تطبيقات النظرية السلوكية في الإرشاد النفسي:
تفسر النظرية السلوكية المشكلات السلوكية: بأنها أنماط من الاستجابات الخاطئة أو غير السوية المتعلمة بارتباطها بمثيرات منفرة، ويحتفظ بها الفرد لفاعليتها في تجنب مواقف أو خبرات غير مرغوبة "أوزيبو ووالش Osipow & Walsh؛ ١٩٧٠".
ويركز الإرشاد النفسي على ما يأتي:
- تعزيز السلوك السوي المتوافق.
- مساعدة العميل في تعلم سلوك جديد مرغوب والتخلص من سلوك غير مرغوب، ومساعدته في تعلم أن الظروف الأصلية قد تغيرت أو يمكن تغييرها بحيث تصبح الاستجابات غير المرغوبة غير ضرورية لتجنب المواقف غير السارة التي سبق أن ارتبطت بها. فمثلا يمكن تخليص العميل من أفكار وسواسية أو سلوك قهري كان يقوم به لتجنب أفكار مثيرة للشعور بالذنب.
- تغيير السلوك غير السوي أو غير المتوافق وذلك بتحديد السلوك المراد تغييره والظروف والشروط التي يظهر فيها والعوامل التي تكتنفه وتخطيط مواقف يتم فيها تعلم ومحو تعلم لتحقيق التغير المنشود، ويتضمن ذلك إعادة تنظيم ظروف البيئة بما يؤدي إلى تكوين ارتباطات شرطية جديدة فيما يتعلق بمشكلات العميل وأغراضه، وهذا يتطلب فصل المشكلة وتخطيط مواقف تعلم تؤدي إلى إزالة الأغراض وتعديل السلوك وحل المشكلة "جودشتين Good stein؛ ١٩٦٥".
- الحيلولة بين العميل وبين تعميم قلقه على مثيرات جديدة.
- ضرب المثل الطيب والقدوة الحسنة سلوكيا أمام العميل عله يتعلم أنماطا مفيدة من السلوك عن طريق محاكاة المرشد خلال الجلسات الإرشادية المتكررة "جين وارترز Warters؛ ١٩٦٤".
стр. 107
ومن أبرز من أسهم في تطبيق النظرية السلوكية في مجال الإرشاد والعلاج النفسي جون دولارد ونيل ميلر Dollard & Miller؛ "١٩٥٠"، فهما اللذان زاوجا بين النظرية والتطبيق العلمي، وهما يقبلان استخدام مفاهيم وأساليب التحليل النفسي مثل مفهوم الصراع والعمليات اللاشعورية ولكنهما يصوغانها في مصطلحات نظرية التعلم الشرطي. وهما يعتبران السلوك العصابي سلوكا ناتجا عن صراع انفعالي عنيف مثل الذي يحدث عندما يدفع الخوف الفرد إلى تجنب استجابة تتعارض مع استجابة هادفة، وعندما تتوقف الاستجابة الهادفة بسبب الخوف يقل الخوف، ومن ثم يعزز السلوك التجنبي، ولكن التوتر الذي يسبق الدافع لا ينخفض، ويحاول الفرد مرة ثانية سلوكا يقربه من الهدف، وهذا يثير الخوف مرة أخرى ويسبب إيقاف الاستجابة نحو الهدف مرة أخرى. ولما كان إيقاف الاستجابة يقلل الشعور القوي بالخوف فإن الحافز نحو الهدف يكبت. وعلى الرغم من أن الحافز للسلوك قد يكتب بهذه الطريقة، فإن الدوافع غير المشبعة تبقى قوية، ويظل الفرد مشغولا مضطربا بسبب الأفكار التي تصحب ذلك. ويؤدي الخوف والدوافع غير المشبعة لدى الفرد إلى ظهور أعراض عصابية في شكل خوف ووسواس وقهر وما شابه ذلك كوسيلة للتخلص من الخوف وإشباع الدافع مؤقتا "ولو بطريقة مرضية". وبمرور الوقت فإن الأعراض تعزز، وحيث أن الكبت يعفي الفرد من التعبير عن مشاعره فإنه لا يستطيع أن يحدد أو يتعرف على أسباب الأعراض العصابية في سلوكه، وحتى لا يحدث تعزيز الخوف، ولكي ينطفئ بدلا من ذلك، فإن الإرشاد أو العلاج النفسي يجب أن يهيئ مناخا نفسيا صحيا بدلا من المناخ السيئ الذي كان في الخوف والخجل والشعور بالإثم مرتبطا بكلمات معينة ثم عمم منها. ويعزز المرشد استجابة العميل عندما يتكلم وهو قلق بتمام إصغائه وتقلبه وفهمه ومشاركته الوجدانية وإتاحة الحرية ومساعدة العميل على استعادة ذكرياته والتخلص من قلقه وخوفه، وانطفاء الخوف يساعد على أن يصبح أكثر نشاطا وابتكارا وأن يعي ويستخدم قدراته في تعامله مع العالم المحيط به.
ويطلق على تطبيق النظرية السلوكية عمليا في ميدان الإرشاد النفسي اسم "الإرشاد السلوكي" Behavioural Counselling. وفي ميدان العلاج النفسي اسم "العلاج السلوكي" Bevhaviour Therapy. ومن ألمع الأسماء في هذا المجال يوسف فولب Wolpe؛ "١٩٨٥" وقد حرر جون كرومبولتز Krumblots "١٩٦٦" كتابا عن الإرشاد السلوكي بعنوان "ثورة في الإرشاد النفسي" Revolution in Couselling.
وفي الإرشاد السلوكي -كما سنرى في الفصل السابع- نجد أن خطوات عملية الإرشاد
стр. 108
تبدأ بتحديد السلوك المطلوب تعديله، ثم تحديد الظروف التي يحدث فيها السلوك المضطرب، ثم تحديد العوامل المسئولة عن استمرار السلوك المضطرب، ثم اختيار مجموعة من الظروف التي يمكن تعديلها أو تغييرها، ثم إعداد جدول لإعادة التعلم.
ويوجد عدد من أساليب الإرشاد السلوكي منها: التخلص من الحساسية أو التحصين التدريجي، والكف المتبادل، والإشراط التجنبي، والتعزيز الموجب "الثواب"، والتعزيز السالب، والخبرة المنفرة "العقاب"، وتدريب الإغفال "الانطفاء" والممارسة السالبة.
نقد النظرية السلوكية:
رغم أن النظرية السلوكية تعتبر نظرية تجريبية موضوعية وظيفية في تفسير السلوك يوجه إليها بعض الانتقادات أهمها:
- يصر أصحاب النظرية السلوكية على أن السلوك الملاحظ الظاهري الموضوعي فقط هو الذي يوضع في الاعتبار من الناحية العلمية.
- تتغاضى النظرية السلوكية عن النظر للفرد ككل وتهمل العناصر الذاتية في السلوك.
- المفاهيم الأساسية للنظرية السلوكية لا تتفق كثيرا مع المفاهيم النظرية والتكوينات الفرضية التي توجد في النظريات الأخرى مثل نظرية التحليل النفسي "كما سيأتي ذلك بعد قليل".
- يتحمس الكثيرون للنظرية السلوكية ويعتبرون أن الإرشاد والعلاج السلوكي في ضوء نظرية التعلم هو الإرشاد والعلاج العلمي الذي يفضل كل ما عداه من الطرق ويطلقون عليه "علاج التعلم" Learnign Therapy وكأن غيره من طرق العلاج لا تتضمن تعلما.
- يقول البعض: إن من أكبر عيوب النظرية السلوكية أن معظم دلائلها العلمية والتجريبية الأصلية مبنية على البحوث على الحيوان أكثر منها على الإنسان.
- يركز الإرشاد السلوكي الذي يقوم على أساس النظرية السلوكية على إزالة الأعراض في حد ذاتها بدلا من الحل الجذري للسلوك المشكل عن طريق التعرف على أسبابه الدينامية وإزالتها، وبذلك قد يكون وقتيا وعابرًا "نوردبيرج Nordberg؛ ١٩٧٠".
стр. 109
نظرية المجال FIELD THEORY:
ترتبط نظرية المجال في علم النفس باسم كيرت ليفين Lewin. ولقد ظهر أول تأثير لنظرية في الطبيعة على علم النفس في علم نفس الجشطلت Gestalt Pyschology على
يد فيرتايمر Wertheimer وكوهلر Kohler وكوفكا offka. والفكرة الأساسية فيه أن إدراك موضوع ما يحدده المجل الإدراكي الكلي الذي يوجد فيه، وأن الكل ليس مجرد مجموع أجزاء، وأن الجزء يتحدد بطبيعة الكل، وأن الأجزاء تتكامل في وحدات كلية، ونحن نعرف أن بعض علماء النفس مثل السلوكيين يحاولون تحليل السلوك إلى بسط مكوناته مثل المثير والاستجابة، ولكن الجشطلتيين ينكرون مثل هذه "الذرة النفسية" التي يتكون منها السلوك.
وتؤكد نظرية المجال لكيرت ليفين أن السلوك هو وظيفة المجال الذي يوجد في الوقت الذي يحدث فيه السلوك ونتيجة لقوى دينامية محركة، ويبدأ التحليل بالموقف ككل، ومن الموقف الكلي تتمايز الأجزاء المكونة. ويؤكد ليفين أهمية قوى المجال الدينامية التي تسهم في تحديد السلوك، ويعرف المجال بأنه جماع الوقائع الموجودة معا والتي تدرك على أنها تعتمد على بعضها البعض الآخر. "هول وليندزي، ١٩٧١".
مفاهيم نظرية المجال:
يرسم ليفين خريطة عقلية معرفية توضح نظرية المجال ومفاهيمها الأساسية، وفيما يلي أهم مفاهيم نظرية المجال:
الشخص: الشخص هو كيان محدد محدود داخل المجال الخارجي الأكبر منه، والشخص له خاصيتان هما "الفصل" عن المجال و"الوصل" مع المجال. وبمعنى آخر "التفاضل أو التمايز" و"التكامل" أي أن الشخص يكون منفصلا عن المجال الكلي الأكبر. ومندمجما في نفس الوقت داخل هذا المجال الكلي، وهذا هو واقع الشخص الذي يمثل جلده حدودا واضحة تفصله عن المجال الخارجي الذي يتحرك فيه والذي يكون في نفس الوقت جزءا منه، ويذهب ليفين إلى أن بناء الشخص بناء متفاضل متمايز أي ينقسم إلى أجزاء منفصلة ومتصلة في نفس الوقت.
المجال النفسي: يوجد الشخص في المجال نفسي أو بيئة نفسية خارج حدوده. ويحدث تفاعل بين الشخص ومجاله النفسي. وهما -أي الشخص والمجال النفسي- يعتمدان على بعضهما البعض داخل "حيز الحياة".
حيز الحياة: Life Space حيز الحياة هو المجال النفسي الكلي الذي يحتوي على مجموع الوقائع الممكنة، التي تحدد سلوك الشخص في وقت محدد مثل حاجاته وخبراته وإمكانات سلوكه كما يدركه، أي أن السلوك هو وظيفة حيز الحياة، ويحيط بحيز الحياة "غلاف غريب" لا حدود
стр. 110
له، فيه وقائع غير نفسية تؤثر في البيئة النفسية في حيز الحياة فتؤثر بدورها في الشخص وقد أطلق عليه ليفين اسم "العالم المادي" أي أن الحدود الفاصلة بين حيز الحياة والعالم الخارجي تتسم بخاصية "النفاذية" فقد تغير واقعة من وقائع العالم المادي مسار الأحداث في حيز الحياة في المجال النفسي للشخص، ونحن نجد ذلك في الحياة اليومية، فقد يؤدي لقاء عارض أو حديث تليفوني غير متوقع أو حادث سيارة مفاجئ إلى تغيير مجرى حياة الشخص، كذلك فإن الحدود الفاصلة بين الشخص وبين المجال النفسي لها خاصية النفاذية، أي أن وقائع المجال النفسي يمكن أن تؤثر في الشخص، كما أن الوقائع الشخصية يمكن أن تؤثر في المجال النفسي.
المجال الموضوعي: المجال الموضوعي أو البيئة الموضوعية يضم كلا الإمكانات التي تخرج من المجال السلوكي للشخص والتي ليست في حيز الحياة، وهذا المجال الموضوعي رغم أنه ليس جزءا من حيز الحياة فإنه يؤثر على الفرد. ومثال ذلك نظام التعليم في الدولة الذي يخرج من حيز حياة التلميذ ولكنه يؤثر عليه لأنه يحدد نوع التعليم الذي يتلقاه في المدرسة.
المناطق: ينقسم المجال الكلي إلى مناطق، وتحتوي كل منطقة على وقائع Facts والذي يحدد عدد المناطق هو عدد الوقائع النفسية المنفصلة التي توجد في أي وقت معين، وقد تكون هناك واقعتان فقط هما الشخص والمجال فتكون هناك منطقتان رئيسيتان فقط في حيزة الحياة. وإذا احتوى المجال على واقعتين هما واقعة العمل وواقعة اللعب تنقسم المجال إلى منطقتين فرعيتين واحدة للعمل وأخرى للعب، وإذا كان هناك أنواع مختلفة من وقائع العمل مثل واقعة العمل الحكومي وواقعة العمل الحر تنقسم منطقة العمل إلى منطقتين جزئيتين، وهكذا بالنسبة لمنطقة اللعب، وبالنسبة للشخص قد يحتوي على واقعتين هما واقعة التوتر وواقعة الفزع، يتحدد عدد المناطق في الشخص بعدد الوقائع الشخصية الموجودة فعلا. وتسمى الوقائع الأساسية للمنطقة الشخصية الداخلية باسم "الحاجات".
الاتصال بين المناطق: وهنا حدود بين المناطق من خصائصها "النفاذية" وتبادل الاتصال، وتتصل المناطق عن طريق الاتصال بين الوقائع الواقعة في كل منها بالأخرى، ويحدث بينها تفاعل وتأثير متبادل ينتج عنه "حدث" Event فالكتاب واقعة والشخص واقعة بينما قراءة الشخص في الكتاب حدث ويتوقف مدى اتصال المناطق على عاملين هما: عامل "القرب البعد"، وعامل "المرونة الجمود" ومعنى ذلك أن الحدود بين المناطق قد تكون قابلة للنفاذية.
стр. 111
بدرجة كبيرة وقد تكون جامدة مقاومة للنفاذية، ويتأثر مدى الاتصال -وبالتالي التأثير المتبادل- بين حيز الحياة والعالم الخارجي بصلابة أو ضعف الحدود الفاصلة بينهما. فإذا كانت الحدود صعبة النفاذية كان الاتصال والتأثير المتبادل صعبا وضئيلا، ويكون الشخص متوقعا داخل مجاله النفسي واتصاله بالواقع المادي ضئيلا كما في حالة الفصام، وإذا كنت الحدود سهلة النفاذية كان الاتصال والتأثير المتبادل سهلا ووثيقا. كذلك يتأثر مدى الاتصال بالتالي التأثير المتبادل بين الشخص والمجال النفسي بصلابة أو ضعف الحدود الفاصلة بينهما، فإذا كانت الحدود صعبة النفاذية كان التأثير المتبادل بين الشخص ومجاله النفسي صعبا وضئيلا وكان الشخص معزولا عن مجاله، وإذا كانت الحدود سهلة النفاذية كان التأثير المتبادل بين الشخص وبين مجاله النفسي سهلا ميسورا. ويلاحظ أن نظام الاتصال بين المناطق يمثل مواقف مؤقتة متغيرة دائما، فمن الممكن أن يضعف حد صلب ويتصلب حد ضعيف، أي أن من الممكن أن تقترب منطقتان بعيدتان وتبتعد منطقتان قريبتان. ومن الممكن أن يتحول وسط مرن إلى وسط جامد وبالعكس. وعلى هذا فإن الواقع النفسي يتغير دائما. ومن ثم فإن ليفين لا يثق في السمات الثابتة أو العادات الجامدة في الشخصية.
الشخص في المجال: الشخص والمجال الكلي أو البيئة الكلية يعتمدان بعضهما على بعض. وهما معا يكونان نظاما يتكون من أجزاء رئيسية وأجزاء فرعية تؤثر باستمرار في بعضها البعض، وموضع الشخص في مجاله النفسي قد يتفق وقد يختلف عن موضعه في مجاله المادي، فقد يكون من الناحية المادية جالسا في حجرة الدراسة في حين يكون من الناحية النفسية في ملعب الكرة وعلى هذا لا يؤثر فيه الوقائع الموجودة في حجرة الدراسة مثل شرح المعلم.
الحركة والاتصال: من الخواص الهامة للمجال النفسي أنه يحدث بداخله حركة واتصال دائما من وإلى وبين المناطق المختلفة. وتحدث الحركة والاتصال كنتاج للتفاعل بين الوقائع، فالحدث دائما نتيجة تفاعل أي حركة واتصال بين واقعتين أو أكثر، وقد أطلق ليفين على هذا اسم "مبدأ الارتباط".
إعادة بناء حيز الحياة: عن طريق الحركة والاتصال ونتيجة للتفاعل بين الوقائع يتغير بناء حيز الحياة. وفي حيز الحياة قد يتزايد عدد المناطق أو يتناقص حسب زيادة أو نقصان الوقائع. وقد يتغير وضع المناطق بالنسبة لبعضها البعض، فقد تقترب منطقتان كانتا بعيدتين عن بعضهما البعض، وقد تبتعد منطقتان كانتا قريبتين من بعضهما البعض. وقد يطرأ التغير على الحدود، فقد يتغير حد مرن إلى جامد أو حد جامد إلى مرن. وقد تتحول منطقة مرنة إلى منطقة جامدة أو منطقة جامدة إلى مرنة، وهكذا يمكن استغلال هذه التغيرات المحتملة في إعادة بناء حيز الحياة.
стр. 112
الواقع: تحدث ليفين عن مفهوم الواقعية واللاواقعية. فالواقعية تتضمن حركات فعلية، واللاواقعية تتضمن حركة تخيلية أو وهمية. فمثلا يستطيع الشخص أن يحل مشكلة حلا واقعيا في إطار الواقع، وقد يحلها حلا لا واقعيا في حلم يقظة.
الزمن: يذكر ليفين أن السلوك الحادث لا يتأثر بالماضي أو الحاضر، ويقرر أن الوقائع الحاضرة وحدها هي التي تستطيع أن تحدث سلوكا حاضرا. أما الوقائع الماضية فلا تؤثر في الحاضر، فوقائع الطفولة لا تؤثر على سلوك الراشد ما لم يظل وجودها مؤثرا طوال رحلة النمو من الطفولة إلى الرشد. وعلى ذلك فإن اتجاهات الشخص ومشاعره وأفكاره الباقية عن الماضي والحاضر وآمال المستقبل قد يكون لها تأثير على سلوكه الحاضر، ولذلك فإنه يجب تمثيل الحاضر بوصفه محتويا على الماضي النفسي وعلى المستقبل النفسي.
ديناميات الشخصية: يشبه ليفين بناء حيز الحياة بالخريطة الجغرافية. فالخريطة الجيدة تحتوي على جميع المعلومات التي يحتاج إليها الشخص لمعرفة الطريق، كذلك فإن البناء الجيد لحيز الحياة أي الشخص ومجاله لا بد أن يحتوي على الوقائع التي تلزم لتفسير السلوك المحتمل للشخص. ولكن كما أن الخريطة لا تحدد أي طريق سيسلكه الشخص، كذلك فإن بناء حيز الحياة لا يحدد كيف سيسلك الشخص بالفعل، ويحدد ليفين خمسة مفاهيم رئيسية في دينامية الشخصية هي:
- الطاقة: يفترض ليفين أن الشخص نظام معقد من الطاقة. والطاقة التي تقوم بالأعمال النفسية هي "الطاقة الشمسية" وهي غير الطاقات الأخرى. وتنطلق الطاقة النفسية عندما يحاول الجهاز النفسي "الشخصي" العودة إلى التوازن حين تطرأ عليه حالة انعدام التوازن الذي ينتج عن التوتر في جزء من أجزاء الجهاز النفسي سواء كان ذلك نتيجة تنبيه خارجي أو تغير داخلي. وعندما يزول التوتر ويتم التوازن داخل الجهاز النفسي يتوقف توليد الطاقة وتسود الراحة.
- التوتر: وهو حالة يكون عليها الشخص نتيجة نقص التوازن، ومن خواص التوتر أن حالة التوتر في منطقة معينة تتجه إلى العبور إلى المناطق المجاورة إلى أن توجد حالة من تساوي التوتر داخل النظام الكلي، ومن خواص التوتر أيضا أنه إذا كانت الحدود بين المناطق صلبة فإن عبوره يكون صعبا ومعوقا، أما إذا كانت الحدود ضعيفة فإن التوتر ينتقل بسهولة وسرعة من منطقة إلى بقية المناطق.
- الحاجة: يسبب ازدياد التوتر في منطقة شخصية استثارة الحاجة التي تكون فسيولوجية
стр. 113
كالجنس أو نفسية كتأكيد الذات. فالحاجة مفهوم دافعي كالدافع أو الباعث. ويؤكد ليفين أن حاجات الشخص تحددها كبير العوامل الاجتماعية. يلاحظ أن مفهوم الحاجة هو المفهوم الذي يربط بين جميع المفاهيم الدينامية الأخرى. فالحاجة تطلق القوة وتزيد التوتر، وتعطي القيمة. إنها المفهوم الرئيسي أو المركزي الذي تنتظم حوله المفاهيم الأخرى.
- القيمة: ويقصد بها قيمة منطقة في المجال النفسي عند الشخص، وهناك نوعان من القيمة: قيمة إيجابية، وقيمة سلبية. وتحديد القيمة أمر ذاتي من وجهة نظر الشخص نفسه. والمنطقة التي يضفي عليها الشخص قيمة إيجابية، هي التي تحتوي على موضوع يخفض التوتر ويشبع الحاجة مثل المنطقة التي تحتوي على طعام بالنسبة للشخص الجائع، يكون لها قيمة إيجابية ولها خاصية الجاذبية. أما المنطقة التي يضفي عليها الشخص قيمة سلبية فهي التي تحتوي على موضوع يزيد التوتر ويهدد بالأذى، مثل المنطقة التي تحتوي على حيوان مخيف بالنسبة للشخص الذي يخاف هذا الحيوان، ويكون لها قيمة سلبية ولها خاصية الطرد.
- القوة الموجهة Vector: يحدث التحرك عندما تؤثر قوة موجهة على الشخص، وتتسق القوة مع الحاجة. وترسل القوة الموجهة دائما خارج الشخص وليس بداخله، وذلك أن القوى النفسية من خصائص المجال وليست من خصائص الشخص. وإذا كانت هناك قوة موجهة واحدة فقط تؤثر على الشخص كانت هناك حركة في وجهة القوة الموجهة، أما إذا كانت هناك قوتان موجهتان أو أكثر فإن الحركة الناتجة تكون محصلة هذه القوى مجتمعة.
التحرك: يتحرك الشخص خلال مجاله النفسي مدفوعا بحاجة تطلق الطاقة وتستثير التوتر وتضفي قيمة إيجابية على المنطقة التي فيها ما يشبع هذه الحاجة، فيتحرك الشخص نحو منطقة إشباع الحاجة، وقد تكون الحدود بين المناطق سهلة العبور فيتحقق الإشباع ويزول التوتر. وقد تكون الحدود صعبة العبور تحول دون الإشباع فيحاول الشخص اتخاذ ممرات جانبية للحركة نحو الهدف وهو إشباع الحاجة. فمثلا الشخص الجائع تكون لديه حاجة إلى الطعام ويكون الهدف هو إشباع هذه الحاجة بوجبة غذاء. وهذه الحاجة تطلق الطاقة وتستثير التوتر في منطقة شخصية داخلية وتوجه وتحرك الشخص نحو الطعام. وقد يكون التحرك سهلا ومباشرا نحو الهدف، وقد يكون صعبا ومعوقا فيحاول الشخص اتخاذ ممر جانبي للتحرك نحو الهدف. وهكذا يمكن تفسير التحرك في ضوء مفاهيم الحاجة والتوتر والقيمة والقوة.
стр. 114
تغير البناء الدينامي للمجال النفسي: يمكن تغيير أو إعادة بناء دينمايات المجال النفسي بإحداث تغييرات في المناطق وخصائصها والحدود بنيهما وفي القوى في المجال النفسي ومن الأمثلة في الحياة العملية تغير البناء الدينامي للمجال النفسي عند اكتشاف حل جديد لمشكلة أو تذكر حدث منسي أو إدراك شيء جديد من المجال لم يكن مدركا من قبل أو اقتحام عوامل غريبة من العالم المادي للمجال النفسي. هذا ويمكن تغيير أو إعادة بناء ديناميات المجال النفسي بالطرق الآتية:
- تغيير قيمة المنطقة كميا كأن تتحول من منطقة أقل إيجابية إلى منطقة أكثر إيجابية، وتغيير قيمتها كيفيا كأن تتحول من منطقة إيجابية إلى منطقة سلبية.
- تغيير شدة القوى الموجهة أو تغيير وجهتها أو تغيير شدتها ووجهتها معا.
- تغيير الحدود الفاصلة بين المناطق لتصبح أكثر صلابة أو أكثر ضعفا أو تظهر حدودا جديدة أو تخفي حدودا قائمة.
- تغيير الخصائص المادية للمنطقة، من المرونة، إلى الجمود أو العكس.
فقد التوازن: وفقد التوازن أو انعدام التوازن هو حالة عدم تساوي التوتر داخل المناطق المختلفة للشخص، وارتفاع التوتر في النظام كله وتزايد الضغط الواقع، على الحدود الفاصلة بين المنطقة الشخصية الداخلية، وبين المنطقة الإدراكية الحركية. وإذا تكرر هذا مرارا وتراكم التوتر الداخلي واشتد لدرجة لا تتحمله حدود المنطقة الشخصية الدخلية، ويحدث اندفاع مفاجئ للطاقة في المنطقة الإدراكية الحركية يؤدي إلى حدوث سلوك هياجي.
العودة إلى التوازن: إن الهدف النهائي لجميع العمليات النفسية هو إعادة الشخص إلى حالة التوازن. وللعودة إلى حالة التوازن عدة طرق يقوم بها الشخص في المجال النفسي منها:
- تحرك مناسب في المجال النفسي يؤدي إلى منطقة إشباع الحاجة وتحقيق الهدف. فالشخص المتوتر لأنه جائع يؤدي حصوله على الطعام إلى إزالة التوتر وإشباع الحاجة والعودة إلى التوازن.
- تحرك بديل يؤدي إلى خفض التوتر والعودة إلى التوازن. ويتحقق هذا في حالة وجود اعتماد متبادل وثيق بين حاجتين بحيث يؤدي إشباع أحدهم إلى إزالة التوتر المصاحب للحاجة الأخرى.
- تحرك خيالي يؤدي إلى خفض التوتر، وهذا ما يحدث في أحلام اليقظة.
نمو الشخصية: تناول ليفين بعض التغيرات السلوكية التي تحدث خلال النمو. ويقول إن هذه التغيرات تنتج عن التنوع في نشاطات الشخص وانفعالاته وحاجاته ومعلوماته وعلاقاته
стр. 115
الاجتماعية التي تتزايد مع نموه، ومع النمو يتزايد تنظيم نشاطات الشخص وفي نفس الوقت يتزايد التعقيد الذي يطرأ عليه. وتمتد مناطق النشاط مع النمو فيستطيع الشخص القيام بسلوك جديد لم يكن ممكنا من قبل. ومع النمو أيضا يزداد الاعتماد المتبادل للسلوك بمعنى حدوث تكامل بين الأفعال المستقلة في شكل سلوك كلي. وتزداد درجة الواقعية واتجاه الشخص نحو الواقع والحقيقة. ويزداد التفاضل أو التمايز في جميع جوانب المجال النفسي مع النمو، ويزداد التفاضل والتمايز بين الماضي والحاضر والمستقبل، وبين الواقع واللاواقع، وبين الحقيقة والخيال، وبين الإمكان والاحتمال، ومع النمو يتزايد عدد الحدود الفاصلة بين المناطق وتختلف من حيث القوة، وتصبح الحدود بين الشخص ومجاله النفسي أقوى من ذي قبل، ويقل تأثير المجال على الشخص عن ذي قبل. ومع النمو يزداد التكامل في السلوك، ويرى ليفين أن النمو عملية مستمرة يصعب تقسيمها إلى مراحل منفصلة، ولكنه يقول إن تغيرات ارتقائية هامة تحدث في حوالي سن الثالثة، وأن فترة من الاستقرار النسبي تعقبها حتى المراهقة التي تعتبر مرحلة إعادة التنظيم الدينامي. ويتم النضج والاستقرار في الرشد. ويشير ليفين إلى أن النكوص Regression قد يحدث في النمو. ويعني بالنكوص تغير السلوك إلى شكل أكثر بدائية بصرف النظر عما إذا كان الشخص نفسه قد مارس هذا السلوك فيما مضى. ويشير أيضا أن الارتداد Retrogression قد يحدث في النمو، ويعني بالارتداد العودة إلى شكل مبكر من أشكال السلوك في تاريخ حياة الشخص. ويقول ليفين إن الإحباط هو أحد العوامل الهامة التي تؤدي إلى النكوص والارتداد. وهكذا فمع تزايد النمو والنضج يتزايد تمايز كل من الشخص والمجال النفسي، ويكون ارتقاء السلوك وظيفة للشخص والمجال النفسي.
تطبيق نظرية المجال في الإرشاد النفسي:
لم يكتب كيرت ليفين مباشرة عن تطبيق نظرية المجال في الإرشاد النفسي، ولكنه طبق مفاهيم نظريته على دراسة السلوك في الطفولة والمراهقة، وديناميات الجماعة، وحل الصراع الاجتماعي، ومشكلات جماعات الأقليات، وإعادة التعلم. وهذا يرتبط بطريق غير مباشر بالإرشاد النفسي.
وقد حاول بعض علماء مدرسة الجشطلت تطبيق نظرية المجال في ميدان الإرشاد والعلاج النفسي، ومن هؤلاء بيرلز Perls الذي استخدم مصطلح علاج الجشطلت Gestalt Therapy منذ سنة ١٩٥١.
стр. 116
ومن أهم تطبيقات نظرية المجال في الإرشاد النفسي ما يلي:
عند الاستقصاء عن أسباب الاضطرابات والمشكلات النفسية يوجه الاهتمام إلى أمور هامة مثل:
- شخصية العميل وخصائصها المرتبطة بالاضطراب والمسببة له.
- خصائص حيز الحياة الخاص بالعميل في زمن حدوث الاضطراب.
- أسباب اضطرابه شخصيا وبيئيا مثل الإحباطات والعوائق المادية والحواجز النفسية التي تحول دون تحقيق أهدافه، والصراعات وما قد يصاحبها من إقدام وهجوم غاضب أو إحجام وتقهقر خائف.
ينظر إلى أعراض الاضطراب والمرض النفسي في مجال له عدة مكونات منها:
- مجال الفرد عن بدء ردود الفعل للاضطراب أو المرض.
- مجال البيئة المادي والثقافي والاقتصادي ... إلخ.
- مجال المرشد أو المعالج وتأثيره.
- مجال طريقة الإرشاد نظريا وعمليا.
في عملية الإرشاد والعلاج تؤكد نظرية المجال ما يلي:
- أهمية تغيير الإدراك؛ لأن طبيعة ما يدركه الشخص تقرر بحالة مجاله الإدراكي ولأن سلوكه الشخصي هو وظيفة لحالة مجاله الإدراكي أثناء لخطة الإدراك، والإدراك يتأثر بعوامل الوقت إذ يجب أن يكون التعرض للموقف كافيا حتى يسمح للحواس بالقيام بوظيفتها بكفاءة، وتؤثر قيم الشخص وأهدافه على إدراكه، وهو يدرك عادة ما يرغب في إدراكه أو ما تدرب على إدراكه. ويلعب الإغلاق "أي ميل الخبرة الجزئية لإكمال نفسها" دورا هاما في تضييق مجال الإدراك ويدفع الشخص إلى الاحتفاظ بتكامل تنظيم شخصيته باللجوء إلى حيل الدفاع النفسي المختلفة، وهكذا تحتاج عملية الإرشاد إلى تغيير الإدراك.
- أهمية مساعدة العميل لجعل العوائق الموجودة في شخصية أكثر مرونة. ومعنى هذا جعلها أقل جمودا مما هي عليه، ومساعدته في وضع أهداف حياة ومستويات طموح واقعية حتى لا
стр. 117
يتعرض للإحباط، ومساعدته في توسيع مجال حياته حتى تتوافر لديه المرونة، ومساعدته على التقليل من جمود العوائق التي تحول بينه وبين تحقيق أهدافه.
- أهمية تغيير مفاهيم الفرد واتجاهاته: وهذا يتطلب تغييرا في ثقافته وفي قيمه، وبالتالي يتطلب بدوره -من بين أشياء أخرى- تهيئة جو تتاح فيه حرية الاختيار مما يتيح تحقيق الهدف.
- أهمية التغيير خطوة خطوة Step by Step في إعادة التعليم؛ حيث ينظر إلى هذه الخطوات في إطار تغير تدريجي.
-أهمية الاستبصار Insight في التعليم. وفيه يؤدي البحث عن حل المشكلة إلى إعادة تكوين المجال وإعادة تنظيم المعلومات مما يؤدي إلى حل يبدو وكأنه يأتي فجاة، ويتم التوصل إلى الاستبصار في الإرشاد والعلاج النفسي بمساعدة المرشد للعميل على استرجاع خبراته الماضية وتنظيم خبراته الحاضرة وتعديل مجاله الإدراكي حتى يتم التوصل إلى الحل، ويتطلب الوصول إلى حل بالاستبصار "تلقائيا وفجأة" إلى فترة "حضانة" تستغرق بعض الوقت.
نقد نظرية المجال:
قدمت نظرية المجال العديد من المفاهيم الهامة التي أفادت في ميدان الإرشاد النفسي، فقد تزايد الانتباه إلى أهمية المجال النفسي للشخص، وإلى تأثير العوامل غير النفسية في حيز الحياة، ونظرية المجال نظرية شاملة متعددة الأبعاد تتناول شبكة من التغيرات المتفاعلة وليس مجرد أزواج من المتغيرات المسرفة في التبسيط كما في نظرية "المثير والاستجابة" ولقد ساعدت نظرية المجال على جعل الإطار المرجعي الذاتي للشخص يحظى بالاحترام العلمي في وقت كانت فيه الموضوعية المفرطة هي الصوت الغالب في علم النفس الذي ركز على الأفعال المنعكسة الشرطية والتعلم الارتباطي الشرطي بين المثير والاستجابة، ولقد رفعت نظرية المجال الإنسان إلى مرتبطة الإنسانية بوصفه مجالا معقدا من الطاقة تحركه قوى نفسية ولديه حاجات نفسية وله أهداف وآمال ومطامح وله القدرة على الاختيار والابتكار، بعد أن كادت السلوكية تنجح في خفض الإنسان إلى مستوى الآلة التي تستجيب آليا للمثير وتدفعها محركات فسيولوجية كآلة مجردة من التلقائية والابتكار والحيوية، يكاد يصدق عليها ما يصدق على الكلاب والقطط والفئران. كذلك فإن نظرية المجال أدت إلى إجراء البحث في السلوك الإنساني كما يعبر عنه في مجال نفسي إجماعي، وهذا جعل نظرية المجال تحظى بمنزلة مرموقة في علم النفس المعاصر.
стр. 118
وعلى الرغم من هذا يوجه إلى نظرية المجال انتقادات أهمها:
- استخدام تصويرات معقدة لمواقف نفسية بسطية.
- عدم وضع قوانين محددة تلخص النظرية.
- عدم إمكان التنبؤ بالسلوك في ضوء النظرية.
- إهمال التاريخ الماضي للفرد على أساس أن السلوك يعتمد على الحاضر أكثر من اعتماده على الماضي أو المستقبل، على الرغم من أن التفسير الكامل للسلوك الراهن والتنبؤ بالسلوك في المستقبل يتطلب إطارا مرجعيا تاريخيا.
- إساءة استخدام المفاهيم الطبيعية والرياضية مثل مفهوم القوة الموجهة والقيمة والتوتر وغيرها، وعدم صياغتها صياغة كاملة مما جعل البعض يفهمونها بمفهومها الطبيعي والرياضي.
стр. 119
نظرية السمات والعومل TRAIT AND FACTOR THEORY:
ترجع أصول نظرية السمات والعوامل إلى علم النفس الفارق ودراسة وقياس الفروق الفردية، وتستند هذه النظرية إلى دأب علماء النفس وخاصة المهتمين بدراسة سيكولوجية الشخصية على تحديد سمات الشخصية وتحليل عواملها سعيا لتصنيف الناس والتعرف على السمات والعوامل التي تحدد السلوك والتي يمكن قياسها وتمكن من التنبؤ بالسلوك.
ومن أهم سمات نظرية السمات والعوامل تركيزها على العوامل المحددة التي تفسر السلوك البشري والتي تمكن من تحديد سمات الشخصية.
وقد استفادت نظرية السمات والعوامل من حركة القياس النفسي التي ازدهرت بعد الحرب العالمية الأولى والتي أثرت بدورها في نمو الإرشاد النفسي، وكان من أهم مظاهرها نمو التحليل العاملي كأسلوب إحصائي وارتبطت به نظرية السمات والعوامل ارتباطا صريحا، وجعلها تعتبر تطبيقا عمليا للتحليل العاملي في ميدان الإرشاد النفسي.
مفاهيم ورواد السمات والعوامل:
من أهم مفاهيم نظرية السمات والعوامل ما يلي:
السلوك: تفترض النظرية أن سلوك الإنسان يمكن أن ينظم بطريقة مباشرة، وأنه يمكن قياس السمات والعوامل المحددة لهذا السلوك باستخدام الاختبارات والمقاييس للوقوف على الفروق
стр. 120
والسمات المميزة للشخصية، وترى النظرية أن نمو السلوك يتقدم من الطفولة إلى المرشد من خلال نضج السمات والعوامل.
الشخصية: الشخصية حسب هذه النظرية عبارة عن نظام يتكون من مجموعة سمات أو عوامل مستقلة تمثل مجموع أجزائها، أي أنها عبارة عن انتظام دينامي لمختلف سمات الشخص.
السمات Traits: السمة هي الصفة "الجسمية أو العقلية أو الانفعالية أو الاجتماعية" الفطرية أو المكتسبة التي يتميز بها الشخص، وتعبر عن استعداد ثابت نسبيا لنوع معين من السلوك. وتقول نظرية السمات والعوامل: إن الفرد يمكن أن يفهم في ضوء سمات شخصيته التي تعبر عن سلوكه، فيمكن أن يوصف بأنه ذكي أو غبي أو منطو أو منبسط أو عصابي أو ذهاني ... إلخ. "هيور Hewer؛ ١٩٦٣" وتمتد السمات على طول متصل أو بعد يوضح أن معظم الناس يقعون في مكان ما حول منتصف هذا المتصل أو البعد، وفي نهاية المتصل من الجانبين يوجد عدد قليل من الأفراد لديهم هذه السمة في أقصى صورها تطرفا. ولقد حاول علماء النفس حصر سمات الشخصية فكان عددها بالآلاف، وعندئذ لجئوا إلى التحليل العاملي وحصلوا عن طريقه على السمات العامة. "انظر شكل ٢٦" وتقسم السمات بصفة عامة على النحو التالي: "انظر هول ولندزي، ١٩٧١":
- سمات مشتركة: يتسم بها الأفراد جميعا، أو على الأقل جميع الأفراد الذين يشتركون في خبرات اجتماعية معينة.
- سمات فريدة: لا تتوافر إلا لدى فرد معين، ولا توجد على نفس الصورة بالضبط لدى الآخرين.
- سمات سطحية: وهي السمات الواضحة الظاهرة.
- سمات مصدرية: وهي السمات الكامنة التي تعتبر أساس السمات السطحية.
стр. 121
-سمات مكتسبة: تنتج عن فعل العوامل البيئية وهي سمات متعلمة.
- سمات وراثية: وهي سمات تكوينية تنتج عن العوامل الوراثية ولا تحتاج إلى تعليم.
- سمات دينامية: تهيئ الفرد وتدفعه نحو الأهداف.
- سمات قدرة: تتعلق بمدى قدرة الفرد على تحقيق الأهداف.
العوامل Factors: العامل مفهوم رياضي إحصائي يوضح المكونات المحتملة للظواهر وتفسيره النفسي يسمى القدرة، والتحليل العاملي Factor Analysis أسلوب إحصائي للتوصل إلى أقل عدد ممكن من العوامل المشتركة اللازمة لتفسير مجموعة من الارتباطات والتي تؤثر في أي عدد من الظواهر المختلفة، ويهدف التحليل العاملي -ضمن ما يهدف إليه- إلى تحديد العوامل الأساسية للسلوك بتحديد القدرات الأولية في النشاط العقلي والعلاقة القائمة بين تلك القدرات، وقد تم تقديم الأفكار الأساسية للتحليل العاملي على يد سبيرمان Spearman صاحب نظرية العاملين "العام والخاص" وثرستون Thurstone صاحب نظرية العوامل المتعددة "العامة والطائفية" وسيريل بيرت Burt الذي حدد عوامل عالمية Universal أو عامة General وعوامل خاصة وعوامل الصدفة أو الخطأ، وقد أسهم عدد آخر من العلماء إسهامات يضيق المجال عن حصرها، ومن هؤلاء جوردون أولبورت Allport وستيفينوس Stephenson وجليفورد Guilford. وهؤلاء يعتقدون أن السلوك البشري يمكن التوصل إلى أسراره عن طريق التحصيل العاملي وتدويره المحاور.
إسهام هانز أيزينك Eysenck: من أبرز من أسهموا في نظرية السمات والعوامل هانز إيزينك حيث قدم وصفا منظما للشخصية حيث تكون العادات أساس يقوم عليه سمات الشخصية، وهذه بدورها تتجمع في أبعاد قليلة بناء على تحليل عاملي أدى إلى التوصل إلى الأبعاد الآتية:
الانبساط Extraversion "أي الاجتماعية والمرونة"، وعكسه الانطواء Introversion، والعصابية Neuroticism "أي الاستعداد للمرض العصابي" والذهانية Psychoticism "أي الاستعداد للمرض الذهاني" ويضاف إلى ذلك أبعاد مثل: المحافظة التطرف، البساطة التعقيد، الصلابة الليونة، الديمقراطية التسلطية.
стр. 122
إسهام ريموند كاتيل Cattell: توصل ريموند كاتيل إلى السمات الآتية: الاجتماعية ضد العدوانية، الذكاء العام ضد الضعف العقلي، الثبات الانفعالي أو قوة الأنا ضد عدم الثبات الانفعالي أو ضعف الأنا، التحرر ضد المحافظة، السيطرة ضد الخضوع، الانبساط ضد الانطواء، قوة الأنا الأعلى ضد ضعف الأنا الأعلى، المخاطرة والإقدام ضد الحرص والخجل، الواقعية ضد الرومانسية، البساطة ضد نقد الذات، الثقة الكاملة بالنفس ضد الميل للشعور بالإثم، الاكتفاء الذاتي ضد الاعتماد على الجماعة، قوة اعتبار الذات ضد ضعف اعتبار الذات، قوة التوتر الدافعي ضد ضعف التوتر الدافعي، التبصر ضد السذاجة.
تطبيقات نظرية السمات والعوامل في الإرشاد النفسي:
لقد أسهمت نظرية السمات والعوامل بقدر كبير في التوجيه والإرشاد النفسي. ومن أهم ما تقرره النظرية أن الناس يختلفون في سماتهم، وإذا أمكن فصل وقياس وتقييم السمات فإن من الممكن تحديد عوامل تفيد في عملية الإرشاد.
وتعتبر نظرية السمات والعوامل هي الأساس النظري الذي تقوم عليه طريقه الإرشاد الموجه Derective Counselling أو الإرشاد الممركز حول المرشد Counsellor- centred counselling وأشهر من طبقوا هذه النظرية في الإرشاد النفسي هو ويليامسون Williamson؛ "١٩٦٥" رائد طريقة الإرشاد الموجه. وكما سنرى في الفصل السابع فإن الإرشاد يتضمن تحليل المعلومات الخاصة بالعميل وتركيبها، بحيث تظهر سماته المميزة، وتشخيص المشكلة بالاستعانة بالاختبارات والمقاييس الموضوعية، والتنبوء بالتطور المتوقع في المستقبل، ومن الافتراضات الأساسية في نظرية السمات والعوامل فيما يتعلق بالإرشاد الموجه ما يلي:
- أن عملية الإرشاد النفسي أساسا عملية عقلية معرفية.
- أن سوء التوافق لدى الأشخاص العاديين يترك جزءا كبيرا من العقل يمكن استخدامه في التعلم وإعادة التعلم.
- أن المرشد مسئول عن تحديد المعلومات المطلوبة وعن جمعها وتقديمها إلى العميل.
- أن المرشد لديه معلومات وخبرة أكثر وقدرة على تقديم النصح وحل المشكلات بطريقة الإرشاد الموجه. ومن ثم يكاد ينظر إلى المرشد نظرة المعلم الذي يوجه عملية التعلم لدى العميل.
стр. 123
وتهتم نظرية السمات والعوامل بالتشخيص النفسي واستخدام طرق الإرشاد التي تناسب اختلاف الشخصية من فرد لآخر، وتهتم كذلك بتحليل العميل وتطبيق الاختبارات والمقاييس النفسية التي تعطي تقديرات كمية لسمات العميل تفيد عمليا في اختياره التربوي والمهني، ويعتبر البعض أن تقدير سمات شخصية العميل يحتل مكان القلب في عملية الإرشاد، ولقد استخدم التحليل العاملي بنجاح في اختبارت الذكاء والقدرات والشخصية.
نقد نظرية السمات والعوامل:
على الرغم من الإسهامات الواضحة لنظرية السمات والعوامل في الإرشاد النفسي، يوجه إليها بعض الانتقادات أهمها:
- لا يوجد اتفاق عام حول معاني السمات والعوامل.
- التحليل العاملي أسلوب إحصائي كثيرا ما أحسن استخدامه، وكذلك أسيء استخدامه في بعض الأحيان.
- تركز النظرية على تبيان ما هو سلوك العميل، ولكنها لا تحدد كيف يسلك العميل أو لماذا يسلك سلوكا دون غيره، ولا توضح توضيحا كاملا دور الدافعية الهام في السلوك.
- لا تمكن النظرية حتى الآن من تقديم وصف كامل للشخصية على كل أبعادها.
- بالنسبة لوحدة وتكامل الشخصية الإنسانية وضرورة فهمها فهما متكاملا، يثار بعض الشك في قيمة نظرية السمات والعوامل كنظرية أساسية في ميدان الإرشاد والعلاج النفسي.
стр. 124
نظرية التحليل النفسي PSYCHOANALYTIC THEORY:
يدور حول نظرية التحليل النفسي جدل كثير. فمن الناس من يرى أن هذه النظرية تخرج عن إطار الإرشاد النفسي لأنها قامت على أساس بحوث عن المرضى النفسيين وليس عن العاديين الذين يهتم بهم التوجيه والإرشاد. ومن الناس من يردد بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة عن التحليل النفسي منها: أنه يدور كله حوله الجنس. وقد نتج هذا الفهم عن أن الدراسات الأولى للتحلي النفسي تضمنت الكثير عن هذه الناحية "التي كان يتغاضى عنها أو يتغافلها أو يتجاهلها المعالجون السابقون" رغم أنه ثبت أن كثيرا من الأمراض النفسية ترجع إلى الصراع الجنسي. كذلك يعتقد البعض أن التحليل النفسي يتنافى مع الدين. ولكننا نعلم أن المحللين النفسيين كبشر ينتمون إلى أديان مختلفة فمنهم اليهود ومنهم المسيحيون ومنهم المسلمون ولا
стр. 125
يتناول التحليل النفسي ولا يتعرض للمعتقدات الدينية ولا يتناولها بالتعديل بأي حال من الأحوال.
ونحن نعلم أن أهدى سبيل هو أن ندرس هذه النظرية في ضوء قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ .
وفي وضوء هذا يرى المؤلف أن هناك ما يبرر وضع نظرية التحليل النفسي ضمن نظريات الإرشاد النفسي.
فهناك من بين المرشدين النفسيين من هو متأثر بهذه النظرية.
وهناك تعديلات دخلت على نظرية التحليل النفسي الكلاسيكي جعلتها أكثر قابلية للتطبيق في ميدان الإرشاد النفسي، وكذلك فإن عملية الإرشاد النفسي تتضمن إجراءات هي أصلا من إجراءات عملية التحليل النفسي مثل التداعي الحر والتنفيس الانفعالي. ومن طوارئ عملية الإرشاد ما يعتبر من المفاهيم الهامة في التحليل النفسي مثل المقاومة والتحويل.
مفاهيم نظرية التحليل النفسي:
الشخصية:
يفترض سيجموند فرويد Freud؛ "١٩٣٣" مؤسس هذه النظرية، أن الجهاز النفسي يتكون من الهو والأنا والأنا الأعلى. أما الهو Id فهو منبع الطاقة الحيوية والنفسية ومستودع الغرائز والدوافع الفطرية التي تسعى إلى الإشباع في أي صورة وبأي ثمن وهو الصورة البدائية للشخصية قبل أن يتناولها المجتمع بالتهذيب، وأما الأنا الأعلى Super- ego فهو مستودع المثاليات والأخلاقيات والضمير والمعايير والقيم الاجتماعية والقيم الدينية، ويعتبر بمثابة سلطة
стр. 126
داخلية أو رقيب نفسي. وأما الأنا Ego فهو مركز الشعور والإدراك الحسي الخارجي والداخلي والعمليات العقلية والمشرف على الحركة والإدارة والمتكفل بالدفاع عن الشخصية وتوافقها وحل الصراع بين مطالب الهو وبين مطالب الأنا الأعلى وبين الواقع، ولذلك فهو محرك منفذ للشخصية ويعمل في ضوء مبدأ الواقع من أجل حفظ وتحقيق الذات والتوافق الاجتماعي "انظر شكل ٢٩".
ويرى فرويد أن الجهاز النفسي لا بد أن يكون متوازنا حتى تسير الحياة سيرا سويا، ولذلك يحاول الأنا حل الصراع بين الهو والأنا الأعلى، فإذا نجح كان الشخص سويا، وإذا أخفق ظهرت أعراض العصاب.
وأضاف كارل يونج Jung أهمية الذات Self كجهاز مركزي للشخصية يضفي عليها وحدتها وتوازنها وثباتها، وأنها تحرك وتنظم السلوك، وفصل يونج أنا شعوريا أطلق عليه اسم الظل Shadow يغوص في اللاشعور حيث له نموذج أصلي Archetype دفعاته بدائية تهدد الشخصية، وإذا اصطدمت مع التوافق مع الواقع ظهر ذلك في شكل أعراض عصابية، واهتم يونج بمفهوم الشخصية المقدمة Persona التي هي بمثابة قناع يلبسه الشخص للتوافق مع البيئة الاجتماعية، وفروعهما التفكيري والوجداني والحسي والإلهامي.
وتكلم ألفريد آدلر Adler عن مفهوم الذات ومفهوم الآخرين والذات المبتكرة Creative Self وهي العنصر الدينامي النشط في حياة الشخص وتبحث عن الخبرات التي تنتهي بتحديد أسلوب حياة الشخص.
وقدمت كارين هورني Horney مفهوم الذات الدينامي وهي تعتقد أن الشخص يناضل في الحياة من أجل تحقيق ذاته، وتحدثت عن الذات المثالية، والذات الواقعية، والذات الحقيقية، وترى أن العصاب ينشأ عن بعد الشخص عن ذاته الحقيقية والسعي وراء صورة مثالية غير واقعية.
وتحدث أوتو رانك Rank عن نمو الذات من الطفولة وجهود الفرد الدائمة من أجل تحقيق ذاته وتأكيدها وتقبلها، يقول رانك: إن تطور الفردية يمر بأدوار ثلاثة، هي دور الشخص العادي ثم دور الشخص العصابي ثم دور الشخص المتوافق.
ويعتقد هاري ستاك سوليفان Sullivan أن جهاز الذات ينمو بطريقة يحفظ بها نفسه ضد القلق الذي يعتبر نتاجا للتفاعل الاجتماعي. ويعتبر أن دينامية الذات تلعب دورا هاما في تنظيم السلوك وفي تحقيق الحاجة للقبول والتقبل.
стр. 127
ويرى إيريك فروم Fromm أن الشخصية هي مجموعة السمات النفسية والجسمية والموروثة والمكتسبة التي تميز الفرد وتجعل منه شخصا فريدا لا نظير له، ويؤكد دور الأسرة في إكساب الشخص الخلق الاجتماعي Social Character مع احتفاظه بما أسماه "الخلق الفردي".
الشعور واللاشعور وما قبل الشعور:
الشعور Consciousness حسب فرويد هو منطقة الوعي الكامل والاتصال بالعالم الخارجي، وهو الجزء السطحي فقط من الجهاز النفسي. ويطلق يونج على الشعور اسم "العقل الواعي" الذي يتكون من المدركات والذكريات والمشاعر الواعية.
واللاشعور Unconsciousness كما حدده فرويد يكون معظم الجهاز النفسي، وهو يحوي ما هو كامن وليس متاحا ومن الصعب استدعاؤه أي ما هو مكبوت. ويقول إن المكبوتات تسعى إلى الخروج من اللاشعور إلى الشعور في الأحلام وفي أعراض الأمراض النفسية، وتحدث يونج عن اللاشعور الشخصي الذي يتكون من خبرات الفرد المكبوتة والعقد، ويستخدم في استكشافه اختبار تداعي الكلمات. أما اللاشعور الجمعي فهو مشترك بين كل الأشخاص ويتكون من تراث النماذج الأصلية للإنسان مثل نموذج الأم العامة ونموذج الميلاد ونموذج الموت. ويمكن فهم اللاشعور الجمعي عن طريق دراسة الأحلام والطقوس والأساطير.
أما ما قبل الشعور Preconsciousness فهو يحتوي على ما هو كامن وليس في الشعور ولكنه متاح ويسهل استدعاؤه إلى الشعور مثل الذكريات.
الغرائز:
الغريزة Instinct كما عرفها فرويد عبارة عن قوة نفترض وجودها وراء التوترات المتأصلة في حاجات الكائن الحي وتمثل مطلب الجسم من الحياة النفسية، وهدفها القضاء على هذا التوتر، وموضوعها هو الأداة التي تحقق الإشباع، وتوجد الغرائز الأساسية وهي غريزة الحياة Eros ويقابلها غريزة الموت Thanatos ويوجد صراع دائم بينهما، والسلوك يكون مزيجا متوافقا أو متعارضا من الغريزتين، ويؤدي فساد هذا المزيج إلى اضطراب السلوك.
وغرائز الأنا هي القوى التي تعمل على حفظ الأنا وهي القوى المعارضة للغريزة الجنسية، والكبت هو نتيجة تغلب غرائز الأنا. والنرجسية معناها حب الذات.
стр. 128
والغريزة الجنسية لها أهميتها في توجيه السلوك، واضطرابها ومشكلاتها تؤدي إلى أمراض نفسية، ويلاحظ أن فرويد استخدم مصطلح "جنسي" بمعناه الواسع مشيرا إلى أي نوع من النشاط يجلب اللذة بإشباع الحاجات الجسمية، والمظهر الدينامي للغريزة الجنسية هو الطاقة الجنسية أو "الليبيدو" Libido وتحدث فرويد عن مراحل تطور الغريزة الجنسية من المرحلة الفمية في الطفولة إلى المرحلة التناسلية في الرشد. ويرى فرويد أن النمو الجنسي قد يتعرض في أي مرحلة لحالة من التثبيت أو حالة من النكوص.
وقد حدثت حركات انشقاق بين فرويد وبين زملائه وتلاميذه الذين عارضوا رأيه عن الجنسية الشاملة، فقد قلل يونج من شأن سيطرة الميول الجنسية في الحياة النفسية وإن لم ينكر أهميتها، وقلل آدلر من شأن الناحية الجنسية في تسبيب الأمراض النفسية. ورفضت كارين هورني فكرة الليبيدو وعقدة أوديب ولكنها لم تغفل أهمية الغريزة الجنسية كلية، ولم يوافق رانك على أهمية الغريزة الجنسية كدافع أساسي للسلوك. ونقد فروم التركيز على الغريزة الجنسية وأظهر أهمية النواحي الاجتماعية في تحديد السلوك.
النواحي الاجتماعية والثقافية والبيئية والدينية:
معظم العوامل الاجتماعية ترجع في رأي فرويد إلى دوافع غريزية، فالحب يرجع إلى الغريزة الجنسية، والإبداع مظهر من مظاهر إعلائها، والحرب ترجع إلى غريزة الموت.
والدين: عنصر أساسي من عناصر الحياة النفسية، ويقول يونج: إن الدين يؤثر في صفاء الحياة النفسية للإنسان واتزانها وهدايتها وتحقيق هدف الحياة.
والمؤثرات الثقافية والبيئية والاجتماعية: اهتم آدلر بأهميتها في تكوين أسلوب حياة الفرد، وركز على أثر العلاقات الدينامية داخل الأسرة في هذا الصدد.
والعلاقات الإنسانية: من أهم ما أكدته كارين هورني وقالت: إن الإنسان يمكن أن يغير وأن يحسن نفسه ما دام حيا يرزق، وأبرز سوليفان أهمية العلاقات الشخصية وتكامل الشخص مع الوسط الذي يعيش فيه في عملية التنشئة الاجتماعية والتطبيع الثقافي.
والخلق أو الطابع الاجتماعي: يعتبر في رأي فروم نواة تركيب الخلق.
مفاهيم خاصة في نظرية التحليل النفسي:
صدمة الميلاد Birth Trauma: تحدث أوتو رانك عن صدمة الميلاد كصدمة نفسية تصيب الإنسان لأنه يعتبر وكأنه انفصال وطرد من السعادة الأساسية التي كان فيها وهو في الرحم،
стр. 129
وتكمن هنا "باكورة القلق" أو "القلق الأولي" الذي يطمس حالة "السرور الأولي" في مرحلة ما قبل الميلاد، وهكذا يوضع أساس "كبت أولي" ويحاول الفرد التغلب على صدمة الميلاد، وإذا فشل أصبح عصابيا.
عقدة النقص Inferiority Complex: يقول ألفريد آدلر: إن هذه العقدة تتكون نتيجة لوجود قصور جسمي أو عقلي أو اجتماعي أو اقتصادي مما يؤثر على حياة الشخص النفسية ويشعره بالنقص والدونية وعدم الأمن وعدم الكفاية، ويتبع ذلك تعويض أو عدوان لتخفيف الشعور بالنقص.
أسلوب الحياة Life Style: يذكر آدل أن الشخص يتخذ لنفسه أسلوب حياة يؤدي إلى تحقيق الحياة وهو تحقيق الذات، ومن الناس من يتخذ لنفسه أسلوب العلم أو النشاط الاقتصادي أو النشاط الرياضي أو العلاقات الاجتماعية ... إلخ كأسلوب حياة تلعب إمكانات الفرد الموروثة وخبرات نموه منذ الطفولة دورا هاما في تحديده.
الغائية: Finalism اهتم آدلر بفكرة الغائية أو هدف الحياة Life Coal الذي يحدد أسلوب حياة الفرد وسلوكه، ولذلك يجب أن يكون واقعيا ممكن التحقيق. ويؤكد آدلر أن المرض النفسي ينتج عن اتجاه الفرد نحو غاية وهمية أو هدف لا يستطيع تحقيقه.
الإرادة Will: أكد أوتو رانك أهمية الإدارة، أي القوة المتكاملة للشخصية والتي يمثلها الأنا ويظهرها الكفاح بين الذات وبين العالم حين يستطيع أن يعطي ويأخذ وأن يغير ويتغير وأن يحول ويتحول وأن يختار ويتخذ القرار، إن الإدارة مفهوم جوهري لأن الإنسان يعيش في عالم مليء بالعقبات يستلزم الكفاح والجهاد في سبيل الحياة، وقد يتطلب الحال وجود "إرادة مضادة" Counter Will ويتضح ذلك من خلال ما هو معروف من أن "الممنوع مرغوب" ويرى رانك أن تكون "الإرادة الإيجابية الحقيقية" يعتبر عاملا هاما في النمو السوي، وأن "قوة الإرادة" عامل هام في العلاج النفسي١.
تطبيقات نظرية التحليل النفسي في الإرشاد النفسي:
يعتبر التحليل النفسي نظرية نفسية عن ديناميات الطبيعة البشرية وعن بناء الشخصية، ومنهج بحث لدراسة السلوك البشري، وهو أيضا طريقة علاج.
стр. 130
والمرض في ضوء نظرية التحليل النفسي: من أهم أسبابه الصراع بين الغرائز والمجتمع كما يقول فرويد. وتقول كارين هورني: إن الصراع لا يقتصر تفسيره على الناحية الغريزية ولكنه يرتبط بالحاجة إلى الأمن، وينشأ "الصراع النفسي" في رأيها بسبب تعارض رغبات الفرد واتجاهاته، وكذلك تعتقد هورني بوجود "صراع داخلي مركزي" بين الذات الحقيقية والذات العصابية.
والعصاب Neurosis في رأي فرويد يرجع إلى عوامل حيوية وليس إلى عوامل ثقافية أو اجتماعية، والقلق لب العصاب ومحوره، ويرى أنه لا يوجد عصاب نفسي بدون استعداد عصابي أي بدون عصاب طفلي، ويرى يونج أن العصاب محاولة غير ناضجة للتعامل مع الواقع، ويرجع إلى الذكريات المكبوتة في اللاشعور وإلى مشكلات الفرد التي لم يحل. ويعتقد آدلر أن العصاب ينشأ من خطأ الفرد في إدراك وتفسير بيئته وصعوبة اتخاذ أسلوب العصاب، وأن هناك ثلاثة اتجاهات عصابية: الاتجاه الأول يتميز بالتحرك نحو الناس، والثاني يتميز بالتحرك بعيدا عن الناس، والثالث يتميز بالتمركز حول الذات، ويعتقد رانك أن العصابي هو ذلك الشخص الذي لا ينجح في محاولة التغلب على صدمة الميلاد، ويرى فروم أن العصاب هو أحد مظاهر الفشل الأخلاقي، وأن العرض العصابي يكون في كثير من الحالات تعبيرا عن نزاع أخلاقي، وتمثل الأعراض العصابية غالبا تعبيرات عن مشاكل الإنسان الحديث الذي يعيش في عصر القلق. وعلى العموم فإن العصاب هو أكثر الأمراض النفسية قابلية للعلاج بالتحليل النفسي.
والذهان Paychosis: في رأي فروي صورة خطيرة لاضطراب السلوك، تظهر تغيرات مرضية في إدراك الواقع وفي السيطرة على الذات، ويرجع آدلر الذهان سواء كان فصاما أو ذهان الهوس والاكتئاب إلى خليط من أسباب نفسية وأسباب جسمية.
أما عن خطوات التحليل النفسي التي تدخل ضمن الخطوات العامة في عملية الإرشاد النفسي فمن أهمها "العلاقة العلاجية" الدينامية بين العميل والمرشد المعالج التي يسودها التقبل والتفاعل الاجتماعي السليم. ومنها التطهير أو التفريغ الانفعالي Catharseis للمواد المكبوتة سواء كانت حوادث أو خبرات أو دوافع أو صراعات بمصاحباتها الانفعالية بما يؤدي إلى اختفاء أعراض العصاب، ومنها التداعي الحر أو الترابط الطليق Free Association للكشف عن المواد المكبوتة في اللاشعور عن طريق إطلاق العنان بحرية للأفكار والخواطر والاتجاهات والصراعات والرغبات والإحساسات، مع الاستفادة من فلتات اللسان وزلات القلم وتفسير ما
стр. 131
يكشف عن التداعي الحر. والتفسير يتضمن إيضاح ما ليس واضحا وإفهام ما ليس مفهوما بأسلوب منطقي كامل وصحيح وفي لغة علمية مترجمة إلى لغة يفهما العميل. والتعلم وبناء العادات تدريجيا وإعادة تعليم وتوجيه العميل خطوة هامة أيضا. وهكذا نجد أن التحليل النفسي والإرشاد النفسي يشتركان في هذه الخطوات، وبالإضافة إلى ذلك يهتم كل من التحليل النفسي والإرشاد النفسي بإعادة التوازن بين أركان الشخصية وحل الصراعات وإعادة غرس الإيمان ومعرفة هدف حياة العميل وأسلوب حياته وتنمية مفهوم موجب عن الذات والتقليل من حدة القلق وتكوين الإرادة الإيجابية وتغيير وعلاج البيئة والوسط الاجتماعي وتحسين مفهوم الذات "انظر حامد زهران، ١٩٩٧".
ويتضح مما سبق أنه طرأ على نظرية التحليل النفسي الكلاسيكي كما وضعها فرويد ورفاقه بعض التعديلات الحديثة التي تناسب الإرشاد النفسي أدخلها زملاؤه وتلاميذه منهم أنا فرويد Anna Freud والفرويديون الجدد New- Freudinans وغيرهم. وقد ركز هؤلاء جميعا على اختصار وتقصير مدة التحليل النفسي. ومن أهم ملامح تعديلات نظرية التحليل النفسي "التحليل النفسي التوزيعي" Distributive Psychoanalysis الذي أتى به أدولف ميير Meyer وهو يتضمن الفحص والتحليل الموجه لخبرات العميل مع التركيز على إمكاناته واحتمالاته ومساعدته على اتخاذ قرارات عملية خاصة بمستقبله، ومن هذه التعديلات أيضا "العلاج التدعيمي" Supportive therapy الذي يتعامل مع الجزء السليم من الشخصية وينميه ويدعمه ويعزز دفاعات العميل السوية، ويستخدم أساليب مثل الإيحاء والحث والتعزيز ولا يتتبع صراعات العميل في عمق أكبر، وهذا الأسلوب يستخدم عادة مع العملاء الذين يعانون من الحساسية النفسية والذين لا تتطلب حالاتهم التحليل النفسي العميق، ومن التعديلات التي ظهرت في شكل التحليل النفسي المختصر ما جاءت به هورني التي تتغاضى عن ماضي العميل وتركز على دراسة الاضطراب في وضعه الحاضر. ومنها أيضا ما جاء به أليكساندر Alexander الذي يركز على تهيئة جو آمن مرن يستطيع فيه العميل تعديل عاداته السلوكية المرضية بسرعة.
وقد ظهر مؤلفات عن "التحليل النفسي المصغر" Micropsychoanalysis "انظر سيلفانو فانتي Fanti؛ ١٩٩٠". ويلاحظ أن استخدامها أي صورة معدلة من التحليل النفسي في ميدان الإرشاد النفسي يجب أن تقتصر ممارستها على المرشد العلاجي المتخصص.
ويكاد يكون المجال الرئيسي من مجالات الإرشاد النفسي الذي يطبق فيه نظرية التحليل النفسي هو الإرشاد العلاجي
стр. 132
نقد نظرية التحليل النفسي:
التحليل النفسي كنظرية وكطريقة علاج له مزايا أهمها: الاهتمام بعلاج أسباب المشكلات والاضطرابات، وتناول الجوانب اللاشعورية إلى جانب الشعورية في الحياة النفسية للعميل، وتحرير العميل من دوافعه المكبوتة وإعلاؤها واستثمار طاقتها، والاهتمام بالسنوات الأولى من حياة العميل، والاهتمام بأثر الوسط الاجتماعي والثقافي للفرد في نموه وسلوكه، والعودة بالشخصية المضطربة إلى حالة التكامل والنضج ومواجهة الواقع والاستمتاع بالحياة.
وعلى الرغم من هذا، فقد لاقى الاتجاه التحليلي بصفة خاصة في ميدان الإرشاد النفسي معارضة ونقدا شديدين على أساس ما يلي:
- أن التحليل النفسي يهتم بالمرضى والمضطربين أكثر من اهتمامه بالأسوياء والعاديين.
- أنه عملية طويلة وشاقة ومكلفة في الوقت والجهد والمال ويحتاج إلى خبرة واسعة وتدريب عملي طويل قد لا يتوافر إلا لعدد قليل من الأخصائيين.
- أن هناك خلافات نظرية ومنهجية بين طريقة التحليل النفسي الكلاسيكي وبين طرق التحليل النفسي الحديث والمعدل والمختصر "المصغر".
- أن بعض المشتغلين بالإرشاد والعلاج النفسي يرون -في تعصب- أن التحليل النفسي هو الطريقة المثلى وأنه يعلو على كل الطرق الأخرى.
- أن بعض المشتغلين بالإرشاد والعلاج النفسي يحملون نحو التحليل النفسي اتجاها سالبا ينفعل أحيانا حتى يصل إلى تعصب ضده إلى درجة تجعلهم يسقطون نظرية التحليل النفسي من حسباهم تماما أو يجعلون منها محورا لنقدهم ليس في الإرشاد والعلاج النفسي فحسب بل في علم النفس كله، على أساس أن فرويد يهودي صهيوني مغرض صنع نظرية مبهرجة ذات اتجاه يهودي مادي جنسي تقوم على أساس مخلخل ومنهج غير علمي.
стр. 133
أوجه الشبه والاختلاف بين نظريات التوجيه والإرشاد النفسي:
يوجد بين نظريات التوجيه والإرشاد أوجه شبه وأوجه اختلاف يحسن الإحاطة بها، ولحسن الحظ فإن أوجه الشبه أكثر من أوجه الاختلاف. ويرى البعض أن نظريات الإرشاد النفسي تختلف مع بعضها البعض ولكن بدون تعارض، فالأسس واحدة خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين
стр. 134
المرشد والعميل. وعلى العموم فإن سبب أوجه الاختلاف أساسا هو أن كل نظرية تقوم على ملاحظات ودراسات تجريبية وممارسات كلينيكية تختلف عن الأخرى. ولكن المهم هو أن معرفة أوجه الشبه والاختلاف بين النظريات تفيد في أن هذه النظريات مجتمعة تعلمنا الكثير وأن كلا منها منفردة تعلمنا شيئا.
أوجه الشبه بين نظريات الإرشاد النفسي:
فيما يلي أهم أوجه الشبه بين نظريات الإرشاد النفسي:
- كل النظريات تسعى نحو شيء واحد في الواقع، وكل طرق الإرشاد التي ترتبط بها تؤدي إلى نفس الهدف وهو تحقيق الذات.
- كل النظريات تحاول فهم: كيف ينشأ القلق وكيف تهب وسائل الدفاع النفسي وأساليب التوافق وكيف يمكن تعديل السلوك.
- الفرد لديه دوافع وحاجات وقوى حيوية تتحكم في سلوكه.
- البيئة والمجال النفسي أو عالم الخبرة الشخصية مهم جنبا إلى جنب مع البيئة الاجتماعية وعالم الواقع.
- الماضي يؤثر في الحاضر ويشير إلى المستقبل.
- التعلم خطوة أساسية من أجل تحقيق التوافق النفسي عن طريق تغيير السلوك.
- أهم ما في عملية الإرشاد هو العلاقة الإرشادية التي تتسم بالجو النفسي المتقبل الخالي من التهديد، الذي يحرر قوى النمو والتوافق لدى الفرد لتحقيق الصحة النفسية.
أوجه الاختلاف بين نظريات الإرشاد النفسي:
فيما يلي أهم أوجه الاختلاف بين نظريات الإرشاد النفسي:
- بعض النظريات نما في حجرات المعالجين وبعضها خرج من معامل علم النفس وبعضها نتج عن الدراسات الإحصائية.
- يوجد اختلافات حول الأهمية النسبية للمحددات الشعورية واللاشعورية للسلوك.
- تختلف النظريات حول أهمية الدور الذي يلعبه التعزيز وعضوية الجماعة وخبرات الحياة الماضية خاصة في الطفولة في تحديد السلوك.
- تتفاوت النظرة إلى أهمية الخبرات والذاتية، فالبعض يؤكد أهمية الموضوعية والسلوك الملاحظ، والبعض يؤكد أهمية الخبرات الداخلية.
стр. 135
- بعض النظريات تحترم الاختبارات النفسية وتعظمها، بينما بعضها -مثل نظرية الذات- تؤكد أن الأساس الأهم هو مفهوم الفرد عن ذاته الذي يحدد سلوكه بصرف النظر عن درجات الاختبارات.
أوجه الشبه والاختلاف رحمة:
وهكذا نجد أن التشابه والتقارب بين نظريات التوجيه والإرشاد النفسي يفيد في إمكان توحيد وجهات النظر ويبعث على الأمل في الوصول إلى نظرية عامة شاملة. وفي نفس الوقت نجد أن في اختلافات النظريات رحمة بالمرشد الذي يختار من كل منها أو من أي منها ما قد يحتاج إليه عندما يتعامل مع مشكلة فرد أو مشكلة جماعة، وهذا هو الأسلوب الخياري الانتقائي التوفيقي Eclectic ويهمنا في عيادات الإرشاد النفسي أن تتنوع الطرق وأن تتكامل، وفي هذه الحالة يكون المطلوب هو استخدام النظريات المختلفة حتى لا يكون كل المرشدين نسخا متكررة يتبعون طريقة واحدة ونظرية واحدة.
стр. 136
الفصل الرابع: المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد النفسي
أهمية المعلومات
...
стр. 137
الفصل الرابع: المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد النفسي:
أهمية المعلومات:
حلقة الوصل بين النظري والعملي:
يتناول هذا الفصل المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد النفسي، ويبدأ بتناول أهمية المعلومات بالنسبة لعملية الإرشاد.
ويعتبر الحصول على معلومات دقيقة وكافية عن العميل وعن مشكلته وعن بيئته، حلقة الوصل بين الجزء النظري والجزء العملي في التوجيه والإرشاد النفسي، ويعتبر العمود الفقري في عملية الإرشاد، ذلك لأن عملية الإرشاد لا تتم إلا إذا توافرت المعلومات التي تمكن من فهم العميل والتي يحدد على أساسها تشخيص الحالة.
والمعلومات لازمة وضرورية وهامة بالنسبة لكل من الطرفين، المرشد والعميل، فالمرشد لكي يقدم لعميل المساعدة والخدمة النفسية لا بد أن يتوافر لديه قدر واف من المعلومات يتيح فهم وتفسير سلوكه ويعين على تحديد مشكلته وتيسير عملية الإرشاد، وفي نفس الوقت فإن العميل يحتاج إلى معلومات عن ذاته وقدراته ونواحي قوته ونواحي ضعفه وإلى معلومات لا تتوافر لديه تعينه على حسن فهم نفسه وبالتالي على تخطيط مستقبله بثقة كبيرة. وهذا في حد ذاته إنجاز هام من المنجزات التي تميز عملية الإرشاد النفسي.
هذا وهناك مناسبات تلزم فيها المعلومات المجمعة عن الفرد العادي، كما في حالة القيام بالاختيارات واتخاذ القرارت وتقرير المصير.
اسكنر
دراسة سلوك العميل ككل:
عندما يتعامل المرشد مع العميل، ولكي يفهمه فهما كاملا، يجب أن ينظر إليه نظرة كلية شاملة.
إننا لا يمكن أن نتعرف على غابة من مجرد معرفتنا إحدى أشجارها، ولا يمكن أن نتعرف على شخص من مجرد معرفتنا بأحد جوانب شخصيته، وإذا ركز المرشد الاهتمام على ناحية واحدة فقط فإن الصورة التي يحصل عليها تكون ناقصة وربما مشوهة. إن الفرد وحدة متكاملة، إنه كل وليس مجرد مجموع أجزاء.
ومما يجب الإشارة إليه أنه رغم دراسة المعلومات المطلوب معرفتها عن العميل في شكل يبدو منفصلا أو مجزءا، إلا أنه يجب النظر إليها في تكامل وترابط.
وإذا كنا نفك أجزاء الشخصية وأجزاء الإنسان المسئولة عن سلوكه، فإن ذلك يكون فقط من أجل الفهم والدراسة، ويجب إعادة تركيبها والنظر إليها نظرة كلية، وهكذا يكون هذا العمل نوعا من "الهندسة البشرية".
стр. 138
عملية جمع المعلومات:
يطلق على علمية جمع المعلومات أحيانا اسم عملية فحص ودراسة الحالة "انظر شكل ٣١".
شروط عملية جمع المعلومات:
هناك شروط يجب مراعتها في عملية جمع المعلومات منها:
سرية المعلومات: وهذا أمر هام، ويجب أن يؤكده المرشد للعميل حتى يتحدث بحرية وثقة في جو آمن، خاصة حين تكتب المعلومات وتحفظ في سجلات وحينما تكون بعض المعلومات مما قد يثير متاعب قانونية أو اجتماعية١ ولذلك يجب أن تكون الكتابة في معظمها رمزية، ويلجأ بعض المرشدين للتخلص من الحساسية التي تصاحب كتابة الأسماء إلى
стр. 139
استخدام أرقام للدلالة على العميل، كاستخدام أرقام فردية في حالة الإناث وأرقام زوجية في حالة الذكور مثلا. ويلجأ البعض الآخر إلى استخدام أسماء مستعارة، ويستخدم بعض المرشدين نظام كتابة الحروف الأولى من الأسماء، أو استخدام نظام الشفرة السرية في كتابة الأسماء.
بذل أقصى الجهد: يجب على المرشد بذل أقصى جهد للحصول على معلومات شاملة كافية، واستخدام كافة الطرق والوسائل والأدوات المناسبة، ومن مصادرها السليمة المسئولة المطلعة، واستغلال كل إمكاناته ومهاراته وفنياته في عملية جمع المعلومات.
المهارة في جمع المعلومات: ويتضمن ذلك معرفة ماذا ولماذا وكيف ومتى ومن يسأل، وإتمام عملية جمع المعلومات بطريقة سهلة وطبيعية، وهذا يحتاج إلى تدريب وخبرة.
حث العميل على التعاون: وعلى المرشد حث العميل على التعاون والاهتمام بعملية جمع المعلومات ومساعدة المرشد حتى يستطيع أن يساعده، خاصة في حالات المقاومة وعدم التجاوب.
الدقة والموضوعية: وذلك من أجل الوصول إلى التشخيص الدقيق، ومن أجل تقييم عملية الإرشاد بعد تمامها، حيث يمكن إعادة بعض الاختبارات مثلا لملاحظة مدى التغير الذي طرأ على حالة العميل، ويتطلب ذلك حسن اختيار وسائل المعلومات ومناسبتها "وتفصيل ذلك في الفصل التالي".
الصدق والثبات: والصدق هنا يعني أن المعلومات تعبر فعلا عما تعنيه من دلالة على سلوك العميل، والثبات هنا يعني عدم تغير المعلومات بسرعة بين جلسة وأخرى.
التكرار والاستمرار: نحن نعلم أن المعلومات السلوكية الهامة هي التي تتسم بالتكرار "عدد مرات حدوث السلوك" والاستمرار "كم من الوقت استمر السلوك وكم من الوقت حدث السلوك، أي كم من الوقت مضى منذ حدوث السلوك آخر مرة". ولذلك يجب الاهتمام بحصر تكرار السلوك واستمراره. ذلك لأن السلوك العارض المؤقت الزائل ليس في أهمية السلوك المتكرر والمستمر.
تقدير العوامل المسببة والأعراض: ويجب تقدير العوامل المسببة والأعراض بدقة في ضوء دليل فحص ودراسة الحالة.
الاهتمام بالمعلومات الطولية: وينبغي الاهتمام بالمعلومات الطولية التتبعية، لأن حياة العميل وحدة متصلة مستمرة، وسلوكه الحاضر له جذوره في الماضي ويؤدي إلى سلوكه في
стр. 140
المستقبل، ونحن نعرف أهمية خبرات الطفولة في حياة كل من المراهق والراشد وأهمية خبرات المراهقة في حياة كل من الراشد والشيخ ... إلخ.
التأكد: ومن الضروري التأكد من توافر الأدلة الكاملة على السلوك المرضي عند العميل، الاهتمام بالمظاهر المرضية الدائمة طويلة المدى التي تؤثر في سلوك العميل وعلى حياته، كذلك يجب التأني في الحكم، وعدم الاعتماد على الملاحظة العابرة أو الصدفية أو المؤقتة، والتفرقة بين السلوك الاستكشافي والتجريبي وبين الشذوذ والاضطراب السلوكي الحقيقي، وينبغي أيضا التثبت وتجنب التخمين والاستنتاج الخاطئ، وأخذ المعلومات بحرص قبل اعتبارها نهائية.
الاعتدال: والاعتدال مطلوب ومرغوب، إذ يجب عدم التورط في خطأ التعميم السريع أو غير المحدود، ويجب عدم الإفراط في تطبيق القواعد العامة على حالة العميل الخاصة، ويجب وضع الفروق الفردية في الحسبان، ومراعاة الفروق الثقافية والبيئية، والنظر إلى العميل كإنسان فرد له شخصيته الفريدة.
تجنب أثر الهالة Halo Effect: ويجب تجنب أثر الهالة في الحكم على العمل، أي أثر الفكرة العامة عن العميل أو الفكرة السابقة عنه أو صفة معينة بارزة فيه أو امتيازه في ناحية معينة.
تقييم المعلومات: ومن المفروض أن يقوم المرشد بتقييم المعلومات التي يتم الحصول عليها وتحديد ما إذا كانت حقائق واقعية أو احتمالات، مع سلامة الحكم والتقدير، وتجنب التسامح الزائد أو التشدد، ويمكن مراجعة بعض المعلومات مع الأهل والأقارب والأصدقاء ومن يهمهم الأمر والأخصائيين، ونحن نعرف أن العميل قد يضلل المرشد وقد يختصر المعلومات وقد ينكر وجود مشكلة وقد يكون مضطرب البصيرة لا يدرك طبيعة مشكلاته أو مرضه، ومن ثم لا يتعاون. ويلاحظ ضرورة استمرار عملية تقييم المعلومات وتعديل وتصحيح ما يلزم.
تنظيم المعلومات: ومن المطلوب تنظيم المعلومات وربطها بعضها ببعض وتفسيرها في ضوء بعضها تفسيرا دقيقا يعطي الضوء على شخصية العميل ومشكلته ومجاله النفسي والاجتماعي. كذلك يجب تلخيص المعلومات وتركيزها وتسجيلها في سجلات يسهل الرجوع إليها.
وسيلة وليست غاية: ويجب أن تكون عملية جمع المعلومات وسيلة للوصول إلى تشخيص موفق وعملية إرشاد ناجحة، وليست غاية في حد ذاتها.
ميسرات عملية جمع المعلومات:
هناك أشياء تيسر عملية جمع المعلومات. وأهم هذه الأشياء هو التعاون من جانب العميل والأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى.
стр. 141
تعاون العميل: وهذا أمر هام، ومن حسن الحظ أن خدمات الإرشاد النفسي تقدم للعميل العادي أو العميل المضطرب قليلا المستبصر بحالته، والذي يمكن كسب تعاونه بقليل من الجهد والتشجيع والمهارة.
تعاون الأسرة: ولكل عميل أسرة يهمها أمره، يقضي فيها معظم وقته، وفي كنفها تشكلت شخصيته، وفيها يلعب دورا اجتماعيا هاما، وفيها الكثير من أسباب مشكلاته، وتستطيع الأسرة المتعاونة تقديم قدر كبير من المعلومات عن قطاع أساسي من حياة العميل.
تعاون المدرسة: والعميل إذا كان في المدرسة يقضي وقتا طويلا فيها بين زملائه ومدرسيه، وفيها تنمو شخصيته ويعد تربويا ومهنيا ويتعرض لبعض المشكلات، ومن بين مدرسيه من يكون قريبا منه ويعرف عنه الكثير. وفي المدرسة أخصائيون وبها سجلات، وهذا كله يتيح توافر معلومات مفيدة عن قطاع آخر هام من قطاعات حياة العميل يكمل الصورة التي أعطاها العميل والأسرة لو توافر التعاون.
تعاون المؤسسات الأخرى: وفي المجتمع مؤسسات أخرى غير الأسرة والمدرسة يمارس فيها العميل نشاطه وتؤثر في نموه كجهة العمل والنوادي وغيرها، وهذه المؤسسات يقضي العميل فيها قطاعا آخر من حياته، وفيها معلومات وفيها من لديه معلومات مطلوبة لزيادة إكمال الصورة.
مشكلات عملية جمع المعلومات:
قد تعترض عملية جمع المعلومات بعض المشكلات والصعوبات التي تجعلها عملية صعبة ومن هذه المشكلات والصعوبات ما يلي:
تغليف الذات Encystment of Self: أي الامتناع عن البوح، والإحجام عن كشف الذات أو مقاومته، وذلك بسبب وجود خصوصيات وأسرار خاصة في محتوى مفهوم الذات الخاص ضمن المعلومات اللازمة لفحص ودراسة الحالة، أو بسبب اعتقاد العميل أنه ليس من حق المرشد التدخل في شئون حياته الخاصة، ومن مظاهر تغليف الذات الكشف عن معلومات مخالفة للواقع، فقد يظهر العميل حبا يغطي كرها كامنا أو العكس، وقد يعتبر البعض كشف الذات نوعا من كشف العورة أو العرى النفسي "حامد زهران، ١٩٧٧".
المعلومات المختصرة: والمعلومات المختصرة تعتبر مشكلة حقيقة وصعوبة كبيرة خاصة إذا جاءت في شكل أنصاف حقائق ومعلومات متناثرة كثيرة الفجوات.
стр. 142
ضرورة فهم الإطار المرجعي للعميل: ومن الضروري -حتى تكون المعلومات مفيدة- أن نفهم وجهة نظر العميل نفسه ومن واقع إطاره المرجعي. وفي بعض الأحيان يجد الراشدون صعوبة في فهم سلوك المراهقين أو الأطفال لعدم القدرة على فهم إطارهم المرجعي١.
نمو وتغير الفرد: والفرد في رحلة نموه دائم التغير. وبمرور الزمن تصبح بعض المعلومات قديمة، ولذلك يجب الحرص على تتبع المعلومات التطورية وأن تظل متجددة.
التغير الاجتماعي: إن التغير الاجتماعي السريع جعل فهم الأفراد عبر الأجيال أكثر صعوبة، فالمراهقون والراشدون يكاد كل فريق منهم يعيش في عالم مختلف عن عالم الآخر. ويظهر هذا بوضوح في القيم والأخلاقيات ... إلخ. وهذا يمثل مشكلة وصعوبة في عملية جمع المعلومات وفحص ودراسة الحالة.
الخريطة العقلية المعرفية لعملية جمع المعلومات:
المرشد النفسي -كمهندس بشري في دراسة سلوك الإنسان ككل- يستند في عملية جمع المعلومات إلى ما يسمى "الخريطة العقلية المعرفية" Cognitive Map التي تكاد تكون مرسومة في مخه كتخطيط مسبق لعملية جمع المعلومات ويتخذها كإطار مرجعي في عمله. وهكذا يكون المرشد أيضا مثله كمثل جغرافي يسير في جمع المعلومات على هدى خريطة عقلية يعرف اتجاه عمله وأهدافه ويعرف طبوغرافية الشخصية ودينامياتها وعوامل الهدم والبناء فيها والعواصف النفسية التي تسبب تفككها والبيئة النفسية التي يعيش فيها إلى جانب العوامل الوراثية ... إلخ.
والسؤال الآن: ما هي المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد النفسي؟
أهم المعلومات المطلوبة هي:
البيانات العامة: عن العميل والأب والأم وولي الأمر والإخوة والأخوات والزوج والأولاد والأفراد الذين يعولهم والأقارب والآخرين الذين يعيشون مع الأسرة والآخرين الذين يمكن الاستعانة بهم ومحيل الحالة وجهة الإحالة.
الشخصية: بناء الشخصية ديناميا ووظيفيا، ويشمل ذلك المعلومات الجسمية والمعلومات العقلية، والمعلومات الاجتماعية ومعلومات عن الحالة الانفعالية، واضطرابات الشخصية.
стр. 143
المشكلة: تحديد المشكلة الحالية أو المرض الحالي، ودراسة الأسباب والأعراض، وتتبع تاريخ المشكلة أو المرض الحالي، والجهود الإرشادية والعلاجية السابقة، والتغيرات التي طرأت على الحالة، والمشكلات أو الأمراض الأخرى، وطريقة حل المشكلات.
معلومات عامة: وتشمل معدل النمو والغرائز والدوافع والحاجات وحيل الدفاع النفسي، وهدف الحياة، وأسلوب الحياة، ومفهوم الذات، ومستوى التوافق، ومستوى الصحة النفسية.
стр. 144
مصادر المعلومات:
الإرشاد النفسي لا يمكن أن يتم على أساس معادلات ووصفات جاهزة، ولا يمكن في الإرشاد النفسي أن نضغط على أزرار فنحصل على معلومات، وعلى أخرى فتحصل على حقائق، وعلى ثالثة فنحصل على خطط، ولا يمكن أن ندير مفاتيح فنحصل على حلول جاهزة للمشكلات.
إن ضخامة عملية جمع المعلومات عن العميل ومشكلته وبيئته تشير إلى ضرورة اشتراك كل العاملين في ميدان الإرشاد النفسي فيها كل حسب تخصصه.
هذا ويجب أن تتعدد مصادر المعلومات كلما أمكن ضمانا للشمول والموضوعية والتأكد. ولا بد أن يثق كل مصدر للمعلومات في سريتها الكاملة وأنها لا تستخدم إلا لأغرض الإرشاد والعلاج، ويجب في نفس الوقت أن يتوافر الشعور بالمسئولية عند إعطاء المعلومات التي يجب أن تكون دقيقة وكاملة بقدر الإمكان.
وقبل الحصول على معلومات من غير العميل يجب تعريفه بضرورة ذلك واستئذانه.
وأهم مصادر المعلومات هي العميل أولا، ثم أهله وذووه، ورفاقه وأصدقاؤه، والأخصائيون.
المعلومات من العميل:
أحسن مصدر للمعلومات عن العميل هو العميل نفسه، وليس هناك من هو أعرف بالفرد من نفسه، وليس هناك من هو أقدر منه على وصف مشاعره ومشكلاته١. وهناك بعض المعلومات الخاصة جدا التي يتضمنها محتوى مفهوم الذات الخاص والتي لا يعرفها إلا العميل نفسه.
ويجب العمل على إعداد العميل إعدادا جيدا بخصوص دوره ومسئوليته في إعطاء المعلومات حتى يكون فاهما لأهمية عملية جمع المعلومات، وحتى يكون عند مستوى المسئولية
стр. 145
في إعطائها، وحتى يكون كتابا مفتوحا يستطيع المرشد أن يقرأ كل ما فيه من معلومات "حامد زهران، ١٩٧٦جـ". ومثل هذا العميل يطلق عليه العميل السهل الذي يدلي بمعلومات ذات قيمة دون لف أو دوران أو كذب أو تضليل.
أما العميل الصعب الذي يراعي عامل القبول الاجتماعي Desirability فهو يدافع عن نفسه في موقف آمن لا يحتاج إلى دفاع، والعميل الصعب إذا كذب فإنما يكذب على نفسه، وإذا ضلل فإنما يضل عليها، وعلى كل حال فنحن نجد أن معظم الاختبارات والمقاييس النفسية تحتوي على مقياس لكشف الكذب. وقد أعد المؤلف "حامد زهران، ١٩٧٧" "مقياس الكذب" بهدف التعرف على مدى كذب أو صدق العميل بصفة عامة وفي المعلومات التي يدلي بها بصفة خاصة، وكذلك مدى مراعاة القبول الاجتماعي في استجاباته للاختبارات والمقاييس النفسية.
وكقاعدة عامة يجب أن تؤخذ المعلومات من العميل برضاه وليس قسرًا.
وهناك ملاحظات عامة يجب وضعها في الحساب عند جمع المعلومات من العميل وهي: مدى فهمه لطبيعة وغرض جمع المعلومات وفهمه للتعليمات، واتجاهه نحو عملية جمع المعلومات واهتمامه بها، ورغبته وتعاونه فيها، والجهد الذي يبذله وقدرته على التعبير عن نفسه، والأمور غير العادية الغريبة التي تصدر منه.
ومن الوسائل المعروفة لجمع المعلومات من العميل، الاختبارات والمقابلة والتقارير الذاتية.
المعلومات من الآخرين:
إلى جانب المعلومات التي تؤخذ من العميل، يمكن أن نجمع معلومات من مصادر أخرى خارجية منها:
الوالدان: يعتبر الوالدن مصدرا غنيا من مصادر المعلومات "خاصة في حالات الأطفال". فهما مسئولان عن الطفل قانونيا واجتماعيا. وهما يعرفان الكثير من التفاصيل عن الطفل بصفة عامة وعن نموه وسلوكه بصفة خاصة، وهما يؤثران في نموه وسلوكه، وربما يكونان سببا من أسباب مشكلاته، وللتعامل مع الوالدين كمصدر من مصادر المعلومات يجب أن يتوافر الاحترام المتبادل والثقة المتبادلة بينهما وبين المرشد حتى يمداه بالمعلومات اللازمة.
الإخوة والأقارب: يعيش الأخوة والأقارب مع العميل وقريبا منه ويتفاعلون معه ويؤثرون فيه، ويعرفون عنه الكثير عن كثب، وقد يكونون عوامل مسببة لبعض مشكلاته، ويمكن الحصول منهم على معلومات قيمة، ولكن حفاظا على السرية المطلوبة في عملية الإرشاد النفسي يجب اللجوء إلى هذا المصدر في حالات الضرورة فقط، وفي ضوء أخلاقيات الإرشاد النفسي وهناك