← Адаб

Адаб · id 11543

المدخل في فن التحرير الصحفي

عبد اللطيف محمود حمزة

Полный текст (567 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ولعلنا حين نمعن النظر في تاريخ الكتابة الفنية، في أية أمة من الأمم، نجد أنها تمر بالمستوى الأدبيّ أولًا، فالمستوى العلميّ ثانيًا، فالمستوى الصحفيّ في نهاية الأمر. ففي الأول تكون الكتابة ذاتيةً لأنها أدبية، وفي الثاني تكون الكتابة موضوعيةً لأنها علمية، وفي الثالث تكون الكتابة عملية لأنها صحفية. حدث هذا في أوروبا، فظهرت الكتابة الذاتية أو الشخصية عند الكاتب الفرنسيّ مونتاني "١٥٣٣- ١٥٩٢" ثم ظهرت المقالة الموضوعية عند الكاتب الإنجليزيّ بيكون "١٥٦١-١٦٣٦" وأخيرًا ظهرت المقالة الصحفية بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة على أيدي كتاب كثيرين، مثل: الكاتب الإنجليزيّ "ديفو" و"ستيل" وغيره من كتاب القرن الثامن عشر, الذين أدركوا الفروق بين هذه المستويات الثلاثة التي تحدثنا عنها، وقدروا إذ ذاك أن الصحافة جعلت لمخاطبة "رجل الشارع "ولتوجيهه، ولتثقفيه، ولتسليته، وإمتاعه، ومن أجل هذا أثر عن "ديفو" أنه قال كلمته المشهورة: "إذا سألني سائلٌ عن الأسلوب, قلت: إنه الذي إذا تحدثت به إلى خمسة آلاف شخص ممن يختلفون اختلافًا عظيمًا في قدراتهم العقلية -باستثناء البله والمجانين- فإنهم جميعًا يفهمون ما أقول". وإذا صح هذا الذي نقوله الآن, فإننا نستطيع أن نقسِّم المقال في جملته إلى ثلاثة أقسام هي: المقال الأدبيّ، والمقال العلميّ، والمقال الصحفيّ. وننظر في كل قسمٍ من هذه الأقسام الرئيسية, فنرى أنه ينقسم كذلك إلى أنواع وأشكال: في أنواع المقال الأدبيّ -على سبيل المثال- المقال الوصفيّ أو العرضيّ، والمقال النزاليّ، والمقال النقديّ، والمقال الكاريكاتوري، والمقال القصصيّ، والمقالات التي على شكل رسائل بين المحرر وقرائه، والمقالات التي على شكل

стр. 247

مذكرات أو اعترافات، والمقالات التي على شكل خواطر وتأملات، وهكذا. وللمقال العلميّ كذلك أنواع تختلف باختلاف المادة العلمية التي يخوض فيها الكاتب؛ فمقال في مادة التاريخ، وآخر في مادة الطب، وثالث في مادة الفلسفة، ورابع في مادة الأدب، من الناحية الوصفية لا الإنشائية، وهكذا, غير أنه يشترط في المقال العلميّ -إذا أريد نشره في صحيفة من الصحف- أن يبذل المحرر جهدًا كبيرًا في تبسيطه للقارئ، وبغير هذا لا تكون للصحيفة حاجة إلى نشره، أو العناية به. والمقال الصحفيّ ينقسم هو الآخر إلى أنواع؛ منها: المقال الافتتاحيّ, أو العمود الرئيسيّ، والعمود العاديّ, والتقرير بأشكاله المختلفة التي هي: الحديث والتحقيق والماجريات بأنواعها المعروفة. إلَّا أننا مع هذا وذاك, لا نستطيع ولو حرصنا أن نفصل فصلًا تامًّا بين هذه الأقسام الرئيسة الثلاثة التي هي: المقال الأدبيّ، والمقال العلميّ، والمقال الصحفيّ، والسبب في ذلك أنها تتلاقى في كثير من الأحيان، وتدع الباحث المدقق في حيرة من الأمر. خذ لذلك مثلًا: مقال النقد، فإنك ترى هذا الفن من فنون القول ذاتيًّا وموضوعيًّا في وقت معًا، أو بعبارة أخرى: نراه فنًّا وعلمًا في آنٍ واحد، له من الفن ذاتيته، وله من العلم موضوعيته. فالنقد علم بمعنى أن له أصولًا وقواعد تنبغي مراعاتها، ولا يستطيع الناقد أن يتجاهلها بحالٍ من الأحوال, والنقد فنٌّ بمعنى أن صاحبه في استطاعته أن يبني نقده على ذوقه الخاص، وشعوره الخاص نحو القطعة الأدبية أو الفنية التي يتعرض لها النقد، ويزنها بميزانه، ويطبق عليها أصوله. فماذا نسمي المقال النقديّ إذن؟ أنسميه مقالًا أدبيًّا صرفًا؟ أم نسميه مقالًا علميًّا صرفًا، أم ننظر إليه على أنه مزاج من المقالين؟ وبمثل هذه الطريقة في الواقع تتلاقى فنون المقال على اختلافها، ويتداخل

стр. 248

بعضها في بعضٍ إلى الحد الذي تصعب معه التفرقة بينها تفرقةً لا تقبل الشكَّ, وقد أشرنا إلى هذه الظاهرة في مقدمة البحث. تقسيم آخر للمقال: أشرنا إلى أن المقالة في الأدب الأوربيّ بدأت برجلين من أبناء القرن السادس عشر, هما: ميشيل دي مونتاين الفرنسيّ، وفرانسيس باكون الإنجليزيّ، اشتهر أولهما بالمقال الذاتيّ، واشتهر الثاني منهما بالمقال الموضوعيّ، ومنذ ذلك الوقت ورجال الأدب والنقد يقسمون المقال من حيث هو إلى هذين النوعين فقط، أما المقال الذاتي فيُبْنَى على التأمل العميق، والتجربة الذاتية، والتأنق في الأسلوب قدر المستطاع؛ بحيث يتوافر له كثير من نعم الجمالية، وأما المقال الموضوعيّ، فيبنى على العناية بالمضمون والمحتوى، ويعنى فيه الكاتب بالموضوعات العلمية لتقديم النصح والإرشاد إلى طبقة خاصة من الناس, كما فعل ذلك عبد الحميد بن يحيى الكاتب حين كتب رسالته المشهورة إلى الكاتب، وكما فعل صديقه ابن المقفع حين كتب رسالته المشهورة كذلك باسم "رسالة الصحابة" موجهة إلى الخلفاء وذوي السلطان. ومن اليسير علينا أن نفهم بعد ذلك لِمَ كانت المقالات الذاتية أدنى إلى الطول والانطلاق في العبارة، والتعبير عن شخصية الكاتب، على حين أن المقالة الموضوعية تبدو أقل طولًا، وأقصر انطلاقًا، وأدنى إلى التقيد بألفاظ خاصة، وتعبيرات خاصة. والخلاصة حتى الآن أن المحور الذي تدور عليه المقالة الذاتية هو الكاتب نفسه، أما المحور الذي تدور عليه المقالة الموضوعية فهو الموضوع الذي يتعرض له الكاتب. وغنيٌّ عن البيان أن المقالة الذاتية سبقت في وجودها المقالة الموضوعية, بل إن "باكون" -وهو رائد المقالة الموضوعية- كان متأثرًا بالكاتب

стр. 249

الفرنسيّ "مونتين" رائد المقالة الذاتية، جمع الأول -وهو مونتين- مقالاته بعنوان: "محاولات"، وجمع الثاني- وهو بايكون- مقالاته باسم: "موضوعات" والفرق بينهم واضح للقارئ, هكذا ذهب القدماء, وتبعهم المحدثون إلى تقسيم المقال إلى ذاتيّ وموضوعيّ، ولكننا نرى أن تقسيم المقال إلى ذاتيّ وموضوعيّ لا ينطبق في تقديرات الصحفيّ إلّا على المقال الأدبيّ والعلميّ، ولكنه قلما ينطبق على النوع الثالث من أنواع المقال، وهو المقال الصحفيّ. وهذا هو السبب الحقيقيّ الذي من أجله عدلنا عن الأخذ بتقسيم المقال إلى ذاتيّ وموضوعيّ، وأخذنا بالتقسيم الذي ذكرناه، وهو تقسيم المقال إلى أدبيّ، وعلميّ، وصحفيّ؛ لأنه التقسيم الذي وافق خطة الكتاب الذي بين يديك. تعريف المقال: لقد سبق لنا كذلك في كتاب "الصحافة والأدب في مصر" أن تعرضنا لتعريف المقال١. يطلق الإنجليز على المقال اسم: "محاولة Essay"، أي: أنها شيء غير مكتمل، شيء يشبه المذكرات الخاصة والخواطر المتناثرة، وعلى القارئ تكميل ما بالمقال من نقص، كما يكون على سامع القصيدة الغنائية أن يفعل مثل ذلك عند سماعه كل بين من الأبيات التي تتألف منها، وفي معجم لاروس تعريف للمقال كما يلي: "المقال اسم يطلق على الكتابات التي لا يدعي أصحابها التعمق في بحثها

стр. 250

أو الإحاطة التامة في معالجتها، ذلك أن كلمة "مقال" تعني: محاولة أو خبرة أو تطبيقًا مبدئيًّا, أو تجربة أولية". وعرفه قاموس أكسفورد فقال: "المقال هو إنشاء كتابي معتدل الطول في موضوعٍ ما، وهو دائمًا يعوزه الصقل، ومن هنا يبدو أحيانًا أنه غير مفهوم ولا منظم". ومرةً ثالثةً أقول: إنني عرضت في بعض كتبي السابقة للفرق بين المقال الأدبيّ والمقال الصحفيّ، وأشرت في أثناء ذلك إلى كتابٍ سبقنا في معالجة هذا الموضوع، هو كتاب الأستاذ "موريس هيونيت" وقد وضع لكتابه عنوان: "العمود وسارية الربيع"١. وبهذا العنوان فرَّقَ الكاتب تفرقةً واضحةً بين المقالة الصحفية التي رمز لها "بالعمود" والمقالة الأدبية التي رمز لها "بسارية الربيع"، وسارية الربيع هي ذلك العمود الكبير الذي يتخذه الإنجليزيّ رمزًا في "عيد الربيع" يزينونه بالزهور البديعة من كل صبغ، والورود الجميلة من كل لونٍ فتبدو السارية كأنها العروس في جلوتها، أما العمود العاري، وهو الذي رمز به الكاتب إلى المقالة الصحفية، فهو عارٍ من جميع هذه الزينة. ومرةً أخرى نقول: إن هذا هو رأينا في تقسيم المقال باعتباره مادةً من المواد التي يمكن أن تنشرها الصحف، وهو تقسيم يقوم على أساس من المستويات الثلاثة للغة من جهة، وأساس من واقع الصحافة المصرية ذاتها من جهة ثانية. فنحن حين ننظر في صحافتنا المصرية من عهد قريبٍ, نرى أن النوعين الأول والثاني من أنواع المقال، وهما الأدبيّ والعلميّ, قد ازدهرا ازدهارًا

стр. 251

عظيمًا في وقت النهضة الفكرية التي سادت مصر في الفترة الواقعة بين عامي ١٩٢٢و ١٩٤٢، أعني: في فترة ما بين الحربين العالميتين: الأولى والثانية, على وجه التقريب. ففي تلك الفترة التي نشير إليها, نعمت مصر بشيء من الاستقرار الماديّ والاستقرار الاجتماعيّ أتاحا للشعب المصريّ -أو للطبقة المستنيرة منه- أن تقرأ وتتذوق وتستمتع، وإذ ذاك سعدت مصر بألوانٍ فكريةٍ وأدبيةٍ شتَّى, سنعرض في بعض الفصول القادمة لأمثلة منها، وفي تلك الفترة التي نشير إليها أنجبت مصر خير أدبائها في الواقع، ومنهم على سبيل المثال: أمين الرافعي، ومصطفى صادق الرافعي، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وعبد القادر حمزة، وتوفيق دياب، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وإبراهيم المازني، وسلامة موسى، وزكي مبارك، وأحمد حسن الزيات، وأحمد أمين، ومحمود تيمور، وتوفيق الحكيم، وعبد العزيز البشري، وفكري أباظة، وأحمد زكي، ومحمد فريد أبو حديد. ولقد كتب هؤلاء الفصول الممتعة في الصحف، وتوزعوا إذ ذاك على المقال بنوعيه: العلميّ والأدبيّ، وقدموا للقراء خلاصةً طيبةً للفكر المصريّ. ففي المقال الأدبيّ النقديّ ظهرت فصولٌ كثيرةٌ في الصحف، جمعت بعد في كتب، ومنها على سبيل المثال: "حصاد الهشيم" للمازني، و"ساعات بين الكتب" للعقاد، و"مطالعات في الكتب والحياة" له أيضًا، و"شعراء مصر في الجيل الماضي" له كذلك، و"حديث الأربعاء" لطه حسين، و"حافظ وشوقي" له كذلك، و"ثورة الأدب" لهيكل. وإذا تأملنا في هذه الفصول التي اشتملت عليها الكتب المتقدمة

стр. 252

اعتبرناها من المقال الأدبيّ، واعتبرناها كذلك من المقال النقديّ، ونحن على صوابٍ في كلتا الحالتين. وفي المقال الذي على شكل مذكراتٍ أو اعترافاتٍ, نجد على سبيل المثال: كتاب "الأيام" لطه حسين، و"عالم القيود والسدود" للعقاد، وكتاب "حياتي" لأحمد أمين. ولا ننسى أن نذكر أن هذه الفصول أو المقالات التي على شكل مذكرات, أو اعترافاتٍ, تعتبر من الأسباب التي مهدت لظهور الأدب الواقعيّ من جانبٍ، وهي في الوقت نفسه أثر من آثار الصحافة من جانبٍ آخر. أما المقالات التي على شكل خواطر وتأملات فمن الأمثلة عليها: كتاب "فيض الخاطر" لأحمد أمين، وسيل من الكتب الأخرى لا سبيل إلى حصرها، أو الإلمام بها. أما المقال العلميّ البحت, فمنه أكثر ما نشرته مجلة المقتطف، ومجلة الهلال، وإن كانت الأولى منها -بنوع خاص- إلى العلم أسبق، وبه أحفل, وأما المقالات النزالية فلها في مصر طريقان هما: طريق الأدب من ناحية ثانية. ففي الأدب ظهرت معركة حامية الوطيس بين القديم والجديد، وهي المعركة التي بدأت على صفحات "الجريدة" لمحررها أحمد لطفي السيد، وتناظر فيها رجلان هما: مصطفى صادق الرافعي عن القديم، وطه حسين عن الجديد، ثم ما لبثت هذه المعركة أن انتقلت إلى صحيفة "السياسة الأسبوعية" لمحررها محمد حسين هيكل، وما زال لهذه المعركة ذيول في صحفنا المصرية إلى اليوم.

стр. 253

ومن النزال الأدبيّ كذلك, تلك المعركة التي دارت رحاها مرةً أخرى بين طه حسين، وعباس العقاد حول موضوع الأدب اللاتيني، والأدب السكسوني، تَشَيَّعَ فيها الأول للثقافة اللاتينية، وتَشَيَّعَ فيها الأخير للثقافة السكسونية، وبقي الأمر سجالًا بينهما مدةً ليست بالقصرة. وفي الطريق الثاني من طرق النزال السياسيّ كثرت معارك شتَّى بين الأحزاب المصرية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى، وأخذت تتزايد شيئًا فشيئًا فيما بعد، وقد أنزلقت بعض هذه المعارك السياسية أو الحزبية شيئًا فشيئًا فيما بعد، وقد انزلقت بعض هذه المعارك السياسية أو الحزبية إلى مستوى الخوض في الأشخاص والأعراض، وكان من هذه الأخيرة تلك الحملات الصحفية العنيفة التي حمل فيها العقاد على الرئيس السابق مصطفى النحاس، وذلك منذ خرج العقاد من حزب الوفد، وانضم إلى حزب آخر من الأحزاب السياسية، هو حزب السعديين في مصر. وإذا ذكرنا المقال النزاليّ في الصحافة المصرية, فإنه لا يصح لنا أن ننسى أولًا الحملات الصحفية في تاريخ هذه الصحافة، ونعني بها: الحملة التي اقترفت باسم "السيد على يوسف" صاحب "المؤيد"، وفيها شهر الرجل قلمًا على اللورد كرومر، جبار الاحتلال الإنجليزي في مصر، وكان ذلك في الفترة البسيطة التي سبقت سقوطه عن عرش الوكالة البريطانية، والفترة البسيطة التي أعقبت هذا السقوط، أعني: في النصف الأخير من سنة ١٩٠٧، وقد عرفت المقالات النزالية التي تألفت منها حملة "السيد على يوسف" وعددها أربع عشرة مقالة، باسم مقالات: "قصر الدوبارة بعد يوم الأربعاء"١. هذا كله من حيث الصحافة المصرية, أو الأدب المصريّ المعاصر. المقالة العربية في العصور القديمة: أما في الأدب العربيّ القديم, فقد وجدنا أن إقناع الرأي العام كان

стр. 254

يسلك في البيئات السياسية وغيرها من البيئات المتحضرة طريقةً واحدةً فقط، هي طريقة الرسائل الحرة، يكتبها أدباء وعلماء لهم في تاريخ الأدب العربي شهرة واسعة، وكانوا لشهرتهم هذه مصدر خطر على الدولة حينًا ومصدر أمنٍ وصيانةٍ لها حينًا آخر، وهذه الرسائل، التي كتبها أولئك للكتاب في موضوعات الدين والسياسة والاجتماع والأدب، تعتبر مع التحوير القليل صحافةً كاملةً بالنسبة للعصور التي ظهرت فيها١. وقد ذهب الدكتور "محمد عوض محمد" في كتابه "فن المقالة الأدبية" إلى أن الخطبة بما لها من الإتقان اللفظيّ تعتبر أول خطوةٍ من خطوات المقالة الأدبية، أو أقوم صورةٍ لها، ثم تأتي بعد ذلك "المقامة" التي تعتبر الخطوة الثانية, أو الصورة الثانية للمقالة، وقريب من المقامة في الشبه الأحاديث والفصول التي يكتبها أدباء مشهورون مثل كتاب "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي، و "الفصول والغايات" لأبي العلاء المعري، وأخيرًا تأتي الرسالة فتمثل الخطوة الثالثة والأخيرة من الخطوات الموصلة إلى المقال، أو ينظر إليها على أنها صورة ثالثة من هذا المقال, كما عرَّفَه الأدب العربيُّ القديم, والرسالة في ذاتها أنواع: فمنها الرسالة الديوانية التي تصدر عن الخليفة أو الأمير أو السلطان, ومنها الرسالة الحرة التي أشرنا إليها، وهي التي تكتب في شتَّى الموضوعات التي لا صلة لها بالدولة. ومنها الرسالة الإخوانية التي يبعث بها الكاتب إلى بعض أصدقائه، وفي هذه الأخيرة يتناول الكاتب في بعض الأحيان شأنًا من شئون الحياة العامة, أو الخاصة, بفرق واحد، هو أن هذه الأخيرة تصطبغ بلون فلسفيّ بحت، ونجد ذلك في رسالة "ابن الفارقي" إلى أبي العلاء المعري، وقد رَدَّ المعري على "ابن الفارقي" في "رسالة الغفران".

стр. 255

وهناك نوع رابع من الرسائل هو النوع الذي يكتبه الكاتب ليقرأه الناس جميعًا، وهذا لا يرسل إلى شخص٣ بعينه، ومن هذا الطراز أكثر رسائل الجاحظ. وعلى ضوء ما تقدَّم في شر ح الرسائل, يصح لنا أن ننظر إلى كل من "رسالة الحسن البصري في وصف الإمام العادل، ورسالة عبد الحميد بن يحيى الكاتب إلى الكتاب، وإلى الرسالة السياسية الإصلاحية المسماة بالهاشميين، أو رسالة الصحابة لابن المقفع، وإلى رسالة إبراهيم بن المدبر المسماة بالرسالة العذراء، وإلى رسائل الجاحظ كلها بدون استثناء, وإلى رسالة مالك بن أنس إلى الرشيد، وإلى بعض رسائل بديع الزمان، والخوارزمي، وإلى بعض رسائل الأبشيهي في كتابه "المستطرف في كل فن مستظرف"، وإلى رسالة أبي العلاء المعروفة برسالة "الغفران"، وإلى رسائل إخوان الصفا، وإلى رسالة سهل بن هروان إلى بني عمه من آل راهبون، كما يصح لنا أن ننظر إلى جميع هذه الرسائل وأشباهها في تاريخ الأدب العربيّ على أنها مقالات أدبية، أو صور حية من صور المقال الأدبيّ، كما عرفته العصور القديمة في تاريخ الأدب العربيّ. وفي ختام هذا الفصل تأتي بعض فقرات من رسالة الحسن البصريّ في وصف الإمام العادل على سبيل المثال: "اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مواقع التهلكة، ويحميها من السباع، ويكفها عن أذى الحر والقر. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح، تصلح الجوانح وتفسد بقساوته، وهو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم

стр. 256

وينظر إلى الله ويراهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال وشرد العيال١. وبعد، فإننا كما قلنا لا نستطيع الإلمام بهذا السيل المتدفق، أو الشتات المتفرق من المقال المصريّ بفنونه الثلاثة،: الأدبيّ، والعلميّ، والصحفيّ، ولكنا مكتفون هنا بالوقوف قليلًا عند المقال الأدبيّ، محاولين أن نضرب المثل عليه بأنواع ثلاثة فقط من أنواعه الكثيرة، وهذه الأنواع هي: المقال القصصيّ، والمقال الذي على شكل اعترافات أو مذكرات، والمقال الكاريكاتوريّ. فإذا فرغنا من ذلك انتقلنا إلى المقال العلميّ، فتحدثنا عن خصائصه، وطريقة كتابته. أما المقال الصحفيّ فنحن مضطرون إلى التحدث عن جميع فنونه المعروفة في الصحافة الحديثة، كالمقال الافتتاحي، والعمود، والحديث، والتحقيق، والماجريات الصحفية، كما ستأتي فيما بعد:

стр. 257

المقال القصصيُّ: لا تعلم كاتبًا مصريًّا بلغ في هذا اللون من ألوان المقال الأدبيّ ما بلغ الأديب الصحفيّ المعروف بالمازني, ١٨٨٩-١٩٤٩. ولا تكاد العربية تعلم كاتبًا جم التواضع، خفيف الروح في الكتابة، لاصقًا بالأرض في التفكير، كما كان هذا الكاتب القدير. ظهر تواضعه الجم في اللغة التي كان يكتب بها المقال، وفي طريقة عرضه على القراء، ولقد جمعت مقالاته في كتب، منها على سبيل المثال: حصاد الهيثم، وخيوط العنكبوت، وصندوق الدنيا، وفي الطريق، وقبض الريح، ومن النافذة، وع الماشي ... إلخ. وانظر إليه يقول في كلمة الإهداء التي جاءت في صدر كتابه: "صندوق الدنيا": "إلى التي منها معدني، وإليها المآل ... إلى أمنا الأرض"!! وقد اشتهر المازني بكتابة الأقصوصة، وإن سبقه إليها، وجرى معه في ميدانها كثيرون من أمثال: محمود تيمور، وجبران خليل جبران، وإسماعيل أدهم، وغيرهم. إلا أن أحدًا من هؤلاء لم يرزق موهبة المازني في عذوبة الكلام، وحلاوة الفكاهة، وشعبية العبارة، مع المحافظة التامة في الوقت نفسه على عربيتها. والمازني أكثر الكتاب المحدثين حديثًا عن نفسه، وعن بيئته، وعن صلته بأهله، وبالناس، ومع هذا يقول عنه توفيق الحكيم:

стр. 258

"الويل كل الويل لمن يؤرخ للمازني، فإن الكذب هبة من هباته, ذلك أن قدرة المازني في الخيال، والاختراع، واختلاط حقه بباطله قد أسدلت حجابا كثيفًا على وجهه الحقيقيّ"١. ورد المازني على مقال توفيق الحكيم مفسرًا هذا الكذب بأنه "الصدق الفنيّ" حيث قال: "وليس الصدق عندي -وأحسب الأستاذ توفيق الحكيم مثلي- أن يروي الكاتب قصة رفعت كلها بجملتها وتفصيلها بلا نقص ولا زيادة، فما لهذا قيمة، ولا هو الأدب الجدير بهذا الاسم، وإنما المعول في الصدق والكذب على طريقة العرض، وأسلوب التناول، والإخلاص في التعبير والتصوير, ولا وزن لكون القصة مما وقع للكاتب، أو لسواه، أو مما تخيل، وقد يأخذ الكاتب بعض الوقائع فيضيف إليه، أو ينقص منه، ويبني قصته مما جرب وعرف وتخيل أيضًا، ولا مفر من هذا المزج بين الحقيقة والخيال، وكما أن لكل مخلوق أنجالًا وأجدادًا، كذلك كل فكرة أو خالجة، أو خيال، وسنة الحياة واحدة في خلق الحيوان، وخلق الفكرة أو الإحساس، أو الخيال، وهذه السنة هي التوليد ٢". ومعنى ذلك باختصار أن الواقعية عند الفنان هي الحياة التي حوله, مضافةً إليها شخصية هذا الفنان نفسه، أوهي الحياة كما تعكسها مرآة هذا الفنان بالشكل الذي يراه، فلا ينبغي أن ننتظر من الكاتب الواقعيّ أن يجعل نفسه آلة لا تحس، ولا تشعر، أو أن يصور لنا الحياة تصويرًا فوتوغرافيًّا، كما لا ينبغي لنا أن ننتظر منه ألَّا يقص علينا غير ما وقع بالفعل، فليس هذا هو المقصود بالواقعية في الأدب، وحسبنا منه إذن أن

стр. 259

يقنعنا بأن هذه الحوادث، التي قصها علينا ممكنة الوقوع، وأن هذه الشخصيات التي تحدث عنها من الجائز أن توجد في الحياة. ومهما يكن من شيء, فقد اتفق النقاد على أن المازني في "الأقصومة" أعظم أصالة منه في "القصة" والأولى هي التي تعنينا في هذا المجال، وهي التي امتلأت بها الصحف المصرية في فترة من الزمان، وهي ما أطلقنا عليه اسم "المقال القصصيّ". وقد أشرنا إلى أهم الكتب التي جمعت فيها مقالات المازني القصصية، وبحسبنا هنا أن نضرب المثل عليها بأقصوصته التي نشرت بكتاب "صندوق الدنيا"١، وعنوانها: حلاق القرية وفيها يقول: وقعت لي هذه الحادثة في الريف منذ سنوات عديدة, قبل أن تتغلغل المدنية إلى أقصى قراه، وكنت أنا الجاني على نفسي فيها، فقد عرض عليّ مضيفي أن أستعمل موساه فأبيت، وقلت ما دام أن للقرية حلاقًا فعليّ به، فحذرني مضيقي، وأنذرني ووعظني, ولكني ركبت رأسي، وأصررت أن يجيء الحلاق، فجاء بعد بعض ساعات يحمل ما ظننته في أول الأمر "مخلاة شعير" وسلم وقعد، وشرع يحييني ويحادثني حتى شككت في أمره، واعتقدت أن الحلاق شخص آخر, وأن هذا الجالس أمامي ليس سوى "طلائعه" ولما عيل صبري سألته عن حلاق القرية فابتسم, ومشط لحيته بكفه، وأنبأني أن الحلاق "محسوبي" -يعني: نفسه- فلعنته في سري، وسألته: متى ينوي أن يحلق لي لحيتي، أم لا يضرب الرمل والحصى أولًا؟ ويحسب الطالع قبل أن يباشر العمل؟ فلم يفهم ما أقول،

стр. 260

وأولاني صدغًا كث الشعر، وقال "هيه" فظننته أصم، وصحت به، " أ. ر. يد. أن. أ. ح. ل. ق". فسره صياحي جدًّا، وضحك كثيرًا, وأقبل على "مخلاته" فأخرج منها مقصًا كبيرًا، فدنوت من أذنه وسألته: هل في القرية فيل؟ فقال: فيل, لماذا؟ فأشرت إلى المقص، فضحك وقال: هذا مقص حمير ولا مؤاخذة. فقلت: ولما تجيئني بمقص حمير؟ أحمارًا تراني؟ ويظهر أن معاشرة الحمير بلدت إحساسه، فإنه لم يعتذر لي، ولا عبأ بسؤالي شيئًا، ثم أخرج "موسى" من طراز المقص و "مكنه" من هذا القبيل أيضًا، فعجبت له: لماذا يجيء إليّ بكل أدوات الحمير؟ وسألته عن ذلك فقال: إن الله مع الصابرين، وبعد أن أفرغ مخلاته كلها انتقى أصغر الأدوات حجمًا، وأصغرها هو أكبر ما رأيت في حياتي، ثم أقبل عليّ وقال: تفضل. قلت: ماذا تعني؟ قال: اجلس على الأرض. قلت: ولماذا بالله؟ قال ألَا تريد أن تحلق؟ قلت: ألَا يمكن أن أحلق وأنا قاعد على الكرسي؟ قال: وأنا؟ قلت في سري: وأنت تذهب إلى جهنم وبئس المصير! وهبطت إلى الأرض كما أمر, ففتح موسى كالمبرد، فقلت: إن وجهي ليس حديدًا يا هذا. قال: لا تخف إن شاء الله، ولكني خفت بإذن الله! ولا سيما حين شرع يقول: بسم الله، الله أكبر: كأنما كنت خروفًا، وبصق في كفه، ثم شحذ الموسى على بطن راحته، ثم جذب رأسي، فذعرت ونفرت ووليت هاربًا إلى أقصى الغرفة، فقال لي: ماذا؟ قلت: ماذا؟ أتريد أن تخلق لي بمبرد، ومن غير صابون؟ قال: ماذا يخيفك؟ قلت:

стр. 261

يخيفني؟ لقد دعوتك لتحلق لي لحيتي، لا لترد لي شعرها، قال: يا أفندي لا تخف، ثم قرأ من الكتاب الكريم، "فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى" إلى آخر الآية الشريفة، وأظنه أراد أن يرقيني بها، فيا لها من حلاقةٍ لا تكون إلّا برقية! وأسلمت أمري لله، وعدت فقعدت أمامه، فنهض على ركبتيه، وتناول رأسي بين كفيه، وأمال صدغي إليه، ثم وضع ركبته على فخذي، ولف ذراعه حول عنقي، فصار في مدفونًا في صدره، فصحت -أو على الأصح- جاهدت أريد الصياح لعل أحدًا يسمعني فينجدني، غير أن طيات ثوبه كانت في فمي، أما رائحة الثوب فبحسب القارئ أن يعلم أنها أفقدتني الوعي. ولا أطيل على القارئ، فقد أقوى الرجل بموساه على وجهي، فسلخ قطعة من جلدي، فردني الألم إلى الحياة، وآتاني القوة الكافية للصراخ على الرغم من الكمامة، ووثبت أريد الباب، ولكنه كان على كبر سنة أسرع مني، وما يدريني لعله كان يتوقع ذلك، وعسى أن تكون المرانة قد علمته أن يكون يقظًا لأمثال هذه المحاورات، فردني بقوةساعده، فتشهدت، وتذكرت قول المتنبي: وإذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تموت جبانًا كلا! سأسدل على هذا المنظر الذي يقف له جلدي على الرغم من كر السنين الطويلة، ثم جاء هذا السفاح بطشت يغرق فيه كبش، ووضعه تحت ذقني، وصب ماءه على وجهي، وفي صدري، وعلى ظهري، ليغسل الدم الذكيّ الذي أراقه، وأخرج من "مخلاته" منشفة هي" بمسمحة" الأرض أشبه، فاعتذرت وأخرجت منديلي، وسبقته إلى وجهي، فهي معركة لا يزال بجلدي منها ندوب وآثار. "انتهى المقال".

стр. 262

فهذا نموذج كامل من المقال القصصيّ الذي قلنا: إنه لون من ألوان المقال الأدبيّ في الفترة ما بين عام ١٩٢٢، وعام ١٩٤٢، وهو إن دل على شيءٍ فإنما يدل على سيطرة الأدب على الصحافة، أو المقال على الخبر في تلك الفترة التي نشير إليها. وفي هذا النموذج وأمثاله من مئات المقالات التي كتبها المازني, ترى كيف أن أتفه الحوادث في نظر الناس يصلح أن يكون مادةً أدبيةً رائعةً تروق جميع الناس متى تناولها كاتب قدير يحيلها إلى مادة جديرة بالنشر في صحيفة! واسمع إلى المزني نفسه حيث يقول: "وكذلك أنا, أنا زوج الحياة الذي لا يستريح من تكاليفها، أقوم من النوم لأكتب، وآكل وأنا أفكر فيما أكتب فالتهم لقمة، وأخط سطرًا أو بعض سطر، وأنام، وأحلم أني اهتديت إلى موضوعٍ, وأفتح عيني فإذا بي قد نسيته، فأبتسم، وأذكر ذاك الذي رأى في منامه أن رجلًا جاءه، فنقده تسعة وتسعين جنيهًا، فأبى إلّا أن تكون مائة، فلما انتسخ الحلم, ورأى كفه فارغةً عاد فأطبق جفونه، وبسط راحته، وقال: "رضينا فهات ما معك". ونظرةً عاجلةً إلى فن المقال القصصيّ عند المازني, ترينا أنه يعتمد على أشياء منها: أولًا: الاتساع في الخيال، وهو ما أسماه توفيق الحكيم: "الكذب الحقيقيّ" وما سماه المازني: "الصدق الفني"، فليس من الضروريّ أن تكون الصورة كاملة الأجزاء في الواقع الملموس من الحياة؛ لأن الكاتب المبدع يستطيع بفنه وإبداعه، وتصوره وخياله، أن يكمل ما بهذه الصورة من نقص، أو أن يحذف ما بها من زيادة على حد قول المازني.

стр. 263

ثانيًا: انتزاع الفكاهة من الوقائع التي يرويها الكاتب، ولو كانت من الوقائع التافهة في ذاتها، وهكذا يستطيع المازني أن يستهوينا دائمًا، لا بأفكاره وآرائه، وإنما بقدرته على التصوير، وبراعته في انتزاع الفكاهة من الحياة بجميع صورها وأشكالها، وبما في هذه الحياة من جدٍّ وهزلٍ, وما فيها من أشياء قيمة وأخرى مهمة. ثالثًا: استعمال اللغة التي تصور الواقع، أو التي تشتق منه في أغلب الأحيان، ما دامت هذه الأقاصيص، أو المقالات القصصية قطعةً من الحياة الواقعية، كما أراد لها الكاتب أن تكون كذلك. من أجل هذا حرص المازني على أن يختزن في ذهنه مئات الذكريات، وألَّا يترك واحدةً منها في الماضي أو في الحاضر تفلت من ذاكرته بحالٍ ما، ذلك أن مطالب على الدوام بأن يمد هذه الصحيفة -أو تلك- بالمقال القصصيّ الذي تعوده منه القراء. وفي ذلك يقول المازني أيضًا: "وإن كتبت في الأسبوع مقالين، فجملة ذلك في العام يبلغ المائة، وكل مائة مقال تملأ ثلاثة كتب، فسيكون لي إذن بعد عشرة أعوام -إذا ظللت هكذا - ثلاثون كتابًا، خلاف ما أخرجت قبل ذلك. والبلاء والداء العياء أن تكتب مرة مقالة فكاهيةً، والطامة الكبرى أن تكون المقالة جيدة، وأن تكون الفكاهة فيها بارعة، فلا راحة لك بعد هذا أبدًا؛ لأن الناس يظلون ينتظرون منك بعد ذلك أن تطرفهم بالفكاهات في كل مقال آخر، فإن اخطئوا عندك ما يطلبون من الفكاهة فالويل لك، وأنت عندهم ضعيف لا تحسن أن تكذب، أو غير موفق فيما تحاول حتى ولو كنت تكتب، والناس معذورون، فإن وطأة الحياة ثقيلة، وما دمت قد عودتهم أن تسليهم، وتضحكهم، أو أطمعتهم، وأنشأت في نفوسهم الأمل في هذا، فماذا تريد أن تتوقع؟.

стр. 264

رابعًا: التهويل في وصف الأشياء، وهو نوع من الكذب الذي ذكره توفيق الحكيم، ومعناه عند البلاغيين كمعنى الذي يقول: أعذب الشعر أكذبه، أي: أمعنه في التخيل. فحقيبة الحلاق مخلاة شعير، ومقصه مقص حمير، وموساه مبرد، وحلاقته نفسها لا تكون إلّا برقية من الرقى، وهكذا. وبوابة أبيه -في أقصوصة أخرى- كبوابة المتولي, والمسامير التي تغطيها كبيرة، يعدل الواحد منها رأس طفل، ورتاج الباب غليظ يدخل في جدار عظيم السمك، وهكذا. فالمبالغة إذن, أساس من الأسس التي يبني عليها أقصوصته دائمًا، والمبالغة صفة من الصفات الغالبة على قصص الأطفال، فكأن المازني كان يقدر دائمًا أن قراءه من هذا النوع، ومع ما في هذه العبارة الأخيرة من الهجوم على قراءة المازني، فإن الذي لا ريب فيه أنه كان محبوبًا منهم جميعًا، بما كتب لهم من مقالات وأقاصيص كانت في حقيقة أمرها خير ما يصور البيئة المصرية، والدعابة المصرية، والشخصية المصرية التي بنيت على الإيمان بالقدر، والإيمان بالغيب، كما بنيت على الشكوك، وعلى الشك في الحياة، وعلى عدم الثقة فيها، والاستخفاف بها، وغير ذلك من السمات العامة.

стр. 265

مقال الاعترافات: لسنا نعرف كذلك أن كاتبًا بلغ في هذا الفن من فنون المقال الأدبيِّ بعض ما بلغه الدكتور طه حسين في كتابه المعروف "بالأيام". وهو صورة نابضة بالحياة، زاخرة بالمعاني، رسمها كاتب قدير عرف بغزارة العاطفة، وجمال التصوير، وعذوبة العبارة. وقد زعم الكثيرون أن كتاب "الأيام" محدود الجوانب, قصره كاتبه على وصف حياته في القرية، ولكن هذا الزعم بعيد عن الصواب؛ لأن الكتاب صورةٌ رائعةٌ للقرية المصرية بما فيها، ومن عليها، فضلًا عن كونه في نفس الوقت صورة رائعة أيضًا لكفاح شابٍّ فقد البصر منذ الصغر، ولكنه ناضل في حياته حتى أصبح ملء السمع وملء البصر! والكتاب من هذه الناحية الأخيرة أشبه بكتاب أمريكيٍّ كان له تأثير كبير في الأوساط الأدبية، وعنوانه: "العالم عند أطراف أصابعي". والحقيقة التي لا مراء فيها أن القرية المصرية لم تظفر بقصةٍ وافيةٍ تصورها هذا التصوير الجديد، كما ظفرت بذلك كله في كتاب "الأيام". من أجل هذا أقبل المصريون وقراء العربية إقبالًا منقطع النظير على قراءة هذه المقالات منذ نشرت تباعًا في مجلة الهلال عام ١٩٢٦، ثم جمعت فيما بعد في كتاب، ثم ترجم هذا الكتاب إلى عدد غير قليل من اللغات الأجنبية؛ فوجد أصحاب هذه اللغات في قراءته أضعاف اللذة التي وجدها أصحاب العربية. ومهما يكن من شيءٍ، فإن كتاب "الأيام" يمتاز بأمور شتَّى يمكن

стр. 266

تلخيصها في كلمة واحدة، وهي أنه واقعيٌّ في تصويره، وإن لم يكن واقعيًّا في طريقة تعبيره، فهو واقعيٌّ في تصويره بمعنى: أن طه حسين وصف به حياته في الريف المصريِّ أصدق ما يكون الوصف، وصوَّرَ الحياة كلها في هذا الريف المصريِّ أدق ما يكون التصوير، فلا تكلف في تزويق الحديث, ولا جنوح إلى اختراع الحوادث، ولا رغبةً في إخفاء الحقائق عن عين القارئ، ومعنى ذلك: أن أهم ما في كتاب "الأيام" هو عنصر الصدق والأمانة، وهو من هذه الناحية مخالف لكاتب آخر، سبقت الإشارة إليه، وهو "المازني" الذي قلنا إنه يميل إلى اختراع الحوادث بما يتفق وما سماه: "الصدق الفنيّ". غير أن كتاب "الأيام" ليس واقعيًّا من حيث الأسلوب الكتابيّ، أو طريقة التعبير، بل هو في هذه الصفة الأخيرة مخلف كل المخالفة للمازني. ذلك أن "طه حسين" يأبى على شخصياته القصصية في "الأيام" إلّا أن تنطق اللغة العربية الفصيحة، على حين أن المازني، وتوفيق الحكيم، وأضرابهما من الكتاب, يجرون الحوار بين شخصيات القصة الواقعية باللغة العامية، ما دامت هذه اللغة هي التي يتكلمها أشخاص القصة بحكم مركزهم الاجتماعيّ من جانب، أو بحكم حرمانهم من الثقافة، وجهلهم باللغة الفصيحة من جانبٍ آخر. ومع هذا وذاك, لا يحس قارئ "الأيام" بأن في اللغة الفصيحة التي يجريها الكاتب على ألسنة أشخاصه شيئًا من الغضاضة، أو التكليف الذي يقلل تقليلًا واضحًا من صفة الواقعية، وليس كل جانب من الكتاب قادرًا على ذلك من الواقع؛ إذ أن طواعية اللغة لا تتيسر عادة إلّا للعارفين بها، والقادرين عليها. وثَمَّ صفة من الصفات التي يمكن أن يستشفها القارئ لكتاب "الأيام"، وهي أن "طه حسين" يهتم اهتمامًا بالغًا بتصوير النفس الإنسانية.

стр. 267

في كل موقف من المواقف التي تعرض لأشخاص القصة، ثم هو أبرع كاتب يهيء لك الجو من الناحية النفسية لكي تستطيع متابعة القراءة، وهو يعتمد في كل ذلك على ما وهبته الطبيعة من عمق المشاعر، واتساع العواطف، ورحابة النفس، والقدرة على سبر أغوار الأشخاص الذين يتحدث عنهم في مقالاته، كما يعتمد أخيرًا على قدرته على ما يسمى: "التأمل الباطني" حتى لكأن نفسه الباطنة دنيا كبيرة، أو مسرح ضخم يستطيع أن يكون فيه مخرجًا لشتَّى الروايات التمثيلية الإنسانية الخالدة. والخلاصة: أن صفة الخلود في كتاب "الأيام" آتيةٌ له من ناحيتين: هما الصدق الحقيقيُّ الذي تحدثنا عنه أولًا، والقدرة على وصف النفس البشرية بمشاعرها المختلفة في حالاتها المختلفة بعد ذلك. أما أسلوب هذه الفصول أو المقالات التي على شكل اعتراف؛ فمتأثرة بالمدرسة الجاحظية في الكتابة، وهي مدرسة ذات خصائص فنية معروفة, من أهمها: الإسهاب، والاستطراد، واتساع العبارة، وجذب القارئ، وسحبه بلطف ومهارة، ثم هي مدرسة تعنى كذلك بالمقابلات بين الألفاظ بعضها وبعض من جهة، وبين المعاني بعضها وبعض كذلك من جهةٍ ثانية، ولعل أهم ما تمتاز به المدرسة الجاحظية فوق هذا كله أمران: أما أولهما: فقدرة هذه المدرسة على أن تؤدي لك أفخم المعاني بأيسر الألفاظ. أما الثاني: فعنايتها عنايةً ظاهرةً بجرس اللفظ، وموسيقى العبارة، وتقطيع الكلام قطعًا متوازنة، تستطيع أن تقف عند كل واحدةٍ منها, وتستشعر الراحة في هذا الوقوف, ويظهر أن السبب في شيوع هذه الصفة الأخيرة في أسلوب "طه حسين"

стр. 268

-بوجه خاص- هو تعلمه منذ نعومة أظفاره تجويد القرآن الكريم، ثم اعتماده في ريعان شبابه، وإلى الآن في تحرير مقالاته، على الإملاء. ولسنا بقصدٍ في هذا الفصل من الكتاب إلى التعريف بطه حسين، ولا بأدب طه حسين، كما لم نقصد في الفصل السابق إلى التعريف بالمازني ولا بأدب المازني, وإنما قصدنا الكلام عن هذا الضرب من ضروب المقال الأدبيّ، وهو مقال الاعتراف، وقد شئنا أن نضرب له المثل بكتاب "الأيام" وكان يصح أن نضرب المثل بكتب أخرى لولا ضيق المقام. نموذج من كتاب "الأيام": على أن صبينا لم يلبث أن أضاف إلى هذه الألوان من العلم لونًا آخر جديدًا, هو علم "السحر والطلاسم"، فقد كان باعة الكتب يتنقلون في القرى والمدن بخليط من الأسفار، لعله أصدق مَثَلٍ لعقيدة الريف في ذلك العهد، كانوا يحملون في حقائبهم مناقب الصالحين، وأخبار الفتوح والغزوات، وقصة القط والفأر, وحوار السلك والوابور، وشمس المعارف الكبرى في السحر، وكتابًا آخر لست أدري كيف يسمى، ولكنه كان يعرف بكتاب "الديربي", ثم أورادًا مختلفة، ثم قصص المولد النبويّ، ثم مجموعات من الشعر الصوفيّ، ثم كتبًا في الوعظ والإرشاد، وأخرى في المحاضرات وعجائب الأخبار، ثم قصص الأبطال من الهلاليين والزناتيين وعنترة والظاهر بيبرس، وسيف بن ذي يزن، ثم القرآن الكريم مع هذا كله. وكان الناس يشترون هذه الكتب كلها، ويلتهمون ما فيها التهامًا، وكانت عقليتهم تتكون من خلاصتها، كما تتكون أجسامهم من خلاصة ما يأكلون ويشربون.

стр. 269

وكان من القصص التي تكثر في أيدي الصبيان، يحملها إليهم باعة الكتب، قصة اقتطعت من ألف ليلة وليلة, وتعرف بقصة "حسن البصري" وفي هذه القصة أخبار ذلك المجوسيّ الذي كان يحول النحاس ذهبًا، وأخبار ذلك القصر الذي كان يقوم من وراء الجبل على أعمدة شاهقة في الهواء، وتقيم فيه بنات سبع من بنات الجن، والذى آوى إليه حسن البصريّ، ثم أخبار "حسن" هذا، وما كان من رحلته الطويلة الشاقة إلى دور الجن. وبين هذه الأخبار خبر ملأ الصبيِّ إعجابًا، وهو أن قضيبا أهدى إلى حسن البصريّ في بعض رحلته، وكان من خواص هذا القضيب أن تضرب به الأرض فتنشق, ويخرج منها تسعة نفر يأتمرون بأمر صاحب القضيب -وهم بالطبع من الجن - أقوياء، خفاف، يطيرون، ويعدون، ويحملون الأثقال، ويأتون من عجيب الأمر ما لا حد له. فُتِنَ الصبيُّ بهذه العصا، ورغب في أن يظفر بها رغبةً شديدةً قويةً، أرَّقَت ليله، ونغَّصت يومه، فأخذ يقرأ كتب السحر والتصوف، يتلمس عند السحرة والمتصوفين وسيلةً تمكنه من هذه العصا. وكان له قريبٌ صبي مثله, يرافقه إلى الكُتَّاب، فكان أشد منه كلفًا بهذه العصا، وما هي إلّا أن جَدَّ الصبيان في البحث حتى انتهيا إلى وسيلة يسيرةٍ تمكنهما مما يريدان، وجداها في كتاب "الديربي" وهي أن يخلو الفتى إلى نفسه -وقد تظهر- ووضع بين يديه نارًا ومقدارًا من الطيب, ثم يأخذ في ترديد هذا الاسم من أسماء الله: يا لطيف، يا لطيف، ملقيًا في النار شيئًا من الطيب من حين إلى حين، ويمضي في ترديد هذه الكلمة، وتحريق الطيب حتى تدور به الأرض، وينشق أمامه خادم من الجن موكل

стр. 270

بهذا الاسم من أسماء الله, فيطلب إليه ما يريد، والحاجة مقضية من غير شك. ظفر الصبيان بهذه الوسيلة، فاعتزما أن يستخدماها، وما هي إلّا أن اشتريا ضروبًا من الطيب، وخلَا صبينا إلى نفسه في "المنظرة" فأغلق بابها من دونه، ووضع بين يديه قطعًا من النار، وأخذ يلقي فيها الطيب، ويردد: "يا لطيف"، وطال به هذا، وهو ينتظر أن تدور به الأرض، وتنشق له الحائط، ويمثل الخادم بين يديه، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن. وهنا نحول صبينا الساحر المتصوِّف إلى نصاب, خرج من "المنظرة" مضطربًا يمسك رأسه بيديه، ولا يكاد لسانه ينطق بحرفٍ واحدٍ، فتلقاه صاحبه الصبيّ يسأله: هل لقي الخادم؟ وهل طلب إليه العصا؟ وصاحبنا لا يجيب إلّا مضطربًا مرتجفًا، تصطك أسنانه اصطكاكًا حتى روع رفيقه الصبيّ، وبعد لأيٍ أخذ صاحبنا يهدأ، ويجيب في ألفاظ متقطعة، وبصوت متهدج: "لقد دارت بي الأرض، وكدت أسقط، وانشقت الحائط، وسمعت صوتًا ملأ الحجرة من جميع نواحيها, ثم أُغْمِيَ عليّ، ثم أفقت وخرجت مسرعًا". سمع الصبيُّ هذا فامتلأ فرحًا وإعجابًا بصاحبه, وقال له: "هوِّن عليك، فقد أصابك الرعب، وملك عليك الخوف من أمرك، فلنبحثن في الكتاب عن شيءٍ يؤمنك ويشجعك على أن تثبت للخادم، وتطلب منه ما تشاء! واستأنفا البحث في الكتاب، وانتهى بهما البحث إلى أن صاحب الخلوة يجب أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس إلى النار ويأخذ في ترديد هذا الاسم، وكذلك فعل الصبيّ من غده، وأخذ يلقي الطيب في النار ويردد

стр. 271

دعاء "اللطيف" ينتظر أن تدور به الأرض، وينشق له الحائط، ويمثل الخادم بين يديه، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن، وخرج الصبيُّ إلى صاحبه هادئًا مطمئنًا، فأخبره أن قد دارت الأرض وانشق الحائط، ومَثُلَ الخادم بين يديه، وسمع منه حاجته، ولكنه لم يشأ أن يجيبه إليها حتى يمرن على هذه الخلوة، ويكثر من الصلاة وإطلاق البخور، وذكر الله، وضرب له موعدًا لقضاء هذه الحاجة شهرًا كاملًا يأتي فيه هذا الأمر في نظام، فإن فسد هذا النظام فلا بد من استئناف الأمر شهرًا كاملًا آخر. وصدَّقَ الصبيُّ صاحبه، وأخذ يلح عليه في كل يوم أن يخلو إلى النار ويردد الدعاء، وأخذ الصبيُّ يستغلُّ من صاحبه هذا الضعف، ويكلفه ما شاء من مشقة وعناء، فإن أبى أو أظهر الإباء, أعلن إليه صاحبه أنه لن يخلو إلى النار، ولن يدعو اللطيف, ولن يلتمس العصا، فيذعن إذعانًا سريعًا. على هذا النحو أخذ "طه حسين" يقص تاريخ حياته، ويكتب فصولًا على شكل مقالاتٍ يبعث بها إلى مجلة الهلال، فيقبل القراء على قراءتها بشغفٍ شديدٍ، وحين انتهى من وصف طفولته، وصدر من شبابه, أشير عليه بأن يجمع هذه الفصول في كتاب، فجمعها باسم: "الأيام". ونعود إلى الحديث عن أسلوب "طه حسين" فتراه يتميز بصفات جعلت منه صحفيًّا ناجحًا إلى جانب أنه عالم وأديب، على أن الجانب الصحفيَّ في شخصية "طه حسين" هو الذي يعنينا في هذا الفصل. فمن الصفات التي أعانته على النجاح في ميدان الصحافة صفةُ السهولة في التعبير، والأسلوب الموسيقيّ العذب المتموج، والواقعية في التصوير، والإيناس في إجراء الحديث، حتى ليشعر القارئ لمقالٍ من مقالات هذا

стр. 272

الأديب, أنه إنما يجلس إلى صديق من أصدقائه، ويستمع إلى بعض إخوانه يدور معه حيث يدور، ويدخل معه في شجون من الحديث لا يحب أن يصل إلى نهايتها. على أن "طه حسين" يعتبر مدرسةً صحفيةً لها تلاميذها في الوقت الحاضر، وهذه المدرسة تُمَثِّلُ -كما قلنا- إلى عربية الأسلوب، ولا يسهل على تلميذ من تلاميذها أن ينزل بأسلوبه إلى مستوى العامية مهما كانت الظروف الداعية إلى هذا النزول، وعلى الرغم من ذلك, فإن عربية هذه المدرسة من النوع الذي يخف على الأسماع بأكثر مما تخفف عليه اللغة الشعبية التي يتكلمها الناس في النوادي والطرقات العامة، وعند هذه المدرسة إيمانٌ عميقٌ بقدرة اللغة العربية الفصيحة على سد حاجات الصحافة التي هي في الحقيقة نوع من الأدب الإقليميّ، أو الواقعيّ، وهو أدب تلزم -له في الواقع - لغة أخرى إلى جانب اللغة الفصيحة. ومثل كتاب "الأيام" في مجال المقال الذي على شكل اعتراف, كل من كتاب "حياتي" للأستاذ أحمد أمين، و "مذكرات مدمن على الحشيش" لطبيب اسمه "الجريدني" نشر هذه المقالات في مجلة الهلال بدون توقيع، وكتاب "عالم السدود والقيود" للأستاذ عباس العقاد عن حياته في السجن. وتعتبر هذه الكتب وأمثالها بحقٍّ من الكتب التي نقلت الأدب العربيّ من طورٍ إلى طورٍ، ومن حالةٍ إلى أخرى. فقد كان هذا الأدب العربيّ أرستقراطيًّا في العصور الوسطى، فأصبح عن طريق هذه الكتب، وبتأثير الصحافة بنوع خاصٍّ، ديموقراطيًّا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. والحق أن أدب المذكرات يعتبر من أروع الآداب الحديثة، كما يعتبر أثرًا من آثار الصحافة، ومن حق هذا النوع من الآداب أن يكون خالدًا

стр. 273

على الزمان، فقد اكتسب هذه الصفة من وجهين هما: الصدق أولًا، والتصوير النفسيّ أو السيكولوجيّ بعد ذلك. وربما كان هذا هو السبب في تهافت الصحف في جميع أنحاء العالم على هذا النوع من الأدب، حتى أن بعض الصحف تشتري مذكرات فلان أو فلان من القادة والعظماء بأثمانٍ لا يرقى إليها الخيال، وتبذل في سبيل الوصول إليها طرقًا ممتعةً في الخفاء، ثقةً منها بأن هذه المذكرات إنما تزيد في عدد القراء، وعلمًا منها كذلك بأن هذه المذكرات تحرك في نفوسهم غريزة من أقوى الغرائز، هي غريزة حب الاستطلاع. وفي النفس الإنسانية ميلٌ قويٌّ إلى معرفة الحقيقة حيث كانت، وقَلَّ أن نرى كتب التاريخ العام تكشف عن هذه الحقيقة، ولكن "شاهد العيان" أو الرجل الذي اشترك بنفسه في الحادث، ووقف بنفسه على خشبة المسرح, هو وحده القادر على أن يمد القراء بهذه الحقيقة، ومن هنا جاءت أهمية المذكرات في الأدب، كما جاءت خطورتها في الصحافة. ولكن ليس معنى ذلك أن "أدب المذكرات" أو "أدب الاعترافات" خاصٌّ بالعظماء أو المشهورين فقط من الرجال والنساء، فالحقيقة غير ذلك؛ إذ المعروف أن في حياة كل إنسان في الوجود لونًا من الطرافة, ربما لا يكون في حياة الآخر، وقد تبدو الحياة مملةً أو عاديةً في نظرنا، ولكن فيها -مع كل ذلك- شيئًا يثير اهتمام الناس، ويودون لو عرفوه. وإن كتابة المذكرات أو الاعترافات لا تتطلب من صاحبها -في الواقع- أكثر من الهدوء النفسيّ فترةً ما، واستحياء الماضي البعيد أو القريب، وتصوير ما يوحي به هذا الماضي تصويرًا يعين على تفهم النفس البشرية من حيث هي، ويعكس في الوقت ذاته صورةً للمجتمع الذي أحاط بالصحفي أو بالأديب في فترة من فترات الحياة البعيدة أو القريبة.

стр. 274

تقول الأستاذة "بانرسون" في مقدمة كتابها WRITING & SELLING FEATURES ما خلاصته: يرجع إقبال الجماهير على قراءة مقال "الاعترافات" إلى عدة أسباب, منها ما يلي: أولًا: أن هذا النوع من المقال يدور حول قصص وحوادث تعتبر أقرب إلى الواقع منها إلى أيِّ شيءٍ آخر، كما أنه يكتب بأسلوب موثوق به في الغالب؛ لأنه أسلوب يعترف فيه الكاتب بأخطائه، وبإخفاقه في بعض مراحل حياته، وقد يعلل لهذا الإخفاق. ثانيًا: أن هذا النوع من المقال يتعرض أحيانًا لبعض طبقات من المجتمع، ولحالات غريبة من حالاته، وأوضاع شاذة من أوضاعه، وقد يعود ذلك بالفائدة على القارئ، ويساعده في حياته الخاصة، وسلوكه مع الأفراد والجماعات؛ لأنه يقتدي غالبًا بكاتب هذا النوع من المقال في طريقة تغلبه على هذه الصعاب. ومن ثَمَّ كان مقال الاعترافات من أكثر المقالات الذاتية ملاءمة للصحافة. ثالثًا: إن كاتب هذا النوع من المقال كثيرًا ما يكون شخصًا غير عاديٍّ في نظر القارئ، وإنما يحقق هذا المقال وظائف كبيرة من وظائف الصحافة, منها: الإعلام، والتسلية، والإمتاع، والإرشاد بطريقة غير مباشرة. وفي هذه الأسباب الثلاثة ما يجعل مقال الاعترافات من أهم مواد الصحافة الحديثة، وما يجذب إليها نظر القارئ في الوقت الحاضر. وهكذا أصبح للمقال الأدبيِّ الذي على شكل اعترافات مكان مرموق في الصحافة الحديثة، كما أصبح مادة لا تستغني عنها هذه الصحافة.

стр. 275

المقال الكاريكاتوري: ربما كان "الجاحظ" أول كاتب إسلاميٍّ عالج فن "الكاريكاتور" في تاريخ النثر العربيِّ، ولقد ترك لنا الجاحظ أعظم رسالةٍ أدبيةٍ كتبت في هذا الفن، ولعلها أعظم رسالةٍ إلى اليوم، فنحن لا نعلم لها نظيرًا فيما كتبه أهل هذا الفن -سواء في الأدب أو في الصحافة- حتى اليوم. وموضوع رسالة الجاحظ هو السخرية من كاتب من كتاب الديوان اسمه "احمد بن عبد الوهاب" كتب فيه الجاحظ رسالة أربت على خمسين صفحة من القطع الكبير، وتفنن فيها الكاتب ألوانًا كثيرة جدًّا من التفنن في السخرية والنقد. ولا يتسع المقام لذكر شيء عن هذه الرسالة التي كتبها الجاحظ١, وإن كنا نعتقد أن هذا الكاتب العباسيّ الكبير -يعتبر بحق- واضعًا لأساس الكاريكاتور في الأدب العربيِّ. ومنذ ظهرت الصحافة الشعبية في مصر، في النصف الثاني من القرن الماضي, وكانت الصحافة في ذلك الوقت مماثلة للأدب في جمال الأسلوب؛ نبغ من رجال الأدب والصحافة كثيرون؛ من أشهرهم في فن الكاريكاتور إبراهيم المويلحي صاحب: "مصباح الشرق". وفي ذلك يقول الأستاذ عبد العزيز البشري٢: " ... ولقد كان هذا من مصباح الشرق الأصل الثابت لهذا اللون من النقد

стр. 276

أعنى: النقد الكاريكاتوري في مصر، كما كانت صحيفة المويلحيين -يريد المويلحي الكبير والمويلحي الصغير، واسمها: "أبو زيد" أول ما عرف -فيما أعرف أنا- من التصوير الكاريكاتوري في هذه البلاد ... ". وفي القرن العشرين، وفي المرحلة الرابعة من مراحل الصحافة على سبيل التحديد, وهي المرحلة التي تقع بين عامي ١٩٢٢ و ١٩٤٢ ظهر المقال الكاريكاتوري على صفحات الصحف المصرية، ونبغ فيه أدباء وصحفيون, أهمهم ثلاثة رجال هم: الشيخ عبد العزيز البشري، والأستاذ فكرى أباظة، والأستاذ أحمد حافظ عوض، الأول نشر في مجلة السياسة الأسبوعية، والثاني نشر في مجلة الهلال، والثالث نشر في مجلة تدعى "خيال الظل" كان يسخر فيها من أعداء حزب الوفد. ونريد أن نكتفي هنا بنموذج واحد فقط للبشري بعنوان: زيور باشا١. أما شكله الخارجيّ, وأوصافه الهندسية, ورسم قطاعاته ومساقطه الأفقية، فذلك كله محتاج في وصفه, وضبط مساحاته, إلى فنٍ دقيقٍ وهندسة بارعة. الواقع أن زيور باشا رجل -إن صح هذا التعبير- يمتاز عن سائر الناس في كل شيء، ولست أعنى بامتيازه في شكله المهول: طوله، ولا عرضه، ولا بعد مداه، فإن في الناس من هم أبدن منه، وأبعد طولًا، وأوفر لحمًا، إلَّا أن لكل منهم هيكلًا واحدًا، أما صاحبنا، فإذا اطلعت عليه أدركت -لأول وهلةٍ- أنه مؤلف من عدة مخلوقات، لا تدري كيف اتصلت، ولا كيف تعلق بعضها ببعض, ومنها ما يدور حول نفسه، ومنها ما يدور

стр. 277

حول غيره، ومنها المتيبس المتحجز، ومنها المسترخي المترهل، وعلى كل حالٍ, فقد خرجت هضبة عالية ما لت من شغافها إلى الأمام شعبة طويلة, أطل من فوقها على الوادي رأس فيه عينان زائغتان طلة من يرتقب السقوط إلى قرارة ذلك المهوى السحقيق. وزيور عند الناس مجموعة متباينة متناقضة متشاكسة، فهو عندهم كريم وبخيل، وهو شجاع ورعديد، وهو ذكيٌّ وغبيٌّ، وهو طيب وخبيث، وهو داهية وغر، وهو عالم وجاهل، وهو عف وشهوان، وهو وطنيٌّ حريص على مصالح البلاد، وهو مستهتر بحقوق وطنه يجود منها بالطارف والتلاد. كل أولئك زيور، وكل هذا قد يضيفه الناس إلى زيور، فلا تكاد تسعهم مجالسهم بما يأخذهم فيه من الدهشة والاستغراب، وإذا كان مما لا يمكن في الطبيعة أن يستقيم لرجل واحد، فقد غلط الناس إذ حسبوا زيورًا رجلًا واحدًا، والواقع أنه عدة رجال، وعلى الصحيح هو عدة مخلوقات، لا تدري -كما حدثتك- كيف اتصلت، ولا كيف تعلق بعضها ببعض! فإذا أدهشك التباين في أخلاقه، وراعك هذا التناقض في طباعه، فذلك لأن هذا الجرم العظيم الذي تحسبه شيئًا واحدًا مؤلف في الحقيقة من عدة مناطق، لكل منها شكله وطبعه، وتصوره، وحظه من التربية والتهذيب، فمنها العاقل، ومنها الجاهل، ومنها الحكيم، ومنها الغر، ومنها الكريم، ومنها البخيل، ومنها المصريّ، ومنها الجركسيّ، ومنها الفرنسيّ، ومنها الإنجليزيّ، ومنها المالطيّ، كل منها يجري في مذهبه، ويتصرف في الدائرة الخاصة به, فلا عجب إذا صدر عن تلك المجموعة الزيورية كل ما ترى من ضروب هذه المتناقضات! والظاهر أن زيور باشا -برغم حرصه على كل هذه الممتلكات الواسعة- عاجز تمام العجز عن إدارتها، وتوليها بالمراقبة والإشراف، وما دامت الإدارة المركزية قد فشلت كل هذا الفشل، فأحرى به أن

стр. 278

يبادر فيعلن إعطاء كل منها الحكم الذاتي، على أن تعمل مستقلة بنفسها على التدرج في سبيل الرقيّ والكمال! وحسب عقله في هذا النظام الجديد أن يتوافر على إدارة رجليه وحدهما، ولعله يستطيع أن يسيرهما في طريق الأمن والسلام. وإني أورد عليك طائفةً يسيرةً تدلك على ما في هذه المجموعة الغريبة من ضروب المتناقضات التي تجزم منها بأن ذلك الخلق ليس شيئًا واحدًا، وإنما هو في الحقيقة عدة أشياء! وأن ظلمًا أن يؤخذ البريء بجريمة الآثم، وأن عسفًا أن يعاقب البريء بما أجرم الظالم، فقد يكون الذي اقترف كل هذه الآثام هو كوع زيور باشا الأيسر، أو القسم الأسفل من "لغده"، أو المنطقة الوسطى من فخذه اليمنى، أو غيرهما من تلك الكائنات التي تجمعت في هيكله العظيم! فما شأن المخلوقات كلها تجر إلى مواطن الاتهام، وتعاقب بما ارتكب بعضها من الجرائر والآثام؟ إن الحق والعدل ليقضيان بأن يؤلف مجلس النواب -إن شاء الله- لجنةً تقوم بعمل التحقيق في جسم صاحب الدولة، فتسأل أعضاءه عضوًا عضوًا، وتحقق مع أشلائه شلوًا شلوًا، حتى يفرق منها بين المحسن والمسيء، ولا يخلط في العقوبة بين المجرم والبريء. ولعل العضو الوحيد المقطوع ببراءته من كل ما ارتكب من الآثام هو مخ زيور باشا، فما أحسبه شارك, ولا دخل في شيء من كل ما حصل. "انتهى المقال"! وأنت ترى أن هذا النوع من النقد إنما يقوم في جملته على التماس العيوب الرئيسة في شخص ما، وترك القلم يعرضها عرضًا كاريكاتوريًّا يزيد في تشويهها ما يرد على ذهن الكاتب في أثناء كتابته من ضروب التشبيه،

стр. 279

وما يحضره من فنون التمثيل، ولا يزال الكاتب يتوسع في الموضوع عن طريق التوليد للمعاني من جهة، وإيراد النكت البارعة من جهة ثانية, حتى تستكمل عنده الصورة القلمية الكاريكاتورية كل عناصر الإضحاك والسخرية والتندر بالشخص الذي هو موضوع هذه الصورة بالذات. والصورة الكاريكاتورية القلمية منذ القدم تتألف من العناصر الآتية، وهي: أولًا: عنصر التجسيم للعيوب، أو المسخ لصورة الشخص الذي هو موضوع الكاريكاتور. وكما قلنا تقوم طريقة الكاريكاتور على المبالغة في تصوير العيوب: فالرجل ذو الأنف الكبير يبدو بريشة الرسام وقلم الكاتب كأن وجهه كله عبارة عن أنف، والرجل القصير يبدو كذلك كأنه أقصر من طفل، والرجل البدين يظهر في شكل من البدانة والضخامة قَلَّ أن يكون له نظير في الحياة الواقعة نفسها، وهكذا. ثانيًا: عنصر التوليد, وهو ما يتاح للكاتب, ولا يتاح للمصور، وبه يعمد الكاتب إلى توليد المعاني، واستطراد الأفكار، وكل معنًى منها يذكر بآخر، وكل فكرة منها توحي بأخرى، وهكذا حتى يستنفذ الكاتب كل هذه المعاني والأفكار ما استطاع. ثالثًا: عنصر التندر أو ذكر النكات التي ترد على ذهن الكاتب في أثناء الكتابة، وهنا تظهر براعته في طريقة الإيراد، بحيث تبدو كل واحدة من هذه النكات وكأنها لم تذكر إلّا في هذا الموضع الذي يشير إليه الكاتب بالذات، أو كأنها لم تذكر إلّا من أجل هذا الشخص الذي هو موضع السخرية والتندر. رابعًا: عنصر التشبيه أو التمثيل، وهو العنصر الذي يستوحي فيه الكاتب خياله، ويستعين به على عملية "المسخ" التي أشرنا إليها، وكثيرًا

стр. 280

ما يتسلق الكاتب في هذه الحالة على كلام القدماء، وأهاجيّ الشعراء، وحكايات العامة, أو نحو ذلك. وأكثر من هذا وذاك أنك ترى صاحب القلم الكاريكاتور يعتمد في توفير هذا العنصر الأخير من عناصر الصورة على كلام القدماء، وعلى تحويل هذا الكلام من معناه الأصلي الذي وضع له, إلى المعنى الجديد الذي أراده صاحب القلم الكاريكاتوري. ومن الأمثلة على ذلك, أن الشيخ عبد العزيز البشري في سخريته بزيور باشا, على النحو السابق, استشهد ببيتٍ من أبيات أبي نواس وهو: وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد والمعروف أن أبا نواس ذكر هذا البيت من الشعر في معرض المدح لخليفة من خلفاء بني العباس، ولكن البشري ذكر هذا البيت نفسه في معرض التعريض، وإضحاك الناس من شخصية "زيور باشا". ولا يكاد هذا الفن -وهو فن القلم الكاريكاتوري- ينقسم إلى أكثر من هذه العناصر الأربعة، وهي متى توافرت في مقالٍ ما, بلغ هذا المقال كل ما قصده الكاتب من ورائه، وفي هذه العناصر السابقة، وفي كل عنصر منها على حدة مجال واسع يتنافس فيه الكاتب وأصحاب الأقلام، ويظهر نبوغهم, وتتجلَّى عبقريتهم, إما في نقد الأشخاص، وإما في نقد الأفكار والموضوعات. وغنيٌّ عن البيان أن المقال الكاريكاتوري لا يزدهر إلّا في أوقات الأمن, واستمتاع الناس بكل أنواع الحريات، فليس من السهل على كاتب هذا النوع من المقال أن يعرض حياته للخطر الذي يصيبه من الشخصية المرموقة التي هي موضوع المقال. أما في أوقات الظلم والطغيان، وأوقات الرقابة المفروضة على الصحف, فإن الصحافة لا تلجأ إلى القلم الكاريكاتوري بحالٍ من الأحوال، وإنما

стр. 281

تستعيض عنه بالرسم الكاريكاتوري الذي يراه القراء في الصحف، ويفهمون مضمونه ومقصوده، ويكون الرسام والصحيفة مع ذلك بمأمنٍ من بطش الحاكم أو السلطان الذي رسمت من أجله الصورة الساخرة. ويسيرٌ علينا أن نلاحظ كذلك أن القلم الكاريكاتوري لا يجود إلّا في فترات نهضة الأدب، وكثيرًا ما يكون دليلًا من دلائل هذه النهضة الأدبية في ذاتها، ذلك أن هذا الفن الأدبيّ الرائع في ذاته يحتاج إلى قدرة أدبية من نوعٍ خاصٍّ، كما يحتاج إلى قدر من الذكاء من نوعٍ خاصٍّ أيضًا، ثم لا غنى له مع هذا وذاك عن قدر من الثقافة يعين الكاتب على توفير العناصر الأربعة المتقدمة للقلم الكاريكاتوري. وأخيرًا لا يستغني صاحب هذا الفن الأدبيّ الرائع عن أن تكون له صفات ذاتية يخف بها كلامه على الناس، ومن هذه الصفات -على سبيل المثال- أن يكون ظريفًا غاية الظرف، وأن يكون خفيف الظل في كتاباته كأحسن ما تكون خفة الظل، وأن يكون في طبعه مرح، وفي أفقه سعة، وفي ذهنه ذخيرة هائلة من التجارب الإنسانية التي خبر بها الناس خبرة جيدة. وهذه وتلك مواهب تخص بها الطبيعة فريقًا من الناس دون الفريق الآخر، وفي الصحافة المجال الواسع للانتفاع الكامل بهذا الميزات أو المواهب في الإنسان. كيف يكتب المقال الأدبيّ: ذهب النقاد إلى أن المقال إنما يتألف من مقدمة وصلب وخاتمة، ففي المقدمة يستَهِلُّ الكاتب كلامه بفكرة عامة, أو خاطرة من الخواطر التي مرت بذهنه، ووقف أمامها متأملًا ومستغرقًا في تأمله، وعلى هذه الفكرة أو الخاطرة يبني الكاتب مقاله، ويأتي بعد ذلك صلب المقال، فإذا هو شرح لهذه الفكرة وتعليق عليها وإيراد لبعض الأمثلة والشواهد.

стр. 282

ولا بد أن تكون هذه الأمثلة مشتقةً من واقع الحياة، أو نابعة من شخصية الكاتب الخاصة، وأخيرًا تأتي الخاتمة، وهي تلخص موضوع المقال وتأتي بنتيجة. والذي لا ريب فيه أن للمقدمة التي يستهلُّ بها الكاتب مقاله أهميةً بالغةً، فهي التي تجذب القارئ فيمضي في القراءة، وهي التي تصد القارئ فيقف عن القراءة، وهنا يتفاوت البلغاء في العبارات البلاغية التي يستهلون بها مقالاتهم. وكذلك الشأن فيما يتعلق بالخاتمة، فإنها آخر ما يبقى في ذهن القارئ، ولا بد أن تكون الخاتمة قوية جامعة محكمة في آنٍ واحدٍ. وهناك طريقة أخرى في تحليل المقال الأدبيّ، وكيف يكتبه الكاتب، وتتلخص هذه الطريقة في تقسيم المقال إلى عنصرين: هما المضمون، والقالب، والقالب بدوره ينقسم إلى قسمين هما: التصميم والأسلوب١. وقد عرَّفَ "والتر باتر" تصميم المقال في مقالته المعروفة عن الأسلوب فقال: "التصميم هو ذلك التصور البنائيّ للموضوع الذي يتكهن بالنهاية منذ بدايته, وهو في أي جزء من الأجزاء يلفت إلى الأجزاء الأخرى ويدل عليها، حتى إذا وصل القارئ إلى العبارة الأخيرة اتضح له كنه العبارة الأولى وبرَّرَ وجودها دون أن يحس بأي فتور"٢. والخلاصة: أن التحرير في ذاته هو التفكير والتعبير، فالتفكير هو المضمون أو الفكرة أو الخاطرة، كما تقدم في العبارات السابقة،

стр. 283

والتعبير هو الأسلوب, أو هو الوعاء الذي يحمل المعنى أو الفكرة أو الخاطرة، وكما أن البيت في بنائه يحتاج إلى مهندس تصميم، ومهندس تنفيذ، فكذلك المقال في إنشائه يحتاج إلى طريقة أو طراز أو أسلوب أو نظام يتبعه الكاتب في هذا الإنشاء. وسنعود إلى الكلام في هذا الموضوع عندما نعرض للمقال في المجلة الدورية.

стр. 284

مقال الخواطر والتأملات: نبغ في هذا النوع من المقال كثيرون من كتابنا، وربما كان من أظهرهم في ذلك "أحمد أمين" الذي وصف لنا الكاتب الدقيق فقال: "إنه الكاتب الذي يسمع حفيف الأشجار، ودبيب النمل، ويرى دقيق الأشياء في الظلمة، ويرى قلوب الناس في أعينهم، ودخائلهم في صفحات وجوههم، وقد يرى بأذنه، ويسمع بعينه، وقد يرى ما لا يراه الناس، ويسمع ما لا يسمع الناس، وقد يدرك الجمال بتفاصيله، كما يدرك القبح بتفاصيله، حتى كأنه قد مُنِحَ من الحواس ما لم يمنحه سائر الناس، وكأن حواسه ليست خمسًا, وإنما هي خمسون أو خمسمائة أو ما شئت"١. وهذا الوصف للكاتب الدقيق ينطبق على "أحمد أمين", كما ينطبق على غيره من الكتاب الواقعيين الذي يميلون دائمًا إلى وصف الحياة الواقعة كما تبدو لأعينهم، وكما تفهمها عقولهم، لا يغيب عن علمهم شيء من دقائق هذه الحياة، ولا تفوتهم همسة من همساتها. ومعنى ذلك أن موضوع المقالات الأدبية بوجه عامٍّ, ومقالات التأملات والخواطر بنوع خاصٍّ, هو كل شيء في المجتمع، ذلك أن الكاتب الفنيّ هو من استطاع أن يجد من كل شيءٍ موضوعًا يجيد فيه, ويستخرج إعجاب القارئ، ومن استطاع أن يجد من كل شيء نواة يؤلف حولها ما يصلح لها حتى يخرج موضوعه منسقًا تنسيقًا يبهر السامع والقارئ, وهو في تأليفه قد يضم الشيء إلى إلفه، وقد يضمه إلى نقيضه، وقد يصل به

стр. 285

الكلام في الذرة إلى الكلام في الشمس، وقد يصل به الكلام في النملة إلى الكلام في الله، ولكن القارئ لا يشعر بمفارقات، ولا يشعر بهوة بين أجزاء الكلام، ويسير مع الكاتب كأنه في حلم لذيذ أو قصة محبوكة١. وقد كتب "أحمد أمين" مقالات كثيرة في باب الخواطر والتأملات، نشر بعضها في مجلة "الثقافة", وبعضها في مجلة "الرسالة", وبعضها في مجلة "الهلال", وجمع كل هذه المقالات في كتاب له بعنوان: "فيض الخاطر"، وقد رأينا أن نقف عند نموذج واحد من هذه المقالات على سبيل المثال، وهو مقال له بعنوان: سلطة الآباء كتب الكاتب في نقد المجتمع الحديث كتابًا بدأه بقوله: رحم الله زمانًا, كان الأب فيه الأمر الناهي، والحاكم المطلق، والملك غير المتوّج، ينادي فيتسابق كل من في البيت إلى ندائه، ويشير فإشارته أمر، وطاعته غنم, تحدثه الزوجة في خفر وحياء، ويحدثه الابن في إكبار وإجلال، ويرى من سوء الأدب أن يرفع إليه بصره، أو يرد عليه قوله، أو يراجعه في رأي, أو يجادله في أمر، أما البنت, فإذا حدثها لفَّ الحياء رأسها، وغضن الخجل طرفها, قليلة الكلام، متحفظة الضحك، خافضة الصوت، تتوهم أنها أخطأت في التافه من الأمر فيندي جبينها، ويصبغ الخجل وجهها، وإذا جاء حديث الزوج والزواج, فإلى أمها التحدث لا إلى أبيها، وبالتلويح والتلميح لا بالتصريح، والأمر إلى الأب فيما يقبل وفيما يرفض، وفيما يفعل وفيما لا يفعل".
следующие страницы →