← Язык

Язык · id 11540

مناهج البحث في اللغة

تمام حسان

Полный текст (289 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لقد تكلمنا من قبل في توضيح المعنى الاصطلاحي للمجموعة الكلامية، وقلنا: إنها سلسلة من الأصوات اللغوية المتصلة في نفس واحد واقعة بين سكتين، وهي بهذا التحديد قد تكون جملة أو كلمة، ونريد الآن أن نتكلم عن اصطلاح آخر، هو المجموعة المعنوية، يعلم القارئ أنه في إلقاء جملة شرطية، يستطيع المرء أن يقسم هذه الجملة على تنفسين، يتكلم في أولهما فعل الشرط، وفي الثاني جوابه وجزاءه، ويمكن أني فعل ذلك في الجملة المصدرة بأما، وفي الجملة الطويلة التي لا يمكن أن تقال جميعها في تنفس واحد، يقسم المرء الجملة إلى أجزاء يقول كلا منها في تنفس مستقل، وعادة تقطيع الجملة عادة ضرورية في المسرح، يزاولها الممثلون على يد المخرج قبل التمثيل الفعلي. وفي كل جملة مقسمة على هذا النمط، يعتبر كل جزء منها مجموعة كلامية مستقلة؛ لأنه يقع بين سكتين، ولكن هذه المجموعات الكلامية مترابطة من جهة المعنى، وقد لا يقوم كل منها مستقلا عن المجموعات الأخرى، دون أن يكون ذلك على حساب المعنى، تصور مثلا أنك اكتفيت بجملة الشرط عن جوابه، أو بما بعد فائها الواقعة في الجواب، أو بالمبتدأ الموصوف بصله عن خبره الجملة ألا يكون كل ذلك نقصا في المعنى؟ إن المجموعات الكلامية المترابطة من جهة المعنى بهذه الصورة، تكون في مجموعها مجموعة معنوية، فالمجموعة المعنوية إذا اصطلاح لغوي عام، والمجموعة الكلامية اصطلاح أصواتي معناه يتصل بالدراسات الطبيعية التي منها التنفس، وقد تكون المجموعة الكلامية مجموعة معنوية، كما في محمد قائم، إذا تمت الإفادة، وقد لا تكون، كما في إن قام محمد؛ لأن الإفادة لا تتم عند هذا الحد، برغم كون إن قام محمد مجموعة كلامية. تخلص من هذا بأن الكلام قد يتم، فيكون مجموعة معنوية، وهو في نفس الوقت مجموعة أو مجموعات كلامية، ولا بد للمجموعة المعنوية من أن تنتهي بنغمة هابطة في التقرير والطلب، والاستفهام غير المبدوء بهل والهمزة، أما في الاستفهام المبدوء بهل والهمزة، وفي المجموعة الكلامية التي لم يتم بها المعنى، فالنغمة النهائية

стр. 177

صاعدة أو ثابته، أعلى مما قبلها، هذه قاعدة عامة نقدمها بين يدي دراسة النماذج التنغيمية المختلفة. أما ترقيم التنغيم فكترقيم الكتابة، وتحمل العلامة فيه من الكتابة محل الشهيق لاسترجاع النفس من الكلام، وكلما جاءت سكتة وجب وجود علامة ترقيمية. وفي التنغيم علامتان ترقيميتان، إحداهما خط رأسي واحد، ليدل على وقفة مع عدم تمام الكلام، وثانيتهما خطان رأسيان، ليدلا على تمامه. ويستعمل النموذج الإيجابي الهابط في تأكيد الإثبات، كقولك في جواب من أنكر أنه هو الذي قام بفعل معين: أنت فعلت هذا أي لا غيرك، أو ادعى أنه فعل شيئا غيره أنت فعلت هذا، أي لا الآخر يجعل النبر، والتأكيد في الجملة الأولى على الضمير، وفي الثانية على اسم الإشارة، مؤكدا النبر في الحالتين وهابطا بالنغمة المنبورة من أقصى علو المدى، ويستعمل أيضا في تأكيد الاستفهام بكيف وأين، ومتى وبقية الأدوات فيما عدا هل والهمزة، أما إذا كان الاستفهام بهل أو الهمزة، فإن النموذج المستعمل في التنغيم هو الإيجابي الصاعد. وللإثبات غير المؤكد يستعمل النسبي الهابط، ومن ذلك التحية والكلام التام، وتفصيل المعدودات والنداء، وما عبر به عن فكرة مكملة لكلام سابق مباشرة كما في "لقد قابلت أخاك ... على دراجته"، والاستفهام بغير هل والهمزة، أما إذا كان الاستفهام بهل والهمزة، أو بلا أداة أبدا، فالمستعمل النسبي الصاعد. ويستعمل السلبي الهابط في تعبيرات التسليم بالأمر، نحو لا حول ولا قوة إلا بالله، وعبارات الأسف والتحسر، وكل ذلك مع خفض الصوت، فإذا كان الكلام تمنيا أو عتبا، فالمستعمل السلبي الصاعد المنتهي بنفحة ثابتة أعلى مما قبلها. والفرق بين الثلاثة مديات "الإيجابي والنسبي والسلبي"، فرق في علو الصوت وانخفاضه، فالإيجابي أعلاها، والسلبي أخفضها وبينهما النسبي. وكم أجد في نفسي أمنية حارة أن ينظم المجمع اللغوي دراسات للتنغيم، تنتهي بخلق مستوى صوابي موحد للقراء، والإلقاء في البلاد العربية كلها، حتى لا تكون. العربية الفصحى خاضعة في كل إقليم للعادات النطقية العامية، وحتى لا يجد العربي غرابة في إلقاء أخيه العربي، فيكون أقدر على فهمه.

стр. 178

منهج الصرف: المورفيم: بعد أن انتهينا من شرح العناصر الصغرى، التي يتكون منها الكلام تحت عنوان الأصوات، وشرحنا علاقاتها وسلكناها في نظام خاص أو نظم خاصة تحت عنوان التشكيل، ونريد الآن أن نتناول بالتحليل عناصر آخر أكبر من هذه، تحت عنوان آخر هو الصرف، أو البنية، أو ما يطلق عليه الأوربيون "Morphology". ومن طبيعة هذه الدراسة أن تتناول الناحية الشكلية التركيبية للصيغ، والموازين الصرفية، وعلاقتها التصريفية من ناحية، والاشتقاقية من ناحية أخرى، ثم تتناول ما يتصل بها من ملحقات، سواء كانت هذه الملحقات صدورًا، أو أحشاء، أو أعجازًا. ويدور على الألسنة اصطلاح هام في الدراسة الصرفية، هو الوحدة الصرفية، أو المورفيم "morpheme"، يغمض المراد به على كثير من الباحثين في اللغة، حتى ليخلطون في تفسيره وتطبيقه خلطا كبيرا، ولعل ممن وضحوا المعنى التقليدي لهذا الاصطلاح فندريس Vendryes ١. فالمورفيمات في اعتباره عناصر صرفية، وترتبط بين الأفكار التي يتكون منها المعنى العام للجملة، وهذه الأفكار واضحة في السيمانتيمات "Semanteme"، أو نواة المعنى المعجمي. ورأيه في ذلك أن الجملة تحتوي نوعين من العناصر؛ تعبيرات عن أفكار، وعلامات على الارتباط بين هذه التعبيرات، فإذا قلنا: "الحصان يجري"، كان لنا فكرتان: الحصان، والجري، ثم نوحد بين الفكرتين في الجملة المذكورة؛

стр. 179

ونحن نفكر دائما في صورة جمل، ونفرض أن العملية الذهنية التي تربط بين عناصر الجملة، تتم في العقل مع العملية التي تربط بين الفاعل، والفعل في حدود معينة. هذه الذهنية التي يفرضها الاستعمال اللغوي تشمل عملين متعاقبين، التحليل والتركيب، وفي الأول يميز الذهن بين بعض العناصر التي تربط الصورة العامة بينها، وفي الثاني يوحد الذهن بينها من جديد، ليكون منها صورة نطقية. هذه العملية الثانية هي التي تهم علماء اللغة؛ لأن اختلاف اللغات ينبني على اختلاف هذه العلمية في الأذهان. دعنا نفرض إذا أن العقول الإنسانية المختلفة، تجرب أثرا نظريا متحدا للحصان الجاري، وتحلل بنفس الطريقة تلك العناصر التي تكون الصورة، وتنشئ نفس العلامة بين الحصان وبين الجري، إذا تم هذا فسيكون التعبير عن هذه العلاقة مختلفا باختلاف اللغة؛ لأن الصورة اللفظية سيتم تأليفها بطرق مختلفة. فالسيمانتيم في هذه الصورة، عنصر لغوي يعبر عن الفكرة التي في الذهن، كفكرة الحصان، وفكرة الجري، والمورفيم هو العنصر الذي يعبر عن العلاقة بين هذه الأفكار، ففكرة الجري ترتبط هنا ارتباطا عاما بالحصان، عبر عنه بصيغة الغائب، فالمورفيمات تعتبر عن العلاقات بين السيمانتيمات، وهذه الأخيرة عناصر موضوعية من الأفكار، فالمورفيم في عمومه عنصر أصواتي "صوت أو مقطع أو عدة مقاطع"، يدل على العلاقات بين الأفكار في الجملة. ويورد مثالا من اللغة العربية الفصحى، هو زيد يقتل، ليدل على أنه من غير المهم أن يكون المورفيم متصرفا أو غير متصرف، فيقول: أن هذا المثال إذا أريد به أن يدل على الاستمرار في الماضي، فإن فعلا ماضيا يجب أن يسبق هذا الفعل المضارع، ويتم التصريف في كليهما على النحو الآتي: كنت أقتل، كنت تقتل، كنت تقتلين، كان يقتل، كانت تقتل، وهلم جرا.

стр. 180

ويقول: إن هاتين الصيغتين تحسان دائما صيغة واحدة، حتى لو توسط اسم بينهما، كما في "كان زيد يقتل"، وأولاهما مورفيم بسيط، أما الثانية فسيمانتيم؛ لأن الأولى تدل على علاقة، والثانية تدل على فكرة. أما في اصطلاح هذا الكتاب، فيجري التفريق بين كلمات ثلاث يتصل بعضها ببعض، أولاها "باب"، والثانية "مورفيم"، والثالثة "علامة". ١- "الباب" اصطلاح من علم اللغة العام، له معنى العموم لا الشمول. وهو، إذا صح أن نستعمل اصطلاحًا دي سوسور، يستعمل بالنسبة إلى اللغة المعينة، ثم هو وسيلة تقسيمية، لا يمكن التعبير عنها على النمط الوجودي، فلا ننسب له وجودًا خارجيا، ويمكن إنشاء نظام من الأبواب في اللغة، يعبر عن كل باب منه مورفيم معين. ٢- والمورفيم اصطلاح تركيبي بنائي، لا يعالج علاجا ذهنيا غير شكلي، إنه ليس عنصرًا صرفيًّا، ولكنه وحدة صرفية في نظام من المورفيمات المتكاملة الوظيفية، وكل نظام من المورفيات، له علاقة بنظام الأبواب، لا يمكن في اللغة العربية أن يعبر عنها، كالتعبير عن علاقة واحد إلى واحد، أي أنه لا يلزم أن يقابل كل باب في نظام الأبواب، مورفيم في نظام المورفيمات، وربما كان ذلك ممكنا في اللغة التركية مثلا، وكل كلمة طائفة من المورفيمات المتراصة، أي طائفة من الوحدات من نظام مورفيمي، لا يمكن دائما أن نعبر عنه علامات وعناصر صرفية. ٣- والعلامة هي العنصر الذي يعبر عن المورفيم تعبيرا شكليا، وتوجد في النطق، وهي إما أن تكون عنصرا أبجديا، أو فوق الأبجدي، بمعنى أنها تكون في شلكها كمية، أو نبرًا أو تنغيما، ويعبر عنها إما إيجابيا بوجودها، أو سلبيا بعدمه، إذ ربما يكون هناك ما يسمى "العلامة صفر"، أو الصيغ الصرفية، وحركات الإعراب، والإلحاقات، وهلم جرا تكون نظاما من العلامات لنظام من المورفيمات، يعبر عن نظام من الأبواب، يتكون منه الصرف والنحو

стр. 181

العربيين، إن علاقة العلامة بالمروفيم أشبه ما تكون بعلاقة الصوت بالحرف، وعلاقة المورفيم باب مثل علاقة الحرف بما ارتبط معه في مخرج تقسيمي واحد، وعلاقة الباب بنظام الأبواب، كعلاقة طائفة من الحروف مرتبط بمخرج تقسمي واحد بالأبجدية التشكيلية بصفة عامة. وذا أردنا التمثيل للترابط بين هذه الاصطلاحات الثلاثة، نقول مثلا: إن باب الفاعل يعبر عنه مورفيم خاص هو الاسم المرفوع، وعلامته محمد، مثلا. فالجملة المنطوقة تتكون من نسق من العلامات الصرفية، بينها الترتيب والتوافق. وفي الصرف مورفيمات لها لأسماء خاصة، كالطلب، والصيرورة، والمطاوعة والتعدي واللزوم، والافعتال، والتكسير، والتصغير، والوقف، وهلم جرا تعبر عنها على الترتيب علامات، هي: استفعل، وانفعل، وأفعل، وفعل، وافتعل، وصيغ التسكير، والتصغير، وعدم الحركة، فالطلب في الصرف مورفيم، وفي النحو والبلاغة باب، وصيغته علامة صرفية، ومثل ذلك يمكن أن يقال في البقية.

стр. 182

الصيغة: والصيغة بالنسبة إلى المورفيم علامة، وبالنسبة إلى أمثلتها المختلفة ميزان صرفي، فلها هذان النوعان من التسمية، وهي بالاعتبار الثاني ملخص شكلي لطائفة من الكلمات، تقف منها موقف العنوان من التفصيل الذي تحته، ثم إنها باعتبارها علامة لا بد لها أن تدل على معنى خاص هو معنى المورفيم، غير أن هناك فرقا بين معنى العلاة الصرفية التي هي الصيغة، وبين معنى الكلمة التي هي المثال؛ فالمعنى الأول وظيفي، والثاني معجمي. وأنا إن أخرت الكلام عن تعريف الكلمة، وما يحيط بها من نقاش إلى ذكر منهج المعجم، أجدني مدفوعا هنا إلى أن أناقش معنى الصيغة، وإلى شرح معنى الوظيفية فيه.

стр. 183

خذ مثلا صيغة "فَاعَلَ"، تجد لها معنى وظيفيا خاصا هو المورفيم، ويسميه الصرفيون المشاركة. أضف إلى ذلك أن هذه الصغية لا بد لها أن تكون صيغة فعلية، وهذا جزء آخر معناها الوظيفي، ثم زد عليه أنها بشكلها الحاضر تتخذ ميزانا صرفيا، لما أسند إلى الغائب من هذا الفعل الذي يدل على المشاركة، وهذا جزء ثالث من معناها الوظيفي أيضا، ثم هي بتحديدها الشكلي، وبناء وسطها وآخرها على الفتح، مغايرة تمام المغايرة لصيغة اسم الفاعل، ولصيغة الأمر منها، وهذا جزء سلبي من المعنى، فأنت ترى أننا لم نتعرض للمعنى المعجمي العرفي الذي في قاتل، وجادل، وناضل، وحاسب، وما إلى ذلك من أمثلتها التي توجد معانيها المعجمية مفصلة في القاموس؛ فالمعنى الوظيفي نحوي صرفي، والمعنى المعجمي عرفي، واجتماعي إلى حد ما، وإنما نقول إلى حد ما؛ لأن الصفة الاجتماعية لا تتم إلى في المعنى الدلالي، الذي يكشف عنه تحليل الحدث الكلامي، وسيأتي الكلام عن ذلك في منهج الدلالة. ولكن الصيغة الصرفية، قد لا تكون بمفردها كافية للدلالة على المورفيم، لوجود الغموض فيها، فهي إذا في حاجة إلى المثال ليوضح ما فيها من غموض، خذ مثلا صيغة "فعل"، تجدها مشتركة بين الصفة المشبهة، وبين المصدر، وتجد من أمثلتها "شهم"، و"ضرب"، فإذا وقع الغموض في الصغية هنا، فلن يقع في الأمثلة؛ لأن هذه الأمثلة إما أن تكفي بمفردها لشرح معنى الصيغة، كالمثالين المذكورين، وإما ألا تكفي كما في عدل التي تصلح لمعنى الصفة، كما تصلح لمعنى المصدر، فإذا جاء هذا الغموض في المثال كما جاء في الصيغة، اضطررنا إلى الاستعانة بوسيلة نحوية في تحديد معان صرفية، تلك الوسيلة النحوية هي السياق، ومثل ذلك يقال في صيغة فعيل، التي تأتي صفة مشبهة، ومصدرا وبمعنى اسم الفاعل واسم المفعول، وفعال، التي تأتي صيغة لمفرد، ككتاب، ولجمع، ككلاب، ولمصدر، كقتال، ولا يطعن ذلك أبدا في محدودية المعنى الوظيفي للصيغة؛ لأن هذا المعنى بحكم تسميته وطبيعته، إنما كيون في تحليل السياق؛ والسياق كما قلنا: إحدى الوسائل التي يلجأ إليها أخيرا في إيضاح هذا المعنى، وإذا فما دام هذا هو الحال، فلن يغمض على الفهم معنى وظيفي لغوي أبدا.

стр. 184

والصيغة باعتبارها علامة على المورفيم لا يدخلها الإعلال، أما باعتبارها ميزانا صرفيا، فهو يدخلها، "فالاستقامة" مثال من أمثلة علامة "الاستفعال" الدالة على مورفيم الطلب أو الصيرورة، ولكنها على وزن استقالة، وهذا هو الفرق بين اعتباريها المختلفين، و"بع" مثال من أمثلة افعل، شأنها في ذلك شأن "اضرب"، و"اجلس"، و"احبس"، ولكنهما على وزن "فِلْ"، ومن أمثلة هذه الصيغة أيضا "قِ"، و"عِ"، ولكنهما على وزن "عِ"، ومن هذا يتضح أن تفريقي بين الاعتبارين تفريق مقصود؛ لأن كلا منهما ذو مهمة خاصة في تقرير حقائق البنية اللغوية الصرفية. وتدخل الصيغة في الجدول كما تدخل الأمثلة، فنحن نستطيع أن نصرف الصيغة من غير الاستعانة بأمثلتها، وهذه خاصة من خواص اللغة العربية، وربما كانت في اللغات السامية أيضا، مثال ذلك:

стр. 185

ومثل هذا يمكن أن يتم مع كل صيغة من صيغ الأفعال، فيكون نتيجة ذلك تصريفا في داخل مورفيم الافتعال، بحسب اختلاف الضمائر الشخصية، التي يعبر كل منها عن مورفيم آخر هو التكلم، أو الخطاب أو الغيبة، مع مورفيم الإفراد، أو التثنية أو الجمع. واكتفاء الصرف بالصيغة، كاكتفاء الأصوات بالصوت، واكتفاء التشكيل بالحرف والمقطع، استكفاء فرضه التحليل، وإلا فليست هذه إلا مفهومات منهجية، لا تعبيرات باللغة. ونحن لا نتكلم أصواتا، ولا حروفا، ولا مورفيمات، ولا صيغا، وإنما نتكلم جملا مفيدة مركبة من هذه الأجزاء التحليلية، التي يعتبر النظر المنهجي مسئولًا عن أكثرها، حيث يخلقها باعتبارها وسائل تقسيمية، أو أدوات لتناول مادة اللغة تناولا ينبني على منهج خاص، فالصيغة جزء من المنهج لا من اللغة نفسها، وإنك تقول: "خرج محمد بالأمس"، فتتكلم على شرط اللغة؛ ولا تقول: "فعل مفعل بالفعل"؛ لأن هذا ليس من اللغة. واللغة العربية محظوظة جدا بوجود هذه الصيغ الصرفية؛ لأن هذه الصيغ تصلح لأن تستخدم أداة من أدوات الكشف عن الحدود بين الكلمات في السياق، ويشكو معظم لغات العالم من عدم وجود مثل هذا الأساس، الذي يمكن به أن تحدد الكلمات. والباحثون في لغات غير لغاتهم جديدة عليهم، يعانون التعب والمشقة اللذين يجدونهما في سبيل هذا التحديد، فيعمدون إلى كل الوسائل الممكنة يستخدمونها في هذا الغرض، ويظهر القصر والعسف في استخدامها واضحا، فأما اتخاذ الصيغة الصرفية أداة من أدوات خلق الحدود بين الكلمات في السياق، فميزة للغة العربية من كبريات ميزاتها، التي تفاخر بها، وسنذكر في تعريف الكلمة الذي سنورده في منهج المعجم بعض الوسائل، التي يتذرع الباحثون بها في هذا السبيل. وتساعد الصيغة في الأعم الأغلب على تحديد الباب أيضا، ذلك؛ لأن معناها

стр. 186

الوظيفي هو المورفيم، والمورفيم نفسه تعبير عن الباب، فكأن الباب أحد معاني الصيغرة غير المباشرة، ومعنى هذا الكلام أننا إذا أخذنا "فَاعَلَ"، فسنجد كل ما على مثالها داخلا في باب الفعل الماضي الذي يدل غالبا على المشاركة، "نقول غالبا احترازا من "سافر"؛ فالصغية هنا دلت على النسبة إلى قسم من أقسام الكلام، وهذه ميزة من ميزات اللغة العربية أيضا، واعتماد هذه الدلالة هي ما يسميه علماء اللغة بالتحديد الجراماطيقي "Grammatical Designation". وإذا لم تدل الصيغة بنفسها على هذا التحديد، يبقى مثاله محايدا من الناحية الجراماطيقية، "وقد مثلنا لهذه الحالة بكلمة "عدل""، حتى يوجد ما يحدده، ويوضح معناه الجراماطيقي. ولكن الصيغة في اللغة العربية، تعجز عجزا تاما عن أن تشمل طائفة كبيرة من العناصر اللغوية، غير الخاضعة للاشتقاق كالضمائر، والأدوات. ويلاحظ أن معاني هذه العناصر جميعها غير محدودة من الناحية المعجمية، محدودية الكلمات ذات الصيغ الصرفية، وهذا هو الذي دعي برتراندرسل١ إلى أن يسمى بعض هذه العناصر، "خواص مركزية شخصية"، حيث يقول: "إنني أسمي الكلمات التي يختلف معناها باختلاف المتكلم، ووضعه في الزمان والمكان "خواص مركزية شخصية" والأسس الأربعة لهذا النوع هي أنا، وهذا، وهنا، والآن".

стр. 187

الاشتقاق: لاحظ علماء اللغة أن ارتباطا معينا يوجد بين الكلمات من جهة اللفظ والمعنى، فقالوا بوجود ارتباط وضعي بين هذه الكلمات، ولقد جذب انتباههم من هذا ما يأتي:- ١- أن الكلمة العربية ذات أصول ثلاثة، يعبر عنها في الميزان الصرفي بقاء الكلمة وعينها ولامها، وأنها تأتي مرتبة بهذا الترتيب. ٢- أن الكلمات العربية تأتي على هيئات صرفية تسمى الصيغ، وأن الخلاف بين الكلمات من الناحية التركيبية، هو في الواقع اختلاف بين هذه الصيغ. والارتباط الذي قال به النحويون، والصرفيون بين الكلمات المتحدة الأصل المختلفة الصيغة، ارتباط لفظي أولا، ومعنوي ثانيا. أما لفظي؛ فلأن حروف الأصل توجد في الصيغتين المترابطتين بنفس الترتيب، وإن اختلف الهيكل العلي في كلمة عنه في الأخرى، فلا بد إذًا أن ترد الكلمتان إلى أصل واحد، وأما معنوي؛ فلأن الملاحظ أن الكلمتين اللتين توصفان هذا الوصف، تعبران عن معنى عام واحد تختلفان في دائرته، كما تختلف الصيغتان، لا كما تختلف المادتان المعجميتان، فلا بد إذًا أن ترد هاتان الكلمتان إلى مادة واحدة. ويلاحظ هنا أن الاختلاف اللفظي صرفي، وأن الاختلاف المعنوي معجمي، فإذا اغتفر استعمال علم المعجم في تحديد المفهومات الصرفية، أمكن القول بأن الاشتقاق، "رد لفظ إلى آخر لموافقته إياه في حروفه الأصلية، ومناسبته له في المعنى". ويرى بعض العلماء تقسيم الاشتقاق إلى صغير، وكبير، أو أكبر، ويقول ابن جني: إن الصغير "ما في أيدي الناس وكتبه كأن تأخذ أصلا من الأصول فتقرأه، فتجمع بين معانيه وإن اختلفت صيغه ومبانيه، وذلك كتركيب "س ل م"، فإنك تأخذ منه معنى السلامة، في تصرفه نحو سلم ويسلم، وسالم وسلمان وسلمى والسلامة، والسليم اللديغ أطلق عليه تفاؤلا بالسلامة، وعلى ذلك بقية الباب إذا تأولته"١، فذلك هو الاشتقاق الذي نريده في دراستنا الصرفية هذه. ولذلك سنكتفي به عن الكبير والأكبر؛ لأن أحدهما لا يعترف بالترتيب في حروف المادة، كشرط من شروط الاشتقاق؛ ولأن الآخر يعتمد في دعوى الاشتقاق على التشابه في المخرج بين أي حرفين، يحل أحدهما محل الآخر كنعق ونهق، وإنما اخترنا الصغير لدراستنا هذه؛ لأنه أكبر خطرا وأكثر استعمالا في الناحية التطبيقية في اللغة.

стр. 188

لم يقنع النحويون بالقول بمجرد العلاقة بين المشتقات، وإنما أصروا على أن يكيفوا هذه العلاقة بكيفية خاصة، فقرروها على أساس الأصل والفرع، بمعنى أن صيغة ما لا بد أن تتخذ أصلا لبقية الصيغ، وأن تسمي أصل الاشتقاق، وأن تعتبر الصيغ الأخرى، مشتقة منها، وذهب هؤلاء اللغويون في ذلك مذهبين شهيرين: "ذهب الكوفيون إلى أن المصدر مشتق من الفعل، وفرع عليه"١، وأتوا في ذلك بحجج ذكرها كمال الدين بن الأنباري في الإنصاف، وأورد منها أن املصدر يصح لصحة العقل، ويعتل لاعتلاله؛ وأن الفعل يعمل فيه، وأنه يذكر تأكيدًا للفعل، وأنه لا يتصور معناه إلا بفعل فاعل، وأنت ترى أن المراد هنا هو جعل الفعل أصل المشتقات، لا أصل المصدر فحسب، وإنما اختص المصدر بالذكر؛ لأن البصريين جعلوه أصل الاشتقاق، فجعل الكوفيون من هذا الأصل فرعًا، وانسحب ذلك على كل ما عداه من الصيغ بالضرورة، ويرد ابن الأنباري على حجج الكوفيين واحدة بعد الأخرى، فيقول ردا على حججهم: إن المصدر لا يأتي إلا صحيحا، ولا يعتل منه إلا ما فيه زيادة عن الأصل، وهو فرع عن الثلاثي، وهذا الذي يعتل إنما يعتل للتشاكل، وذلك لا يدل على الأصالة والفرعية. ويجوز أن يكون المصدر أصلا، ويحمل على الفعل الذي هو فرع، وكون الفعل عاملا في المصدر لا يدل على أصالته؛ لأن الحروف والأفعال تعمل في الأسماء، ولا خلاف في أن الحرف والفعل ليسا أصلا للاسم؛ ولأن المصدر معقول قبل وقوع الفعل، فهو قبله، وأما أن المصدر يأتي مؤكدا للفعل، فذلك لا يدل على الأصالة في الفعل أيضا؛ لأن التوكيد غير مشتق من المؤكد في مثل "قام زيد زيد"، فكذلك هنا، وأما أن المصدر لا يتصور معناه ما لم يكن فعل فاعل، فذلك باطل؛ لأن الفعل في الحقيقة ما يدل على المصدر، وأما صيغة الفعل، فإخبار بوقوع ذلك الفعل في زمان معين، ومن المحال الإخبار بوقوع شيء قبل تسميته. ولعل القارئ يرى أن النحاة هنا، قد خرجوا في محاجتهم عن شكلية اللغة إلى مضايق المنطق والفلسفة، وبنوا جدلهم على نظرية ظهر فسادها، هي نظرية

стр. 189

العامل١، ولكن المصريين لم يكونوا أبعد في جدلهم عن هذه المثالب، فقد ذهبوا: "إلى أن الفعل مشتق من المصدر وفرع عليه"٢، واحتجوا بحجج منها أن الدليل على أن المصدر أصل للفعل، وأن المصدر يدل على زمان مطلق، والفعل يدل على زمان معين، والمطلق أصل المقيد، فالمصدر أصل الفعل، ومنها أن المصدر اسم، والاسم يقوم بنفسه، ويستغني عن الفعل، ولا عكس، ومنها أن المصدر يدل على الحدث، ولكن الفعل يدل عليه وعلى الزمان، والواحد أصل الاثنين، فالمصدر أصل الفعل، ومنها أن المصدر له مثال واحد، والفعل له أمثلة مختلفة، كما أن الذهب نوع واحد، وما تفرع منه أنواع مختلفة، ومنها أن الفعل بصيغته يدل على ما يدل عليه المصدر، وهو الحدث، ولكن المصدر لا يدل على ما يدل عليه الفعل، ولا بد أن يكون الأصل في الفرع لا العكس، ومنها أنه لو كان المصدر مشتقا من الفعل، لجرى على سنن في القياس، ولم يختلف شكله، ولكنه لا يجري على ذلك، بل يختلف كاختلاف الأجناس مثل "الرجل"، "والثوب"، والتراب، ومنها أنه لو كان المصدر مشتقا من الفعل، لوجب أن يدل على ما في الفعل من الحدث والزمان، وعلى معنى ثالث، كما دلت أسماء الفاعلين، والمفعولين عليهما، وعلى ذات الفاعل أو المفعول به. ومنها أن الدليل على أن المصدر ليس مشتقا، أن الهمزة لا تحذف منه، في نحو "إكرام"، كما تحذف من المشتق نحو مكرم، ومنها أن اسم المصدر يدل على صدور ما عداه عنه. والنظرة الفاحصة تكشف عن مبلغ تضارب هذه الحجج في منطقها، حتى لو قيل: إن صاحب كل حجة منها غير قائل الحجة الأخرى؛ لأن هذا لا ينفي أن هذه الحجج، قد جاءت بها مدرسة البصرة المدافعة عن نظرية موحدة، فهذه الحجج تكشف عن عدم الوحدة في فلسفة النظرية البصرية، فالمصدر في نظرهم اسم حينا، ودال على الزمان حينا، واسم دال على الزمان حينا آخر ودال على الحدث

стр. 190

دون الزمان في بعض الحجج، ثم من الذي يستسيغ أن المصدر يدل على الزمان، حتى لو كان هذا الزمان مطلقا؟ أولا يقول ابن مالك. المصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل كأمن من أمن. فإذا علمنا أن ابن مالك يشرح بألفيته مذهب البصريين، أكثر ما يشرح، عرفنا مدى ضعف الحجة في القول بأن المصدر يحتوي عنصر الزمن، فعنصر الزمن هذا من خواص الأفعال، لا الأسماء الجامدة، ولا الأسماء المشتقة، وليس حرص البصريين على المنطق أقل من حرص الكوفيين، ويكفي أن نلحظ أن حججهم تشمل كلمات مثل "الأجناس" و"القياس"، و"يقوم بنفسه"، و"وزمان مطلق". والزمان المطلق، أو الفلسفي لا صلة له بالنحو، وسيأتي شرح ذلك في منهج النحو، إن شاء الله. القول بأن صيغة ما أصل لكلمة، أو صغية أخرى مما يتنافى مع المنهج اللغوي الحديث، فلا يطيق هذا المنهج اصطلاحات مثل "نائب الفاعل"؛ لأن في ذلك تلميحا إلى أن الفاعل أصل للمرفوع بعد ما بني للمجهول، وليس ذلك كذلك. يقول الصبان تعليقا على قول الأشموني: "النيابة مشروطة بأن يغير الفعل عن صيغته الأصلية": هذا كالصريح في أن المبني للمفعول فرع المبني للفاعل، وهو مذهب الجمهور، وقيل: كل أصل"١، فحتى بعض النحاة الأقدمين كما نرى، كان يستهجن أن يجعل صيغة أصلا لصيغة أخرى، قالقول بأن كلمة أو صيغة أصل لكلمة، أو صيغة أخرى مردود في القديم والحديث، فلا الفعل، كما يقول الكوفيون، ولا المصدر، كما يقول البصريون، أصل للمشتقات؛ لأنك قد رأيت أن الأدلة على أصالة كل منهما ضعيفة، لا تقاوم النظرة الفاحصة، فما وجه القول إذا في الاشتقاق، وما نظرة علم اللغة الحديث إليه؟. وجه القول، كما أراه في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة، أن مسألة الاشتقاق تقوم على مجرد العلاقة بين الكلمات، واشتراكها في شيء معين، خير من أن

стр. 191

تقوم على افتراض أصل منها وفرع، وهو رأي فطن إليه السيوطي حين قال١: "قالت طائفة من النظار الكلمة كله أصل". والقدر المشترك بين الكلمات المترابطة: من الناحية اللفظية واضح كل الوضوح؛ ذلك هو الحروف الأصلية الثلاثة، فأنت إذا نظرت إلى "ضرب" و"ضارب" و"مضروب" و"مضرب" و"مضارب"، و"ضَرْب"، وما تفرع من ذلك، رأيت أنها جميعا تشترك في "ض ر ب"، وتتفرع منها، فطن إلى ذلك المعجميون، ولم يفطن إليه الصرفيون، فهذه الحروف الثلاثة الصحيحة جذور اللغة العربية، التي تتفرع منها الكلمات، ولست أحب أن أدعي أنها جذور اللغات السامية جميعًا، وتشترك فيها، وتتخصص كل منها بوضع المعنى المناسب للصيغة، حتى إن بعض دارسي اللغات السامية، يدرسون المادة بعينها دراسة مقارنة في هذه اللغات جميعا، ويضعون معاجمهم بهذه الطريقة٢. وكلمات اللغة جميعًا مشتقة بهذا الاعتبار، "وقالت طائفة من المتأخرين اللغويين كل الكلم مشتق، ونسب ذلك إلى سيبويه، والزجاج"٣، فما دام لكل كلمة من كلمات العربية مادة تصاغ منها، فلها اشتقاق منسوب إلى هذه المادة. ولا يبقى في الصرف ما يسميه الصرفيون الاسم الجامد، فيجب أن يبنوا التقسيم إلى جامد ومشتق، إذًَا على أساس جديد، وليس اشتقاق ما يسمونه بالجامد من نوع الاشتقاق الذي يحاوله بعض اللغويين تعليلا لأسماء الأعلام والأجناس، "قال أبو عبد الله محمد بن المعلى الأزدي في كتاب الترقيص: حدثني هارون بن زكريا، عن البلعي عن أبي حاتم، قال: سألت الأصمعي لم سميت منى منى؟، قال: لا أدري، فلقيت أبا عبيدة فسألته، فقال: لم أكن مع آدم حين علمه الأسماء، فأسأله عن اشتقاق الأسماء، فأتيت أبا زيد فسألته، فقال: سميت منى لما يمنى فيها من الدماء"٤، ومن قال: إن رمضان مشتق من الرمضاء، وأن قضاعة مشتق من انقضع الرجل عن أهله أي بعد عنهم، أو تقضع بطنه إذا أوجعه، وأن اليمن مشتق من اليمن، والشام من الشؤم أو التشاؤم، وأن الخيل من الخيلاء، فإنه يعلل التسمية ولا يعقد صلة اشتقاقية صرفية، فإذا علمنا أن الأسماء لا تعلل، وضح لنا أن الذين جاءوا بهذه التعليلات، قد أضاعوا أوقاتهم، ولم يأتو بشيء ذي خطر.

стр. 192

وسائل خلق الرباعي: قلنا: إن الكلمة العربية ذات ثلاثة أصول، ترتبط بها من الناحية الاشتقاقية، وقلنا كذلك: إن هذه الأصول الثلاثة، إلى جانب استعمالها من الناحية الصرفية، تتخذ مادة للكلمة من الناحية المعجمية، ادعينا ذلك للغة العربية على الأقل، ولم نحبب أن ندلف من الميدان العربي الخاص إلى الميدان السامي العام؛ لأن اللغات السامية الأخرى، ليست موضوع هذا الكتاب من ناحية؛ ولأن دعوى اشتراكها في الأصل الثلاثي بحاجة إلى تفصيل في القول، والأدلة أكثر مما تسمح به المسافة المخصصة في هذا الكتاب. ولكن في اللغة العربية صيغا رباعاية، يقول النحويون عن بعضها: إنه من مزيد الثلاثي، ويقولون عن بعضها الآخر: إنه أصلي في حروفه الأربعة، فماذا عسى أن يكون علاج المنهج الحديث لهذه الرباعيات. نقول مبدئيا: إن المنهج التقليدي في البحوث الصرفية، قد اعتبر الهمز في نحو أكرم، والتضعيف في نحو كرم، من الزيادات التي يؤتى بها لغرض نحوي، هو التعدية، فالمعلوم أن الفعل الماضي "كرم" المضموم العين من الأفعال الازمة، ولكن أكرم وكرم كليهما متعديان، ولسنا نحب أن نخوض مرة أخرى في أن بعض الكلمات أصل لبعضها الآخر، ولا أن ندخل في مناقشة، ما إذا كان الفعل اللازم هنا أصل للمتعديين أو لم يكن، ويكفي أن نشير إلى أن الحروف الأصلية الثلاثة في هذه الصيغ الثلاث هي الكاف، والراء، والميم، وأما ما زاد عن ذلك، فهو من المحلقات الصرفية التي سيأتي الكلام عنها في حينه، إن شاء الله.

стр. 193

ومن الملحقات الصرفية أيضا حرف اللين في قاتل، وقوتل، فالحروف الأصلية في هذين الفعلين هي القاف، والتاء، واللام، وأما حرف المد فقد جيء به ليعبر عن قيمة خلافية شكلية، وموازية لقيمة خلافية في المعنى، وتفرق القيمة الخلافية هنا بين "قتل" و"قاتل" وبين "قتل" و"قوتل" من جهة أخرى، وهو تفريق يقتضيه الفرق في المعنى بين الصيغتين. ومن الملحقات الصرفية أيضا، أن تتكرر فاء الكلمة بين العين واللام، إذا تماثلت العين واللام في الثلاثي، فأصبحتا حرفا واحدا مشددا١، فإذا أخذت أفعالا ثلاثية مثل جر، هد، عس، كف، ثر، زل، وجدت أن الرباعي تتكرر فيه الفاء بين عنصري الحرف المشدد بعد فكه، فرباعيات هذه الأفعال جرجر، وهدهد، وعسعس، وكفكف، وثرثر، وزلزل، والفاء المكررة في كل هذا زيادة صرفية إلحاقية، لا حرف أصلي؛ تشهد بذلك الصيغة الثلاثية المجردة، ولقد حرصت اللهجات العامية على استخدام هذه الطريقة الصرفية في الإلحاق استخداما واسعا جدا، إما من الثلاثي المشدد الآخر على النمط المذكور، كما في الأفعال الآتية:

стр. 194

فأنت ترى أن الفعل الرباعي ذو مادة ثلاثية، إما أن يستعمل منها فعل ثلاثي له نفس معنى الفعل الرباعي، وإما أن تستعمل منها صيغ أخرى تدور حول نفس المعنى، وترى كذلك أن الحرف الزائد قد يكون جاء، أو سينا أو شينا أو عينا، أو باء، أو زينا، وقد يكون أي حرف من الحروف الأبجدية. وقد استخدمت اللهجات العامة نفس الطريقة في الزيادة أيضا، وسنورد لك طائفة من الأفعال الرباعية العامية، ونضع أمام كل منها الحروف الثلاثة التي نقترحها.

стр. 195

أصلًا لهذه الرباعيات، وقد نجد أن هذه الثلاثة تكون بنفسها فعلا ثلاثيا عاميا من من لهجة أو أخرى، أو فعلا عربيا، كما يأتي: والزائد هنا أيضا حرف غير مقيد بحروف "سألتمونيها"، ولعل ذلك أن يكون مما يعزز دعوى الكلمة العربية تعزيزا كاملا.

стр. 196

الملحقات: سيرجع بنا الكلام عن الملحقات الصرفية إلى فكرة المعنى الوظيفي مرة أخرى. فهذه الملحقات، سواء كانت من حروف الزيادة، أو من الأدوات، أو مما يسمونه الضمائر المتصلة، تتخذ معنى وظيفيا لا معجميا، ومعناها الوظيفي في الكلمة التي تلحق هي بها هو المورفيم، الذي تعبر عنه باعتبارها علامة، والذي يعبر هو بدوره عن باب من أبواب النحو، أو الصرف، فإذا أخذنا مثلا "يحترمونهم"

стр. 197

وجدنا أن الياء صدر "Prefix"، في الكلمة تعبر عن مورفيم المضارعة الذي يعبر عن باب المضارع، ثم ندع الحروف الأصلية الثلاثة "ح ر م"؛ لأننا إنما نتكلم هنا عن الملحقات، ولكننا لا بد أن نقع على التاء، وهي حشو "Infix" في الكلمة يعبر عن مورفيم الافتعال، الذي يعبر بدوره أيضا عن باب الافتعال. أما الواو فأحد ثلاثة أعجاز "SUFFIXES" في الكلمة، وهي باعتبارها علامة تعبر عن مورفيم الفاعلية، الذي يعبر عن باب الفاعل، أو قل باب المسند إليه، أو العمدة، والنون علامة على مورفيم الرفع، الذي يعبر عن باب رفع الفعل المضارع في حالة تجرده من الناصب والجازم، ثم الضمير المتصل عجز في الكلمة أيضًا، وهو علامة على مورفيم المفعولية، الذي يعبر عن باب المفعول، أو قل باب الفضلة. ففي الكلمة هنا طائفة من المورفيمات هي المضارعة، والافتعال والفاعلية أو العمدية، والرفع، والمفعولية، أو الفضيلة، وهذه المعاني جميعا وظائف تؤديها الإلحاقات في الكلمة، ويختص كل منها بملحق خاص به، لكل منها معنى هو الوظيفة التي يؤديها، أو بعبارة أخرى هو المورفيم الذي يعبر عنه، فمعنى الملحقات إذا وظيفي أولا، وقبل كل شيء، ولقد سبق أن شرحنا الفرق بين المعنى الوظيفي، والمعنى المعجمي، فلا حاجة بنا هنا إلى أن نعيد القول في ذلك مرة أخرى. فأنت ترى إذا أن المحلقات أنواع ثلاثة كما سبق: ١- صدور Frefixes. ٢- أحشاء Infixes. ٣- أعجاز Suffixes. فالصدر ما ألحق بأول الكلمة وتصدرها، ليؤدي معنى صرفيا معينا، بتعبيره عن مورفيم، أو وحدة صرفية، وأشهر الصدور في اللغة العربية حروف المضارعة، وهمزة التعدية المفتوحة، والحركة التي في أول الافتعال، ثم الحركة والنون الساكنة في أول الانفعال، والحركة والسين والتاء في الاستفعال، والتاء المفتوحة في تفعل وتفاعل، والتاء والميم في تمفعل كتمنطق.

стр. 198

وإنما عنينا بالحركة التي في أول الافتعال، والانفعال والاستفعال حركة همزة الوصل، وتلك هي الحركة التي في أول المقطع القصير المقفل "ع ص"، ومنها أيضا ما يناسب هذه الصدور في تصاريف الصيغ المذكورة كمفتعل، ومنفعل، ومنها الميم التي في أول مفعول من الثلاثي، ثم ما ذكرناه في وسائل خلق الصيغ الرباعية من الزيادات الحرة، التي تأتي في بداية الكلمة كما في شقلب، وسقلب، بمعنى قلب، وزغرد المأخوذ من غرد، والكلمات العامية شردح المأخوذ من ردح، وصرمح المأخوذ من رمح، وبرطع المأخوذ من رتع، وهلم جرًّا. والحشو ما جاء في وسط الكلمة، ليؤدي معنى صرفيا معنيا فيها، أي ليعبر عن مورفيم أو وحدة صرفية معينة هي وظيفته، وأشهر الأحشاء في اللغة العربية تاء الافتعال، والتضعيف في مضعف العين من الثلاثي، والفاء المكررة في نحو هَدْ هدَ، وما زيد زيادة حرة في وسط الكلمة في أفعال مثل دحرج من درج، وبعثر من بثر، والأفعال العامية شعبط من شبث، وفرطح من فتح، وهردم من هدم١، وفنجر من فجر، وطربق من طبق، ودفلق من دفق، وخلبط من خلط، وشرط الحشو أن يكون بين حرفين أصليين. والعجز ما ألحق بآخر الكلمة، فأدى معنى وظيفيا نحويا أو صرفيا، بتعبيره عن مورفيم خاص، يعبر عن باب من أبواب النحو أو الصرف، فإذا اتخذنا صيغة المسند إلى الغائب نموذجا خاليا من الإعجاز، صالحا، لأن يتقبلها، وجدنا أن أشهر الأعجاز في اللغة العربية الضمائر المتصلة، ونون الوقاية، وحركات الإعراب، وحروفه، وعلامة التأنيث، وتشمل جموع التكسير كثيرا من الصدور والأحشاء والأعجاز، كما تحتوي على كثير من مجرد التغيرات الداخلية. والمهم في الباب أن يقدر القارئ المهمة الأساسية للملحقات، ومعناها الوظيفي، وبعدها عن المعنى المعجمي، انظر كيف شئت في المعجم، وسوف لا تجد نون الوقاية مختصة بمدخل معجمي خاص، وسوف لا تجد كذلك كاف الخطاب، ولا ياء المتكلم، مع ورودها مفعولا، ومضافا إليه، ولكنك تجد معاني كل ذلك في النحو والصرف، اللذين يحددان وظائفهما ومعانيهما الوظيفية.

стр. 199

الجدول التصريفي، والتوزيع الصرفي: إن دراسة الصرف لا تكون إلا دراسة رأسية، وتلك هي الصبغة التي يصطبغ بها منهجه، ونقصد بالدراسة الرأسية دراسة الجدول، سواء أكان تصريفيا أم اشتقاقيا، والواقع أن فكرة رأسية الجدول، إنما تقصد فيما يقابل أفقية السياق. ولتوضيح هذه الفكرة نورد المثال الآتي ونعلق عليه: وتنبني الفكرة الرأسية على الخلافات الشكلية في المادة الواحدة، أي اختلاف الصيغة الذي يتسبب عن التكييفات الصرفية المناسبة، أما الفكرة الأفقية، فمبناها على العلاقات بين الأبواب النحوية في السياق، وسيأتي شرح ذلك، إن شاء الله، في منهج النحو. ولقائل أن يقول: كيف تدخل الإلحاقات التي في صيغ الجدول في هذا التناول الرأسي، مع أنها، بحسب معناها، في قوة الكلمات المستقلة؟ فالتاء المضمومة في

стр. 200

"ضربت" فاعل، أي مسند إليه، ولكنها تدخل في تصريف الفعل، وكذلك تدخل "نا" من "ضربنا"، والتاء المفتوحة من "ضربت"، والمكسورة من "ضربت"، و"تما" من "ضربتما"، "وتم" من "ضربتم"، وهلم جرا، ويقع الجواب على ذلك في شطرين: الأول أن هذه، وإن كانت مستندا إليها لا يمكن أن تستقل بنفسها فتعزل عن الصيغة، ومن ثم سميناها ملحقات صرفية، لا كلمات، فالتاء وإن أعربت فاعلا، ليست إلا عجزا في "ضربت"، ويدل على الفاعل كما دل تجرد المسند للغائب من المحلقات على الغائب، والثاني أن هذه الملحقات علامات، تدل على مورفيمات، تدل على أبواب. فالتاء في "ضربت"، علامة تدل على مورفيم الفاعلية، الذي يدل على باب الفاعل في النحو، إذًا فليست هذه الملحقات كلمات، وإنما هي أجزاء من كلمات. وسيأتي في تعريف الكلمة، حين الكلام عن منهج المعجم أن كل ما لا يستقل بنفسه، لا يسمى كلمة. ولقائل أن يقول أيضا: إننا لم نسمع عن ما تسميه مورفيم الفاعلية في دراسة الصرف، ولكننا سمعناه عن باب الفاعل في النحو، والجواب على ذلك أن نمثل بوجهي عملة النقد، وبصفحتي الورقة، حيث تعدد جهات الشيء الواحد. فالفاعل ذو وجهين: وجه صرفي تدل عليه العلامة، ويمكن وصفه بأنه شكلي، وهذا هو المروفيم، ووجه نحوي، تدل عليه الوحدة الصرفية التي هي المورفيم، ويوصف بأنه وجه تقسيمي، ينبني فهمه على العلاقات في السياق، وهو الباب فالفاعل إذا مورفيم باعتبار، وباب باعتبار آخر، وليس هناك تناقض إذا بين التسميتين الصرفية والنحوية. ويقوم الجدول التصريفي على أساس التطريز اللغوي أيضا، وقد سبق شرح هذا الاصطلاح، فارجع إليه في منهج التشكيل الصوتي، ولنزيد الفكرة وضوحا نسوق إليك هذا الجدول، لترى توزيع الصيغ فيه وكيف يتم.

стр. 201

وكما قلنا: إن جدول الأصوات، وجدول الحروف يشبهان رقعة الشطرنج، وفصلنا القول في وجه الشبه، نؤكد وجه الشبه هنا بين هذا الجدول وبين الرقعة، ففي هذا الجدول خطوط رأسية ستة هي: المفرد المذكر، والمفرد المؤنث، والمثنى المذكر إلخ، وخطوط أفقية هي المتكلم، والمخاطب، والغائب، وفيه مربعات يمتلئ كل منها بصيغة خاصة، بينها وبين الصيغ الأخرى جهات خلاف تكون جزءا سلبيا من معناها، غير أن بعض المربعات هنا أكبر من البعض الآخر؛ ففي قسم المتكلم مثلا، نجد التقسيم إلى مفرد في عمومه، أي بما يشمل المذكر والمؤنث، ثم ما عدا المفرد في عمومه أيضًا، ومثنى المخاطب بقسميه مربع واحد، فالفكرة التطريزية قائمة هنا، كما كانت قائمة في الأصوات والتشكيل، وكما تقوم في كافة فروع الدراسات اللغوية الأخرى. وأما التوزيع الصرفي، فليس المقصود منه التصريف، بل التحديد، خذ مثلا صيغة صرفية معينة مثل ضارب، وقاتل موقوفا عليهما بالسكون، إذا نظرنا إلى هاتين الصيغتين في انعزالهما عن السياق، كما هما الآن، لم نستطع أن نحددهما تحديدًا صرفيًا دقيقًا، فهما تصلحان اسمي فاعل، كما تصلحان فعلي أمر، وإنما تتحدد كل صغية أي منهما تحديدًا صرفيا بأحد شيئين: ١- ورودها في السياق، حيث تبدو محددة بعلاقاتها المتشابكة. ٢- وضعها في توزيع صرفي على النحو الآتي:

стр. 202

ويتضح من كل طائفة من هذه الطوائف، ما المقصود بضارب في أولها. والمحايدات الصرفية من هذا النوع كثيرة في اللغة العربية، ياتي معظمها على صيغة فاعل هذه، ومن صيغة فعل كحسب، وهرب، وصيغة فعل كشره، وجزع. والفكرة الرأسية قائمة في التوزيع الصرفي، كما كانت قائمة في الجدول التصريفي؛ لأن الصرف كما قلنا في مبدأ هذا الكلام: ينبني منهجه على هذا الاتجاه الرأسي، بعكس النحو الذي ينبني على الاتجاه الأفقي السياقي، الذي تدرس فيه العلاقات بين الأبواب النحوية، ممثلة في الكلمات التي في المثال المدروس.

стр. 203

منهج النحو مدخل ... منهج النحو: لقد ذكرنا أن النحو دراسة العلاقات بين أبوابه، ممثلة في الكلمات التي في النص، فنحن حين نعرب نترجم الكلمات إلى أبواب، ليمكن أن ننظر إليها في ضوء علاقاتها النحوية، فإذا أعربنا "ضرب محمد عليا"، لمن نقنع بضرب كما هي، وإنما سميناها باسم باب نحوي هو الفعل الماضي، ولم نقع بمحمد كما هو، فسميناه باسم باب آخر هو الفاعل، ولا بعلي على حاله، فسميناه باسم باب المفعول. والسبب الذي نحول من أجله الكلمات إلى أبواب واضح جدا، وهو كما ذكرنا أن النحو دراسة العلاقات بين الأبواب، لا بين الكلمات، ويقول ابن مالك: وبعد فعل فاعل إلخ، ولا يقول: وبعد ضرب محمد؛ لأنه يتكلم عن الأبواب لا عن الأمثلة.

стр. 204

فحين تتحول الكلمات بالتحليل الإعرابي إلى أبواب، تتضح العلاقات التي بينها؛ لأن هذه العلاقات مقررة في قواعد النحو، وكل باب من هذه الأبواب، معنى وظيفي للكلمة المعربة به، فحين نقول إن المعنى الوظيفي "لضرب"، أنها فعل ماضي، ونقصد أنها تقوم في السياق بدور الفعل الماضي، وتؤدي وظيفته النحوية الخاصة به، وحين قال النحاة قديما: إنا الإعراب فرع المعنى، كانوا في منتهى الصواب في القاعدة، وفي منتهى الخطأ في التطبيق؛ لأنهم طبقوا كلمة المعنى تطبيقا معيبا، حيث صرفوها إلى المعنى المعجمي حينا، والدلالي حينا، ولم يصرفوها إلى المعنى الوظيفي. والحق أن الصلة وثيقة جدا بين الإعراب، وبين المعنى الوظيفي، فيكفي أن تعلم وظيفة الكملة في السياق، لتدعي أنك أعربتها إعرابًا صحيحًا، وتأتي وظيفة الكلمة من صيغتها ووضعها، لا من دلالتها على مفهومها اللغوي، ولذلك يستطيع المرء أن يعرب كلمات لا معنى لها، ولكنها مصوغة على شرط اللغة العربية، ومصروفة على غرار تراكيبها. وإذا لم يصدق القارئ هذا الكلام، فليسمح لي بأن أجرؤ على خلق هذا النص الآتي على مثال اللغة العربية، وإن لم يكن هذا نصا عربيا، فكل كلماته هراء: "حنكف المستعص بسقاحته في الكمظ فعنذ التران تعنيذا خسيلا، فلما اصطقف التران، وتحنكف شقله المستعص بحشله فانحكز سحيلا سحيلا، حتى خزب". لكأني بالقارئ الآن قد بدأ في إعراب هذا النص، وكأني أسمعه يقول: حنكف فاعل ماضي، والمستعص فاعل، وبسقاحته جار ومجرور متعلق بحنكف، إلى أن يتم له الإعراب الصحيح. ولكن مهلا! كيف يستطيع القارئ أن يعرب كلمات، ليس لها معنى في القاموس، مع أن نصها المسوق هنا لا يدل على معنى دلالي خاص؟ الجواب بسيط جدا؛ لأن هذه الكلمات الهرائية تحمل في طيها معنى وظيفيا، فالكلمة الأولى في النص تؤدي وظيفة الفعل الماضي لسببين: الأول أنها جاءت في صيغته، والثاني

стр. 205

أنها وقعت موقعه، وتقوم الكملة الثانية بدرو آخر، والثالقثة بوظيفة ثالثة، وهلم جرا، فالإعراب إذًا فرع المعنى الوظيفي، لا المعنى المعجمي، ولا المعنى الدلالي، وأظننا قد فرقنا بين هذه المعاني الثلاثة في مكان سباق من هذا الكتاب، ومن هنا كان قول النحاة صوابًا، وكان تطبيقهم خاطئًا. ولا يمكن أن تقوم دراسة نحوية صحيحة، دون أن يدخل في منهجها علم الأصوات، وعلم التشكيل الصوتي، وعلم الصرف، والباب الذي لا يستغنى عنه من علم التشكيل في الدراسة النحوية هو باب الموقعية؛ لأن النحو مليء بالسلوك الموقعي للكلمات، أي أن الموقع يتحكم إلى حد كبير في الإعراب، وما يدل عليه من حركات وعلامات، ألست ترى موقعية واضحة في كسر آخر فعل الأمر في "اضرب الولد"، وآخر المضارع في "لم أضرب الولد"، مع أن الأول مبني على السكون من الناحية التقسيمية، والثاني مجزوم؟ فالموقعية هنا، أو على وجه التحديد موقعية التقاء الساكنين، هي التي اقتضت الحركة الأخيرة في الفعلين، وقد سبق أن شرحنا الدور الذي يلعبه التنغيم في التفريق بين التقرير والنفي، هذا مثال من أمثلة كثيرة جدا على ضرورة الإحاطة بالأصوات، والتشكيل الصوتي في أية دراسة نحوية، ولقد كان النحاة القدماء هم واضعي علم القراءات، فساعدتهم معرفتهم بالقراءة والأصوات التي فيها على أن يأتوا في النحو بما أتوا به. أما الصرف، ومدى ارتباطه بالنحو، فدليله أن النحاة القدماء لم يفصلوا بين منهجيهما في التناول، ويكفي أن تنظر مثلا إلى ألفية ابن مالك، ثم تحاول أن تفصل فيها بين أبواب النحو وأبواب الصرف، وأنا واثق أن الأمر سيتطلب منك تفكيرًا عميقًا، وأنك ستجد بعض الأبواب مستعصية على الإضالة إلى هذا المنهج أو ذاك، لاختلاط المنهجين فيها. وهذه المناهج الأربعة "الأصوات، والتشكيل، والصرف، والنحو"، هي ما يطلق عليه في مجموعة اسم الجراماطيقا "Grammar"، فمن قال: إنني أدرس اللهجة الفلانية من جهة الجراماطيقا، والأصوات، أو الجراماطيقا

стр. 206

والتشكيل، أو الجراماطيقا والصرف، أو الجراماطيقا، والنحو، فهو مخطيء فيما يقول؛ لأن الجراماطيقا اسم يشمل كل هذه المناهج. والنحو دراسة الجمل التامة من ناحية العلاقات السنتاجماتية Syntagmatic relations أو السياقية، في مقابل الصرف الذي يدرس العلاقات البراديجماتية Paradigmatic relations أو الجدولية، وإلى جانب ذلك يدرس النحو الأبواب العامة لمعاني الجملة كالتقرير، والنفي، والاستفهام، والتأكيد، وهلم جرا، وهنا يدخل المنطق، فحذار من الخلط بين النحو والمنطق. وإذا علمنا أن الجراماطيقا تعالج المعنى، حتى حدود المعجم، ثم يبدأ دور المعجم في تحديده على مستوى الكلمة، حتى يصل به إلى حدود الدلالة التي تعالجه على مستوى اجتماعي، يشمل الجملة، والماجريات المحيطة بها، ظهر لنا أن المعنى الذي تدرسه الجراماطيقا هو المعنى الوظيفي فحسب، هو معنى يحدد وظيفة الصوت، فوظيفة الحرف والمقطع والموقع، والنبر والكمية والتنغيم، فوظيفة المورفيم والصيغة، فوظيفة الباب من أبواب النحو، ذلك هو قسط المعنى الذي يدرسه علم الجرماطيقا بفروعه الأربعة، ولعل ذلك يوضح أن الدراسات اللغوية جميعا، إنما تتجه إلى تحديد المعنى، سواء باعتبارها فرادى أو مجتمعة. والمعنى المدروس هنا هو مدلول العلامات اللغوية، سواء كانت هذه العلامات أصواتا، أو كلمات أو جملا، فهو معنى يوصل إليه عن طريق المنهج الشكلي، وليس المقصود هنا المعنى النفسي، أو المعنى الذي تبحث فيه الابستيمولوجيا "علم أصول المعارف"؛ لأننا نباعد بين الفلسفة وبين الدراسات اللغوية؛ إذ نريد أن نجعل المعلومات اللغوية كلها براجماتية، تنبني على الاستقراء بالحس، لا ترانسندنتالية تنبني على الحدس والتخمين.

стр. 207

" أقسام الكلام ": لقد وضحنا في بداية هذا البحث الفرق بين اللغة والكلام، وقلنا: إن الكلام حركات عضوية مصحوبة بظواهر صوتية، ويقوم على دراسته فرع خاص من فروع الدراسات اللغوية هو الأصوات، ونود أن نضيف هنا أن النحاة قد استعملوا الكلام بمعنى الكلمات أحيانًا، فسموا تقسيم الكلمات إلى اسم وفعل وحرف تقسيما للكلام، وقد يبدو فكها أن نقول: إننا لا حاجة بنا في دراسة "الكلام" إلى أن ندرس "أقسام الكلام"، ولكننا إذا أدركنا أن الكلام الأول يقصد به الحركات العضوية، وأن الكلام الثاني تقصد به الكلمات١، بدا لنا هذا القول في صورة الحقيقة التي تعلو على النقد، ولقد قسم النحاة القدماء الكلمات على أسس لم يذكروها لنا، وإنما جابهونا بنتيجة هذا التقسيم إلى اسم وفعل وحرف، ولكننا إذا نظرنا إلى هذا التقسيم في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة، أمكننا أن نصل إلى شيئين. ١- أن الكلمات العربية يمكن أن ينقد تقسيمها القديم. ٢- أن هذا النقد ينبني على أسس، يمكن استخدامها في تقسيم الكلمات تقسيما جديدًا، ونحن الآن مطالبون أن نأتي بهذه الأسس، التي ينبني عليها تقسيم الكلمات، وسنجيب على هذه المطالبة بإيراد الأسس الآتية، وشرح طريقة تطبيق كل منها في التقسيم: ١- الشكل الإملائي المكتوب: هذا هو الأساس الأول من أسس التقسيم، فنحن نستطيع أن نقول: إن طائفة من الكلمات العربية يمكن وصفها بأنه "طائفة الواو والنون"، وإن من هذه الطائفة كلمة "مسلمون"، وليس منها كلمة "مجنون"؛ لأن تحليل هذه الطائفة من الكلمات، يكشف لنا عن عدم تشابههما في قبول التنوين، فلا نجد في اللغة العربية "مسلمونًا"، كما نجد "مجنونًا"، و"ملعونًا" و"مأفونًا"، وهلم جرا. فالشكل الإملائي هنا أساس من أسس التفريق بين طائفتين من الكلمات، إحداهما في صيغة الجمع، والأخرى في صيغة المفرد.

стр. 208

ويقال نفس الشيء في التفريق بين "مسلمات"، "ونبات"، وبين "مصري"، و"كرسي"؛ لأن الألف والتاء تتخلى عن "مسلمات"؛ ولأن الياء تتخلى عن "مصري"، ولا تتخلى عن "كرسي". وإذا تأملنا طائفة الكلمات التي تنتهي من الناحية النطقية، بصوت من أصوات الفتحة الطويلة، "وتلك هي الأسماء المقصورة، والأفعال المعتلة الآخر بالألف"، وجدنا الشكل الإملائي يعين كثيرًا على تحديد الأصل الثالث من أصولها؛ لأن ما كان أصله الثالث واو من هذه الطائفة كتب بالألف، وما كان أصله الثالث ياء كتب بالياء؛ كما يظهر ذلك في الفرق بين رمى وسما، وبين هدى وعَلَا. وما بدئ إملائيًا بألف ولام، فهو من طائفة خاصة من الكلمات، تسمى طائفة الأسماء المعرفة بالأداة، ولا يغرنك من الكلمات مثل "ألقى"، التي هي فعل ماضي، فتعتبرها من هذه الطائفة للأسباب الآتية: ١- أن الألف واللام من المعرف بالأداة يمكن أن تحذفا من هذه المعرف، بعكس الفعل الذي لا يمكن أن تحذفا منه. ٢- أن همزة الأداة همزة وصل، بعكس الهمزة التي في أول الفعل. ٣- أن همزة أداة التعريف همزة وصل داخلة على المقطع "ع ص"، ولهذا لا يقع علهيا النبر أبدًا، بخلاف همزة "ألقى"، فهي بداية لمقطع منبور من نوع "ص ع ص"؛ وهنا تدخل دراسة التشكيل الصوتي في النحو. وما لحقه التنوين في آخره، فهو من طائفة الأسماء المجردة من أداة التعريف، ومن الإضافة، ولست أظن القارئ يدخل في هذه الطائفة كلمات مثل: "ائذن"، و"استأذن"، و"أركن"، و"أستهجن"، و"يحسن"، وهلم جرا، للأسباب الآتية: ١- أن طائفة الأسماء يمكن أن يحذف منها التنوين بدخول الأداة، ولا تدخل الأداة على الأمثلة الفعلية المذكورة. ٢- أن نون التنوين ساكنة أبدًا، ولكن نونات الأفعال متحركة بالرفع عند عدم الوقف.

стр. 209

٣- أن ضمير الوصل إذا دخل على الطائفة الأولى حذفت نونها، وإذا دخل على الثانية بقيت النون كما هي. كل أولئك دلالات إملائية هي أسس ينبني عليها التفريق بين أنواع الكلمات، والتقسيم الذي يمكن أن تنقسم إليه هذه الكلمات. ٢- التوزيع الصرفي: وإلى جانب استخدام أداة التعريف في تقسيم الكلمات، على الأساس الشكلي الإملائي، يمكن استخدامها على أساس التوزيع الصرفي أيضا، ولقد ذكرنا شيئا عن التوزيع الصرفي في منهج الصرف، فارجع إليه إن شئت. لقد قلنا: إن بعض الصيغ تعتبر محايدة من الناحية الصرفية، وذكرنا طائفة من هذه الصيغ. ونزيد الآن أن المحايد الصرفي صالح، لأن ينتظم في سلك أحد قسمين من أقسام الكلمات، ونمثل لذلك هنا بالمحايدين "راح"، و"باع"، فهاتان الكلمتان غامضتان بشكلهما الحاضر، ولكنهما تتضحان إذا وزعنا كلا منهما توزيعا صرفيا على النحو الآتي: فباع "١" اسم بدليل دخول الأداة عليها في توزيعها، وباع "٢" فعل؛ لأن الأداة لا تدخل عليها كما تدخل على قسيمتها، ولأسباب أخرى ليس هذا محلها، تدخل تحت عنوان الشامل "علامات الفعل".

стр. 210

ويمكن أن يجري نفس الشيء بالتفريق بالإضافة، حيث يجري التوزيع على النحو الآتي: إسكنر. فالفروق هنا يمكن أن تتضح في موضعين، أولهما حركة المضافة في مقابل حركة الفعل الماضي، وثانيهما حركة المضاف إليه في مقابل حركة المفعول أو الفاعل. كل ذلك إنما يجري على دعوى الوقف بالسكون على "بَاعْ" و"رَاحْ"، أما إذا اعتبرناهما متحركين، فهما غير محايدين من الناحية الصرفية. ٣- الأسس السياقية: ترتبط الناحية الشكلية للكلمات في السياق بعلاقاتها بما قبلها وما بعدها؛ وقد رأينا كيف كانت أداة التعريف دليلا على اسمية ما بعدها، وأن ياء النسب دليل على اسمية ما قبلها، كما أن "سوف"، تقوم دليلا على فعلية ما يليها، وأداة التعريف في الفرنسية مثلا، لا تقف عند بيان الاسمية في مصاحبها، وإنما تدل بشكلها أيضا على تذكيره وتأنيثه، وهذا ما نفرد له علامة منفصلة عن أداة التعريف في العربية، ولا نستطيع، إلا على أساس سياقي أن أن نفرق بين "هُمْ" باعتبارها ضميرًا منفصلا، وبينها باعتبارها ضميرا متصلا؛ لأنها بشكلها الإملائي، قد لا تدل على اتصال أو انفصال، بدليل المقارنة في الأمثلة الآتية: إسكنر. فالشكل الإملائي هنا لا يجدي في التفريق بين الضميرين، وإنما نحتاج في التفريق إلى الموقع في السياق. والسياق هو المكان الطبيعي لبيان المعاني الوظيفية للكلمات؛ فإذا اتضحت.

стр. 211

وظيفة الكلمة، فقد اتضح مكانها في هكيل الأقسام التي تنقسم الكلمات إليها، وقد وضحنا في مكان سابق أن السياق يجدي في هذه الناحية إلى درجة توضيح وظائف الكلمات، حتى في جملة هرائية، كالتي ذكرناها من قبل فما بالك بكلمات موصوفة في نص أدبي، تستخرج منه القواعد النحوية، وظني أن النحاة العرب، وقد استخرجوا قواعدهم من النصوص الأدبية، قد اعتمدوا في تقسيم الكلمات على الأسس السياقية فحسب، وإذا نظرنا إلى بيتي ابن مالك الذين يقولان: بالجر والتنوين والندا وأل ... ومسند للاسم تمييز حصل بتا فعلت وأتت ويا افعلي ... ونون أقبلن فعل ينجلي وجدنا أن كل العلامات التي ذكرها يمكن -بل يتعين- استخراجها من السياق في النص الأدبي، ولعل من محاسن النحو العربي أنه اعتمد على الشواهد والنصوص في مبدأ نشأته، وإن كان تطبيق قواعده في انقلب تمرينا عقليًا، يبيح ما لا شاهد عليه إلا القياس في النهاية. ٤- المعنى الأعم، أو معنى الوظيفة: وقد بينا أن هذا المعنى ايتضح في السياق أكثر ما يتضح، ولكن قسطا منه يتضح خارج السياق، فالفرق بين "محمد" و"يقوم"، يتضح بمجرد النظر إليهما، ولو كان ذلك خارج السياق، وسيبدو لأول وهلة أن "محمدا" اسم علم، وهذه وظيفته التي يؤديها في النحو، وأن "يقوم" فعل مضارع، وتلك هي وظيفته أيضًا. والتحديد بالاسمية، أو الفعلية الذي يأتي نتيجة لمعنى الوظيفة، أو المعنى الأعم، تقسيم للكلمة في أحد صوره، ويتضح ذلك بالتأمل في الكلمات الآتية: عَلي - عَلَى- من - قائم - سمج - استغفار - يتعلم - عربي - كتاب - مساجد - هو - الذي. فكل كلمة من هذه الكلمات، يمكن أن تنسب إلى قسم من أقسام الكلمات

стр. 212

بمجرد النظر إليها، وذلك؛ لأنها تتحد معنى أعم يتضح في وظيفتها التي تؤديها في اللغة، وموقعها من النظام النحوي العام. ٥- الوظيفة الاجتماعية: يلاحظ أن لبعض الكلمات دلالات اجتماعية خاصة؛ لأنها تدخل في تحديد العلاقات التي ينبني عليها المجتمع، والكلمات الآتية مثلا من هذا النوع: أب - أم - مولود - رئيس - مرءوس- قائد - مقود - موظف - صديق - مدرس - طالب - أقارب - أعداء - زملاء. ومنها أيضًا أنا - أنت - هو - نحن - أنتم - هم - هذا - هذه - هؤلاء - أولئك - وهلم جرا، ويلاحظ أن الدلالة الاجتماعية للطائفة الأولى من الكلمات، تختلف عهما في الطائفة الثانية وهي الضمائر، ذلك؛ لأن كلمات الطائفة الأول ذات دلالتين، إحداهما مطابقية، والأخرى التزامية، إذا صح أن نستعمل اصطلاحات المنطق في دراسة النحو، بعكس كلمات الطائفة الثانية، ولكن هناك جامعا بين الطائفتين، هو أنك إذا أخذت أية كلمة من كلماتها صح أن تستخدم هذه الكلمة، للدلالة على أي شخص تسخدام من أجله، فكل الناس أب أو أم، أو مولود أو رئيس، أو مرءوس أو قائد، أو مقود وهلم جرا، وكلهم يقول: أنا ونحن، ويخاطب بأنت وأنتم، ويقال له هو وهم، ويشار إليه بهذا أو هذه، ولهم جرا، فالقسم الأول من هذه الكلمات أسماء، والقسم الثاني ضمائر شخصية، أو إشارية. ولقد تعددت المؤلفات التي تقوم بدراسة تواريخ ظهور الكلمات، وترتيبها في حياة الأطفال بالنسبة إلى هذه الوظيفة الاجتماعية١، ولكن ليس من هذه ما يضيف جديدًا إلى موضوعنا هذا. والتقسيم، والتجريد أساسان لكل نشاط علمي أيا كان نوعه، ونقصد بالتجريد

стр. 213

خلق الاصطلاحات التي تدل على الأقسام، ويظل الباحث الذي لا يتعمد على هذين الأساسين تائها في فوضى المفردات المبعثرة، ونوع التقسيم الذي يهدف إليه الباحث العلمي، خاضع لقانون الحالات الموضوعية Objective Conditions، وهو لا ينطبق بأي حال على التقسيمات غير الواعية التي تقوم على الغريزة، ولا ينطبق أيضا على التقدير الشخصي "Commonsesnse"؛ لأن العلم لا يقوم على أي أساس شخصي ذاتي. وليس هناك ما هو شخصي مثلا في "٥-١=٤"، ولا في:"H٢O= ماء". وكثيرا ما يختلف التقدير والتقسيم في العلم عن التقدير، والتقسيم الشخصيين؛ فالقيطس مثلا ليس من فصيلة السمك من الناحية العلمية، وتنفصل التقسيمات اللغوية العلمية عن التقسيمات المنطقية، ويجب أن تظل كذلك دائمًا، فالمنطق يعني بخلق أبواب تدرج تحتها الأشياء الحقيقية، وقد قلنا: إن أرسطو خلق عشرة أبواب سماها المقولات؛ ولو كان لغته غير اللغة اليونانية لاختلفت فلسفته عن شكلها الحاضر، وقضايا المنطق وأقيسته لا تنطبق على اللغة، والقاعدة المتعبة في التقسيمات النحوية هي اعتبار ما كان له تعبير شكلي من الأقسام العقلية. ويعامل الباحث كلمة "المعتزلة"، مثلا معاملة المفرد في اللغة العربية، سواء وردت في قولنا: "المرأة المعتزلة"، "أو فرقة المعتزلة مع أن ثانيتهما جمع من الناحية العقلية، ومثل ذلك يقال في المسلمة من "المرأة المسلمة"، وقول الشاعر: "وحاربتنا بالسيوف المسلمة" ولا فرق من الناحية المنطقية بين الإنسان، والناس في المثالين الآتيين: خلق الإنسان ضعيفا - يحب الناس المال. فالكلمتان تدلان على بني آدم في عمومهم، ولكن الفرق واضح من الناحية النحوية، حيث تعتبر إحدى الكلمتين مفردًا، والثانية اسم جمع، ومع أن الفعلين في المثالين مختلفان من الناحية النحوية، يدل كلاهما على الاستمرار من الناحية المنطقية، ومهمة الدراسات اللغوية أن تقرر الحقائق الخاصة بها فحسب، تاركة حقائق المنطق للمناطقة، فإذا قسمنا الكلمات العربية على هذه الأسس الخمسة المذكورة، فسنجد أن الأقسام التي تنتج من ذلك أربعة.

стр. 214

١- الاسم ٢- الفعل. ٣- الضمير ٤- الأداة. ويشترك الضمير مع الاسم، في أنه يدل دلالة غير معينة على ما يدل عليه الاسم دلالة معينة، ويشترك مع الأداة في أنه يخرج من القاعدة العامة، القائلة: إن للكلمة العربية أصولا ثلاثة، وفي أنه لا يقبل العلامات المميزة للاسم جميعها، فلا تدخل عليه أل مثلا، أما "أل" التي في "الذي"، فهي من بنية الكلمة، لأداة تعريف لضمير الصلة، ويشمل الضمير: ١- ضمير الشخص "أنا إلخ". ٢- ضمير الصلة "الذي إلخ". ٣- ضمير الإشارة "هذا إلخ".

стр. 215

وسائل الترابط في السياق: إن ما يجعل السياق سياقًا مترابطًا، إنما هي ظواهر في طريقة تركيبه ورصفه، لولاها لكانت الكلمات المتجاورة غير آخذ بعضها بحجز بعض، في علاقات متبادلة تجعل كل كلمة منها واضحة الوظيفة في هذا السياق، وتنقسم الوسائل التي تخلق هذا الترابط إلى ثلاثة أقسام: ١- وسائل التماسك السياقي Transitivity. ٢- وسائل التوافق السياقي Coneord. ٣- وسائل التأثير السياقي Governance أو Regimen. وسنشرح كلا من ذلك على حدة: ١- يقول عبد القادر الجرجاني١: "واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك، علمت علما لا يتعرضه الشك: أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض، وينبني بعضها على بعض، وتجعل هذه بسب من تلك، هذا ما لا يجهله عاقل، ولا يخفى على أحد من الناس. وإذا كان كذلك، فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء، وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها: ما معناه وما محصوله، وإذا نظرنا في ذلك علمنا أن لا محصول
следующие страницы →