← Язык

Язык · id 11540

مناهج البحث في اللغة

تمام حسان

Полный текст (289 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهو مجهود ليس باليسير الهين، وإأن كان غير محدد الدلالات الاصطلاحية، على أن هذا الموضوع بحاجة إلى دراسة أوسع، ومجهود أضخم؛ لأن فيه الكثير من أسرار اللغة العربية، التي لا تبديها الدراسات التقييدية الشائعة في النحو الصرف والبلاغة. أما تقسيم حروف العلة، فإنه يختلف في الفصحى عنه في اللهجات العامية، ذلك؛ لأن حروف العلة في الفحصى ثلاثة هي الكسرة حركة ومدا، والفتحة، والضمة كذلك؛ وأما في اللهجات العامية، فلا بد للباحث من الاعتراف بحرفين آخرين، يمكن أن يسمى أحدهما الخفضة، وهي التي تتوسط الكسرة والفتحة، ثم الرفعة؛ وهي التي تتسوط الفتحة والضمة، ويمكن أن يرمز o , e لهما على التعاقب، وينبغي أن ننبه هنا إلا أن هاتين في معظم اللهجات العامية طويلتان فقط، أي أنها مدتان لا حركتان، والاعتراف بالقصر والطول في حروف العلة، كالاعتراف بالإفراد، والتشديد في الحروف الصحيحة، إذ هو في كلتا الحالتين تعبير عن وجود كميتين مختلفتين في الحرف الوحد، وكما أن الحرف المشدد بحرفين، كما يقولون: يعتبر المد بحركتين كذلك، ومن ثم استخدمنا في الدلالة على المقاطع الرمزين "ع" و"ع ع"، للدلالة على اختلاف الكمية، كما استخدمنا "ص" "ص ص" تماما. وكل من هذه الحروف يضم مجموعة من القيم الأصواتية المختلفة، المرتبطة بالقيم التي تنسب إلى الصحاح المجاورة لها، وحرف العلة في مجموعة لا يعبر عن أية قيمة أصواتية بمفردها، وإنما يشملها جميعا كعنوان لها، وهو كالحرف الصحيح لا ينطق، وينبغي أن نشير أيضًا إلى أن أصوات العلة المركزية، التي تعتبر القلقة أوضح أمثلتها، لا تدخل تحت حرف من هذه الحروف، أي أنها، وإن كانت أصواتا لغوية، فهي لتحديد موقع ورودها، أي أنها تخدم غرضا موقعيا Prosodic، ولا تدخل في النظام العلي للغة، أو اللهجدة العربية المدروسة، ولا يمكن أن يقال عن واحد منها: إنه من حرف الكسرة، أو الفتحة أو الضمة. وكما أن ورود حرفين صحيحين متجاورين، مقيد باعتبارات تطريزية مخرجية يتقيد ورود حرفي علة متجاورين لتجاور مقطعيهما، لنفس السبب على ما يبدو، وللمقاطع ص ع، ص ع ص، ص ع ص ص ثلاث إمكانيات علية، هي

стр. 142

الكسرة والفتحة والضمة، مع موقعية القصر "أي أن هذه الثلاثة تأتي قصيرة في شكل حركات في هذه المقاطع"، أما المقطعان ص ع ع، ص ع ع ص، فلهما هذه الإمكانيات مع موقعية الطول، "أي أن هذين المقطعين يشتملان على الكسرة، أو الفتحة، أو الضمة في صورة ياء المد، أو ألفه على التعاقب"، وهذا في الفصحى؛ أما في اللهجات العامية، فإن "ص ع ع ص" يضم إلى ذلك اشتماله على الخفضة، والرفعة أيضا، وهما لا تأتيان مطلقا في ص ع ع، لقد قمت بدراسة تجاور حروف العلة، بتجاور المقطاع التي ترد فيها في لهجة عدن، في رسالتي للدكتوراه، وهي دراسة إحصائية طويلة، نمسك عن إيرادها هنا لاعتبار المسافة المخصصة في الكتاب.

стр. 143

المقطع: إن اختيار رمز من الرموز ليدل على شيء من الأشياء، إنما هو مسألة اختيار مطلق، ما دام واضع الرمز يبين، بما لا يحتمل الغموض، أي معنى أو فكرة أو شيء يقصد من استعمال هذا الرمز، وذلك هو المقصود من "تحديد الرمز"، فيستطيع المرء أن يستخدم رمزًا قديمًا بمعناه التقليدي، أو يدخل عليه بعض التعديل في الشكل أو الدلالة، أو يخلق رموزه الخاصة، طالما التزم ببيان دلالتها قبل الاستعمل، والمقاطع تعبيرات عن نسق منظم من الجزئيات التحليلية، أو خفقات صدرية في أثناء الكلام، أو وحدات تركيبية، أو أشكال وكميات معينة، فيمكن إذا أن يخلق نظام رمزي للمقاطع، طبقا للنظرة الأولى أو الثانية، أو الثالثة أو الرابعة، أي تبعا لوجهة النظر التي نظر بها إلى هذه المقاطع، ولناحية دراستها دراسة معينة، فإذا بحث باحث في المقطع من جهة اعتباره تعبيرًا عن نسق منظم من جزئيات التحليل اللغوي، فإنه يستطيع أن يفعل ما فعلناه من قبل، فيخصص رمزا للصحيح وآخر للعلة، وليكن هذان الرمزان ص، ع، وأن يعبر عن طبيعة النسق في المقطع بترتيب هذه الرموز بحسبه، فيقول مثلا: إن من الأنساق المقطعية نسقا في صورة ص ع، وآخر في صورة ص ع ص، وثالثًا في صورة ص ع ع، وهلم جرا. فهذه أنساق منظمة من الرموز لأنساق منظمة من الصحاح والعلل.

стр. 144

أما إذا نظرنا إلى المقطع باعتباره خفقة صدرية، "كما ينظر إليه الموسيقيون غالبًا"، فإن أي رمز كالنقطة، والسهم، كاف لأن يدل على المقطع في كافة كمياته وأشكاله، ذلك بأن الذي يهمنا هنا ليس كمية المقطع، ولا شكله ولا تركيبه في صورة نسق معين، وإنما الدلالة على مقطع أيا كان، وبهذا الاعتبار يمكن التعبير عن عدد المقاطع في كلمة مثل كتب "فعل ماضي ساكن الباء"، بالرمز: اسكنر. ولقد بنى العروضيون من العرب مقاييسهم العروضية، بناء على هذه النظرة على ما يبدو؛ حيث نظروا إلى المقاطع باعتبارها خفقات صدرية، أو وحدات إيقاعية أو شيئا له هذه الطبيعة، ووصفوا النظام الإيقاعي العروضي باستخدام الاصطلاحين "حركة" و"سكون"، ودلوا على الحركة بشرطة، وعلى السكون بدائرة، واعترفوا بثلاث إمكانيات إيقاعية، كما يأتي. "-" وتدل على ما يساوي ص ع. "-٥" وتدل على ما يساوي "ص ع ع ص"، أو"ص ع ص ص"، "-٥٥" وتدل على ما يساوي "ص ع ع ص"، أو"ص ع ص ص"، فأنت ترى أن الرمز الواحد من هذه الرموز الثلاثة، قد يدل على أكثر من بنية مقطعية واحدة، ويمكن أن نلاحظ على هذه الرمزية العروضية ما يأتي: ١- تدل الشرطة على صحيح متحرك بحركة قصيرة، واستعارة الرمز هنا من رمز الحركة في الكتابة، يدل على أنهم كانوا يعتبرون الصحيح الذي في بداية المقطع تابعا للحركة، وهذا عكس وجهة النظر النحوية، التي تجعل الحركة صفة للصحيح، ويجب أن ننبه إلى أن علم اللغة الحديث، لا يجعل أيا من الصحيح، والحركة ملك يمين للآخر، وإنما هما وحدتان مستقلتان متتابعتان، لا ترد أحدهما وصفًا للأخرى. ٢- يرمز لكل من موقعية الطول "انظر إلى معنى الاصطلاح "موقعية"" والصحيح الساكن، "أي الذي يقع في نهاية المقطع" بدائرة واحدة، فإذا اجتمع هذان، أو تكرر الصحيح الساكن رمز لهما بدائرتين. ٣- لا يرد أكثر من دائرتين بين شرطة وشرطة.

стр. 145

٤- يمكن قياس موقعية الطول على تعليق النغمة في الموسيقى، أما الحرف الساكن، فهو أشبه الفترة بين ضربتي الإيقاع منه، بما يسميه الموسيقيون "السكتة" "Syncopation". فإذا درسنا المقطع مع النظر إلى كونه وحدة تركيبية، ورمزنا إلى كلمة تركيب بالرمز "ر" مثلا، صح لنا أن نقول: إن في اللغة العربية ست وحدات تركيبية هي: ر١، ر٢، ر٣، ر٤، ر٥، ر٦. ونكون في هذه الحالة قد تجاهلنا النص على تحديد الفروق بين كل وحدة أخرى، وإن كنا قد نصصنا على هذه الفروق غير محددة، حين فرقنا بين كل راء والأخرى بعدد مصاحب لها. أما إذا درسنا المقاطع مع النظر إلى كونها أشكالا وكميات معينة، فسيكون لنا في الرمز إليها شأن آخر، دعنا نعن بالرمز "ق" كلمة قصير، وبالرمز "م" متوسط، وبالرمز "ط" طويل، فهذه كميات ثلاث، ثم دعنا نعن بالرمز "ف" كلمة مفتوح، ويقصد بها أن المقطع مما ينتهي بعلة، بالرمز "ل" كلمة مقفل، ويقصد بها أن المقطع مما ينتهي بصحيح، فإذا جاء في نهاية المقطع صحيحان مشكلان بالسكون، كان الرمز "ل ل"، إذا فعلنا ذلك نتج لنا الكميات والأشكال الآتية للمقاطع العربية: ١- ق ل، وهو من الناحية التركيبية ع ص، ٢- ق ف، وهو من الناحية التركيبية ص ع، ٣- م ل، وهو من الناحية التركيبية ص ع ص، ٤- م ف، وهو من الناحية التركيبية ص ع ع، ٥- ط ل، وهو من الناحية التركيبية ص ع ع ص، ٦- ط ل ل، وهو من الناحية التركيبية ص ع ص ص، فالقاف والميم والطاء تدل على كميات واللام، والفاء تدل على أشكال. ونحن نختار لدراسة المقاطع العربية وجهة النظر الأولى، أي اعتبارها تعبيرات عن أنساق منظمة من الجزئيات التحليلية، ونبني رمزنا للمقاطع على هذا الأساس

стр. 146

باستخدام الرمزين ص، ع ليدل أولهما على الصحيح، ويدل ثانيهما على العلة. ونرمز للأنساق المقطعية المنظمة الستة، كما فعلنا من قبل بما يأتي: ع ص، وهو قصير مقفل، ومثاله أداة التعريف، ص ع، وهو قصير مفتوح، ومثاله باء الجر المكسورة، ص ع ص، وهو متوسط مقفل ومثاله لَمْ، ص ع ع، وهو متوسط مفتوح ومثاله ما، ص ع ع ص، وهو طويل مقفل، وثماله بَابْ بالسكون، ص ع ص ص، وهو طويل مزدوج بالإقفال، ومثاله عبد بالسكون. ومن الضروري أن نعترف بنوعين من أنواع المقاطع: أولهما هو المقطع التشكيلي، والآخر هو المقطع الأصواتي، أما أول هذين، فهو تجريدي مكون من حروف، وأما الثاني فهو أصواتي محسوس مسموع مكون من أصوات، وهذه الثنائية في التناول نتيجة حتمية للاعتراف بالحقيقة القائلة: إن ما هو تقعيدي لا يتحقق دائما في النطق بالضرورة. فالتقعيد نتيجة من نتائج النظر إلى التطريز والتوزيع اللغوي، فهو من عمل الباحث اللغوي لا من عمل المتكلم، ويحتم بعض ظواهر الموقعية كالحذف، والطول والقلقلة، وما أشبه ذلك ألا يتغافل الباحث عن عدم اطراد، الورود بين المقطع التشكيلي والمقطع الأصواتي، وإننا لنجد أحيانا مقطعا تشكيليا في صورة "ص ع ص ص"، يقابله من الناحية الأصواتية مقطعان هما "ص ع + ص ع ص"، كنتيجة من نتائج قلقلة الصاد التي قبل الأخيرة في المقطع التشكيلي، مثال ذلك في الفصحى كلمة عقل بقاف مقلقلة ولام ساكنة، فعلم التشكيل يقول: إن القاف ساكنة، ولكن بملاحظة الأصوات يدرك السامع أن بين القاف واللام صوت علة، مركزيا هو صوت القلق، فالكلمة إذا مقطع واحد من الناحية التشكيلية، ومقطعان من الناحية الأصواتية، ومن هنا كان من الضروري التفريق بين هذين النوعين من أنواع المقاطع؛ بالمقطع المقعد والمقطع المسموع. ويستخدم هذان جنبا إلى جنب للتفريق بين ما هو تعبير عن القاعدة، وبين ما هو

стр. 147

تعبير عن المثال، يقول بايك١: "يجب على الباحث في بعض اللغات أن يستعد لأن يجد أن المقطع الأصواتي، لا يطابق معظم التجميعات التركيبية للجزئيات التحليلية، فكما أن الجزئيات يجب أن يؤدي البحث إلى تحليليها إلى حروف تركيبية، يجب أن تحلل المقاطع الأصواتية إلى مقاطع تشكيلية". وفي اللغة العربية كلمات أحادية المقطع مثل "من"، وثنائيته مثل "لما" وثلاثيته مثل "يقاتل"، ورباعيته مثل "يتعلم"، وخماسيته مثل "متخاصمين"، وسداسيته مثل "يتجاهلون"، وسباعيته مثل "متحدثيهما". فأما الكلمات ذات المقطع الواحد، فإن المقطع الذي تتكون هي منه قد يكون قصيرا أو متوسطا، أو طويلا، ومعظم الكلمات التي يكونها مقطع قصير، أو متوسط واحد أدوات نحوية، فمما يقع من هذه في مقطع واحد قصير باء الجر المكسورة، وواو العطف المفتوحة، ومما يقع في المقطع المتوسط، سواء أكان مفتوحا أم مقفلا، "ما" و"في" و"لا" و"لم" و"عن" و"كم" و"ولو". وأما الكلمات غير الأدوات، فقلما نجد منها ما تركيبية مقطع واحد قصير، أو متوسط، مثل "يد" و"دم"، ولكن الكلمة كثيرا ما تأتي في صورة مقطع طويل واحد، مثل "قال" و"باع" و"راح"، أو مثل "عبد" و"عذر" و"وقهر" بسكون الآخر في كل أولئك. والشائع المقبول أن الكلمة العربية ذات حروف أصلية ثلاثة، يسمى أولها فاء الكلمة، وثانيها عينها، وثالثها لامها، وفي الأمثلة المتقدمة نجد أن هذه الحروف الثلاثة واضحة في "عبد" و"عذر" و"قهر"، ولكننا لا نجد في "قال" و"باع" "راح" إلا حرفين صحيحين، يمكن أن نردهما إلى هذه القاعدة، هما فاء الكلمة، ولامها، فأين عين الكلمة؟ وما صحة الدعوى على وجودها فيها؟ إن عين الكلمة إذا لم تظهر في المثال، فستظهر في الجدول، فإذا

стр. 148

أحدنا "قال" مثلا، ووضعناها في جدول توزيعي، وجدنا أن العين تظهر في بعض صيغه، كما يأتي: قال - قولا - قوال - أقوال- مقاويل- مقاول- مقول إلخ. وكذلك باع بيعا - يباع - بائع، إلخ. وكذلك راح - رواحا - روح - مروح، إلخ. وإذا، فإن دعوى وجود الحرف الصحيح الغائب من الكلمة، دعوى لها ما يبررها، ومن أنجع الوسائل لإظهار هذا الحرف الغائب، أن نضع حروف المادة في صيغة يقع الحرف الغائب، فيها مشددا، كما في: قال وقوال، وباع وبياع إلخ. ومعنى هذا أن الكلمة إذا بدت في مقطع واحد، ولم توجد حروفها الثلاثة مجتمعة، فإن ذلك لا يطعن في عدتها. نخلص من هذا إلى القول بأن هذه الحروف الثلاثة، يمكن أن توضع في مقطع واحد من نوع "ص ع ص ص"، كما يمكن أن توضع في مقطعين، كما في: كتب، جمل، حسود، كاتب، كتاب، جميل، صداع، قرب، كتب، سمج، حرم، بسكون الآخر في جميعها. وكل هذه كلمات لم يحلق بها صدر، ولا حشو، ولا عجز. وبعض الكلمات التي بها هذه الملحقات، تأتي في شكل مقطعين أيضا نحو: يكتب - مكتوب- يحرم - يرمي - يروح، بسكون الآخر في الجميع أيضا. وأما الكلمات ذات المقاطع الثلاث، ة أو الأربعة أو الخمسة، أو الستة أو السبعة، فإنها جميعا من ذوات الملحقات الصرفية: ولو جئنا بكلمة مثل "محتمليهما"، لوجدناها تتكون من مقاطع ستة، كما يأتي: مح - ت - م - لي- هـ - ما. ص ع ص - ص ع - ص ع - ص ع ع - ص ع - ص ع ع.

стр. 149

وهناك نماذج ممتنعة في تركيب الكلمات العربية من الناحية المقطعية، وكل صيغة من صيغ الميزان الصرفي، إنما تعبر إيجابيا عن نموذج ممكن، ولكن النماذج الممتنعة في اللغة العربية دراسة سلبية، لا يمكن أن تنشأ إلا عن طريق المقاطع واستخدامها فيها، وسنحاول هنا أن نذكر بعض هذه النماذج الممتنعة، ولكننا يجب أن نشير، قبل أن نفعل ذلك، إلى أن النماذج الممكنة متكاملة من الناحية الدراسية مع النماذج الممتنعة، وهما معا يعبران عن تركيب اللغة من الناحية المقطعية إيجابًا وسلبًا، ومن هذه النماذج الممتنعة: ١- كلمة تشتمل على المقطع "ع ص" في وسطها أو آخرها. ٢- كلمة مكونة من "ع ص + ص ع"، فحسب. ٣- كلمة مجردة من الملحقات واردة في صورة "ص ع ع+ ص ع ص ص". ٤- كلمة متعددة المقاطع تبدأ بالمقطع "ص ع ص ص"، أما البادئة بالمقطع "ص ع ع ص"، فمن أمثلتها ضالين. ٥- كلمة مجردة ثلاثية المقطع منتهية بالمقطع "ص ع ع ص، أو ص ع ص ص". ٦- كلمة مكونة من أكثر من أربعة مقاطع متحدة الشكل، أما الكلمات ذات الأربعة مقاطع المتحدة الشكل فمنها ضربك، "لم" أستقبلهم. هذه أمثلة من النماذج الممتنعة في اللغة العربية، ولعل الوقت يسمح في المستقبل باستقصاء كل هذه الصيغ، وفائدة معرفة هذه النماذج مساوية لفائدة معرفة الموازين الصرفية؛ لأن الموازين الصرفية إذا كانت نماذج نحكم على الصيغ المكونة على مثالها بأنها عربية، فإن النماذج الممتنعة تمكننا من أن نحكم على شكل تركيبي ما بأنه غير عربي. بعد أن وصلنا إلى هذه المرحلة من الكلام عن المقاطع، نجد من الخير أن نحاول أن نتكلم عن كل منها على حدة، شارحين بعض المعلومات التي تتصل به، وسنبدأ بطبيعة الحال بالمقطع الأول "ع ص".

стр. 150

قلنا من قبل: إن هذا المقطع تشكيلي غير أصواتي؛ لأن الأصوات لا تعترف بأن تبتدئ المجمعة الكلامية بحركة، ولذلك تعمد إلى همزة تنشئها قبل هذه الحركة، وتتخذها قنطرة للنطق بها، ثم تعتبر هذه الهمزة من بنية المقطع، فإذا كان هذا المقطع التشكيلي في وسط الكلام، فإن دراسة الأصوات لا تعترف به؛ لأنها تتخذ من الصحيح قبله قنطرة، كما اتخذت همزة الوصل في بداية الكلام. وحركة هذا المقطع من الناحية الصرفية قد تكون كسرة، كما في "اضرب"، أو فتحة كما في "الولد"، أو ضمة كما "اصدُق"، وهذا المقطع إن صح أن يقع في وسط الكلام، فإنه لا يصح أن يقع في وسط الكلمة، أي أنه يلزم موقعه في بداية الكلمة، الذي هو فيها في غير بدء المجموعة الكلامية، كما في "الولد"، "قال الولد لأبيه"، وهو لا يقبل النبر أبدًا "انظر معنى النبر"، كما يرى في الجملة الآتية: الخير في استقبال الضيف واحترامه. وأما المقطع الثاني والثالث "ص ع وص ع ص"، فإنهما يوجدان وفيهما الكسرة أو الفتحة أو الضمة، وقد يكونان منبورين، وقد يكونان بداية الكلمة، أو وسطها، أو نهايتها، فورودهما في الكلام إذا غير مقيد بشروط خاصة، كما يتقيد المقطع "ع ص"، تأمل: سنستدرجهم حتى ننتقم منهم. والمقطع الرابع، "ص ع ع"، يرد في الفصحى، وفيه ياء مد أو ألفه أو واوه، في أول الكلمة أو وسطها أو آخرها، ويزاد على هذه الإمكانيات في اللهجات العامية أن يرد في أول الكلمة، أو وسطها، وفيه خفضه أو رفعة طويلة، ولا ترد هاتان فيه في آخر الكلمة، وقد يرد هذا المقطع منبورًا أو غير منبور، تأمل: سيأتي الله بالفرج. وأما المقطع الخامس "ص ع ع ص"، فإنه قد يوجد في أول الكلمة، ووسطها أو آخرها، وهو يرد في الوسط في بعض العاميات دون بعض، فهو يرد أولا كما في "ضالين"، ويصلح هذا المثال للتدليل على وروده آخرا أيضا، أما وروده وسطًا فمثل "مدهامتان"، وهو منبور في الفصحى دائما، وفي نبره تفصيل في العاميات، وتأتي فيه ياء المد، أو ألفه أو واوه.

стр. 151

والمقطع الآخير، "ص ع ص ص"، لا يوجد في الفصحى إلا في آخر المجموعة الكلامية، حين الوقوف بالسكون على مشدد؛ أو على صحيحين مختلفي المخرج، أما العاميات، فقد يرد في بعضها في البدء أو في الوسط، وهو دائما منبور في الفصحى؛ وفي نبره تفصيل في العاميات، وهذا المقطع ترد فيه الكسرة أو الفتحة أو الضمة؛ وهو أحد المواضع التي تحدث فيها ظاهرة القلقة في اللهجات العربية، تأمل: لله الحمد؛ ولكن الحمد لله. وفي العمايات: عبد ربه؛ مقصهم.

стр. 152

الموقعية: إن استعمال سويت١ لاصطلاحي "التركيب" و"التحيل"، في دراسة اللغة يوضح الحاجة الملحة إلى دراسة الموقعية، ويظهر ظهورًا واضحًا في دراسة السياق النطقي، أن التحليل إذا هدف إلى وصف الجزئيات الصغرى المكونة لهذا السياق، "أو كما يسميها الأمريكيون من اللغويين Segments"، بعد استخراجها من تتابعه المتصل، فإن التركيب إنما يتناول الكل المتصل، كيفما كان مظهره، ويشمل هذا علامات المواقع، والعلاقات المتبادلة بين الأبواب اللغوية "linguistic categories، كالترابط والتوافق، وتبادل التأثير في السياق، وهذا ما سنشرحه في منهج النحو". أما دراسات علامات المواقع، فهي ما نسميه الموقعية، ونمثل مبدئيا لذلك بهمزة الوصل التي تدل على بداية الكلمة، وعلى أن الكلمة في بداية المجموعة الكلامية، وأما العلاقات المتبادلة بين الأبواب اللغوية، كالعلاقة بين باب الفعل وبين باب الفاعل، فهي ما نسميه النحو، مثال ذلك ما يأتي: في قولنا: "قام محمد" تماسك سياقي، من حيث إن البابين الذين يدرسان في هذا السياق، يتبادلان أثر الإفراد والتذكير والغيبة، وفي قولنا: قام محمد الفاضل ترتيب سياقي ثابت؛ لأن الفاضل لا يمكن أن يسبق محمدًا، أما بين قام ومحمد، فالترتيب غير ثابت.

стр. 153

لأننا نستطيع أن نقول: محمد قام، وفي هذه الجملة الأخيرة توافق سياقي من حيث إن قام ومحمدًا، والتفاضل تلزم جميعها حالة متشابهة في الإفراد، والتذكير والغيبة، كل ذلك من صميم الدراسات النحوية. فالموقعية إذا دراسة لعلامات الموقع، أو دراسة لسلوك الأصوات في الموقع، طبقا لما يقتضيه هو سواء أكان هذا الموقع بداية الكلمة، أو وسطها، أو نهايتها. وإذا فدراسة الأصوات المفردة المنعزلة انعزالا مصطنعا عن السياق، ليست دراسة موقعية؛ لأن الصوت المفرد المنعزل ليس به مواقع نسبية تدرس، أو تكون لها علامات. والظواهر الانعزالية ظواره أصواتية بحتة، "أما إذا نظرنا إلى المادة اللغوية من وجهة النظر السياقية، فسيكون صوابا أن نقول: إننا لو وحدنا أية ظاهرة أصواتية خاصة بموقع، أو نقطة اتصال بين الأصوات، فمن المفيد أو ربما كان من الأكثر إفادة أن نعبر عنها، بأنها موقعية في الجملة، أو الكلمة"١. ويمكن أن نقسم الموقعية في اللغة العربية الفصحى إلى أربعة أقسام رئيسية: ١- موقعية البداية، ٢- موقعية الوسط، ٣- موقعية النهاية، ٤- موقعية الشيوع.

стр. 154

موقعية البداية: أما موقعية البداية، فتشمل ورود همزة الوصل في أول الكلام الذي يبتدئ بحرف علة، متلو بصحيح ساكن؛ أو عبارة أخرى، يبتدئ بالمقطع "ع ص". فهمزة الوصل إذا علامة على هذا الموقع؛ لأنها لا ترد في وسط الكلام، حيث يعتمد حرف العلة على بديل لها، هو نهاية أي بمقطع سابق، وقد سبق أن مثلنا لذلك بالمثالين: "الولد"، "قام الولد".

стр. 155

موقعيات الوسط: وأما موقعيات الوسط، فتشمل ما يأتي: ١- موقعية نقطة الاتصال، ٢- موقعية الشدة الأنفية، ٣- موقعية القلقلة، ٤- موقعية الساكنين. ١- موقعية نقطة الاتصال: فأما نقطة الاتصال، فتدرس الموقعية فيها بالنسبة للحرف الصحيح يلتقي بالصحيح، وبالنسبة لحرف العلة يلتقي بحرف العلة، والتقاء الصحيحين مسئول إلى حد كبير عن خلق دراسة الأصوات الصحيحة، ثم هو أوضح ما ينبني عليه علم القراءات، فنقطة اتصال حرفين، ربما تكون البيئة الوحيدة لصوت لغوي معين، لاحظ مثلا أن التقاء حرف النون بحرف الباء في السياق، يحقق النون في صورة ميم، وهذا ما يسمونه الإقلاب، وإذا جاءت بعد النون فاء، تحققت النون في صورة إدغام بغنة، وهلم جرا، فإذا فنقطة الاتصال بين حرف صحيح، وحرف صحيح آخر بيئة صالحة لدراسة الموقعية، وكذلك الحال في التقاء حرفي علة في وسط الكلام، وكقاعدة عامة يمكن القول: إنه إذا التقى حرفا علة في وسط الكلام، فاللاحق منهما هو "ع"، التي في "ع ص"، أي أنه هو حركة همزة الوصل، لو ألحقت همزة الوصل بأول الكملة التي هو فيها، لاحظ أننا إذا أقررنا كلمة "الولد"، فإننا ننطقها همزة مفتوحة، فلا ما ساكنة، فواوا مفتوحة إلخ، إذًا فالحركة الأولى في الكلمة فتحة،

стр. 156

ولكن هذه الفتحة تختفي من الناحسة الموقعية، في أمثلة مثل: يرمي الولد، يدعو الولد، لم يخرج الولد، يخرج الولد، فعلامة الموقع في هذه الحالات، هي عدم وجود "ع"، التي في المقطع "ع ص" في النطق، وهذا يدعونا إلى القول بعدم وجودها أيضا في قولنا. قام الولد - أن يقوم الولد - غضبت على الولد. قياسا على الأمثلة السابقة. ٢- موقعية الشدة الأنفية: وأما موقعية الشدة الأنفية في العربية الفصحى، فمن المعروف أن الحروف الشديدة في هذه الفصحى هي الهمزة، والباء، والتاء، والدال، والضاد، والطاء، والقاف، والكاف، وأن هناك حرفا مركبا من شدة تعقبها رخاوة "أو كما يسمونها تعطيش"، وحروف القلقة من هذه هي الباء، والدال، والطاء، والقاف، والجيم، والحروف غير المقلقلة هي الهمزة، والتاء، والضاد، والكاف، هذه الأربعة الأخيرة هي موضع هذه الظاهرة الموقعية. إن وجود صوت القلقة بعد حروفها الخمسة، يحتم أن يكون الفم مخرج الهواء حين الانفجار، الذي نسميه الشدة، والذي هو خاصة من خواص النطق بأصوات هذه الحروف، وأما الحروف الأربعة الأخيرة فلا قلقلة فيها، ومن ثم إذا تلتها الميم أو النون، فإن هواء الانفجار في نطق أصوات هذه الحروف الشديدة يخرج من الأنف، وهذا الذي نسميه موقعية الشدة الأنفية، قارن الأمثلة الآتية: يأمن - يأنس - يتم - متن - يضمن - أضنى - يكمل - يكني بحروف القلقة في:

стр. 157

أبناء - يدمي - يدنو - يطمع يطنب - يقمع - يقنع - يجمع - يجني. وستجد أن القلقلة هنا تقترن بخروج هواء الشدة من الفم، وأن عدمها يقترن بخروج هذا الهواء من الأنف. ٣- موقعية القلقلة: ومقعية القلقة تربط بالحروف، كما ترتبط بالموقع، وقد ذكرنا حروفها فوق هذا الكلام، فارتباطها بها واضح، وأما ارتباطها بالموقع، فكيفي أن نقول: إن أي حرف من هذه لا يقلقل إذا شدد، وإلا إذا تلاه آخر من نفس مخرجه، فلا قلقة لباء ساكنة متلوة بميم، ولا لطاء متلوة بتاء، وهلم جرا. ٤- موقعية التقاء الساكنين: وأما موقعية التقاء الساكنين، فعلامتها الكسرة التي لا مبرر لها من الناحية الإعرابية البحتة، وكل ساكنين التقيا يتحرك أولهما بهذه الكسرة، إلا إذا كان أولهما مدا وثانيهما مشددا، كما يرى ذلك في الفرق بين الأمثلة الآتية: لم يكن الذين كفروا - اضرب المذنب - لا تهن الفقير. ولا الضالين - أتحاجوني في الله - مدهامتان. الحاقة ما الحاقة - الطامة - الصاخة. والحقيقة أن كل هذه الأنواع من الموقعية، يمكن إدراجها تحت موقعية نقطة الاتصال فالإخفاء، والإقلاب، والإدغام بغنة، تشير إلى نقطة اتصال من نوع معين، والشدة الأنفية تشير إلى نقطة اتصال بين شديد وأنفي، والقلقة تشير إلى نقطة اتصال حرف من حروفها بآخر من غير مخرجه، والتكسر لاتقاء الساكنين يشير إلى نقطتة اتصال ساكن بساكن.

стр. 158

موقعة النهاية: وأما موقعية النهاية، فأهمها في الفصحى سكون الوقف وهاؤه، وفي الشعر القافية، وأما في بعض العاميات، فإن من مظاهر هذه الموقعية أن تتحقق الفتحة التي قبل تاء التأنيث في صورة كسرة، إذا سبقتها حروف خاصة، وأن يتحقق ياء المد وواوه في نهاية الكلام أيضا في صورة أصوات علة مركبة، وأن يكون المظهر الصوتي للفتحة، والضمة في آخر مقطع من المجموعة الكلامية، أكثر انفتاحا منه فيها إذا وقعا في مقاطع في وسط الكلام، والأمثلة لذلك: سمكة - قاضي - قالوا - راكب - يدخل.

стр. 159

موقعيات الشيوع: بقيت موقعية الشيوع، وإنما سميت بذلك؛ لأنها تعين المواقع سواء أكانت في مبدأ الكلام، أو وسطه أو نهايته ومنها: ١- الإجهار والإهماس، ٢- قوة النطق وضعفه، ٣- التفخيم والترقيق، ٤- الكمية، ٥- النبر، ٦- التنغيم: ١- الإجهار والإهماس: والإجهار جهر ما هو مهموس من جهة التبويب والتقييد، والإهماس همس ما هو مجهور من هذه الجهة، وفي موقع صالح لذلك، لقد أفهم كلام النحاة العرب أن ظاهرة القلقة في الأصوات مرجعها إلى تجنب الإهماس في حروف القلقة التي

стр. 160

زعموها جميعا مجهورة في التبويب والتقسيم، مع العلم بأن الطاء والقاف من الحروف المهموسة من هذه الناحية. والواقع أن اللهجات العامية لم تحترم جهر الحروف إلى هذه الدرجة، وإنما تعمل موقعية نقطة الاتصال عملها في هذه الناحية، دون نظر إلى الناحية التبويبية للحرف، والغالب أن الحروف المجهورة إذا تلاه في الكلام حرف مهموس، وكانا متلاصقين تلاصق جزءي الحرف المشدود، فإن أولهما المجهور يلحقه بعض الهمس أو كله، وذلك ما نسميه الإهماس، ويحدث العكس في بعض الحالات في الحرف المهموس، إذا لاصقه حرف صحيح مجهور لاحق له. لاحظ إهماس الباء في أبشع، وإجهار الفاء في أفظع، والشين في وزارة الأشغال، وحتى لتصبح بالباء P، والفاء مثل V، والشين مثل الجيم السورية تقريبًا j. وهناك موقع آخر للإهماس هو موقع الحرف الأخير من المجموعة الكلامية، وذلك مثل الباء في كتاب، والضاد في خفض، والزين في عزيز، وعدم اختصاص هذه الظاهرة، والظواهر التي ستأتي بعد ذلك بمكان واحد، هو الذي برر تسميتنا لها بموقعية الشيوع، وأنا استميح القارئ عذرا في اختيار كلمتي الإجهار، والإهماس، ولقد أكثرت من الاعتراض عليهما لنفسي من كل ناحية، ولكنهما خيرا ما يختار للدلالة على ظاهرة تتصل بالجهر والهمس، ولا تتطابق معهما. ٢- القوة والضعف: وأما موقعية القوة والضعف في النطق، فقد سبق أن قسمنا مواقع الحرف في المجموعة الكلامية إلى ثمانية مواقع هي: ١- البداية كموقع الكاف من كتب. ٢- ما كان بين علتين كموقع التاء من كتب. ٣- المشدد في الوسط، كموقع اللام المشدد من علم.

стр. 161

٤- ما كان ساكنا في الوسط، كموقع العين من معلوم. ٥- ما كان متحركا في الوسط، كموقع اللام من معلوم. ٦- ما كان قبل الأخير في المجموعة الكلامية، كموقع الجيم من استخرجت "بسكون التاء". ٧- الساكن المفرد في الآخر، كموقع الباء من اضرب. ٨- الساكن المشدد في الآخر، كموقع اللام المشددة من استقل. تلك هي المواقع التي توصف بالقوة أو الضعف، وهي في هذا أشبه بباب الفاعل، يوصف بالرفع بقطع النظر عن امثلته التي هي محمد أو جعفر أو عبد الله. فهذه المواقع تختلف قوة وضعفا في اللهجات العربية، بقطع النظر عما يرد فيها من الأصوات، والحروف. ولهذا يقال مثلا: إن الصوت إذا وقع مشددا في الآخر، كان أقوى ما يكون نطقا، وهو أضعف ما يكون، إذا وقع بين حرفي علة، ومعنى القوة والضعف هنا مرتبط ارتباطا تاما بتوتر أعضاء النطق، أو تراخيها، أنثاء عملية النطق "قارن بصمة الضاد، التي في أول الكلمة بالضاد التي بين حرفي علة في الأمثلة المصاحبة". ٣- التفخيم والترقيق: والتفخيم والترقيق يختلفان في الفصحى عنهما في العاميات، فهما في الفصحى يرتبطان بالحروف، أما في العاميات فهما ظاهرة موقعية ترتبط لا بالحروف، وإنما بالموقع في السياق. يقول النحاة القدماء في حروف التفخيم: هي "ص ض ط ظ غ خ ق"، وبالتأميل في هذه الحروف، نجد أن مما يعد في خصائص إما صفة الإطباق، وإما مخرج الطبق "وهو هنا يشمل اللهاة": وصفة الإطباق ومخرج الطبق يشملهما في التجويد العربي اصطلاح "الاستعلاء"، والذي يبدو لي أن التفخيم في هذه الحروف غير متحد القيمة، ولا مرات الورود في المثال.

стр. 162

فحروف الإطباق الأربعة مفخمة إلى درجة أكبر من تفخيم الحروف الطبقية الثلاثة، وهي ترد مفخمة أكثر مما ترد الثلاثة الطبقية، ذلك؛ لأن حروف الإطباق يبقى لها تفخيمها في كل وضع، ومع كل حرف علة سابق أو لاحق، أما الثلاثة الطبقية، فإنها لا تفخم في مجاورة الكسرة، ويعترف علماء التجويد بأن الطبقة أقوى تفخيما من الطبقية، يقول ابن الجزري١: "ومنها المستفلة وهي ضد المستعلية؛ والاستعلاء من مصفات القوة وهي سبعة يجمعها قولك: قظ خص ضغط، وهي حروف التفخيم على الصواب وأعلاها الطاء، كما أن أسفل المستفلة الياء، وقيل: حروف التفخيم هي حروف الإطباق، ولا شك أنها أقواها تفخيما". هذا هو التفخيم في الفصحى؛ تفخيم يرتبط بالحروف أكثر مما يرتبط بالموقع، ولذلك لا يمكن اعتباره ظاهرة موقعية، أما في اللهجات العامية، فهو على العكس من ذلك يرتبط الموقع أكثر مما يرتبط بالحروف؛ ففي لهجتي المحلية "لهجة الكرنك - قنا"، ويمكن تلخيص هذه الظاهرة فيما يأتي: تنقسم الحروف بالنسبة لهذه الظاهرة إلى أقسام خمسة، كل قسم منها له سلوكه التفخيمي الخاص، الذي يختلف عن سلوك بقية الأقسام. هذه هي الأقسام: ١- ص ض ط ظ وهي المجموعة المطبقة. ٢- ر وهي تكرارية. ٣- خ غ ك كك بدل "ق" وهي المجموعة الطبقية. ٤- ب م وف - ح عء هـ وهي مجموعة المخارج. القصوى في الشفتين والحنجرة. ٥- ت د س ز ل ن ج ش ي والكسرة والخفضة، وهي المجموعة اللسانية اللأمامية. وسيرى القارئ من وصف المجموعات بالأطباق، والتكرار والطبقية إلخ، أن

стр. 163

كل مجموعة تربطها رابطة مخرجية خاصة، والمجموعة الأولى مفخمة دائما، أما المجموعات الأخرى فيلحقها التفخيم بحسب الموقع، وهذا هو معنى كونه ظاهرة موقعية، والقاعدة في ذلك ما يأتي: ١- كل ما يسبق حرفا من المجموعة الأولى في الكلمة، فهو مفخم مهما كانت المجموعة التي ينتمي إليها، فالتفخيم صفة الحروف كلها في: "رقص"، "خبط"، و"سمط". وصفة الحرف المطبق، وما قبله في: "رصف" و"قطع" و"رطز" و"سطل". ٢- كل حرف يسبق الراء في الكلمة، فهو مفخم مثلها إلا إذا سبق بكسرة أو خفضة، غير مسبوقتين بأحد حروف المجموعة الأولى، كما في "سيرة"، وإلا إذا كانت الراء متوسطة بين حرفين من المجموعة الخامسة، كما في "جرس"، ففي هاتين الحالتين ترقق الراء، وما قبلها. ٣- كل ما سبق المجموعة الثالثة، أو الرابعة فهو مفهم مثلها، إلا: "أ" حين يكون الوسط من المجموعة الخامسة، كما في "زرع" و"خلق" و"غنم". "ب" حين يكون أول الكلمة، ووسطها من المجموعة الرابعة أو الخامسة، أو كليهما بأي ترتيب، نحو: "زبق" و"بزق" و"دلق" و"بحق". ٤- "أ" إذا انتهت الكلمة بحرف من المجموعة الخامسة، فهو مرقق وما قبله كذلك، إلا حروف المجموعة الأولى وما سبقها في الكلمة، نحو: "حصد" "غطس"، ولكن في "طقش"، التفخيم للطاء فحسب. وأما في لهجة عدن فالحروف مقسمة أيضا، ولكن الأقسام سبعة، مرتبة بحسب غلبة التفخيم على سلوكها، وهذا الأقسام مبنية على حسب اتحاد المخرج

стр. 164

أو قربه أيضًا، وهي المفخم، والمضخم، والمحايد، والمدقق، والمرقق كما يأتي: ١- المفخم "الحروف الأسنانية اللثوية المطبقة"، ص ض ط وهي ذات تفخيم دائم. ٢- "الحروف الشفوية" خ غ ق، وهي أقل منها تفخيما المحايد، وهو مجموعات ثلاث: ٣- "الحروف الشفوية" ب م وف وهي أقل من المجموعة الثانية. ٤- "الحلقية" ء هـ ح ع، وهي أقل تفخيما من المجموعة الثالثة. ٥- "اللثوية" ر ل ن وهي أقل تفخيما من المجموعة الرابعة. ٦- المدقق "الحروف الأسنانية اللثوية غير المطبقة" ت د س ز، وهي أقل ترقيقا من المجموعة الأخيرة. ٧- المرقق "الحروف الغارية" ك ج ش ي، وهي أقل ترقيقا. هذه الموقعية وظيفة من وظائف المقطع، وتقسم كل حرف من حروف العلة إلى سبعة قيم، أصواتية، ترتبط كل قيمة منها بمجموعة من هذه المجموعات. وإذا كان ذلك الصحاح والعلل في المقطع، صح أن يوصف المقطع بأنه مفخم، أو محايد، أو مرقق؛ ويمكن دراسة هذا الاختلاف التفخيمي بين المقاطع في السياق، وفي الجدول على السواء، ولذكر قاعدة التفخيم في المقطع نجد من الضروري أن نقسم المقاطع إلى قسمين رئيسيين: هما المفتوح والمقفل. ولكل منهما تناول خاص: ١- المقطع المقفل وهو لذي ينتهي بحرف صحيح: أ- يكون هذا المقطع مفخما، إذا كان في بدايته أو نهايته أحد حروف المجموعة الأولى أو الثانية، مثل الطاء واللام من طلق، واللام والطاء من بلط، والصاد والاء من وجد صاحبه. ب- ويكون محايدا حيث تكون بدايته، ونهايته كلتاهما من حروف المجموعة

стр. 165

الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة، مثل الباء والراء من عبر، والراء والحاء من فرح، والباء والنون من بان. ج- ويكون مرفقا إذا كان أحد حروفه من المجموعة السادسة، أو السابعة وليس فيه حرف من المجموعة الأولى، أو الثانية، نحو الدالين في عدد، والباء والدال من عبد، والباء والشين من ربش. ٢- المقطع المفتوح، وهو الذي ينتهي بحرف علة: أ- يكونهذا المقطع مفخما، إذا بدأ هو أو لاحقه بحرف من المجموعة الأولى، أو الثانية، نحو: الحرف لأول وحركته من طلب - بطل - سطا - غلب - نقل - سقط. ب- ويكون محايدًا، إذا بدأ هو وتاليه بحرف من المجموعة الثالثة، أو الرابعة أو الخامسة نحو الحرف الأول المتحرك من بعد عبد. ج- ويكون مرققا حين يبدأ بحرف من المجموعة السادسة، أو السابعة، ويبدأ تاليه بأي حرف من غير المجموعة الأولى، أو الثانية، وينتهي بأي حرف من غير المجموعة الأولى فقط، نحو الحرف المتحرك الأول من: جبل - سبح - جبر - شرح - تبع - كبس. ٤- الكمية: وتأتي بعد ذلك موقعية الكمية التي ترتبط بأبواب ثلاثة رئيسية في اللغة، ونعني بالكمية الطول، والقصر في المقاطع والحروف الصحيحة، وحروف العلة وغالبًا ما تستعمل كلمة الطول بدل اصطلاح الكمية، وهما مفهومان من مفهومات التشكيل، يقصد بهما باب تشكيلي من أي لغة يعينها، فالكمية إذا فكرة تقسيمية تجريدية لا أكثر ولا أقل، ثم هي لا ترتبط بالزمن الفلسفي، أكثر مما يتربط به شكل الفعل الماضي والمضارع، أما المدة فهي اصطلاح أصواتي لا تشكيلي يقاس بوسائل ميكانيكية، ويدخل في مفهوم الزمن، ويمكن استخراجه من المسافة، كما يستخرج من

стр. 166

السطوح التوقيتية كميناء الساعة، وخط الذبذبة على سطح الورقة وهلم جرا. والكميات، والأطوال المختلفة مفهومات اعتبارية، فالطويل طويل بالنسبة إلى ما هو أقصر، والقصير قصير منسوبا إلى ما هو أطول، ولكن الوقت عامل من عوامل فهم المدة، فإنا لمدة تقاس في علم الأصوات بواحد على مائة من الثانية، والمدة تنسب إلى الصوت، والكمية تنسب إلى الحرف والمقطع، والمدة والكمية يتفقان، ويختلفان فليس من الضروري أن يكون الحرف المشدد، وهو أطول كمية من المفرد أطول مدة في نطق صوته من الحرف المفرد، وهذا الفرق الأخير يوضح الاختلاف بين الكمية والمدة توضيحا تامًا. والذي نستطيع أن ندرسه هنا هو الكمية لا المدة، ذلك بأن دراسة المدة في اللغة الفصحى، تتطلب من الوسائل الميكانيكية، ما لا نملكه الآن ويؤسفني أن أقول: إن جامعة القاهرة لم تتنبه إلى الآن إلى وجوب إنشاء معامل لهذا النوع من الدراسات، على من له من خطورة في الخارج الآن من الوجهتين النظرية والعملية على السواء، ولكنني أستطيع أن أذكر خلاصة دراستي للمدة في لهجة عدن، بعد الاستعداد لها بتجارب كيموغرافية، ومقارنة نتائج هذه التجارب، وقياس ذبذباتها في معمل معهد اللغات الشرقية بلندن، والخلاصة أن النتيجة النهائية لهذه التجارب هي ما يأتي: ١- أطول الأصوات مدة هو المشدد الساكن في آخر المجموعة الكلامية، كالدال في مد. ٢- ويليه في ذلك المفرد الساكن الأخير في المجموعة الكلامية، كالدال في بعيد. ٣- ثم يليه المشدد في وسط المجموعة الكلامية، كالدال في أدب. ٤- ثم يليه ما تبتدئ به المجموعة كالدال في دخل. ٥- ثم يليه ما تحرك بعد ساكن، ولم يكن آخرا كالدال في يهدم.

стр. 167

٦- ثم يليه ما وقع ساكنًا قبل الأخير الساكن في المجموعة الكلامية، كالدال في هدم. ٧- ثم يليه ما وقع ساكنًا قبل المتحرك في الوسط، وهو المقصود بالموضع رقم ٥ كالدال في يدخل. ٨- وأقصر الجميع مدة ما وقع بين صوتي علة، كالدال في هدم. ومن هذا ترى أن بعض الأصوات المفردة أطول مدة في النطق من بعض الأصوات المشددة، وهذا يوضح لك الفرق بين المدة وبين الكمية. أما الكمية في المقطع، فقد سبق أن ذكرنا أن المقاطع العربية ستة، منها قصيران ومتوسطان وطويلان، وقلنا: إن من القصيرين مقفلا ومفتوحًا ومن المتوسطين، كذلك ومن الطويلين مقفل ومزدوج الإقفال، وأوردنا صور المقاطع، كما يأتي: ع ص - ص ع - ص ع ص - ص ع ع - ص ع ع ص - ص ع ص ص. وأما الكمية في الصحاح، فكلنا يعرف المفرد والمشدد، ويعلم أن المشدد أطول كمية من المفرد، بل يعلم فوق ذلك أن الحرف المشدد بحرفين، وأما في العلل فكلنا يعرف الفرق بين الحركة والمد، ويعلم أن المد أطول من الحركة. كل هذه الكميات تقسيمية نظرية لتكوين النظام اللغوي، وإيجاد علاقات بين أقسامه، وأقسام أقسامه فلا يقصد بها رواية شيء عن الزمن الفلسفي، كما يقصد ذلك حين ذكر مدة النطق، أو كما يطلق عليها اصطلاحًا "المدة". ولست أدري إن كان يحق لي أن أقول: إن لفظي المجرد والمزيد الصرفيين من اصطلاحات الكمية، ولكنني أنحب أن ألاحظ ملاحظة عابرة، أن المفروض في المجرد أن يكون أقصر من المزيد، مع أنني لست أجد هذا في يكرم، ويضرب.

стр. 168

٥- النبر: كلنا يدرك أن الكلمات التي نتكلمها من أصوات متتابعة، ينزلق كل تابع منها من سابقه، وليست هذه الأصوات في الكلمة بنفس القوة، وإنما تتفاوت قوة وضعفا بحسب الموقع، وكون صوت من الأصوات في الكلمة أقوى من بقيتها يسمى النبر، فالنبر إذا موقعية تشكيلية ترتبط بالموقع في الكلمة، وفي المجموعة الكلامية، وحده أنه وضوح نسبي لصوت، أو مقطع إذا قورن ببقية الأصوات والمقاطع في الكلام، يكون نتيجة عامل أو أكثر من عوامل الكمية، والضغط والتنغيم، فالضغط لا يسمى نبرا، ولكنه يعتبر عاملا من عوامله، ومع هذا فإنه يعتبر أهم هذه العوامل، وربما كان ذلك؛ لأن النبر يعرف بدرجة الضغط على الصوت أكثر مما يعرف بأي شيء آخر أو؛ لأن الضغط في صورتيه صورة القوة، وصورة النغمة يتسع مجال تطبيقه على النبر أكثر مما يتسع مجال العوامل الأخرى، ويعتبر سويت١ الضغط مما يرتبط بالتركيب لا بالتحليل، وذلك؛ لأنه نسبي دائما يفيد المقارنة باستمرار، إما بين مجموعتين مختلفتين من الأصوات، وإما بين جزئين مختلفين من مجموعة واحدة، أما من الناحية العضلية، فالضغط مجهود يخرج به الهواء من الرئتين، وكل دفعة منه يصحبها إحساس عضلي لهذا السبب، وأما من الناحية الصوتية، فإنه ينتج أثرا يعرف بالعلو يتوقف على مدى الموجات الذبذبية، التي تسبب الإحساس بالصوت، واستعمال سويت لكلمة التركيب يسوقنا إلى فهم معنى الموقعية من كلامه. والكلمات تركيبات من أنساق صوتية، لها نظامها النبري الخاص المستقبل عن نظام النبر في الأنساق الكبرى، "الجمل والمجموعات الكلامية"، والواقع أن النبر في الكلمات العربية من وظيفة المزيان الصرفي، لا من وظيفة المثال، فنحن إذا تأملنا كلمة "فاعل"، نجد أن الفاء أوضح أصواتها لوقوع النبر عليها، وباعتبار هذه الصيغة ميزانا صرفيا نجد أن كل ما جاء على مثاله، يقع عليه النبر بنفس الطريقة مثل قاتل،

стр. 169

حابس، وناقل، ورابط، وعازل، وشاغل، وضارب، وعازم، وخازن، حتى لأمر من صيغه الفاعل: كجاهد، وسافر، تقع في نموذج هذا الوزن، فتتلقى النبر على ههاء الكلمة، ومثل ذلك أن صيغة مفعول، وكل ما جاء على مثالها يقع النبر على عين الكلمة فيها، وما جاء على وزن مستفعل يقع النبر فيه على التاء، وهلم جرا، ومن هنا لا نكون مبالغين، إذا قلنا: إن النبر في الكلمات العربية موقعية تشكيلية وصرفية في نفس الوقت، أما في الأنساق الكبرى "أو السياقات، أو عبارة أخرى، الجمل المجموعات الكلامية"، فيقع ترتيب النبر على غير المقتضات الصرفية البحتة، بل إنه لا يتربط بها، وإن وافقها في الظاهر، هذا النبر الذي في السياق، إنما يكون من وظيفة المعنى العام، أي أنه نبر دلالي، ومعنى هذا أن في اللغة العربية نوعين من وقعية النبر في التشكيل الصوتي. ١- النبر الصرفي. ٢- النبر الدلالي. وينقسم النبر الصرفي إلى قسمين بحسب قوة النطق ودرجة الدفعة: أولي، وثانوي، إنما سمي الأولي كذلك لسببين؛ أولا؛ لأنه أقوى من الثانوي، وإن استعمال كلمة لي بهذا المعنى يقتضي كلمة ثانوي بالضرورة، وثانيا؛ لأن موضع النبر الثانوي، إنما يقاس مسافته في المقاطع بالنسبة للأولى، فإذا وضعت قاعدة المسافة بين الأولي، والثانوي بعدد من المقاطع ظهر الإيقاع اللغوي الخاص باللغة العربية، وقاعدة النبر والصرفي كما يأتي: ١- النبر الأولي: أ- يقع النبر على المقطع الأخير في الكلمة، إذا كان من نوع "ص ع ع ص" " ص ع ع ص"، أي من النوع الطويل، مثل قال، استقال، قل، استقل من النوع المتوسط في الكلمات أحادية المقطع، كفعل الأمر من قال. ب- ويقع على ما قبل الأخر، إذا كان متوسطا والآخر متوسطا، سواء كان المتوسط من نوع "ص ع ص" أو"ص ع ع" مثل:

стр. 170

علّمْ - سلّمْ - عبدك - يتوفاكم - قاتل - جوارٍ. أو كان ما قبل الأخير من نوع "ص ع" القصير مبدوءه به الكلمة، أو مسبوقا بصدر إلحاقي نحو: كتب - حسب - حرم - محترم - انحبس. ج- يقع النبر على المقطع الذي يسبق ما قبل الآخر، إذا كان الآخر يقع مع ما قبله في إحدى الصور الآتية: ١- "ص ع + ص ع ص"، نحو علمك - حاسبك. ٢- "ص ع + ص ع ع" نحو علموا - حاسبوا - ضربك. ولا يقع النبر على مقطع سابق لهذه الأخيرة. ٢- النبر الثانوي: إن مجال النبر الثانوي في الكلمة أضيق منه في الجملة، أو المجموعة الكلامية، ومع هذا فإن النبر الثانوي، يوجد في الكلمات ذوات المقطعين فأكثر، فالمقطع المنبور نبرًا ثانويًا، يمكن وجوده على مسافات محددة من النبر الأولي، كما يأتي: ١- يقع الثانوي على المقطع الذي قبل المقطع المنبور نبرا أوليا، إذا كان ذو النبر الثانوي طويلا، مثل ضالين - حاجات - مدهامات. ٢- ويقع على المقطع الذي بينه، وبين المنبور نبرا أوليًا مقطع آخر إذا كان ذو المنبور الثانوي يكون مع الذي يفصل بينه، وبين المنبور الأولي أحد الأنساق الآتية: أ- مقطع متوسط + آخر متوسط "ص ع ص" أو"ص ع ع" مثل: علمناه - مستبقين - يستخفون - عاشرناهم. ب- مقطع متوسط + مقطع قصير مثل: مستقيم - مستعدة - صاحبوهم. ٣- ويقع على المقطع الثالث قبل المنبور نبرًا أوليًا، إذا كانت الثلاثة السابقة.

стр. 171

لهذا المنبور الأولي تكون نسقا في صورة "متوسط + قصير + قصير أو متوسط" نحو: مستحمين - يستفيدون - ما عرفناهم - محتملوهم. ولا يقع الضغط الثانوي على المقطع الرابع السابق للمنبور الأولي في الكلمة. نبر السباق "أو النبر الدلالي": ونبر السياق مستقل عن نبر الصيغة الصرفية، الذي شرحناه، ولو أنه يتفق معه في الموضع أحيانًا، والفرق بين الدلالي والصرفي، أو نبر السياق ونبر الصيغة، أن نبر السياق يمكن وصفه، على عكس نبر الصيغة، بأنه إما أن يكون تأكيديًا، وإما أن يكون تقريريا، ويمكن تلخيص الفرق بين التأكيدي والتقريري في نقطتين: ١- أن دفعة الهواء في النبر التأكيدي أقوى منها في التقريري. ٢- وأن الصوت أعلى في التأكيدي منه في التقريري. وأي مقطع في المجموعة الكلامية، سواء كان في وسطها أو في آخرها، صالح لأن يقع عليه هذا النوع من النبر، والمسافة بين أي حالتي نبر في المجموعة الكلامية، سواء كان كلاهما أوليا أو ثانويا أو مختلفا، لا تتعدى أربعة مقاطع. والواقع أن هذه المسافة يتحكم فيها عامل الإيقاع في الكلام العادي، ولا يظنن ظان أن النبر في الكلام المتصل، "أو في المجموعة الكلامية على حسب ما نسميه هنا"، يقع أوليا فثانويا فأوليا فثانويا على التعاقب، فربما تجاورت حالات من الأولى أو من الثانوي دون أن يتخللها النوع الآخر، ولكن الملاحظ أن المسافات بين كل حالتي نبر، تبدو كأنها متساوية تقريبا، وهذا ما نسميه الإيقاع وللقارئ إن شاء أن يتأمل كلامه؛ ويحدد المسافات بين حالات النبر، وسيجد هذه الظاهرة واضحة كل الوضوح. ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن دراسة النبر، ودراسة التنغيم في العربية الفصحى يتطلب شيئا من المجازفة، ذلك؛ لأن العربية الفصحى لم تعرف هذه الدراسة في قديمها

стр. 172

ولم يسجل لنا القدماء شيئا عن هاتين الناحيتين، وأغلب الظن أن ما ننسبه للعربية الفصحى في هذا المقام، إنما يقع تحت نفوذ لهجتنا العامية؛ لأن كل متكلم بالعربية الفصحى في أيامنا هذه، يفرض عليها من عاداته النطقية العامية الشيء الكثير، وأظن القارئ يعلم أن القرآن الكريم نفسه يختلف نطقا، ونبرا وتنغيما، "وعلى الأخص في نطق الضاد والجيم، والثاء والذال والظاء، والقاف والكاف"، من بلد عربي إلى بلد عربي آخر، اختلافا يخبر عن نسبة التباين في هذه الناحية بين اللهجات العامية في البلاد العربية المختلفة. ٦- التنغيم: يمكن تعريف التنغيم بأنه ارتفاع الصوت وانخفاضه أثناء الكلام، وربما كان له وظيفة نحوية هي تحديد الإثبات، والنفي في جملة لم تستعمل فيها أداة الاستفهام فقد تقول لمن يكلمك ولا تراه: "أنت محمد" مقررا ذلك، أو مستفهما عنه، وتختلف طريقة رفع الصوت، وخفضه في الإثبات عنها في الاستفهام، ولكن كل شيء فيما عدا التنغيم، يبقى في المثال على ما هو عليه؛ وترتيب الكلمات في الجملة، والبناء في الكلمة الأولى، والإعراب في الثانية، وحركة الإعراب وحركة البناء، والنبر الثانوي على الهمزة والأولى على الحاء، كل ذلك إذ يبقى في الحالتين لا يصلح أساسًا للتفريق بين الإثبات والاستفهام، ولكن التغنيم هو ناحية الخلاف الوحيدة بينهما، وما دامت ناحية الخلاف هذه قادرة على أن توضح كلا من المعنيين، فللتنغيم إذا وظيفة نحوية، والوظيفة الأصواتية للتنغيم هي النسق الأصواتي، الذي يستنبط التنغيم منها أما الوظيفة الدلالية، فيمكن رؤيتها لا في اختلاف علو الصوت، أو انخفاضه فحسب، ولكن في اختلاف الترتيب العام لنغمات المقاطع في النموذج التنغيمي، الذي يقوم من الأمثلة مقام الميزان الصرفي من أمثلته، اختلافا يتناسب مع اختلاف الماجريات العامة، التي تم فيها النطق، وليس في العربية وظيفة معجمية للتنغيم؛ لأن اللغة العربية لا تستخدمه بهذه الطريقة، كما تستخدمه الصينية، وبعض لغات غرب أفريقيا. ويمكن تقسيم التنغيم العربي، ومن وجهتي نظر مختلفتين؛ إحداهما شكل النغمة.

стр. 173

المنبورة الأخيرة في المجموعة الكلامية، والثانية هي المد بين أعلى نغمة، وأخفضها سعة وضيقا، فأما من الوجهة الأولى، فينقسم إلى قسمين: ١- اللحن الأول الذي ينتهي بنغمة هابطة. ٢- اللحن الثاني الذي ينتهي بنغمة صاعدة، أو ثابتة أعلا مما قبلها. وأما من الوجهة الثانية، فينقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- المدى الإيجابي: ٢- المدى النسبي. ٣- المدى السلبي. فمجموع التقسيمات إذا يقع في سنة نماذج تنغيمية مختلفة، هي كل ما في اللغة العربية من نماذج التنغيم، وتقف من أمثلتها التي تحصى موقف الميزان الصرفي من أمثلته كما قلنا سابقًا، حتى إننا لنستطيع أن نسميها الموازين التنغيمية؛ كما سمينا الموازين الأخرى صرفية، وهذه الموازين الستة هي: ١- الإيجابي الهابط. ٢- الإيجابي الصاعد. ٣- النسبي الهابط. ٤- النسبي الصاعد. ٥- السلبي الهابط. ٦- السلبي الصاعد. لقد وقعت على هذا التقسيم في دراستي للهجة عدن، وحاولت بعد ذلك أن أطبقه على اللغة العربية الفصحى، فوجدته وافيا بالغرض، وهذا التقسيم يختلف عن التقسيم التقليدي الذي يستمعله الباحثون اللغويون، فيبنونه على قسمين أحدهما مؤكد، والثاني غير مؤكد، ولكن التأكيد من الأفكار الذهنية؛ ونحب نحن أن

стр. 174

تقيم الدراسة اللغوية على أساس الشكل والوظيفة، والتأكيد كفكرة ذهنية يكون في الإيجابي، كما يكون في السلبي من هذه المديات، فكما يؤكد المرء بالصوت العالي، يؤكد أيضا بالصوت المنخفض جدا. ويكتب التنغيم كما تكتب الموسيقى على خطوط أفقية، ولكن عدد الخطوط هنا ليس خمسة كما في الموسيقى، وإنما يختلف باختلاف عدد المديات، فيجعل لكل مدى مسافة بين خطين، والمديات هنا ثلاثة؛ فيلزم أن نستعمل في كتابتها خطوطا أربعة تحصر بينها مسافات ثلاث، سفلاها لكتبة المدى السلبي، وهي وما فوقها لكتابة المدى النسبي، والثلاث جميعا لكتابة المدى الإيجابي الذي هو أوسع هذه المديات الثلاثة. ونفرق هنا عمدا بين اصطلاحي النغمة واللحن، فأما النغمة فنقصد بها تنغيم المقطع الواحد في عموم المجموعة الكلامية، فتوصف هذه النغمة بأنها صاعدة، أو هابطة أوثابتة، ونقصد باللحن مجموع النغمات التي في المجموعة الكلامية، أي الترتيب الأفقي للنغمات، التي يشتمل النموذج، أو الميزان عليها مع نظرة خاصة إلى النغمة المنبورة الأخيرة من هذا الترتيب، فالميزان إذا أعم من اللحن والمدى، ويشملهما جميعا في الفهم. ولا يجب أن يفهم القارئ الاصطلاحات "إيجابي" و"نسبي"، و"سلبي" بمعناها في المعجم، فالاصطلاحات بطاقات لمدلولاتها العلمية، التي لا تتطابق كثيرًا مع المعنى المعجمي العام، ويستعمل المدى الإيجابي في الكلام الذي تصحبه عاطفة مثيرة. ولتحديد هذا تحديدًا أكثر ضبطًا نقول: إن الكلام بهذا المدى تصحبه إثارة أقوى للأوتار الصوتية، بإخراج كمية أكبر من الهواء الرئوي، باستعمال نشاط أشد في حركة الحجاب الحاجز. وهذا أكثر ضبطا من استعمال تعريف مبني على الدراسات النفسية؛ لأن علم النفس.

стр. 175

باعتباره علما مساعدا من أقل العلوم فائدة في الدراسات اللغوية. ويستعمل المدى النسبي في الكلام غير العاطفي، وتفهم سعة المدى وضيقه في محدودية المدى التنغيمي العام في اللغة المدروسة، أي المدى الذي بين أعلى، وأخفض نغمة كلامية تستعمل في المحادثة وذلك؛ لأنه ليس هناك سعة مطلقة وضيق مطلق، بل كل شيء في هذا المجال نسبي: وأما المدى السلبي فيستعمل الكلام الذي تصحبه عاطفة تهبط بالنشاط الجسمي العام كالحزن مثلا. وأما كتابة النغمات نفسها، فكما يأتي: ولعل القارئ لا يحتاج إلى النص على أن النغمة الهاطبة، والصاعدة لا بد أن تصاحب النبر في المقطع، أما النغمة الثابتة فقد تكون في مقطع منبور، أو غير منبور، كما لا يمكن رؤية ذلك في الأمثلة الورادة.

стр. 176

لقد تكلمنا من قبل في توضيح المعنى الاصطلاحي للمجموعة الكلامية، وقلنا: إنها سلسلة من الأصوات اللغوية المتصلة في نفس واحد واقعة بين سكتين، وهي بهذا التحديد قد تكون جملة أو كلمة، ونريد الآن أن نتكلم عن اصطلاح آخر، هو المجموعة المعنوية، يعلم القارئ أنه في إلقاء جملة شرطية، يستطيع المرء أن يقسم هذه الجملة على تنفسين، يتكلم في أولهما فعل الشرط، وفي الثاني جوابه وجزاءه، ويمكن أني فعل ذلك في الجملة المصدرة بأما، وفي الجملة الطويلة التي لا يمكن أن تقال جميعها في تنفس واحد، يقسم المرء الجملة إلى أجزاء يقول كلا منها في تنفس مستقل، وعادة تقطيع الجملة عادة ضرورية في المسرح، يزاولها الممثلون على يد المخرج قبل التمثيل الفعلي. وفي كل جملة مقسمة على هذا النمط، يعتبر كل جزء منها مجموعة كلامية مستقلة؛ لأنه يقع بين سكتين، ولكن هذه المجموعات الكلامية مترابطة من جهة المعنى، وقد لا يقوم كل منها مستقلا عن المجموعات الأخرى، دون أن يكون ذلك على حساب المعنى، تصور مثلا أنك اكتفيت بجملة الشرط عن جوابه، أو بما بعد فائها الواقعة في الجواب، أو بالمبتدأ الموصوف بصله عن خبره الجملة ألا يكون كل ذلك نقصا في المعنى؟ إن المجموعات الكلامية المترابطة من جهة المعنى بهذه الصورة، تكون في مجموعها مجموعة معنوية، فالمجموعة المعنوية إذا اصطلاح لغوي عام، والمجموعة الكلامية اصطلاح أصواتي معناه يتصل بالدراسات الطبيعية التي منها التنفس، وقد تكون المجموعة الكلامية مجموعة معنوية، كما في محمد قائم، إذا تمت الإفادة، وقد لا تكون، كما في إن قام محمد؛ لأن الإفادة لا تتم عند هذا الحد، برغم كون إن قام محمد مجموعة كلامية. تخلص من هذا بأن الكلام قد يتم، فيكون مجموعة معنوية، وهو في نفس الوقت مجموعة أو مجموعات كلامية، ولا بد للمجموعة المعنوية من أن تنتهي بنغمة هابطة في التقرير والطلب، والاستفهام غير المبدوء بهل والهمزة، أما في الاستفهام المبدوء بهل والهمزة، وفي المجموعة الكلامية التي لم يتم بها المعنى، فالنغمة النهائية

стр. 177

صاعدة أو ثابته، أعلى مما قبلها، هذه قاعدة عامة نقدمها بين يدي دراسة النماذج التنغيمية المختلفة. أما ترقيم التنغيم فكترقيم الكتابة، وتحمل العلامة فيه من الكتابة محل الشهيق لاسترجاع النفس من الكلام، وكلما جاءت سكتة وجب وجود علامة ترقيمية. وفي التنغيم علامتان ترقيميتان، إحداهما خط رأسي واحد، ليدل على وقفة مع عدم تمام الكلام، وثانيتهما خطان رأسيان، ليدلا على تمامه. ويستعمل النموذج الإيجابي الهابط في تأكيد الإثبات، كقولك في جواب من أنكر أنه هو الذي قام بفعل معين: أنت فعلت هذا أي لا غيرك، أو ادعى أنه فعل شيئا غيره أنت فعلت هذا، أي لا الآخر يجعل النبر، والتأكيد في الجملة الأولى على الضمير، وفي الثانية على اسم الإشارة، مؤكدا النبر في الحالتين وهابطا بالنغمة المنبورة من أقصى علو المدى، ويستعمل أيضا في تأكيد الاستفهام بكيف وأين، ومتى وبقية الأدوات فيما عدا هل والهمزة، أما إذا كان الاستفهام بهل أو الهمزة، فإن النموذج المستعمل في التنغيم هو الإيجابي الصاعد. وللإثبات غير المؤكد يستعمل النسبي الهابط، ومن ذلك التحية والكلام التام، وتفصيل المعدودات والنداء، وما عبر به عن فكرة مكملة لكلام سابق مباشرة كما في "لقد قابلت أخاك ... على دراجته"، والاستفهام بغير هل والهمزة، أما إذا كان الاستفهام بهل والهمزة، أو بلا أداة أبدا، فالمستعمل النسبي الصاعد. ويستعمل السلبي الهابط في تعبيرات التسليم بالأمر، نحو لا حول ولا قوة إلا بالله، وعبارات الأسف والتحسر، وكل ذلك مع خفض الصوت، فإذا كان الكلام تمنيا أو عتبا، فالمستعمل السلبي الصاعد المنتهي بنفحة ثابتة أعلى مما قبلها. والفرق بين الثلاثة مديات "الإيجابي والنسبي والسلبي"، فرق في علو الصوت وانخفاضه، فالإيجابي أعلاها، والسلبي أخفضها وبينهما النسبي. وكم أجد في نفسي أمنية حارة أن ينظم المجمع اللغوي دراسات للتنغيم، تنتهي بخلق مستوى صوابي موحد للقراء، والإلقاء في البلاد العربية كلها، حتى لا تكون. العربية الفصحى خاضعة في كل إقليم للعادات النطقية العامية، وحتى لا يجد العربي غرابة في إلقاء أخيه العربي، فيكون أقدر على فهمه.

стр. 178

منهج الصرف: المورفيم: بعد أن انتهينا من شرح العناصر الصغرى، التي يتكون منها الكلام تحت عنوان الأصوات، وشرحنا علاقاتها وسلكناها في نظام خاص أو نظم خاصة تحت عنوان التشكيل، ونريد الآن أن نتناول بالتحليل عناصر آخر أكبر من هذه، تحت عنوان آخر هو الصرف، أو البنية، أو ما يطلق عليه الأوربيون "Morphology". ومن طبيعة هذه الدراسة أن تتناول الناحية الشكلية التركيبية للصيغ، والموازين الصرفية، وعلاقتها التصريفية من ناحية، والاشتقاقية من ناحية أخرى، ثم تتناول ما يتصل بها من ملحقات، سواء كانت هذه الملحقات صدورًا، أو أحشاء، أو أعجازًا. ويدور على الألسنة اصطلاح هام في الدراسة الصرفية، هو الوحدة الصرفية، أو المورفيم "morpheme"، يغمض المراد به على كثير من الباحثين في اللغة، حتى ليخلطون في تفسيره وتطبيقه خلطا كبيرا، ولعل ممن وضحوا المعنى التقليدي لهذا الاصطلاح فندريس Vendryes ١. فالمورفيمات في اعتباره عناصر صرفية، وترتبط بين الأفكار التي يتكون منها المعنى العام للجملة، وهذه الأفكار واضحة في السيمانتيمات "Semanteme"، أو نواة المعنى المعجمي. ورأيه في ذلك أن الجملة تحتوي نوعين من العناصر؛ تعبيرات عن أفكار، وعلامات على الارتباط بين هذه التعبيرات، فإذا قلنا: "الحصان يجري"، كان لنا فكرتان: الحصان، والجري، ثم نوحد بين الفكرتين في الجملة المذكورة؛

стр. 179

ونحن نفكر دائما في صورة جمل، ونفرض أن العملية الذهنية التي تربط بين عناصر الجملة، تتم في العقل مع العملية التي تربط بين الفاعل، والفعل في حدود معينة. هذه الذهنية التي يفرضها الاستعمال اللغوي تشمل عملين متعاقبين، التحليل والتركيب، وفي الأول يميز الذهن بين بعض العناصر التي تربط الصورة العامة بينها، وفي الثاني يوحد الذهن بينها من جديد، ليكون منها صورة نطقية. هذه العملية الثانية هي التي تهم علماء اللغة؛ لأن اختلاف اللغات ينبني على اختلاف هذه العلمية في الأذهان. دعنا نفرض إذا أن العقول الإنسانية المختلفة، تجرب أثرا نظريا متحدا للحصان الجاري، وتحلل بنفس الطريقة تلك العناصر التي تكون الصورة، وتنشئ نفس العلامة بين الحصان وبين الجري، إذا تم هذا فسيكون التعبير عن هذه العلاقة مختلفا باختلاف اللغة؛ لأن الصورة اللفظية سيتم تأليفها بطرق مختلفة. فالسيمانتيم في هذه الصورة، عنصر لغوي يعبر عن الفكرة التي في الذهن، كفكرة الحصان، وفكرة الجري، والمورفيم هو العنصر الذي يعبر عن العلاقة بين هذه الأفكار، ففكرة الجري ترتبط هنا ارتباطا عاما بالحصان، عبر عنه بصيغة الغائب، فالمورفيمات تعتبر عن العلاقات بين السيمانتيمات، وهذه الأخيرة عناصر موضوعية من الأفكار، فالمورفيم في عمومه عنصر أصواتي "صوت أو مقطع أو عدة مقاطع"، يدل على العلاقات بين الأفكار في الجملة. ويورد مثالا من اللغة العربية الفصحى، هو زيد يقتل، ليدل على أنه من غير المهم أن يكون المورفيم متصرفا أو غير متصرف، فيقول: أن هذا المثال إذا أريد به أن يدل على الاستمرار في الماضي، فإن فعلا ماضيا يجب أن يسبق هذا الفعل المضارع، ويتم التصريف في كليهما على النحو الآتي: كنت أقتل، كنت تقتل، كنت تقتلين، كان يقتل، كانت تقتل، وهلم جرا.

стр. 180

ويقول: إن هاتين الصيغتين تحسان دائما صيغة واحدة، حتى لو توسط اسم بينهما، كما في "كان زيد يقتل"، وأولاهما مورفيم بسيط، أما الثانية فسيمانتيم؛ لأن الأولى تدل على علاقة، والثانية تدل على فكرة. أما في اصطلاح هذا الكتاب، فيجري التفريق بين كلمات ثلاث يتصل بعضها ببعض، أولاها "باب"، والثانية "مورفيم"، والثالثة "علامة". ١- "الباب" اصطلاح من علم اللغة العام، له معنى العموم لا الشمول. وهو، إذا صح أن نستعمل اصطلاحًا دي سوسور، يستعمل بالنسبة إلى اللغة المعينة، ثم هو وسيلة تقسيمية، لا يمكن التعبير عنها على النمط الوجودي، فلا ننسب له وجودًا خارجيا، ويمكن إنشاء نظام من الأبواب في اللغة، يعبر عن كل باب منه مورفيم معين. ٢- والمورفيم اصطلاح تركيبي بنائي، لا يعالج علاجا ذهنيا غير شكلي، إنه ليس عنصرًا صرفيًّا، ولكنه وحدة صرفية في نظام من المورفيمات المتكاملة الوظيفية، وكل نظام من المورفيات، له علاقة بنظام الأبواب، لا يمكن في اللغة العربية أن يعبر عنها، كالتعبير عن علاقة واحد إلى واحد، أي أنه لا يلزم أن يقابل كل باب في نظام الأبواب، مورفيم في نظام المورفيمات، وربما كان ذلك ممكنا في اللغة التركية مثلا، وكل كلمة طائفة من المورفيمات المتراصة، أي طائفة من الوحدات من نظام مورفيمي، لا يمكن دائما أن نعبر عنه علامات وعناصر صرفية. ٣- والعلامة هي العنصر الذي يعبر عن المورفيم تعبيرا شكليا، وتوجد في النطق، وهي إما أن تكون عنصرا أبجديا، أو فوق الأبجدي، بمعنى أنها تكون في شلكها كمية، أو نبرًا أو تنغيما، ويعبر عنها إما إيجابيا بوجودها، أو سلبيا بعدمه، إذ ربما يكون هناك ما يسمى "العلامة صفر"، أو الصيغ الصرفية، وحركات الإعراب، والإلحاقات، وهلم جرا تكون نظاما من العلامات لنظام من المورفيمات، يعبر عن نظام من الأبواب، يتكون منه الصرف والنحو
следующие страницы →