فقد وجدت فيه العلة والأول أصح إن شاء الله تعالى قاله شيخنا، لأن العظم دخل في عموم اللفظ المبيح ثم استثنى السن والظفر خاصة فتبقى سائر العظام داخلة فيما يباح الذبح به والمنطوق مقدم على التعليل ولهذا علل الظفر بكونه من مدى الحبشة ولا يحرم الذبح بالسكين وإن كانت مدية لهم ولأن العظام يتناولها سائر الأحاديث العامة ويحصل بها المقصود فأشبهث سائر الآلات.
стр. 6438
* (مسألة) * (فإن ذبح بآلة مغصوبة حل في أصح الوجهين) .
لأن الذكاة وجدت ممن له أهلية الذبح أشبه ما لو ذبح شاة مغصوبة (والثاني) لا يحل له لأنه منهي عنه لأن الآلة محرمة فلم يحصل مقصودها كما لو استجمر بالروث والرمة.
* (فصل) * (الثالث أن يقطع الحلقوم والمرئ وعنه يشترط مع ذلك قطع الودجين) وجملة ذلك أن محل الذبح الحلق واللبة وهي الوهدة التي بين أصل العنق الصدر ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل بالاجماع وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال " الذكاة في الحلق واللبة " وقال أحمد الذكاة في الحلق واللبة واحتج بحديث عمر وهو ما روى سعيد والاثرم باسنادهما عن الفرافصة
قال كنا عند عمر فنادى إن النحر في اللبة والحلق لمن قدر وانما نرى أن الذكاة اختصت بهذا المحل لأنه مجمع العروق فينسفح الدم بالذبح فيه ويسرع زهوق النفس فيكون اطيب للحم وأخف على الحيوان قال أحمد لو كان حديث أبي العشراء حديثاً يعني ما روى أبو العشراء عن أبيه عن النبي ﷺ أنه سئل أما تكون الزكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال رسول الله ﷺ " لو طعنت في فخذها أجزأ عنك " قال أحمد ابو العشراء هذا ليس بمعروف.
إذا ثبت ذلك فيشترط قطع الحلقوم والمرئ، وبهذا قال الشافعي وعن أحمد رواية أخرى يشترط مع ذلك قطع الودجين، وبه قال مالك وأبو يوسف لما روى أبو هريرة قال نهى النبي ﷺ عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الأوداج ثم تترك حتى تموت رواه أبو داود، وقال أبو حنيفة يعتبر قطع الحلقوم والمرئ وأحد الودجين ولا خلاف في أن الاكمل قطع الاربعة الحلقوم والمرئ والودجين فالحلقوم مجرى النفس والمرئ مجرى الطعام والشراب والودجان هما عرقان محيطان بالحلقوم لأنه أسرع لخروج روح الحيوان فيخف عليه ويخرج من الخلاف فيكون أولى والأول يجزئ لأنه قطع في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه فأشبه ما لو قطع الأربعة والحديث محمول على من لم يقطع المرئ.
стр. 6439
* (مسألة) * (وإن نحره أجزأ وهو أن يطعنه بمحدد في لبته، ويستحب أن ينحر البعير ويذبح ما سواه) ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب نحر الإبل وذبح ما سواها قال الله تعالى (فصل لربك وانحر) وقال تعالى (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) قال مجاهد أمرنا بالنحر وأمر بنو إسرائيل بالذبح فإن النبي ﷺ بعث في قوم ماشيتهم الإبل فسن النحر وبنو إسرائيل ماشيتهم البقر فأمروا بالذبح وثبت أن النبي ﷺ نحر بدنة وضحى بكبشين أقرنين ذبحهما بيده متفق عليه، والنحر أن يطعنها بحربة أو نحوها في الوهدة التي بين عنقها وصدرها.
(فصل) فإن ذبح الإبل ونحر ما سواها أجزأه وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والزهري وقتادة ومالك والليث وابو حنيفة والشافعي واسحاق وأبو ثور، وحكي عن داود أن الإبل لا تباح إلا بالنحر ولا يباح غيرها إلا بالذبح لأن الله تعالى قال (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) والأمر يقتضي
الوجوب وقال تعالى (فصل لربك وانحر) ولأن النبي ﷺ نحر البدن وذبح الغنم وإنما نأخذ الأحكام من جهته، وحكي عن مالك أنه لا يجزئ في الإبل إلا النحر لأن اعناقها طويلة فإذا ذبح تعذب بخروج روحه وحكى ابن أبي موسى عن أحمد أنه توقف عن أكل البعير إذا ذبح ولم ينحر قال إبن المنذر إنما كرهه ولم يحرمه.
ولنا قول النبي ﷺ " أمرر الدم بما شئت " وقالت أسماء نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه ونحن بالمدينة متفق عليه، عن عائشة قالت نحر رسول الله ﷺ في حجة الوداع بقرة واحدة ولأنه ذكاه في محل الذكاة فجاز أكله كالحيوان الآخر.
(فصل) وتصح ذبيحة المرأة حرة كانت أو أمة إذا أطاقت الذبح ووجدت الشروط وكذلك ذبح الصبي العاقل إذا أطاق حراً كان أو عبداً لا نعلم في هذا خلافاً قال ابن المنذر أجمع كل من
стр. 6440
نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي وقد روي أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجر فسئل النبي ﷺ فقال " خذوها " متفق عليه وفي هذا الحديث فوائد سبع (أحدها) إباحة ذبيحة المرأة (والثانية) إباحة ذبيحة الامة (والثالثة) إباحة ذبيحة الحائض لأن النبي ﷺ لم يستفصل (الرابعة) إباحة الذبح بالحجر (الخامسة) إباحة ذبح ما خيف عليه الموت (السادسة) حل ما يذبحه غير مالكه بغير إذنه (السابعة) إباحة ذبحه لغير مالكه * (مسألة) * (فإن عجز عن ذلك أي عن قطع الحلقوم والمرئ مثل أن يند البعير أو يتردى في بئر فلا يقدر على ذبحه صار كالصيد إذا جرحه في أي موضع أمكنه فقتله حل أكله إلا أن يموت بغيره مثل أن يكون رأسه في الماء فلا يباح) هذا قول أكثر الفقهاء وروي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعائشة ﵃ وبه قال مسروق والحسن والاسود وعطاء وطاوس واسحاق والشعبي والحكم وحماد والثوري وابو حنيفة والشافعي وأبو ثور وقال مالك لا يجوز أكله إلا أن يذكى وهو قول ربيعة والليث قال أحمد لعل مالكا لم يسمع حديث رافع بن خديج، واحتج مالك بان الحيوان الا نسي إذا توحش لم
يثبت له حكم الوحشي بدليل أنه لا يجب على المحرم الجزاء بقتله ولا يصير الحمار الأهلي مباحاً إذا توحش.
ولنا ما روى رافع بن خديج قال كنا مع النبي ﷺ فند بعير وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله فقال النبي ﷺ " إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا " متفق عليه وحرب ثور في بعض دور الأنصار فضربه رجل بالسيف وذكر اسم الله عليه فسئل عنه علي فقال ذكاة وحية فأمر بأكله، وتردى بعير في بئر فذكي من قبل شاكلته فبيع بعشرين درهماً فأخذ ابن عمر عشرة بدرهمين، ولأن الاعتبار في الذكاة بحال
стр. 6441
الحيوان وقت ذبحه لا بأصله بدليل الوحشي إذا قدر عليه وجبت تذكيته في الحلق واللبة فكذلك الأهلي إذا توحش اعتبر بحاله وبهذا فارق ما ذكره، فإذا تردى فلم يقدر على تذكيته فهو معجوز عن تذكيته فأشبه الوحشي، فأما إن كان رأس المتردي في الماء لم يبح لأن الماء يعين على قتله فيحصل قتله بمبيح وحاظر فيحرم كما لو جرحه مسلم ومجوسي.
* (مسألة) * (وإن ذبح من قفاها وهو مخطئ فأتت السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة أكلت، وإن فعله عمداً فعلى وجهين) قال القاضي معنى الخطأ أن تلتوي الذبيحة عليه فتأتي السكين على القفا لأنها مع التوائها معجوز عن ذبحها في محل الذبح فسقط اعتبار المحل كالمتردية في بئر، فأما مع عدم التوائها فلا تباح بذلك لأن الجرح في القفا سبب للزهوق وهو في غير محل الذبح فإذا اجتمع مع الذبح منع حله كما لو بقر بطنها وقد روي عن أحمد ما يدل على هذا المعنى فإن الفضل بن زياد قال سألت أبا عبد الله عمن ذبح في القفا فقال عامداً أو غير عامد؟ قلت عامداً قال لا تؤكل فإذا كان غير عامد كأن التوى عليه فلا بأس (فصل) فإن ذبحها من قفاها اختياراً فقد ذكرنا عن أحمد أنها لا تؤكل وهو مفهوم كلام الخرقي وحكي هذا عن علي وسعيد بن المسيب ومالك واسحاق وقال ابراهيم والنخعي تسمى هذه الذبيحة القفينة وقال القاضي إن بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمرئ حلت وإلا فلا ويعتبر ذلك بالحركة القوية وهذا مذهب الشافعي وهذا أصح لأن الذبح إذا أتى على ما فيه حياة
مستقرة أحله كأكيلة السبع والمتردية والنطيحة وعنه ما يدل على إباحتها مطلقا، ولو ضرب عنقا بالسيف فأطار رأسها حلت بذلك فإن أحمد قال لو أن رجلاً ضرب رأس بطة أو شاة بالسيف يريد بذلك
стр. 6442
الذبيحة كان له أن يأكله، وروي عن علي ﵁ انه قال تلك ذكاة وحية وأفتى بأكلها عمران بن حصين وبه قال الشعبي وأبو حنيفة والثوري، وقال أبو بكر: لأبي عبد الله فيها قولان الصحيح أنها مباحة لأنه اجتمع قطع مالا تبقى الحياة معه مع الذبح فأبيح كما ذكرنا مع قول من ذكرنا قوله من الصحابة من غير مخالف (فصل) فإن ذبحها من قفاها فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمرئ أم لا؟ نظرت فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القطع فالأولى إباحته لأنه بمنزلة ما قطعت عنقه بضربة السيف وإن كانت الآلة كالة وابطأ قطعه وطال تعذيبه لم يبح لأنه مشكوك في وجود ما يحله فيحرم كما لو أرسل كلباً على الصيد فوجد معه كلباً آخر لا يعرفه * (مسألة) * (وكل ما وجد فيه سبب الموت كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إذا أدرك ذكاتها وفيها حياة مستقرة أكثر من حركة المذبوح حلت وإن صارت حركتها كحركة المذبوح لم تحل) وجملة ذلك أن المنخنقة الموقوذة وسائر ما ذكر في هذه المسألة وما أصابها مرض فماتت بذلك فهي محرمة إلا أن تدرك ذكاتها لقول الله تعالى (إلا ما ذكيتم) وفي حديث جارية كعب أنها كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة من غنمها فأدركتها فذبحتها بحجر فسئل رسول الله ﷺ فقال " كلوها " فإن كانت لم يبق من حياتها إلا مثل حركة المذبوح لم تبح الذكاة لأنه لو ذبح ما ذبحه المجوسي لم يبح وإن أدركها وفيها حياة مستقرة بحيث يمكنه ذبحها حلت لعموم الآية والخبر وسواء كانت قد انهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش لعموم الآية والخبر ولأن النبي ﷺ لم يسأل ولم يستفصل وقد قال ابن عباس في ذئب عدا على شاة فعقرها فوضع قصبها بالأرض فأدركها فذبحها بحجر قال يلقي ما أصاب الأرض ويأكل سائرها قال أحمد في بهيمة عقرت بهيمة حتى تبين فيها آثار الموت إلا أن فيه الروح
يعني فذبحت فقال إذا مصعت بذنبها وطرفت بعينها وسال الدم فأرجو إن شاء الله أن لا يكون بأكلها بأس وروي ذلك بإسناده عن عقيل بن عمير وطاوس وقالا تحركت ولم يقولا سال الدم
стр. 6443
وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن شاة مريضة خافوا عليها الموت فذبحوها فلم يعلم منها أكثر من أنها طرفت بعينها أو حركت يدها أو رجلها أو ذنبها بضعف فنهر الدم قال لا بأس، وقال ابن أبي موسى إذا انتهت إلى حد لا تعيش معه لم تبح بالذكاة ونص عليه أحمد فقال إذا شق الذئب بطنها وخرج قصبها فذبحها لا تؤكل وقال إن كان يعلم أنها تموت من عقر السبع فلا تؤكل وإن ذكاها وقد خاف على الشاة الموت من العلة والشئ يصيبها فبادرها فذبحها يأكلها وليس هذا مثل هذه لا ندري لعلها تعيش والتي قد خرجت أمعاؤها نعلم أنها لا تعيش وهذا قول أبي يوسف، والأول أصح لأن عمر ﵁ انتهى به الجرح إلى حد علم أنه لا يعيش معه فوصى فقبلت وصاياه ووجبت العبادة عليه، وفيما ذكرنا من عموم الآية والخبر وكون النبي ﷺ لم يستفصل في جارية كعب ما يرد هذا، وتحمل نصوص أحمد على شاة خرجت أمعاؤها وبانت منها فتلك لا تحل بالذكاة لأنها في حكم الميت ولا تبقى حركتها إلا كحركة المذبوح، فأما ما خرجت أمعاؤها وبانت منها فهي في حكم الحياة تباح بالذبح ولهذا قال الخرقي فيمن شق بطن رجل فأخرج حشوته فقطعها فأبانها ثم ضرب عنقه آخر: فالقاتل هو الأول، ولو شق بطن رجل وضرب عنقه آخر فالقاتل هو الثاني وقال بعض أصحابنا إذا كانت تعيش معظم اليوم حلت بالذكاة وهذا التحديد بعيد يخالف ظواهر النصوص ولا سبيل إلى معرفته، وقوله في حديث جارية كعب فذكتها بحجر يدل على أنها بادرتها بالذكاة حين خافت موتها في ساعتها، والصحيح أنها إذا كانت تعيش زمنا يكون الموت بالذبح أسرع منه حلت بالذبح وأنها متى كانت مما لا يتيقن موتها كالمريضة أنها متى تحركت وسال دمها حلت والله أعلم * (فصل) * (الشرط الرابع أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح وهو أن يقول بسم الله لا يقوم غيرها مقامها) فهذه التسمية المعتبرة عند الذبح لأن اطلاق التسمية ينصرف إليها وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان إذا ذبح قال " بسم الله والله أكبر " وكان ابن عمر يقوله ولا خلاف أن قول بسم الله يجزئه
وإن قال اللهم اغفر لي لم يكف لأن ذلك طلب حاجة وإن هلل أو سبح أو كبر الله أو حمد الله
стр. 6444
احتمل الأجزاء لأنه ذكر اسم الله تعالى على وجه التعظيم واحتمل المنع لأن اطلاق التسمية لا يتناوله وإن ذكر اسم الله بغير العربية أجزأه وإن أحسن العربية لأن المقصود ذكر اسم الله وهو يحصل بجميع اللغات بخلاف التكبير والسلام فإن المقصود لفظه * (مسألة) * (إلا الأخرس فانه يومئ برأسه إلى السماء) قال إبن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة الأخرس منهم الليث والشافعي واسحاق وأبو ثور وهو قول الشعبي وقتادة والحسن بن صالح.
إذا ثبت هذا فإنه يشير إلى السماء برأسه لأن إشارته تقوم مقام نطق الناطق وإشارته إلى السماء تدل على قصده تسمية الذي في السماء ونحو هذا قال الشعبي وقد دل على هذا حديث أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي ﷺ بجارية أعجمية فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله ﷺ " أين الله؟ " فأشارت إلى السماء فقال " من أنا؟ " فأشارت بأصبعها إلى رسول الله ﷺ وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال رسول الله ﷺ " أعتقها فإنها مؤمنة " رواه الإمام أحمد والقاضي البرتي في مسنديهما فحكم رسول الله ﷺ وبايمانها باشارتها إلى السماء تريد أن الله سبحانه فيها فأولى أن يكتفى بذلك علماً على التسمية ولو أنه أشار إشارة تدل على التسمية وعلم ذلك كان كافياً (فصل) وإن كان المذكي جنبا جازت له التسمية لأنه إنما منع من القرآن لا من الذكر ولهذا تشرع التسمية عند الاغتسال وليست الجناية أعظم من الكفر والكافر يذبح ويسمي وممن رخص في ذبح الجنب الحسن والليث والحكم والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي قال إبن المنذر لا أعلم أحداً كره ذلك ولا منع منه، وتباح ذبيحة الحائض لأنها في معنى الجنب * (مسألة) * (فإن ترك التسمية عمداً لم تبح وإن تركها ساهياً أبيحت وعنه تباح في الحالين وعنه لا تباح فيهما)
стр. 6445
المشهور من مذهب أحمد أن التسمية على الذبيحة شرط في إباحة أكلها مع الذكر وتسقط بالسهو وروي ذلك عن ابن عباس وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة واسحاق وممن أباح ما نسيت التسمية عليه عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة وعن أحمد أنها مستحبة وليست شرطاً في عمد ولا سهو وبه قال الشافعي لأن البراء روي أن النبي ﷺ قال " المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم " وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ سئل فقيل أرايت الرجل منا يذبح وينسى أن يذكر اسم الله؟ فقال " اسم الله في قلب كل مسلم " قال أحمد إنما قال الله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) يعني الميتة وذكر ذلك عن ابن عباس، وعن أحمد رواية ثالثة أنها تجب في العمد والسهو لقوله سبحانه (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وهو عام في العمد والسهو، ودليل الرواية الأولى ما روى راشد بن سعد قال قال رسول الله ﷺ " ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمد " أخرجه سعيد فأما الآية فمحمولة على ما إذا ترك التسمية عمداً بدليل قوله تعالى (وإنه لفسق) والأكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق لقول النبي ﷺ " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان ".
إذا ثبت هذا فالتسمية مع العمد شرط سواء كان الذابح مسلماً أو كتابياً فإن ترك الكتابي التسمية عمداً وذكر اسم غير الله لم تبح ذبيحته روى ذلك علي وبه قال الشافعي والنخعي وحماد واسحاق وأصحاب الرأي، وقال عطاء ومكحول إذا ذبح الكتابي باسم المسيح حل لأن الله تعالى أحل لنا ذبيحتهم وقد علم أنهم يقولون ذلك ولنا قول الله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وقوله (وما أهل لغير الله به) والآية أريد بها ما ذبحوه بشرطه كالمسلم، وإن لم يعلم اسمى الذابح أم لا؟ أو ذكر اسم غير الله أو لا؟ فذبيحته حلال لأن الله تعالى أباح لنا كل ما ذبحه المسلم والكتابي وقد علم أننا لا نقف على كل ذابح
следующие страницы →