← Адаб

Адаб · id 11543

المدخل في فن التحرير الصحفي

عبد اللطيف محمود حمزة

Полный текст (567 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

"ثمرات الأوراق" وأبو الفرج الأصفهاني في كتابه "الاغاني"، والمبرد في كتابه" الكامل"، وابن عبد ربه في كتابه" العقد الفريد" في أن يكونوا "صحفيين" ناجحين بالقياس إلى العصور التي عاشوا فيها، فقد استطاعوا أن يمدوا قراءهم بطائفة صالحة من "طرائفهم" حول الموضوعات، والأشخاص، والحوادث، والتجارب، والأماكن، والكائنات التي تعرضوا لها في كتبهم، ومن ثَمَّ أقبل قراؤهم على هذه الكتب يقضون في قراءتها, والاستمتاع بها أكبر وقت مستطاع. ومعنى ذلك: أن لهذا الفن من فنون الصحافة الحديثة -وهو فن الطرائف- أصلًا في الآداب القديمة، ومنها الأدب العربيّ. وكما أن النوادر والملح تعتبر على الدوام من الأدب الواقعيّ فكذلك الطرائف تعتمد الاعتماد كله على الواقع الملموس, ولا صلة لها مطلقًا بالخيال أو الصور الوهمية بحالٍ ما، ولا شكَّ في أن من أغراض فن الطرائف مد القارئ بما يسمى: "الصورة الخلفية" ١ للحوادث، وهي صورة تساعد على شرح الأسباب والنتائج والحقائق، ونحو ذلك. من هم كُتَّابُ الطرائف: تعتمد المجلة أو الصحيفة في كتابة الطرائف على نوعين من الكتاب في الغالب: أولهما: أعضاء في هيئة التحرير روضوا أقلامهم على كتابة هذه الطرائف، ومالوا إليها كثيرًا، ووقفوا دائمًا وراء الأخبار يعملون على استكمالها، ويستعينون على ذلك إما بالكتب والمراجع الأدبية والعلمية على اختلافها، وإما بالاتصال بالأشخاص الذين تدور حولهم الأخبار الهامة في الصحف، ومن هؤلاء المراسلون الخارجيون للصحيفة.

стр. 212

وثانيهما: كتاب يتصلون بالمجلة أوبالصحيفة عن طريق "المصاحفة" ولا يكونون في هذه الحالة أعضاء في هيئة التحرير، ولكن تنظر إليهم المجلة أو الجريدة على أنهم من أصدقائها. والمشاهد أن النوع الثاني من كتاب الطرائف أكثر نجاحًا في الغالب من النوع الأول، ذلك لأن الكتاب الذين من هذا النوع الثاني يكتبون بوحيٍ من أنفسهم، كما يفعل الشعراء أو الكتاب الأحرار سواء بسواء، ثم إن هذا النوع الأخير من كتاب الطرائف يدرك تمامًا أن من أهم مصادر هذا الفن من فنون الصحافة الحديثة الأفراد الذين يتصل بهم، والقصص التي يسمعها من أفواههم, والمناظر الطبيعية التي يراها في المحيط الذي يعيش فيه، والتجارب التي مرت به، ونحو ذلك. على أن أهم مصدر لكتابة الطرائف في الواقع هو نفس المصدر الذي تستقي منه الأخبار والحوادث الداخلية، ونعنى به: أماكن الشرطة، أو البوليس في المدن والقرى، وكثيرًا ما يختلف المخبر أو كاتب الطرائف إلى هذه الأماكن, ويعود وحقيبته مملوءة بشتَّى القصاصات، والبيانات، والمذكرات، والصور، وغير ذلك من المواد التي تساعد على كتابة الطرائف. ما الفائدة التي تعود على القراء من الطرائف؟ لا شكَّ أن الإقبال الذي نراه من القراء على هذا الفن الجميل من فنون الصحافة بَيِّنٌ -كما قلنا- إلى أي حدٍّ يشعر القراء بالفائدة والمتعة في وقت معًا من هذه القراءة. فالكاتب الذي يكتب الطرائف الكثيرة عن الشخصيات البارزة, أو الشخصيات المعقدة، أو الشخصيات المكافحة في الحياة، يقدم أَجَلَّ الخدمات للشباب الذين يجدون صورهم منعكسة في إحدى هذه الشخصيات.

стр. 213

فيشعرون من مطالعة هذه الطرائف بالراحة النفسية التي لا حَدَّ لها. والكاتبة المحترفة أو المصاحفة التي تجسد من وقتها ما يكفي لكتابة الطرائف التي تمس الشئون المنزلية للمرأة، أو تشير من قريب أو من بعيد إلى مشكلاتها الزوجية، أو المادية، أو النفسية، تساعد الكثيرات من الزوجات على التخلص من متاعبهن، أو تحسين حالاتهن، مسترشداتٍ في ذلك بالتأثير النفسي الذي ربحته من مطالعة هذا اللون من ألوان الصحف. وبهذه الطرق وأمثالها يصبح الجيل الجديد من الشبان والفتيات أكثر ثقافةً من الأجيال السابقة، ويخوض غمار الحياة بنفوس أكثر صفاءً وتحررًا من تلك الأجيال، بل بهذه الطريقة تؤدي الصحافة وظيفة "الأدب الواقعيّ" وتحل محله في أوقاتٍ كثيرة، وتكفي -إلى حد ما- في تغذية الجيل الحاضر من هذه الناحية. على أن الأمر عسير على المحرر المحترف أو المصاحف بقدر ما هو يسير على القاريء أو المستمع؛ فالمحرر عليه دائمًا أن يبحث عن احتياجات القراء، وعن مطالب المجلة أو الصحيفة، أو الإذاعة، وعليه أيضًا أن يحسن استخدام النقد عند الضرورة، وعليه أن ينمي اتصالاته بالناس على اختلاف طبقاتهم، وعليه أن يضيف كل يوم جديدًا إلى معلوماته وتجاربه الخاصة، كما أن عليه أن يأخذ نفسه بالصبر والمثابرة في الوصول إلى المعاني الجديدة, والألفاظ التي تناسب هذه المعاني الجديدة. ثم هو بعد هذا كله لا يبدأ الكتابة إلّا حين يشعر بالرغبة الشديدة فيها، فقد بَيَّنَّا أن هذه المادة أقرب إلى المجلات الدورية منها إلى الصحف اليومية، أو بعبارة أخرى: أقرب إلى طبيعة الأدب منها إلى طبيعة الصحافة.

стр. 214

ويستطيع القاريء أن يطلع في كل يوم على الصحف المحلية أو الصحف الأجنبية فيجد العدد الوفير من الطرائف على اختلاف أنواعها، وخاصةً منها الطرائف ذات الطابع الإنسانيّ، ومنها -على سبيل المثال- مقال قرأته في جريدة الجمهورية الصادرة ببغداد، وإليك خلاصة له: قطع الراديو برامجه وأعلن النبأ عادت "تينا" وعطست.. في وجه الملك. قبل حلول عيد الميلاد بأسبوعين, خرجت هانا "٢٣سنة" متوجهةً إلى أسواق "ديبل" التي تقع في وسط مدينة "كوبنها كره" لتختار هديةً لزوجها السيد: بيتر فيكيل "٢٦سنة" الطالب في كلية الهندسة، وقد صحبت معها طفلتها "تينا" التي كانت قد أكلمت الشهرين من عمرها، وتركت الأم الطفلة في عربتها الصغيرة أمام أحد مداخل السوق المزدحم, ودخلت لشراء الهدية. وبعد برهةٍ خرجت الأم إلى حيث تركت ابنتها، ولكن العربة والطفلة التي في داخلها لم يكن لهما أثر, وقد أجرى البوليس تحقيقًا روتينيًا, ووعد الأم برجوع طفلتها خلال ساعاتٍ من نفس اليوم، كما حدث في حالات مماثلة، ومرت أيام على الاختفاء, وبعد أن وجه البوليس نداء إلى كل من لديه معلومات يدلي بها عن الموضوع، وبعد أن وقف البوليس مكافأةً قدرها "١٧٠٠" دينار, على من يساعد في العثور على الطفلة، أجمعت أكثر من ثلثمائة شهادة على أن امرأةً متوسطة الطول, داكنة الشعر, مستديرة الوجه، لها شفاه ممتلئة, في حوالي الثلاثين من عمرها, شوهدت في فترة الظهر وقت اختطاف الطفلة، وهي تحمل طفلة صغيرة وتسير متجهة ناحية الميناء البحريّ. وقامت الصحف الدانماركية الكبرى بتحقيقاتها للعثور على الطفلة.

стр. 215

ولكن بدون جدوى، وأعلنت جمعية سائقي التاكسيات الدانماركية المساهمة بألفين وستمائة سائق للعمل على إيجاد "تينا". وعقدت الآمال على ليلة عيد الميلاد، وموسم عيد الميلاد في الدانمارك كله فرح واحتفالات عائلية، ولكن اكتنف الاحتفالات هذا العام وجومٌ لم يعرف له الدانماركيون مثيلًا منذ الاحتلال النازي، وذلك بسبب غيباب الطفلة "تينا" عن والديها, وحين حَلَّ عيد رأس السنة, ظهر رئيس وزراء الدانمارك كعادته على شاشة التليفزيون, ووجَّه كلمةً للشعب الدانماركي, ونداءً خاصًّا للحاشية، ووعدها بمعالجة خاصة للحادث. وعاد مدير البوليس الذي قطع إجازته مع مئات من مساعديه الذين قطعوا عطلتهم اختياريًّا من أجل مواصلة التحقيق، وأعاد قراءة أكثر من خمسة آلاف رسالة كانت قد وردت من المواطنين، وفي إحدى الرسائل قال كاتبها: إن إحدى قريباته في مدينةٍ تبعد ٥٠كم عن "كوبنها كرة" قد ولدت في نفس التاريخ الذي اختفت فيه "تينا" وقد لفت نظره كبر حجم الطفلة الوليدة. وتوجَّه البوليس إلى العنوان المذكور، وفتح باب الشقة, وظهرت امرأة تنطبق عليها الأوصاف التي ذكرها أكثر من ثلثمائة شاهد، وطلب البوليس النظر إلى الطفلة، كما طلب رؤية أوراق المستشفى؛ فانهارت أعصاب المرأة, وأعترفت بأن الطفلة هي "تينا". وعلى أثر هذا الاعتراف, حملت سيارة البوليس الأم حيث تعرفت على ابنتها واحتضنتها وهي تبكي, بعد أن غابت "٢٩ يوما" عنها, وقطع الراديو برامجه, وأعلن الخبر, وقد شهدت الدانمارك يومًا مماثلًا لذلك اليوم قبل إحدى وعشرين سنة، يوم أعلن تحرير الدانمارك من قوات الاحتلال النازي،

стр. 216

وقد ظهر من استجوابات البوليس أن الجانية تعاني حالة نفسية معقدة، وخوفًا من أن تفقد زوجها اضطرت للكذب وادِّعاء الحمل، وقد توجه رئيس البوليس لدار "فيكيل" وقبَّل الطفلة، محاولًا أن يريح نفسه من عناء الليالي والأيام التي قضاها وهو يقتفي أثرها. وبعد ساعاتٍ أرسل الملك "فردريك" ملك الدانمارك برقيةً إلى الأم يهنئها باجتماع الشمل، وقد رغبت الأم الشابة في أن تعرب له عن امتنانها, فاتصلت بالقصر الملكيّ, ونظمت للملك زيارة خاصة لتمثل أصغر دائرة رسمية بين يدي جلالة الملك. وفي إحدى الصالات الملكية, توجه الملك "فردريك" إلى زائرته الصغيرة, وحملها بين يديه مبتسمًا. أما الطفلة الصغيرة, فرفعت رأسها ونظرت إليه بعينين بريئتين, ثم فتحت فمها وعطست في وجه الملك١.

стр. 217

الخبر والمجتمع: الخبر مادة صحفية ذات أثر كبير في المجتمع -كما رأينا, غير أن هناك طائفةً من الأخبار تدور حول الجريمة، أو الأشياء المثيرة للضمير الإنسانيّ ذاته، بغضِّ النظر عن الضمير الذي يخلفه الدين والأخلاق، فما موقف الصحافة من هذه الأخبار؟ أتنشرها وتتحمل وزرها كاملًا؟ أم تخفيها وهي قطعة من الحياة التي تحياها المجتمعات؟ لقد اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا في ذلك، فهم بين مؤيدٍ لنشر الجرائم الخلقية والاجتماعية كما هي، ومعارض للنشر على هذا النحو, والذي نشاهده عادةً أن في نشر الجريمة تعظيمًا لها، وأن هذا النشر في ذاته يجعل من مرتكبيها أبطالًا في نظر المجتمع -في بعض الأحيان- ونخص بالذكر منهم الصبية، والصغار، والمراهقين، ومن إليهم. والذي نعلمه مع ذلك, أننا في عصرٍ ينبغي أن يعرف فيه الصبية والصغار والمراهقون، كلَّ ما في الحياة من خير وشر، وأن نعرض على أبصارهم وأذهانهم صورًا من المآسي التي ربما تعرضوا لمثلها في مستقبل الأيام. ولا يستطيع أحدٌ منا أن ينكر-مع هذا كله- أن الصحافة كثيرًا ما تعين رجال الأمن على القيام بأعمالهم في تعقب المجرمين، وفي الكشف عن النواحي الناقصة في قصة الجريمة. على أننا نلاحظ مع ذلك أن كثيرًا من الصحف تخوض في بعض القضايا المنظورة أمام المحاكم، وتحاول التأثير في القضاء، وفي الشهود، وفي

стр. 218

المحامين، والمخلفين، ومن ثَمَّ يقول الكاتب الأمريكيّ "ولتر ليبمان Walter lippman: " الجريمة قطعة من الحياة التي نحياها، وليس الخطر آتيًا من نشر أخبار الجريمة في ذاتها بقدر ما هو آتٍ من تحوّل الصحيفة إلى مخبر سريّ، وقاضٍ، ونائب عام، ونحو ذلك". ومهما يكن من شيء, فليس أمامنا الآن إلّا أن نستعرض آراء المؤيدين لنشر الجريمة، وآراء المعارضين لهذا النشر. فأما المؤيدون فإنهم يرون: أولًا: أن الصحيفة تمد الجمهور بحقيقة الجريمة، فيصبح الناس مستعدين لعمل شيء حيالها، مهيئين كذلك للسعي في علاجها, أو بعبارة أخرى: يضطر المجتمع إلى تجنب أسباب الجريمة، واتخاذ الإجراءات التي تحول دون تكرار حدوثها. ثانيًا: أن نشر الجريمة يحول أيضًا دون فِعْلِ الشَّرِّ في ذاته؛ لأن المجرم يتوارى عن الناس، ولا يخاف شيئًا مثل ما يخافون عدسة المصور الصحفيّ أو قلم المخبر الذي يتعقبه. ثالثًا أن أخبار الجريمة تكشف عن أساليب المجرمين في اقتراف جرائمهم الفظيعة، وتساعد رجال الأمن في القبض عليهم. رابعًا: يضاف إلى ذلك ما قلناه من أن الأطفال لابُدَّ أن يكون لهم علم بالخير والشر معًا، وذلك قبل النزول إلى معترك الحياة، والشر ناحية من نواحيها ينبغي أن يدرس على الأقل بهذه الطريقة. خامسًا: في النفس البشرية ميلٌ إلى التشفي من مرتكبي الجرائم،

стр. 219

وميل إلى الاطمئنان على سير العدالة التي من شأنها أن تعاقب المجرمين الذين يرتكبون هذه الجرائم، وبها ميل كذلك إلى الوقوف على مدى العقوبة التي حلت بالمجرم، حتى يطمئن الناس إلى ما في الحياة نفسها من قيم إنسانية خالدة، وإلى أن الخير والشر في هذه الدنيا يتصارعان، ولا بد أن تكون الغلبة أخيرًا للأول على الثاني. سادسًا: أما جرائم الأحداث والمتشردين, فتكاد تجمع الصحف على أن الخير كل الخير في عدم نشرها، وفي العدول -على الأقل- عن ذكر أسماء أصحابها، وصورهم, والمعلومات التي تدل عليهم، أو تشير إليهم دون غيرهم، ذلك لأن الحدث لا يزال في مطلع حياته، والأمل كبير دائمًا في إصلاحه، فإذا صلح بالفعل لا يكون من الخير أن يحتفظ الناس له في أذهانهم بتلك الصورة القبيحة، وهذا هو ما يحدث فعلًا في كلٍّ من فرنسا وانجلترا. وأما المعارضون فيقولون: أولًا: إن الصحف كثيرًا ما تكتفي بمجرد عرض أخبار الجريمة بدون التعرض لأسبابها، والتحليل الدقيق لهذه الأسباب. ثانيًا: إن الصحف كثيرًا ما تسلك طريق المبالغة في تأكيد الجريمة، فتعطي بذلك صورة خاطئةً للقارئ. ثالثًا: إن نشر أخبار الجريمة -كما قلنا- يفيد رجال الأمن في تعقب المجرمين، غير كذلك يفيد المجرمين أنفسهم في الإمعان في التخفي. رابعًا: في نشر الجريمة -كما قلنا- تعظيمٌ لشأن المجرم، وتصويره بصورة البطل الذي حَيَّرَ رجال الأمن، واسترعى انتباه العامة والخاصة. ومن هنا يأتي تأثيرها السيء على الأطفال والشبان، وكثيرًا ما رأينا

стр. 220

عددًا من هؤلاء وهؤلاء يرتكبون نفس الجرائم التي يقرءون عنها في الصحف، أو يرونها مصورة على الشاشة البيضاء في دور السينما. خامسًا: كثيرًا ما يحاول نشر الجريمة دون الوصول إلى العدل في الحكم في قضايا الإجرام؛ لأنها تؤثر في إدراك القضاة، والمحامين، والشعب نفسه، وتقديرهم لهذه الجرائم. تلك هي آراء المؤيدين والمعارضين على السواء، ومنها نخرج بنتيجةٍ واحدةٍ، وهي أنه لا بأس على الصحف من نشر الجرائم، على أن تراعي في ذلك الدقة، وتتجنب التهويل والمبالغة، وتشفع الخبر بتحليل أسبابه, وبيان علاجه, كلما أمكن ذلك، وعليها كذلك أن تحذر التدخل في عمل القضاء، إلّا إذا وثقت من أنها تكشف عن جوانب ربما خفيت على القضاء ذاته، ويجب أن تقلل ما أمكن من المساحة التي تعطيها لأخبار الجريمة، وتحتاط في الطريقة التي تنشر بها قصة الجريمة، والصور الشمسية التي تصحبها في العادة. ومما هو جدير بالذكر أن الصحف السوفيتية درجت على أنها لا تنشر أنباء الجرائم، أو حوادث الاعتداء، إلّا في حالاتٍ استثنائيةٍ خاصةٍ، ويكون النشر في هذه الحالة لغرض معين، وبصورة موجزة يكتفي فيها بأن يقال مثلًا: "إن أحد المواطنين أدين بسبب اعتدائه على النظام الاشتراكيّ الذي تسير عليه الحكومة" أو "إنه أدين لإخلال خطيرٍ بنظام العمل" وهكذا، ومثل هذا يلاحظ أيضًا في البلاد الشيوعية الأوروبية التي تدور في فلك الاتحاد السوفييتي. ومع هذا وذاك, فقد ذهب كثيرون من الصحفيين المشهورين في مصر

стр. 221

إلى أن نشر الجرائم بهذه الطريقة الأخيرة لا يؤدي مطلقًا إلى النتيجة المطلوبة، بل إنه كثيرًا ما يبعث الناس على الجريمة, وما زال الباحثون والصحفيون مختلفين في هذا الرأي إلى اليوم. ومهما يكن من أمر هذا الخلاف, فهناك أمور يمكن أن يتفق عليها، وأكبر الظن أنها لا تجد اعتراضًا من الفريقين على السواء، ومنها: أولًا: أنه لا ينبغي للصحف أن تحرص دائمًا على ذكر الأسماء في الجريمة, فإذا نشرت صحيفة ما أن سيدة تقدمت إلى مأمور أحد الأقسام تتهم طالبًا جامعيًّا، أو موظفًا حكوميًّا، أو رجلًا ذا مكانة في المجتمع, بأنه اعتدى عليها، وأنه لجأ إلى القهر والإكراه في ذلك، بحيث لم تستطيع أن تنقذ نفسها منه، فإن على الصحيفة في مثل هذه الحالة ألّا تذكر الأسماء عند نشر الجريمة؛ لأنه لا فائدة للمجتمع من وراء ذلك، بل إن الضرر أكثر من النفع للمجتمع في مثل هذه الحالة. ثانيًا: لا ينبغي للصحف أن تجاري السينما، أو الأدب المكشوف, ونحوهما في إثارة الغرائز الجنسية جريًا وراء الربح الماديّ، فإنه لا يصحُّ مطلقًا أن تثرى طائفة من الناس على حساب الأخلاق، أو بطريق نشر الفضائح. صحيح أن في مواد القانون ما يضمن حماية المجتمع والأخلاق من كل ذلك، ولكن العيب ليس في القانون، وإنما هو في تطبيق هذا القانون على القائمين على دور السينما والراديو والتليفزيون، وناشري الكتب والصحف. ثالثًا: ينبغي للصحافة دائمًا أن تقف إلى جانب القانون، والمجتمع، ورجال الأمن، والقضاء، وأن تكون على الدوام ضد الإجرام. ذلك أن الإجرام في ذاته عمل عدواني على المجتمع، وكثيرًا ما يكون نتيجة لفشل الفرد في الاندماج في هذا المجتمع، وربما كان من أسبابه سواء استعمال أوقات الفراغ، والإدمان على قراءة الأدب المكشوف،

стр. 222

ومشاهدة الأفلام السينمائية الموصوفة بالانحراف، ونحو ذلك. وإذا كان الأمر ككذلك, فقد وجب على الصحافة الرشيدة -وهي أكثر وسائل الإعلام إلحاحا على القارئ- أن تعين على تكوين رأي عام ضد الجريمة في أي شكل من أشكالها المعروفة، وغير المعروفة. رابعًا: خير للصحافة دائمًا أن تحتاط في نشر الأخبار التي تمس النوابغ في الأمة، وأصحاب المواهب فيها، فهؤلاء الناس من البشر، ولهم ما للبشر من نقائص عادة، ولكنهم في الوقت نفسه ممتازون عن سواهم من أفراد المجتمع، وهم من هذه الناحية، يجب النظر إليهم بعين الاحترام والتقدير على اعتبار أنهم "كنوز" حقيقية للمجتمع، ومصدر من مصادر قوته وتفوقه على غيره من المجتمعات الأخرى، وعلى ذلك فمن الخطر أن تعبث الصحف بهم، أو تشوه من أسمائهم، أو تنال منهم بطريقة أو بأخرى, لمجرد أنهم سقطوا فيما يسقط فيه البشر. إن الصحافة التي تحافظ على كنوز الأمة، وتحوط برعايتها عظماء هذه الأمة هي "الصحافة الرشيدة" التي تعرف واجببها نحو أمتها، وتخشى عليها من العواصف والزلازل التي تقوض ركنها، وتذهب بثروتها المعنوية التي لا يمكنها أن تعيش إلّا بها. وسنعود إلى التحدث عن هذا الموضوع في الفصل الآتي بعنوان: "الذوق الصحفيّ والخبر". وهنا يحلو لنا أن نقدم للقارئ طرفًا من الإرشادات التي أصدرتها إحدى الصحف الإنجليزية لمحرريها، وقد جاء في بعضها ما يلي: ليكن مفهومًا لدى المحررين أننا لا نريد تمجيدًا للمجرمين، فلا يصح مطلقًا أن نظهرهم بشكل أبطال، أو شهداء, ونحو ذلك, إن المجرمين هم الأعداء الحقيقيون للمجتمع، ومن ثَمَّ لا يصح لنا أن نستخدم في الإخبار عنهم مثل هذه العبارات: "ملك اللصوص"، "أسد العصابة"،

стр. 223

"أستاذ الإجرام" و"روبين هود البلد الفلاني" وهكذا، فإن مثل هذه العبارات تثير خيال الشباب، والأطفال، وتدفعهم دائمًا إلى السير في نفس الطريق". ويجب علينا نحن المحررين من ناحية أخرى أن نسهب في الكلام -كلما أمكن ذلك- عندما نصف شجاعة رجل الأمن، ومهارته في ضبط اللصوص، وتعقب المجرمين، كما يجب علينا أن نقف دائمًا إلى جانب القانون والنظام، بل يجب علينا دائمًا أن نبحث عن مبرراتٍ لقسوة الأحكام التي يصدرها القضاء ضد هؤلاء المجرمين، حتى يشعروا شعورًا حقيقيًّا باحتقار المجتمع لهم، ورغبة الحكومة في إبادتهم، والتخلص منهم إلى الأبد. كما يحلو لنا كذلك أن نسأل أنفسنا مع الأستاذ "أوكس ريتشلر" رئيس تحرير صحيفة "نيويورك هيران ستيتمان" هذا السؤال: هل نكون مخطئين إذا امتنعنا عن نشر كيفية وقوع سرقة بالتفصيل، أو كيف ارتكب شخص مختل الشعور حادث انتحار؟ إنني أعرف أن شركات التلفزيون تتبع ما يمكن أن يسمى دروسًا تدريبية في القتل والسلب والاغتصاب، غير أننا لا نتبع هذه الطريق، بل نلغيها من أساسها. ونحن نوافق هذا الأستاذ على إجابته، ونرجو أن يوافقنا عليها جميع رؤساء التحرير في الصحف. ومعنى ذلك: أن الصحفيّ الجدير بهذا الاسم يجب أن يشعر دائمًا بشعورين في وقت واحد: الأول: شعور بتجربة الصحافة. الثاني: شعور بمسئولية الصحافة.

стр. 224

والواجب يحتِّمُ عليه دائمًا أن يجعل الشعور الثاني مقدمًا على الشعور الأول. الأمثلة: إن الشعور بالمسئولية الإعلامية في الوقت الحاضر أصبح لازمًا لرجل الإعلام بعد أن كثرت أجهزة الإعلام وأصبحت في متناول أكثر الناس، فإذا خفي الشعور بهذه المسئولية الضخمة, كانت لذلك آثاره السيئة وعواقبه الوخيمة على شباب الأمة بنوع خاص. شهد بعض الشبان في مصر فيلمًا سينمائيًّا صوَّر لهم الطريقة التي استطاع بها بعض اللصوص في أمريكا أن يسرقوا مصرفًا ماليًّا من المصارف الكبيرة، وما كاد الشبان يغادرون دار السينما حتى اتفقوا فيما بينهم على ممارسة التجربة, وحاولوا بالفعل أن يسرقوا مصرفًا ماليًّا في ضاحية مصر الجديدة، فقبضت عليهم الشرطة وساقهم إلى المحكمة، فاعترفوا بأنهم فعلوا فعلتهم هذه بعد أن شهدوا بأنفسهم عرضًا سينمائيًّا شرح لهم هذه الجريمة. ومثل آخر: هو الخبر الخاص بالشقيّ "محمود سليمان" المعروف "بالسفاح" وهو شقيٌّ ظهر فجأة في القاهرة، وارتكب عددًا كبيرًا من السرقات، واقتحم كثيرًا من المنازل، وأحدث إزعاجًا كبيرًا في العاصمة وضواحيها، فاستفحل شره, وانتهزت الصحف المصرية هذه الفرصة وأخذت تبالغ في أخباره، وحاولت الشرطة أن تقبض عليه فلم تفلح في ذلك أول الأمر, ووصفته بعض الصحف بالبطولة، وأنه يأخذ من مال الأغنياء ليعطي الفقراء, وكادت هيئة الشرطة تيأس من ضبطه, واضطرب الأمن بسبب تشجيع الصحف لهذا الشقيِّ على أعماله وتصرفاته، ثم صدر أمر من الحكومة القائمة للصحف بالكفِّ عن هذه الطريقة غير الفنية في نشر

стр. 225

الأخبار، فرضخت الصحف للأمر، وأصبح الشعب يبذل جهده في معاونة رجال الشرطة للقبض على المجرم، وقبض عليه في النهاية، وكان ذلك في جبلٍ بحلوان، وكان أن قتل المجرم نفسه رميًا بالرصاص قبل القبض عليه بدقائق، وهكذا انتهت هذه المأساة التي عرفت بها الصحافة أنها إنما كانت تسيء إلى الحكومة وإلى الشعب, وإلى الأمن بمبالغتها في نشر أخبار هذا المجرم، ومبالغتها في وصف تحركاته وخططه وأفكاره١.

стр. 226

الأخبار من الزاوية الأخلاقية, وزاوية المسئولية الإعلامية: إن رجال الإعلام في كل أمة من الأمم هم وكلاء هذه الأمة في ميدان من أخطر ميادين الحياة، وهو ميدان الأخبار وميدان الثقافة والإرشاد. إنهم المسئولون في الواقع عن رفاهية الشعوب، ومسئولون كذلك عما تقع فيه هذه الشعوب من البؤس, وهم المسئولون كذلك عن الحرب, وعن السلام بين شعوب الأرض١. وإن نظرةً واحدةً إلى تاريخ الصحافة في العالم -بما فيها الصحافة العربية- ترينا أن الصحافة قسمان: صحافة الخبر، وصحافة الرأي أو المقال, وصحافة المقال -في تاريخنا العربيّ- سابقةً لصحافة الأخبار، ولم تبدأ صحافة الخبر بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة في تاريخ الصحافة المصرية بنوعٍ خاصٍّ قبل سنة ١٩٣٦، وهي السنة التي ظهرت فيها جريدة المصري، وفي عددها الأول كتب محمد التابعي يقول: "وعدٌ واحدٌ فقط هو الذي نتقدم به إلى القراء، وهو أن نحاول -ما استطعنا- أن ندخل على "المصريّ" لونًا من روح العصر الذي نعيش فيه، عصر السرعة والاختزال، عصر الأنباء والأخبار، ودائمًا الأخبار". والصحافة العربية فيما انصفت به من الابتداء بصحافة المقال, مخالفةً للصحافة الأوروبية التي اتصفت منذ بدايتها بالميل إلى الأخبار، وبقي الحال على ذلك حتى ظهور الديموقراطيات ونموها في أوائل القرن التاسع عشر.

стр. 227

وإذ ذاك ظهرت في كلٍّ من أوروبا وأمريكا "صحافة الرأي" وحلت محل صحافة الخبر، وبلغت أوجها بقيام الثورة الفرنسية، ثم تغيرت الظروف تغيرًا كاملًا في القرن العشرين، وعادت الصحافة الأمريكية -بنوع خاص- إلى صحافة الخبر, وأصبح التنافس قويًّا في سبيل الحصول على الأخبار, حتى لجأت الصحف أخيرًا إلى طريق الإعارة، ومنذ ذلك الوقت أصبح الهدف الأول للصحافة الأمريكية هو الحصول على أكبر قدر من المال، ولم يصبح الهدف الأول للصحافة هو التوجيه والإرشاد، كما كانت عليه الحال من قبل, ولعل السبب الأول والأخير في وصول الصحافة الأمريكية إلى هذه الحالة الأخيرة هو الخضوع لرأس المال، وخضوع الديمقراطية الأمريكية للنظام الحر Liperalism وهو النظام الذي تدل عليه الجملة المعروفة: "اتركه يفعل، اتركه يمر "Laisses Fuire- laisses passr" سمات صحافة الخبر: إن لصحافة الخبر سماتٍ تعرف بها, وتميزها عن صحافة المقال، ومن هذه السمات ما يلي: ١- قلة عنايتها بالمقال, أو اقتصادها في المساحة المخصصة له، فإن حيِّزَ الصحيفة في مثل هذه الحالة يترك كثرة منه للخبر، ولا تبقى للمقال إلّا مساحة أقل من مساحة الخبر. ٢- عناية صحافة الخبر عناية بالغة بحوادث الدجل والدجالين وتسلية القارئ بالخرافات وأخبار الشعوذة والمشعوذين، على حين أن صحافة الرأي إذا عرضت لمثل هذه الأخبار فلكي تنقدها وتسفه أصحابها، وتقدم العلاج الناجح لهذه الأدواء الضارة بالمجتمع. ٣- زيادة اهتمام صحافة الخبر بأنباء الممثلين والممثلات والمغنيين

стр. 228

والمغنيات, والراقصين والراقصات, وبأخبار الطبقة البورجوازية في المجتمع، وبإيراد الأخبار الشخصية الخالصة لبعض البارزين في المجتمعات. ٤- اختراع الأخبار بقصد إثارة القراء؛ فهذا خبر عن لصٍّ هاربٍ من وجه العدالة، وهذا خبر عن مشعوذ ظهر في الحيِّ الفلانيِّ، وهذا خبر عن تحضير الأرواح وهكذا، وغالبا ماتكون هذه الأخبار من صنع الجريدة نفسها، كما لجأت جريدة "أخبار اليوم" المصرية مرةً إلى الإعلان عن دواء اسمه "هـ٣" وزعمت أنه يعيد الشباب للطاعنين في السن، وكان هذا الخبر مجرد اختراع من الصحيفة تسبب في ارتفاع كبير في نسبة التوزيع. صحيح أن لهذا الخبر الصحفيّ نصيبًا ضعيفا من الصحة، فقد قيل إن طبيبةً تركيةً وصلت إلى اختراع هذا الدواء, وعرضته على مجلس أطباء عقد لهذا الغرض برومانيا، غير أن هذا المجلس لم يقر الدواء الذي قدمته الطبيبة, فانتقلت به إلى مجالس طبية أخرى, ولكنها إلى الآن لم تظفر بإقراره بحالٍ من الأحوال, فإذا جاءت صحيفة كأخبار اليوم المصرية, واستغلت هذا الخبر استغلالا صحفيًّا، وأخذت تنشر عنه كل يوم شيئًا, فإن الهدف الرئيسيّ للصحيفة من وراء ذلك يصبح معروفًا، وهو الحصول على أكبر نسبة في التوزيع بالقياس إلى الصحف الأخرى، وهذا بالفعل ما حدث. إن الفرق بين صحافة الخبر وصحافة المقال إذن يتلخص في كلمة واحدة، وهي أن صحافة الخبر سلبية, وصحافة المقال إيجابية؛ لأن صحافة المقال تشارك في بناء المجتمع وبناء الإنسانية، وتضحي من أجل ذلك بالربح الماديّ، بينما تبذل صحافة الخبر قصارى جهدها في التسلية والترفيه عن القارئ, وفي اجتذابه إلى الجريدة بالطرق المشروعة وغير المشروعة, وهذا ما يدعونا إلى الكلام عن الصحافة الصفراء فيما يلي:

стр. 229

الصحافة الصفراء: إن صحافة الخبر التي مَرَّ ذكرها قد أنتجت صحافةً يقال لها: "الصحافة الصفراء" وهي الشكل المبالغ فيه من أشكال صحافة الخبر، وقد سبق أن قلنا إن السبب في هذه التسمية أن صحفيًّا أمريكيًّا ابتدع شخصية "الطفل الأصفر" وهي شخصية كاريكاتورية اتسمت بالانحراف الخلقيّ، وكان هذا الصحفيّ يطبع هذا الكاريكاتور في صحيفته دائمًا باللون الأصفر. ولهذا اللون من ألوان الصحافة الأمريكية تاريخ بدأ بصاحب صورة الطفل الأصفر التي مَرَّ ذكرها، ثم جاء بعد ذلك "بولتزر" و "هيرست" الابن؛ ليتنافسا تنافسًا حادًّا في مجال الإثارة الصحفية في نيويورك, وكان ذلك بين عامي ١٨٩٣و ١٨٩٥, وكان كل ذلك طمعًا في زيادة التوزيع، حتى تجاوز هذا التوزيع ستمائة ألف نسخة في الطبعة الواحدة، وتراوح عدد صفحات الجريدة بين ٤٨و ٥٠ صفحة العدد الواحد، وكانت النسخة الواحدة تباع بما لا يزيد عن خمسة بنسات؛ وإذ ذاك اتسمت الصحافة الصفراء بسمات منها: أولًا: فن تصميم العنوان وكتابة الألوان الكثيرة كالأحمر والأزرق والأصفر، لكي يلفت ذلك نظر القارئ. ثانيًا: الإسراف في استخدام الصور, ولولم تكن لها صلة بحقيقة الخبر، والصور في ذلك مثل الرسوم الكاريكاتورية, والكرتون السياسيّ والاجتماعيّ كثيرًا ما تكون وسيلةً من وسائل تضليل القراء بدلًا من هدايتهم إلى الحقيقة. ثالثًا: تزييف الأخبار، وانتحال الأحاديث، واختراع التحقيقات التي لا ظل لها من الحقيقة، وذلك بقصد تشويش الأذهان، وبلبلة الأفكار، وقد فعلت ذلك الصحف الصهيونية في أمريكا حين زيفت عددًا من صحيفة

стр. 230

روز اليوسف المصرية, ونشرت في هذا العدد حديثًا مزيفًا للرئيس جمال عبد الناصر, ليس له ظل من الحقيقة. رابعًا: الإكثار من الفكاهات والدعابات والنكات، والإتيان بكل ذلك عن حسن قصد من الصحيفة. خامسًا: اختراع الشخصيات التي تلعب بها الصحيفة دورًا خطيرًا في توجيه المجتمع, أو الحكومة, وجهةً معينةً قد لا تتفق والصالح العام، كما لا تتفق في كثير من الأحيان مع مصلحة السلام. سادسًا: اختراع المواقف المسرحية التي تتظاهر فيها الصحيفة بالوقوف مع الجانب الضعيف، وذلك بقصد واحد فقط، هو ضياع الحقائق في زحام هذا المسرح الذي خلقته الصحيفة على نحو يتفق ومصلحتها الذاتية لا مصلحة المجتمع. سابعًا: العناية التامة بتوافق الأخبار, والسعي وراء الأسرار الشخصية لهدف واحدٍ؛ كذلك هو نشر الفضائح, والقصص عن بعض الشخصيات المرموقة في المجتمع، وإنزال العظماء عن عروشهم، وقطع العلاقة بينهم وبين أفراد الشعب المملوء إعجابًا بهم وبأفكارهم، ومن حيث توافق الأخبار يقال: إن صحيفة العرب العراقية أيام الاحتلال كانت تقول للمحررين دائمًا: عليكم بتوافق الأخبار ولا شيء غيرها. ثامنًا: الصحافة الصفراء تدعو إلى تشجيع الحرب وتقدمها, وتفضل فكرة الحرب على فكرة السلام، وذلك أن قيام الحرب على أية صورة من الصور يعود على الصحف بالأرباح الوفيرة، ولهذا نرى صحافة الخبر تقيم العداوة والبغضاء بين شعوب الأرض, ونرى الصحفيّ أيضًا يحظى بالأموال السرية الضخمة التي تحمل إليه من المصانع الحربية الكبرى في أوروبا وأمريكا, ولا حياة لهذه المصانع بدون حرب, وهذا ما أشار به الزعيم "نهرو" في كتبه الكثيرة التي حذر فيها الصحافة من الرضوخ لأوامر هذه المصانع الحربية, أو تجار الموت على حد تعبيره.

стр. 231

وباختصارٍ شديدٍ نجد أن صحافة الخبر تثير دائمًا في الأفراد غرائزهم الوضعية، وتخاطب فيهم هذه الغرائز دائمًا، فتنشر بينهم أخبار الجنس والجريمة، كما تنشر فيهم كذلك الأخبار التي تشجع على فكرة الحرب، وتخفي فكرة السلام، وفي ذلك يقول الرئيس روزفلت: "إن الصحافة التي تثير الكراهية في النفوس, هي السبب الأول في انتشار جرائم القتل في المجتمع". وقد أصاب الصحافة المصرية انحرافٌ من هذا القبيل, وإن لم تبلغ مبلغ الصحافة الأمريكية في ذلك، وقد أشار الرئيس جمال عبد الناصر إلى شيءٍ من هذا الانحراف في الحديث الذي ألقاه على الصحفيين في اليوم الذي صدر فيه قانون تنظيم الصحافة, في الرابع والعشرين من شهر آيار "مايو" سنة١٩٦٠، وضرب الرئيس بعض الأمثلة على انحراف الصحف المصرية يومئذ. ومن ذلك: اهتمام الصحف الكبرى في القاهرة بأخبار الزوجة التي خانت زوجها, وخبأت في دولاب بيتها ثلاثة رجال في وقت واحد، واستطرد الرئيس في التعليق على هذا الخبر, وفي السخرية منه قائلًا: لابد أن يكون هذا الدولاب مزودًا بجهاز تكييف هواء. كيف تعالج صحافة الخبر: فكرت كثير من الحكومات والشعوب، كما فكرت منظمة الأمم المتحدة، فيما سمي "بآداب مهنة الصحافة" وانعقدت لذلك المؤتمرات، وبذلت المحاولات للوصول إلى ما للصحفيّ من حقوق, وما عليه من واجبات، وقد استعرضنا هذه الجهود في كتابنا "أزمة الضمير الصحفيّ" واسترعت أنظارنا عبارة وردت في الميثاق الهنديّ للصحافة، جاء فيها:

стр. 232

"إن الصحفيّ الجدير بهذا الاسم, هو وحده الرجل الذي يستطيع التفرقة دائمًا بين الصالح العام والفضول العام، وهو الذي يدرك جيدًا أن الصحافة النزيهة تسعى دائمًا لخدمة الهدف الأول, وهو الصالح العام، وقلما تسعى لخدمة الثاني، وهو الفضول العام، ولذلك تمتنع عن نشر الأخبار الشخصية ما لم تتأكد من صحتها، وما لم تقدر كل التقدير أن في نشرها نفعًا يعود على المجتمع". وما زالت الجهود تبذل إلى يومنا هذا في ترقية صحافة الخبر، والسير بها في طريق الصالح العام للشعوب والحكومات. وقد شاركت حكومة الجمهورية العربية المتحدة في هذا السبيل بمحاولتين إلى الآن وهما: ١- إصدار قانون تنظيم الصحافة في عام ١٩٦٠. ٢- صدور الميثاق في الحادي والعشرين من شهر مايو سنة ١٩٦٢. وقد وردت في الميثاق إشاراتٌ كثيرة إلى الصحافة، ووضعت هذه الإشارات دستورًا جديدًا للصحافة المصرية في عهد حكومة الثورة، ومن هذه العبارات التي وردت في الميثاق: "إن حرية الصحافة لم تعد محصورة في المعنى السياسيّ، كما كانت قبل ذلك، ولكنها تجاوزته إلى المعنى الاقتصاديّ، فأصبحت حرية الصحافة تهدف إلى التحرر من الخضوع لرأس المال" وقال الميثاق قبل ذلك: "كذلك تزايد الخطر على ما تبقى من حرية الصحافة -ثانيًا- بتزايد احتياجات المهنة نفسها لمعدات التقدم الآلي, ولم يعد في قدرتها إلّا أن تخضع

стр. 233

لإرادة رأس المال لمستغلٍّ، وأن تتلقى منه -وليس من جماهير الشعب- وحيها, واتجاهاتها السياسية والاجتماعية"١. الصحافة والجريمة: ما هو تعريف الجريمة عند علماء الاجتماع؟ وما هي مسئولية الصحافة عن الجرائم من الناحية القانونية الخالصة؟ أما السؤال الأول: فيجيب عنه الأستاذ "سذر لاند" في تعريف الجريمة بأنها: السلوك الذي تحرمه الدولة لضرورة ما، أو السلوك الذي تتدخل الدولة في منعه بعقاب مرتكبيه. غير أن هذا التعريف لم يشأ أن يبتعد عن التعريف القانونيّ البحت للجريمة، فقد اتجه بعض العلماء إلى تعريف المجرم بدلًا من تعريف الجريمة, ومن هؤلاء "برجسن" الذي قال في تعريف المجرم: "إنه الشخص الذي يعتبر نفسه مجرمًا ويعتبره المجتمع كذلك". ولهذا التعريف ميزةٌ وضحها "برجسن" حين لفت الأنظار إلى رأي المجرم في نفسه، وهي فكرة هامة تقدم على أساسها علم الإجرام. وأما السؤال الثاني -وهو مسئولية الصحف من الناحية القانونية- فإن الجرائم في ذاتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- جرائم ضد الأفراد العاديين. ٢- جرائم ضد الدولة. ٣- جرائم ضد المجتمع. وعلى الدولة يقع عبء حماية الأفراد والمجتمعات وحماية نفسها من

стр. 234

الجريمة بأنواعها الثلاثة, وعلى الصحافة أن تساعد الدولة على القيام بهذه المهمة الخطيرة، وهذا هو ما يحدد مسئولية الصحافة، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى ما يسمى: "التشريعات الصحفية" والخلاصة: أن الجريمة قطعة من الحياة التي نحياها، وليس الخطر آتيًا من نشر أخبار الجريمة في ذاتها, بقدر ما هو آتٍ من تحول الصحيفة إلى مخبرٍ سريّ, أو قاضٍ يحكم في القضية. عودة إلى مذاهب نشر الخبر: سبق أن عرفنا شيئًا عن مذاهب نشر الخبر من حيث هو، واستطعنا أن نميز بين ثلاثة مذاهب: ١- المذهب المعتمد على الإثارة, أو إيثار الفضول العام على الصالح العام، وهو ما نتج عن ظهور الصحافة الصفراء. ٢- المذهب الجاد, أو المذهب الذي يؤثر الصالح العام على الفضول العام، وهو ما تبحث عنه صحافة الرأي. ٣- المذهب المعتدل, أو الجامع بين المذهبين السابقين، وهو ما تسير عليه أكثر الصحف المتزنة في العالم في الوقت الحاضر. كما سبق لنا كذلك أن أشرنا إلى سمات الصحافة المثيرة بوجه عام، والصحافة الصفراء بوجه خاص، والمهم أن نقول بعد ذلك إلى إن الدول الحديثة انقسمت بشأن هذا المذاهب الثلاثة؛ فالصحافة الأمريكية تميل إلى الإثارة، والشعب الأمريكيّ يقف وراء المجرم، والصحافة السوفيتية تأتمر بأوامر الحزب الواحد، ولا تبدي أي اهتمام بالجريمة وأخبارها، والصحافة المصرية تقف بين بين، وتؤثر الاتجاه الثالث من اتجاهات نشر الخبر، وإن كان ذلك لم يمنع من وجود صحف مثيرة إلى الوقت الذي صدر فيه قانون تنظيم الصحافة ٢٤ مايو ١٩٦٠. ولنضرب لك مثلًا بأخبار الجريمة في الصحافة المصرية:

стр. 235

الصحافة المصرية وخبر السفاح: كان من أوضح الأمثلة على اتجاه الصحافة المصرية إلى الإثارة, ذلك الخبر المشهور بخبر السفاح الشقيّ "محمود سليمان". وهو شقيٌّ من أشقياء مصر, ظهر فجأةً, وهدد الناس في أموالهم وحياتهم، وتعبت الشرطة في مطاردة هذا الشقيّ زمنًا طويلًا, لا يقل عن شهرٍ تقريبًا, وأتاح ذلك أثمن الفرص للصحافة لكي تخلق من هذا الشقيِّ في أول الأمر بطلًا يلعب بخيال الشعب، ولعبت الصحافة المصرية في هذه الحادثة دورًا يتلخص في المراحل الآتية: الأولى: اتسمت الصحافة المصرية فيها بالمبالغة في وصف الحادث, واستغلال الموضوع لإثارة القارئ. الثانية: تسابقت الصحف في نشر صورة المجرم في مكان ظاهر بالجريدة، ونوهت الصحف كذلك بالمكافآة التي رصدتها وزارة الداخلية لمن يقبض عليه، ثم اختفت من الصحف بعض العنوانات المثيرة والقصص المخترعة، وحل محل ذلك اتجاه جديد للكشف عن حقيقة المجرم, ومساعدة الشرطة في القبض عليه بأقرب وقت ممكن، وكل ذلك كان بوحي من وزارة الداخلية وتوجيه منها. الثالثة: قُضِيَ على المجرم في التاسع من شهر إبريل سنة ١٩٦٠؛ وإذ ذاك عنيت الصحف بنشر صورة المجرم، وقد مزقت جسده رصاصات الشرطة, وبدا رجالها يسحبون هذه الجثة، أو يسحلونها على الأرض كما تسحل جثث الكلاب, حتى أثار ذلك غضب الرأي العام المصريّ على هذه الوحشية. وبالموازنة بين مختلف الصحف المصرية في طرق نشرها لهذا الخبر اتضح ما يلي:

стр. 236

١- أن الأخبار كانت أكثر الصحف إثارةً, وإن لم تكن أكثر من بقية الصحف اهتمامًا بمتابعة الخبر من حيث هو. ٢- أن الصحف الثلاث: وهي الأخبار، والأهرام، والجمهورية، شغلت الناس بهذه القصة الإخبارية عن مشكلاتٍ كانت تستحق الاهتمام, ولكنها ضاعت في زحام أخبار السفاح. ٣- كان نشر جريدة الأخبار عن هذه القصة الإخبارية في صالح السفاح في البداية، فقد خلق هذا النشر جوًّا من العطف عليه بين الناس، حين صورته الصحافة على أنه إنسان يحاول أن يثأر لشرفه، وأنه يسرق إلّا منازل الأثرياء انتقامًا منهم للفقراء، وأنه مواطن رياضيّ وذكيّ للغاية. ٤- كفت الصحف عن نشر أخبار المطاردة بناءً على طلب وزارة الداخلية، وكانت الأهرام أكثر الصحف التزامًا بهذه التوجيهات. ٥- وأخيرًا تحولت الصحف عن طريقتها إلى تصوير السفاح على أنه مجرم خطير لا ينبغي التستر عليه، ولكن ذلك جاء متأخرًا، خصوصًا وأن الناس يعبدون البطولة في صورتها الشعبية, ويحملون كراهيةً دفينةً لرجال الأمن.

стр. 237

الذوق الصحفيّ والخبر: تعتبر الصحافة -من حيث المظهر الخارجيّ، ومن حيث الهدف الإنسانيّ, والهدف الاجتماعيّ- مرادفةً في رأينا لكلمة "الذوق الحسن" أو "التناول الحسن" أو "التصرف الحسن" ونحو ذلك من الصفات الدالة على التهذيب. فحسن الذوق ضروريٌّ للصحفيِّ عندما ينظر في الحروف، والطباعة، والمداد والألوان المختلفة المستخدمة في الكتابة، والذوق ضروريّ للصحفيّ كذلك عندما يشتغل بترتيب مواد الصحيفة، وتنسيق هذه المواد، وتنظيم الأعمدة والعنوانات الكبيرة، والعنوانات الصغيرة، ثم الصور، وكيف تؤدي الغرض منها في نهاية الأمر. والذوق أشد لزومًا للصحفيِّ أيضًا عندما يقوم بتحرير المواد المختلفة؛ من خبر إلى حديث، إلى تحقيق، إلى تقرير مصور، إلى عمود، إلى مقال، إلى إعلان، ونحو ذلك. والذي نجزم به منذ الآن, هو أن جميع هذه الأمور متروكة لحسن تقدير الكاتب، أو المحرر، أو سكرتير التحرير، أو غيره ممن يناط بهم تنظيم الشكل النهائيّ للصحيفة، وهو الشكل الذي يعتمد عليه في رواجها، وإقبال الجمهور عليها. وعلى الصحفيّ اللبق ألَّا تغيب عن ذهنه هذه الحقيقة، وهي أن الذوق ضروريٌّ لكل عمل يتصل بصحيفته، وعليه أن يصدر عن هذه الحقيقة دائمًا في كل عمل من الأعمال التي تتصل بالتحرير في الصحيفة، أو الإخراج، أو الإعلان، أو غير ذلك.

стр. 238

فأما من حيث التحرير -وهو الجانب الذي يعنينا من البحث الذي بين أيدينا الآن- فقد رأيت أيها القارئ كيف أن لكل خبرٍ من الأخبار، أو حادثةٍ من الحوادث, طبيعةً تخالف طبيعة الحادثة الأخرى، فمن الخطأ إذن أن تكتب جميع هذه الحوادث أو الأخبار بطريقة واحدة، أو تطبق عليها قاعدة واحدة، فإن في ذلك بعدًا عن الذوق، وتجافيًا عن المنطق، وإهدارًا لحقوق القراء الذين ينصرفون عن الصحيفة, ومن حقهم أن يفعلوا ذلك إذا وجدوها لا تحسن عرض هذه المادة الهامة من مواد الصحف، وهي مادة الخبر. وفي الجريمة يظن كثير من الناس -كما قلنا- أن مهمة الصحافة هي التشنيع، أو نشر عيوب المجتمع بشكل فاضح, كلَّمَا أمكن ذلك، ويقولون: إن في نشرها على هذا الوجه عظةً للقراء، وحفزًا للمفكرين في الإصلاح، كما يقولون أيضًا: إن وظيفة الصحيفة في هذه الحالة أشبه ما تكون بوظيفة "الكاريكاتور" ومن عمل هذا الفن الأخير تجسيم العيوب حتى تسترعي أنظار الخاصة والعامة، وهل يفعل الناقد الأدبيّ في قصة من القصص الاجتماعية أكثر من ذلك؟ وهذا كله صحيح إلى حد ما، ولكن أصح منه كما ذكرنا أن تراعي الصحف المحلية جانب الذوق في نشر الجريمة، وأهم من ذلك كله أن تصدر في نشرها عن رغبة صحيحة في الإصلاح، إلّا أن النية الحسنة من الأمور التي يصعب ضبطها في الحياة، والقصد الحسن من الميادين التي يكثر فيها الخداع والمغالطة في أكثر الأحيان، وعلى هذا ليس أمامنا إلّا أن نأخذ بظواهر الأشياء، فنحكم على صحيفة تنشر الجريمة بقصد الإثارة، أو الفضيحة، بأنها صحيفة آثمة في نظر الرأي العام، ومحكمة الرأي العام دقيقةً دائمًا في أحكامها, قادرة على تنفيذها على الصحف, مهما عظم سلطانها!

стр. 239

والحق أن من أصعب الأشياء أن نضع لحسن الذوق أصولًا وقواعد، نرسم له خططًا ومناهج، غير أننا مع هذا وذاك, نلح على الصحف بوجهٍ عامٍّ أن تتقيد بهذه القاعدة التي لا ضابط لها، وتأخذ نفسها أخذًا حكيمًا بهذا المبدأ الإنسانيّ العام الذي يقره المجتمع، وهذا المبدأ هو مراعاة شعور الناس في جميع الظروف والأحوال. دعوى القذف في الصحف: من أجل ذلك نريد أن نقف وقفةً قصيرةً عند دعوى القذف في الصحف، وأن نشير إلى رأي الكثرة الساحقة من الباحثين في هذا الموضوع. القذف إساءةٌ مقصودةٌ تراد بها السخرية من فكرة، أو واقعة صدرت من شخص، أو طائفة من الطوائف، أو هيئة من الهيئات، أو مؤسسة، أو شركة، أو نحو ذلك. ولا غرض لهذا النوع من الإساءة إلّا تشويه هؤلاء، والنيل من كرامتهم, وتعريضهم لخسارة مادية، وأخرى معنوية. والقانون من جانبه يحرِّمُ هذه الجريمة, ويعاقب عليها، ولا يسمح لصحيفة من الصحف أن توجه تهمة ما إلى شخص لم يرتكبها فعلًا، ولكنه يجيز للصحف أن ترمي موظفي الحكومة، أو الشركات، بجريمة الإهمال في العمل، والعبث بمصالح الأفراد والجماعات. وفي المجتمع أشخاص لهم بروز من نوع خاص، إما في عالم الأدب، أو الصحافة، أو العلم، أو الفنون على اختلافها، صحيح إن من حق الصحف أن تتعرض لنقد الحياة الخاصة لهؤلاء الممتازين في المجتمع، ما دامت لهم صلة كبيرة بالصالح العام لهذا المجتمع، أو بعبارة أخرى: ما دامت الأضواء مسلطة عليهم وحدهم دون غيرهم من أفراد المجتمع، أو بعبارة أخرى: ما دامت الأضواء مسلطة عليهم وحدهم دون غيرهم من أفراد المجتمع.

стр. 240

ولكن حرية الصحافة في التعرض لهؤلاء الممتازين من الناس ليست مطلقةً كل الإطلاق، بل مقيدةً بالتقاليد الاجتماعية من جهة، وبالرغبة التامة في المحافظة على العرف، وعلى الذوق العام، من جهة ثانية. من أجل ذلك، وجب أن يقدم النقد الصحفيّ الموجه إلى هؤلاء الممتازين من الناس على أسس ثلاثة فقط، هي: أولًا: أن هذا النقد الذي تقوم به الصحيفة نقد صحيح، وأن له نصيبًا من الواقع، وأن في استطاعة الصحيفة أن تقدم الوثائق الدالة على صحته متى طلب إليها ذلك. ثانيًا: أن هذا النقد الذي تقوم به الصحيفة قائم على حقائق لم تتناولها الصحيفة بالتغيير والتحوير، أو العبث بالحقائق في ذاتها عبثًا يقصد به إلى التجريح في ذاته. ثالثًا: أن القصد من نشر هذا النقد, أو التجريح, قصد شريف لا يهدف إلّا للدفاع عن الصالح العام, وحماية أفراد المجتمع. وعلى هذه الأسس الثلاثة المتقدمة يحق لكل صحيفة من الصحف أن توجه النقد إلى الممتازين في الأمة. والقاعدة التي ترتكز عليها الصحف في ذلك تتلخص في: أن من حق القراء أن يعرفوا الكثير عن زعمائهم وكبرائهم، وعن الطريقة التي يعاملهم القانون بها إذا ارتكبوا الخطأ. ومن ثَمَّ وجب على الصحف أن تحتاط احتياطًا كبيرًا في نشر الأخبار التي تتصل بالأشخاص، أو الهيئات التي تؤثر تأثيرًا قويًّا في حياة المجتمعات, ألَا ترى أن الفرق كبير بين أن نقول: "يظهر أن المركز المالي لشركات عبود, قد بدأ يتزعزع، وأن هذه الشركات أوشكت أن تعلن الإفلاس، فقد نزلت أسهمها نزولًا فاحشًا بلغ عشرين بنطًا في بورصة أمس".

стр. 241

وبين أن نقول: "بيعت أسهم إحدى شركات عبود أمس بسعر ١٨٥, أي: بنزول عشرين بنطًا عن أول أمس، وقد كان السعر منذ أسبوعين يبلغ ٢٢٥". فالخبر الأول مبالغ فيه كل المبالغة، وضار بسمعة الشركة كل الضرر، وقد يفضي إلى إفلاسها فعلًا, والخبر الثاني يقرر الواقع، ويحتاج القراء بالفعل إلى معرفته، والوقوف عليه، ولكنه لا يبالغ في إزعاج المساهمين، ولا يملأ نفوسهم ذعرًا وشعورًا بالخسارة. وكائنًا ما كان الأمر, فلا مناص للصحيفة التي تحترم نفسها دائمًا من أن تصون أعراض الناس، وتصون أموالهم، وأرواحهم، وتزداد عنايتها بالممتازين منهم، وخاصة إذا كانوا من رجال القضاء، والأمن، وأساتذة الجامعات، والأطباء، والوزراء، ورؤساء الوزارات، ومن في هذه الدرجة الاجتماعية الممتازة. أما المرأة والفتاة, فعلى الصحف أن تحذر الكتابة عنهما، أو التعرض لهما كلما أمكن ذلك، وكلنا يذكر ما كان يفعله صحفيٌّ مصريٌّ أثيم، هو أبو الخير نجيب- في صحيفة "الجمهور المصري" وكلنا يعرف الطريقة الدنيئة التي كان يحصل بها هذا المجرم على أموال الأسر المصرية التي كان يهددها بين حين وآخر بنشر التهم أو الجرائم على صفحات جريدته هذه، وكلنا يعرف كذلك المصير الذي آل إليه هذا الشرير بعد إذا كشف القضاء المصري عن طريقته في التشنيع على الأسر الكبيرة في مصر. إن صحافة تهبط بنفسها وبقرائها إلى مثل هذا الدرك؛ لخليقة بأن تؤدي بحياة أمة بأسرها في أقرب وقت!

стр. 242

قد يرى الكثيرون من أصحاب الصحف في بعض هذه الآراء بعدًا عن الواقع والحقيقة، وسيتهمنا الكثيرون منهم بأننا نظريون -لا عمليون- وستظل المعركة قائمة بين الباحثين والمحترفين, أو بين الدارسين للصحافة في داخل الجامعات، والممارسين لها في دور الصحف، ولكن ربما كان ذلك الخلاف لفائدة العلم نفسه من جهة، ولفائدة الصحافة ذاتها من جهة ثانية. فلنكن نحن نظريين في رأي الكثيرين، وليكن أصحاب الصحف على اختلافها عمليين في رأي أنفسهم، فأيسر ما يترتب على هذه الظاهرة أن الحق يقع في وسط الطريق بينهم وبيننا، وأقل ما يترتب عليها كذلك أن الجيل الناشيء من الصحفيين سوف يستعرض في ذهنه كل هذه الآراء المختلفة في نشر الخبر، وأكبر الظن أنه سوف يؤمن إيمانًا عميقًا أن الصحافة الحاضرة مسرفةً في إثارة الغرائز، جريًا وراء الربح الماديّ. وأقل ما يترتب على هذا الخلاف كذلك, أن أهل هذا الجيل الناشيء من الصحفيين سيعد نفسه لتحقيق ما دعونا إليه في "المقدمة؛ من وجود صحافة نظيفة، يقص فيها المحرر الصحفيّ ما يشاء من أخبار الجريمة، ولكن كما يقصها على والدته، أو أخته، أو ولده، أو أستاذه في المنزل, أو في المدرسة، أو في الجامعة.

стр. 243

مصادر الكتاب الثاني: ١- News Agencies, & Tbeir structure, & operation من منشورات هيئة اليونسكو ١٩٠٣. ٢ - Late city Edition by: Josph Herzberg end Memders of the new Herald Tribune Staff "New york ١٩٤٧" ٣- News- man at work. by: Lauence Camphell and Poland Walselepy ١٩٤٩. ٤- One Hundred Years of Famous Pages from the New- york Times ١٩٥١. ٥- Jurnale and journey men. by: Brigham, Clarence Sannders ١٩٥٤. ٦- The Art of News Commications by: Buch, Chilton Rowlette, ١٩٥٤. ٧- Newspaper reporting to - day by: Clayton charles , c. ١٩٤٧. ٨- News- man cpeak, by: Comlents Edmond D, ١٩٥٤. ٩- News workers, by: Keliker, Alice Verginia, ١٩٣٩ ١٠- The News in America, by Mott Frand Suther, ١٩٥٢, ١١- News Getting and News Writing by: R, Millwe neal, ١٩٤٩. ١٢- How to read a Newspaper. by; Edgar Dale, ١٣- Exploring Journalism by L. Compbell. & Wyseleal ١٤- News Editing by: Westley. ١٥- كيف تصبح صحفيًّا: لكارل وارل، ترجمة عبد الحميد سرايا. ١٦- الصحف المصرية على اختلافها

стр. 244

مراجع لدراسة الخبر: ١- مدخل إلى الصحافة, تأليف: فرونزر بوند, ترجمة: راجي صهيون. ٢- الصحفيّ المحترف, تأليف: جون هوهنبرج, ترجمة: فؤاد مويساني. ٣- الصحافة: رسالة واستعداد, فن وعلم, د. خليل صابات. ٤- أخبار الشرق الأوسط, دراسة بمعهد الصحافة الدوليّ بمدينة زيورخ, ترجمة: عبد اللطيف حمزة، ووليم المسير. ٥- مخبر والصحف, تأليف دافيد بوتر, ترجمة: محمد مصطفي غنيم. ٦- الأخبار ليلًا ونهارًا, تأليف: فيل أولت, ترجمة: أحمد قاسم جودة. ٧- الصحفيّ الأمريكيّ, تأليف: برنارد وايزين جر, ترجمة: وديع سعيد. ٨- برامج التليفزيون, تأليف: أدوار ستاسيف، ورودي برينتز, ترجمة: أحمد طاهر. ٩- المندوب الصحفيّ, تأليف: جلال الدين الحمامصي. ١٠- من الخبر إلى الموضوع الصحفيّ, تأليف: جلال الدين الحمامصي. ١١- الصحافة والسلام العالميّ, تأليف: مختار التهامي. ١٢- الصحافة: حرفة ورسالة, تأليف: سلامة موسى.

стр. 245

الكتاب الثالث: فن المقال فنون المقال ... الكتاب الثالث: فن المقال الفصل الأول: فنون المقال سبق لنا القول في كتاب "الصحافة والأدب في مصر"١: بأن للغة التي تُسْتَخْدَمُ في الكتابة مستوياتٍ ثلاثة، وهي: المستوى الأدبيّ: وهو المستوى الذي يقف فيه الأدباء للتعبير عن عواطفهم ومشاعرهم وتجاربهم الإنسانية بوجه عام، ولهم في هذا التعبير طرائق شتَّى تختلف باختلاف الأشخاص، واختلاف العصور، واختلاف البيئات. والمستوى العلميّ: وهو المستوى الذي يقف فيه العلماء ليعبروا عن الحقائق العلمية، سواء أكان ذلك في العلوم الكونية، أم التاريخية، أم الأدبية، وهم في هذا التعبير يلتزمون لغةً تمتاز بالوضوح، واستخدام الألفاظ التي تكون على قدر المعاني، واصطناع المصطلحات التي اتفق عليها أهل كل علم من هذه العلوم على حدة, ومعنى ذلك أن العلم مادته الحقائق وحدها، في حين أن الادب مادته العواطف والصور والأخيلة. والمستوى العمليّ: وهو المستوى الذي يقف فيه الصحافي لينقل للناس أخبار البيئة التي يعيشون فيها، والبيئات التي يتصلون بها، وليقوم للناس بتفسير هذه الأخبار في أثناء نقلها، وبعد نقلها، وذلك عن طريق التعليق عليها، والاستنارة بآراء الممتازين من القراء في بعضها, والصحافي في سبيل هذا الغاية -وهي كتابة الأخبار والتعليق عليها- يستخدم لغةً عمليةً يفهمهما القراء، ولايشترط فيها في لغة الأدب من خيال أو جمال، أو ما يشترط في لغة العلم من دقة بالغة في تحديد معاني الألفاظ.

стр. 246

ولعلنا حين نمعن النظر في تاريخ الكتابة الفنية، في أية أمة من الأمم، نجد أنها تمر بالمستوى الأدبيّ أولًا، فالمستوى العلميّ ثانيًا، فالمستوى الصحفيّ في نهاية الأمر. ففي الأول تكون الكتابة ذاتيةً لأنها أدبية، وفي الثاني تكون الكتابة موضوعيةً لأنها علمية، وفي الثالث تكون الكتابة عملية لأنها صحفية. حدث هذا في أوروبا، فظهرت الكتابة الذاتية أو الشخصية عند الكاتب الفرنسيّ مونتاني "١٥٣٣- ١٥٩٢" ثم ظهرت المقالة الموضوعية عند الكاتب الإنجليزيّ بيكون "١٥٦١-١٦٣٦" وأخيرًا ظهرت المقالة الصحفية بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة على أيدي كتاب كثيرين، مثل: الكاتب الإنجليزيّ "ديفو" و"ستيل" وغيره من كتاب القرن الثامن عشر, الذين أدركوا الفروق بين هذه المستويات الثلاثة التي تحدثنا عنها، وقدروا إذ ذاك أن الصحافة جعلت لمخاطبة "رجل الشارع "ولتوجيهه، ولتثقفيه، ولتسليته، وإمتاعه، ومن أجل هذا أثر عن "ديفو" أنه قال كلمته المشهورة: "إذا سألني سائلٌ عن الأسلوب, قلت: إنه الذي إذا تحدثت به إلى خمسة آلاف شخص ممن يختلفون اختلافًا عظيمًا في قدراتهم العقلية -باستثناء البله والمجانين- فإنهم جميعًا يفهمون ما أقول". وإذا صح هذا الذي نقوله الآن, فإننا نستطيع أن نقسِّم المقال في جملته إلى ثلاثة أقسام هي: المقال الأدبيّ، والمقال العلميّ، والمقال الصحفيّ. وننظر في كل قسمٍ من هذه الأقسام الرئيسية, فنرى أنه ينقسم كذلك إلى أنواع وأشكال: في أنواع المقال الأدبيّ -على سبيل المثال- المقال الوصفيّ أو العرضيّ، والمقال النزاليّ، والمقال النقديّ، والمقال الكاريكاتوري، والمقال القصصيّ، والمقالات التي على شكل رسائل بين المحرر وقرائه، والمقالات التي على شكل

стр. 247

مذكرات أو اعترافات، والمقالات التي على شكل خواطر وتأملات، وهكذا. وللمقال العلميّ كذلك أنواع تختلف باختلاف المادة العلمية التي يخوض فيها الكاتب؛ فمقال في مادة التاريخ، وآخر في مادة الطب، وثالث في مادة الفلسفة، ورابع في مادة الأدب، من الناحية الوصفية لا الإنشائية، وهكذا, غير أنه يشترط في المقال العلميّ -إذا أريد نشره في صحيفة من الصحف- أن يبذل المحرر جهدًا كبيرًا في تبسيطه للقارئ، وبغير هذا لا تكون للصحيفة حاجة إلى نشره، أو العناية به. والمقال الصحفيّ ينقسم هو الآخر إلى أنواع؛ منها: المقال الافتتاحيّ, أو العمود الرئيسيّ، والعمود العاديّ, والتقرير بأشكاله المختلفة التي هي: الحديث والتحقيق والماجريات بأنواعها المعروفة. إلَّا أننا مع هذا وذاك, لا نستطيع ولو حرصنا أن نفصل فصلًا تامًّا بين هذه الأقسام الرئيسة الثلاثة التي هي: المقال الأدبيّ، والمقال العلميّ، والمقال الصحفيّ، والسبب في ذلك أنها تتلاقى في كثير من الأحيان، وتدع الباحث المدقق في حيرة من الأمر. خذ لذلك مثلًا: مقال النقد، فإنك ترى هذا الفن من فنون القول ذاتيًّا وموضوعيًّا في وقت معًا، أو بعبارة أخرى: نراه فنًّا وعلمًا في آنٍ واحد، له من الفن ذاتيته، وله من العلم موضوعيته. فالنقد علم بمعنى أن له أصولًا وقواعد تنبغي مراعاتها، ولا يستطيع الناقد أن يتجاهلها بحالٍ من الأحوال, والنقد فنٌّ بمعنى أن صاحبه في استطاعته أن يبني نقده على ذوقه الخاص، وشعوره الخاص نحو القطعة الأدبية أو الفنية التي يتعرض لها النقد، ويزنها بميزانه، ويطبق عليها أصوله. فماذا نسمي المقال النقديّ إذن؟ أنسميه مقالًا أدبيًّا صرفًا؟ أم نسميه مقالًا علميًّا صرفًا، أم ننظر إليه على أنه مزاج من المقالين؟ وبمثل هذه الطريقة في الواقع تتلاقى فنون المقال على اختلافها، ويتداخل

стр. 248

بعضها في بعضٍ إلى الحد الذي تصعب معه التفرقة بينها تفرقةً لا تقبل الشكَّ, وقد أشرنا إلى هذه الظاهرة في مقدمة البحث. تقسيم آخر للمقال: أشرنا إلى أن المقالة في الأدب الأوربيّ بدأت برجلين من أبناء القرن السادس عشر, هما: ميشيل دي مونتاين الفرنسيّ، وفرانسيس باكون الإنجليزيّ، اشتهر أولهما بالمقال الذاتيّ، واشتهر الثاني منهما بالمقال الموضوعيّ، ومنذ ذلك الوقت ورجال الأدب والنقد يقسمون المقال من حيث هو إلى هذين النوعين فقط، أما المقال الذاتي فيُبْنَى على التأمل العميق، والتجربة الذاتية، والتأنق في الأسلوب قدر المستطاع؛ بحيث يتوافر له كثير من نعم الجمالية، وأما المقال الموضوعيّ، فيبنى على العناية بالمضمون والمحتوى، ويعنى فيه الكاتب بالموضوعات العلمية لتقديم النصح والإرشاد إلى طبقة خاصة من الناس, كما فعل ذلك عبد الحميد بن يحيى الكاتب حين كتب رسالته المشهورة إلى الكاتب، وكما فعل صديقه ابن المقفع حين كتب رسالته المشهورة كذلك باسم "رسالة الصحابة" موجهة إلى الخلفاء وذوي السلطان. ومن اليسير علينا أن نفهم بعد ذلك لِمَ كانت المقالات الذاتية أدنى إلى الطول والانطلاق في العبارة، والتعبير عن شخصية الكاتب، على حين أن المقالة الموضوعية تبدو أقل طولًا، وأقصر انطلاقًا، وأدنى إلى التقيد بألفاظ خاصة، وتعبيرات خاصة. والخلاصة حتى الآن أن المحور الذي تدور عليه المقالة الذاتية هو الكاتب نفسه، أما المحور الذي تدور عليه المقالة الموضوعية فهو الموضوع الذي يتعرض له الكاتب. وغنيٌّ عن البيان أن المقالة الذاتية سبقت في وجودها المقالة الموضوعية, بل إن "باكون" -وهو رائد المقالة الموضوعية- كان متأثرًا بالكاتب

стр. 249

الفرنسيّ "مونتين" رائد المقالة الذاتية، جمع الأول -وهو مونتين- مقالاته بعنوان: "محاولات"، وجمع الثاني- وهو بايكون- مقالاته باسم: "موضوعات" والفرق بينهم واضح للقارئ, هكذا ذهب القدماء, وتبعهم المحدثون إلى تقسيم المقال إلى ذاتيّ وموضوعيّ، ولكننا نرى أن تقسيم المقال إلى ذاتيّ وموضوعيّ لا ينطبق في تقديرات الصحفيّ إلّا على المقال الأدبيّ والعلميّ، ولكنه قلما ينطبق على النوع الثالث من أنواع المقال، وهو المقال الصحفيّ. وهذا هو السبب الحقيقيّ الذي من أجله عدلنا عن الأخذ بتقسيم المقال إلى ذاتيّ وموضوعيّ، وأخذنا بالتقسيم الذي ذكرناه، وهو تقسيم المقال إلى أدبيّ، وعلميّ، وصحفيّ؛ لأنه التقسيم الذي وافق خطة الكتاب الذي بين يديك. تعريف المقال: لقد سبق لنا كذلك في كتاب "الصحافة والأدب في مصر" أن تعرضنا لتعريف المقال١. يطلق الإنجليز على المقال اسم: "محاولة Essay"، أي: أنها شيء غير مكتمل، شيء يشبه المذكرات الخاصة والخواطر المتناثرة، وعلى القارئ تكميل ما بالمقال من نقص، كما يكون على سامع القصيدة الغنائية أن يفعل مثل ذلك عند سماعه كل بين من الأبيات التي تتألف منها، وفي معجم لاروس تعريف للمقال كما يلي: "المقال اسم يطلق على الكتابات التي لا يدعي أصحابها التعمق في بحثها

стр. 250

أو الإحاطة التامة في معالجتها، ذلك أن كلمة "مقال" تعني: محاولة أو خبرة أو تطبيقًا مبدئيًّا, أو تجربة أولية". وعرفه قاموس أكسفورد فقال: "المقال هو إنشاء كتابي معتدل الطول في موضوعٍ ما، وهو دائمًا يعوزه الصقل، ومن هنا يبدو أحيانًا أنه غير مفهوم ولا منظم". ومرةً ثالثةً أقول: إنني عرضت في بعض كتبي السابقة للفرق بين المقال الأدبيّ والمقال الصحفيّ، وأشرت في أثناء ذلك إلى كتابٍ سبقنا في معالجة هذا الموضوع، هو كتاب الأستاذ "موريس هيونيت" وقد وضع لكتابه عنوان: "العمود وسارية الربيع"١. وبهذا العنوان فرَّقَ الكاتب تفرقةً واضحةً بين المقالة الصحفية التي رمز لها "بالعمود" والمقالة الأدبية التي رمز لها "بسارية الربيع"، وسارية الربيع هي ذلك العمود الكبير الذي يتخذه الإنجليزيّ رمزًا في "عيد الربيع" يزينونه بالزهور البديعة من كل صبغ، والورود الجميلة من كل لونٍ فتبدو السارية كأنها العروس في جلوتها، أما العمود العاري، وهو الذي رمز به الكاتب إلى المقالة الصحفية، فهو عارٍ من جميع هذه الزينة. ومرةً أخرى نقول: إن هذا هو رأينا في تقسيم المقال باعتباره مادةً من المواد التي يمكن أن تنشرها الصحف، وهو تقسيم يقوم على أساس من المستويات الثلاثة للغة من جهة، وأساس من واقع الصحافة المصرية ذاتها من جهة ثانية. فنحن حين ننظر في صحافتنا المصرية من عهد قريبٍ, نرى أن النوعين الأول والثاني من أنواع المقال، وهما الأدبيّ والعلميّ, قد ازدهرا ازدهارًا
следующие страницы →