← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1153

الشرح الكبير على المقنع - ط المنار

ابن أبي عمر

Полный текст (7 422 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

* (مسألة) * (فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً ويحتمل أنهم إن نقصوا بعد ركعة أتموها جمعة وإن نقصوا قبل ركعة أتموها ظهراً) المشهور في المذهب أنه يشترط كمال العدد في جميع الصلاة وقال أبو بكر: لا أعلم خلافاً عن الإمام أحمد إن لم يتم العدد في الصلاة والخطبة أنهم يعيدون الصلاة وهذا أحد قولي الامام الشافعي لأنه شرط للصلاة فاعتبر في جميعها كالطهارة ويحتمل أنهم إن نقصوا بعد ركعة أتموها جمعة وهذا قياس قول الخرقي، وبه قال الامام مالك وقال المزني: هو أشبه عندي لقول النبي ﷺ " من أدرك من الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى " ولأنهم أدركوا ركعة فصحت لهم الجمعة كالمسبوق بركعة وهذا اختيار شيخنا. وقال أبو حنيفة: ان نقصوا بعدما صلوا ركعة بسجدة واحدة أتموها جمعة لأنهم أدركوا معظم الركعة فأشبه ما لو أدركوها بسجدتيها. وقال إسحاق: أن بقي معه اثنا عشر أتمها جمعة لأن أصحاب النبي ﷺ انفضوا عنه فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً فأتمها جمعة. وقال الإمام الشافعي في أحد أقواله: ان بقي معه اثنان أتمها جمعة وهو قول الثوري لأنه أقل الجمع وحكى عنه أبو ثور إن بقي معه واحد أتمها جمعة لأن الاثنين جماعة ولنا أنهم لم يدركوا ركعة كاملة بشروط الجمعة فأشبه ما لو نقص الجمع قبل ركوع الاولى. وقولهم أدرك معظم الركعة يبطل بمن لم يفته من الركعة الاولى إلا السجدتان فإنه قد أدرك معظمها وقول الامام الشافعي: بقي معه من تنعقد به الجماعة لا يصح لأن هذا لا يكتفي في الابتدا فلا يكتفي في الدوام إذا ثبت هذا فكل موضع قلنا لا يتمها جمعة فقياس قول الخرقي أنها تبطل ويستأنفها ظهراً إلا أن يمكنهم فعل الجمعة مرة أخرى فيعيدونها وحكاه أبو بكر عن الامام أحمد، وقياس قول ابي إسحاق بن شاقلا أنهم يتمونها ظهراً وهذا قول القاضي وقال: قد نص الامام أحمد في الذي زحم عن أفعال الجمعة حتى سلم الامام يتمها ظهراً ووجه القولين قد تقدم * (مسألة) * (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة) وهذا قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب والحسن وعلقمة والاسود والزهري ومالك، والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عطاء وطاوس ومجاهد من لم يدرك الخطبة صلى أربعاً لأن الخطبة شرط للجمعة فلا تكون جمعة في حق من لم يوجد في حقه شرطها ولنا ما روى أبو سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال " من أدرك من

стр. 982

الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " رواه الأثرم ورواه ابن ماجة " فليصل إليها أخرى " وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " متفق عليه، ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم * (مسألة) * (ومن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهراً إذا كان قد نوى الظهر في قول الخرقي. وقال أبو اسحق بن شاقلا: ينوي جمعة ويتمها ظهراً) أما من أدرك أقل من ركعة فلا يكون مدركاً للجمعة ويصلي الظهر أربعاً وهذا قول جميع من ذكرنا في المسألة المتقدمة إلا أن الامام أبا حنيفة فإنه قال: يكون مدركاً للجمعة بأي قدر أدرك من الصلاة مع الإمام وهو قول الحكم وحماد لأن من لزمه أن يبني على صلاة الامام بادراك ركعة لزمه بادراك أقل منها كالمسافر يدرك المقيم ولأنه أدرك جزأ من الصلاة فكان مدركاً لها كالظهر ولنا قوله ﵇ " من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " فمفهومه أنه إذا أدرك أقل من ركعة لم يدركها، ولأنه قول من سمينا من الصحابة والتابعين ﵃ ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون إجماعاً، وقد روى بشر بن معاذ الزيات عن الزهري عن أبي سلمة عن النبي ﷺ أنه قال " من أدرك يوم الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى " ومن أدرك دونها صلى أربعاً ومن لم يدرك ركعة فلا تصح له جمعة كالامام اذا نقصوا قبل السجود وأما المسافر فادراكه ادراك الزام، وهذا ادراكه ادراك اسقاط للعدد فافترقا وكذلك يتم المسافر خلف المقيم، ولا يقصر المقيم خلف المسافر، وأما الظهر فليس من شرطها الجماعة بخلاف مسئلتنا (فصل) وكل من أدرك مع الامام ما لا يتم له به جمعة، فانه في قول الخرقي ينوي ظهراً، فان نوى جمعة لم تصح في ظاهر كلامه وكلام أحمد في رواية صالح وابن منصور يحتمل هذا القول فيمن أحرم ثم زحم عن الركوع والسجود حتى سلم إمامه، قال يستقبل ظهراً أربعاً وذلك لأن الظهر لا يتأدى بنية الجمعة ابتداء فكذلك استدامته كالظهر مع العصر. وقال أبو إسحق بن شاقلا ينوي جمعة لئلا يخالف نية إمامه ثم يبني عليها ظهراً وهذا ظاهر قول قتادة وأيوب ويونس والشافعي لأنه لا يجوز أن يأتم بمن يصلي جمعة فجاز أن يبني صلاته على نيتها كصلاة المقيم مع المسافر، وكما ينوي أنه مأموم ويتم صلاته بعد مفارقة إمامه منفرداً ولأنه يصح أن ينوي الظهر خلف من يصلي الجمعة في ابتدائها فكذلك في انتهائها (فصل) إذا صلى الإمام الجمعة قبل الزوال فأدرك المأموم معه دون الركعة لم يكن له الدخول معه لأنها في حقه ظهر فلا تجوز قبل الزوال كغير يوم الجمعة فإن دخل معه كانت نفلاً في حقه ولم

стр. 983

تجزه عن الظهر، ولو أدرك معه ركعة ثم زحم عن سجودها وقلنا تصير ظهراً، فانها تنقلب نفلاً لئلا تكون ظهراً قبل وقتها (فصل) ومن أحرم مع الامام ثم زحم عن السجود سجد على ظهر إنسان ورجله اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ فيمن أحرم مع الامام ثم زحم فلم يقدر على الركوع حتى سلم الامام فروي أنه يكون مدركاً للجمعة اختارها الخلال وهو قول الحسن وأصحاب الرأي لأنه أحرم بالصلاة مع إمامه في أولها فأشبه ما لو ركع وسجد معه ونقل عنه أنه يستقبل الصلاة أربعاً اختاره أبو بكر وابن أبي موسى وهو قول الشافعي وابن المنذر لأنه لم يدرك ركعة كاملة فلم يكن مدركاً للجمعة كالمسبوق وهذا ظاهر كلام الخرقي، وجملة ذلك أن من زحم عن السجود في الجمعة سجد على ظهر إنسان أو رجله إذا أمكنه ذلك وأجزأه. قال أحمد في رواية أحمد بن هشام: يسجد على ظهر الرجل والقدم ويمكن الجبهة والأنف في العيدين والجمعة وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر. وقال عطاء والزهري ومالك: لا يفعل، فان فعل، فقال مالك: تبطل الصلاة لقول رسول الله ﷺ " ومكن جبهتك الأرض " ولنا ما روى عن عمر ﵁ أنه قال: اذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر أخيه. رواه سعيد في سننه، وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم في يوم جمعة ولم يظهر له مخالف فكان إجماعاً ولأنه أتى بما يمكنه حال العجز فصح كالمريض يسجد على المرفقة والخبر لم يتناول العاجز لأن الله تعالى قال (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (مسألة) * (فإن لم يمكنه سجد إذا زال الزحام إلا أن يخاف فوات الثانية فيتابع الامام فيها وتصير أولاه ويتمها جمع ة) وجملة ذلك أن من زحم في إحدى الركعتين فأما أن يزحم في الأولى أو الثانية، فان كان في الاولى ولم يتمكن من السجود على ظهر ولا قدم انتظر حتى يزول الزحام ثم يسجد ويتبع إمامه لأن النبي ﷺ أمر أصحابه بذلك في صلاة الخوف بعسفان للعذر والعذر موجود، فاذا قضى ما عليه وأدرك إمامه قبل رفع رأسه من الركوع اتبعه وصحت له الركعة، وهكذا لو تعذر عليه السجود مع إمامه لمرض أو نوم أو نسيان لأن ذلك عذر أشبه المزحوم، فإن خاف أنه ان تشاغل بالسجود فاته الركوع مع الإمام في الثانية لزمه متابعته وتصير الثانية أولاه وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة يشتغل بالسجود لأنه قد ركع مع الامام فيجب عليه السجود بعده كما لو زال الزحام والامام قائم وللشافعي كالمذهبين

стр. 984

ولنا قول النبي ﷺ " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا " فإن قيل فقد قال " فإذا سجد فاسجدوا " قلنا قد سقط الأمر بالمتابعة في السجود عن هذا للعذر وبقي الأمر بالمتابعة في الركوع لإمكانه ولأنه خائف فوات الركوع فلزمته متابعة امامه كالمسبوق، أما إذا كان الامام قائماً فليس هذا اختلافاً كثيراً إذا ثبت أنه يتابع الإمام في الركوع، فان أدركه راكعاً صحت له الثانية وتصير الثانية اولاه وتبطل الاولى في قياس المذهب لكونه ترك منها ركناً وشرع في الثانية فبطلت الأولى على ما ذكرنا في سجود السهو ويتمها جمعة لأنه أدرك منها ركعة مع الإمام فإن لم يقم ولكن يسجد السجدتين من غير قيام تمت ركعته، وإن فاته الركوع وسجد معه فان سجد السجدتين معه فقال القاضي يتم بها الركعة الاولى وهذا مذهب الامام الشافعي رحمه الله تعالى. وقال أبو الخطاب إذا سجد معتقداً جواز ذلك اعتد له به وتصح له الركعة كما لو سجد وإمامه قائم، ثم إن أدرك الإمام في ركوع الثانية صحت له الركعتان وإن أدركه بعد رفع رأسه من ركوعها فينبغي أن يركع ويتبعه لأن هذا سبق يسير ويحتمل أن تفوته الثانية بفوات الركوع كالمسبوق * (مسألة) * (فإن لم يتابع الامام عالما بتحريم ذلك بطلت صلاته، وإن جهل تحريمه فسجد ثم أدرك الإمام في التشهد أتى بركعة أخرى بعد سلام الامام وصحت جمعته وعنه يتمها ظهراً) وجملته أن من زحم عن السجود في الركعة الأولى وخاف فوات الركعة الثانية مع الامام أن اشتغل بالسجود لزمه متابعته في ركوع الثانية لما ذكرنا، فإن ترك متابعة إمامه عالماً بتحريم ذلك بطلت صلاته لأنه ترك الواجب فيها عمداً وفعل ما لا يجوز فعله، وإن اعتقد جواز ذلك فسجد لم يعتد بسجوده لأنه سجد في موضع الركوع جهلاً أشبه الساهي. وقال أبو الخطاب يعتد له به فإن أدرك الإمام في التشهد تابعه وقضى ركعة بعد سلامه كالمسبوق ويسجد للسهو. قال شيخنا ولا وجه للسجود هنا لأن الامام ليس عليه سجود سهو، وإن زحم عن سجدة واحدة أو عن الاعتدال بين السجدتين أو بين الركوع والسجود فالحكم فيه كالحكم في ازدحام عن السجود * (فصل) * فأما إن زحم عن السجود في الثانية فزال الزحام قبل سلام الامام سجد وتبعه وصحت له الركعة، وإن لم يزل حتى سلم فإن كان أدرك الركعة الأولى فقد أدرك الجمعة ويسجد للثانية بعد سلام الامام ويتشهد ويسلم فقد تمت جمعته، وإن لم يكن أدرك الاولى فانه يسجد بعد سلام إمامه وتصح له ركعة وهل يكون مدركاً للجمعة بذلك على روايتين * (فصل) * واذا أدرك مع الامام ركعة فلما قام ليقضي الأخرى ذكر أنه لم يسجد مع إمامه إلا سجدة واحدة وشك في ذلك فإن لم يكن شرع في قراءة الثانية رجع فسجد للأولى فأتمها وقضى

стр. 985

الثانية وأتم الجمعة نص عليه الامام أحمد في رواية الأثرم، وإن كان شرع في قراءة الثانية بطلت الأولى وصارت الثانية أولاه ويتمها جمعة على ما نقله الأثرم. وقياس الرواية الأخرى في المزحوم أنه يتمها ها هنا ظهراً لأنه لم يدرك ركعة كاملة، ولو قضى الركعة الثانية ثم علم أنه ترك سجدة من إحداهما لا يدري من أيهما تركها فالحكم واحد ويجعلها من الاولى ويأتي بركعة مكانها وفي كونه مدركاً للجمعة وجهان: فأما إن شك في ادراك الركوع مع الامام مثل أن كبر والامام راكع فرفع إمامه رأسه فشك هل أدرك المجزئ من الركوع مع الإمام أو لا لم يعتد بتلك الركعة ويصلي ظهراً قولا واحدا لأن الأصل أنه ما أتى بها معه وفي كل موضع لا يكون مدركاً للجمعة فعلى قول الخرقي ينوي ظهراً، فان نوى جمعة لزمه استئناف الظهر، ويحتمله كلام الامام أحمد في رواية صالح وابن منصور وعلى قول إسحق بن شاقلا ينوي جمعة لئلا يخالف إمامه ويتمها ظهراً وقد ذكرنا وجه القولين * (فصل) * ولو صلى مع الإمام ركعة ثم زحم في الثانية فأخرج من الصف فصار فذاً فنوى الانفراد عن الامام قياس المذهب أنه يتمها جمعة لأنه أدرك منها ركعة مع الامام أشبه ما لو أدرك الثانية، وإن لم ينو الانفراد وأتمها مع الإمام ففيه روايتان: إحداهما لا يصح لأنه قد فذ في ركعة كاملة أشبه ما لو فعل ذلك عمداً، والثانية يصح لأنه قد يعفى في البناء عن تكميل الشروط كما لو خرج الوقت وقد صلوا ركعة وكالمسبوق * (مسألة) * الرابع (أن يتقدمها خطبتان من شرط صحتهما حمد الله والصلاة على رسوله ﷺ وقراءة أية والوصية بتقوى الله تعالى) وحضور العدد المشترط للخطبة، وبه قال عطاء والنخعي وقتادة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال الحسن تجزيهم الجمعة من غير خطبة لأنها صلاة عيد فلم يشترط لها الخطبة كصلاة الأضحى ولنا قول الله (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) والذكر هو الخطبة ولأن النبي ﷺ لم يترك الخطبة وقد قال " صلوا كما رأيتموني أصلي " وعن عمر ﵁ أنه قصر في الصلاة لأجل الخطبة، وعن عائشة ﵂ نحو هذا * (فصل) * ويشترط لها خطبتان وهذا مذهب الامام الشافعي. وقال مالك والاوزاعي وإسحق وابن المنذر وأصحاب الرأي تجزيه خطبة واحدة، وعن الإمام أحمد ما يدل عليه فإنه قال لا تكون الخطبة الا كما خطب النبي ﷺ أو خطبة تامة ووجه الأول ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس متفق عليه وقد قال " صلوا كما

стр. 986

رأيتموني أصلي " ولأن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين فكل خطبة مكان ركعة، فالاخلال بإحداهما اخلال باحدى الركعتين * (فصل) * ويشترط لكل واحدة منهما حمد الله تعالى والصلاة على رسوله ﷺ لأن النبي ﷺ قال " كل كلام ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر " وقال جابر ﵁ كان رسول الله عليه وسلم يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول " من بهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له " وإذا وجب ذكر الله وجب ذكر النبي ﷺ كالأذان ولأنه قد روي في تفسير قوله تعالى (ورفعنا لك ذكرك) قال لا أنكر إلا ذكرت معي، ويحتمل أن لا تجب الصلاة على النبي ﷺ لأن النبي ﷺ لم يذكر ذلك في خطبته * (فصل) * والقراءة في كل واحدة من الخطبتين شرط وهو ظاهر كلام الخرقي لأن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين فكانت القراءة فيهما شرطاً كالركعتين، ولأن ما وجب في إحداهما وجب في الأخرى كسائر الفروض، ويحتمل أن يشترط القراءة في إحداهما لما روى الشعبي قال كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس وقال " السلام عليكم " ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ سورة ثم يجلس ثم يقوم فيخطب ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه رواه الأثرم. والظاهر أنه إنما قرأ في الخطبة الأولى * (فصل) * وتجب الموعظة لأنها المقصودة من الخطبة فلم يجز الإخلال بها ولأن النبي ﷺ كان يعظ، وفي حديث جابر بن سمرة أنه كان يذكر الناس وتجب في الخطبتين جميعاً لأن ما وجب في إحداهما وجب في الأخرى كسائر الشروط وهذا قول القاضي. وظاهر كلام الخرقي أن الموعظة إنما تكون في الخطبة الثانية لما ذكرنا من حديث الشعبي، وقال أبو حنيفة لو أتى بتسبيحة أجزأ لأن الله تعالى قال (فاسعوا إلى ذكر الله) فأجزأ ما يقع عليه الذكر، ولأن اسم الخطبة يقع على دون ما ذكرتم بدليل أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وقال علمني عملا أدخل به الجنة؟ فقال " أقصرت من الخطبة لقد أعرضت في المسألة " وعن مالك كالمذهبين ولنا أن النبي ﷺ فسر الذكر بفعله. قال جابر بن سمرة كانت صلاة رسول الله ﷺ قصداً وخطبته قصداً يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس رواه أبو داود والترمذي وقد ذكرنا حديث جابر بن سمرة. وأما التسبيح فلا يسمى خطبة، والمراد بالذكر الخطبة، وما

стр. 987

روره مجاز فان السؤال لا يسمى خطبة بدليل أنه لو ألقى مسألة على الحاضرين لم يكف ذلك اتفاقاً * (فصل) * ولا يكفي في القراءة أقل من آية هكذا ذكره الأصحاب لأن النبي ﷺ لم يقتصر على أقل من ذلك ولأن الحكم لا يتعين بدونها بدليل منع الجنب من قراءتها. فظاهر كلام أحمد أنه لا يشترط ذلك فإنه قال في القراءة في الخطبة ليس فيه شئ موقت ما شاء قرأ وهذا ظاهر كلام الخرقي. قال شيخنا ويحتمل أن لا يجب سوى حمد الله والموعظة لأن ذلك يسمى خطبة ويحصل به المقصود وما عداهما ليس على اشتراطه دليل لأنه لا يجب أن يخطب على صفة خطبة النبي ﷺ بالاتفاق لأنه روي أنه كان يقرأ آيات ولا يجب قراءة آيات بالاتفاق، لكن يستحب ذلك لما ذكرنا من حديث الشعبي. وقالت أم هشام بنت حارثة بن النعمان ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا من في رسول الله ﷺ كان يخطب بها كل جمعة رواه مسلم * (فصل) * ويشترط للخطبة حضور العدد المشترط في القدر الواجب من الخطبتين، وقال أبو حنيفة في رواية عنه لا يشترط لأنه ذكر يتقدم الصلاة فلم يشترط له العدد كالأذان ولنا أنه ذكر من شرائط الجمعة فكان من شرطه العدد وكتكبيرة الاحرام، وتفارق الأذان فانه ليس بشرط وإنما مقصوده الاعلام والاعلا للغائبين والخطبة مقصودها الموعظة فهي للحاضرين. فعلى هذا إن انفضوا في أثناء الخطبة ثم عادوا فحضروا القدر الواجب أجزأهم وإلا لم يجزهم إلا أن يحضرووا القدر الواجب ثم ينفضوا ويعودوا قبل شروعه في الصلاة من غير طول الفصل فإن طال الفصل لزمه اعادة الخطبة إن كان الوقت متسعاً، وان ضاق الوقت صلوا ظهراً، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة * (فصل) * ويشترط لها الوقت فلو خطب قبل الوقت لم تصح خطبته قياساً على الصلاة. ويشترط لها الموالاة فان فرق بين الخطبتين أو بين آخر الخطبة الواحدة بكلام طويل أو سكوت طويل مما يقطع الموالاة استأنفها، وكذلك يشترط الموالاة بين الخطبة والصلاة أيضاً فإن فرق بينهما تفريقاً كثيراً بطلت ولا تبطل باليسير لأن الخطبتين مع الصلاة كالمجموعتين، ويحتمل أن الموالاة لا تشترط لأنه ذكر يتقدم الصلاة فلم تشترط الموالاة بينهما كالآذان والاقامة، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العرف وإن احتاج الى الطهارة تطهر ويبني على خطبته، وكذلك تعتبر سائر شروط الجمعة للقدر الواجب من الخطبتين * (مسألة) * (وهل يشترط لهما الطهارة وأن يتولاهما من يتولى الصلاة على روايتين)

стр. 988

اختلفت الرواية في اشتراط الطهارة للخطبة وللشافعي قولان كالروايتين، وقد قال أحمد فيمن خطب وهو جنب ثم اغتسل وصلى بهم تجزيه. قال شيخنا والأشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة الكبرى لكون قراءة آية شرطاً للخطبة، ولا يجوز ذلك للجنب. فأما الطهارة الصغرى فالصحيح أنها لا تشترط لأنه ذكر يتقدم الصلاة فلم تكن الطهارة فيه شرط كالأذان ولأنه لو اشترطت لهما الطهارة لاشترط الاستقبال كالصلاة، وعنه أنها تشترط لهما كتكبيرة الاحرام ولكن يستحب أن يكون متطهراً من الحدث والنجس لأن النبي ﷺ كان يصلي عقيب الخطبة لا يفصل بينهما بطهارة فيدل على أنه كان متطهراً والاقتداء به إن لم يكن واجبا فهو سنة * (فصل) * ويشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة في إحدى الروايتين لأن النبي ﷺ كان يفعله وقد قال " صلوا كما رأيتموني أصلي " ولأن الخطبة أقيمت مقام ركعتين لكن يجوز الاستخلاف للعذر ففي الخطبة والصلاة أولى، وعنه يجوز الاستخلاف لغير عذر فإنه قال في الامام يخطب يوم الجمعة ويصلي الأمير بالناس، لا بأس إذا حضر الامير الخطبة لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة فأشبها الصلاتين، وهل يشترط أن يكون المصلي ممن حضر الخطبة فيه روايتان: إحداهما يشترط وهو قول الثوري وأصحاب الرأي لأنه إمام في الجمعة فاشترط حضور الخطبة كما لو لم يستخلف والثانية لا يشترط وهو قول الأوزاعي والشافعي لأنه ممن تنعقد به الجمعة فجاز أن يؤم فيها كما لو حضر الخطبة. وقد روى الإمام أحمد ﵀ أنه لا يجوز الاستخلاف مع العذر أيضاً فإنه قال في الامام إذا أحدث بعدما خطب يقدم رجلاً يصلي بهم لم يصل إلا أربعاً إلا أن يعيد الخطبة ثم يصلي بهم ركعتين، وذلك لأن هذا لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه والمذهب الاول وهل يجوز أن يتولى الخطبتين اثنان يخطب كل واحد خطبة. فيه احتمالان إحداهما يجوز كالأذان والاقامة، والثاني لا يجوز لما ذكرنا فيما تقدم * (مسألة) * (ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عال لأن النبي ﷺ كان يخطب الناس على منبر) قال سهل بن سعد: أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة أن مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس. متفق عليه، ولأنه أبلغ في الاعلام وليس ذلك واجباً، فلو خطب على الأرض أو ربوة أو راحلة أو غير ذلك جاز، فإن النبي ﷺ كان يقوم على الأرض قبل أن يصنع له المنبر ويستحب أن يكون المنبر عن يمين القبلة لأن النبي ﷺ هكذا صنع

стр. 989

* (مسألة) * (ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم) ويستحب للامام إذا خرج أن يسلم على الناس، ثم اذا صعد المنبر فاستقبل الحاضرين سلم عليهم يروي ذلك عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الأوزاعي والشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة لا يسن السلام عقيب الاستقبال لأنه سلم حال خروجه ولنا ما روى جابر قال: كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر سلم عليهم. رواه ابن ماجه وعن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد يوم الجمعة سلم على من عند المنبر جالساً، فإذا صعد المنبر سلم عليهم. رواه أبو بكر باسناده، ومتى سلم رد عليه الناس لأن رد السلام آكد من ابتدائه * (مسألة) * (ثم يجلس إلى فراغ الاذان ويجلس بين الخطبتين) لما روى ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يجلس إذا صعد حتى يفرغ الاذان ثم يقوم فيخطب. رواه أبو داود، وتكون الجلسة بين الخطبتين خفيفة وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم. وقال الشافعي: واجبة ولنا أنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تكن واجبة كالاولى، وقد سرد الخطبة جماعة منهم المغيرة بن شعبة وأبي بن كعب قاله الإمام أحمد، وروي عن أبي إسحق قال: رأيت علياً يخطب على المنبر فلم يجلس حتى فرغ، فان خطب جالساً لعذر استحب أن يفصل بين الخطبتين بسكتة وكذلك إن خطب قائماً فلم يجلس * (مسألة) * (ويخطب قائماً) روي عن الإمام أحمد ما يدل على أن القيام في الخطبة واجب وهو مذهب الامام الشافعي. فروى الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الخطبة قاعداً أو يقعد في إحدى الخطبتين فلم يعجبه وقال. قال الله تعالى (وتركوك قائماً) وكان النبي ﷺ يخطب قائماً، فقال له الهيثم ابن خارجة كان عمر بن عبد العزيز يجلس في خطبته فظهر منه إنكار، ووجه ذلك ما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يخطب خطبته وهو قائم يفصل بينهما بجلوس. متفق عليه، وروى جابر ابن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائماً ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فو الله صليت معه أكثر من ألفي صلاة، رواه مسلم. وقال القاضي: تجزئه الخطبة قاعداً وقد نص عليه الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة لأنه ذكر ليس من

стр. 990

شرطه الاستقبال فلم يجب له القيام كالأذان ولأن المقصود يحصل بدونه وهذا اختيار أكثر أصحابنا * (مسألة) * (ويعتمد على سيف، أو قوس، أو عصا) لما روى الحكم بن حزن قال. وفدت إلى النبي ﷺ فشهدنا معه الجمعة فقام متوكئاً على عصا أو قوس فحمد الله واثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات. رواه أبو داود، فان لم يفعل استحب أن يسكن أطرافه، إما أن يضع يمينه على شماله أو يرسلهما ساكنتين إلى جنبيه * (مسألة) * (ويقصد تلقاء وجهه) لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك ولأن المقصود في التفاته إلى أحد جانبيه الاعراض عن الجانب الآخر، فان خالف فاستدبر الناس واستقبل القبلة صحت الخطبة لحصول المقصود به كما لو أذن غير مستقبل القبلة. قال ابن عقيل: ويحتمل أن لا يصح لأنه ترك الجهة المشروعة أشبه ما لو استدبر القبلة في الصلاة، ولأن مقصود الخطبة الموعظة وذلك لا يتم باستدبار الناس (فصل) ويستحب للناس أن يستقبلوا الخطيب اذا خطب. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله يكون الامام عن يميني متباعداً، فإذا أردت أن أنحرف اليه حولت وجهي عن القبلة، فقال نعم تنحرف اليه، وممن كان يستقبل الامام ابن عمر وأنس وهو قول أكثر العلماء منهم مالك والثوري والشافعي واسحق وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: هذا كالاجماع. وروي عن الحسن أنه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى الامام، وعن سعيد بن المسيب أنه كان لا يستقبل هشام بن اسماعيل اذا خطب فوكل به هشام شرطياً يعطفه اليه، والأول أولى لما روى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده قال: كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم. رواه ابن ماجه، ولأن ذلك أبلغ في اسماعهم فاستحب كاستقباله إياهم (فصل) ويستحب أن يرفع صوته ليسمع الناس. قال جابر: كان رسول الله ﷺ إذا خطب أحمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول " صبحكم مساكم " ويقول " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة " رواه مسلم ويستحب ترتيب الخطبة وهو أن يبدأ بالحمد قبل الموعظة لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، ثم يثني على النبي ﷺ ، ثم يعظ، فان عكس ذلك صح لحصول المقصود قال ابن عقيل: ويحتمل أن لا يجزئه لأنهما فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة فلم يصحا منكسين كالأذان والاقامة

стр. 991

ويستحب أن يكون في خطبته مترسلاً مبيناً معرباً لا يعجل فيها ولا يقطعها، وأن يكون متخشعاً متعظاً بما يعظ الناس به لأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال " عرض علي قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقيل لي هؤلاء خطباء من أمتك يقولون ما لا يفعلون * (مسألة) * (ويستحب تقصير الخطبة) لما روى عمار قال: أني سمعت رسول الله ﷺ يقول " إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة " رواه مسلم، وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هي كلمات يسيرات. رواه أبو داود * (مسألة) * ويستحب أن يدعو لنفسه والمسلمين والمسلمات والحاضرين، وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسن وقد روى ضبة بن محصن أن أبا موسى كان اذا خطب فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبي ﷺ يدعو لمعر. وقال القاضي لا يستحب ذلك لأن عطاء قال: هو محدث وفعل الصحابة أولى من قول عطاء لأن سلطان المسلمين اذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الدعاء له دعاء لهم وذلك مستحب غير مكروه * (فصل) * وسئل الإمام أحمد ﵀ عمن قرأ سورة الحج على المنبر أيجزيه؟ قال لا لم يزل الناس يخطبون بالثناء على الله والصلاة على رسوله ﷺ . فقال لا تكون الخطبة الا كما خطب النبي ﷺ أو خطبة تامة، ولأن هذا لا يسمى خطبة ولا يجمع الشروط، فان قرأ آيات فيها حمد الله تعالى والموعظة وصلى على النبي ﷺ صح لاجتماع الشروط * (فصل) * وإن قرأ سجدة في أثناء الخطبة فان شاء نزل فسجد وإن أمكنه السجود على المنبر سجد عليه وان ترك السجود فلا حرج فعله عمر وترك، بهذا قال الامام الشافعي ونزل عثمان وأبو موسى وعمار والنعمان وعقبة بن عامر وبه قال أصحاب الرأي، وقال الامام مالك لا ينزل لأنه تطوع بصلاة فلم يشتغل به في أثناء الخطبة كصلاة ركعتين ولنا فعل عمر وفعل من سمينا من الصحابة ﵃ ولانه؟؟؟ وجد سببها في أثناء الخطبة لا يطول الفعل بها فاستحب فعلها كحمد الله اذا عطس، ولا يجب ذلك لما قدمنا من أن سجود التلاوة غير واجب ويفارق صلاة ركعتين لأن سببها لم يوخد في الخطبة ويطول بها الفصل * (فصل) * ويستحب الأذان إذا صعد الإمام على المنبر بغير خلاف لأنه قد كان يؤذن للنبي

стр. 992

صلى الله عليه وسلم. قال السائب بن يزيد كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان زمن عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء رواه البخاري، فهذا النداء الأوسط هو الذي يتعلق به وجوب السعي وتحريم البيع لقوله سبحانه (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) وهذا النداء الذي كان على عهد رسول الله ﷺ حين نزول الآية فتعلقت الاحكام به، والنداء الاول مستحب في أول الوقت، سنة عثمان ﵁ وعملت به الأمة بعده وهو للإعلام بالوقت، والثاني للاعلام بالخطبة، والثالث للاعلام بقيام الصلاة. وذكر ابن عقيل أن الآذان الذي يوجب السعي ويحرم البيع هو الآذان الاول على المنارة والصحيح الأول * (فصل) * فأما من يكون منزله بعيداً لا يدرك الجمعة بالسعي وقت النداء فعليه السعي في الوقت الذي يكون مدركاً للجمعة لكونه من ضرورة ادراكها وما لا يتم الواجب إلا به واجب كاستسقاء الماء من البئر للوضوء إذا احتاج إليه * (مسألة) * (ولا يشترط إذن الإمام وعنه يشترط) الصحيح أن اذن الامام الأعظم ليس بشرط في صحة الجمعة وبه قال الامام مالك رحمه الله تعالى والامام الشافعي، والثانية هو شرط روى ذلك عن الحسن والاوزاعي وحبيب بن أبي ثابت والامام أبي حنيفة لأنه لا يقيمها إلا الأئمة في كل عصر فكان في ذلك إجماعاً ولنا أن علياً ﵁ صلى الجمعة بالناس وعثمان محصور فلم ينكره أحد، وصوب ذلك عثمان ﵁، فروى حميد بن عبد الرحمن عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال انه قد نزل بك ما ترى وأنت إمام العامة. فقال الصلاة من أحسن ما يعمل الناس فاذا أحسنوا فأحسن معهم وإذا أساؤا فاجتنب اساءتهم أخرجه البخاري والاثرم وهذا لفظه. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقعت الفتنة بالشام تسع سنين فكانوا يجمعون ولأنها من فرائض الأعيان فلم يشترط لها اذن الامام، وما ذكروه إجماعاً لا يصح فإن الناس يقيمون الجماعات في القرى من غير استئذان أحد، ثم لو صح أنه لم يقع إلا ذلك لكان إجماعاً على جواز ما وقع لا على تحريم غيره كالحج يتولاه الأئمة وليس شرطاً فيه، فإن قلنا هو شرط فلم يأذن الإمام لم تجز إقامتها وصلوا ظهراً، وإن أذن في إقامتها ثم عادت بطل اذنه، فان صلوا ثم بان أنه مات قبل صلاتهم فهل تجزيهم صلاتهم على روايتين: أصحهما أنها تجزيهم لأن المسلمين في الامصار النائية عن بلد الامام لا يعيدون ما صلوا من الجمعات بعد؟ وته، ولا نعلم احدا أنكر ذلك عليهم فكان أجماعاً، ولأن وجوب الاعادة يشق لعمومه في

стр. 993

أكثر البلدان، وإن تعذر اذن الامام لفتنة فقال القاضي ظاهر كلامه صحتها بغير اذن على كلتا الروايتين. فعلى هذا إنما يكون الاذن معتبراً عند إمكانه ويسقط بتعذره * (فصل) * قال (وصلاة الجمعة ركعتان يجهر فيهما بالقراءة بغير خلاف) . قال إبن المنذر أجمع المسلمون على أن صلاة الجمعة ركعتان، وجاء الحديث عن عمر أنه قال صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ وقد خاب من افترى رواه الإمام أحمد وابن ماجة * (مسألة) * (ويستحب أن يقرأ في الاولى بسورة الجمعة وفي الثانية بالمنافقين) يستحب أن يقرأ في الجمعة الفاتحة بهاتين السورتين وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور لما روي عن عبد الله بن رافع قال صلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في الركعة الأولى وفي الركعة الأخرى إذا جاءك المنافقون. فلما قضى أبو هريرة الصلاة أدركته فقلت يا أبا هريرة قرأت سورتين كان علي يقرأ بهما في الكوفة. فقال أني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما في الجمعة رواه مسلم. وإن قرأ في الثانية بالغاشية فحسن، فإن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا يقرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟ قال كان يقرأ (هل أتاك حديث الغاشية) أخرجه مسلم. وإن قرأ في الأولى بسبح وفي الثانية بالغاشية فحسن، فان النعمان بن بشير قال كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة (بسبح اسم ربك الأعلى. وهل أتاك حديث الغاشية) فإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما في الصلاتين أخرجه مسلم. وقال مالك أما الذي جاء به الحديث هل أتاك حديث الغاشية مع سورة الجمعة والذي أدركت عليه الناس سبح اسم ربك الأعلى وحكي عن أبي بكر عبد العزيز أنه يستحب أن يقرأ في الثانية سبح ولعله صار الى ما حكاه مالك أنه أدرك عليه الناس! واتباع سنة رسول الله ﷺ أولى، ومهما قرأ به فجائز حسن إلا أن الاقتداء به ﵊ أحسن، ولأن سورة الجمعة تليق بالجمعة لما فيها من ذكرها والأمر بها والحث عليها * (فصل) * ويستحب أن يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة (الم السجدة. وهل أتى على الإنسان) نص عليه لما روى ابن عباس وأبو هريرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة (الم تنزيل وهل أتى على الإنسان حين من الدهر) رواه مسلم. قال أحمد لا أحب المداومة عليها لئلا يظن الناس أنها مفضلة بسجدة، ويحتمل أن يستحب لأن لفظ الخبر يدل عليه ولأن النبي ﷺ كان إذا عمل عملاً أثبته

стр. 994

* (مسألة) * (وتجوز إقامة الجمعة في موضعين من البلد للحاجة ولا يجوز مع عدمها) وجملة ذلك أن البلد اذا كان كبيراً يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره أو ضيق مسجده على أهله كبغداد ونحوها جازت إقامة الجمعة في أكثر من موضع على قدر ما يحتاجون إليه وهذا قول عطاء وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها، قال لأن الحدود تقام فيها في موضعين والجمعة حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله أنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين كان مثل بغداد لأن الجمعة حيث تقام الحدود وهذا قول ابن المبارك. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من موضع واحد، وروي أيضاً عن أحمد مثل ذلك لأن النبي ﷺ لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد وكذلك الخلفاء بعده، ولو جاز لم يعطلوا الساجد حتى قال ابن عمر لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلي فيه الامام ولنا أنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد. وقد ثبت أن علياً ﵁ كان يخرج يوم العيد الى المصلى ويستخلف على ضعفة الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم. فأما ترك النبي ﷺ إقامة جمعتين فلغناهم عن إحداهما ولأن الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم لأنه المبلغ عن الله تعالى وشارع الأحكام ولما دعت الحاجة الى ذلك في الأمصار صليت في أماكن ولم ينكر فصار إجماعاً وقول ابن عمر معناه أنها لا تترك في المساجد الكبار وتقام في الصغار، وأما اعتبار ذلك باقامة الحدود فلا وجه له، قال أبو داود سمعت أحمد يقول أي حد كان يقام بالمدينة قدمها مصعب بن عمير وهم يختبئون في دار فجمع بهم وهم أربعون * (فصل) * فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز أكثر من واحدة، وان حصل الغنى باثنتين لم تجز الثالثة، وكذلك ما زاد لا نعلم في هذا مخالفاً إلا أن عطاء قيل له إن أهل البصرة يسعهم المسجد الأكبر قال لكل قوم مسجد يجمعون فيه ويجزي ذلك من التجميع في المسجد الأكبر وما عليه الجمهور أولى إذا لم ينقل عن النبي ﷺ وخلفائه أنهم جمعوا أكثر من جمعة إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك، ولا يجوز إثبات الأحكام بالتحكم بغير دليل

стр. 995

* (مسألة) * (فإن فعلوا فجمعة الامام هي الصحيحة) متى صلوا جمعتين في بلد لغير حاجة وإحداهما جمعة الامام فهي الصحيحة تقدمت أو تأخرت لأن في الحكم ببطلان جمعة الامام افتئاتاً عليه وتفويتاً له الجمعة ولمن يصلي معه ويفضي إلى أنه متى شاء أربعون أن يفسدوا صلاة أهل البلد أمكنهم ذلك بأن يسبقوا أهل البلد بصلاة الجمعة، وقيل السابقة هي الصحيحة لأنها لم يتقدمها ما يفسدها ولا تفسد بعد صحتها بما بعدها والاول أصح، وكذلك إن كانت إحداهما في المسجد الجامع والأخرى في مكان صغير لا يسع المصلين أو لا يمكنهم الصلاة فيه لاختصاص السلطان وجنده به أو غير ذلك أو كانت إحداهما في قصبة والأخرى أقصى المدينة فما وجدت فيه هذه المعاني الصلاة فيه صحيحة دون الأخرى وهذا قول مالك فإنه قال لا أرى الجمعة إلا لأهل القصبة وذلك لأن لهذه المعاني مزية تقتضي التقديم فيقدم بها كجمعة الامام، ويحتمل أن تصح السابقة لأن إذن الامام شرط في إحدى الروايتين فكانت آكد من غيرها * (مسألة) * (فإن استويا فالثانية باطلة وإن لم يكن لاحداهما مزية على الأخرى لكونهما جميعاً مأذونا فيهما أو غير مأذون) ولو تساوى المكانان فالسابقة هي الصحيحة لأنها وقعت بشروطها ولم يزاحمها ما يبطلها ولا سبقها ما يغني عنها، والثانية باطلة لكونها واقعة في مصر أقيمت فيه جمعة صحيحة تغني عمن سواها، ويعتبر السبق بالأحرام لأنه متى أحرم بإحداهما حرم الاحرام بالأخرى للغنى عنها

стр. 996

* (مسألة) * (فإن وقعتا معاً أو جهلت الأولى بطلتا معاً) متى وقع الاحرام بهما معاً مع تساويهما فهما باطلتان لأنه لم يمكن صحتهما معاً وليست إحداهما أولى بالفساد من الأخرى كالمتزوج أختين، وإن لم تعلم الاولى منهما أو لم يعلم كيفية وقوعهما بطلت أيضاً لأن إحداهما باطلة ولم يعلم عينها، وليست إحداهما بالابطال أولى من الأخرى فهي كالتي قبلها ثم ننظر فإن علمنا فساد الجمعتين لوقوعهما معاً وجبت إعادة الجمعة إن أمكن ذلك لأنه مصر ما أقيمت فيه جمعة صحيحة والوقت متسع لإقامتها أشبه ما لو لم يصلوا شيئاً، وان علمنا صحة إحداهما لا بعينها فليس لهم أن يصلوا إلا ظهراً لأن هذا مصر تيقناً سقوط الجمعة فيه بالأولى فلم تجز اقامة الجمعة فيه كما لو علمت، وقال القاضي يحتمل أن لهم إقامة الجمعة لأنا حكمنا بفسادهما معاً فكأن المصر ما صليت فيه جمعة صحيحة، والصحيح الأول لأن الاولى لم تفسد وإنما لم يمكن إثبات حكم الصحة لها بعينها للجهل فيصير هذا كما لو زوج الوليان وجهل السابق منهما فإنه لا يثبت حكم الصحة بالنسبة الى واحد بعينه، ويثبت حكم النكاح في حق المرأة بحيث لا يحل لها أن تنكح زوجاً آخر، فان جهلنا كيفية وقوعهما فالأولى أن لا يجوز إقامة الجمعة أيضاً لأن وقوعهما معاً بحيث لا تسبق إحداهما الأخرى بعيد جداً وما كان في غاية الندور فحكمه حكم المعدوم، ويحتمل أن لهم إقامتها لأننا لم نتيقن المانع من صحتها والأول أولى

стр. 997

* (فصل) * فان أحرم بالجمعة فتبين في أثناء الصلاة أن الجمعة قد أقيمت في المصر بطلت الجمعة ولزمهم استئناف الظهر لأننا تبينا أنه أحرم بها في وقت لا يجوز الإحرام بها ولا يصح أشبه ما لو أحرم بها وفي وقت العصر. وقال القاضي يستحب أن يستأنف ظهراً وهذا من قوله يدل على أن له إتمامها ظهراً كالمسبوق بأكثر من ركعة وكما لو أحرم بالجمعة فنقص العدد قبل الركعة والفرق ظاهر فان هذا أحرم بها في وقت لا تصح فيه الجمعة ولا يجوز الإحرام بها بخلاف الأصل المقيس عليه * (فصل) * وإذا كانت قرية الى جانب مصر يسمعون النداء منه أو كان مصران متقاربان يسمع كل منهم نداء المصر الآخر لم تبطل جمعة أحدهما بجمعة الآخر، وكذلك القريتان المتقاربتان لأن لكل قوم منهم حكم أنفسهم بدليل أن جمعة أحد القريتين لا يتم عددها بالفريق الآخر ولا تلزمهم الجمعة بكمال العدد بهم وإنما يلزمهم السعي إذا لم يكن لهم جمعة فهم كأهل المحلة القريبة من المصر * (مسألة) * (وإذا وقع العيد يوم الجمعة فاجتزئ بالعيد عن الجمعة وصلوا ظهراً جاز إلا للإمام)

стр. 998

وقد قيل في وجوبها على الامام روايتان وممن قال بسقوطها الشعبي والنخعي والاوزاعي وقد قيل إنه مذهب عمر وعثمان وعلي وسعيد وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، وقال أكثر الفقهاء لا تسقط الجمعة لعموم الآية والأخبار الدالة على وجوبها ولأنهما صلاتان واجبتان فلم تسقط إحداهما بالأخرى كالظهر مع العيد ولنا ما روى أن معاوية سأل زيد بن أرقم هل شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال نعم. قال فكيف صنع؟ قال صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال " من شاء أن يصلي فليصل " رواه أبو داود، وفي لفظ للإمام أحمد من شاء أن يجمع فليجمع. وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال " اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون " رواه ابن ماجه ولأن الجمعة إنما زادت على الظهر بالخطبة وقد حصل سماعها في العيد

стр. 999

فأجزأ عن سماعها ثانياً ونصوصهم مخصوصة بما رويناه وقياسهم منقوض بالظهر مع الجمعة. فأما الامام فلا تسقط عنه لقول النبي ﷺ " وإنا مجمعون " ولأنه لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه ومن يريدها ممن سقطت عنه ولا كذلك غير الامام * (فصل) * فان قدم الجمعة فصلاها في وقت العيد فقد روي عن أحمد قال تجزي الاولى منهما فعلى هذا تجزيه عن العيد والظهر ولا يلزمه شئ الا العصر عند من يجوز فعل الجمعة في وقت العيد لما روى أبو داود بإسناده عن عطاء قال اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال: عيدان قد اجتمعا في يوم واحد فجمعهما وصلاهما ركعتين بكرة. ولم يزد عليهما حتى صلى العصر. فيروى أن فعله بلغ ابن عباس فقال أصاب السنة. قال الخطابي وهذا لا يجوز أن يحمل إلا على قول من يذهب إلى تقديم الجمعة قبل الزوال، فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة فسقط

стр. 1000

العيد والظهر ولأن الجمعة اذا سقطت بالعيد مع تأكدها فالعيد أولى أن يسقط بها، أما إذا قدم العيد فلابد من صلاة الظهر في وقتها اذا لم يصل الجمعة والله أعلم * (مسألة) * (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان وأكثرها ست ركعات) روي عن أحمد أنه قال إن شاء صلى ركعتين وان شاء صلى أربعا، وفي رواية فان شاء صلى ستاً فأيما فعل من ذلك فهو حسن وكان ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي يرون أن يصلي بعدها أربعا لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ " من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا " رواه مسلم، وعن علي ﵁ وأبي موسى وعطاء والثوري أنه يصلي ستاً لما روي عن ابن عمر أنه كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً

стр. 1001

ووجه قولنا أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك كله بما روينا من الأخبار، وروي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين متفق عليه، وفي لفظ وكان لا يصلي في المسجد حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته، وهذا يدل على أنه مهما فعل من ذلك كان حسناً. وقد قال أحمد في رواية عبد الله ولو صلى مع الإمام ثم لم يصل شيئاً حتى صلى العصر كان جائزاً فقد فعله عمران بن حصين * (فصل) * فأما الصلاة قبل الجمعة فقد روي أن النبي ﷺ كان يركع قبل الجمعة أربعاً أخرجه ابن ماجة (١) وروي عن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه قال كنت أبقي. (٢) أصحاب رسول الله ﷺ فإذا زالت الشمس قاموا فصلوا أربعاً، وعن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات رواه سعيد

стр. 1002

* (فصل) * ويستحب لمن أراد الركوع بعد الجمعة أن يفعل بينها وبينه بكلام أو انتقال من مكانه أو خروج لما روى السائب عن يزيد قال صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة فلما سلم الامام قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل إلي فقال لا تعد لما فعلت إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج. أخرجه مسلم * (فصل) * قال الشيخ ﵀ (ويستحب أن يغتسل للجمعة في يومها والأفضل فعله عند مضيه إليها) لا خلاف في استحباب غسل الجمعة وفيه أحاديث صحيحة منها ما روى سلمان الفارسي قال قال رسول الله ﷺ " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم

стр. 1003

الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " رواه البخاري. ومنها قوله ﵇ " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " وقوله " من أتى منكم الجمعة فليغتسل " متفق عليهما، وليس الغسل واجباً في قول أكثر أهل العلم. قال الترمذي العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وحكاه ابن عبد البر إجماعاً، وعن أحمد أنه واجب روى ذلك عن أبي هريرة وعمرو بن سليم. وقاول عمار بن ياسر رحلا فقال: أنا اذاً أشر ممن لا يغتسل يوم الجمعة، ووجهه ما ذكرنا من النصوص ولنا ما روى سمرة قال قال رسول الله ﷺ " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل " رواه النسائي والترمذي وقال حديث حسن، وعن أبي هريرة قال

стр. 1004

قال رسول الله ﷺ " من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا " متفق عليه وحديثهم محمول على تأكيد الندب، وكذلك ذكر في سياقه " وسواك وأن يمس طيباً " كذلك رواه مسلم، والسواك ومس الطيب لا يجب، وقالت عائشة ﵂ وعن أبيها: كان الناس مهنة أنفسهم وكانوا يروحون الى الجمعة بهيئتهم فتظهر لهم رائحة فقيل لهم " لو اغتسلتم " رواه مسلم بنحو هذا المعنى، والأفضل أن يفعله عند مضيه إليها لأنه أبلغ في المقصود وفيه خروج من الخلاف * (فصل) * ومتى اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأ وإن اغتسل قبله لم يجزئه وهذا قول مجاهد

стр. 1005

والحسن والنخعي والثوري والشافعي وإسحق. وحكي عن الأوزاعي أنه يجزيه الغسل قبل الفجر، وعن مالك لا يجزيه الغسل إلا أن يتعقبه الرواح ولنا قوله ﷺ " من اغتسل يوم الجمعة " واليوم من طلوع الفجر وإن اغتسل ثم أحدث أجزأه الغسل وكفاه الوضوء وهذا قول الحسن ومالك والشافعي، واستحب طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير اعادة الغسل. ولنا أنه اغتسل في يوم الجمعة أشبه من لم يحدث والحدث انما يؤثر في الطهارة الصغرى ولأن المقصود من الغسل التنظف وإزالة الرائحة وذلك لا يؤثر فيه الحدث ولانه غسل فلم يؤثر فيه الحدث الأصغر كغسل الجنابة * (فصل) * ويفتقر الغسل الى النية لأنه عبادة فافتقر إلى النية كتجديد الوضوء، وإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلاً واحداً ونواهما أجزأه بغير خلاف علمناه لأنهما غسلان اجتمعا فأشبها غسل الحيض والجنابة، وإن اغتسل للجنابة ولم ينو غسل الجمعة ففيه وجهان أحدهما لا يحزيه لقول النبي ﷺ " وإنما لأمرئ ما نوى " وروي عن ابن لابي قتادة أنه دخل عليه يوم الجمعة مغتسلاً فقال للجمعة اغتسلت؟ قال لا ولكن للجنابة. قال فأعد غسل الجمعة. والثاني يجزيه لانه مغتسل

стр. 1006

فيدخل في عموم الحديث ولأن المقصود التنظيف وقد حصل ولأنه قد روي في الحديث " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة " * (فصل) * ومن لا يأتي الجمعة لا غسل عليه، قال أحمد ليس على النساء غسل يوم الجمعة وعلى قياسهن الصبيان والمسافرون، وكان ابن عمر لا يغتسل في السفر وكان طلحة يغتسل. وروي عن مجاهد وطاوس استدلالا بعموم الأحاديث المذكورة ولنا قوله ﵇ " من أتى الجمعة فليغتسل " ولأن المقصود التنظيف وقطع الرائحة لئلا يتأذى غيره به وذلك مختص بحضور الجمعة والأخبار العامة تحمل على هذا، ولذلك يسمى غسل الجمعة، ومن لا يأتيها فليس غسله غسل الجمعة، فإن أتاها من لا تجب عليه استحب له الغسل لعموم الخبر ووجود المعنى فيه * (مسألة) * (ويتنظف ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه)

стр. 1007

التنظف والتطيب والسواك مندوب اليه لقول النبي ﷺ " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وسواك وأن يمس طيباً " ويستحب أن يدهن ويتنظف ما استطاع بأخذ الشعر وقطع الرائحة لحديث سلمان الذي ذكرناه، ويستحب أن يلبس ثوبين نظيفين لما روى عبد الله بن سلام أنه سمع النبي ﷺ في يوم الجمعة يقول " ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته سوى ثوبي مهنته " رواه مسلم. وعن أبي أيوب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى أتى المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة ما بينها وبين الجمعة الأخرى " رواه الإمام أحمد. وأفضلها البياض لقوله ﵊ " خير ثيابكم البياض ألبسوها أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم " والامام في هذا ونحوه آكد لأنه المنظور إليه من بين الناس * (مسألة) * (ويبكر إليها ماشيا ويدنوا من الإمام) للسعي الى الجمعة وقتان: وقت وجوب ووقت فضيلة وقد ذكرنا وقت الوجوب. وأما وقت الفضيلة فمن أول النهار فكلما كان أبكر كان أولى وأفضل. وهذا مذهب الأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال مالك لا يستحب التبكير قبل الزوال لقول النبي ﷺ " من راح إلى الجمعة " والرواح بعد الزوال والغد قبله، قال النبي ﷺ " غدوة في سبيل الله، أو روحة خير من الدنيا وما فيها " قال امرؤ القيس (تروح من الحي أم تبتكر) ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن

стр. 1008

راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر " متفق عليه. وقال علقمة خرجت مع عبد الله إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد، أني سمعت رسول الله ﷺ يقول " إن الناس يجلسون من الله عزوجل يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة " رواه ابن ماجه. وروي أن النبي ﷺ قال " من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها " أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ورواه ابن ماجة والنسائي وفيه " ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ " وقوله " بكر " أي خرج في بكرة النهار وهو أوله. وقوله " وابتكر " أي بالغ في التبكير أي جاء في أول البكرة على ما قال امرؤ القيس (تروح من الحي أم تبتكر) وقيل معناه ابتكر العبادة مع بكورة وقيل " ابتكر الخطبة " أي حضر الخطبة مأخوذ من باكورة الثمرة وهي أولها وغير هذا أجود لأن من جاء في بكرة النهار لزم أن يحضر أول الخطبة وقوله " غسل " أي جامع ثم اغتسل يدل على هذا قوله في الحديث الآخر " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة " قال الامام أحمد قوله " غسل واغتسل " مشددة يريد يغسل أهله. وغير واحد من التابعين عبد الرحمن بن الأسود وهلال بن يساف يستحبون أن يغسل الرجل أهله يوم الجمعة يريدون أن يطأ لأن ذلك أمكن لنفسه وأغض لطرفه في طريقه. وقال الخطابي المراد به غسل رأسه واغتسل في بدنه. وحكي ذلك عن ابن المبارك فعلى هذا يكون معنى قوله " غسل الجنابة " أي كغسل الجنابة. فأما قول مالك فمخالف

стр. 1009

للآثار لأن الجمعة مستحب فعلها عند الزوال وكان النبي ﷺ يبكر بها، ومتى خرج الامام طويت الصحف فلم يكتب من أتى الجمعة بعد ذلك، فأي فضيلة لهذا؟ فان آخر بعد ذلك شيئاً دخل في النهي والذم كما قال النبي ﷺ للذي جاء يتخطى رقاب الناس " أرأيتك؟ أنيت وآذيت " أي أخرت المجئ، وقال عمر لعثمان حين جاء والامام يخطب أية ساعة هذه؟ على وجه الانكار فكيف يكون لهذا بدنة أو بقرة أو فضل؟ فعلى هذا معنى قوله راح الى الجمعة أي ذهب اليها لا يحتمل غير هذا * (فصل) * ويستحب أن يمشي ولا يركب في طريقها لقوله ﵊ " ومشى ولم يركب " لأن الثواب على الخطوات بدليل ما ذكرناه من الحديث ويكون عليه السكينة والوقار في مشيه، ولا يسرع لأن الماشي الى الصلاة في صلاة ولا يشبك بين أصابعه، ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته. وقد روينا عن النبي ﷺ أنه خرج مع زيد بن ثابت إلى الصلاة فقارب بين خطاه ثم قال " إنما فعلت ذلك لكثرة خطانا في طلب الصلاة " وروي عن عبد الرحمن بن رواحة أنه كان يمشي الى الجمعة حافياً ويبكر ويقصر في مشيه رواهما الأثرم، ويكثر ذكر الله ويغض طرفه ويقول ما ذكرنا في أدب المشي إلى الصلاة ويقول اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك، وأقرب من توسل اليك وأفضل من سألك ورغب اليك، وروينا عن بعض الصحابة أنه مشى الى الجمعة حافياً

стр. 1010

فسئل عن ذلك. فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار " * (فصل) * ويجب السعي الى الجمعة سواء كان من يقيمها عدلاً أو فاسقاً سنياً أو مبتدعا نص عليه الامام أحمد في رواية عباس بن عبد العظيم، وقد سئل عن الصلاة خلف المعتزلة فقال أما الجمعة فينبغي شهودها قال شيخنا ولا أعلم في هذا خلافا وذلك لعموم قوله تعالى (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) ولقول النبي ﷺ " فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله إمام جائر أو عادل استخفافاً بها فلا جمع الله له شمله " ولأنه إجماع الصحابة ﵃. فإن عبد الله بن عمر وغيره من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يشهدونها مع الحجاج ونظرائه ولم يسمع عن أحد منهم التخلف عنها ولأن الجمعة من اعلام الدين الظاهرة ويتولاها الأئمة أو من ولوه، فتركها خلف من هذه صفته يفضي الى سقوطها. إذا ثبت هذا فإنها تعاد خلف من تعاد خلفه بقية الصلوات نص عليه الامام أحمد في رواية عباس بن عبد العظيم، وعنه رواية أخرى أنها لا تعاد لأن الظاهر من حال الصحابة ﵃ أنهم لم يكونوا يعيدونها لأنهم لم ينقل ذلك عنهم، وقد ذكرنا ذلك في باب الامامة

стр. 1011

* (فصل) * ويستحب الدنو من الإمام لقول النبي ﷺ " ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ " وعن سمرة أن النبي ﷺ قال " احضروا الذكر وادنوا من الإمام فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة " رواه أبو داود ولأنه أمكن له من السماع * (مسألة) * (ويشتغل بالصلاة والذكر ويقرأ سورة الكهف في يومها ويكثر الدعاء والصلاة على النبي ﷺ إذا حضر قبل الخطبة اشتغل بالصلاة وذكر الله تعالى لقول النبي ﷺ " واعلموا أن من خير أعمالكم الصلاة " ويقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة لما روي عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ " من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة وإن خرج الدجال عصم منه " رواه زيد بن علي في كتابه بإسناده، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه

стр. 1012

إلى عنان السماء يضئ به إلى يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين " ويستحب أن يكثر من الصلاة على النبي ﷺ لما روي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله ﷺ " أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة " رواه ابن ماجه، وعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ " أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي " قالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ (أي بليت) قال " إن الله عزوجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء ﵈ " رواه أبو داود * (فصل) * ويستحب الإكثار من الدعاء يوم الجمعة لعله يوافق ساعة الإجابة لأن النبي ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال " فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه " وأشار بيده يقللها وفي لفظ " وهو قائم يصلي " متفق عليه. واختلف في تلك الساعة فقال عبد الله ابن سلام وطاوس هي آخر ساعة في يوم الجمعة وفسر عبد الله بن سلام الصلاة بانتظارها بقول النبي ﷺ " إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة " رواه ابن ماجه، وروي هذا القول مرفوعاً، فعلى هذا يكون القيام بمعنى الملازمة والاقامة كقوله تعالى

стр. 1013

إلا مادمت عليه قائما) وعن أنس عن النبي ﷺ أنه قال " التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس " أخرجه الترمذي، وقيل هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة لما روى أبو موسى قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الإمام الصلاة " رواه مسلم، وعن عمرو بن عوف المزني عن النبي ﷺ أنه قال " إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئاً إلا آتاه الله إياه " قالوا يا رسول الله أية ساعة هي؟ قال " حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها " رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب. فعلى هذا تكون الصلاة مختلفة فتكون في حق كل قوم في وقت صلاتهم وقيل هي ما بين الفجر إلى طلوع الشمس، ومن العصر الى غروبها وقيل هي الساعة الثالثة لما روى أبو هريرة ﵁ قال قيل للنبي ﷺ لأي شئ سمي يوم الجمعة؟ قال " لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها من دعا الله

стр. 1014

فيها استجيب له " رواه الإمام أحمد. وقال كعب لو قسم الانسان جمعه في جمع أتى على تلك الساعة وقيل هي متنقلة في اليوم، وقال ابن عمر أن طلب حاجة في يوم ليسير، وقيل أخفى الله تعالى هذه الساعة ليجتهد العباد في طلبها وفي الدعاء في جميع اليوم، كما أخفي ليلة القدر في رمضان وأولياءه في الناس ليحسن الظن بجميع الصالحين * (مسألة) * (ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً أو يرى فرجة فيتخطى إليها وعنه يكره) يكره تخطي رقاب الناس لغير الإمام لقول النبي ﷺ " فلا يفرق بين اثنين " وقوله ﷺ " ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحداً " وقوله ﷺ للذي جاء يتخطى رقاب الناس " اجلس فقد أنيت وآذيت " رواه ابن ماجه، وروي عن النبي ﷺ أنه قال " من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسراً الى جهنم " رواه أبو داود والترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد وقد ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه. فأما الإمام فإذا لم يجد طريقاً فلا يكره له التخطي لأنه موضع حاجة * (فصل) * إذا رأى فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي ففيه روايتان: إحداهما له التخطي قال أحمد يدخل الرجل ما استطاع ولا يدع بين يديه موضعاً فارغا، وذلك لأن الذي جلس دون الفرجة ضيع حقه بتأخره عنها وأسقط حرمته فلا بأس بتخطيه وبه قال الأوزاعي، وقال قتادة يتخطاهم الى مصلاه

стр. 1015

وقال الحسن يخطو رقاب الذين يجلسون عى أبواب المسجد فانه لا حرمة لهم وعنه يكره لما ذكرنا من الأحاديث، وعنه إن كان يتخطى الواحد والاثنين فلا بأس فإن كثر كرهناه وكذلك قال الشافعي إلا أن لا يجد سبيلاً الى مصلاه الا بالتخطي فيسعه التخطي إن شاء الله. قال شيخنا ولعل قول أحمد ومن وافقه في الرواية الأولى فيما إذا تركوا مكاناً واسعاً مثل الذين يصفون في آخر المسجد ويتركون بين أيديهم صفوفاً خالية فهؤلاء لا حرمة لهم كما قال الحسن لأنهم خالفوا أمر النبي ﷺ ورغبوا عن الفضيلة وخير الصفوف وجلسوا في شرها فتخطيهم مما لابد منه. وقوله الثاني في حق من لم يفرط وإنما جلسوا في مكانهم لامتلاء ما بين أيديهم، فأما إن لم تمكن الصلاة الا بالتخطي جاز لأنه موضع حاجة * (مسألة) * (ولا يقيم غيره فيجلس في مكانه إلا من قدم صاحباً له فجلس في موضع يحفظه له) ليس له أن يقيم إنساناً ويجلس في موضعه سواء كان المكان لشخص يجلس فيه أو موضع حلقة لمن يحدث فيها أو حلقة يتذاكر فيها الفقهاء أو لم يكن لما روى ابن عمر قال نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجل (يعني أخاه) من مقعده ويجلس فيه متفق عليه ولأن المسجد بيت الله تعالى والناس فيه سواء العاكف فيه والبادي فمن سبق الى مكان منه فهو أحق به لقول النبي ﷺ " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " فإن قدم صاحباً له فجلس حتى إذا جاء قام صاحبه

стр. 1016

وأجلسه فلا بأس لأن النائب يقوم باختياره. وقد روي عن محمد بن سيرين أنه كان يرسل غلاماً له يوم الجمعة فيجلس في مكان فاذا جاء قام الغلام وجلس فيه محمد فإن لم يكن نائباً فقام باختياره ليجلس آخر مكانه فلا بأس لأنه قوم باختيار نفسه أشبه النائب. وأما القائم فان انتقل الى مثل مكانه الذي آثر به في القرب وسماع الخطبة فلا بأس وإلا كره له ذلك لأنه يؤثر على نفسه في الدين، ويحتمل أن لا يكره إذا كان الذي آثره من أهل الفضل لأن تقديمهم مشروع لقول النبي ﷺ " ليلني منكم أولو الأحلام والنهى " ولو آثر شخصاً بمكانه فليس لغيره أن يسبقه اليه لأنه قام مقام الجالس في استحقاق مكانه أشبه ما لو تحجر مواتاً ثم أثر به غيره، وقال ابن عقيل يجوز لأن القائم أسقط حقه بالقيام فبقي على الأصل فكان السابق اليه أحق به كمن وسع لرجل في طريق فمر غيره والصحيح الاول، ويفارق التوسعة في الطريق لأنها جعلت للمرور فيها فمن انتقل من مكان فيها لم يبق له حق يؤثر به، والمسجد جعل للإقامة فيه وكذلك لا يسقط حق المنتقل منه اذا انتقل منه لحاجة، وهذا إنما انتقل مؤثراً لغيره فأشبه النائب الذي يعينه إنسان ليجلس في موضع يحفظه له، ولو كان الجالس مملوكاً لم يكن لسيده أن يقيمه لعموم الخبر ولأن هذا ليس بمال وإنما هو حق ديني فاستوى فيه العبد وسيده كالحقوق الدينية

стр. 1017

* (مسألة) * (وإن وجد مصلى مفروشة فهل له رفعها؟ على روايتين) إحداهما ليس له ذلك لأن فيه افتئاتاً على صاحبها وربما أفضى إلى الخصومة ولأنه سبق إليه أشبه السابق إلى رحبة المسجد ومقاعد الأسواق. والثاني يجوز رفعه والجلوس موضعه لأنه لا حرمة له ولأن السبق بالابدان هو الذي يحصل به الفضل لا بالأوطئة، ولأن تركها يفضي إلى أن يتأخر صاحبها ثم يتخطى رقاب الناس ورفعها ينفي ذلك * (مسألة) * (ومن قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه فهو أحق به) اذا جلس في مكان ثم بدت له حاجة أو احتاج الى الوضوء فله الخروج لما روى عقبة قال صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى حجر بعض نسائه فقال " ذكرت شيئاً من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته " رواه البخاري. واذا قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به رواه مسلم، وحكمه في التخطي الى موضعه حكم من رأى بين يديه فرجة * (فصل) * ويستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول من موضعه لما روى ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه فليتحول إلى غيره " رواه الإمام أحمد ولأن ذلك يصرف عنه النوم * (فصل) * وتكره الصلاة في المقصورة التي تحمى نص عليه أحمد، وروي عن ابن عمر أنه كان إذا حضرت الصلاة في المقصورة خرج وكرهه الاحنف وابن محير؟ والشعبي وإسحق ورخص فيه

стр. 1018

أنس والحسن والحسين ﵃ والقاسم وسالم لأنه من الجامع كسائر المسجد، ووجه الأول أنه يمنع الناس من الصلاة فيه فصار كالمغصوب فكره لذلك، فإن كانت لا تحمى احتمل أن لا تكره الصلاة فيها لعدم شبه الغصب واحتمل أن تكره لأنها تقطع الصفوف فأشبه الصلاة بين السواري، فعلى هذا إنما تكره الصلاة فيها اذا قطعت الصفوف * (فصل) * واختلفت الرواية عن أحمد في الصف الأول فقال في موضع هو الذي يلي المقصورة لأنها تحمى. وقال ما أدري هل الصف الاول الذي يقطعه المنبر أو الذي يليه؟ قال شيخنا والصحيح أنه الذي يقطعه المنبر لأنه الصف الاول حقيقة، ولو كان الأول ما دونه أفضى الى خلو ما يلي الامام ولأن أصحاب النبي ﷺ كان يليه فضلاؤهم، ولو كان الصف الاول وراء المنبر لوقفوا فيه * (مسألة) * (ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما) وبه قال الحسن وابن عيبنة والشافعي وإسحق وأبو ثور وابن المنذر، وقال شريح وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري ومالك والليث وأبو حنيفة يكره له أن يركع لأن النبي ﷺ قال للذي جاء يتخطى رقاب الناس " اجلس فقد أنيت وآذيت " رواه ابن ماجه، ولأن الركوع يشغله عن استماع الخطبة فكره كغير الداخل ولنا ما روى جابر قال جاء رجل والنبي ﷺ يخطب قال صليت يا فلان؟ قال لا.

стр. 1019

قال قم فصل ركعتين " متفق عليه. وفي لفظ لمسلم " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما " فان جلس قبل أن يركع استحب له أن يقوم فيركع لما روى جابر أن سليكا الغطفاني جاء يوم الجمعة والنبي ﷺ قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي فقال له النبي ﷺ " اركعت ركعتين؟ قال لا. قال قم فاركعهما " رواه مسلم، وفي لفظ جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فجلس فقال " يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما " وحديثهم قضية في عين يحتمل أنه أمره بالجلوس لضيق المكان أو لكونه في آخر الخطبة بحيث لو تشاغل بالصلاة فاتته تكبيرة الاحرام. والظاهر أنه ﷺ إنما أمره بالجلوس ليكف أذاه عن الناس فان خشي أن يفوته أول الصلاة اذا تشاغل بهما لم يستحب له التشاغل بهما لذلك * (فصل) * وينقطع التطوع بجلوس الإمام على المنبر فلا يصلي أحد غير الداخل يصلي تحية المسجد روي عن ابن عباس وابن عمر لما روى ثعلبة بن مالك أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر ولأنه يشتغل عن سماع الخطبة المندوب اليه * (فصل) * ويكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة لأن النبي ﷺ نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي * (مسألة) * (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا له أو لمن كلمه) يجب الانصات من حين يأخذ الامام في الخطبة فلا يجوز الكلام لمن حضرها، نهى عن ذلك

стр. 1020

عثمان وابن عمر وقال أبو مسعود: اذا رأيته يتكلم والامام يخطب فأقرع رأسه بالعصا، وكره ذلك عامة أهل العلم منهم مالك وأبو حنيفة والاوزاعي. وعن أحمد لا يحرم الكلام، وكان سعيد بن جبير والنخعي والشعبي وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب، وقال بعضهم إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا، وللشافعي قولان كالروايتين. واحتج من أجازه بما روى أنس قال بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلك الكراع هلك الشاء فأدع الله أن يسقينا. وذكر الحديث متفق عليه. وروى أن رجلاً قام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال يا رسول الله متى الساعة؟ فأعرض النبي ﷺ وأومأ الناس إليه بالسكوت فلم يقبل وأعاد الكلام. فلما كان الثالثة قال له النبي ﷺ " ويحك ماذا أعددت لها؟ قال حب الله ورسوله. قال إنك مع من أحببت " فلم ينكر عليه النبي ﷺ كلامه ولو حرم لا نكره ولنا قول النبي ﷺ " إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت " متفق عليه، وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له أنصت ليس له جمعة " رواه الإمام أحمد. وعن أبي بن كعب أن النبي ﷺ قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم فذكرنا بأيام الله - وأبو الدرداء وأبو ذر يغمزني - فقال متى أنزلت هذه السورة إني لم أسمعها إلا الآن
следующие страницы →