Moral Counselling وهناك أيضا من يقسمون المجال الواحد إلى مجالات فرعية، فمثلا نجد من المجالات الفرعية لمجال الإرشاد الزواجي مجال الوراثة والتناسل Genetic Counselling.
ويأخذ المؤلف بالاتجاه الأوسط، فلا يقتصر على المجالات الرئيسية، ولا يدخل في الفرعيات، بل يتناول أهم مجالات الإرشاد النفسي على النحو التالي: الإرشاد العلاجي، والإرشاد التربوي، والإرشاد المهني، والإرشاد الزواجي، والإرشاد الأسري، وإرشاد الأطفال، وإرشاد الشباب، وإرشاد الكبار، وإرشاد الفئات الخاصة، وإرشاد الصحة النفسية.
стр. 457
الإرشاد العلاجي ١ CLINICAL COUNSELLING:
يطلق عليه أحيانا Therapeutic Counselling
ومن الرواد في مجال الإرشاد النفسي كعملية علاجية ويليامسون Williamson "١٩٣٩". رائد طريقة الإرشاد الموجه، ومن أشهر الأعلام في مجال الإرشاد العلاجي كارل روجرز Rogers شيخ طريقة الإرشاد العلاجي غير الموجه أو الممركز حول العميل، وهو الذي طورها صراحة إلى علاج نفسي ممركز حول العميل Client- centerd therapy.
والإرشاد العلاجي هو عملية مساعدة العميل في اكتشاف وفهم وتحليل نفسه، ومشكلاته الشخصية والانفعالية والسلوكية، التي تؤدي إلى سوء توافقه النفسي، والعمل على حل المشكلات، بما يحقق أفضل مستوى للتوافق والصحة النفسية.
ويهدف الإرشاد العلاجي إلى دراسة شخصية العميل ككل حتى يمكن توجيه حياته بأفضل طريقة ممكنة، وتحسين درجة توافقه النفسي إلى أفضل درجة ممكنة.
ومن الخصائص المميزة للإرشاد العلاجي أنه يؤكد ضرورة التخصص العلاجي للمرشد، مع الاهتمام بتأهيله وتدريبه كلينيكيا، ويهتم الإرشاد العلاجي باستخدام وسائل جمع المعلومات مثل الاختبارات والمقاييس وخاصة اختبارات ومقاييس التشخيص النفسي الكلينيكي، حتى يستطيع المرشد المعالج أن يفهم العميل بدرجة أفضل وأن يحدد ويشخص مشكلته بدقة وتتضمن عملية الإرشاد العلاجي التوصل إلى المشكلات الداخلية للعميل، أي أنه يدخل إلى الحياة الشخصية للفرد.
стр. 458
ويذكر بعض المؤلفين الإرشاد العلاجي والعلاج النفسي أحيانا كمترادفين، أو على الأقل، كمصطلحين يستخدمان للتعبير عن عملية واحدة، ونحن نعرف أن علم النفس العلاجي Clinical Paychology يضم كلا من العلاج النفسي والإرشاد العلاجي، ويضم مفاهيم ومهارات مشتركة بين عمليتي الإرشاد والعلاج النفسي، إلى جانب استفادته من ميادين علاجية أخرى مثل الطب النفسي والخدمة الاجتماعية ... إلخ، وعلى العموم، فنحن نجد أن الفرق الرئيسي بين الإرشاد العلاجي والعلاج النفسي هو فرق في الدرجة وليس في النوع، وفرق في العميل وليس في العملية. فالعملية واحدة. ولكن العميل في الإرشاد أقرب إلى الصحة وأقرب إلى السواء من زميله في العلاج، وعندما يذكر الإرشاد العلاجي في كتب الصحة النفسية والعلاج النفسي، فإنه يأخذ مكانه كطريقة علاج نفسي جنبا إلى جنب من التحليل النفسي والعلاج السلوكي ... إلخ. وينظر إليه على أنه أنسب طرق العلاج النفسي لأقرب المرضى إلى الصحة وأقرب المنحرفين إلى السواء، وبطبيعة الحال فهناك فروق تميز بين المجالين "الإرشاد العلاجي والعلاج النفسي"، ويوضح جدول "٧" أهم الفروق بين المجالين.
стр. 459
الحاجة إلى الإرشاد العلاجي:
الفرد العادي قد يعاني من بعض المشكلات الشخصية والانفعالية في حياته اليومية لا تصل إلى درجة المرض النفسي، ويجب الاهتمام بحل وعلاج هذه المشكلات قبل أن يستفحل أمرها وتتطور إلى عصاب أو ربما إلى ذهان، على الأقل حتى لا يحول ذلك دون النمو النفسي السوي ودون تحقيق الصحة النفسية.
وكثيرا من الناس يدركون في وقت من أوقات حياتهم أن سلوكهم مضطرب بدرجة تخرج عن حدود العادي بما يعوق حياتهم العادية ويؤثر في حياتهم الاجتماعية، وهؤلاء يحتاجون إلى مساعدة فنية متخصصة على مستوى علاجي.
المشكلات التي يتناولها الإرشاد العلاجي:
يتناول الإرشاد العلاجي المشكلات النفسية التي تحول دون توافق الفرد وتمتعه بالصحة النفسية، وعادة ما تسبب مثل هذه المشكلات صراعات إما داخلية داخل الذات" أو خارجية "بين الذات وبين عناصر البيئة" مما يجعلها تحتاج إلى إرشاد علاجي متخصص. ويتركز الاهتمام في الإرشاد العلاجي حول المشكلات الشخصية والانفعالية والجانب السلوكي الشخصي التوافقي بصفة عامة.
وفيما يلي أهم المشكلات التي يتناولها الإرشاد العلاجي:
المشكلات الشخصية: مثل المشكلات والانحرافات الجنسية التي تسبب الشعور بالذنب والخطيئة أو الخوف أو القلق لدى العميل، ومن أمثلة المشكلات والانحرافات الجنسية: الجنسية المثلية، والأثرية "أي التعلق الجنسي بالأشياء التي يستعملها الجنس الآخر كاللباس أو جزء من جسمه كالشعر مثلا" والبغاء، والإفراط في العادة السرية، والإفراط الجنسي، والبرود الجنسي، والعنة، والاستعراض الجنسي، والسادية "أي التهيج الجنسي أو الإشباع الجنسي عن طريق تعذيب الغير"، والماسوكية "أي إشباع الرغبة الجنسية بتحمل الألم وتلقي الأذى من المحبوب"، والاحتكاك الجنسي، والاغتصاب وهتك العرض، وجماع المحارم، والفرجة الجنسية، والعصاب الجنسي، وقس على هذا الكثير من المشكلات الشخصية التي تهدد توافق العميل بصفة عامة.
اضطرابات الشخصية: وخاصة اضطرابات سمات الشخصية مثل الانطواء والعصابية والخضوع واللامبالاة والسلبية والتشاؤم والجمود ... إلخ.
стр. 460
المشكلات الانفعالية: من أمثلتها الخواف بأنواعه المختلفة ودرجاته المتدرجة بين الخوف الحفيف إلى الذعر، والقلق خاصة في عصرنا الذي أصبح يطلق عليه "عصر القلق"، والغضب والغيرة كمركب من انفعالات الغضب والكراهية، والحزن والعدوان، والاكتئاب، والتوتر والفزع، واضطرابات أخرى مثل التبلد واللامبالاة والتناقض والانفعال، وعدم الثبات الانفعالي، وانحراف الانفعال، والزهو المرح والخجل، والاستغراق في أحلام اليقظة، والاستغراق في الخيال، ومشاعر الذنب الشاذة، والاستثارية، والحرمان الانفعالي، ومعروف أنه يصاحب المشكلات والاضطرابات الانفعالية ضعف وفقد الثقة في النفس واضطراب الكلام والسلوك الدفاعي وسهولة الاستثارة الانفعالية والحساسية النفسية بصفة عامة.
مشكلات التوافق: مثل سوء التوافق الشخصي، وعدم الثقة في النفس حيث يشاهد الخجل، وتحقير الذات وعدم الثقة في النفس، والسذاجة والشعور بالإثم والسلبية، والتبرم، والملل، والإهمال، وعدم تحمل المسئولية، وهناك سوء التوافق الاجتماعي حيث يشاهد الارتباك والشك والحقد والغيرة والاستعراض وقلة الأصدقاء والوحدة والانسحاب والتعصب ... إلخ.
مشكلات السلوك عامة: وتشمل الاضطرابات السلوكية التي تعتبر إما أعراضا لأمراض نفسية، أو هي نفسها مشكلات سلوكية قائمة بذاتها، ومن أمثلة مشكلات السلوك اضطرابات العادات مثل اللازمات الحركية والعصبية كهز الرجلين وحركات الرأس والكتفين واليدين ورمش العينين وحركات الفم وجرش الأسنان ... إلخ ومنها اضطرابات الغذاء مثل قلته والإفراط فيه والوحم وفقد الشهية والعصبي ... إلخ. ومنها اضطرابات الإخراج مثل البوال وعدم القدرة على التحكم في التبرز والإمساك أو الإسهال العصبي.
خدمات الإرشاد العلاجي:
الإرشاد العلاجي هو أشمل مجالات الإرشاد النفسي وأجمعها، ويعتبر تطبيقا عمليا لكل ما يتم من إجراءات عملية الإرشاد. وفي نفس الوقت، فإن الإرشاد العلاجي يعتبر أكثر مجالات الإرشاد النفسي تخصصا، ويرجع إليه الفضل في تمهين الإشاد النفسي.
ويهتم المرشد المعالج بمساعدة العميل على الاستبصار بأسباب مشكلته، وأن يتخذ قراراته ويقترح الحلول، وأن يتعدل سلوكه من خلال تنظيم مواقف التعلم أثناء الجلسات الإرشادية العلاجية. ونقطة البداية في الإرشاد العلاجي هي معرفة حاجات ومشكلات العميل، وإلى أي مدى تكون الحاجات مشبعة والمشكلات محلولة في حدود الإمكانات الشخصية والمعايير الاجتماعية.
стр. 461
استخدام طرق الإرشاد المناسبة: يجمع الإرشاد العلاجي بين طريقتي الإرشاد الموجه وغير الموجه، ولقد كان الميل الأكثر في أول الأمر إلى الإرشاد الموجه حيث تقدم خدمات الإرشاد في خطوات علاجية مثل التحليل والتركيب والتشخيص وتحديد المآل والعلاج والمتابعة، وفيه يتم تقديم خدمات الإرشاد الفردي والجماعي حسب الحالة، ويستخدم طريقة الإرشاد النفسي والديني مع التركيز على التربية الدينية والتربية الخلقية والتربية الجنسية السليمة وتيسير خدمات الإرشاد السلوكي، ويستخدم الإرشاد باللعب، والإرشاد وقت الفراغ ... وهكذا.
تقديم بعض خدمات المجالات الأخرى: يهتم الإرشاد العلاجي بحالة العميل والبيئة أو المجال النفسي الذي يعيش فيه، ولذلك تشمل خدماته بعض جوانب مجالاته الإرشاد الأخرى. فمثلا قد يحتاج تناول المشكلات الشخصية والانفعالية إلى تقديم بعض خدمات الإرشاد الزواجي، أو بعض خدمات الإرشاد الأسري، حين يلزم تحسين الجو الأسري وتعديل اتجاهات الوالدين وخاصة إذا كانا عصابيين بخصوص المعاملة السليمة للأولاد، وبما يحقق المحبة والعطف والهدوء والثبات والاتزان والحرية، والحث على ضرب المثل والقدوة الحسنة في السلوك الانفعالي بما يحقق السعادة المطلوبة. وهكذا بالنسبة للمشكلات الشخصية والانفعالية التي تستدعي تقديم بعض خدمات الإرشاد التربوي أو الإرشاد المهني.
حل المشكلات الشخصية والانفعالية: يتم تقديم المساعدة اللازمة لحل المشكلات الشخصية والانفعالية عن طريق المشاركة الانفعالية، وتأكيد الذات والعمل على إشباع الحاجات وتسهل عملية التنفيس والتفريغ والتطهير الانفعالي، ويتناول كذلك المشكلات الشخصية والاضطرابات الانفعالية والمصاحبة للعصاب، ويتعاون المرشد مع زملائه من الأخصائيين في بحث الأسباب واستثارة تعاون العميل وعلاج الأعراض، بحيث يتمكن العميل من حل مشكلاته بنفسه تحت إشرافهم وبتوجيههم.
стр. 462
الإرشاد التربوي EDUCATIONAL COUNSELLING:
المدرسة هي المؤسسة التربوية الرسمية التي تقوم بعملية التربية، ونقل الثقافة المتطورة، وتوفير الظروف المناسبة للنمو جسميا وعقليا وانفعاليا واجتماعيا، والمدرسة مسئولة عن النمو النفسي السوي والتنشئة الاجتماعية السليمة وتدعيم الصحة النفسية لدى الدارسين، فهي مسئولة عن تقديم الرعاية النفسية لهم والانتقال بهم من الاعتماد على الغير إلى الاستقلال والاعتماد
стр. 463
على النفس والتوافق النفسي. والمدرسة هي أهم المؤسسات المسئولة عن الإرشاد التربوي للطلاب، وذلك لأن التربية نفسها تتضمن عملية توجيه وإرشاد، لدرجة أن الكثيرين يربطون في الإرشاد التربوي بين عملية التعلم التي تحدث في الفصل وعملية التعلم التي تحدث في مكتب الإرشاد، على أساس التشابه في الأهداف والعملية، يرون أن على المعلم أن يمارس عملية الإرشاد، وأن على المرشد أن يمارس عملية التدريس، وأن يلم كل من المعلم والمرشد بعملية التعلم وطبيعة المتعلم والموقف التعليمي، ولكن على الرغم من هذا فلا يمكن القول إن الإرشاد تربية وأن التربية إرشاد كما يقول البعض، لأن لكل من التربية والإرشاد طرقه ووسائله الخاصة. وعلى العموم، فإن أقرب مجالات الإرشاد النفسي إلى عمل المعلم هو الإرشاد التربوي لدرجة أن البعض يرون أن كل معلم لا بد أن يكون معلما مرشدا، وفي الواقع نجد أن الإرشاد التربوي يحتمل أكبر اهتمام في برنامج الإرشاد النفسي في المدارس١.
والإرشاد التربوي هو عملية مساعدة الفرد في رسم الخطط التربوية التي تتلائم مع قدراته وميوله وأهدافه، وأن يختار نوع الدراسة والمناهج المناسبة والمواد الدراسية التي تساعده في اكتشاف الإمكانات التربوية فيما بعد المستوى التعليمي الحاضر، ومساعدته في النجاح في برنامجه التربوي، والمساعدة في تشخيص وعلاج المشكلات التربوية بما يحقق توافقه التربوي بصفة عامة.
وتتكامل أهداف الإرشاد التربوي مع أهداف الإرشاد النفسي بصفة عامة من جهة، وأهداف العملية التربوية من جهة أخرى، والهدف الرئيسي الخاص للإرشاد التربوي هو تحقيق النجاح تربويا، وذلك عن طريق معرفة التلاميذ وفهم سلوكهم ومساعدتهم في الاختيار السليم لنوع الدراسة ومناهجها، وتحقيق الاستمرار في الدراسة وتحقيق النجاح فيها، وحل ما قد يعترض ذلك من مشكلات، ومن أهدافه أيضا التطلع المستقبلي والتخطيط للمستقبل التربوي للطلاب، في ضوء دراسة الماضي والحاضر التربوي ورسم الخطة للمستقبل التربوي.
стр. 464
الحاجة إلى الإرشاد التربوي:
يحتاج كل طالب إلى خدمات الإرشاد التربوي، ويهتم به ويشارك فيه كل العاملين في ميدان التربية والتعليم ولذلك يحظى الإرشاد التربوي باهتمام خاص من معظم كتب الإرشاد النفسي التي تركز على الإرشاد في المدرسة والإرشاد في المجال التربوي والإرشاد خلال العملية التربوية.
ومما هو جدير بالذكر أن بعض المؤسسات التربوية تقدم خدمات متخصصة تخدم الإرشاد التربوي. ومن أشهر هذه المؤسسات المعروفة عالميا، المؤسسة القومية للبحوث التربوية في انجلترا وويلز National Foundation for Educational Research in England and wales "NFER"، فهي تنشئ وتنشر اختبارات مقننة للاستخدام في مجال الإرشاد التربوي في المدارس، وتشرف على إجراء البحوث في هذا المجال وخاصة عن الذكاء والقدرات والتحصيل.
وتشير البحوث إلى ضرورة الاستفادة من نظم التوجيه التعليمي والإرشاد التربوي في العالم من حولنا "يسري رزق مرقص، ١٩٨٥"، وإلى ضرورة الاهتمام بالإرشاد التربوي في الوطن العربي بصفة عامة، وفي مصر بصفة خاصة "حامد زهران، ١٩٨٧".
وتشير الدراسات إلى أن الإرشاد التربوي للطلاب الذين يعانون من مشكلات دراسية، يتطلب الاهتمام به وتطويره واستخدام أحدث فنياته وتنمية استرتيجيات تعلم فعالة حتى يتمكن الطلاب من التغلب على المشكلات ودعم الثقة في أنفسهم "مويرا بيلو Peelo، ١٩٩٤".
المشكلات التربوية:
هناك الكثير من المشكلات التربوية التي يتناولها الإرشاد التربوي، وفيما يلي تحديدها:
مشكلات المتفوقين: هؤلاء فئة من المتفوقين عقليا ودراسيا وأصحاب المواهب الخاصة. وهم يتميزون بارتفاع نسبة الذكاء والابتكار وارتفاع مستوى التحصيل، ويحتاجون إلى رعاية خاصة وخدمات إرشادية خاصة بحكم تفوقهم، وهؤلاء قد يهملون فتضيع مواهبهم، وقد يشعر المتفوق بالوحدة والانعزال في الفصل العادي ويشعر بالقلق وقد يظهر من بينهم حالات الجناح.
стр. 465
وقد يلاحظ الصراع بين المتفوق ومدرسيه ووالديه "الذين يفوقهم قدرة". وعلى الرغم من تفوق الطفل عقليا، فقد ينقصه النضج في مظاهر النمو الأخرى نتيجة لدفعه في اتجاه النمو العقلي والتركيز على هذا الجانب على حساب مظاهر النمو الأخرى جسميا واجتماعيا، مما يسبب ضررا أكثر من النفع الذي يجلبه.
الضعف العقلي: تظهر مشكلة الضعف العقلي بصفة خاصة في المدارس الابتدائية حيث يوجد نسبة من التلاميذ تقل نسبة ذكائهم عن ٧٠ ويكون تحصيلهم ضعيفا ويكونون غير موافقين اجتماعيا، وانفعاليا، ويضمون المأفونين والبلهاء والمعتوهين، وكثيرا ما يشاهد المعلم أو المرشد حالات الضعف العقلي التي يمكن تمييزها كلينيكيا مثل حالات المنغولية والقماءة أو القصاع واستسقاء الدماغ وصغر الجمجمة وكبر الدماغ وغيرها "حامد زهران، ١٩٩٧".
التخلف الدراسي: يتضمن ضعف التحصيل وانخفاض نسبة التحصيل دون المستوى العادي، وقد يكون تخلفا دراسيا عاما في كل المواد أو خاصا في مواد معينة، ويلاحظ أن بعض المتخلفين دراسيا يكونون من بين المتفوقين عقليا، ويرتبط بالتخلف الدراسي أعراض معروفة مثل: نقص الذكاء أو الضعف العقلي وصعوبة التعلم وتشتت الانتباه ونقص القدرة على التركيز وضعف الذاكرة واضطراب الفهم والإجهاد والتوتر والقلق والخمول والبلادة والشعور بالنقص والغيرة والخجل والاستغراق في أحلام اليقظة وشرود الذهن وخواف المدرسة وقلة الاهتمام بالدراسة والغياب المتكرر أو الهروب من المدرسة "هدى برادة وحامد زهران، ١٩٧٤".
مشكلات النمو العادية لدى الطلاب: يقصد بها المشكلات التي يمر بها الطلاب في كل المدارس عادة ولا تخلو منها أي مدرسة.
مشكلات اختيار نوع الدراسة والتخصص: الطلاب ما زالوا جميعا يصبون في قالب واحد ويدرسون مناهج ومقررات موضوعة للجميع، وقد لا يتناسب مع القدرات والاستعدادات والميول المتفاوتة، وهناك بعض الطلاب لا يعرفون لماذا يدرسون. وهناك من تنقصهم المعلومات الخاصة بأنواع الدراسة المختلفة التي يمكن الالتحاق بها، وهناك تخصصات تحتاج إلى قدرات واستعدادات وميول خاصة ترتبط بها، وعند اختيار تخصص من التخصصات قد تملي ظروف البيئة أو الظروف الاقتصادية أو غيرها اختيار تخصص متطلباته في واد وقدرات الطالب في واد آخر، وهناك أيضا مشكلة عدم التوازن بين التخصصات، ويكفي للدلالة على ذلك عقد مقارنات بين أعداد الطلاب في الأقسام الأدبية والعلمية، والكليات النظرية والعملية، ونحن نعلم أن الاتجاهات الاجتماعية والمكانة الاجتماعية لبعض المهن تلعب دورا هاما في اختيار التخصصات التي تؤهل لهذه المهن، وفي كثير من الأحيان يكون اختيار التخصص جزافيا وعلى غير أساس من الاستعداد والقدرة.
стр. 466
مشكلات نقص المعلومات عن الدراسة المستقبلية: هذه المشكلة تتمثل في عدم قدرة الطالب على اختيار نوع الدراسة المستقبلية لأنه لا يعرف ماذا بعد الآن.
مشكلات النظام: قد تصدر مشكلات النظام من المتأخرين دراسيا، ومن المتفوقين على حد سواء، وقد تكثر فتصبح شائعة كما هو حادث بالنسبة للغش في الامتحانات كمشكلة يعاني منها المربون، ويعاني منها الفرد، حيث يؤدي مفهومه عن ذاته، وقد يترتب عليه فصله وحرمانه من التعليم أو قد يؤدي إلى الانحراف "حامد زهران وآخرون، ١٩٧٥".
سوء التوافق التربوي: يشاهد مظاهر كثيرة له مثل سوء العلاقة بين الطالب وبين زملائه وأساتذته، وتكرار الرسوب، وكثرة الغياب والهروب والفشل.
التسرب: قد يترك الطالب التعليم قبل إكمال المرحلة لظروف اجتماعية طارئة أو اضطرارية كما في حالة وفاة الوالد واضطرار الطالب إلى رعاية وإعالة الأسرة، أو في حالة زواج بعض الطالبات وعادة ما يمهد للتسرب التخلف الدراسي وعدم التمكن من متابعة التعليم. ولا شك أن التسرب يعتبر خسارة قومية.
مشكلات تربوية أخرى: هناك مشكلات تربوية أخرى تدخل تحت بعض مجالات الإرشاد الأخرى مثل مشكلات صعوبات وأمراض الكلام، ومشكلات عادات الدراسة والاستذكار وتنظيم الوقت ومشكلة قلق التحصيل، ومشكلة قلق الامتحان ... إلخ، وهناك مشكلات تربوية عامة مثل مشكلة ما يسمى مكاتب التنسيق والتي من المفروض أن تكون مكاتب نموذجية للإرشاد التربوي، ولكنها قاصرة ومقتصرة على الاعتماد على مجموع درجات التحصيل كأساس للإرشاد التربوي كما هو حادث في مكتب تنسيق القبول في الجامعات.
خدمات الإرشاد التربوي:
يجب أن تقدم خدمات الإرشاد التربوي مندمجة في البرنامج التربوي والعملية التربوية ومتكاملة معها، وبصفة عامة عن طريق المناهج التي تعمل حساب التوافق والصحة النفسية للطلاب والمربين أيضا. فيجب أن تكون المناهج مناسبة تراعي الحاجات والقدرات والخصائص النفسية للطلاب، وأن تكون مرتبطة بالحياة العملية، ويلاحظ أن من أهم خدمات الإرشاد التربوي مساعدة المشتغلين بالتربية والتعليم في اقتراح تعديلات في المناهج وإدارة المدرسة أو الكلية بما يقابل حاجات الطلاب بطريقة أفضل ويحقق بصفة عامة أهداف الإرشاد.
ويقوم الطالب والمرشد والمدرسة بدور متكامل في عملية الإرشاد التربوي، وذلك على النحو التالي:
стр. 467
الطالب: يستفيد الطالب من الخدمات والتسهيلات والفرص المتاحة من المدرسة وفي المجتمع، ويستشير المرشدين والمربين والوالدين في زيادة فهم نفسه وقدرته، وفي رسم خططه التربوية وفي اتخاذ قراراته بالنسبة لحاضره ومستقبله التربوي، ويستطيع الطالب توظيف كل ما يتيسر من خدمات الإرشاد النفسي لرفع كفاءته النفسية مما يحسن تحصيله الدراسي. "حامد زهران، ١٩٩٦".
المرشد: يدرس المرشد استعدادات وقدرات وإمكانات وميول وحاجات كل طالب ويعرفه بالإمكانات التربوية المتاحة، ويهيئ الفرص المناسبة لأحسن قدر من الإفادة بالخبرات التربوية، وييسر استفادة الطلاب من كل الأخصائيين ومن كل الخدمات والتسهيلات في المدرسة والمجتمع، ويلاحظ ويدرس تقدم الطالب ونموه الماضي والحاضر، ويساعده في التخطيط لمستقبله التربوي، ويساعد على حل المشكلات التربوية، ويعمل مع الطالب على تحقيق توافقه المدرسي١.
المدرسة: تيسر المدرسة التسهيلات لدراسة شخصيات الطلاب وقدراتهم وتحصيلهم ... إلخ، وتقدم المناهج والأنشطة الخارجة عن المنهج، وتجعل خدمات المجتمع كلها في متناول الطلاب، وتمكن كل طالب من ممارسة الاختيار والتقرير لنفسه، وتساعده في الدخول عمليا في الخبرات التي يختارها، وتعد برنامجا مخططا لتحقيق ذلك. وتحرص المدرسة على سلامة العلاقات الاجتماعية بين المعلمين والطلاب وبين الطلاب بعضهم وبعض بحيث تقوم على أساس ديمقراطي فتؤدي إلى النمو التربوي والنمو النفسي السليم، بما يحقق التوافق المدرسي والصحة النفسية، وتتعاون المدرسة والأسرة لتحقيق الاتصال الدائم وخاصة عن طريق مجالس الآباء والمعلمين، وحتى يتحقق التكامل بينهما في تقديم المساعدات الإرشادية المطلوبة للطلاب.
المعلم المرشد: يقدم المعلم المرشد خدمات هامة حين يكون نموذجا سلوكيا متوافقا ومعلما لمهارات التوافق، يعلم العلم، ويوجه النمو، ويسهم في عملية الإرشاد بقدر ما يستطيع، ويحيل ما لا يستطيع إلى الأخصائيين. "حامد زهران، ١٩٩٤أ".
الخدمات التنموية والوقائية: وهي من أهم خدمات الإرشاد التربوي في المدرسة، ويجب أن تظهر في البرامج التربوية، وهنا يقترح زكريا Zaccaria؛ "١٩٦٥" ضرورة الاهتمام بتدريس العلوم السلوكية والاهتمام بالتربية السلوكية كأساس لخدمات الإرشاد التربوي في المدارس.
стр. 468
الخدمات الفردية: تقدم الخدمات الفردية الخاصة بكل طالب من المتخلفين دراسيا أو المتفوقين أو ضعفاء العقول أو غير المتفوقين دراسيا أو الذين يقررون ترك المدرسة والتسرب إلى العمل أو الزواج، وفي هذه الحالات تقدم خدمات الإرشاد فرديا للطلاب للكشف عن قدراته واستعداداته ونواحي قوته ونواحي ضعفه وفي وضع خططه واتخاذ قراراته وتيسير الوسائل التي تساعد على تحقيق التوافق.
الخدمات الاجتماعية: وتقدم على المستوى التنموي والوقائي، وبصفة خاصة للطلاب في الفترات الانتقالية مثل طلاب الشهادة الإعدادية الذين سيتوجهون إلى المرحلة الثانوية، وطلاب الصف الأول الثانوي الذين سيتشعبون إلى القسمين الأدبي والعلمي، وطلاب الثانوية العامة الذين سيتجهون إلى مختلف التخصصات الجامعية، وفي هذه الحالات يستغل أوجه النشاط الطلابي ويتبع طرق الإرشاد الجماعي وخاصة المحاضرات والمناقشات الجماعية بما ييسر المعلومات الإرشادية للطلاب، وتعد النشرات والكتيبات والموديولات والأفلام وغيرها التي توضح السلم التعليمي والمراحل التعليمية التالية ومناهجها والمستقبل التربوي١. ويقترح البعض أن تخصص مؤتمرات جماعية وأيام كاملة للإرشاد التربوي الجماعي، وحبذا لو نظمت رحلات إلى المدارس الأعلى أو الكليات الجامعية.
خدمات شئون الطلبة: يمكن أن تقدم خدمات شئون الطلبة الكثير من خدمات الإرشاد التربوي حين تيسر لكل الطلاب إمكانات التوجيه والإرشاد من جانب هيئة التدريس والمرشدين. وعادة ما يتعود الطلاب على خدمات شئون الطلبة عندما يتم منذ اليوم الأول في المدرسة توجيه الطلاب الجدد.
خدمات التصنيف: تتضمن تصنيف الطلاب حسب القدرات والأعمار بناء على القياس والتقييم.
الخدمات الإرشادية للمتفوقين: وتشمل تحديد القدرات والمواهب الخاصة، وتيسير الفرص الكافية، وتنويع الخبرات، وإتاحة الابتكار، وفتح المجال أمام نمو القدرات والمواهب إلى أقصى درجة ممكنة، ويقترح فوريست Forrest؛ "١٩٦١" إعداد برامج خاصة للمتفوقين والموهوبين تتناسب مع نواحي التفوق والموهبة يشارك فيها المتفوقون أنفسهم.
الخدمات الإرشادية لضعاف العقول: تقدم هذه الخدمات تشخيصيا وتصحيحيا للتلاميذ، وإرشاديا للوالدين. وتهتم بالفحص النفسي للطفل وتقييم تحصيله الأكاديمي وتقدمه
стр. 469
الدراسي وفحصه طبيا وبحث حالته اجتماعيا، ويتم علاج ما قد يكون لدى الطفل من قلق أو عنوان أو سلوك جانح، ويتم تعديل البيئة وظروفها بما يكفل تحقيق أفضل درجة من التوافق، ويتم تقديم خدمات التوجيه والإرشاد للوالدين لتقبل حقيقة أن طفلهما ضعيف العقل، ومساعدتهما نفسيا في تحمل المشكلة والقيام بمسئولياتهما تجاهها تنمويا ووقائيا وعلاجيا، وتعديل اتجاهاتهما نحو الطفل ونحو ضعفه العقلي. وتشمل الجهود الإرشادية كذلك رعاية النمو الاجتماعي إلى أقصى درجة ممكنة بحيث يتم التدريب الكافي على السلوك الاجتماعي السوي وتتضمن الجهود الإرشادية أيضا تطويع العملية التربوية بما يناسب حالات التلاميذ لاستثمار القدر المتاح من القدرة العقلية العامة بأفضل أسلوب وإلى أقصى حد ممكن.
الخدمات الإرشادية للمتخلفين دراسيا: ومنها خدمات التشخيص والوقاية والعلاج. ومن المهم جدا التعرف المبكر على حالات التخلف الدراسي وبطء التعلم، وتلافي حدوث أسبابه، والعمل على علاج الحالة، واستخدام طرق التدريس المناسبة بهدف تحسين مستوى التحصيل الدراسي والتقدم الدراسي. ويتضمن العمل أيضا وضع بعض الحالات في فصول خاصة للتقوية والرعاية الخاصة. وتتضمن الخدمات كذلك إرشاد الوالدين بخصوص تجنب أسباب التخلف الدراسي لأولادهم وحثهم على التعاون مع المدرسة لعلاج الحالة "مكولوم McCollum؛ ١٩٧١".
خدمات إرشادية أخرى: وتشمل التعرف المبكر على حالات سوء التوافق المدرسي وبصفة خاصة على الطلاب الذين يحتمل تسربهم، وذلك بالاستعانة بدراسة مستوى تحصيلهم ونشاطهم المدرسي والانتظام، والتوافق المدرسي العام، ويبذل مع هؤلاء الجهود الوقائية بالتعاون مع الأسرة وتقدم لهم خدمات الإرشاد العلاجي اللازم حسب الحالة.
стр. 470
الإرشاد المهني VOCATIONAL COUNSELLING:
الإرشاد المهني من أقدم مجالات الإرشاد النفسي، فقد بدأ حين ظهرت الحاجة إلى ضرورة المزاوجة بين الفرد والمهنة التي يعمل فيها١.
стр. 471
ومن أشهر الرواد الأول في مجال الإرشاد المهني فرانك بارسونز Parsons الذي أطلق عليه "أبو الإرشاد المهني" والذي كتب في سنة ١٩٠٩ كتابه "اختيار مهنة" Choosing a Vocation الذي يعتبر من أمهات الكتب في الإرشاد المهني ومن أبرز من أسهموا في مجال الإرشاد المهني تطبيقا دونالد سوبر Super وهو معروف بدراساته الكثيرة في سيكولوجية المهن The Psychology of Careers.
والإرشاد المهني هو عملية مساعدة الفرد في اختيار مهنته، بم يتلائم مع استعداداته وقدراته وميوله ومطامحه وظروفه الاجتماعية وجنسه، والإعداد والتأهيل لها، والدخول في العمل، والتقدم والترقي فيه، وتحقيق أفضل مستوى ممكن من التوافق المهني، ويلاحظ على هذا التعريف أنه يؤكد أن الإرشاد المهني يعمل على مساعدة الفرد في أن يقرر مصيره المهني بنفسه "ولا يقرره أو يحدده له أحد"، ويشير إلى أن عملية الإرشاد تتضمن عدة إجراءات للاختيار والإعداد والدخول والتقدم في المهنة، وهي بذلك عملية نمو طويلة وليست مجرد إجراء محدد سريع "جورج هيل وإليانور لكي Hill & Luckey؛ ١٩٦٩".
ويهدف الإرشاد المهني أساسا إلى وضع العامل المناسب في العمل المناسب، أو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، بما يحقق التوافق المهني ويعود على الفرد والمجتمع بالخير. وبمعنى آخر يهدف الإرشاد المهني إلى مساعدة الفرد في معرفة استعداداته وقدراته وميوله واختيار مهنة حياته بطريقة منتظمة مخططة وإعداد نفسه لأخذ مكانه الصحيح في عالم المهنة تعليميا وتدريبيا، ومتابعته أثناء العمل ضمانا للنجاح والاستقرار، ولقد أصبح من بين أهداف الإرشاد المهني العمل على إكساب الفرد المرونة الكافية والخبرات اللازمة التي تجعله قادرا على مواجهة التطورات والتغيرات المحتملة في حياته المهنية، نظرا للنمو العلمي والتكنولوجي السريع الذي يحدث في العصر الحاضر والذي سيحدث في المستقبل "هيمان بيترز وبورس شيرترز Peters & Shertzer؛ ١٩٦٩" وهكذا نجد أن للإرشاد المهني هدفا مزدوجا، فهو يهدف إلى فائدة الفرد وفائدة المجتمع في نفس الوقت حين يصبح أفراده عاملين متقنين وراضين مهنيا ومنتجين سعداء.
الحاجة إلى الإرشاد المهني:
نحن نعرف أن أهم قرارين في حياة الإنسان هما قرار اختيار المهنة وقرار اختيار الزوج، ومما لا شك فيه أن كل مواطن يجب أن يتخذ هذين القرارين بحكمة.
стр. 472
ولقد عبر فرانك بارسونز Parsons؛ "١٩١٩" عن الحاجة الملحة إلى الإرشاد المهني، حتى لا يلقي بالمواطنين في خضم الحياة في عالم المهنة المعقد ليغوصوا أو ليطفوا حسب الحالة، في فترة الانتقال الحرجة بين التعليم والعمل.
ويقول ساملر Samler؛ "١٩٦٦": إن المستقبل يحمل بين طياته الكثير في عالم المهنة، ومن ذلك أن مهن الغد ستكون أكثر عددا وأكثر اختلافا عن مهن اليوم، وأن الفرد سوف يضطر إلى تغيير مهنته عدة مرات خلال حياته العملية، إننا نعد أولادنا لمهن ربما لا يجدونها عندما يتخرجون بل يجدون منها أخرى جديدة.
وفي غيبة خدمات الإرشاد المهني، يجد الكثير ممن هم في عالم المهنة أشخاصا غير مناسبين في مهن لا تناسبهم Square pege in round holes.١ وهؤلاء لو أتيح لهم فرصة إعادة الاختيار المهني لاختاروا مهنا غير مهنهم، وهذه مأساة حقا حيث يقضي الفرد حياته في مهنة لا تناسبه ولا يرضى عنها، وهذا يؤثر في الإنتاج، ويؤدي إلى الخسارة الشخصية والاجتماعية.
إن الحاجة الماسة للإرشاد المهني تقوم على أساس تنوع الفروق الفردية في القدرات والاستعدادات والميول والتقدم العملي والتقني الذي يشهده عصرنا الحاضر مما زاد عدد المهن وأنواع التخصصات وفرص العمل بشكل كبير جدا.
والإرشاد المهني ضروري لرفع إنتاجية الإنسان وتحقيق الجودة. "حامد زهران، ١٩٨٤".
وتلاحظ أهمية الإرشاد المهني في نمو الشخص وتوافقه وصحته النفسية، إن المهنة لها علاقة وثيقة بالذات والشخصية، فاختيار مهنة بالذات يرتبط بمفهوم الذات. والمهنة هي العمل الذي سيقضي فيه الفرد حياته كلها. والعمل هو الذي يجعل للحياة معنى ويجعل للإنسان نفسه قيمة اجتماعية، حيث يمثل أهم أدواره الاجتماعية في الحياة.
ويحتاج إلى الإرشاد المهني بعض الفئات التي تضعها الصدفة في مهن لا تحبها، ومن أمثلة ذلك بعض النساء اللائي وضعن في مهن لا يرغبنها، وعلى الرغم من ذلك اجتهدن في هذه المهن، وهؤلاء تستخدم معهن فنيات تدخل إرشادي واستراتيجيات توافق مهني خاصة. "كاترين فيفولكيرسون Fee- Fulkerson؛ ١٩٨٨".
стр. 473
وتهتم جميع الدول بالإرشاد المهني وبصفة خاصة إدارات ووزارت القوى العاملة، ووزارات العمل، حيث يجب الاهتمام بتوفير كل خدمات الإرشاد المهني عمليا وعلميا، وما أحوج مصر إلى هذا الاهتمام. "حامد زهران، ١٩٨٦".
المشكلات المهنية:
تتعدد المشكلات المهنية التي تتعلق بالاختيار والإعداد والتوزيع والاستقرار والتوافق المهني. وفيما يلي أبرز المشكلات المهنية.
مشكلات الاختيار المهني: المطلوب هو اختيار العامل المناسب ولوضعه في العمل المناسب، وهناك عدة عوامل يجب وضعها في الحساب عند الاختيار المهني مثل شخصية الفرد وإمكاناته وميوله، ومتطلبات المهنة وظروف العمل واحتمالات الحاجة إلى العاملين به، وكثيرا ما يحدث اختيار المهنة بطريقة الصدفة أو عن جهل الشخص بإمكاناته ومتطلبات المهنة ومتطلبات سوق العمل. وقد يحدث الاختيار في ضوء بريق ومغريات المهنة أو سمعتها أو مكانتها الاجتماعية أو عائدها الاقتصادي بصرف النظر عن الاستعداد لها "انظر جونز Jones؛ ١٩٧٢". وقد يحدث الاختيار المتسرع المغامر. وقد يكون الاختيار "إجباريا" كما يحدث في توزيع القوى العاملة للخريجين في بعض الأحيان، أو في تحديد الأسرة لمهنة الولد وإجباره على الدخول في مهنة الأسرة كما لدى النجارين والحدادين، أو إجباره على الدخول في مهنة الأمل التي كان الوالد يأمل أن تكون مهنته ولكنه فشل في ذلك فيدفع ولده إليها دفعا، وقد يكون ضيق الأفق المهني ونقص المعلومات المهنية المتعلقة بالأعمال المختلفة التي يمكن للفرد أن يلتحق بها والمؤهلات المطلوبة هي العامل المسئول عن مشكلة الاختيار غير الموفق، وقد يكون الاختيار من باب مسايرة الرفاق والأصدقاء في اختياراتهم، وقد يكون الاختيار مترددا غير قاطع وغير نهائي، وقد يكون الاختيار غير موفق بالمرة، وقد لا يحدث اختيار بسبب كثرة الاختيارات والحيرة بينها وعدم القدرة على التقرير. ولقد بذلت جهود ومحاولات لجعل الاختيار المهني علميا أكثر فاستخدم الحاسب الآلي، وحتى في حالات الاختيار العملي الآلي، حيث تقاس الشخصية والقدرات والاستعدادات والميول من جهة ومتطلبات العمل من جهة أخرى، ثم يقوم الحاسب الآلي بإصدار قرار بالمهنة المناسبة، فإن الأمر أعقد من ذلك بكثير، والمتغيرات أكثر. وقد قام ميلهوس Melhus؛ "١٩٧١" بمقارنة آثار الإرشاد المهني عن طريق المرشد وعن طريق الحاسب الآلي، ووجد أنه في
стр. 474
حالة استخدام الفرد لتقديم كافة المعلومات المطلوبة بصدق وأمانة ومسئولية فإن الطريقتين تتساويان في آثارهما الإرشادية، وهنا لا مانع من الاستفادة من استخدام إمكانات التقدم العلمي والتكنولوجي المتوافرة في الحاسب الآلي في عملية الإرشاد.
مشكلات الإعداد المهني: تتعلق بإعداد الأشخاص للمهن نفسيا وتربويا وتدريبيا. وأحيانا يهمل جانب الإعداد النفسي للمهنة ويتركز الاهتمام فقط على الإعداد التربوي، وقد يكون التدريب المهني غير كاف كما أو كيفا. وفي بعض الأحيان يهمل الإعداد المهني لبعض الفئات الخاصة، ولا تعد لهم برامج إرشاد خاصة. "جامي ساتشر Satcher؛ ١٩٩٥".
مشكلات التوزيع: نحن نسمع في كثير من الأحيان عن مشكلات تترواح بين سوء توزيع القوى العاملة على المهن المختلفة إلى خطأ في التوزيع، فأحيانا نسمع عن مهندس يعمل معلما، ومسيحي يعين مؤذنا، ويرجع هذا كله إلى التعلل بالحاجة الماسة إلى قوى عاملة في ميادين مختلفة وإلى نقص أو غياب وسائل الإرشاد المهني، وهذا عذر أقبح من الذنب، لأن وسائل الإرشاد الموجودة في هذه الحالات تقتصر على مقابلة الدقائق أو ما يسمى الاختبار الشخصي، حيث يكون أهم ما في الأمر هو المظهر العام والمعلومات العامة والطلاقة اللفظية والحالة الانفعالية للفرد. وقد يقتصر الأمر على السجلات التي تحتوي عادة على الاسم والعمر والتخصص والتقدير والعنوان، وهذه معلومات لا يمكن الاكتفاء بها بأي حال من الأحوال.
مشكلات الالتحاق بالعمل: تتعلق بطرق التقدم إلى العمل، وكيفية ملء طلبات الالتحاق، ومقابلة أصحاب العمل ... إلخ.
مشكلة التعيين تحت الاختبار: هذا تعيين غير مستقر يحدث في بعض المؤسسات. ويكون الفرد فيه قابلا للتثبيت إذا أثبت الكفاءة، والخلع إذا كان العكس، وفي هذا اتهام للجهات المسئولة عن الإعداد والتدريب المهني بأنها تخرج الأفراد قبل استكمال تأهيلهم وتدريبهم بما يكفي لتعيينهم الدائم في المهن المناسبة لهم. وكثيرا ما يستغل التعيين تحت الاختبار كستار لاستغلال العاملين ثم التخلص منهم قبل انتهاء فترة الاختبار بحجة عدم الصلاحية المهنية، للتهرب من القوانين التي تحفظ للعاملين حقوقهم.
سوء التوافق المهني: حيث يشاهد عدم التوافيق وعدم التكيف مع ظروف العمل أو مع
стр. 475
رفاق العمل، أو عدم الرضا المهني بصفة عامة وعدم الرضا عن الدخل من العمل، أو التأثير السيئ لنوع العمل على الصحة العامة "محمد زهران، ١٩٩٥" وينتج عن ذلك عدم الاستقرار المهني وترك العمل أو تغييره أو هجره والتحول إلى أعمال أخرى، ونتيجة لعدم الاستقرار المهني يحاول الفرد الدخول في مهنة أو مهن أخرى وتعدد مهنه.
البطالة: البطالة الصريحة أو المقدمة كارثة في عالم المهنة والاقتصاد بصفة عامة، ويرتبط بالبطالة الكثير من مظاهر سوء التوافق الشخصي والاجتماعي، ويرتبط بالبطالة أيضا الكثير من مظاهر اضطراب الصحة الجسمية والنفسية فقد وجدت آن هامارستروم وآخرون. Hammarstorm et al؛ "١٩٨٨" أن البطالة تؤدي إلى زيادة أعراض الأمراض الجسمية وإلى ظهور الأمراض النفسية الجسمية والأعراض النفسية والإدمان.
خدمات الإرشاد المهني:
أهم خدمات الإرشاد المهني هي المزاوجة بين العامل والعمل أي بين الشخص والمهنة وذلك لتحديد ما يسمى الصلاحية المهنية Vcoational Fitness وفيما يلي أهم خدمات الإرشاد المهني.
التربية المهنية: تتضمن التربية المهنية برنامجا تعليميا مهنيا يدور حول محور رئيسي وهو تيسير المعلومات المهنية فيما يتعلق بمتطلبات الشخصية بصفة عامة، ومتطلبات المهن بأنواعها المختلفة جسميا وعقليا وبيئة العمل جغرافيا وبشريا، والأجور، ونظام الترقي والعمل مستقبلا، واحتمالات سوق العمل والقوى العاملة والعرض والطلب، في ضوء الدراسات المسحية والإحصائية، ليستطيع العميل أن يتخذ في ضوء ذلك قرارا مهنيا نافعا. وتستند التربية المهنية إلى حقائق خاصة بالنمو المهني للفرد، منها أن من مطالب النمو ما يتعلق بالتربية المهنية والاختيار والتأهيل المهني، وأن الاهتمام بعالم المهنة يبدأ منذ مرحلة الطفولة، وأن هناك تأثيرا متبادلا بين نمو الذات وبين النمو المهني، وأن هناك ضرورة لتنمية قدرة الفرد على المرونة لتغيير مهنته التي أعد لها أو تدرب عليها حين يطرأ ما يتطلب هذا مع النمو العقلي والتكنولوجي في المستقبل. وهناك وسائل ومصادر كثيرة للمعلومات، منها النشرات والمجلات والكتيبات والكتب التي تصدرها المؤسسات والاتحادات المهنية ومراكز التدريب والمؤسسات الصناعية والتجارية والفنية ومصالح القوى العاملة ووزارت العمل ونقابات المهن المختلفة ... إلخ، ومن المفيد أن يخصص
стр. 476
جزء من المكتبة لهذه المصادر يسمى "مكتبة المعلومات المهنية" ومن المصادر الحية للمعلومات المهنية، الندوات والمؤتمرات والمحاضرات التي يقدمها المرشدون المهنيون والعاملون والخبراء في المهن المختلفة، ويستعان فيها بالمعلقات والتسجيلات والأفلام الخاصة بالإرشاد المهني كالتي تعرض صورا حية للعمل في المهن المختلفة، ويستفاد كذلك بكل مصادر "الإعلام المهني" وتفيد أيضا الزيارات الميدانية لمواقع العمل، والعمل المؤقت في المهنة أثناء العطلات، ويقترح البعض إدخال مواد وخبرات في مناهج الدراسة عن المهن لمساعدة الطلاب "في جميع مراحل التعليم" في الحصول على المعلومات المهنية اللازمة لنموهم المهني ولاختيارهم المهني الذي يحدث في مستقبلهم القريب، ويتعاون المرشدون والمعلمون في تنفيذ هذا البرنامج، وقد تشمل الموضوعات المنفصلة أو المندمجة في المواد الدراسية الأخرى مثل المواد الاجتماعية أنواع المهن في البيئة المحلية، وفرص العمل، وقصص حياة المشاهير في عالم المهنة ... وهكذا. وقد يقوم الطلاب بدراسة المهن المختلفة ويقدم كل منهم تقريرا عن مهنة واحدة وعن فرص العمل فيها وطبيعة العمل والمؤهلات المطلوبة والتأهيل وكيفية دخولها والتقدم فيها وعدد المشتغلين بها ومزاياها وعيوبها، ويقوم الطلاب كذلك بتعلم وتمثيل الأدوار المهنية المختلفة وممارسة أدوار مثل دور رجل النظام أو المعلم أو الصحفي ... إلخ "سعد جلال، ١٩٦٧". ويجب الاهتمام باستكشاف استعدادات الطلاب وميولهم المهنية المبكرة وتقديم الخبرات التي تنميها. وكثيرا ما نسمع عن أعلام في عالم المهنة بدأت استعداداتهم وميولهم لها في الظهور في مرحلة الطفولة، وكان الفضل في نجاحهم مهنيا إلى رعاية استعداداتهم وتريبة ميولهم المهنية خلال نموهم.
تحليل العامل: يقال له أيضا "تحليل الشخصية" ويهدف لفهم شخصية العامل "الذي سيدخل العمل"واستعداداته وقدراته وإمكاناته وميوله واتجاهاته ومطامحه وخبراته ونواحي قوته ونواحي قصوره، ويستفاد في هذا الصدد بخلاصة ما وصل إليه علم النفس في دراسة وتحليل الشخصية واستخدام كل الوسائل العلمية والفنية المتاحة، وعلى سبيل المثال. نجد الكثير من الاختبارات والمقاييس لتحديد أبعاد الشخصية ومكوناتها ودراسة الميول المهنية واللامهنية لكل من الذكور والإناث١ حيث يلاحظ وجود فروق في الميول والإمكانات المهنية بين الجنسين "دالي Daly؛ ١٩٧١".
стр. 477
تحليل العمل Job Analysis: يتم ذلك لتحديد متطلبات العمل من المهارات الجسمية والعقلية، وميادينه وطبيعته وظروفه، وعوامل النجاح والتقدم فيه، ومستقبله، وتخصصاته الفرعية المتعددة والمتطورة مع التطور العملي والتكنولوجي السريع، ويشمل تحليل العمل كذلك بيان الأجهزة والآلات والمعدات واحتمالات الخطر والنواحي الصحية، ويلخص البعض ما يسمونه " معادلة تحليل العمل" في: ماذا يفعل العامل "جسميا وعقليا" وكيف يقوم بالعمل "الوسائل المستخدمة" ولماذا يقوم به "الهدف منه"، والمهارات والمعارف والمسئوليات وهناك الكثير من البحوث والدراسات عن تحليل العمل في كل مهنة، ومما هو جدير بالذكر أن هناك هيئات متخصصة تطور وسائل الإرشاد المهني، ومن أمثلتها "الجمعية القومية للتوجيه المهني" "في أمريكا" National Vocational Guidance Association هارولد بيرنارد ودانيل فولمر Bernard & Fullmer؛ ١٩٧٠" ولقد أعد "قاموس أسماء المهن" Dictionary of Occupational Titles وهذا القاموس يبين أنه على مدى بعض عقود من الزمن، ومع اطراد النمو العلمي والتكنولوجي، نما عدد المهن من بضع مئات إلى بضعة آلاف. والقاموس يحوي في أربعة مجلدات أكبر تصنيف عالمي للمهن "٢٢٠٠٠٠ مهنة وأكثر من ٤٠٠٠٠ اسم مهني"والمجلد الأول من القاموس يتناول وصف المهن، والمجلد الثاني يتناول التصنيف المهني، والمجلد الثالث ملحق للمجلدين الأول والثاني، أما المجلد الرابع فبعنوان "مدخل التصنيف المهني" حيث يصنف المهن في مجموعات حسب متطلبات العمل والصفات اللازم توافرها في العامل، ولذلك فهو هام جدا في عملية الإرشاد المهني.
الاختيار المهني: يهتم الإرشاد المهني بمساعدة الشخص في اتخاذ القرارات الخاصة بالاختيار المهني واللازمة للتخطيط للمستقبل المهني. ويجب أن يقوم الشخص نفسه باتخاذ القرارات بعد إيقاظ اهتمامه نحو اختيار مهنته في المستقبل، ويكون ذلك بعد دراسة دقيقة ووافية لشخصيته من ناحية، والعمل من ناحية أخرى ليرى مدى الملائمة بينهما ومناسبتهما بعضهما لبعض، وهذا يتطلب حصوله على معلومات وافية عن نفسه وعن عالم المهنة١، ولا شك أن
стр. 478
الاختيار الموفق للمهنة له فوائده المعروفة وهي الرضا والارتياح في العمل وزيادة الإنتاج وزيادة الدخل. وهناك إلى جانب ذلك قرارات خاصة بالدخول في عالم المهنة أو عدمه في حالة الإناث. فعلى الفتاة أن تتخذ قرار بخصوص الزواج والمهنة، فهل ستتزوج وتقتصر على أن تكون أسرة، أم هل تعمل حتى تتزوج، أم تجمع بين الزواج والعمل. ومعروف أن هناك متغيرات كثيرة يجب أن توضع في الحساب في هذه الحالات مثل نوع المهنة وفرص الزواج والاستقرار الزواجي وساعات العمل ومطالب المهنة مثل السفر والمبيت خارج المنزل ... إلخ.
التأهيل المهني: يسمى أيضا "الإعداد المهني" وهو عملية تستغرق وقتا طويلا في التأهيل المتخصص. ومعروف أن التخصص اكتساب وليس فطرة، والتأهيل المهني يهدف -كما عرفنا- إلى إكساب المهارات الخاصة الضرورية للنجاح في مهنة معينة بالذات، وهذا ما تقوم به المدارس والمعاهد والكليات لتحقيق هذا الهدف، مثل كليات التربية وكليات الطب وكليات الهندسة. وحتى في هذه المهن نجد تخصصات فرعية ومستويات متعددة.
التدريب المهني: هذا أمر ضروري لاكتساب المهارة المطلوبة للقيام بالعمل والوصول إلى الكفاءة اللازمة للنجاح فيه، وهذا ما يدعو الدول إلى إنشاء إدارات التدريب في الوزارات المختلفة، لتنظم برامج ودورات تدريب، وتنشئ مراكز التدريب المهني. ويحتاج التدريب المهني إلى الواقعية، ومن أفضل صورها تقديم نماذج من الحياة العملية في شكل عمل ميداني، حيث يرى المتدربون ويسمعون ويمارسون الخبرة العملية بدرجة كافية كما وكيفا.
التشغيل: ويبدأ بعملية المساعدة في البحث عن العمل، ثم بعملية المساعدة في الدخول فيه. وهنا تتم مساعدة الفرد في البحث الموفق، والدخول الناجح، في تدرج مناسب، ويخصص لهذا ما يسمى أحيانا "مكتب العمل"، وهناك جدل حول ما إذا كان هذا من مسئوليات المرشد المدرسي أو المرشد في المؤسسات الخارجية أو في القوى العاملة. وهنا نقول إن المهم أنها مسئولية إرشادية يقوم بها المرشد في أي من هذه الجهات أو في كل منها.
الاستقرار في العمل: يتم هذا حين يتوافر لدى العامل متطلبات العمل، وحين تكون ظروف العمل مناسبة، ويقوم العامل بالعمل على أفضل وجه ممكن، ولأطول مدة ممكنة.
الترقي: يجب العمل على إتاحة جميع فرص التقدم والترقي الرأسي في العمل إلى أعلى الدرجات، وهذا من أهم عوامل الرضا والتوافق المهني.
التوافق المهني: إذا ما دخل الفرد العمل وتقبله ورضي عنه واستقر فيه ونجح وأجاد وترقى وتوافق اجتماعيا مع زملائه ورضي بالدخل الذي يدره العمل، فإن هذا يشعره بالسعادة، وإذا ما صادفته مشكلات، عمل على حلها في حينها، فإن هذا يؤدي إلى أن يتزايد ارتباطه بالعمل، ويتحقق التوافق المهني.
стр. 479
الإرشاد الزواجي MARRIAGE COUNSELLING:
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ . وقال رسول الله ﷺ : "من أحب فطرتي فليستن بسنتي، وإن من سنتي النكاح". وقال ﷺ : "تخيروا لنطفكم، فانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم".
وهكذا نرى أن الزواج سنة حميدة والحياة الزواجية السعيدة فيها سكن وأمن للإنسان، ولذا فهي تحتاج إلى كل عناية واهتمام الأخصائيين في كافة الميادين العملية، ولذلك نجد أن الإرشاد الزواجي -كمجال متخصص من مجالات الإرشاد النفسي- يفيد من عدة ميادية مثل الدين القانون وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الوراثة والطب.
والإرشاد الزواجي -عمليا- قديم قدم الزاوج نفسه.
والإرشاد الزواجي هو عملية مساعدة الفرد في اختيار زوجه، والاستعداد للحياة الزواجية، والدخول فيها، والاستقرار والسعادة، وتحقيق التوافق الزواجي، وحل ما قد يطرأ من مشكلات زواجية، قبل الزواج وأثناءه وبعده.
ويهدف الإرشاد الزواجي إلى تحقيق سعادة الأسرة الصغيرة والمجتمع الكبير، وذلك بتعليم الشباب أصول الحياة الزواجية السعيدة، والعمل على الجمع بين أنسب زوجين، وذلك بهدف وقائي، والمساعدة في حل وعلاج ما قد يطرأ من مشكلات أو اضطرابات زواجية.
ومما يدل على أهمية مجال الإرشاد الزواجي أنه أفرد له مجلات عملية دورية خاصة١ ويلقى الإرشاد الزواجي اهتماما كبيرا في بلاد كثيرة. فمثلا نجد في انجلترا "المجلس القومي للإرشاد الزواجي" National Marriage Guidance Council. ويهتم هذا المجلس إلى جانب تقديم خدمات الإرشاد بإعداد المرشدين المتخصصين في الإرشاد الزواجي "تيلور Taylor؛ ١٩٧١". وكذلك تكونت جمعيات مثل "الجمعية الأمريكية للمرشدين الزواجيين" American Association of Marriage Counselors إلا أنه يلاحظ أن الهيئات المهتمة بالإرشاد الزواجي ما زالت تتركز في الدول الكبرى، وحتى في المدن الكبرى منها، ولكن خدمات الإرشاد الزواجي أصبحت أكثر اتساعا.
стр. 480
الحاجة إلى الإرشاد الزواجي:
على مر الأجيال، كان الناس يسترشدون بالأهل والأقارب والأصدقاء والمعارف في النواحي العامة الخاصة بالزواج والحصول على المعلومات المطلوبة، أو المشكلات الزواجية، وهذا يعتبر نوعا من "الإرشاد البلدي" "الذي يحدث بعيدا عن الإرشاد العلمي" يقدم فيه غير مختصين معلومات قد تكون غير سليمة، وقد يكونون غير حياديين، وقد تكون لبعضهم أغراض شخصية تزيد المشكلات تعقيدا. ثم بدأ علماء الدين يقدمون خدمات في الإرشاد الزواجي مؤكدين الجوانب الدينية. وأسهم الأطباء مؤكدين النواحي الطبية، وساعد الأخصائيون الاجتماعيون مهتمين بالنواحي الاجتماعية. واشترك المعالجون النفسيون متناولين النواحي النفسية. إلا أن تخصص الإرشاد النفسي وتحديد مجال خاص فيه -هو الإرشاد الزواجي- وضع الأمور في يد أخصائي يعمل بأسلوب علمي أكثر أمنا.
إن دراسة الحياة الزواجية والسلوك الزواجي، وما يحدث فيها من مشكلات زواجية تتراوح ما بين البسيطة التي تنغصها والكبيرة التي تقوضها، تلفت النظر إلى أهمية وإلحاح الحاجة إلى الإرشاد الزواجي.
ويلاحظ أهمية الإرشاد الزواجي، في التوافق الشخصي والاجتماعي والنفسي بصفة عامة. فالحياة الزواجية المستقرة السعيدة من أهم ما يكون في حياة الإنسان، والإعداد للحياة الزواجية والاستقرار فيها والتغلب على ما قد يعترضها من مشكلات، يحتاج إلى خدمات الإرشاد الزواجي١.
стр. 481
مشكلات الزواج:
قد يحدث قبل الزواج أو أثناءه أو بعد إنهائه بعض المشكلات، وهناك مشكلات عامة تحدث في أي من هذه المراحل على السواء. ويعجب ريتشارد كليمر Klemer؛ "١٩٦٥" لما حدث للزيجات وما كثر فيها من مشكلات تدور حول محاور رئيسية من نقص التفاهم بين الزوجين وعدم القدرة على استمرار الحياة الزواجية وحدوث ما يؤدي إلى إنهائها.
وفيما يلي أهم مشكلات الزواج:
أولا: مشكلات قبل الزواج:
مشكلة اختيار الزوج: قد يحدث اختيار الزوج عن طريق الصدفة التي كثيرا ما تخطئ. وقد يحدث نتيجة للحب من أول نظرة، وقد يحدث كاستجابة لأول طارق نتيجة لتأخر الزواج وتكدس العذارى أو السيدات غير المتزوجات١. وقد يختار الأهل للفتاة زوجا لا ترضاه، وقد جاء في البخاري أن الخنساء بنت جذام جاءت إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله، إن أبي تعدى علي وزوجني بمن لا أرضاه، فقال لها الرسول ﷺ : "فهل تجيزين ما صنع أبوك؟ "، قالت: ما لي رغبة فيما صنع أبي. فقال الرسول ﷺ : "إذا لا نكاح له، فانكحي من شئت". وكان أبوها قد جاءه ابن عمها ففضله على الشاب الذي تحبه وهو لبابة بن المنذر. فقضى الرسول بطلاقها من ابن عمها الذي لا تحبه وزوجها أبا لبابة. "انظر أحمد شوقي الفنجري، ١٩٨٦".
العنوسة: أي تأخر الزواج بالنسبة للإناث وتأخيره بالنسبة للذكور. والعنوسة تهديد بحرمان مؤبد من الحياة الزوجية، وبالنسبة للإناث يكون تأخر الزواج أو العنوسة ليس بيد الفتاة التي تظل تنتظر ابن الحلال فلا يأتي ويفوتها قطار الزواج وتظل تعاني من قلق الانتظار والخوف من البوار والخوف من المستقبل، أما بالنسبة للذكور فقد تستدعي ظروف الفرد أو ظروف أسرية خاصة، مثل عدم زواج أخواته الأكبر منه أو بقية أخواته الأصغر منه وهو مسئول عنهن، قد يستدعي هذا تأخير الزواج حتى يصبح الوقت متأخرا أكثر من اللازم. ويرتبط بمشكلة العنوسة مشكلات فرعية مثل مشكلة تزويج الأخت أو الأخوات الأصغر قبل الأخت الأكبر "العانس أو المرشحة لتصبح عانسا"، وما يترتب على ذلك من مشكلات الغيرة وفقدان الثقة في النفس ... إلخ، وتشاهد مشكلة العنوسة بشكل أوضح في المجتمعات الغربية، وقد كانت إحدى أخطر المشكلات النفسية والاجتماعية بسبب الحربين العالميتين الأولى والثانية كما حدث مثلا في ألمانيا وإنجلترا "مايلين كانتر Kanter؛ ١٩٧٨".
الإحجام والإضراب عن الزواج: الإحجام والإعراض والامتناع عن الزواج -في رأي
стр. 482
الدين- سلوك غير مرغوب فيه، ويعتبر سيئة لأنه يضر بالفرد ويضر المجتمع، ويعتبر بعدا عن طريق الفطرة المستقيم. قال رسول الله ﷺ : "النكاح سنتي فمن رغب من سنتي فليس مني". وقال ﷺ : "شرار أمتي عزابها". وقد روي أنه كان هناك
رجل يسمى "عكاف" قد أعرض عن الزواج، وقد حضر مجلس الرسول ﷺ مرة فسأله الرسول عن إمكاناته وظروفه المالية والجسمية فأجاب بالإيجاب، فقال له الرسول ﷺ : "تزوج وإلا فأنت من المذنبين". وتتعدد أسباب الإحجام والإضراب عن الزواج، فنجد منها وجود عيب أو عجز أو خبرة عاصفة أليمة نتيجة لفشل خطوبة أو زواج سريع سابق فاشل أو صدمة عاطفية، أو فقد ثقة معممة على الجنس الآخر كله، أو عدم القدرة على تحمل المسئولية، أو الانشغال والاستغراق في عمل أو فن، أو الاشتغال بمهن يخشى معها عدم نجاح أو استقرار الزواج كما في حالة البحارة والمضيفين والمضيفات، أو وجود أفكار خاطئة أو خرافية لا أساس لها من الصحة والصواب، أو للتخوف مما يرى من زيجات فاشلة، أو لاتخاذ صورة مثالية غير واقعية يعيش الفرد آملا في تحقيقها حتى يفوته القطار. وقد يكون السبب -بكل أسف- هو المغالاة في المهور وتكاليف الزواج من هدايا وحفلات ومشكلات السكن ... إلخ. ونحن نعرف أن الإحجام والإضراب عن الزواج يصاحبه عادة الشعور بالوحدة والانطواء، ويؤدي إلى السلوك المنحرف.
التفاوت بين الزوجين: قد يكون هناك تفاوت كبير أو عدم تكافؤ بين شخصيتي الزوجين. فقد يكون أحد الطرفين منطويا والآخر منبسطا، وقد يكون أحدها قوي البنية صحيح الجسم والآخر ضعيف البنية عليلا، وقد يكون أحدهما شهوانيا والآخر باردا، وقد يكون أحدهما كريما مسرفا والآخر بخيلا مقترا، وقد يكون هناك تفاوت كبير في العمر، كأن يكون أحد الطرفين في الشيخوخة والآخر في شرخ الشباب مثلا١. وقد يكون التفاوت في المستوى الاجتماعي الاقتصادي كأن يكون أحد الطرفين ثريا والآخر فقيرا، وقد يكون التفاوت في المستوى الثقافي كأن يكون أحد الطرفين عالما والآخر جاهلا، وقد يكون الاختلاف في الدين أو الجنسية، وفي هذه الحالات قد يعير أحد الطرفين الطرف الآخر أو يتعالى عليه ويشعر الآخر بالنقص، وقد يكون الهدف هو تحقيق منافع مادية فحسب على حساب الزواج، هذا وقد يكون هناك اختلافات طبية مثل اختلاف العامل الريزيسي Rh- factor في الدم، كأن يكون عند أحدهما موجبا وعند الآخر سالبا، فهنا لا ينصح بالزواج لأنه عندما يحدث حمل قد يرث الجنين فيه هذا العامل من أبيه وبذلك يكون مختلفا عن أمه من حيث هذا العامل مما يؤدي إلى تكوين أجسام مضادة وإلى اضطراب توزيع الأكسجين وعدم نضج خلايا الدم وتدمير كرات
стр. 483
الدم الحمراء وتلف المخ وربما موت الجنين والإجهاض، وإذا ولد يكون ضعيف العقل ولا يعيش كثيرا "انظر حامد زهران، ١٩٩٠". وعلى العموم فإن التفاوت بين الزوجين غير مرغوب عادة ويشار إليه أحيانا باسم "جريمة الزواج المتفاوت".
الاختلاط الزائد والتجارب قبل الزواج: الاختلاط الزائد بين الخطيبين وكثرة الخلوات غير المسموح بها شرعا وما قد يحدث من تجارب اجتماعية أو عاطفية قد تصل إلى خبرات جنسية قبل الزواج، أمر غير شرعي ومحرم، وعادة يلونه التمثيل والادعاء والكذب والتمويه، بالإضافة إلى ما يجره من تورط قبل إتمام الارتباط، ويؤدي إلى الشك المتبادل في السلوك الأخلاقي والأمانة، وفضلا عما فيه من خيانة للأهل وللضمير، وحتى على أحسن الفروض إذا كان يبدو إقبال فهو إقبال يتبعه فتور، وإذا كان يبدو إقداما فهو إقدام يتلوه إحجام. وكم سمعنا من مآس زواجية حدثت لأن الزواج بدأ والعروس قد فقدت بكارتها، أو حتى وهي حامل.
ثانيا مشكلات أثناء الزواج "بعد الدخول":
مشكلات تنظيم النسل: الأصل في الحياة الزواجية هو التناسل والتكاثر. ولكن أبيح للزوجين توقي النسل بطرق سليمة في بعض الأحوال دفعا للضرر عنهم وعن الأولاد. والاختلاف بين الزوجين حول تنظيم النسل قد يؤدي إلى خلافات وخاصة حينما يكون دون داع ولأسباب واهية غير مقبولة عند أحد الطرفين، وقد يؤدي إلى اضطرابات نفسية جنسية وردود فعل عصابية، وقد يصر أحد الطرفين على بدئه منذ ليلة الزفاف، ولكن معظم الآراء لا تحبذ ذلك، فيحسن أن يطمئن الزوجان على خصوبتهما ويشبعان حاجتهما إلى الوالدية "ماري كالديرون Calderone؛ ١٩٦٥".
العقم: العقم مشكلة لا ينكرها أحد. قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . وفي حالة العقم يتهم كل طرف رفيقه بأنه هو السبب. وتلجأ النساء عادة إلى الأطباء والمعالجين وحتى الدجالين والمشعوذين. والعقم من أكبر مهددات الحياة الزواجية بالانفصام أو على الأقل بتعدد الزواج. ولا تقتصر المشكلة على جوانبها الفسيولوجية بل تشمل جوانب نفسية مثل شعور العاقر بالإحباط والحرمان والحسرة والحق والحسد وتوتر الأعصاب وخاصة كلما جاءت الدورة الشهرية كتذكار دائم للعقم. هذا ويلاحظ أن العمق قد يكون نفسي المنشأ، أي "عقم وظيفي"، ويحتاج إلى علاج نفسي "لورانس بانكس Banks؛ ١٩٦٥".
تدخل الحماة والأقارب: قد يكون تدخل الحماة أو الأقارب١ كإخوة وأخوات الزوج أكثر من اللازم أو فيما لا يعنيهم فقد يعاملون الزوجين أو أحدهما كما كانا يعاملانه قبل الزواج ودون اعتبار لدوره الجديد. فقد يستمر التوجيه أكثر من اللازم أو دون داع. وقد يشعرون
стр. 484
أن شيئا أخذه الطرف الآخر مهم وحرمهم من عطف سابق أو مال. وقد يصاحب هذا مشاعر الأسى والغيرة والخصومة والمكيدة أحيانا، وعادة ما يؤدي إلى ردود فعل سيئة، ويكون الزوج هو كبش الفداء، وقد يطالب بعض الأزواج شريك حياته بقطع علاقته مع أهله وأقاربه، وهذا أمر له آثاره السيئة، وعادة ما يبالغ الوالدان في تقدير قيمة ابنهما أو ابنتهما، وأن الطرف الآخر ليس جديرا به، ومن ثم يعكفان على نقده. وقد تنبع المشكلات من الخلط في الأدوار من ناحية الوالدين والزوجين، فالوالدان يخلطان بين دورهما كوالدين ودورهما كحموين، والزوجان يخلطان بين دورهما كزوجين ودورهما كأولاد. وقد يؤدي وجود الحماة مع الزوجة إلى مشكلات مثل: مقارنة دور الزوجة بدور الأم مع ما في ذلك من فروق بين الدورين، وبالإضافة إلى ذلك فلا يخفى أن زوجة الابن وزوج الابنة شخصية نشأت ونمت في إطار اجتماعي مختلف عن الآخر، وربما في ثقافة أخرى، وفي هذه الحالة تبدو غرابة الزوج، وغرابة سلوكه، وعلى العموم فكثيرا ما نسمع عن اشتراط عدم تدخل الحماة والأقارب وعدم معيشتهم مع الزوجين قبل الزواج نفسه تفاديا لاحتمال حدوث هذه المشكلات. وعلاوة على ما سبق، فقد تتدخل الحماة والأقارب في تربية الأطفال متوقعين تربيتهم على أساس نظام الماضي حين كان الزوجان نفسهما أطفالا "روبرت بيل Bell؛ ١٩٧٥".
تعدد الزوجات: أباح الله تعالى تعدد الزوجات لدواع وبشروط. قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ وتعدد الزوجات حين يحدث دون مبرر شرعي ودون مراعاة شروطه، فإن الرجل يصبح مراهقا مشتتا غير مستقر وغير عادل غالبا بين زوجات ضرائر١ متصارعات متسابقات يكدن بعضهم لبعض بسبب الغيرة الجامحة، فتزداد الحياة المنقسمة اضطرابا وتصبح حياة لا تطاق.
اضطراب العلاقات الزواجية: قد تكون العلاقات الزواجية مضطربة وغير متوافقة، كما يحدث في حالات عدم التكافؤ جنسيا، وكما يحدث في العلاقات الاجتماعية المضطربة كالليونة المفرطة أو القسوة الزائدة التي قد تصل إلى الهجران، وكما يحدث في العلاقات الانفعالية المضطربة كالغيرة الجامحة أو الطلاق الانفعالي.
المشكلات الجنسية: قد تكون العلاقات الجنسية بين الزوجين فيها ممارسات شاذة، أو قد تكون غير متكافئة كأن يكون لدى أحد الطرفين ضعف جنسي أو إفراط شبقي. وقد تحدث مشكلات جنسية خاصة في مرحلة سن القعود وسن الشيخوخة.
стр. 485
الخيانات الزواجية: الخيانة الزواجية هي أكبر طعنة تصيب الحياة الزوجية، وهي أكبر مبررات الطلاق. وقد يشاهد عدم الإخلاص بين الزوجين وتحدث الخيانة الزوجية بسبب نقص كفاءة أحد الطرفين أو عدم التكافؤ والبرود والعجز والإحباط والحرمان والجوع الجنسي "رغم الزواج" أو الملل والروتينية، أو نقص الأخلاق والدين، أو التعرض لأسباب الغواية، أو حب المغامرة والتجريب ... إلخ، وقد تحدث الخيانة الزوجية خارج نطاق الأسرة، وقد تحدث داخل إطارها مع المحارم أو الخدم، ومعروف أن الشك يصاحب دائما حالات الخيانة الزوجية١. "دافيد ميس Mace؛ ١٩٦٥".
ثالثا: مشكلات بعد إنهاء الزواج:
الطلاق: الطلاق هو الإعلان الرسمي لفشل الحياة الزواجية. وقد يحدث الشقاق والطلاق إما قبل الدخول أو بعده. وقد يحدث الطلاق نتيجة لعدم التكافؤ أو لانعدام الثقة أو كثرة الشكوك والشجار الدائم وسوء التفاهم وسوء المعاملة، وقد يحدث نتيجة الخيانة الزوجية، أو نتيجة لسجن أحد الزوجين، وهكذا يكون الطلاق هو وسيلة إنهاء الزواج غير الناجح، ومعروف أن الطلاق على الرغم من إباحته فإنه يجب أن يكون آخر حل حين يستحيل استمرار الحياة الزواجية، لأنه أبغض الحلال عند الله، وتعاني المرأة المطلقة أكثر مما يعاني الرجل، ففرص الزواج من جديد قد تكون محدودة، وصديقاتهن يخفن على أزواجهن منهن، وقد تصبح المطلقة مطمعا للذئاب البشرية أكثر من غيرها. "باتريشيا سبيفي Spivey؛ ١٩٧٩".
الترمل والعزوبة بعد الزواج: الترمل أمر يحدث، والعزوبة بعده تكون صعبة، وقد تكون اضطرابية وتحتاج إلى توافق٢. وتقول هيلينا لوباتا Lopata؛ "١٩٧٣" إن مشكلة الأرامل تتمثل في أنهم يمثلون عجائز في مجتمع الشباب، حزانى في دنيا تموج بالمرح، فرادى في عالم الأزواج، ومن أكبر مشكلات الترمل الحياة في وحدة بسبب عدم وجود أولاد أو الأولاد المتزوجين والمتزوجات تجنبا للصراعات المحتملة وسيطرة الآخرين وتمتعا بالحرية الشخصية، وقد يصاحب الترمل الاضطرار للعمل لكسب العيش، وإذا صاحب الترمل الكبر والضعف، بدت الحاجة إلى المساعدة مما قد يضطر الأرمل إلى المعيشة مع الأولاد المتزوجين أوالمتزوجات معيشة الضيف الذي ليس له من الأمر شيء. وقد يتدخل الأرمل في شئون الأولاد وتربية الأحفاد. وقد تنشأ خلافات ومشكلات نتيجة تعدد الرئاسات في البيت، وقد يعيش الأرمل مع بعض الرفاق، وفي هذا انتقال إلى إطار اجتماعي وحياة وعلاقات اجتماعية جديدة تحتاج إلى توافق، وقد يعيش الأرامل في وحدة دون رفيق إلا القلق والهم والخوف من الموت دون أن يدري أحد. ومشكلات
стр. 486
الأرامل الأصغر سنا عادة أكثر مشكلات من مشكلات الأرامل الأكبر سنا، ومشكلات الأرامل من النساء عادة أكثر من مشكلات الرجال الذين يسهم عليهم الزواج من جديد. وبعض الأرامل الصغيرات السن يشكين من أن صديقاتهن يتنكرن لهن ويعتبرنهن خطرا، فقد "يخطفن" أزواجهن، أو يغرينهن بحكم المعرفة والألفة السابقة على علاقة جنسية، وبعضهن يخشين الخروج إلى الأماكن العامة والمناسبات الاجتماعية دون محرم، ولذلك يتقوقعن في البيوت. ويلاحظ أيضا أن أفراد أسرة الزوج المتوفى يتنكرن أحيانا للأرامل، فقد زالت الرابطة، وأحيانا تحدث خلافات أو قطيعة بسبب الميراث والأولاد ... إلخ.
الزواج من جديد: بعد وفاة الزوج أو الطلاق، يحدث إما عدم الزواج مرة أخرى أو الإقدام عليه، وفي كثير من الأحيان وخاصة في حالة صغر السن وعدم وجود أولاد من الزواج السابق، فإن احتمال الزواج من جديد يكون كبيرا لعدة اعتبارات منها مثلا أن الجنس من الصعب أن يظل فاكهة محرمة بقية العمر. وقد يلجأ بعض الأزواج إلى "الزواج العرفي" كحل لمشكلة أو أخرى. وفي حالة الزواج من جديد قد تترك علاقة الزواج السابق آثارا، فقد يكون هناك خوف من تكرار الفشل أو الترمل مثلا، وإذا كان هناك أولاد من الزواج السابق، يجب أن يعمل حسابهم وحساب ما قد يحدث من مشكلات، وفي حالة الأرامل قد يكون الزواج من جديد داخل نفس أسرة الزوج المتوفى، وقد يكون زواجا موفقا أو غير موفق. ويحتاج الأمر إلى وضع الخبرة السابقة في الحسبان للاستفادة منها. وعلى العموم يلاحظ أن الزواج من جديد أسهل بالنسبة للرجال منه بالنسبة للنساء، ويلاحظ أيضا أن التفكير في الزواج من جديد له مشكلات فرعية ترتبط به مثل النظر إلى المطلق أو الأرمل كتهديد محتمل لزواج الأصدقاء والمعارف القائم.
رابعا: مشكلات عامة في الزواج:
الزواج غير الناضج: ليس المقصود هنا الزواج المبكر، ولكن المقصود هو زوج المراهقين ممن لم تنضج شخصياتهم بعد عقليا، واجتماعيا وانفعاليا. وهذا الزواج يشاهد أحيانا كحل لفشل فتاة في التعليم أو عدم وجود عمل لها أو للتخلص من مشكلة أسرية أو كاستجابة لميل عاطفي غير ناضج أو كحل للتورط في علاقة غير شرعية، ومن أنماط عدم النضج النفسي الاجتماعي مستويات تنحدر إلى مستوى الطفولة ومستوى المراهقة، ويضاف إلى ذلك الشخصية غير الناضجة مثل الشخصية الهستيرية والشخصية الوسواسية والشخصية المريضة اجتماعيا، وهذه تعتبر مهددات خطيرة للحياة الزواجية "هامبسون Hampson؛ ١٩٦٥".
الزواج المتسرع: قد يكون هذا نتيجة تهور أو تغرير أو إغراء أو نزوة أو علة للتخلص من خطر العنوسة أو كثرة الأولاد أو اغتنام فرصة قد تضيع. في هذا الزواج المتسرع ضياع فرصة
стр. 487
الطرفين للإحاطة بما يجب معرفته قبل إتمام الزواج، وبعد أن "تقع الفأس في الرأس" يكون الأسى والندم١.
زواج الشوارع: الذي يتم على أساس تعارف خارج البيوت وبعيدا عن الأهل، في شارع أو حديقة أو ناد، ويكون ذلك بعيدا عن الرقابة ورأي الأهل، ويعتبر هذا الزواج نوعا من المقامرة، قد تصيب أو تخيب.
الزواج الجبري: قد يكون الزواج اضطراريا أو قسرا بالإكراه، وهو زواج غير عادي يحدث في ظروف شاذة، ويحدث مثل هذا الزواج عادة لستر جريمة أو للتورط في علاقة أو لحسم نزاع أو لإرضاء رئيس يخشى أو ملافاة لمشكلة أو القضاء على إشاعات، ومن أمثلته الزواج بين العشاق والزواج بين السادة والخدم والزواج بين الرؤساء والمرءوسين.
زواج المبادلة: وهذا يحدث فيتزوج فتى من فتاة ويتزوج أخوها من أخته. وقد يزيد ذلك من متانة الزواج وترابط الأسر، ولكن قد يحدث مقارنة بين الزوجين يتخلله أسى، وقد يحدث مشكلات في زيجة فتقابل بمشكلات في الزيجة الأخرى بالتبادل أو من باب الثأر.
زواج الغرض: هو زواج تجاري له هدف غير أهداف الزواج المعروفة اجتماعيا وشرعا. فقد يتم زواج لغرض معين مثل الوصول إلى مركز عال أو جاه أو للحصول على مال أو لغرض الخلفة. ومثل هذه الزيجات عادة يسودها الجفاء والتخاصم والتشاحن والحقد والانتقام وتتخللها المشكلات.
الزواج القائم على الغش: قد يقوم الزواج على الغش والكذب والخداع، والطرف الغشاش أو الكذاب أو المخادع يعرف غشه وكذبه وخداعه، ويحتفظ بحكايته في مستودع مفهوم الذات الخاص تؤرقه وتهدده. والطرف المخدوع قد يعرف الحقيقة يوما ما، وهنا تحدث الكارثة. ومن أمثلة ذلك زواج امرأة على أنها بنت بكر مع إجراء عمليات الغش، وزواج رجل متزوج وله أولاد على أنه لم يسبق له الزواج مطلقا، وزواج فقير أو فقيرة يمثل كلاهما دور الثراء ... إلخ.
الزواج العرفي: هو الزواج غير الرسمي، غير المسجل في الجهات الرسمية وغير المعترف به رسميا، وإن استكمل الشروط الشرعية. وفي الزواج العرفي احتمالات ضياع الحقوق الشرعية عند الضرورة، وفيه عدم ثقة متبادل، وفيه شعور بالتحايل على القانون، أو التهرب من كشف السر على زوج آخر، ويكون مهددا بالفشل وغالبا ما ينتهي إليه.
стр. 488
الأم غير المتزوجة والأب غير المتزوج: حين تتم علاقات جنسية غير شرعية خارج نطاق الزواج في إطار ما يسمى الحرية الجنسية قبل الزواج أو تحت ضغط الدافع الجنسي في حالات الطلاق أو الترمل، وهذا أمر مستنكر دينيا واجتماعيا وقانونيا، قد ينتج عنها طفل غير شرعي١، وتصبح المرأة أما غير متزوجة والرجل أبا غير متزوج، لا رابطة شرعية بينهما. والأم غير المتزوجة تحتاج إلى الإرشاد الزواجي حتى منذ إدراكها لحدوث الحمل غير الشرعي، فصديقها يتخلى عنها ويتنكر لها ونادرا ما يتزوجها، وإذا تزوجها فيكون زواجها مؤقتا محكوما عليه بالفشل وأسرتها ترفضها وقد تهددها بالقتل، والمجتمع يستنكر فعلتها، وقد تترك المدرسة أو العمل، وهي تحتاج إلى اتخاذ قرار خطير بالنسبة للطفل غير الشرعي، هل تودعه في ملجأ أن مؤسسة للرعاية، وهل تعطيه لأسرة بديلة تتبناه، أم تحتفظ به كذكرى دائمة لجريمتها، ثم ماذا تفعل في مستقبلها الزواجي، إنها إن تزوجت والد طفلها فستكون حياتهما الزواجية "على كف عفريت"، وإذا عرف أمرها فستظل اللعنة تطاردها طول العمر، وعلى العموم فنحن نجد الكثيرين من الوالدين غير المتزوجين يترددون على العيادات النفسية، والكثيرين من الأطفال غير الشرعيين يملئون المحاكم ومؤسسات الجانحين "انظر ويمبيريز Wimperis؛ ١٩٦٠ وكلارك فينسينت Vincent؛ ١٩٦١، ١٩٦٥".
اتجاهات سالبة وأفكار خاطئة: قد يكون لدى الشباب قبل الزواج اتجاهات سالبة نحوه، فيعتبرون مسئولية شاقة وتقييد حرية وسجنا مؤبدا، وقد يكون هناك أفكار خاطئة أو خالية مبالغ فيها، كأن يعتقد أن الزواج "عسل" وسعادة دائمة دون عمل حساب تقلبات الزمان وطوارئه، لأن دوام الحال من المحال، وقد يكون هناك معتقدات خرافية خاصة بالسعادة الزواجية والتعاسة الزواجية، مثل الأحجبة والأعمال وأثر السحر.
نقص التربية الجنسية: مما يدعو إلى العجب، ما يوجد من خوف وتردد حول نشر الثقافة الأسرية بما في ذلك الثقافة الجنسية منذ سن مبكرة، بما يتناسب مع عمر الفرد في إطار التقاليد والعادات والمعايير الاجتماعية والقيم الأخلاقية والتعاليم الدينية "حامد زهران، ١٩٩٠" إن الثقافة الجنسية لها آثار بناءة في تكوين الفرد وتؤهله لحسن التوافق في المواقف الجنسية ومواجهة مشكلاته الجنسية في الحاضر والمستقبل ومواجهة واقعية تودي إلى الصحة النفسية "عبد العزيز القوصي، ١٩٦٩". وبكل أسف لا تقدم التربية الجنسية من مصادرها الآمن المسئولة في الأسرة
стр. 489
والمدرسة ولكنها تترك لمعلمي "الشلة" وأدعياء المعرفة من غير أهل العلم والثقة والأخلاق والضمير، وتستقى من الأفلام والصور والكتب الجنسية، فتكون ناقصة مشوهة وخاطئة وفي غير أوانها، وتؤدي إلى الوقع في التجريب أو الخبرات الحقيقة والشعور بالاشمئزاز، والإثم والخوف والقلق والاستغراق في أحلام اليقظة أو الانحراف الجنسي والاضطراب النفسي. وليت الشباب يرجعون إلى مصادر المعرفة الآمنة والمسئولة. "أحمد شوقي الفنجري، ١٩٨٦".
مشكلات الزوجة العاملة: لقد خرجت المرأة إلى العمل، وقد يحدث ذلك قبل الزواج أو أثناءه، وعندما تتزوج عادة إما أن تستمر في العمل، وهذا له مطالب وفيه مشكلات وأعباء، وإما أن تتركه وتقتصر على رعاية البيت "كاميليا عبد الفتاح، ١٩٧٢".
مشكلات عامة أخرى: هناك مشكلات عامة أخرى تشاهد في الحياة الزواجية، فهناك حالات اضطرابات الشخصية وحالات العصاب وحالات الذهان وحالات الإدمان، وهناك الزواج المؤقت أو زواج المحلل، الذي لعنه رسول الله ﷺ وتوجد حالات الزواج بالمقاصة، أي الزواج كسداد لدين مادي، ويا له من زواج فيه اضطرار وانكسار من جانب المدين، وظلم وتعال من جانب الدائن. وتشاهد حالات ترك العصمة في يد الزوجة، وهو أمر مخالف للمعايير السائدة والعرف الشائع، والتقاليد المعروفة، وهذا يحدث غالبا لعلة حب عنيف لأمرة جميلة مدللة أو ثرية أو عندما يكون هناك شك في كفاءة الرجل أو إخلاصه ... إلخ.
خدمات الإرشاد الزواجي:
يدور عدد من البحوث والدراسات حول تطوير الإرشاد الزواجي، ومنها على سبيل المثال بحث ستيوارت Stewart؛ "١٩٧٢" الذي بلور نظرية في إرشاد الأزواج لا تقوم على النموذج التقليدي، بل تقوم على أساس دافعي، مستغلا مد نظر الزوجين أكثر إلى المستقبل.
وهناك سؤال هام في الإرشاد الزواجي وهي: هل يتم إرشاد الطرفين معا أم منفردين أو أحدهما دون الآخر أو نيابة عنه أو أحيانا بغير علمه؟ هذا الموضوع حوله جدل. ولنأخذ مثلا حالة العقم. الرجل يطعن في رجولته وكرامته وعادة يتهم المرأة بأنها السبب، والمرأة تطعن في أنوثتها وخصوبتها، ويهدد مستقبلها الزواجي، وهي عادة التي تذهب أولا إلى الأطباء وغيرهم وحتى إلى الدجالين والمشعوذين. والمطلوب هو معرفة أين السبب؟ هل عند الرجل أم المرأة أم الاثنين. ومطلوب علاج وتوافق الطرفين. إن العملية في صالح الزوجين، ولذلك يرى معظم المرشدين أن يكون الطرفان معا في جلسة قصيرة، ثم تتم جلسات فردية مع كل منهما، ثم تختتم الجلسات في حضور الطرفين "ليزلي Leslie؛ ١٩٦٥".
стр. 490
وهناك بعض الأزواج يستنكرون خروج مشكلات الأسرة عن نطاقها والبوح بها حتى للمرشدين "الغرباء" وحتى إذا ذهبوا للاسترشاد فإنهم لا يبوحون "بالأسرار". إن كل زوجين يجب أن يعرفا أن المرشد إنسان متخصص مهنيا عمله هو إرشادهما وتوجيههما، ومساعدتهما، ومن ثم يجب أن يسمحا له بالدخول إلى "عالم الزوجية" الخاص.
ويوضح شكل "٨٤" نموذجا لخدمات الإرشاد الزواجي حيث يتعامل المرشد الزواجي مع الزيجة ومع طرفيها "الزوج والزوجة" حيث يتفاعلان، وقد يتخلل التفاعل صراعات تظهر أعراض يفسرها نمو وشخصية كل من الطرفين. "لورنس برامر، إفريت شوستروم Brammer & Shostrom؛ ١٩٧٧".
هذا، وتقدم خدمات الإرشاد الزواجي لتتناول المشكلات قبله وأثناءه وبعد إنهائه، ولتتناول المشكلات العامة، وهي في الواقع تتراوح بين خدمات تربوية تعليمية إلى حل مشكلات إلى خدمات علاج نفسي وذلك على النحو التالي:
أولا خدمات الإرشاد قبل الزواج:
تقدم هذه الخدمات في مرحلة ما قبل الزواج أي للمقبلين على الزواج، ويقسم هيربرت أوتو Otto؛ "١٩٦٥" الحالات التي تحتاج لخدمات الإرشاد قبل الزواج إلى فئات ثلاث هي: حالات نقص المعلومات، وحالات عدم الوثوق في النفس، وحالات التشكك في الزواج، وهؤلاء تقدم لهم خدمات تتناول الموضوع ابتداء من حدوث التعارف وخلفية الطرفين تربويا، وأسريا واجتماعيا، وأخلاقيا ودينيا، وحالتهما طبيا ووراثيا، ونفسيا، وجنسيا، ومخططاتهما بخصوص النواحي السكنية والاقتصادية، والإعداد للزفاف والأولاد مستقبلا.
التربية الزواجية: يقوم بالتربية الزواجية كل من الأسرة والمدرسة ودورا لعبادة، ووسائل الإعلام، وهذه تكون ضمن عملية التربية والتنشئة الاجتماعية بصفة عامة، فيعرف الأطفال ما
стр. 491
يناسب أعمارهم واستفساراتهم عن الحياة الزواجية، ويعرف الشباب كل ما يحب وما يجب معرفته من حقائق الحياة الزواجية ومطالبها وأصول عملية اختيار الزوج وأصول المعاملة الزواجية في كافة النواحي. وفي هذا إعداد للشباب لحياة زواجية سليمة، لأنه يلاحظ أن الكثيرين من الأزواج والزوجات يكون سلوكهم غير سليم أو غير عادي أوحتى شاذا، ويفهمان أنه سليم وعادي، لأنهما لا يعرفان معايير هذا السلوك، أي لا يعرفان الصحيح من الخطأ، وتتضمن التربية الزواجية التربية الجنسية بهدف التزويد بالمعلومات الصحيحة عن ماهية النشاط الجنسي، واستخدام الألفاظ العلمية المتصلة بأعضاء التناسل والسلوك الجنسي، واكتساب التعاليم الدينية والمعايير الاجتماعية والقيم الأخلاقية الخاصة بالسلوك الجنسي، والتشجيع على تنمية الضوابط الإرادية للدافع الجنسي، والشعور بالمسئولية الفردية والاجتماعية وتنمية الوعي والثقافة العلمية، ومعرفة خطورة الحرية الجنسية على الفرد وعلى المجتمع، وتهدف التربية الجنسية كذلك إلى الوقاية من أخطار التجارب الجنسية غير المسئولة، وتكوين اتجاهات سليمة نحو الأمور الجنسية والنمو الجنسي والتكاثر والحياة الأسرية، والحث على إقامة علاقات سليمة بين الجنسين قائمة على فهم دقيق ومسئولية اجتماعية، وتصحيح ما قد يكون هناك من معلومات وأفكار واتجاهات خاطئة مشوهة نحو بعض أنماط السلوك الجنسي الشائع، وتنمية الضمير الحي وخشية الله حتى لا يقوم الفرد بأي سلوك جنسي يضر النفس والغير ويغضب الله . وهناك الكثير من الكتب حول الزواج في الإسلام والزواج المثالي ... إلخ، عادة ما ينصح بقراءتها. "انظر محمود الاستانبولي، ١٩٨١، محمد عثمان الخشت، ١٩٨٤".
الاختيار الزواجي: تقدم هنا المساعدة في سبيل تحقيق اختيار سليم واتخاذ قرار حكيم فيجب أن يكون هدف الزواج أولا اشتراط الدين والأخلاق وليس فقط الجمال والمال والجاه. قال رسول الله ﷺ : $"تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". وفي الحديث الشريف يخبر الرسول ﷺ بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يركزون على هذه القيم الأربع وآخرها عندهم القيمة الدينية، فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين، ويصف الرسول ﷺ للمؤمن الزوجة المثالية فيقول: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسه وماله". ويجب الحرص على التكافؤ بين الطرفين عمرا وثقافة ومستوى، ويجب التأني والحكمة وتجنب الوقوع في أخطاء الاختيار المتسرع أو غير الناضج ... إلخ.
دراسة شخصية زوجي المستقبل: في الإرشاد الزواجي، أمامنا شخصيتان مختلفتان تندمجان مع العشرة في واحد تقريبا. وكلما كانت الشخصيتان متقاربتين "جسميا
стр. 492
وعقليا وانفعاليا واجتماعيا" كان ذلك أفضل، وكلما كانتا متباعدتين أو متنافرتين فإن الزواج لا ينصح به. ويجب دراسة شخصية الفتى والفتاة اللذين ينويا الزواج، بحيث يعرف كل منهما نفسه والآخر. وقد أعد -في أمريكا- عدد من المقاييس للتنبؤ بمدى نجاح الزواج، ومن أمثلتها A Marriage Prediction Schedule من إعداد بيرجيس Burgess و Califormia marriage Readiness Evaluation و The Otto Premarital Schultz، وضع موريس مانوسن Manson. والأخير يقيس الشخصية بأبعادها مثل: النضج الانفعالي والاستعداد للزواج، والإعداد للزواج أسريا وماليا وتخطيطيا، والكفاءة الاجتماعية مثل الدافعية للزواج. ومثل هذه المقاييس توفر وقتا كثيرا في الإرشاد الزواجي قبل الزواج هذا، وتوجد مقاييس نفسية شاملة تستخدم في الإرشاد الزواجي، مثل A Marriage Analysis وضع دانيل بلازير Blazier وإدجار جوسمان goosman وهو متعدد الأبعاد ويقيس جوانب هامة في العلاقات الزواجية هي: الدور الزواجي، مفهوم الذات، المشاعر تجاه الزوج، والانفتاح الانفعالي، معرفة الزوج، التوافق الجنسي، الأمن، السمات المشتركة، معنى الزواج، ومن الاختبارات الشهيرة في مجال الإرشاد الزواجي أيضا Marriage -Personality Inventory، وضع كارل شولتز Schultz ويقيس: الرضا، النمو، أسلوب الحياة، سمات الشخصية، المرونة، الاعتمادية، وله أربعة أشكال موحدة العبارات مختلفة التعليمات تقيس مدى التكافؤ على النحو التالي: الشخصية الفردية "صورة الذات المدركة، وصورة الذات المثالية". واختيار الزوج "صورة الزوج المثالي الخطوبة "صورة الذات، وصورة الخطيب" الزواج "صورة الذات، وصورة الزوج" وتدور معظم الفقرات حول: النمو والصحة وأسلوب الحياة وسمات الشخصية والمرونة والمهنة والدين والحب والجنس والزواج والطلاق وتربية الأطفال والميول ... إلخ، هذا ويحاول العلماء استخدام الحاسب الآلي أو الكمبيوتر في عملية الاختيار الزواجي١.
ثانيا: - خدمات الإرشاد أثناء الزواج:
تقدم خدمات الإرشاد أثناء الزواج لكل من الزوجين لأغراض الوقاية والعلاج، ويتضمن الإرشاد الزواجي الوقائي كل ما يعمل على الاستقرار والسعادة الزوجية، مثل الحث على إبراز أهمية الصدق والصراحة والإخلاص، والحب والاحترام والثقة المتبادلة، والتجدد، وحسن الصحبة والمعاشرة بالمعروف وفي حدود الله، ومراعاة الحقوق والقيام بالواجبات في حدود الإمكانات وفي
стр. 493
اعتدال وتعقل وفي قناعة وعفة، والمشاركة في السراء والضراء، والمحافظة على الأسرار، وعدم التدخل فيما لا يعني، والتفاهم والمحافظة على المشاعر والكرامة، والمعاملة الحسنة وخاصة عندما يكون هناك تدخل من الحماة أو الأقارب، والعمل على صلة الرحم١.
ثالثا خدمات الإرشاد بعد الانتهاء من الزواج:
في حالة الانفصال أو الطلاق أو موت أحد الزوجين، فإما أن يتزوج الطرف الآخر، أو يظل دون زواج وفي الحالة الأولى أي حالة الزواج من جديد، فهو زواج ثان، وفي حالة الانفصال أو الطلاق فهناك الطرف الآخر السابق، فهل تزوج أم لا؟ وهل الانفصال أو الطلاق هادئ أم هناك مشكلات في المحاكم؟ وبالنسبة للزواج من جديد فهو يحتاج إلى توافق، فهناك خبرة سابقة لها آثارها ولا شك، ويجب تحويل خبرة الانفصال أو الطلاق المؤلمة إلى خبرة معلمة، والمساعدة في الاستفادة من الأخطاء الماضية التي أدت إلى انهيار الزواج السابق. هذا إلى جانب ما يحدث من مقارنات مع الزواج السابق، يجب تفادي آثارها السالبة، وفي حالة الترمل يجب العمل على مساعدة الأرامل على تعلم المهارات الاجتماعية الجديدة التي تناسب طارئ العزوبة الإجبارية بما يناسب مع الحالة للحماية من العزلة الاجتماعية والتحرش بالأولاد والأحفاد.
стр. 494
رابعا خدمات إرشادية زواجية عامة:
الخدمات النفسية: وهي كثيرة، ومتعددة، إذ أنها تمتد لتشمل كل أنماط السلوك السوي والمنحرف فيما يتعلق بالحياة الزواجية، وقد تشتمل على إمداد بمعلومات خاصة بالحياة الزواجية ومسئولياتها -حسب طلب العميل- خاصة بالعلاقات الاجتماعية أو العاطفية أو الجنسية، وهذا يدخل في إطار "الإرشاد الجنسي Sexual Counselling"، تمتد الخدمات النفسية أيضا لتقضي على كل أنواع المخاوف والقلق والصراع والحرمان والإحباط في الحياة الزواجية. وتمتد الخدمات النفسية لتعيد التفاهم وتحث على العمل على حل المشكلات الحالية وما قد يطرأ منها مستقبلا، واستعادة الثقة والوازن والتوافق. ويبذل المرشد جهده في سبيل تيسير الحقائق الصحيحة نفسيا وطبيا وقانونيا، فيزيل الشكوك ويقضي على المخاوف وسوء الفهم، ويصل مع عملائه إلى القرار باستخدام أساليب مثل جماعات المواجهة الزواجية Marriage Encounter Groups في عطلات نهاية الأسبوع، والتي يتم فيها إلقاء محاضرات عن العلاقات الزواجية وعن الحوار بين الزوجين يتم بعدها ممارسة عملية لما جاء في المحاضرة بين الأزواج وزوجاتهم وجها لوجه "ريتشارد ديمبسي Dempsey؛ ١٩٨٠، إجلال سري، ١٩٩٠".
الخدمات الاجتماعية: تتناول كل ما يتعلق بشخصيتي الخطيبين والزوجين من الناحية الاجتماعية، وأسرتيهما، والعلاقات الاجتماعية، والمشكلات الاجتماعية.
الخدمات الطبية: من الضروري إجراء الفحوص الطبية الشاملة للطرفين قبل الزواج. وتشمل الخدمات الطبية بعض الفحوص المعملية للدم بخصوص العامل الريزيسي مثلا، وكذلك فحوص للاطمئنان على الخصوبة، وقد يطلب أحد الطرفين أو كلاهما معلومات طبية عملية حول ليلة الزفاف والعلاقات الزواجية، ومعلومات عن مرحلة الحمل وتنظيم النسل ... إلخ، وتقدم المعلومات المطلوبة، وكذلك تقدم خدمات الإرشاد في المسائل الوراثية والتناسلية خاصة عندما يكون هناك شكوك بخصوص قرارات هامة تتعلق بالزواج أو الإنجاب مثلا.
стр. 495
الإرشاد الأسري ١ FAMILY COUNSELLING:
الإنسانية كلها أسرة كبيرة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ وتكوين الأسرة واستقرارها وسعادتها هو الوضع الذي ارتضاه الله لحياة البشر. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ