← Язык

Язык · id 11540

مناهج البحث في اللغة

تمام حسان

Полный текст (289 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فلا تدعه يعرف السبب الذي من أجله، تطلب إليه أن ينطق هذا المثال أو ذاك. ولا تقل له: إنني أريد أن أرى من نطقك، التي طلبته منك أن أرى ما إذا كان الصوت الفلاني مفخما، أو مرققا في هذا المثال؛ لأن ذلك يجعله يضطرب في تحديد القيمة الصوتية الصحيحة لهذا الصوت، فإما أن يبالغ في التفخيم، وإما أن يبالغ في الترقيق، وإما أن يتوسط بينهما على حساب القيمة الصحيحة للصوت، وبعبارة أخرى سيقوده هذا إلى الوعي بنطقه؛ والوعي بالنطق أول مراحل التلجلج. وليس من المفيد أيضا، أن تواجهه بالاستفهام عن أحد احتمالين لا ثالث لهما؛ كأن تقول له: أفي هذا الموضع حركة أم سكون، فربما كان هذا موضعا من مواضع القلقة التي لا هي بالحركة ولا بالسكون، وخير ما يفعل في هذه الحالة -إذا أمكن- أن تكتب الكلمة بالأبجدية، التي تكتب بها اللهجة، وتسأل مساعدك أن ينطقها لك، وأنت تلاحظ بعد ذلك كيف ينطق، فإن كان غير كاتب ولا قارئ، أو لم تكن للهجته أبجدية تكتب بها، فاسأله عن الكلمة التي يطلقها على المعنى الفلاني، على أن تكون هذه هي الكلمة التي تبحث عنها. فجوابه لك حينئذ يكون بنطق الكلمة نطقا صحيحا، تستطيع -إذا أردت- أن تطلب إليه أن يعيده قدر ما تشاء. والميزة التي تمتاز بها الملاحظة على الطرق الميكانيكية في البحث، تكمن في أن الأذن الإنسانية أكثر الآلات ضبطا للاستخدام في الأغراض اللغوية، زد على ذلك أن المادة التي تبحث بالأذن، إنما هي الكلام الحي نفسه، في مقابل ما يدرس على الحنك الصناعي، وهو بصمة اللسان، وما يدرس على الكيموغراف وهو التعريجات الكتابية، وما يدرس بالآشعة فوق البنفسجية، وهو صورة الجهاز النطقي في وضع ثابت معين. واستخراج الحقائق من الملاحظة استخراج مباشر، ومن الآلات غير مباشر. ولعل طريقة واحدة من طرق الملاحظة، قد نجحت في التغلب على عامل التوقيت بخلق دوام من نوع معين للنطق، تلك هي طريقة تسجيل الصوت تسجيلا يجعله في المتناول كلما أريد سماعه، فهو يسمع حينذاك بكل خصائصه التي فيه دون أن يتأثر القرص بالعوامل الخارجية، عضلية كانت أو نفسية كما يتأثر المتكلم.

стр. 72

تسجيل الصوت: يعتبر التسجيل، كما أشرنا من قبل، توسيعًا لمدى الملاحظة بإدخال عنصر الدوام على النطق، وهذا الدوام استمرا بالقوة١ للنطق، حتى تبدأ إدارة الإسطوانة، فيصير استمرارا بالفعل، وذلك؛ لأن الأسطوانة باقية دائما ومدارة أحيانا، ومثل ذلك يقال عن الشريط، ووسائل التسجيل الأخرى، وتمكن الإعادة غير المحدودة العدد، لنطق خاص على الأسطوانة برفع ذراع الإبرة عن المكان، الذي ينتهي فيه النطق، ووضعها ثانية في المكان الذي بدأ فيه، ويستطيع الطالب أن يتقن هذه العملية إتقانا لا حد له، وتعتبر الأسطوانة، من بين وسائل التسجيل الأخرى، أحسن وسط لحفظ أكبر عدد ممكن من ملامح الصوت المختلفة، وإعطائها لأذن السامع، ولكن التسجيل بصفة عامة لا يمكن أن يقارن بالصوت الحقيقي الصادر عن الجهاز الإنساني، ولا سيما إذا كان المقام مقام بحث أصواتي لغوي، وذلك لسببين: أولهما أن الصوت الإنساني الحي أوضح في قيمته من تسجيله الذي على الأسطوانة، وأن هذا التسجيل ليس إلا تقليدًا غير مطابق تماما للأصل، وثانيهما أن التسجيل المسموع يعطي الطالب فرصة السماع فحسب، وأما الصوت الحي فللأذن فيه فرصة السماع، وللعين فرصة الرؤبة، إذ يلاحظ الباحث حركات شفتي المساعد، ولسانه وفكه الأسفل، وكل ما تصل إليه عينه من أعضاء نطق المساعد. وإن عدم ملاحظة هذه الحركات في الأسطوانة المسموعة، يجعلها أحط بكثير من الصوت الطبيعي، ومما يؤخذ على التسجيل إذا قارناه بالصوت الحي، أن الطالب إذا سجل على أسطوانته أصواتا غير واضحة -وكثير ما هي- فإنه لا يستطيع أن يحصل من الأسطوانة على توضيح كاف لهذا الغموض، حتى ولو أدار هذا النطق على الأسطوانة آلاف المرات، أما إذا جاءك مساعدك أحيانا بصوت غير واضح، فإنك ستستوضحه، وسيوضح لك ما غمض في نطقه الأول.

стр. 73

والتسجيلات هي الوسائل الوحيدة "تقريبا"، التي يمكن أن تختبر بها دقة نتائج الملاحظة، أو عدمها في نواح كثير في علم الأصوات اللغوية، مثل قيم الأصوات العلية، والتنغيم، والنبر، وهلم جرا، ففي غياب مساعد البحث لا يمكن استقصاء هذه الملامح اللغوية بواسطة أية وسيلة آلية، إلا وسيلة التسجيل، وهذا ما يعطي التسجيل قيمة بين وسائل البحث الآلية، لا تشاركه فيها وسيلة آخرى. ومن المهم جدا أن يكون الطالب حذرا في اختيار المادة، التي يسجلها على الأسطوانات لأغراض البحث اللغوي؛ لأن المفروض في هذه المادة أن تخدم أغراضا معينة في العمل، ويتطلب موضوع ما في دراسته مادة تختلف عما يتطلبه موضوع آخر، فطالب الأنثروبولوجيا مثلا، قد يسجل من مادة اللغة ما يسجله طالب الأصوات، أو طالب التشكيل الصوتي، أو طال النحو أو الصرف، ولكن هذا ليس ضروريا؛ لأن طالب الأنثروبولوجيا لا تهمه قوائم الكلمات، ولا جداول التصريف، كما تهم الطلاب الآخرين المذكورين؛ بل يهتم في الغالب بالفقرات، والقطع الكاملة التي تتضح بها ظاهرة أنثروبولوجية معينة. أما مادة التسجيل لطالب الأصوات، فإنها تشتمل على ما يأتي: ١- قوائم معدة من الكلمات التي تشرح المقارنة بينها ظاهرة نطقية معينة. ٢- قصص معدة قبل التسجيل. ٣- قصص مرتجلة، وسيصادف الطالب كثيرا من هذه في منطقة اللهجة. ٤- محادثات وديالوجات، وما أشبه ذلك من أنواع الحوار، وما يعده الطالب من هذه المادة قبل التسجيل يتطلب مقدرة خاصة على الاختيار، ونفوذ النظرة في العمل، وفي التنبؤ بالأمثلة التي سيختارها حين كتابة مؤلفه عن اللهجة المدروسة.

стр. 74

البلاتوغرافيا: أو تكنيك الحنك الصناعي: يقول فيرث: "لقد استعملت البلاتوغرافيا منذ طليعة التجارب، التي قام بها روسيلو"١، ومع أن هذه الطريقة من طرق البحث، قد بدأت باستعمال بصمات أصوات، ثم نطقها منفردة خارج بيئة الكلمة، إلا أن هذه البصمات لا ينظر إليها نظرة ثقة في الوقت الحاضر؛ لأن اللغة إنما تنبني من النطق الكامل، لا من نطق الأصوات المستخرجة من بيئتها الطبيعية، ومن نتائج هذه النظرة إلى البلاتوغرافيا، أن أصبح طالب اللغة الآن يقوم بالتجارب على بصمات للأصوات في الكلمات التامة، أو في الجملة، حين توجد الجملة المناسبة، وهذه البصمات على نوعين: ١- أمثلة تختار بحيث يكون واحد فحسب من أصواتها المكونة لها، صالحا لإنتاج بصمة على الحنك الصناعي، ويمكن أن نسمي هذا النوع: وحيد البصمة "انظر البصمات من ١ إلى ١٦". ٢- أمثلة تختار بحيث يكون أكثر من واحد من أصواتها صالحا لمثل هذا، بشرط ألا تتداخل مناطق البصمات للأصوات المختلفة في المثال، ويمكن أن نحصل من هذا النوع على أمثلة ذات بصمات ثلاث، لا يتداخل بعضها مع بعض، ومن ذلك المثال العددي ضروك، ففي هذا المثال تقع بصمة الضاد العدنية على ما يقابل أطراف الثنايا من الحنك الصناعي "dental articulation"؛ لأن الضاد العدنية يخرج فيها اللسان، وأما الراء التي تجاور صوت علة متأخر ضيق "أحد أصوات الضمة أو واو المد"، فإن بصمة اللسان على الحنك الصناعي معها، إنما تقع في منطقة مقدم الغار، ومؤخر اللثة "post-alveolar'، وأما بصمة الكاف في هذا المثال، وقد

стр. 75

سبقها صوت العلة المذكور، فإنها تقع في الزوايا الخلفية التي في نهاية الحنك "post-palatal"، ويسمى هذى النوع متعدد البصمة، "انظر البصمات من٧ إلى ١٢". واختيار النوع الأول من هذه الأمثلة أسهل بكثير من اختيار النوع الثاني؛ وهذا النوع الأول يوجد بكثرة ضخمة في الكلمات العربية، فلاختيار أي مثال من هذا النوع ينظر الطالب في الكلمة؛ فإذا وجد فيها أكثر من صوت واحد، ينطق باللسان، فليدعها، فإن وجد فيها صوتا واحدا، مما يتحرك اللسان في نطقه فليخترها، ومن هذا النوع عرب، حلف، شمم، مزح، مرح، مسح، أولم، أوفد، أبرعن أبأس، أحفر، عمر، رحمة، ملام، وهلم جرا. بعد أن يجمع الطالب الأمثلة، التي سيجري بها تجارب البلاتوغرافيا، ويكون قد جمعها طبقا للمسألة التي يريد بحثها بواسطة هذه الأمثلة، يأتي بالمساعد ويعد له الحنك الصناعي، فيلصقه بسقف فمه مثبتا من أطرافه في أسنانه العليا، بعد أن يكون قد نطفه بالزيت، ورش عليه الطباشير الفرنسي، ثم نفض فائضه عنه. حينئذ ينطق المساعد الكلمة وحيدة البصمة مثلًا، فلا يتصل لسانه بالحنك الصناعي إلا في صوت واحد من أصواتها، وحينما يتصل اللسان بالحنك الصناعي، يترك عليه بصمة يتلاشى الطباشير بها، ويظهر سواد الحنك الصناعي بدل بياض الطباشير، ثم يخرج الحنك الصناعي من الفم بحذر، دون أن يسمح للأصابع أن تترك به بصمات، وسيرى الطالب حينئذ موقع اللسان على الحنك الصناعي، فيستطيع أن يعلق على النطق في هذا المثال، أو على نطق الصوت في الموقع المذكور، ولذكر حدود البصمات مضبوطة، رأى القائمون بهذه التجارب، أن يقسموا الحنك الصناعي إلى مناطق، كما هو موضح بالرسم المصاحب، ليستطيع الطالب أن يصف البصمة باستعمال أسماء هذه المناطق لمن لم ير البصمة نفسها.

стр. 76

ولا يجب أن ننسى حصر المواقع الممكنة في الكلمة العربية هنا، وإن كان ذلك من دراسة التشكيل الصوتي، لا من دراسة الأصوات، هذه المواقع هي: ١- البداية، كموقع الكاف من كتب. ٢- ما كان بين علتين، كموقع التاء من كتب. ٣- المشدد في الوسط، كموقع اللام المشدد من علم. ٤- ما كان ساكنا في الوسط، كموقع البين من معلوم.

стр. 77

٥- ما كان متحركا في الوسط، كموقع اللام من معلوم. ٦- ما كان قبل الآخر في المجموعة الكلامية، كموقع الجيم من استخرجت. ٧- الساكن المفرد في الآخر، كموقع الباء من اضرب. ٨- الساكن المشدد في الآخر، كموقع اللام المشددة من استقل. فلكل موقع من هذه المواقع بصمته الخاصة، وجهره الخاص، ومدته النطقية الخاصة، "بقطع النظر عن الكمية التي هي اصطلاح تشكيلي لا أصواتي". ويجب أن يعلم الطالب تمام العلم، مدى توضيح البلاتوغرافيا لمشكلات النطق؛ فلا يتطلب منها ما لا تستطيع البصمة أن تجيب عليه، فإذا أراد الطالب أن يحتفظ بهذه البصمة لمقارنتها بغيرها في المستقبل، فلذلك إحدى طريقتين؛ أولاهما أن يصورها صورة شمسية، وثانيتهما أن يضعها في عاكس ضوئي يعكس صورتها على لوح زجاجي، فيستطيع الطالب حينئذ أن يضع على الصورة المعكوسة، شريطا من الورق الشفاف بعرض طول الصورة، ويشف الصورة على مبدأ هذا الشريط، ويكتب التاريخ، وهجاء الكلمة بالكتابة الأصواتية تحت الصورة، ثم يعيد التجربة على نفس المثال في تاريخ آخر، ويشف الصورة الثانية على نفس الشريط بجانب الأولى، فاعلًا معها ما فعل بالأولى، ويكرر ذلك، ثم يقارن الصور كلها في تاريخ لاحق، ليستنتج منها ما يستحق الملاحظة والتسجيل، وكل بصمة من هذه البصمات يجب أن تفهم باعتبارها نوعية فحسب "Typological". والسبب الذي يدعونا إلى القول بنوعيتها، هو أننا لا نجد بصمتين لنطق واحد تتفقان في كل التفاصيل، فقد تكونان متشابهتين بقرب، فتوضعان في قسم نوعي معين. ولكنهما، كما قلنا: لا تتفقان تمام الاتفاق. فإذا أخذنا بصمات لصوت في بيئته الكلامية غير منعزل، ولا مأخوذ على حدة، وبحثنا سلوكه في المواقع المختلفة، لكل موقع مثاله، وكررنا البصمات لكل مثال معين، فقد رأينا صورة لها بعض الوضوح عن بلاتوغرافيا هذا الصوت المعين، وقد تكون البصمتان للصوت الواحد مختلفتين من الناحية النوعية، إذا

стр. 78

كانت كل منهما خاصة بموقع من المواقع الثمانية المذكورة، غير موقع البصمة الأخرى؛ لأن المواقع كما قلنا: تؤثر في النطق آثارا مختلفة. لعل القارئ قد أخذ فكرة واضحة عن وظيفة هذه البصمات في البحث، فهي تستعمل في المقارنات النطقية بين الأصوات المختلفة، ومن المواقع المختلفة للصوت الواحد أيضًا، وهي تستعمل كذلك لبيان الخطأ، الذي يقع فيه بعض الباحثين، كأن يفهموا من القول بأن الصوت الفلاني مخرجه كذا، أن هذا المخرج، ثابت في كل الحالات والظروف؛ فلكل نطق صفاته الخاصة، التي يمكن إدراكها من شكل البصمة وحجمها، ويجب أن تكون الأثملة المقارنة مما تجوز مقارنته، وشروط المقارنة بين شيئين أن يتفقا في الكثير، ويختلفا في القليل من صفاتهما؛ أيا كان هذان الشيئان. فإذا أردت أن تقارن المواقع المختلفة للصوت الواحد، فقارن بصماتها المأخوذة في نفس التاريخ، مثال ذلك بصمة التاء في تاب، وكتب وبات، وأما إذا أردت أن تقارن البصمات المأخوذة لمثال من هذه بعينه، فقارن ما أخذ له من بصمات في تواريخ مختلفة، مثال ذلك أن تقارن بصمات التاء في تاب في أيام مختلفة. فاختلاف المثال لا يتعارض مع وحدة الحالة العضوية، والنفسية المفهومة من وحدة الزمن الذي تنطق فيه الأمثلة، ولكن المثال حين يتحد يتطلب اختلاف هذه الحالة بالمخالفة بين أزمنة نطقه، ليظهر الخلاف في البصمات، إذا كان هناك خلاف. وخير الأمثلة التي تختار لهذه التجارب، كما رأيت في بحوثي هي تلك الأمثلة ذات أصوات العلة الواسعة "أي التي يتسع الفم في نطقها كأصوات الفتحة"؛ لأن الاتصال الجانبي بين اللسان، وبين الحنك الصناعي في نطق هذه الأصوات أقل بكثير منه مع أصوات العلة الضيقة، "أي التي يضيق الفم في نطقها كأصوات الكسرة والضمة"، ومن ثم كانت البصمة الجانبية للنوع الأول، غير متدخلة في تحديد بصمة الصوت الصحيح، بعكس البصمة الجانبية للنوع الثاني. "قارن البصمات من ١٣ إلى ١٨".

стр. 79

وقوة النطق، وضعفه مما تمكن دراسته عن طريق البلاتوغرافيا، وخير ما تفهم القوة والضعف، إنما يكن في الحركات العضوية للنطق، وقوة اللسان "أو قل: ضغطه" في نطق أي صوت، على الحنك الصناعي ستظهر في شكل بصمة واسعة بالنسبة لبصمة النطق الضعيف. وفي الحق أن اختلاف القوة يظهر في اختلاف سعة البصمة الجانبية، كما يظهر في بصمة المخرج، التي تظهر على خط الوسط "راجع The Palatogram fluger ص٧٥"، وهذه البصمة الجانبية، هي السبب الذي من أجله وصفنا أصوات العلة الضعيفة بالتدخل في بمصمة الصوت الصحيح؛ لأن أصوات العلة الضيقة ذات بصمة جانبية، لا يمكن تجاهلها في دراسة البلاتوغرافيا، وإن بصماتها لتبدو واسعة بقدر كاف، حتى في النطق الضعيف، "قارن بصمات الكاف العدنية مع أصوات العلة المختلفة في البصمات من ١٩ إلى ٢٤". ولقد حاولت حين دراستي للهجة عدن، أن أدرس عن طريق البلاتوغرافيا ظاهرة السعة، والضيق في أصوات حرف العلة الواحد، كالفتحة والكسرة والضمة، والحرفين الآخرين اللذين أطلقت عليهما الرفعة والخفضة، وهما يكتبان في الكتابة الأصواتية بالرمزين e، o على التعاقب. ولقد اخترت الأمثلة لهذا الغرض بقدر الإمكان، بحيث تكون كل أصواتها الصحيحة، من النوع الذي لا يترك بصمة على الحنك الصناعي، وجعلتها جميعا على وزن قال الساكنة اللام، وجعلت الصوت الأخير في جميعها واحدًا، واخترت الأول في كل مثال من مجموعة من المجموعات التشكيلية السبعة، التي ترتتب بحسب تفخيمها، وترقيقها على النحو الآتي: المجموعة الأولى: س ص ط. المجموعة الثانية: خ غ ق. المجموعة الثالثة: ب ف وم. المجموعة الرابعة: ء هـ ع ح.

стр. 80

المجموعة الخامسة: ن ول. المجموعة السادسة: ت د س ز. المجموعة السابعة: ش ج ك ي. فاخترت الأمثلة الآتية: صاب - خاب - باب - عبا - ناب - داب - شاب. لدراسة السعة والضيق، في الفتحة الطويلة اللذين يتناسبان مع التفخيم والترقيق طردًا وعكسًا، وقد أردت بذلك أن أرى ما إذا كان صوت العلة يختلف في السعة، والضيق باختلاف المجموعات السبع، كما يختلف باختلافها من ناحية القيمة الأصواتية، التي يطلق عليها اصطلاح التفخيم أم لا، أو بعبارة أخرى لأرى ما إذا كان هناك تطابق بين السعة والضيق، وبين التفخيم والترقيق في أصوات العلة مع هذه المجموعات السبع، وذلك؛ لأن من المعلوم أن القيمة الأصواتية التفخيمية، أو الترقيقية ترتبط بوضع اللسان في أثناء النطق، ومن المتحمل جدا أن هذا الوضع يرتبط بمساحة البصمة "قارن البصمات من ٢٥ - ٣٠". وليست البصمات نطقا ولا يجب أن تعامل كذلك؛ ولكن الرابطة الوحيدة بينها، وبين النطق أن الخلاف بين بصمة وبصمة يتفق مع الخلاف بين نطق، ونطق، ولذلك صح من الناحية الفنية أن تتخذ هذه البصمات وسيلة من وسائل العمل، "وكذلك كل وسيلة آلية من وسائل البحث، إذ تستخدم في اختبار النطق الكرر، ليست إلا توسيعا لمدى الآلية العضوية في الإنسان، أو حاسة إضافية، إن صح هذا التعبير، وتستطيع فقط أن تكشف على استنتاجاتها من المنطق، ويحدث ذلك دائما في ظل محدودية الآلة١". وأحد مظاهر محدودية البلاتوغرافيا، أنها لا تستطيع أن تخضع للبحث كل الأصوات الصحيحة؛ فليس لبعض هذه الأصوات بصمة، مثل الباء والميم والواو.

стр. 81

والفاء والحاء والعين والهمزة، والهاء وهلم جرا، وفي الحقيقة أن الأصوات الصححية التي تنطق بمقدم اللسان فحسب، هي التي يمكن أن تدرس عن طريق هذا التكنيك، ومن مظاهر محدوديتها أيضا، أنك لا تستطيع أن تختار كل نسق متتابع من الأصوات الصحيحة في الكلمة، لتدرس بصماته عن هذا الطريق؛ لأن كلمة مثل "تبدو" مثلا تختلط فيها بصمة التاء ببصمة الدال؛ لأنهما من مخرج واحد، ولا يستطاع حينئذ دراسة أيهما، وحسبك أن تنظر إلى البصمات ٣١ -٣٦ لترى مبلغ تداخل النطق، حتى لا يمكن استنتاج أي شيء من البصمة.

стр. 82

الكيموغرافيا: أو تكنيك التعرجات الذبذبية: لقد كان للكيموغرافيا تاريخها الخاص في التطور، وإدخال التحسينات عليها، سواء كان ذلك من ناحية طريقة الاستعمال، أو من ناحية شكل الآلة، "وتكنيك الكيموغرافيا الذي يستعمل الآن، ينتج خطوطًا متموجة سوداء على أرضية بيضاء، تحدث صورة أوضح، وأكثر أثرا مما كان في الماضي، وأصبح من غير الضروري، أن يتم تلميع الورق المكسو بالدخان، وهكذا استغنى عن ناحية من أكبر النواحي غير المرغوب فيها في كيموغرافيا الطريقة العادية١". ومكونات كل سطح كيموغرافي هي ما يأتي: ١- خط وهمي يمثل سلبية الإثارة، "ويمسى خط الراحة أو خط الصفر"، ويمكن أن يرسم بسن الكيموغراف على ورقة مثبتة على سطح عجلة عريضة، تسمى الطبلة تدور أمام هذا السن، ويمكن عمد الإرادة أن يهبط السن على سطح الورقة فيرسم التعريجات، أو يرتفع عنها فلا ترسم هذه التعريجات برغم دوران الطبلة، ووظيفة هذا الخط الوهمي أن مبدأ رحلة السن، يكون على أحد جانبيه، ولذلك.

стр. 83

يمثل نقطة الصفر التي يقاس منها عمق التعرج، "ويمثل هذا العمق في الواقع شدة ضغط هواء التنفس على السن". ٢- رحلة السن الكتاب يمينا، أو شمالا من هذا الخط بالنسبة إلى ضغط النفس عليه، ويصله هذا الهواء عن طريق أنبوبة من المطاط، متصلة ببوق الفم. ٣- خط متوج يمثل وجود الجهر في الصوت، فإذا انعدم الجهر انعدم التموج في الخط، وإن بعدت رحلة السن الكاتب عن الخط الوهمي، ومعنى ذلك أنه في نطق الفاء مثلا، يرسم السن خطا غير معرج "لانعدام الجهر" إلى جانب الخط الوهمي، غير منطبق عليه "لوجود ضغط التنفس الذي في الفاء"، وإذا فالرحلة موجودة، والتعرج منعدم "انظر مثال٣". وإذا قيست الرحلة بالنسبة إلى خط الصفر، أو خط الراحة، فكانت رأسية عليه تقريبا، دل ذلك على انفجار الهواء بعد حجزه عند نقطة معينة في الجهاز الصوتي، وهذا الانفجار هو المسمى الشدة، أما في الرخاوة أو التركيب أو التوسط، فلا تكون الرحلة بنفس الدرجة الرأسية؛ لأن التسريح المفاجئ للهواء حين الانفجار، يقذف بالسن الكاتب في اتجاهه بزاوية قائمة تقريبا على خط الصفر أحيانا "انظر مثال٢"، ويبتعد به عن هذا الخط إلى نقطة تتناسب مع ضغط الهواء الناتج عن الانفجار، يحدث ذلك في أصوات مثل التاء، والدال الطاء والكاف والباء، وبقية الأصوات الشداد "انظر الأمثلة ١-١٠"، وأما الخط الذي يهبط إلى مستوى خط الصفر بالتدريج، والذي يرتبط بالأصوات الرخوة، فيمكن أن يبتعد عن خط الصفر بقدر ما يبتعد الخط الناتج عن الانفجار؛ لأن القرب والبعد عن خط الصفر، يتناسب كما قلنا مع ضغط هواء النفس لا مع طريقة النطق من شدة، أو رخاوة، وهذا الضغط الذي يحدثه هواء النفس، والذي ينتج عنه بعد خط التعرج عن خط الصفر، يرتبط كذلك بقوة النطق، أو ضعفه، ولهذا فإن من رأيي أن قوة النطق، أو ضعفه يمكن أن تدرس في خطوط الكيموغرافيا أيضا، ويمكن أن تمثل لهذا بخط التعرج الدال على صوت صحيح بين صوتي علة، إذا قورن بمشدد

стр. 84

في الوسط، أو مفرد، أو مشدد "لاحظ ضعف نطق الكاف في ٦ والقاف في ٨، ٩". ومما يمكن أن يدرس في خطوط الكيموغرافيا أيضا الجهر والهمس، ويعرف ذلك عن طريق الخطوط الناتجة عن وضع بوق على الفم، أو وضع بوق على الحنجرة مباشرة "انظر الأمثلة ٤٧-٥٢، وفيها يرمز للحنجرة برمز L وللفم برمز m موضوعين على بداية الخطين"، وقد قلنا: إن وجود التعرجات في خط الكيموغرافيا دليل على وجود الجهر، والعكس صحيح، وكذلك يمكن أن تتعلم من هذا الخط ما إذا كان انفجار صوت ما تاما، أو غير تام عن طريق ملاحظة رحلة السن، وما إذا كانت مبتعدة عن خط الصفر، أو لا "انظر الأمثلة ١٠-١١". ويمكن كذلك أن ندرس الغنة في النطق، بأن نوصل الأنف بسن كاتب غير سن الفم وسن الحنجرة، ويعمل الثلاثة معا كمجموعة مترابطة بينها وحدة الزمان والمكان والنطق، ومما يلاحظ بهذه المناسبة أن أصوات العلة السابقة لصوت من أصوات النون، أو اللاحقة له تتكون دائما بلون الغنة، إذ يخرج بعض الهواء في نطقها من الأنف، وبعضه من الفم "انظر الأمثلة ٨٧-٩٠". ومرة أخرى أحب أن أؤكد أيضا أن "خط الكيموغرافيا لا يعد نطقا أكثر مما تعد كلمة، أو جملة في الهجاء الإملائي، أو أي هجاء آخر سواء كان شاملا، أو غير شامل، فهذا الخط استنباط من نوع معين تأخذه الآلة بمحدودياتها جميعا من الهواء، الذي يخرجه المتكلم١".

стр. 85

صورة الأشعة: إن الصورة الاستاتيكية الثابتة المأخوذة بالأشعة، ليست من الأسس التي تقبل بسهولة للدراسات اللغوية؛ لأنها إذا استخدمت لأغراض لغوية، فسوف تنقصها الناحية الديناميكية الحركية، التي هي خاصة من خواص النطق اللغوي. فهذه الصورة إذًا تفتقد بعض الشروط التي تؤهلها، لأن تستخدم كتكنيك لغوي ناجح، ولكنها تعطي صورة واضحة عن الأوضاع الساكنة للنطق، وإن كان هذه الأوضاع، على رغم صلتها ببعض أوضاع الأصوات اللغوية، لا تعتبر موثوقا بها في تمثيل هذه الأصوات. وربما كان من حظ الدراسات اللغوية في المستقبل، أن يستطاع استخدام صور أشعة متحركة كان بحوثها؛ ولو تم هذا لخطا بالدراسات اللغوية خطوات جبارة إلى الأمام، وتستخدم صور الأشعة الثابتة، بأن يجلس المساعد بجابنه إلى آلة التصوير، وقد اختير هذا الوضع دون الأوضاع الأخرى، لتجنب إخفاء عضو لعضو آخر في الصورة، إلا ما لا يمكن تجنبه كإخفاء الأضراس، وبعض الأسنان للسان، ويمكن الحصول على هذا الوضع الجانبي، مضبوطا بتعديل جلسة المساعد تعديلا مستمرا، حتى يقنع المصور بوضعه، كما يراه على شاشة الآلة. وإذا أخذت صورة بميل إلى اليمين، أو إلى الشمال أي دون اتخاذ وضع جانبي مثالي، فستكون النتيجة أن تظهر فجوة الحلق أضيق مما هي "قارن صورتي الميل إلى اليمين والشمال"، فإذا حصلت على الوضع المناسب، فخذ صورة في وضع راحة، ثم أطلب إلى المساعد من بعدها أن ينطق الصوت المختار، كما لو كان مشكلا بالسكون، وأن يطيل في نطقه إياه ما أسعفه النفس، وتأخذ صورة له في أثناء هذا الوضع الثابت، ثم كرر ذلك مع الأصوات المختارة الأخرى، وستحصل في النهاية على طائفة من الصور، تظهر كل منها وضعا ثابتا يلقى ضوءا على حركات نطقية معينة "انظر الصور المصاحبة لنطق بعض الأصوات العدنية". هذه الصورة على أي حال -مهما كانت ضوءًا يلقى على الحركات النطقية- تعتبر ضوءا من خارج تكتيك الدراسات اللغوية، وهي تقبل في هذه الدراسات دائما على شرط فهمها كذلك، وعلى شرط ألا تتعارض مع تكنيك لغوي آخر، كالملاحظة، أو البلاتوغرافيا.

стр. 86

الأصوات العربية: المخرج مكان النطق؛ ويمكن أن نحصر المخارج والصفات التي تستخدمها اللغة العربية الفصحى في التمييز بين أصواتها، وهذا الاستخدام للتميز، إنما يعتبر من منهج التشكيل الصوتي لا من منهج الأصوات، ولكن منذ١ الذي يستطيع أن يكتفي من العملة النقدية بأحد وجهيها عن كليهما؛ فالأصوات والتشكيل الصوتي، كما قلنا وصف ثم تقعيد للموصوف، والمعروف أن كل شيء يمكن أن يحد إيجابا وسلبا، والحد الإيجابي ذكر الماهية، والسلبي ذكر النقيض، أو بعبارة الأصوليين، والإيجابي مفهوم الموافقة، والسلبي مفهوم المخالفة، وكما أن بعض حد الشيء أنه هو نفسه، يمكن أن يقال: إن بعض حده أيضا أنه ليس هو ذلك الشيء الآخر، وهذا البعض الأخير من الحد يستخدم كثيرا باعتباره "قيمة خلافية"، ضرورية في فهم أي شيء، "فالقيم الخلافية" إذا هامة جدا في دراسة الأصوات والتشكيل الصوتي، بل لها من الأهمية ما يساوي أهمية "القيم الوفاقية"، وسنحاول بعد ذكر المخارج أن نطبق هذا الكلام، والمخارج التي نذكرها هنا تختلف إلى حد ما، عن تلك التي توجد في علم التجويد والقراءات، اختلافا اقتضاه منهج البحث الحديث، وسنشير عند كل نقطة من نقطة الخلافة بين هذه المخارج، وتلك إلى وجه النقص، الذي نراه في وجهة نظر النحاة والقراء. هذه المخارج هي: ١- شفوي Bi-labial: ويكون بتقريب المسافة بين الشفتين بضمهما، أو إقفالهما في طريق الهواء الصادر عن الرئتين. ٢- شفوي أسناني Labio ٠ dental هو نتيجة اتصال الشفة السفلى بالأسنان العليا، لتضييق مجرى الهواء. ٣- أسناني Dental: مبني على اتصال طرف اللسان بالأسنان العليا.

стр. 87

٤- أسناني لثوي Dentil - alveolar: وهو ما اتصل طرف اللسان فيه بالأسنان العليا، ومقدمة اللسان باللثة، وهي أصول الثنايا. ٥- غازي: Patatal: وهو الذي تحدث فيه صلة بين مقدم اللسان، وبين الغار "وهو الحنك الصلب الذي يلي اللثة". ٦- طبقي Velar: وهو ما نتج عن اتصال مؤخر بالطبق، "وهو الجزء الرخو الذي في مؤخرة سقف الفم"، وهذه التسمية خلقت خلقا، لتناسب أغراض البحث اللغوي، وقد أخذتها من كلمة "مطبق"، وكلمة "إطباق" بعد خلق صلة بين معاني الكلمات الثلاث: ٧- لهوي Uvalar وهو ما اتصل فيه مؤخر اللسان باللهاة، "وهي آخر جزء في مؤخر الطبق". ٨- حلقي Pharyngal: ونقصد به المخرج الناتج من تضييق الحلق، والحلق في اصطلاح هذا الكتاب، هو ما يعرف في الإنجليزية بكلمة Pharynx، ولا يشمل المنطقة التي تسمى baccal area، فهو ما بين الحنجرة وبين جذر اللسان، ويسمى في العامية "الزور". ٩- حنجري Glottal: وهو نتيجة الإفقال، أو التضييق في الأوتار الصوتية التي في قاعدة الحنجرة. ولقد خلط النحاة العرب خلطا كبيرا في تحديد هذه المخارج، وحسبك أن ترى أن ابن الجزري١، يفاضل بين الآراء المختلفة في تحديد عدد منها، وحتى إذا عد سبعة عشر مخرجا، وجدناه يسمي النون مثلا مرة زلقية؛ لأنها تخرج من زلقة اللسان، ومرة أخرى خيشومية؛ لأنها تنطق في تجويف الفم وهو الخيشوم، ومرة ثالثة يقول: إنها من طرف اللسان بينه وبين ما فوق الثنايا؛ فهو بهذا يعطي النون مخرجا خاصا حينًا، ويجمعها مع الراء واللام حينا، ويضمها إلى الميم في مخرج حينا آخر. ثم يغلط في تحديد مخارج أصوات الخاء، والغين والكاف والطاء والدال والتاء.

стр. 88

فيقول: إن صوتي الخاء والغين من أدنى الحلق إلى الفم، وراء مخرج القاف، مع أنهما من مؤخر اللسان مع الطبق أمام مخرج القاف، وهو يجعل الكاف خلف القاف، والعكس أصح، فصوت الكاف من نفس مخرج صوتي الخاء والغين، ثم هو يقول: إن الأصوات الثلاثة الأخيرة نطعية، ويقصد أنها من نطع الغار "ونسميه في هذا الكتاب الغار"، والصحيح أنها أسنانية لثوية. وأما صفات الأصوات، فيمكن النظر إليها من زوايا متعددة: ١- الطريقة التي يتم بها النطق في مخرج ما "الشدة والرخاوة والتركيب والتوسط". ٢- حدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية، وعدمه "الجهر والهمس". ٣- تحرك مؤخر اللسان، أو مقدمة تحركا ثانويا أثناء حدوث النطق في موضع آخر، "الإطباق والتغوير والتحليق". أما من الناحية الأولى فإن الهواء الخارج من الرئتين، إما أن يصادف مجراه مسدودًا سدًا تامًا عند أية نقطة في الجهاز النطقي من الأوتار الصوتية إلى الشفتين، وإما أن يصادف في طريقه تضييقا لا سدًا، وهذا التضييق يسمح للهوء بالمرور، ولكن مع الاحتكاك بنقطة التضييق. وفي الحالة الأولى، عندما ينسد مجرى الهواء انسدادًا تامًا، تحتجز كمية الهواء خلف نقطة الانسداد في حالة ضغط أعلى من ضغط الهواء الخارجي، حتى إذا انفك هذا الانسداد، وانفصل العضوان المتصلان لسد المجرى انفصالا مفاجئا، اندفع الهواء الداخلي ذو الضغط الثقيل إلى الهواء الخارجي، ذي الضغط الأخف محدثا جرسا انفجاريا، وهو عنصر مهم من عناصر نطق الأصوات الشديدة، ونقول: إنه من عناصر نطق الأصوات الشديدة؛ لأن نطق الصوت الشديد يتكون من أكثر من عنصر واحد، ويمكن أبيان ذلك بالإيضاح الآتي:

стр. 89

يحدث ذلك في الأصوات الشداد مثل الباء، والتاء، والدال، والضاد، والطاء، والقاف، والكاف، والهمزة. فإذا وجد الهواء مجراه مضيقا غير مسدود، مر في هذا المجرى محتكا بالعضوين اللذين سببا تضييقه، والأصوات التي يصحبها هذا النوع من طريقة النطق تسمى الأصوات الرخوة، وذلك مثل أصوات الثاء، والحاء، والخاء، والذال، والسين، والشين، والصاد، والظاء، والعين، والغين، والفاء. قلنا: إن انفصال العضوين اللذين يسدان مجرى الهواء في الأصوات الشداد انفصال سريع مفاجئ، والسرعة والمفاجأة، هنا شرط مهم من شروط تسمية الصوت شديدا، ولكن في أصوات اللغة العربية التي نقرأ بها القرآن في مصر واحدًا منها، لا يصحابه هذا الانفصال المفاجئ، بل يصاحبه انفصال بطيء، وفي هذا الانفصال البطيء مرحلة بين الانسداد المطلق، والانفتاح المطلق شبيهة كل الشبه بالتضييق، الذي وصفانه حين الكلام عن الأصوات الرخوة، وتأتي هذه المرحلة بعد الانفجار مباشرة، فتسمح للهواء المسبب عن الانفجار بأن يحتك بالعضوين، اللذين في طريق التباعد البطيء احتكاكا شبيها بما يصاحب الأصوات الرخوة، ومعنى ذلك أن هذا الصوت العرب، يجمع بين عنصر الشدة وعنصر الرخاوة؛ فهو مركب منهما؛ ولهذا سميناه صوتا مركبًا، ذلك هو صوت الجيم. ومن الممكن أن يمر الهواء بمجراه دون انحباس، أو احتاك من أي نوع، إما؛ لأن مجراه في الفم خال من المعوقات، كما في صوتي الواو والياء، وإما؛ لأن مجراه في الفم يتجنب المرور بنطقة السد أو التضييق، كما في صوت اللام، وإما؛ لأن هذا التضييق غير ذي استقرار على حاله، كما في صوت الراء، أو؛ لأن الهواء لا يمر بالفم وإنما يمر بالأنف، كما في أصواتي الميم والنون، وكل هذه الطائفة من الأصوات تسمى الأصوات المتوسطة؛ لأنها ليست شديدة ولا رخوة. إذا يجتمع لنا من الأنواع والأصوات بالنسبة لطريقة النطق في مخرج ما أربعة: ١- الصوت الشديد.

стр. 90

٢- الصوت الرخو. ٣- الصوت المركب. ٤- الصوت المتوسط. وأما بالنسبة لحدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية تصاحب نطق الصوت، أو عدم وجود هذه الذبذبة، فيمكن تقسيم الأصوات إلى قسمين: ١- المجهور، وهو الصوت الذي تصحب نقطة ذبذبة في الأوتار الصوتية. ٢- المهموس، وهو ما لا يصحب نقطة هذه الذبذبة. فالجهر والهمس ناحيتان تختلف فيهما الأصوات وتتقابل، حتى لو اتحدت مخارجها، كما في صوتي الدال والتاء، وكما في صوتي الزين والسين، فالصوت الأولى من كل زوج مجهور والثاني مهموس، والزوج الأول شديد والثاني رخو، والزوجان معا من الأصوات الأسنانية اللثوية، ونحن نعود بذاكرتك مرة ثانية إلى فكرة تحديد الصوت تحديدًا إيجابيًا أو سلبيًا، وإلى المعنى الذي نقصده بالقيم الخلافية. انظر مثلا إلى الجدول الآتي: فبعض معنى "د" أنها صوت شديد مجهور، وبعض هذا المعنى أيضًا أنها ليست "ت" ولا "ز"، مع اشتراك بينها، وبين القرين الأول في الشدة، وبينها وبين الثاني في الجهر، فالبعض الثاني من المعنى، أو سمه مفهوم المخالفة إن أردت أو الجانب السلبي إن شئت؛ هو الذي ينبني على القيمة الخلافية بين "د"، و"ت" من ناحية، وبين "د" و"ز" من ناحية أخرى، ومثل ذلك يقال في التفريق

стр. 91

بين كل صوت وآخر من أصوات اللغة، ولعلك قد لاحظت أن "ج" و"ل" في هذا الجدول الصغير ليس لهما مقابل مهموس. والواقع أن المخارج "Articulations"، والصفات "Correlations"، وهي الأساس الذي يقوم عليه بناء التطريز اللغوي، الذي سيأتي الكلام عنه في منهج التشكيل الصوتي، ولم ينته تطبيق الصفات عند هذا الحد، فهناك ظاهرة عضيلة تصحب النطق، وتتسبب في وجود ظاهرة أخرى أصواتية تطرد معها وجودًا وعدمًا؛ تلك الظاهرة هي ما يسميه القراء الإطباق، وليحذر القارئ من الخلط بين اصطلاحين يختفان أكبر اختلاف، وإن اتحدا في كثير مما يخلق صلة بينهما ذانك هما: ١- الطبقية، "أو النطق في مخرج الطبق" Velar Articulation". ٢- الأطباق، "أو ما يسمى في علم الأصوات" Velarization". فالطبيقة ارتفاع مؤخر اللسان، حتى يتصل بالطبق فيسد المجرى أو يضيقه تضييقا يؤدي إلى احتكاك الهواء بهما في نقطة التقائهما، فهي إذا حركة عضوية مقصودة لذاتها، يبقى طرف اللسان معها في وضع محايد، أما الإطباق فارتفاع مؤخر اللسان في اتجاه الطبق بحيث لا يتصل به، على حين يجري النطق في مخرج آخر غير الطبق، يغلب أن يكون طرف اللسان أحد الأعضاء العاملة فيه، فالأطباق إذًا حركة مصاحبة للنطق الحادث في مخرج آخر، وتنتج عنه قيمة صوتية معينة، تلون الصوت المنطوق، برنين خاص كما في نطق أصوات الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والخاء والغين، والقاف، فإذا عرفنا أن الإطباق صفة تطرد وجودًا وعدما مع قيمته صوتية معينة، أمكن أن نقول: إن الإطباق يصلح نقطة اتفاق، أو نقطة اختلاف بين الأصوات اللغوية، فهو مثلا نطقة اتفاق بين صوتي الصاد والضاد، ونقطة اختلاف بين صوتي الصاد والسين؛ لأن الصاد مبطقة، والسين ليست كذلك، وقد عبر النحاة والقراء الأقدمون عن الطبقية والإطباق كليهما باصطلاح "الاستعلاء"، وقصدوا بذلك علو مؤخر اللسان في اتجاه الطبق، سواء اتصل به كما في الطبقية، أم لم يتصل كما في الإطباق.

стр. 92

ويقابل الإطباق "Velarization" التغوير "Palataliaziton"، والتغوير الميل بالصوت ذي المخرج، الذي خلف الغار إلى أن ينطق في الغار، أو أقرب ما يكون إليه، فصوت الكاف المجاور لأحد أصوات الكسرة مغور في لهجة العراق، كما في قولهم: "فيك" و"ركيك" وفي اللغة الفارسية، كما في قولهم "حاكم"، وحتى صوت "ch"، في الألمانية يقسمونه إلى نطق مغور "jout ich"، وآخر غير مغور ويسمى "jout ach"، فأنت ترى أن مخارج الأصوات، وصفاتها أساس ينبني عليه التفريق بينها، من حيث مكان كل منها في المنظمة التشكيلية التي تسمى بالأبجدية، وليس الإطباق السبب الأول والأخير في ظاهرة التفخيم، بل هو أحد عنصري هذه الظاهرة. أما العنصر الآخر من عناصر التفخيم، فهو التحليق Pharyngalization" وهو قرب مؤخر اللسان من الجدار الخلفي للحلق، نتيجة لتراجع اللسان بصفة عامة، فالتفخيم إذا ظاهرة أصواتية ناتجة عن حركات عضوية، تغير من شكل حجرات الرنين بالقدر، الذي يعطي الصوت هذه القيمة الصوتية المفخمة، أما التغوير فنتيجته قيمة أصواتية مرفقة ترقيقا عظيما، كما في الأمثلة التي ذكرناها.

стр. 93

أصوات العربية الفصحى: قلنا: إن الصوت غير الحرف؛ ومن المعروف أن حروف الهجاء الصحيحة في العربية الفصحى ثمانية وعشرون، وأن حروف العلة ثلاثة، لكل منها كميتان، إحداهما قصير أو حركة، والثانية طويلة أو لين، فمجموع الحروف في العربية الفصحى واحد وثلاثون حرفا بناء على هذا الفهم، أما أصوات العربية الفصحى فأكثر من ذلك؛ وسنحاول هنا أن ندرس الأصوات الصحيحة، دراسة مختصرة بقدر ما تسمع المسافة المخصصة في هذا الكتاب، وسنرى في الجدول الموضح لهذه الدراسة أن كل صوت من هذه الأصوات، له مكانه من رقعة الجدول، وأن هذا المكان تحدد عوامل عضوية نسميها أمكنة النطق، وأخرى صوتية نسميها صفات الأصوات، وسيكون تناولنا لهذه الأصوات مرتبا على أساس عضوي، بالإضافة

стр. 94

إلى طريقة النطق أو الصفة، ومعنى ذلك أن نتناول الأصوات بالترتيب الالي: مقروءا من الشمال إلى اليمين: والقارئ مرجو أن يرجع حين الحاجة إلى تحديد معاني هذه الرموز الذي أفرد بمكان خاص في صدر هذا الكتاب. وإليك القول في شرح هذه الأصوات على ترتيبها فوق هذا الكلام.

стр. 95

الأصوات الشديدة: "b" صوت شفوي شديد مجهور مرقق، ينطق بضم الشفتين، وإقفال ما بين الحلق والتجويف الأنفي برفع الطبق، على حين توجد الذبذبة في الأوتار الصوتية ولقد حرص القراء والنحاة على جهر صوت الباء هذا في كل موضع، أي سواء كان موقعها في أول الكلام، أو في واسطه، أو في آخره، ولذا قرأوا القرآن بإضافة صوت علة بعد كل باء ساكنة مظهرة، وسموا هذه الظاهرة ظاهرة القلقة. أما في اللهجات الحديثة فإن صوت الباء قد يأتي مهموسا في وسط الكلام، إذا تلاه صوت مهموس، وفي آخر الكلام، إذا سبقه صوت مهموس، أو صوت علة طويلة مثال ذلك:

стр. 96

ويتم تفجير صوت الباء أحيانا من الأنف بدل الشفتين، كحينما تكون الباء في نهاية الكلام، كما في المثالين الآخرين من الأمثلة السابقة، ويتم هذا التفجير الأنفي بإلقاء الشفتين على اتصالهما، ثم فصل الطبق على الجدار الخلفي للحلق فجأة، فيمر الهواء قويا في المجرى الأنفي، ويتم التفجير. وهذا صوت أسناني لثوي شديد مجهور مفخم، كما ينطق به قراء القرآن في مصر وفي وقتنا الحاضر، وهو بهذا القيد ينطق بوضع طرف اللسان بحيث يلتصق بالأسنان العليا، ومقدمة بحيث يتصل بأصول الثنايا التي تسمى اللثة، ثم إلصاق الطلق بالجدار الخلفي للحلق، ليسد المجرى الأنفي؛ ويتم كل ذلك مع وجود ذبذبة في الأوتار الصوتية. وإذا تنطق الضاد يرتفع مؤخر اللسان في اتجاه الطبق، وتلك الظاهرة عضلية تسمى الإطباق، ينتج عنها تغير شكل حجرة الرنين، تغيرا يؤدي إلى خلق أثر صوتي معين يسمى التفخيم. أما الضاد العربية القديمة، فقد وصل إلينا من أوصافها ما يمكن تلخيصه، فيما يلي: ١- النطق الأسناني. ٢- الرخاوة. ٣- الجهر. ٤- الإطباق. ٥- التفخيم. ٦- الاستطالة؛ وهي نتيجة طبيعية لامتداد اللسان من الأسنان إلى ما يداني الجدار الخلفي للحلق ويسمى التحليق، كما ذكرنا ذلك في موضعه من هذا الكتاب، وهو يوجد في الضاد المصرية الحديثة، وفي كل الأصوات الطبقية، وهي الصاد، والضاد، والطاء، والظاء.

стр. 97

٧- الاستعلاء، وقد نسبه الأقدمون إلا الأصوات المطبقة، وإلى الأصوات الطبقية على السواء، والطبقيات من أصوات الاستعلاء، التي اعترف بها العرب، أي التي يتم نطقها في الطبق هي أصوات الخاء، والغين، والقاف، مع توسع في مدلول الطبق في حالة القاف، حتى يشمل اللهاة باعتبارها قصوى أجزائه، ويظهر كذلك أن الضاد الفصحى، كانت جانبية مع رخاوتها، أي أن الهواء الخارج في نطقها يخرج من جانب اللسان ويحتك به، وهذه الأوصاف مجتمعة تشير إلى ضاد، غير شبيهة بما ننطقه في الوقت الحاضر، وقد حاولنا تمثيل نطق هذه الضاد لطلبة كلية دار العلوم، بناء على مجموع ما أوراده النحاة، والقراء من صفاتها السابقة. "d" وصوت الدال صوت أسناني لثوي شديد مجهور مرقق، ينطق بإلصاق طرف اللسان بداخل الأسنان العليا، ومقدمة باللثة، في نفس الوقت الذي يلتصق فيه مؤخر الطبق بالجدار الخلفي للحلق، وتحدث ذبذبة في الأوتار الصوتية، وهو بهذا الوضع يعتبر المقابل المرقق للضاد، التي تنطق في اللهجات المصرية الحديثة، ولكن القراء القدماء يصفونه بأنه المقابل المرقق للطاء القديمة، وسنناقش ذلك عند الكلام على الطاء، ومؤخر اللسان منخفض في النطق بهذا الصوت، وهذا الانخفاض يعطي لحجرة الرنين شكلا مغايرا لشكلها في حالة التفخيم، وتكون النتيجة حينئذ ترقيق الدال. ومع أن هذا الصوت مجهور في صفته العامة، إلا أنه قد يهمس في بعض المواقع في الكلام العامي، كأن يكون متلوا بصوت مهموس، كما في الكلمة العامية:

стр. 98

أو مسبوقا بصوت علة طويل كما في كلمة: أما في العربية الفصحى وفي قراءة القرآن بصفة خاصة فقد حرص القراء على أن يجهروا صوت الدال في كل موقع، وذلك بجعلها من الأصوات المقلقة. "T" أما صوت الطاء فأسناني لثوي، شديد مهموس مفخم، كما ينطق به في الفصحى في مصر في أيامنا هذه، ويتم نطقه بإلصاق طرف اللسان بالأسنان العليا من داخلها، ومقدم اللسان بأصول الثنايا "أي اللثة"، ويرتفع مؤخر اللسان في نفس الوقت في اتجاه الطبق، وهذا ما يسمى بالإطباق، ويتأخر قليلا إلى الجدار الخلفي للحلق، وهذا ما يسمى بالتحليق، ويرتفع الطبق حتى يسد المجرى الأنفي. أما الطاء التي وصفها لنا القراء القدماء، فمهجورة على ما رأوا، وهذا يحتاج إلى قليل من المناقشة، ففي بعض اللهجات العامية المعاصرة صوت من أصوات الطاء، يمكن وصفه بأنه مهموز، ولإيضاح ذلك نقول: إن طرف اللسان ومقدمه يتصلان في نطقه بالثنايا واللثة، ويعلو مؤخر اللسان، ويتراجع إلى الخلف في اتجاه الجدار الخلفي للحلق، ويقفل المجرى الأنفي للهواء الخارج من الرئتين، يخلق اتصال بين الطبق، وبين الجدار الخلفي للحلق، وفي نفس الوقت تقف الأوتار الصوتية، فلا تسمح بمرور الهواء إلى خارج الرئتين، وبذلك تتكون منطقة في داخل الفم والحلق، يختلف ضغط الهواء فيها عنه في الرئتين، وفي الخارج، وفجأة يتم انفصال الأعضاء المتحركة، التي وصفنا اتصالها في وقت معا، فيندفع هواء الرئتين إلى الخارج، يندفع الهواء الخارجي إلى الداخل، فيحدثان بالتقائهما أثرا صوتيا هو صوت الطاء، كالتي تنطق في بعض لهجات الصعيد مثلا، ومعنى كون الطاء مهموزة هنا، أنه صحبها إقفال الأوتار الصوتية حين النطق، فأصبح عنصر الهمز جزءًا لا يتجزأ من نطقها، هذه الطاء مهموسة قطعا؛ لأن إقفال الأوتار الصوتية لا يسمح بوجود الجهر.

стр. 99

ويرجح عندي أن الطاء العربية الفصحى القديمة، التي وصفها القراء كانت في صوتها، وفي نطقها بهذا الوصف، ثم لغرابة صوتها هلى السمع، أخطأ النحاة والقراء، فجعلوها مجهورة في دراستهم، وجعلوا الدال مقابلا مرققا له، أضف إلى ذلك أن النحاة، والقراء في القديم قد وضعوا قاعدة قياسية، تقول: إن كل صوت إلى أصوات القلقلة مجهور شديد، وهذا ما جعلهم يخطئون الصواب، لا في صفة الطاء فحسب، بل في وصف أصوات مهموسة أخرى بالجهر، كالقاف والهمزة، يقول ابن الجزري١، "وأضاف بعضهم إليها "يقصد إلى حروف القلقلة" الهمزة؛ لأنها مجهورة شديدة"، فصوت الطاء الفصحى إذًا أسناني لثوي، شديد، مهموس، مفخم، مهموز. "t" صوت أسناني لثوي شديد مهموس مرقق، يتم نطقه بإلصاق طرف اللسان بداخل الثنايا العليا، ومقدمه باللثة، وبتخفيض مؤخر اللسان، وإقفال المجرى الأنفي، وفتح الأوتار الصوتية إلى درجة تمنع الذبذبة أن تحدث، ومن ثم يمتنع وجود الجهر. وكثيرًا ما يعقب نطق التاء نفخة بسيطة aspiration، وعلى الأخص إذا وليها صوت من أصوات الكسرة، كما في "تين" و"عتيق"، وأقل من ذلك ما يلاحظ أن احتكاكا يتبعها في بعض اللهجات الحديثة، فيجعلها تبدوا صوتا مركبا من شدة تتبعها رخاوة، ويكون أشبه في ذلك الوقت بنطق "تس" أو"ts" لا "ت"، ونسمع بعض نساء القاهرة من أوساط معينة، ينطقن "أختسى" بدل "أختي"، ويجهر الصوت في نطق بعض القاهريين إذا وليه "ز"، كما "يدزحم"، بدل "يتزحم". "k": وصوت الكاف طبقي شديد مهموس مرقق، يتم نطقه برفع مؤخر اللسان

стр. 100

في اتجاه الطبق، وإلصاقه به، وإلصاق الطبق بالجدار الخلفي للحلق ليسد المجرى الأنفي، وهذه مع فتح الأوتار الصوتية، حتى يكون همس لا جهر، والمقابل لهذا الصوت هو صوت "g"، الذي يدل على نطق الجيم في القاهرة، والقاف في الصعيد. وقد يجهر هذا الصوت جهرًا خفيفا، إذا وليه صوت الدال كما في: يكدب: yigdib وتصحبه نفخة خفيفة aspiration إذا وليه صوت من أصوات الكسرة، كما في كلمة "تأكيد"، وفي بعض اللهجات العربية يتم نطق هذا الصوت نطقا مغورا؛ أي أن مخرجه يميل إلى القرب من منطقة الغار في سقف الفم، كما يسمع في لهجات العراق، وفي لهجة عدن، في مواضع معينة، نحو: فيك - عليك - حكيم- حكمة. فهذه الأصوات في لهجة العراق تبدو للسمع، كأنها أصوات مركبة من التاء الساكنة والشين، وهي أقل تغويرا من ذلك في لهجة عدن. "q": وهذا صوت لهوي شديد مهموس له بعض القيمة التفخيمية، ولكنه لا يوصف بأنه مفخم، ويتم نطقه برفع مؤخر الطبق، حتى يلتصق بالجدار الخلفي للحلق، ورفع مؤخر اللسان، حتى يتصل باللهاة، وهي الزائدة التي في النهاية الخلفية للطبق، وحتى يتصل كذلك بالجدار الخلفي للحلق، وفي الوقت الذي تنفتح فيه الأوتار الصوتية في وضع تنفس، لا في وضع جهر. لقد مر بنا أن هذا الصوت من أصوات القلقلة، وأن النحاة والقراء قد أخطأوا في اعتباره مجهورًا لهذا السبب، ومر بنا أيضا أن الطبقية غير الأطباق، وأن النحاة العرب لم يفرقوا بينهما، بل أطلقوا عليها معا اسم "الاستعلاء"، وأن كليهما ينتج بعض القيمة التفخيمية، ولكن التفخيم لا يتم إلا إذا انضم

стр. 101

التحليق إلى الأطباق أو الطبقية، والتحليق -كما ذكرنا- سحب اللسان إلى الخلف في نقطة معينة، وهو غير النطق الحلقي، الذي توصف به أصوات العين والحاء. وصوت القاف لهوي، ومن ثم كان طبقيا لا مطبقا، ويتم معه قرب اللسان من الجدار الخلفي للحلق في نقطة، فوق تلك التي تتصل بها ظاهرة التحليق، ومن هنا لم يكن صوت القاف من الأصوات المفخمة تفخيما كاملا، وإنما كان له بعض القمية التفخيمية، الذي جاء من وجود العنصرين الطبقي، والحلقي في نطقه. "؟ " صوت حنجري شديد مهموس مرقق، يتم نطقه بإقفال الأوتار الصوتية إقفالا تاما، وحبس الهواء خلفها، ثم إطلاقه بفتحها فجأة، ويطلق على هذا الصوت عادة الاصطلاح "وقفة حنجرية" Glottal Stop، وتأتي جهة الهمس في هذا الصوت من أن إقفال الأوتار الصوتية معه، لا يسمح بوجود الجهر في النطق. ولكن النحاة والقراء أخطأوا، فعدوا هذا الصوت مجهورا، وهو أمر مستحيل استحالة مادية، ما دامت الأوتار الصوتية مقفلة في أثناء نقطه. ولكن هذا الصوت قد يأتي مسهلا، أي أن إقفال الأوتار الصوتية، قد لا يكون تاما حين النطق به، بل يكون إقفالا تقريبيا، وفي حالة التسهيل هذه يحدث الجهر، ولكن المجهور حينئذ ليس وقفة حنجرية، بل تضييق حنجري أشبه بأصوات العلة منه بهذا الصوت.

стр. 102

الأصوات الرخوة: "f" هذا الصوت شفوي أسناني رخو مهموس مرقق، يتم النطق به بخلق صلة بين الشفة السفلى، وأطراف الثنايا العليا، ورفع مؤخر الطبق، وإلصاقه بالجدار الخلفي للحلق، وفتح الأوتار الصوتية إلى درجة لا يكون معها جهر، بل يكون معها تنفس مهموس. ولكن لهجة عدن لا تفرق بينهما، وتنطق كليهما بضاد مخرجها الأسنان. وكما أن الفارسي يتردد في الكتابة، حين تملي عله كلمة فيها الهاء، ويسألك عما إذا كانت من "حطي"، أو من "هوز" والسوداني يتردد حين تملي عليه كلمة "قدر"، فيسألك إن كانت بالقاف أو بالغين، يتردد العدني في الكلمة التي فيها الضاد بين كتابتها الضاد أو بالظاء؛ لأن الضاد والظاء في لهجة عدن حرف واحد.

стр. 103

وهذا صوت طبقي رخو مجهور مرقق، وإن ارتبط بقيمة شبه تفخيمية في بعض المواقع، ويتم النطق به برفع مؤخر اللسان، حتى يتصل بالطبق، وخلق صلة تسمح للهواء الرئوي بالمرور، ولكن مع احتكاك باللسان، والطبق في نقطة تلاقيهما، وهذا هو عنصر الرخاوة في الغين، وفي نفس الوقت يرتفع الطبق ليسد المجرى الأنفي، وتحدث ذبذبة في الأوتار الصوتية. لقد اعتبر النحاة، والقراء الحلق مخرج الغين، وبهذا يستطيع الباحث أن يقف منهم أحد موقفين، ينبني كل منهما على طريقة فهمهم للإصطلاح "حلق"، فإذا كان مفهوم هذا الاصطلاح في أذهانهم، مطابقا لما نفهمه نحن الآن، فهم ولا شك

стр. 104

مخطئون في القول بأن صوت الغين يخرج من الحلق، أما إذا كان فهمهم للاصطلاح أوسع من فهمنا له، حتى ليشمل ما بين مؤخر اللسان والطبق، فلا داعي للقول بخطئهم. والمقابل المهموس لهذا الصوت، هو صوت الخاء. "X" صوت طبقي رخو مهموس مرقق، ولو أن له قيمة شبه مفخمة في بعض المواقع، ويتم النطق بهذا الصوت بنفس الطريقة، التي يتم بها النطق بصوت الغين مع فرق واحد: هو أن الأوتار الصوتية في هذه الحالة الأخيرة، لا تكون بها ذبذبة، ومن ثم كان صوت الخاء مهموسًا. وما قيل عن النحاة، والقراء في اعتبارهم صوت الغين صوتا حلقيا، يقال بحذافيره في صوت الخاء. "ع" وصوت العين حلقي مجهور مرقق، يتم نطقه بتضييق الحلق عند لسان المزمار، ونتوء لسان المزمار إلى الخلف، حتى يتصل أو يكاد بالجدار الخلفي للحلق، وفي نفس الوقت يرتفع الطبق ليسد المجرى الأنفي، وتحدث ذبذبة في الأوتار الصوتية، ويحتك الهواء الخارج من الرئتين بلسان المزمار، والجدار الخلفي للحلق عند نقطة تقاربهما. لقد عد النحاة العرب صوت العين من الأصوات المتوسطة، وربما كان ذلك لعدم وضوح الاحتكاك في نطقها وضوحا سمعيًا، ولكن الأصوات المتوسطة تشترك جميعها في خصائص ليست موجودة في نطق العين، وأوضح هذه الخصائص حرية مرور الهواء في المجرى الأنفي، أو المجرى الفموي، دون سد طريقه، أو عرقلة سيره بالتضييق عند نقطة ما، وقد اتضح بصورة الأشعة أن في نطق العين تضييقا كبيرا للحلق، وهذا ما يدعونا ومادعا غيرنا من المحدثين قبل ذلك إلى اعتبار صوت العين رخوًا لا متوسطا.

стр. 105

_________ ١ راجع معنى الاصطلاح "حس".

стр. 106

الصوت المركب: "J" ومعنى التركيب هنا أن نطق هذا الصوت، يستلزم طريقتين من طرق النطق، أولاهما الشدة أو الانفجار، والثانية الرخاوة أو الاحتكاك، ويمكن وصف هذا الصوت، بأنه غاري مركب مجهور مرقق، يتم النطق به بأن يرتفع مقدم اللسان. في اتجاه الغار، حتى يتصل به محتجزا وراءه الهواء الخارج من الرئتين، ثم بدل أن ينفصل عنه فجأة، كما في نطق الأصوات الشديدة، يتم هذا الانفصال ببطء، فيعطي الفرصة لهواء الرئتين بعد الانفجار، أن يحتك بالعضوين المتباعدين احتكاكا شبيها بما يسمع من صوت الجيم الشامية "j". ويمكن إيضاح هذا الصوت أيضا بأن فيه عنصرين هما "gj". ويلاحظ أن نطق أصوات الجيم يختلف باختلاف اللهجات، وقد وصفنا نقط الجيم الفصيحة، وينطق مثلها في الصيعد والسودان، أما في القاهرة وعدن فللجيم صوت "g"، ولها في الشام صوت "j"، ويتضح هذا الخلاف بإيراد مثال واحد؛ فكلمة جميل مثلا "على أنها تكتب بنفس الصورة في مختلف البلاد العربية"، تنطق بصور مختلفة منها:

стр. 107

الأصوات المتوسطة: "r" صوت لثوي تكراري مجهور، ينطق به بترك اللسان مسترخيا في طريق الهواء الخارج من الرئتين، فيرفرف اللسان، ويضرب طرفه في اللثة ضربات مكررة؛ وهذا معنى التكرار في صفته. ولهذا الصوت حالات، فيما يختص بالتخفيم تختلف باختلاف موقعه من السياق، فهو مرقق إذا ما تلاه صوت من أصوات الكسرة، أو وقع ساكنا بعد هذا الصوت؛ ومفخم فيما عدا ذلك، ومن قواعد القراء. ورقق الراء إذا ما كسرت ... كذاك بعد الكسر حيث سكنت لاحظ الفرق بين أصوات الراء من جهة التفخيم، والترقيق في الأمثلة الآتية: حَرَم - يَحْرُم - حرِيم - حِرْمَان. فالراء الأول والثاني مفخمان، ولكن الأخيرين مرققان.

стр. 108

"l": صوت لثوي جانبي مجهور النطق به برفع طرف اللسان، حتى يتصل باللثة، ورفع الطبق، حتى يتصل بالجدار الخلفي للحلق، فيسد المجرى الأنفي، وبإحداث دبدبة في الأوتار الصوتية، ومعنى الجانبية في نطق هذا الصوت، أن أحد جانبي اللسان، أو كليهما يدع الفرصة للهواء الرئوي ليمر بينه، وبين الأضراس في الوقت الذي يمتنع فيه مروره على وسط اللسان، لحيلولة طرف اللسان المتصل باللثة دون ذلك. وهذا الصوت مفخم في لفظ الجلالة، إذا لم يسبقه صوت من أصوات الكسرة، وكذلك يجوز تفخيمه، إذا تلاه صوت من أصوات الفتحة، وسبقه أحد الأصوات المطبقة، قارن الأمثلة الآتية: الله - بالله - الصلاة - الطلاق - الظلام. "m": وهذا صوت شفوي أنفي مجهور، تتصل بالشفتان حين النطق به، ويهبط الطبق فينفتح المجرى الأنفي، ويمر الهواء منه، في حين تحدث ذبذبة في الأوتار الصوتية، وهذا الصوت مرقق في العربية الفصحى، ولكنه في اللهجات العامية، قد يفخم بحسب موقفه من السياق، كما في كلمة: صوت شفوي أسناني أنفي مجهور، يتم النطق به يخلق صلة بين الشفة السفلى وبين أطراف الأسنان العليا، وبخفض الطبق، وإحداث ذبذبة في الأوتار الصوتية. وهذا الصوت مرقق دائما. وهو صوت الميم أو النون إذا تلتهما الفاء؛ ويسميه القراء إدغاما بغنة كما في كلمة "ينفع" و"هم خالدون". وهذا صوت أسناني أنفي مجهور، ينطق به بإخراج اللسان، أي بوضع طرفه

стр. 109

ضد أطراف الأسنان العليا، وخفض الطبق، وإحداث ذبذبة في الأوتار الصوتية. وهو صوت النون قبل الذال والثاء والظاء، وكذلك يمكن وصفه بالتفخيم إذا وليه الظاء، وبالترقيق إذا وليه الذال أو الثاء، ولسنا بحاجة إلى القول بأنه في حالة التفخيم، يرتفع مؤخر اللسان في اتجاه الطبق، وينسحب إلى الجدار الخلفي للحلق بعكس حالة الترقيق، قارن مثلًا: إن ذهب - إن ثاب - إن ظلم. وهذا صوت أسناني لثوي أنفي مجهور، ينطق به بوضع طرف اللسان ضد الأسنان العليا "في حالة الشدة والسفلى في حالة الرخاوة فيما يتبعه"، ومقدمه ضد اللثة، مع خفض الطبق، وإحداث ذبذبة في الأوتار الصوتية. وهو لا يرد إلا قبل الدال والتاء والطاء من الأصوات الشداد، وقبل الزين كما ينطقان في مصر. وهو لهذا إما مرقق أو مفخم، بحسب ما يأتي بعده من هذه الأصوات، نحو: إن دأب - إن تبع - إن طلب - إن زرع - إن صلح - إن سكت. "n" صوت لثوي أنفي مجهور مرقق، يتم النطق به بجعغل طرف اللسان ضد اللثة مع خفض الطبق لفتح المجرى الأنفي، وإحداث ذبذبة في الأوتار الصوتية. وهو صوت النون المفردة، والتي صوتي علة كما في: أنا - نفع - أمان صوت غاري مجهور مرقق، يتم النطق به برفع مقدم اللسان في اتجاه الغار، مع خفض الطبق حتى ينفتح المجرى الأنفي، وإحداث ذبذبة في الأوتار الصوتية.

стр. 110

وهو صوت النون، التي يليها صوت الشين، أوالجيم أو الياء نحو: من شاء - من جاء- من يكن. صوت شفوي نصلف علي مجهور مرقق، ينطق به بضم الشفتين ضما دون الإقفال، مع نتوئهما إلى الأمام، ورفع مؤخر اللسان، وسد المجرى الأنفي، ووجود ذبذبة في الأوتار الصوتية. ولا فرق بين هذا، وبين صوت الضمة من الناحية الأصواتية المحضة، ولكن التفريق بينهما يأتي عن طريق التشكيل، والتطريز اللغوي، حيث تأتي الواو بعد علة وقبلها، ولا تأتي الضمة كذلك مثل: واحد - تعوِيذ - آوُوه.
следующие страницы →