← Язык

Язык · id 11540

مناهج البحث في اللغة

تمام حسان

Полный текст (289 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الصوت المركب: "J" ومعنى التركيب هنا أن نطق هذا الصوت، يستلزم طريقتين من طرق النطق، أولاهما الشدة أو الانفجار، والثانية الرخاوة أو الاحتكاك، ويمكن وصف هذا الصوت، بأنه غاري مركب مجهور مرقق، يتم النطق به بأن يرتفع مقدم اللسان. في اتجاه الغار، حتى يتصل به محتجزا وراءه الهواء الخارج من الرئتين، ثم بدل أن ينفصل عنه فجأة، كما في نطق الأصوات الشديدة، يتم هذا الانفصال ببطء، فيعطي الفرصة لهواء الرئتين بعد الانفجار، أن يحتك بالعضوين المتباعدين احتكاكا شبيها بما يسمع من صوت الجيم الشامية "j". ويمكن إيضاح هذا الصوت أيضا بأن فيه عنصرين هما "gj". ويلاحظ أن نطق أصوات الجيم يختلف باختلاف اللهجات، وقد وصفنا نقط الجيم الفصيحة، وينطق مثلها في الصيعد والسودان، أما في القاهرة وعدن فللجيم صوت "g"، ولها في الشام صوت "j"، ويتضح هذا الخلاف بإيراد مثال واحد؛ فكلمة جميل مثلا "على أنها تكتب بنفس الصورة في مختلف البلاد العربية"، تنطق بصور مختلفة منها:

стр. 107

الأصوات المتوسطة: "r" صوت لثوي تكراري مجهور، ينطق به بترك اللسان مسترخيا في طريق الهواء الخارج من الرئتين، فيرفرف اللسان، ويضرب طرفه في اللثة ضربات مكررة؛ وهذا معنى التكرار في صفته. ولهذا الصوت حالات، فيما يختص بالتخفيم تختلف باختلاف موقعه من السياق، فهو مرقق إذا ما تلاه صوت من أصوات الكسرة، أو وقع ساكنا بعد هذا الصوت؛ ومفخم فيما عدا ذلك، ومن قواعد القراء. ورقق الراء إذا ما كسرت ... كذاك بعد الكسر حيث سكنت لاحظ الفرق بين أصوات الراء من جهة التفخيم، والترقيق في الأمثلة الآتية: حَرَم - يَحْرُم - حرِيم - حِرْمَان. فالراء الأول والثاني مفخمان، ولكن الأخيرين مرققان.

стр. 108

"l": صوت لثوي جانبي مجهور النطق به برفع طرف اللسان، حتى يتصل باللثة، ورفع الطبق، حتى يتصل بالجدار الخلفي للحلق، فيسد المجرى الأنفي، وبإحداث دبدبة في الأوتار الصوتية، ومعنى الجانبية في نطق هذا الصوت، أن أحد جانبي اللسان، أو كليهما يدع الفرصة للهواء الرئوي ليمر بينه، وبين الأضراس في الوقت الذي يمتنع فيه مروره على وسط اللسان، لحيلولة طرف اللسان المتصل باللثة دون ذلك. وهذا الصوت مفخم في لفظ الجلالة، إذا لم يسبقه صوت من أصوات الكسرة، وكذلك يجوز تفخيمه، إذا تلاه صوت من أصوات الفتحة، وسبقه أحد الأصوات المطبقة، قارن الأمثلة الآتية: الله - بالله - الصلاة - الطلاق - الظلام. "m": وهذا صوت شفوي أنفي مجهور، تتصل بالشفتان حين النطق به، ويهبط الطبق فينفتح المجرى الأنفي، ويمر الهواء منه، في حين تحدث ذبذبة في الأوتار الصوتية، وهذا الصوت مرقق في العربية الفصحى، ولكنه في اللهجات العامية، قد يفخم بحسب موقفه من السياق، كما في كلمة: صوت شفوي أسناني أنفي مجهور، يتم النطق به يخلق صلة بين الشفة السفلى وبين أطراف الأسنان العليا، وبخفض الطبق، وإحداث ذبذبة في الأوتار الصوتية. وهذا الصوت مرقق دائما. وهو صوت الميم أو النون إذا تلتهما الفاء؛ ويسميه القراء إدغاما بغنة كما في كلمة "ينفع" و"هم خالدون". وهذا صوت أسناني أنفي مجهور، ينطق به بإخراج اللسان، أي بوضع طرفه

стр. 109

ضد أطراف الأسنان العليا، وخفض الطبق، وإحداث ذبذبة في الأوتار الصوتية. وهو صوت النون قبل الذال والثاء والظاء، وكذلك يمكن وصفه بالتفخيم إذا وليه الظاء، وبالترقيق إذا وليه الذال أو الثاء، ولسنا بحاجة إلى القول بأنه في حالة التفخيم، يرتفع مؤخر اللسان في اتجاه الطبق، وينسحب إلى الجدار الخلفي للحلق بعكس حالة الترقيق، قارن مثلًا: إن ذهب - إن ثاب - إن ظلم. وهذا صوت أسناني لثوي أنفي مجهور، ينطق به بوضع طرف اللسان ضد الأسنان العليا "في حالة الشدة والسفلى في حالة الرخاوة فيما يتبعه"، ومقدمه ضد اللثة، مع خفض الطبق، وإحداث ذبذبة في الأوتار الصوتية. وهو لا يرد إلا قبل الدال والتاء والطاء من الأصوات الشداد، وقبل الزين كما ينطقان في مصر. وهو لهذا إما مرقق أو مفخم، بحسب ما يأتي بعده من هذه الأصوات، نحو: إن دأب - إن تبع - إن طلب - إن زرع - إن صلح - إن سكت. "n" صوت لثوي أنفي مجهور مرقق، يتم النطق به بجعغل طرف اللسان ضد اللثة مع خفض الطبق لفتح المجرى الأنفي، وإحداث ذبذبة في الأوتار الصوتية. وهو صوت النون المفردة، والتي صوتي علة كما في: أنا - نفع - أمان صوت غاري مجهور مرقق، يتم النطق به برفع مقدم اللسان في اتجاه الغار، مع خفض الطبق حتى ينفتح المجرى الأنفي، وإحداث ذبذبة في الأوتار الصوتية.

стр. 110

وهو صوت النون، التي يليها صوت الشين، أوالجيم أو الياء نحو: من شاء - من جاء- من يكن. صوت شفوي نصلف علي مجهور مرقق، ينطق به بضم الشفتين ضما دون الإقفال، مع نتوئهما إلى الأمام، ورفع مؤخر اللسان، وسد المجرى الأنفي، ووجود ذبذبة في الأوتار الصوتية. ولا فرق بين هذا، وبين صوت الضمة من الناحية الأصواتية المحضة، ولكن التفريق بينهما يأتي عن طريق التشكيل، والتطريز اللغوي، حيث تأتي الواو بعد علة وقبلها، ولا تأتي الضمة كذلك مثل: واحد - تعوِيذ - آوُوه.

стр. 111

"y": صوت غاري نصف عِلِّيّ مجهور مرقق، ينطق به برفع مقدم اللسان في اتجاه الغار، ورفع الطبق حتى يسد المجرى الأنفي، مع وجود ذبذبة في الأوتار الصوتية، ولا فرق من الناحية الأصواتية المحضة بين هذا وبين صوت الكسرة، ولكن الفرق بينهما، كما في الواو والضمة، يرجع إلى التشكيل والتطريز، فصوت الياء يأتي سابقًا، ولاحقا للعلل ولا كذلك الكسرة، مثال ذلك: يأتي - تعيين - أحيُوه.

стр. 112

أصوات العلة: إن علاج "أصوات" العلة علاجا دراسيا، يختلف في دراسة الفصحى عنه في دراسة اللهجات العامية، والسبب في ذلك يرجع إلى أمرين: ١- أن "حروف" العلة في اللهجات العامية أكثر منها في الفصحى، فالفصحى تعترف بثلاثة حروف علة، يختلف كل منها بين الطول والقصر، ويمكن تسميتها الكسرة والفتح والضمة، في الوقت الذي تعترف فيه اللهجات العامية بخمسة، يمكن تسميتها الكسرة، والخفضة "أي الفتحة المائلة"، والرفعة "أي الضمة المائلة"، والضمة. ٢- نظام التفخيم في اللهجات العامية، يختلف عنه في الفصحى، ومن ثم كان الارتباط بين القيم الصحيحة، والقيم العلية تفخيما وترقيقا، يقتضي اختلافا بين الفصحى، والعاميات في هذه الناحية.

стр. 113

وإذا كان التفخيم في الفصحى يرتبط بالأصوات، فإنه في العاميات يرتبط بالمواقع، على نحو ما فصلناه في منهج التشكيل الصوتي في هذا الكتاب. ولقد حرص علماء الأصوات، على أن يضبطوا إلى أقصى حد ممكن، ما يستطيع المرء أن يسميه أوضاع أعضاء النطق بأصوات العلة، وجاءوا لذلك بمقياس موضح بالرسم الذي تراه، في الصفحة الآتية توصلوا إلى شكله هذا بعد محاولات متعدد، وتمثل الزاوية الحادة، والمنفرجة في مقدم الرسم مقدم منطقة حروف العلة في الفم، أما الزاويتان القائمتان، فتمثلان مؤخر هذه المنطقة. فأقصى ما يبلغه صوت الكسرة من العلو، والتقدم هو الزاوية الحادة، وأقصى ما يبلغه صوت الفتحة من الاستفال، والتقدم هو الزاوية المنفرجة، وأما ما يبلغه هذا الصوت الأخير من الاستفال، والتأخر "أو سمه التفخيم إن شئت" الزاوية القائمة السفلى، وأقصى ما يبلغه صوت الضمة من العلو، والتأخر هو الزاوية القائمة العليا، وبين صوت الفتحة الأمامية "أو المرققة"، وبين الكسرة منطقة أصوات الخفضة، وبين صوت الفتحة الخلفية "أو المفخمة"، وبين الضمة منطقة أصوات الرفعة، وأما المثلث الأوسط فهو منطقة الأصوات المركزية، التي منها صوت القلقة في اللغة العربية، ويرى القارئ على هذا الشكل الأوضاع التقريبية لأصوات العلة في العربية الفصحى، وعلى الأخص في نطق القراء.

стр. 114

منهج التشكيل الصوتي- الفونولوجيا مدخل ... منهج التشكيل الصوتي: "الفونولوجيا" لقد ذكرنا وجهات نظر بعض العلماء في التفريق بين الكلام واللغة؛ ووضحنا أن الكلام أعمال، وأن اللغة نظام -وأن الكلام حركات، وأن اللغة قوانين هذه الحركات- أن الكلام نشاط يجري "على حد تعبير السيوطي" على شروط اللغة، وقلنا: إن دراسة الأصوات، التي تجري في الكلام من حيث هي حركات عضوية، مقترنة بنغمات صوتية هي ما نسميه علم الأصوات، ولكن دراسة الأصوات، غير مقصور على هذه الناحية الدارسية الطبيعية فحسب، بل هي تخضع لقواعد معينة في تجاورها، وارتباطاتها، ومواقعها، وكونها في هذا الحرف أو ذاك، وإمكان وجودها في هذا المقطع أو ذاك، وكثرة ورودها وقلته، ثم دراسة الظواهر التي لا ترتبط بالأصوات "الصحاح والعلل" من حيث هي، بل بالمجموعة الكلامية بصفة عامة؛ كالموقعية والنبر والتنغيم، ودراسة الأصوات من هذه النواحي الأخيرة، دراسة لسلوكها في مواقعها أكثر مما هي دراسة للأصوات نفسها، وتلك هي دراسة التشكيل الصوتي، ويضع تربوتسكوي المسألة وضعا آخر١، حيث يقول: "إن علم دراسة أصوات الكلام، هو علم الأصوات، وعلم دراسة أصوات اللغة هو علم التشكيل الصوتي"، فعلم الأصوات إذا أوصاف لأعمال، وعلم التشكيل الصوتي أوصاف لأبواب وقواعد، والكلام من عمل المتكلم، والأبواب والقواعد من عمل الباحث، يخترعها اختراعا، ولا يكتشفها اكتشافا. ويقول كانتينو٢: "إن الأصوات دراسة للظواهر الصوتية، والتشكيل الصوتي دراسة لوظائف الأصوات". ولكننا نجد أنفسنا في كثير من المواضع، نستعمل في التشكيل الصوتي اصطلاحات نستعملها في الأصوات، فإذا كنا نقسم الأصوات مثلا إلى شديد

стр. 115

روخو ومركب ومتوسط، فهذا هو تقسيم الحروف في التشكيل الصوتي أيضًا؛ وإذا قسمنا الأصوات إلى مجهور ومهموس، أو إلى مفخم ومرقق، أو نسبنا إليها مخارج معينة، فإننا نفعل نفس الشيء مع الحروف، وقد يبدو هذا خلطا في التفكير، وارتباكا في استعمال الاصطلحات، وفي الحق أن ذلك قد يكون كذلك في التناول عن غير خبرة أو فهم؛ ولكن الخبير الفاهم، لا يستطيع أن يخلط بين الطريقتين من طرق الاستعمال إلا عن سوء قصد؛ فمن المقرر دائما أن يتنبه الباحث قبل البداية إلى المستوى الذي يدرس عليه، أهو مستوى الأصوات أم مستوى التشكيل الصوتي، وإن الناظر إلى تعريف كانتينو للعلمين الذي وضعناه فوق هذا الكلام، ليجد أننا إذا استعملنا اصطلاح "الشديد"، مثلا للصوت، فإنما نطلقه وصفا لظاهرة حركية من ناحية، وصوتية من ناحية أخرى، فهذه الظاهرة حركية؛ لأن الشدة نتيجة لإقفال مجرى الهواء إقفالا تاما، ثم تسريح هذا الهواء، تسريحا مفاجئًا له طبيعة الانفجار في السمع. ولكننا إذا تكلمنا عن نفس الإصلاح، من الناحية التشكيلية، فإنما نتكلم عن "وظيفة" صوتية من مجموعة وظائف، يتكون منها "النظام" الصوتي للغة معينة، وكل وصف تشكيلي إنما ينبني على إيجاد المقابلات الصوتية، التي توجد في اللغة، والتفريق بين معانيها، وتلك أشياء تأتيب بعد دراسة الأصوات من حيث هي، ولكنها تستقل عن دراسة الأصوات استقلالا تاما، فالمقابلة بين مجهور ومهموس ثم مفخم ومرقق، ثم صحيح وعلة، ثم شديد ورخو ومركب ومتوسط، ثم بين طويل وقصير، وبين مخرج ومخرج آخر، وبين النبر وعدمه، وبين اللحن الأول واللحن الثاني، كل أولئك وما يتصل به من فهم دلالة كل مقابل من هذه المقابلات، هو الأساس الذي ينبني عليه علم التشكيل الصوتي. دعنا إذًا، وقد فرقنا بين هذين القسمين، نحاول دراسة أهم الموضوعات التي يتناولها هذا العلم، ثم طريقة البحث فيه، ثم تخص فرعا منه كاد يستقل عنه بكلمة قصيرة، ذلك الفرع ما يسميه الأمريكيون Phoemics، ويقصدون به خلق الأبجديات المناسبة للهجات غير المكتوبة، ولذا أحب أن أنبه القارئ إلى أنني سوف استخدام كلمة "الأبجدية"، بعد هذا ترجمة لاسم هذا النوع من فروع الدراسة اللغوية.

стр. 116

التفريق بين الصحاح والعلل: وسنبدأ كلامنا هنا بالتفريق بين الصحاح consonants، والعلل vowels وفي علم اللغة كما في بقية العلوم، أفكار رئيسية لم يستقر الباحثون على تعريف لها يقبلة الجميع، ومن هذه الأفكار "الكلمة"، وسوف نحاول مناقشة تعريفاتها في مكان لاحق من هذا الكتاب، ثم "الصحيح"؟ ثم "العلة"، وسوف أحاول هنا أن أشرح الأسس، التي بنى العلماء عليها التفريق بين الصحاح والعلل، لا لأخرج للناس تعريفا، ولكن لأوضح مقدار الضعف الذي يجده المرء في أسس التعريفات القديمة، وباستقراء هذه الأسس التي فرق العلماء عليها بين الصحاح والعلل، نجدها كما يأتي: ١- الأساس الفسيولوجي. ٢- الأساس الصوتي "لاحظ عدم استعمال كلمة "أصواتي". ٣- هذان الأساسان مجتمعين. ٤- الوظيفة والتوزيع "أو كما يسمونه التطريز اللغوي". وباستعراض هذه الأسس، نرى أن هناك منهجين من مناهج الدراسة، مختلفين قد استخدما في التفريق، فأما واحد فيشمل الأساسين الأول والثاني، متفرقين أو مجتمعين، ويعالج الصحاح والعلل على مستوى علم الأصوات، وأما الثاني فيتناولهما من ناحية الوظيفة والتوزيع أو التطريز، وذلك على مستوى علم التشكيل الصوتي. ومعظم حالات التفريق بين هاتين الطائفتين، تخلط بين النهجين المتقدمين نهج الأصوات ونهج التشكيل، وهاك أمثلة للتفريق بين هذين القسمين "الصحاح والعلل"، على الأساس الفسيولوجي. ١- يقول هنري سويت١: "إن التفريق الأساسي بين العلل، وبين

стр. 117

الصحاح يتمثل في أن تشكلات الفم مع العلل، إنما يتعدل الهواء المجهور فحسب، وهو فيما عدا هذا عنصر جوهري فيها، ولكن تضييق مجرى الهواء، أو إقفاله هو أساس الصوت الصحيح، على حين تكون حالة الحنجرة شيئا ثانويا. ٢- ويقول تروبتسكوي١: إن خاصية الصحيح، بعبارة أخرى، هي إنشاء عقبة في طريق الهواء، أو فتح هذه العقبة، على حين تبدو خاصية العلة في صورة انعدام أية عقبة أو تعويق. ٣- ويقول فندريس٢: "كل العلل يقتضي أن يكون الفم مفتوحا، ولو اختلف هذا الفتح في الحجم، ولكنه دائمًا أكبر مما هو مع الصحاح". وليس الدخل الفسيولوجي إلى هذا التفريق مصطنعا وسطحيا فحسب، ولكنه غير واف بالغرض أيضا من وجهة النظر العملية، أما أنه مصطنع وسطحي؛ فلأنه يعتمد على مادة من خارج اللغة، وبعد قطع الصلة بين هذه المادة، وبين بيئتها الأصلية، التي هي علم الفسيلوجيا، وتجاهل أثر الموقع، والوظيفة باعتبارهما عاملين من أهم عوامل التشكيل الصوتي، ويستخدم عبارة اعتباطية في تقرير المسألة، تتعارض مع تجارب الأصوات في المعمل٣، وأكثر من ذلك أن هذه العبارات الفنية الفسيولوجية، قد استخدمت لحل مسألة لم يعين مستوى بحثها، أهو الأصوات، أم التشكيل، أم هما معا، وإن عدم تخصيص مستوى لهذا التفريق، ليجعله محتملا أن يكون على مستوى التشكيل الصوتي، فإذا كان ذلك كذلك، فإن المدخل الفسيولوجي، إذا صح أن يرتبط بدراسة الأصوات، فليس هناك مكان بين تجريدات علم التشكيل الصوتي، لمثل هذا المدخل العضوي العضلي؛ لأن الصحاح والعلل في علم التشكيل حروف لا أصوات، أي وحدات فكرية لا حركات تشرحها الفسيلوجيا، ولهذا فليس من الدقة في شيء أن نقول: إن "حرف" العلة لا يوجد في نقطه تعويق، ولا عقبة في طريق الهواء أثناء نطقه؛ لأن الحروف لا تنطق، وإنما تنطق الأصوات.

стр. 118

وهذه العبارة عرضة للنقد، حتى لو جاءت في علم الأصوات، ويأتيها هذا النقد من شهادة تجارب البلانوغرافيا "أو الحنك الصناعي"، فقد وجدت في لهجة عدن أن بعض أصوات العلة، يسبب حين نطقه موقعا لسانيا أعلى، واتصالا أكبر بين اللسان، وبين الحنك الصناعي، مما يسبب الصوت الصحيح الصالح للمقارنة به؛ يؤخذ ذلك من حجم البصمة. وهذه حقيقة تبدو أوضح ما تبدو، في حالة طوال أصوات العلة الأمامية الضيقة "أي مجموعة الأصوات المسماة ياء المد"، في نهاية المجموعة الكلامية، إذا قورنت بالصوت الصحيح "ي" أي الياء الساكنة، في نفس الموقع، وشبيه بهذا أن كل صوت علة: طويلا كان أم قصيرا، في أي موقع، له بصمة أوسع مساحة مما ينتجه صوت الياء الواقع بين صوتي علة، كما في كلمة "حياة"١. وواضح أن هذا المدخل الفسيولوجي للتفريق بين الصحاح، والعلل سطحي مصطنع، وقاصر لا يكفي الحاجات العملية للبحث، سواء في الأصوات أو في التشكيل الصوتي، وسنرى بعد قليل أن التفريق على أساس صوتي "نسبة إلى علم الصوت أحد فروع علم الطبيعة"، ليس أكثر غناء في هذا المجال، وسنورد هنا بعض الأمثلة التفريق على هذا الأساس بين هاتين الطائفتين: الصحاح والعلل: ١- يقول ماروزو٢: يعتبر علماء الأصوات الصحيح مكونا في جوهره من جرس٣ ناتج عن مرور الهواء عبر القناة الصوتية، فيخرج عن هذا التعريف الصوت، أو الحس الذي يخصص العلة". ٢- ويقول دانيال جونز٤: ليس التفريق بين الصحاح، والعلل اعتباطيا

стр. 119

فسيولوجيا، ولكنه في الحق تفريق مبني على اعتبارات صوتية هي العلو النسبي، أو قوة الإسماع، في الأصوات المختلفة". وأما التفريق على الأساسين مجتمعين، فيمكن أن يجده القارئ في الأمثلة الآتية: ١- تقول آيده وورد١: "العلة في الكلام العادي، صوت يمر الهواء في نطقه خلال الفم في تيار مستمر، لا تصادفه عقبة، ولا تضييق ينتج عنه احتكاك مسموع، وكل الأصوات الأخرى صحاح". ٢- ويقول إدوارد سايير٢: "يتم النطق في الأعضاء التي تتكون منها حجرة الرنين المسماة الفم على طريقتين، فربما سمح للتنفس، سواء كان مجهورا أو مهموسا، مغنونا أو غير مغنون، أن يمر خلال فجوة ضيقة يحتك بها، وتوجد مراحل انتقال بين النوعين الأخيرين من أنواع النطق، ويصبح للتنفس غير المعطل لون خاص، أو قيمة صوتية مطابقة لشكل حجرة الرنين التي هي الفم". ويقول أيضًا: "وطريقة النطق في الفم ليست كافية بالطبع لحد الصحاح، بل يجب أن ندخل في اعتبارنا المخرج". ويجب أن نعقب هنا بأنه إذا لم يصلح المدخل الفسيولوجي للتبطيق في هذا المجال، فلن يصلح المدخل الطبيعي الصوتي؛ لأن الحروف وحدات فكرية تجريديه تقسيمية لأجراس لها ولا تنطق، وهكذا يصبح المدخل الطبيعي قاصرا سواء أكان بمفرده، أم بالإضافة إلى الأسس الفسيولوجية، وسواء كان هذان المدخلان مجتمعين، أو متفرقين فإنهما غير لغويين، ولا يمكن اعتبارهما أساسين أصليين من أسس البحث اللغوي، تفرق عليهما المفهومات اللغوية المجردة، التي هي غريبة عن علم الطبيعة بقدر ما هي أجنبية عن الفسيولوجيا، وإذا لم تستخدم التعريفات السابقة فكرة النوعية، والنظم اللغوية، فإن التعريف الآتي يتسخدمها بلا شك.

стр. 120

يقول بلوخ وتريجر١: "العلة صوت لا توجد عقبه في الفم حين نطقه، حتى ليجري تيار الهواء من الرئتين إلى الشفتين، وما وراءهما دون أن يتوقف، أو يحشر في مجرى ضيق، ودون أن يحيد عن خط الوسط في قناة مروره، أو يحدث ذبذبة في أي عضو فوق الحنجرة، هذا الصوت مجهور من الناحية "النوعية"، وإن لم يكن هذا ضروريا من الناحية الفعلية، والصحيح بعكس هذا، صوت يتوقف الهواء في نطقه عن الجريان، توقفا تاما نتيجة إقفال الحنجرة، أو قناة الفم أو ينحرف عن خط الوسط في قناته إلى فتحة جانبية، أو يجعل أحد الأعضاء التي فوق الحجرة تتذبذب". واستعمال كلمة النوعية هنا، يستدعي للذهن مدخلا تشكيليا، على حين يقوم التفريق في حقيقته على أسس طبيعية فسيولوجية. ولقد وجد التفريق على أساس الوظيفة، التي يؤديها الصحيح، أو العلة عناية من بعض الباحثين، فنحن نرى فندريس، مثلا يعترف بالوظيفة المختلفة، التي يقوم بها كل من النوعين، ولكنه حين يفرق بينهما بالفعل، لا يستعمل اختلاف الوظيفة في هذا التفريق، ولقد روينا لفندريس من قبل، تفريقا بين هذين القسمين على أساس فتح الفم مع كل منهما، ولكنه يقول في اختلاف وظيفة الصحيح عن وظيفة العلة: "ومع أن الوظيفة قد تختلف في هذين، لا يوجد شيء في الطبيعة الفعلية للأصوات ولا حد فاصل، يفرق بينهما"، ثم يفرق هو بعد ذلك على الأساس الذي اقتبسناه له من قبل. لم يرد إلى هذا الحد أي تعريف، أو تفريق يقوم على الفصل بين ما هو أصواتي، وما هو تشكيلي من الصحاح والعلل، حتى ينتج تناولا مزدوجا لهذه المسألة، ولكن دي سوسور يتناول المسألة تناولا مزدوجا، حين يستخدم اصطلاحات مزدوجة الدلالة على اختلاف النظرة إلى الصحاح، والعلل باختلاف الأصوات والتشكيل الصوتي، واصطلاحات دي سوسور، كما يأتي:

стр. 121

اصطلاحات تشكيلية، اصطلاحات أصواتية. الصحاح: Consonantates "حروف صحيحة" Consemes "أصوات صحيحة" العلل: Sonantes "حروف علة" Voyelles "أصوات علة" ويقول١: إن الاصطلاحات Consonnes, Voyelles تدل كما رأينا في صفحة ٧٥ على أنواع مختلفة، Consonantes, Sonantes، فإنها تدل بالعكس على وظائف في المقطع. هذه الثنائية في الاصلاح، تسمح بتجنب ارتباك منهجي بقي زمنا طويلا، فمع أن نوع "ع" واحد في fidele في pied إذ هي صوة علة، لكن هذا الصوت حرف علة في Fidele، وحرف صحيح pied. ويستمر النص قائلًا: "وقد رأينا مثلا أن y, w ليسا شيئا مختلفا عن -، u، ولكن حين يسأل المرء عن السبب الذي ينتج الوظيفة المزدوجة، أو التأثير الصوتي المزدوج؛ "لأن كلمة وظيفة لا يقصد بها غير هذا"، يجيب بأن الصوت كذا يؤدي الوظيفة كذا، وبحسبها تقع عليه النبرة المقطعية أو لا تقع". والعالم الآخر الذي توخى ثنائية المصطلحات، هو كينيت بايك الذي يستعمل الاصطلاحات الآتية: اصطلاحات تشكيلية، اصطلاحات أصواتية. الصحاح Consonants "حروف صحيحة" Non- Vocoids أصوات صحيحة العلل: Vowels "حروف علة" Vocoids "أصوات علة". ويقول٢: "إن صوت العلة هو الصوت الذي يخرج الهواء أثناء نطقه: ١- من الفم ٢- على وسط اللسان "أي أنه ليس جانبيا" ٣- بلا احتكاك في الفم "ولكن الاحتكاك في مكان آخر، لا يمنع الصوت من أن يكون صوت علة، والآن نحاول تأمل الأصوات الصحيحة: وتشمل هذه أي صوت يخرج الهواء

стр. 122

أثناء نطقه من الفم لكن من جانب اللسان، وأي صوت يخرج الهواء أثناء نطقه من الفم محدثا احتكاكا محددا بنقطة من الفم، وأي صوت لا يجد تيار الهواء مخرجا أثناء نطقه". ويستمر بعد ذلك، فيقول: "لكل لغة أنواعها الخاصة من أنساق الحروف، ففي بعض اللغات، يأتي الكثير من الحروف الصحاح، جنبا إلى جنب بلا توسط حروف العلة، "أو سم ذلك إن شئت كتلا من الحروف الصحاح"، والبعض الآخر لا يميل إلى هذه الكتل من الحروف الصحاح، ولكنه يفضل تعاقب الحروف الصحاح، وحروف العلة، وربما يشك الباحث في البداية، حين يتناول بعض اللغات فيما إذا كانت أنساق معينة تكتب في u, i أو w,y أي حرف علة أو حروف صحيحة، فيجب أن تسمى هذه الجزئيات حروفا صحيحة، أو علة طبقا للطريقة التي ترد بها في نسق الكلام، في مواقع موازية لورود ما اعتبر حرفا صحيحا بالتأكيد مثل s, t، أو حروف علة بالتأكيد مثل a". وأخيرًا يقول: "وحين يكون الصوت من نوع مشكوك في ظاهره، بأنه ربما كان منتميا لحرف صحيح أو لحرف علة، يجعل الباحث قراره مبنيا على أساس توزيع هذا الصوت في المقاطع الأصواتية، والمقاطع التشكيلية، أو في الوحدات الصرفية morphemes، أو توزيعه بالنسبة إلى ما لا يبدو مشكوكا فيه". وبعد فما الصحاح وما العلل؟ لقد جرت العادة في لغتنا العربية على أن نطلق الاصطلاج "حرف"، على مفهوم واسع، فهو يشمل ما يأتي: ١- الحرف بمفهومه الأبجدي التقسيمي، ويشمل المفهوم الأصواتي أيضا. ٢- والحروف بمعناه الخطي الرمزي الكتابي. ٣- والحرف أحد سبعة أحرف قرئ بها القرآن. ٤- والحرف بمعنى بنط الطباعة. ذلك إلى جانب استمعالاته الكثيرة، التي لا تدخل تحت مفهوم الاصطلاح،

стр. 123

كالحرف بمعنى الطرف، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ وهلم جرا. والذي يهمنا من كل هذا، أن نسلخ عن المفهوم الاصطلاحي الأول جانبه الأصواتي، وندع للكلمة مفهومها الأبجدي التقسيمي، فنخرج بتقسيم عربي أبجدي تجريدي فكري لحروف لا تتعلق، وإنما هي أقسام ثمانية وعشرون صحاح، وثلاثة علل، يدخل تحت كل قسم منها واحد، أو أكثر من الأصوات، وتكون النتيجة بعدئذ أن يكون في اللغة العربية أصوات كثيرة، مقسمة إلى أقسام، أي حروف، أقل في العدد؛ ولك من الحروف، والأصوات ينقسم إلى قسمين رئيسين هما الصحاح والعلل، وإليك بيان الحروف الصحيحة، وحروف العلة: فأما الحروف العربية الصحيحة، فهي: ء ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن هـ وي. وأما حروف العلة، فهي: الكسرة، "ويشمل مفهومها ياء المد"، والفتحة "ويشمل مفهومها ألف المد"، والضمة "ويشمل مفهومها واو المد" أي أن حروف العلة إما أن تكون قصارًا أو طوالا، فالقصير منها حركة، والطويل مد، كل هذا على الأساس التشكيلي. ومن الضروري أن يفرق الباحث بين هذين الأساسين من أسس الدراسة، التشكيل الذي يدرس الحروف، والأصوات الذي يدرس الأصوات بالطبع، ومن الضروري للباحث أن يبدأ بوصف الأصوات، ثم يحدد أقسامها بعد ذلك عن طريق التخارج في الموقع، بمعنى أن الصوتين الذين يقعان في موقع واحد، كالفاء من فلق والعين من علق، ينسبان لحرفين مختلفين، إذا اختلف معنى إحدى الكلمتين عن الأخرى. أما إذا لم يقعا في موقع واحد، فلو فسرت أحدهما على أن يحل محل الآخر لم يتغير المعنى، كما لو أحللت محل الميل في ملق الصوت، الذي نسميه إدغاما بغنة،

стр. 124

وهو من حرف الميم، فإنها إذًا من حرف واحد، هذا هو معنى التخارج في الموقع، والحروف تجريدات، والأصوات تحقيقات، فإذا وجد أن صوتا من الأصوات، تحقيق لحرف صحيح، فهو صوت صحيح، وإذا وجد تحقيقا لحرف علة، فهو صوت علة، خذ مثلا لذلك: أحد أصوات الضمة مع صوت الواو. ليس هناك فرق أصواتي بين الضمة الطويلة، والواو الساكنة المطالة، انطق أيهما شئت، واسأل جارك أن يخمن أيهما تعني، وستعلم أن أذنه لم تخبره الخبر اليقين، فأين يقع الفرق بينهما إذا؟ إنه يقع في التوزيع والوظيفة، فمن الناحية التوزيعية، تأتي الواو محركة، ولا تأتي الضمة، وم الناحية الوظيفية، تأتي الواو بداية لمقطع ولا تأتي الضمة، فإذا وجد الباحث الأجنبي في اللغة العربية صوتا، كالذي نطقته ولم يعرفه جارك، فليحركه وليبدأ به مقطعا، فإن أطاعه في الكلام فهو صحيح، وإن لم يجد لكلامه معنى، فليجرب اعتباره حرف علة، وسيجده كذلك، يفعل ذلك دون أن يدخل في مضايق الفسيولوجيا أو الطبيعة، أو يستعمل اصطلاحاتهما، تحديد مفهومات لغوية بحتة. ويجب في تحديد الحروف، أن نعني باعتبارين هامين: ١- التطريز اللغوي "أو التوزيع". ٢ الوظيفة: وقد وضحنا معنيهما بعض التوضيح بالمثال، فوق هذه السطور. ومع الاحتفاظ بهذين في الذاكرة، يمكن تحديد الصحاح، أوالعلل في ضوء اللغة أو اللهجة التي ترد فيها، وتنتمي إليها، لا على أساس صدق هذا التحديد في كل لغات العالم؛ لأن لكل لغة تطريزها الخاص، ووظائفها الخاصة التي تسندها إلى الصحاح والعلل.

стр. 125

تقسيم الحروف: لا يستطيع الباحث إذا أن يبني تقسيمات الحروف على اعتبارات فسيولوجية عضوية، أو طبيعية صوتية، كما أشرنا إلى ذلك في كلامنا عن التفريق بين الصحاح والعلل؛ لأن الحروف الصحاح، وحروف العلة لا تنطق، وإنما تنطق الأصوات الصحاح، وأصوات العلة. وعند تقسيم هذه الوحدات التشكيلية، "التي نسميها الحروف، فننسب إليها مخارج، وصفات كمخارج الأصوات وصفاتها"، لا نقصد من هذه النسبة أي معنى عضوي فسيولوجي في المخارج، ولا طبيعي صوتي في الصفات، وإنما نسنتعمل الاصطلاحين "مخرجا" و"صفة" استعمالا تشكيليا محضا، غير أصواتي، لندل به على أنواع لا أعمال، وعلى أفكار تقسيمية لا موضوعات طبيعية، وعلى وسائل للتناول لا عمليات نطقية، وأخيرًا كما يقول كانتينو على وظائف لا حركات، وعندما نتكلم في معرض التشكيل عن نطق شفوي، إنما نتكلم عن أحد أنواع النطق المستخدمة في اللغة العربية مثلا، لا على عملية النطق نفسها، أي أننا نتكلم عما يشمل حروف الباء والميم والواو، لا عن أي صوت بعينه من أصوات هذه الحروف. وأما اصطلاح العلاقة، "ونقصد بها جهة الشركة، أو التخالف بين صحيح وصحيح، كعلاقة الجهر المدركة إيجابيا بين د - ز، وسلبيا بين د - ت، أي أنها جهة شركة بين الزوج الأول، وجهة اختلاف في الزوج الثاني"، فإنه لا يدع في التفكير شكا في جهة إطلاقه، وبرغم اتصاله بصفات في الأصوات تتصل بالناحية الصوتية الطبيعية، وتناولها من ناحية التشكيل تناول للتنظيم، لا للوصف الصوتي، كما في علم الأصوات، فيدل اصطلاح "العلاقة" هنا على صفة، ربما كانت إيجابية في أحد طرفيها سلبية في الطرف الآخر، مع اتحاد الطرفين في المخرج، كما في مثالنا السابق "د في مقابل ت"، ويختلف استعمال هذا الاصطلاح هنا عن الطريقة، التي يستعمله بها تروبتسكوي؛ إذ يقصد به "مجموع الأزواج ذوات العلاقة المتبادلة، والتي نخصصها نفس علامة العلاقة١"؛ ومعنى الأزواج ذات العلاقة المتبادلة في نظره كل حرفين، "أو كما يقول هو "فونيمين"، وسنشرح الاصطلاح "فونيم" فيما يأتي"، يقف أحدهما في وجه الآخر مقابلا له في سلب صفة وإيجابها، كوجود

стр. 126

الجهر في أحدهما، والهمس في الآخر، كما في د، ت، ويقصد بعلامة العلاقة خاصية تشكيلية كالجهر مثلًا، يخلق إيجابها وسلبها زوجا، أو أزواجا ذات علاقة متبادلة، أما بالمعنى الذي نقصده نحن من الاصطلاح "علاقة"، فإنه يدل على ما يشمل إلى جانب الجهر طرق النطق، كالشدة، والرخاوة، والتركيب والتوسط، وما يشمل صفات كالتفخيم أيضا. وإلى جانب استخدام الاصطلاح "علاقة"، أحب أيضا أن أطلق الاصطلاح "ميل"، على ظاهرة لم يخلق لها اصطلاح فيما كتب عن علم اللغة، تلك هي الميل بالمخرج الأصلي، أثناء النطق إلى تدخل مخرج آخر، كالذي نسميه الإطباق، وما نسميه التغوير، وذلك الذي نسميه التحليق، ومعنى ذلك ارتفاع مؤخر السان في اتجاه الطبق، أثناء النطق في مخرج بعيد عن هذه المنطقة، أو مقدمة في اتجاه الغار، أو يتراجع جذعه في اتجاه جدار الحلق، أو تقفل الحنجرة، أو تحدث نفخة مصاحبة، وإنما تفرد الميول بعلاج منفصل عن علاج العلاقات؛ لأن هذه الميول صفات في الموقع، أكثر مما هي صفات في الحرف؛ وذلك كلام يصدق في اللهجات العامية على وجه خاص. وإذا فلا بد من استخدام المخارج، والعلاقات، والميول "أو المخارج والصفات إن أردنا الاختصار" في تقسيم الحروف، لنجعل من مجموع هذه الحروف منظمة تطريزية توزيعية، يقوم كل حرف فيها بوظيفة تشكيلية خاصة، تساهم في المعنى العام. واصطلاح التطريز مستعار من فن الزخرف، الذي يقوم على أساس في وحدات زخرفية، يحتل كل منها مكانًا في المجموعة التطريزية، متكاملا مع أمكنة الوحدات الأخرى، ومختلفا عنها. ويؤدي المجموع غرضا زخرفيا؛ ولشرح ذلك نقول: إن أي حرفين في النظام التشكيلي في أي لغة، لا بد أن تكون بينهما جهة اختلاف واحدة على الأقل، وهذه الجهة إما أن تكون مخرجا أو صفة، ولو اتفق حرفان في المخرج، والصفة لما صح أن يسميا حرفين، بل إنما يكونان حرفًا واحدًا، وإن نظرة واحدة إلى جدول الحروف، لتبين كيف لا يتفق اثنان منها في المخرج والصفة كليهما، بل لا بد من اختلاف بينهما، يجعل لكل منهما مكانة في المنظمة التطريزية للحروف، وإليك الجدول:

стр. 127

ويمكن تشبيه هذه المنظمة التشكيلية الحرفية في مجموعها، بمربعات رقعة الشطرنج، فالمربعات في هذه الرقعة تختلف بحسب الاعتبارات الآتية: ١- سواد المربع وبياضه. ٢- مكان المربع في الخط الرأسي. ٣- مكانه في الخط الأفقي. ٤- مكانه في الخط المائل. ولا يمكن أن يتحد مربعان في كل هذه الصفات، وذلك هو معنى فكرة التطريز في الرقعة، ويشبه هذا الجدول الذي وضعناه أمامك من حيث أن خطه الأفقي مخرج، وخطه الرأسي صفة، ولا يمكن أن يتحد حرفان في المخرج والصفات جميعها، وهذا هو معنى التطريز الحرفي في الجدول واللغة كليهما.

стр. 128

" نظرية الفونيم ": كل مجموعة كلامية لا بد أن يتكون من سلسلة من الأصوات، التي ينتهي كل منها في الآخر في شكل انزلاقي، ولا يتفق اثنان منها اتفاقا تاما، ولكننا إذا أردنا التحليل اللغوي، فإننا نتجاهل عمدًا هذه الانزلاقية الصوتية، وندعي إمكان إيجاد الحدود بين صوت وصوت، وإمكان إخراج صوت من هذه السلسلة وإحلال آخر محله، ومن المعلوم أن الدراسات اللغوية -لأغراض عملية أبجدية ونحوية ودلالية- تقبل أن تربط عددا من هذه الأصوات اللغوية برباط واحد، تطلق عليه اصطلاحا شاملا كالنون مثلا، فالنون اصطلاح شامل يدخل تحته عدد من الأصوات، كالذي في بداية "نحن"، والذي قبل الثاء في "إن ثاب"، وقبل الظاء في "إن ظهر"، وقبل الشين في "إن شاء"، وقبل القاف في "إن قال"، مع اختلاف واضح بين هذه الأصوات في المخرج، لاحظ أن صوت النون في "إن ثاب" و"إن ظهر" مما يخرج فيه اللسان، كالثاء والذال والظاء تمامًا. لقد اصطلحنا على أن نسمي هذا العدد من الأصوات حرف النون، فنجعل الحرف

стр. 129

أعم من الصوت كما سبق، وهذا أيضًا هو المقصود عند بعض الباحثين بالاصطلاح "فونيم"، إذا فالفونيم في أحد معانيه يقصد به معنى الحرف. وهو في رأي دانيال جونز١ عائلة من الأصوات، التي يعتبر كل منها عضوًا من أعضاء العائلة، يترابط مع الآخرين بهذه الطريقة التي شرحناها في النون، ويسمى واحد من هؤلاء الأعضاء عضوًا رئيسيا، والسبب الذي ينبني عليه اختيار الرئيسي من بين الأعضاء واحد مما يأتي: ١- إما أن يكون هذا العضو أكثر ورودًا في الاستعمال اللغوي من بقية الأعضاء. ٢-أو لأنه العضو الذي يستعمل منعزلا عن السياق. ٣- أو لأنه متوسط بين الأعضاء المتطرفة، كصوت النون اللثوي في مقابل بقية أصواتها. وتسمى بقية الأعضاء أعضاء ثانوية للفونيم، أو العائلة الصوتية المذكورة. ولإيضاحه إيضاحا أكبر، يستعمل دانيال جونز كلمة "لغة" بمعنى كلام شخص واحد ذي أسلوب ثابت، ويستعمل اصطلاح "بيئة الصوت" ليقصد الأصوات المحيطة بهذا الصوت في ظروفها كلها، من جهر وكمية وعلو في الصوت وهلم جرا. ثم يقرر بعد ذلك أن الفونيم في لغة ما عائلة من الأصوات متقاربة في خصائصها، تستعمل بطريقة لا تسمح بأن يستعمل أحدها في نفس البيئة الصوتية التي يستعمل فيها الآخر أبدًا، ومعنى ذلك أن النون التي قبل الثاء، بما فيها من إخراج اللسان، ومن الصفات الأخرى، لا تحل محل النون التي قبل القاف؛ لأن لكل منهما مكانها، وبيئتها الصوتية الخاصة بها، وهذا هو المقصود بمعنى التخارج بين الأصوات؛ فكل صوتين من نفس الحرف متخارجان من جهة الموقع؛ أي لا يقع أحدهما موقع الآخر، والعلاقة بين الأعضاء المختلفين في الفونيم الواحد، إما أن تكون عضوية أو صوتية؛ أي أنها إما أن تكون علاقة بالمخرج، أو علاقة بالصفة.

стр. 130

فالعلاقة بين الخاء المهموسة في "يخشى"، والمجهورة في "أصخ غير مأمور" علاقة بالمخرج مع اختلاف الصفة، ولكن العلاقة بين النونات المختلفة التي ذكرناها علاقة بالصفة مع اختلاف المخرج. ويرى دانيال جونز أن الصوت الواحد لا يمكن، إلا في حالات نادرة، أن يكون منتميا إلى فونيمين اثنين في نفس الوقت، ويأتي لذلك بأمثلة كثيرة يمثل بها للقاعدة ولشواذها، ونضيف هنا أن الصوت الشفوي الأسناني الذي نسميه إدغاما بغنة. فنطق النون في ينفع، ونطق الميم في دعهم يتم بنفس الطريقة، ومن الفونيم ما يكون ذا أعضاء متعددة، كالنون، وما يكون ذا عضو واحد، كالياء. لقد قلنا من قبل: إن أعضاء العائلة الفونيمية الواحدة متخارجون، فالنونات المختلفة متخارجة من حيث الموقع، ولهذا التخارج أهمية خاصة في نهاية الخطورة، من جهة الدلالة؛ لأن الصوتين إذا انتميا إلى فونيمين مختلفين، انتفت عنهما فكرة التخارج، وصح أن يحل أحدهما محل الآخر، ليحدث تعديلًا في الدلالة أو في المعنى المعجمي، بخلق كلمة جديدة، فالمعروف مثلا أن التاء فونيم غير فونيم الثاء، وأننا إذا وضعنا التاء موضع الثاء من كلمة "ثاب"، تغيرت الكلمة، وتغير معناها، وأصبحت "تاب"، فإذا وضعنا فونيم العين بدل التاء، أصبحت "عاب"، فإذا استبدلنا ذلك بالخاء، أصبحت "خاب"، فإذا حلت الراء محلها أصبحت "راب"، والشين "شاب"، والغين "غاب"، وهلم جرا. فحلول أحد الصوتين محل الآخر دليل على أنهما ينتميان لفونيمين مختلفين، وهذا أحد أوجه الكشف عن القيم الخلافية في اللغة، وإضافة الفونيم إلى الكلمة، واستخراجه منها، كاستبداله فيها، يميز الكلمة عن الأخرى، فمثال التمييز بالإضافة "حد" و"جدد"، وبالاستخراج العكس، وقد سبق التمثيل للتمييز بالاستبدال.

стр. 131

ومما تتميز به كلمة عن كلمة "الكمية"، كما في قال و"قل"، ففي المثال الأول لين أطول من الفتحة التي في الثاني، وفي الثاني تشديد أطول من الإفراد الذي في الأول، وهذا فرق في الكمية، ومن ذلك النبر، ولكن اللغة العربية استغنت بوسائلها المتعددة، عن استخدام هذه الوسيلة من وسائل التمييز بين الكلمات، ومثال التمييز بالنبر في الإنجليزية كلمة Contract مع وضع النبر على أول أصوات الكلمة، و Contract مع وضعه r، ومعنى الكملة الأولى "عقد" ومعنى الثانية يتفق اتفقا مدونًا، ومن ذلك أيضًا نغمة الكلمة؛ وهي تستخدم في اللغة الصينية، وفي لغات غرب أفريقيا، وهذا النوع من اللغات يسمى - Tone Languages، كل ذلك يسمى الخلافات الصغرى التي يفرق بها بين كلمة وأخرى. وقد يجري التفريق بخلافين أصغرين أو أكثر، كما في "قل" و"قال" حيث يفرق بينهما بصوت الضمة في مقابل صوت الألف اللينة من جهة، وباختلاف كمية طولهما من جهة آخرى، وكما في "قل" و"قاس"، حيث نضيف إلى الخلافين السابقين ثالثًا بين اللام والسين، والمفهوم أن قال في المقارنة الأولى، وقاس في الثانية ساكنان بالوقف. وأهم شيء في هذا الصدد أن يكون مجموعة الخلافات الصوتية بين كلمة، وكل كافيا، لأن يبرر دعوى اختلافهما، أما الطريقة التي يتوصل بها إلى إيجاد مجموع هذا، فليس لها مثل هذه الأهمية، وإنما نقول: مجموع الخلافات؛ لأن هذه الخلافات باعتبارها فرادى قد لا يكفي واحد منها للترفيق، بنفسه فحسب، بين الكلمتين، ولكنها مجتمعة قد تكفي لذلك. هذه النظرة إلى الفونيم يمكن أن تسمى نظرة عضوية تركيبية؛ لأنها تعترف بكلمة "عائلة أصوات"، ولكن نظرات أخرى إلى الفونيم قد أخذت تنافسها في التفكير اللغوي، وأهمها النظرة العقلية، والنظرة الوظيفية التركيبية، فأما أصحاب النظرة الأولى، فيعتبرون الفونيم صوتًا مفردًا، وله تجريد ذهني، أو صورة ذهنية، يستحضرها المتكلم إلى علقه بالإرادة، ويحاول بلا وعي أن ينطقها في الكلام، فينجح في بعض الأحوال في تحقيق صورة الصوت بالنطق، ولكنه في أحوال

стр. 132

يخفق، فيستحضر أقرب الأصوات إلى هذه الصورة، وهذا شبيه بنظرية المثل عند أفلاطون. ولقد نحا "بودوان دي كورتني"، مكتشف هذه النظرية نحوًا نفسيا في التفكير فيها حيث عرف الفونيم بأنه صورة ذهنية، وفرق لهذا بين نوعين من علم الأصوات، أولهما علم الأصوات العضوي، وثانيهما علم الأصوات النفسي، وجعل الأول لدراسة الأصوات المنطوقة، والثاني لدراسة الأصوات المنوية في النطق، ويفرق بين مجموعتين من الرموز الكتابية الأصواتية، على هذا الأساس أيضا، أولاهما لكتابة الأصوات المنطوقة، والثانية لكتابة الفونيمات، أو الصور الذهنية، أو الأصوات المنوية في النطق. ومن أصحاب النظرة النفسية أيضا سابير١، الذي يستعمل في مقالة المعنون "أنماط الأصوات في اللغة"، الاصطلاح "أصوات مثالية" ليقصد الفونيمات من وجهة النظر العقلية، ويقول بأن "هذه الأصوات المثالية التي يكونها إحساس المرء بالعلاقات المقصودة بين الأصوات الموضوعية، أكثر تحققا في نظر المتكلم الفطري من الأصوات الموضوعية نفسها"، ويقول في نفس المقالة: "إن السيكولوجية المركبة للعلاقة، والنمط واضحة في نطق أبسط صحيح، أو علة". ويقول مرة أخرى: "ويوجد بالبديهة مكان للصوت "منظورًا إليه باعتباره نقطة حقيقة في النمط، لا باعتباره أحد الصور الصوتية المشروطة" في نظام لوجود إحساس عام بعلاقته الأصواتية بالأصوات الأخرى"، ويقول: "إن غرض هذه المقالة، وروحها أن ترى أن الظواهر الأصواتية ليست عضوية، مهما كان من الضروري في المراحل الأولى للبحث اللغوي الاستقرائي، أن نعطي الحقائق الأصواتية تجسيما عضويا، فالمناقشة الحاضرة في الحقيقة توضيح خاص لضرورة الذهاب إلى ما وراء مادة الإحساس، وفي أي نوع من أنواع التعبير، لندرك من الأشكال ما يدرك بالبديهة، ويعطى معنى للتعبير".

стр. 133

ومن العلماء طائفة ترفض الإدراك النفسي للفونيم، ويقولون في نفس الوقت: إن الفونيم لا يوصف عن طريق الأصوات التي توضحه، بل يحددونه في ضوء وظيفته التركيبية في اللغة. وفي مقدمة هؤلاء تروبتسكوي١، الذي يبدو أنه يعتبر الفونيم أي واحد من الخلافات الصغرى، التي تفرق بين الكلمات في المعنى، وقد سبق شرح ذلك. ويحدد الفونيمات بأنها وحدات تشكيلية، لا يمكن تقسيمها من وجهة النظر اللغوية إلى عناصر متتابعة أدق، وقال: إنها علامات مميزة، لا يمكن تعريفها إلا بالرجوع إلى وظيفتها في تركيب كل لغة على حدتها. وهو يقول أيضًا: إن الفونيم مجموع الصفات التشكيلية ذات الصلة بالموضوع. ثم هو يقول: إن الفونيم فكرة لغوية لا نفسية، ومما يرضى أن تروبتسكوي يقود بنظرته هذه إلى نفس النتائج العملية، التي قادت لها أوضاع أخرى للنظرية، وذلك أن هذه النظرية تمنحنا مادة جوهرية لتحليل التراكيب اللغوية، وأساسا قويا للكتابة الأصواتية. ويبدو أن بلومفيلد يرى نظرية الفونيم من نفس زاوية تروبتسكوي؛ فهو يعرف الفونيمات بأنها: "الوحدات الصغرى من الصفات المميزة للأصوات"، و"أصغر ما يحدث اختلافا في المعنى من الوحدات"، ولقد قال أيضًا: إن فونيمات اللغة ليست أصواتا، ولكنها صفات في الأصوات التي ينتجها المتكلم بالتدريب، ويميزها في تيار الكلام العلمي. أما "توادل" فيقول: إن الفونيم ليس له وجود حقيقي، لا من الناحية العضوية ولا من الناحية النفسية، وإنما هو وحدة خرافية تجريدية، وهذا هو رأي هيلمسلف كما يبدو، وكل هذه الآراء تقود إلى نفس النتيجة العلمية، هذه النتيجة العلمية هي:

стр. 134

١- أن الفونيم يؤدي وظيفة دلالية، حيث تأتي الدلالة من الفونيمات والمورفيمات، والكلمات والجمل. ٢- يعين على تعلم النطق الأجنبي. ٣- يعين على استخدام الأصوات الصحيحة في أماكنها الصحيحة. ٤- يعين على فهم النحو والصرف، وبقية الدراسات اللغوية، عن طريق الإضافة والاستخراج والاستبدال. ٥- يعين على خلق أبجديات منظمة للغات المختلفة، وهذه الناحية محل دراسة ضخمة في أمريكا، تعرف تحت عنوان "Phonemics".

стр. 135

المجاورة في السياق: ليس كل حرف صالحا لأن يجاور كل حرف آخر في المقطع، وشكل المقطع، ومخرج الحرف المجاور وصفاته، والمحلقات الصرفية، وغير ذلك، هي العوامل التي تحدد ورود حرف بعينه في موقع بعينه، أو عدم وروده، وسيجد الباحث نفسه مرغما على دراسة الكلمة، بدون الملحقات الصرفية التي بها، ونقصد بالملحقات ما اتصل بأول الكلمة، كالسين والتاء في استفعل، وكأحرف المضارعة، أو دخل في وسطها، كتاء الافتعال، أو جاء في آخرها، كالضمائر المتصلة، وهلم جرا. ونحب أن نسمي ما اتصل بالأول صدرا إلحاقيا، وما دخل في الوسط حشوا، وما جاء في الآخر عجزًا، وإنما يرغم الباحث على دراسة الكلمة بدون ملحقاتها؛ لأن هذه الملحقات ذات حروف ثابتة لا تتغير بتغير الموقع، ومن ثم فهي بحكم ثبوتها، تجاور كل ما يأتي معها من حروف الكلمة، وأدعي للضبط أن يقصر الباحث نفسه على الكلمة غير ذات الملحقات؛ لأن دراسة المجاورة في السياق إنما تعتبر موجهة إليها باعتبارها نواة الدلالة؛ ولأنها ذات معنى معجمي، بخلاف الملحقات التي يقصد بها معنى الوظيفة الصرفية، أو النحوية التي تؤديها، وفرق بين المعنى المعجمي، والمعنى الوظيفي.

стр. 136

وقبل أن نبدأ في تحديد هذه الحروف المتجاروة في المقطع، نحب أن نلم إلماما عابرا بمعنى المقطع، وإن كان هذا الاصطلاح مما يصعب تحديده صعوبة تامة، سوف لا نحاول تعريف المقطع؛ لأن دراسة المقطع سيفرد لها باب خاص؛ وإنما نحاول أن نعد مقاطع العربية، ونبين حدودها فيما يأتي: في العربية ستة مقاطع، في كل منها صحيح واحد أو أكثر، وعلة واحدة فحسب، سواء أكانت هذه طويلة أم قصيرة، فإذا رمزنا للصحيح بالرمز "ص" وللعلة بالرمز "ع"، إذا كان قصيرًا و"ع ع" إذا كان طويلًا، أمكننا أن نبني المقاطع العربية في أشكاله المختلفة. ١- ع ص. ٢- ص ع. ٣ ص ع ص. ٤- ص ع ع. ٥- ص ع ع ص. ٦- س ع ص ص. والمقطعان الأولان قصيران في كميتهما، والثالث والرابع متوسطان والأخيران طويلان. والقاعدة في تمييز المقطع الأول أنه يوجد في بداية كل ما بدئ بهمزة الوصل، فالمعروف أن هذه الهمزة إنما تأتي طارئة على الكلمة، لتوصل بها إلى النطق بالساكن، أو على الأصح بحرف العلة الذي قبله الصحيح الساكن في أول الكلام فحسب، أما في وسط الكلام، فلا تأتي مطلقا، ومن هنا كان العنصر الدائم الذي يعتد به في هذا المقطع هو حرف العلة، والحرف الصحيح، الذي يليه مباشرة، فيوجد هذا المقطع مثلا في بداية كل ما كان على وزن استفعال، وانفعال، وافتعال، وفي أفعال هذه المصادر، وفي أداة التعريف، ويجب أن نشير هنا إلى أن هذا المقطع

стр. 137

تشكيلي فحسب، أي أنه لا وجود له في الدارسة الأصواتية؛ لأن المقطع العربي من الناحية الأصواتية لا بد أن يبدأ بصوت صحيح، أما من الناحية التشكيلية التي تدرس القاعدة، والنظام، لا النطق، فقد أوردنا تبرير وجود هذا المقطع فوق هذا الكلام، ونريد هنا ما يأتي. إذا تهجينا كلمة "استخراج"، فلا شك أن مكوناتها هي كسرة في البداية، فسين ساكنة، فتاء مسكورة، فحاء ساكنة، فراء بعدها ألف مد، فجيم والذي يهمنا هنا هو أننا إذا أردنا النطق بهذه الكلمة، دون أن تسبقها كلمة أخرى، فسنضطر إلى التمهيد للنطق بها بخلق همزة ليست من بينها، هي همزة الوصل، وستوضع هذه الهمزة قبل الكسرة التي في البداية، ولكننا إذا قلنا مثلا: "أمر استخراج"، فسوف لا نضطر إلى خلق هذه الهمزة، لماذا؟ لأن الراء من كلمة أمر سدت مسدها، ولكن الراء من كلمة أخرى، والتشكيل لا يعتبر المقطع وحده سمعية كما تفعل الأصوات؛ فإذا كان المقطع من الناحية الأصوتية هو مجموع الهمزة، والكسرة والسين الساكنة في الحالة الأولى، ومجموع الراء والحركة والسين الساكنة في الحالة الثانية، فإنه يتكون من وجهة النظر التشكيلية من الحركة والسين الساكنة فحسب؛ لأن الهمزة والراء طارئتان، وكلتاهما غريبة على الكلمة، وما كان غريبا على الكلمة لا يعد من مقاطعها من وجهة النظر التشكيلية. وقد سبق أن قلنا: إن الحركة في هذا المقطع يرمز لها بالرمز "ع"، والصحيح يرمز له بالرمز "ص، فبنية المقطع إذا هي "ع ص"، ولكنك ستجده في دراسة الأصوات دائما في صورة "ص ع ص". وقاعدة المقطعين الثاني والثالث "ص ع، ص ع ص"، أنه إذا تحرك حرف بالكسرة أو الفتحة أو الضمة القصيرة، فإذا تحرك ما بعده، فالحرف المتحرك الأول مع حركته مقطع من نوع "ص ع"، كالكاف المفتوحة من كتب، أما إذا سكن ما بعده، فالحرفان وبينهما الحركة يكونان مقطعا من نوع "ص ع ص"، كالميم المفتوحة، والحاء الساكنة من "محمود".

стр. 138

وقاعدة المقطعين الرابع والخامس أنه إذا تحرك حرف بياء المد أو ألفه أو واوه، فإذا تحرك التالي له، فالحرف الأول وحرف المد يكونان مقطا من نوع "ص ع ع"، كالقاف والألف من قاتل؛ أما إذا سكن ما بعده، فالصحيحان وبينهما المد يكونان مقطعا من نوع "ص ع ع ص"، كالميم والواو والدال من "محمود". وقاعدة المقطع الساسد أنه إذا تحرك حرف بحركة قصيرة؛ ثم تلاه ساكنان مثل "عبد"، أو ساكن مشدد، مثل "شد"، فإن الحرف الأول والحركة والساكنين جميعا تكون مقطعا من نوع "ص ع ص ص"، فإذا نونت عبد وشد، تغير نظام المقاطع، فأصبحت بنية الكلمة "ص ع ص + ص ع ص" بدل "ص ع ص ص" وبعد أن شرحنا بنية المقاطع، نود أن نبين المقصود بالحرفين المتجاورين في السياق، وهذان إما أن يكونا: ١- الصحيح في المقطع "ع ص"، والصحيح الذي يأتي بعده بداية لمقطع جديد. أو ٢- الصحيج في المقطع "ص ع"، والصحيح الذي يأتي بعده بداية لمقطع جديد. أو ٣- الصحيحان اللذان في مقطع "ص ع ص". أو ٤- الصحيح الذي في المقطع "ص ع ع"، والصحيح الذي يأتي بعده بداية لمقطع جديد. أو ٥- الصحيحين اللذين في المقطع "ص ع ع". أو ٦- الصحيح الذي في البداية، والصحيح الذي قبل الآخر من المقطع "ص ع ص ص". أو ٧- الصحيحين الساكنين في نهاية المقطع "ص ع ص ص". ٨- الصحيح الذي في نهاية "ص ع ص"، أو"ص ع ع ص".

стр. 139

أو، "ص ع ع ص ص"، وما يأتي بعده بداية لمقطع جديد، "مع العلم أن "ص ع ع ص"، "ص ع ص ص"، لا يكونان في وسط الكلام، إلا في اللهجات العامية فقط". وسيجد الباحث أن الأساس الذي يمتنع عليه أن يتجاوز الحرفان، إنما هو المخارج! فانظر إلى الجدول الذي سبق، وستجد أن كل حرف أسناني المخرج لا يميل إلى أن يجاور نفسه، ولا حرفا له نفس المخرج إلا قليلا، ويشمل ذلك "ض د ط ت ز ص س ظ ذ ث"، فإن قلت: فما تقول في "تذليل"، التي يجتمع فيها التاء والذال متجاروتين، فالرد على ذلك أننا ندرس الكلمة خالية من الملحقات والزوائد، ويمكن أن يقال نفس الشيء عن "خ - غ - ك - ق"، إذا توسعنا في مدلول "طبقي" إلى ما يشمل ما كان مخرجه اللهاة التي هي نهاية الطبق، وكذلك عن "ب م وف"، إذا توسعنا في مدلول "الشفوي" إلى ما يشمل الفاء، وهي شفوية أسنانية، وعن "ع ح هـ د"، إذا توسعنا في مدلول الحلق إلى ما يشمل الحنجرة، وهلم جرا. يقول السيوطي١: "قال ابن دريد في الجمهرة: اعلم أن الحروف إذا تقاربت مخارجها، كانت أثقل على اللسان منها إذا تباعدت؛ لأنك إذا استعملت اللسان في حروف الحلق، دون حروف الفم ودون حروف الذلاقة كلفته جرسا واحدا، وحركات مختلفة، ألا ترى أنك لو ألفت بين الهمزة والهاء والخاء، فأمكن لوجدت الهمزة تتحول هاء في بعض اللغات لقربها منها، نحو قوله في أم والله هم والله، وقالوا في أراق هراق، ولو وجدت الهاء في بعض الألسنة تتحول، وإذا تباعدت مخارج الحروف حسن التأليف. قال: واعلم أنه لا يكاد يجيء في الكلام ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، لصعوبة ذلك على ألسنتهم". ويروى السيوطي عن الشيخ بهاء الدين، صاحب عروس الأفراح أن رتب الفصاحة متفاوتة، فإن الكلمة تخف، وتثقل بحسب الانتقال من حرف إلى حرف

стр. 140

لا يلائمه قربا أو بعدا، فإن كانت الكلمة ثلاثية فتراكيبها اثنا عشر. ١- الانحدار من المخرج الأعلى إلى الأوسط إلى الأدنى نحو ع د ب. ٢- الانتقال من الأعلى إلى الأدنى إلى الأوسط نحو ع ر د. ٣- من الأعلى إلى الأدنى إلى الأعلى نحو ع م هـ. ٤- من الأعلى إلى الأوسط إلى الأعلى نحو ع ل ن. ٥- من الأدنى إلى الأوسط إلى الأعلى نحو ب ع د. ٦- من الأدنى إلى الأعلى إلى الأوسط نحو ب ع د. ٧- من الأدنى إلى الأعلى إلى الأدنى نحو ف ع م. ٨- من الأدنى إلى الأوسط إلى الأدنى نحو ف د م. ٩- من الأوسط إلى الأعلى إلى الأدنى نحو د ع م. ١٠- من الأوسط إلى الأدنى إلى الأعلى نحو د م ع. ١١- من الأوسط إلى الأعلى إلى الأوسط نحو ن ع ل. ١٢- من الأوسط إلى الأدنى إلى الأوسط نحو ن م ل. ثم يقول: إن أحسن هذه التراكيب الأول، فالعاشر، فالسادس، وأما ٥، ٩ فهما سيان في الاستعمال، وإن كان القياس يقتضي أن يكون أرجحهما ٩، وأقل الجميع استعمالا ٦. وواضح هنا أن العلو والتوسط، والدنو مقاييس اعتبارية بالنسبة إلى المخارج في حروف الكلمة، في الجهاز النطقي، وهذه المقاييس النسبية واضحة في كل الأمثلة، إلا في المثال الرابع "علن"؛ لأن مخرج اللام والنون واحد، ولكنهما يختلفان في الصفة؛ فاللام يجري الهاء معها من جانب اللسان، وأما النون فإن هواءها يجري في الخياشيم، وهي أوغل من جانب اللسان وأبعد، ولست أفهم ما يقصده الشيخ بهاء الدين، من جعل الراء أدنى مخرجا من الدال في المثال الثاني، مع أن العكس هو الصحيح، ولعل المثال فيه "ع ب د" لا "ع ر د". هذا مثال من أمثلة دراسة المجاورة في السياق على طريقة اللغويين من العرب

стр. 141

وهو مجهود ليس باليسير الهين، وإأن كان غير محدد الدلالات الاصطلاحية، على أن هذا الموضوع بحاجة إلى دراسة أوسع، ومجهود أضخم؛ لأن فيه الكثير من أسرار اللغة العربية، التي لا تبديها الدراسات التقييدية الشائعة في النحو الصرف والبلاغة. أما تقسيم حروف العلة، فإنه يختلف في الفصحى عنه في اللهجات العامية، ذلك؛ لأن حروف العلة في الفحصى ثلاثة هي الكسرة حركة ومدا، والفتحة، والضمة كذلك؛ وأما في اللهجات العامية، فلا بد للباحث من الاعتراف بحرفين آخرين، يمكن أن يسمى أحدهما الخفضة، وهي التي تتوسط الكسرة والفتحة، ثم الرفعة؛ وهي التي تتسوط الفتحة والضمة، ويمكن أن يرمز o , e لهما على التعاقب، وينبغي أن ننبه هنا إلا أن هاتين في معظم اللهجات العامية طويلتان فقط، أي أنها مدتان لا حركتان، والاعتراف بالقصر والطول في حروف العلة، كالاعتراف بالإفراد، والتشديد في الحروف الصحيحة، إذ هو في كلتا الحالتين تعبير عن وجود كميتين مختلفتين في الحرف الوحد، وكما أن الحرف المشدد بحرفين، كما يقولون: يعتبر المد بحركتين كذلك، ومن ثم استخدمنا في الدلالة على المقاطع الرمزين "ع" و"ع ع"، للدلالة على اختلاف الكمية، كما استخدمنا "ص" "ص ص" تماما. وكل من هذه الحروف يضم مجموعة من القيم الأصواتية المختلفة، المرتبطة بالقيم التي تنسب إلى الصحاح المجاورة لها، وحرف العلة في مجموعة لا يعبر عن أية قيمة أصواتية بمفردها، وإنما يشملها جميعا كعنوان لها، وهو كالحرف الصحيح لا ينطق، وينبغي أن نشير أيضًا إلى أن أصوات العلة المركزية، التي تعتبر القلقة أوضح أمثلتها، لا تدخل تحت حرف من هذه الحروف، أي أنها، وإن كانت أصواتا لغوية، فهي لتحديد موقع ورودها، أي أنها تخدم غرضا موقعيا Prosodic، ولا تدخل في النظام العلي للغة، أو اللهجدة العربية المدروسة، ولا يمكن أن يقال عن واحد منها: إنه من حرف الكسرة، أو الفتحة أو الضمة. وكما أن ورود حرفين صحيحين متجاورين، مقيد باعتبارات تطريزية مخرجية يتقيد ورود حرفي علة متجاورين لتجاور مقطعيهما، لنفس السبب على ما يبدو، وللمقاطع ص ع، ص ع ص، ص ع ص ص ثلاث إمكانيات علية، هي

стр. 142

الكسرة والفتحة والضمة، مع موقعية القصر "أي أن هذه الثلاثة تأتي قصيرة في شكل حركات في هذه المقاطع"، أما المقطعان ص ع ع، ص ع ع ص، فلهما هذه الإمكانيات مع موقعية الطول، "أي أن هذين المقطعين يشتملان على الكسرة، أو الفتحة، أو الضمة في صورة ياء المد، أو ألفه على التعاقب"، وهذا في الفصحى؛ أما في اللهجات العامية، فإن "ص ع ع ص" يضم إلى ذلك اشتماله على الخفضة، والرفعة أيضا، وهما لا تأتيان مطلقا في ص ع ع، لقد قمت بدراسة تجاور حروف العلة، بتجاور المقطاع التي ترد فيها في لهجة عدن، في رسالتي للدكتوراه، وهي دراسة إحصائية طويلة، نمسك عن إيرادها هنا لاعتبار المسافة المخصصة في الكتاب.

стр. 143

المقطع: إن اختيار رمز من الرموز ليدل على شيء من الأشياء، إنما هو مسألة اختيار مطلق، ما دام واضع الرمز يبين، بما لا يحتمل الغموض، أي معنى أو فكرة أو شيء يقصد من استعمال هذا الرمز، وذلك هو المقصود من "تحديد الرمز"، فيستطيع المرء أن يستخدم رمزًا قديمًا بمعناه التقليدي، أو يدخل عليه بعض التعديل في الشكل أو الدلالة، أو يخلق رموزه الخاصة، طالما التزم ببيان دلالتها قبل الاستعمل، والمقاطع تعبيرات عن نسق منظم من الجزئيات التحليلية، أو خفقات صدرية في أثناء الكلام، أو وحدات تركيبية، أو أشكال وكميات معينة، فيمكن إذا أن يخلق نظام رمزي للمقاطع، طبقا للنظرة الأولى أو الثانية، أو الثالثة أو الرابعة، أي تبعا لوجهة النظر التي نظر بها إلى هذه المقاطع، ولناحية دراستها دراسة معينة، فإذا بحث باحث في المقطع من جهة اعتباره تعبيرًا عن نسق منظم من جزئيات التحليل اللغوي، فإنه يستطيع أن يفعل ما فعلناه من قبل، فيخصص رمزا للصحيح وآخر للعلة، وليكن هذان الرمزان ص، ع، وأن يعبر عن طبيعة النسق في المقطع بترتيب هذه الرموز بحسبه، فيقول مثلا: إن من الأنساق المقطعية نسقا في صورة ص ع، وآخر في صورة ص ع ص، وثالثًا في صورة ص ع ع، وهلم جرا. فهذه أنساق منظمة من الرموز لأنساق منظمة من الصحاح والعلل.

стр. 144

أما إذا نظرنا إلى المقطع باعتباره خفقة صدرية، "كما ينظر إليه الموسيقيون غالبًا"، فإن أي رمز كالنقطة، والسهم، كاف لأن يدل على المقطع في كافة كمياته وأشكاله، ذلك بأن الذي يهمنا هنا ليس كمية المقطع، ولا شكله ولا تركيبه في صورة نسق معين، وإنما الدلالة على مقطع أيا كان، وبهذا الاعتبار يمكن التعبير عن عدد المقاطع في كلمة مثل كتب "فعل ماضي ساكن الباء"، بالرمز: اسكنر. ولقد بنى العروضيون من العرب مقاييسهم العروضية، بناء على هذه النظرة على ما يبدو؛ حيث نظروا إلى المقاطع باعتبارها خفقات صدرية، أو وحدات إيقاعية أو شيئا له هذه الطبيعة، ووصفوا النظام الإيقاعي العروضي باستخدام الاصطلاحين "حركة" و"سكون"، ودلوا على الحركة بشرطة، وعلى السكون بدائرة، واعترفوا بثلاث إمكانيات إيقاعية، كما يأتي. "-" وتدل على ما يساوي ص ع. "-٥" وتدل على ما يساوي "ص ع ع ص"، أو"ص ع ص ص"، "-٥٥" وتدل على ما يساوي "ص ع ع ص"، أو"ص ع ص ص"، فأنت ترى أن الرمز الواحد من هذه الرموز الثلاثة، قد يدل على أكثر من بنية مقطعية واحدة، ويمكن أن نلاحظ على هذه الرمزية العروضية ما يأتي: ١- تدل الشرطة على صحيح متحرك بحركة قصيرة، واستعارة الرمز هنا من رمز الحركة في الكتابة، يدل على أنهم كانوا يعتبرون الصحيح الذي في بداية المقطع تابعا للحركة، وهذا عكس وجهة النظر النحوية، التي تجعل الحركة صفة للصحيح، ويجب أن ننبه إلى أن علم اللغة الحديث، لا يجعل أيا من الصحيح، والحركة ملك يمين للآخر، وإنما هما وحدتان مستقلتان متتابعتان، لا ترد أحدهما وصفًا للأخرى. ٢- يرمز لكل من موقعية الطول "انظر إلى معنى الاصطلاح "موقعية"" والصحيح الساكن، "أي الذي يقع في نهاية المقطع" بدائرة واحدة، فإذا اجتمع هذان، أو تكرر الصحيح الساكن رمز لهما بدائرتين. ٣- لا يرد أكثر من دائرتين بين شرطة وشرطة.

стр. 145

٤- يمكن قياس موقعية الطول على تعليق النغمة في الموسيقى، أما الحرف الساكن، فهو أشبه الفترة بين ضربتي الإيقاع منه، بما يسميه الموسيقيون "السكتة" "Syncopation". فإذا درسنا المقطع مع النظر إلى كونه وحدة تركيبية، ورمزنا إلى كلمة تركيب بالرمز "ر" مثلا، صح لنا أن نقول: إن في اللغة العربية ست وحدات تركيبية هي: ر١، ر٢، ر٣، ر٤، ر٥، ر٦. ونكون في هذه الحالة قد تجاهلنا النص على تحديد الفروق بين كل وحدة أخرى، وإن كنا قد نصصنا على هذه الفروق غير محددة، حين فرقنا بين كل راء والأخرى بعدد مصاحب لها. أما إذا درسنا المقاطع مع النظر إلى كونها أشكالا وكميات معينة، فسيكون لنا في الرمز إليها شأن آخر، دعنا نعن بالرمز "ق" كلمة قصير، وبالرمز "م" متوسط، وبالرمز "ط" طويل، فهذه كميات ثلاث، ثم دعنا نعن بالرمز "ف" كلمة مفتوح، ويقصد بها أن المقطع مما ينتهي بعلة، بالرمز "ل" كلمة مقفل، ويقصد بها أن المقطع مما ينتهي بصحيح، فإذا جاء في نهاية المقطع صحيحان مشكلان بالسكون، كان الرمز "ل ل"، إذا فعلنا ذلك نتج لنا الكميات والأشكال الآتية للمقاطع العربية: ١- ق ل، وهو من الناحية التركيبية ع ص، ٢- ق ف، وهو من الناحية التركيبية ص ع، ٣- م ل، وهو من الناحية التركيبية ص ع ص، ٤- م ف، وهو من الناحية التركيبية ص ع ع، ٥- ط ل، وهو من الناحية التركيبية ص ع ع ص، ٦- ط ل ل، وهو من الناحية التركيبية ص ع ص ص، فالقاف والميم والطاء تدل على كميات واللام، والفاء تدل على أشكال. ونحن نختار لدراسة المقاطع العربية وجهة النظر الأولى، أي اعتبارها تعبيرات عن أنساق منظمة من الجزئيات التحليلية، ونبني رمزنا للمقاطع على هذا الأساس
следующие страницы →