← Адаб

Адаб · id 11543

المدخل في فن التحرير الصحفي

عبد اللطيف محمود حمزة

Полный текст (567 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

تستعيض عنه بالرسم الكاريكاتوري الذي يراه القراء في الصحف، ويفهمون مضمونه ومقصوده، ويكون الرسام والصحيفة مع ذلك بمأمنٍ من بطش الحاكم أو السلطان الذي رسمت من أجله الصورة الساخرة. ويسيرٌ علينا أن نلاحظ كذلك أن القلم الكاريكاتوري لا يجود إلّا في فترات نهضة الأدب، وكثيرًا ما يكون دليلًا من دلائل هذه النهضة الأدبية في ذاتها، ذلك أن هذا الفن الأدبيّ الرائع في ذاته يحتاج إلى قدرة أدبية من نوعٍ خاصٍّ، كما يحتاج إلى قدر من الذكاء من نوعٍ خاصٍّ أيضًا، ثم لا غنى له مع هذا وذاك عن قدر من الثقافة يعين الكاتب على توفير العناصر الأربعة المتقدمة للقلم الكاريكاتوري. وأخيرًا لا يستغني صاحب هذا الفن الأدبيّ الرائع عن أن تكون له صفات ذاتية يخف بها كلامه على الناس، ومن هذه الصفات -على سبيل المثال- أن يكون ظريفًا غاية الظرف، وأن يكون خفيف الظل في كتاباته كأحسن ما تكون خفة الظل، وأن يكون في طبعه مرح، وفي أفقه سعة، وفي ذهنه ذخيرة هائلة من التجارب الإنسانية التي خبر بها الناس خبرة جيدة. وهذه وتلك مواهب تخص بها الطبيعة فريقًا من الناس دون الفريق الآخر، وفي الصحافة المجال الواسع للانتفاع الكامل بهذا الميزات أو المواهب في الإنسان. كيف يكتب المقال الأدبيّ: ذهب النقاد إلى أن المقال إنما يتألف من مقدمة وصلب وخاتمة، ففي المقدمة يستَهِلُّ الكاتب كلامه بفكرة عامة, أو خاطرة من الخواطر التي مرت بذهنه، ووقف أمامها متأملًا ومستغرقًا في تأمله، وعلى هذه الفكرة أو الخاطرة يبني الكاتب مقاله، ويأتي بعد ذلك صلب المقال، فإذا هو شرح لهذه الفكرة وتعليق عليها وإيراد لبعض الأمثلة والشواهد.

стр. 282

ولا بد أن تكون هذه الأمثلة مشتقةً من واقع الحياة، أو نابعة من شخصية الكاتب الخاصة، وأخيرًا تأتي الخاتمة، وهي تلخص موضوع المقال وتأتي بنتيجة. والذي لا ريب فيه أن للمقدمة التي يستهلُّ بها الكاتب مقاله أهميةً بالغةً، فهي التي تجذب القارئ فيمضي في القراءة، وهي التي تصد القارئ فيقف عن القراءة، وهنا يتفاوت البلغاء في العبارات البلاغية التي يستهلون بها مقالاتهم. وكذلك الشأن فيما يتعلق بالخاتمة، فإنها آخر ما يبقى في ذهن القارئ، ولا بد أن تكون الخاتمة قوية جامعة محكمة في آنٍ واحدٍ. وهناك طريقة أخرى في تحليل المقال الأدبيّ، وكيف يكتبه الكاتب، وتتلخص هذه الطريقة في تقسيم المقال إلى عنصرين: هما المضمون، والقالب، والقالب بدوره ينقسم إلى قسمين هما: التصميم والأسلوب١. وقد عرَّفَ "والتر باتر" تصميم المقال في مقالته المعروفة عن الأسلوب فقال: "التصميم هو ذلك التصور البنائيّ للموضوع الذي يتكهن بالنهاية منذ بدايته, وهو في أي جزء من الأجزاء يلفت إلى الأجزاء الأخرى ويدل عليها، حتى إذا وصل القارئ إلى العبارة الأخيرة اتضح له كنه العبارة الأولى وبرَّرَ وجودها دون أن يحس بأي فتور"٢. والخلاصة: أن التحرير في ذاته هو التفكير والتعبير، فالتفكير هو المضمون أو الفكرة أو الخاطرة، كما تقدم في العبارات السابقة،

стр. 283

والتعبير هو الأسلوب, أو هو الوعاء الذي يحمل المعنى أو الفكرة أو الخاطرة، وكما أن البيت في بنائه يحتاج إلى مهندس تصميم، ومهندس تنفيذ، فكذلك المقال في إنشائه يحتاج إلى طريقة أو طراز أو أسلوب أو نظام يتبعه الكاتب في هذا الإنشاء. وسنعود إلى الكلام في هذا الموضوع عندما نعرض للمقال في المجلة الدورية.

стр. 284

مقال الخواطر والتأملات: نبغ في هذا النوع من المقال كثيرون من كتابنا، وربما كان من أظهرهم في ذلك "أحمد أمين" الذي وصف لنا الكاتب الدقيق فقال: "إنه الكاتب الذي يسمع حفيف الأشجار، ودبيب النمل، ويرى دقيق الأشياء في الظلمة، ويرى قلوب الناس في أعينهم، ودخائلهم في صفحات وجوههم، وقد يرى بأذنه، ويسمع بعينه، وقد يرى ما لا يراه الناس، ويسمع ما لا يسمع الناس، وقد يدرك الجمال بتفاصيله، كما يدرك القبح بتفاصيله، حتى كأنه قد مُنِحَ من الحواس ما لم يمنحه سائر الناس، وكأن حواسه ليست خمسًا, وإنما هي خمسون أو خمسمائة أو ما شئت"١. وهذا الوصف للكاتب الدقيق ينطبق على "أحمد أمين", كما ينطبق على غيره من الكتاب الواقعيين الذي يميلون دائمًا إلى وصف الحياة الواقعة كما تبدو لأعينهم، وكما تفهمها عقولهم، لا يغيب عن علمهم شيء من دقائق هذه الحياة، ولا تفوتهم همسة من همساتها. ومعنى ذلك أن موضوع المقالات الأدبية بوجه عامٍّ, ومقالات التأملات والخواطر بنوع خاصٍّ, هو كل شيء في المجتمع، ذلك أن الكاتب الفنيّ هو من استطاع أن يجد من كل شيءٍ موضوعًا يجيد فيه, ويستخرج إعجاب القارئ، ومن استطاع أن يجد من كل شيء نواة يؤلف حولها ما يصلح لها حتى يخرج موضوعه منسقًا تنسيقًا يبهر السامع والقارئ, وهو في تأليفه قد يضم الشيء إلى إلفه، وقد يضمه إلى نقيضه، وقد يصل به

стр. 285

الكلام في الذرة إلى الكلام في الشمس، وقد يصل به الكلام في النملة إلى الكلام في الله، ولكن القارئ لا يشعر بمفارقات، ولا يشعر بهوة بين أجزاء الكلام، ويسير مع الكاتب كأنه في حلم لذيذ أو قصة محبوكة١. وقد كتب "أحمد أمين" مقالات كثيرة في باب الخواطر والتأملات، نشر بعضها في مجلة "الثقافة", وبعضها في مجلة "الرسالة", وبعضها في مجلة "الهلال", وجمع كل هذه المقالات في كتاب له بعنوان: "فيض الخاطر"، وقد رأينا أن نقف عند نموذج واحد من هذه المقالات على سبيل المثال، وهو مقال له بعنوان: سلطة الآباء كتب الكاتب في نقد المجتمع الحديث كتابًا بدأه بقوله: رحم الله زمانًا, كان الأب فيه الأمر الناهي، والحاكم المطلق، والملك غير المتوّج، ينادي فيتسابق كل من في البيت إلى ندائه، ويشير فإشارته أمر، وطاعته غنم, تحدثه الزوجة في خفر وحياء، ويحدثه الابن في إكبار وإجلال، ويرى من سوء الأدب أن يرفع إليه بصره، أو يرد عليه قوله، أو يراجعه في رأي, أو يجادله في أمر، أما البنت, فإذا حدثها لفَّ الحياء رأسها، وغضن الخجل طرفها, قليلة الكلام، متحفظة الضحك، خافضة الصوت، تتوهم أنها أخطأت في التافه من الأمر فيندي جبينها، ويصبغ الخجل وجهها، وإذا جاء حديث الزوج والزواج, فإلى أمها التحدث لا إلى أبيها، وبالتلويح والتلميح لا بالتصريح، والأمر إلى الأب فيما يقبل وفيما يرفض، وفيما يفعل وفيما لا يفعل".

стр. 286

ومضى الكاتب في مقاله على هذا النحو, ثم قال: "لقد ودَّعْنَا ذلك الزمن بخيره وشره، وحلوه ومره، واستقبلنا زمانًا صار فيه الأبناء آباء ". ثم يقول: "قالت الخطيبة لخطيبها: الناس أحرار، وأنا إنسان وأنت إنسان, فإن اعتززت بالكسب اعتززت بالإنفاق، وإن اعتززت بالرجولة اعتززت بالأنوثة، وإن اعتززت بأيِّ شيء فأنا أعتز بمثله وبخير منه، فأنا وأنت شريكان, لا سيد ولا أمة، ولا ملك ومملوك، لي كل الحقوق التي لك، وقد يكون عليّ بعض الواجبات التي عليك ... يمكنك أن تحصل على المال وعلى الإنفاق، ولك السلطان التام في اختيار طرق التحصيل، ولي الخيار التام في وجوه التبديد، أنت للبيت والبيت لي، وإن كان لك أمٌّ فقد شبعت سلطة في الماضي أيام كانت زوجة، فلا حق لها أن تنعم بسلطانها وسلطان غيرها، فليس لها الحق إلّا أن تأكل، كما ليس لك الحق في أن تحبها، فالحب كله للزوجة، إنما لك أن ترحمها, والدين لا شأن لك فيه بتاتًا، فهو علاقة بين العبد وربه، وكل إنسان حرٌّ في أن يحدد هذه العلاقة كما يوحي إليه قلبه، فإن شئت أن تتدين فتدين، على شرط ألَّا تقلب نظام البيت, وتقلق راحتي وراحة الخدم. ورأي الرجل أن الأحكام قاسية، والشروط فادحة، وهام يبحث بين الممدنات عمن ترضى به زوجًا على الشروط القديمة, فأعياه البحث ... إلى أن يقول: تَمَّ الزواج وفرحت الزوجة بالظفر, فغالت في الطلب، وابتدعت كل يوم مطلبًا جديدًا، وأرادت أن تنتقم لأمهاتها من آبائه في شخصه، فطالما أطعن، وطالما خضعن، فليطع دائمًا, وليخضع دائمًا جزاءً وفاقًا على ما جنى آباؤه وأجداده.... قالت: إن رقصتَ رقصتُ، فذلك حقكَ وحقي، قال: نعم. قالت: بل إن لم ترقص رقصتُ؛ لأنك إن أضعت حقك لم أضع حقي،

стр. 287

وإن خاللتَ خاللتُ، فالجزاء من جنس العمل، بل إن لم تخالل ربما خاللتُ؛ لأن حياة الزوجية البحتة قد يعتريها الركود والسأم والملل ... فصرخ الرجل, ولفَّ الغضب وجهه، وحاول أن ينكل بها فتراجعت وسحبت مطلبها الأخير، ورأت من الحكمة أن تتريث بعض الشيء حتى يبلع ريقه من أثر الصدمة الأولى، ويستعد للصدمة الثانية، فإن لم يسعفها الزمان, أوصت بناتها بشروطها الجديدة..... قالت: وسيكون أول ما أوصي به ابنتي أن تأخذ قياس خطبها، ثم يكون من أول جهازها أن تفصل له برذعةً ولجامًا على قدره، فتضع البرذعة عليه، وتركبه إذا شاءت، وتشكمه باللجام إذا حاول أن يتحرك يمينًا أو شمالًا على غير رغبتها. وشاء الله أن يرزقا بنين وبنات: .... وقد رأوا أن الأم لم تجلّ الأب فلم يجلوه، ولم تعره كبير التفاتٍ فلم يعيروه، ورأوها تبذر في مال الأب فبذَّروا، ورأوها حرة التصرف فتحرروا، ورأوها تخرج من البيت من غير إذن الأب فخرجوا خروجها, وتعود إلى البيت متى شاءت ففعلوا فعلها، ورأوها لا تتدين فلم يتدينوا, وقال الأبناء لأبيهم: إننا مخلوقون لزمانٍ غير زمانك, فاخضع لحكم الزمان، وقد نشأنا في زمن الحرية في الآراء، والحرية في الأعمال، والحرية في التصرف, لا كما نشأت في جَوٍّ من الطاعة والقيد والأسر والتقاليد، فمحال أن يسع ثوبك الضيق أبداننا، وتقاليدك العتيقة البالية نفوسنا. قال: نعم, قالوا: وأنت الذي سمحت لنا باديء ذي بدء أن نغشى دور السينما والتمثيل، وأن نسمع الأغاني البلدية، وأن نشهد المراقص الأوروبية, فإذا أقررت المقدمة فلا تهرب من النتيجة، فأنت الذي عودنا ألّا نضع للبيت ميزانية؛ لأنك تعطي راتبك لأمنا تنفق منه من غير حساب، فإن انتهى في

стр. 288

نصف الشهر, طلبت منك أن تقترض، فاقترضت، وأن تشتري ما لا حاجة لنا به فاشتريت, فليس لك أن تطالبنا بالاقتصاد في الجدول الصغير, والنهر الكبير ليس له ضابط, قال: نعم, قالوا: وقد أضعت سيادتك على أمنا، فلم تفرض سيادتك علينا؟ وهي أم الحاضر وأنت أبو الماضي، ونحن رجال المستقبل, قال: نعم. وقالت البنات لأبيهن: يا أبانا الذي ليس في السماء: رقصت أمنا فرقصنا، وشربت أمنا فشربنا، وشربت سرًّا فلتسمح لنا بحكم تقدم الزمان أن نشرب جهرًا، ورأينا في روايات السينما والتمثيل حبًّا فأحببنا, ورأينا عريًا في الشواطيء فتعرينا, وتزوجت أمنا بإذن أبيها, فلنتزوج نحن بإذننا. قال: نعم، قلن: وقد أوصتنا أمنا أن نركب الزوج، ولكننا أمام مشكلة يشغلنا حلها، فإننا نرى شباب اليوم متمردين لا يخضعون خضوعك, ولا يستسلمون استسلامك ... يا أبانا: هل البيت ضرورة من ضرورات الحياة؟ أليس نظام الأسرة نظامًا عتيقًا من آثار القرون الوسطى؟ قال: نعم، قلن: عن كل حالٍ يصح أن يجرب جيل النساء الجديد مع جيل الرجال الجديد، فإن وقع ما خشينا عشنا أحرارًا وعاشوا أحرارًا، وطالبنا بتسهيل الطلاق، وبهدم المحاكم الشرعية على رءوس أصحابها. قال الأب: وماذا تفعلن بما ترزقن من أبناء وبنات؟ قلن: لك الله يا أبانا! إنك لا تزال تفكر بعقل جدنا وجدتنا، لقد كنت أنت وأبوك وجدك تحملون أنفسكم عناء كبيرًا في الأولاد، وتضحون بأنفسكم وأموالكم في سبيلهم، وتعيشون لهم لا لكم، أما عقليتنا نحن أهل الجيل الحاضر, فأن نعيش لأنفسنا لا لغيرنا، لقد ضحك عليكم الدين والأخلاق ففهمتم أن

стр. 289

الواجب هو كل شيء، وكشفنا نحن اللعبة ففهمنا أن اللذة هي كل شيء، فنحن نمنع النسل، فإذا جاء قسرًا فليعش كما يشاء القدر.... قال الأب: وأمر المال كيف يدبر؟ كيف تعشن أنتن وأولادكن إذا كان طلاق وكان فراق؟ قلن: هذا ظل آخر ظريف من ظلال تفكيرك، دع هذا يا أبانا والبركة أخيرًا فيك. أما بعد، فقد خلا الأب يومًا إلى نفسه، وأجال النظر في يومه وأمسه، فبكى على أطلال سلطته المنهارة، وعزته الزائلة ... هذه تأملات وخواطر خطرت لكاتب المقال في النماذج الحديثة للحياة، وهي النماذج التي لا يرضى عنها الآباء بحالٍ من الأحوال، بل إنهم يرون فيها الخطر كل الخطر على كيان المجتمع وعلى حياة الأسر، وقد بنى الكاتب مقاله هذا على الموازنة الدقيقة بين حياة الأسرة في الجيل القديم, وحياة الأسرة في الجيل الجديد, وهدفه من ذلك أن يحذر من الأخطار الناجمة عن المبالغة في التجديد الذي ينخدع به الجيل الجديد. و"لأحمد أمين" مقال آخر في باب الخواطر والتأملات يحسن بنا أن ننقله للقارئ فيما يلي: الرأي والعقيدة قال فيه: "فرق كبير بين أن نرى الرأي وأن نعتقده, إذا رأيت الرأي فقد أدخلته في دائرة معلوماتك، وإذا اعتقدته جرى في دمك، وسرى في مخ عظامك، وتغلغل إلى أعماق قلبك، ذوي الرأي فيلسوف يقول: إني أرى الرأي صوابًا، وقد يكون في الواقع باطلًا، وهذا ما قامت الأدلة عليه اليوم، وقد تقوم الأدلة على عكسه غدًا، وقد أكون مخطئًا فيه، وقد أكون

стр. 290

مصبيًا, أما ذو العقيدة فجازم بأنه لا شك عنده ولا ظن، عقيدته هي الحق لا محالة، هي الحق اليوم، وهي الحق غدًا؛ لأنها خرجت عن أن تكون مجالًا للدليل، وسمت عن معترك الشكوك والظنون. ذو الرأي فاتر أو بارد، إن تحقق ما رأى ابتسم ابتسامةً هادئةً رزينةً، وإن لم يتحقق ما رأى, فلا بأس، فقد احترس من قبل بأن رأيه صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب، وذو العقيدة حار متحمس لا يهدأ إلَّا إذا حقق عقيدته، هو حرج الصدر, لهيف القلب، تتناجى في صدره الهموم، أرق جفنه وأطال ليله تفكيره في عقيدته، كيف يعمل لها، ويدعو إليها، وهو طلق المحيا، مشرق الجبين إذا أدرك غايته أو قارب بغيته. ذو الرأي سهل عليه أن يتحول ويتحور، وهو عبد الدليل, أو عبد المصلحة التي تظهر في شكل دليل، أما ذو العقيدة فخير مظهر له ما قاله رسول الله: "لو وضعوا الشمس في يمني, والقمر في شمالي, على أن أدع هذا الذي جئت به ما تركته"$، وكما يتجلى في دعاء عمر "اللهم إيمانًا كإيمان العجائز". ولقد رووا عن سقراط أنه قال: إن الفضيلة هي المعرفة، وناقشوه في رأيه، وأبانوا له خطأه، واستدلوا بأن العلم قد يكون في ناحية والعمل في ناحية, وكثيرًا ما رأينا أعرف الناس بمضار الخمر شاربها، وبمضار القمار لاعبه، ولكن لوقال سقراط: إن الفضيلة هي العقيدة, لم أعرف وجهًا للرد عليه، فالعقيدة تستتبع العمل على وفقها لا محالة, فقد ترى أن الكرم فضيلةٌ, ثم تبخل، والشجاعة خيرًا ثم تجبن، ولكن محال أن تؤمن بالشجاعة والكرم, ثم تجبن أو تبخل. العقيدة حقٌّ مشاعٌ بين الناس على السواء، نجدها في السذج، وفي الأوساط، وفي الفلاسفة، أما الرأي فليس إلّا للخاصة الذين يعرفون الدليل وأنواعه، والقياس وأشكاله، والناس يسيرون في الحياة بعقيدتهم

стр. 291

أكثر مما يسيرون بآرائهم، والمؤمن يرى بعقيدته ما لا يرى الباحث برأيه، قد منح المؤمن من الخواص الباطنة والذوق ما قصر عن إدراكه القياس والدليل. لقد ضلَّ من طلب الإيمان بعلم الكلام وحججه وبراهينه، فنتيجة ذلك كله عواصف في الدماغ أقصى غايتها أن تنتج رأيًا، أما الإيمان والعقيدة فموطنهما القلب، ووسائلهما مد خيوط بين الأشجار والأزهار والبحار والأنهار وبين قلب الإنسان، ومن أجل هذا كانت الآية الكريمة، ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ, وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ, وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ, وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَت﴾ أفعل في الإيمان من قولهم: "العالم متغير, وكل متغير حادث" فالأول عقيدة, والثاني رأي. الناس إنما يخضعون لذى العقيدة، وليس ذوو الرأي إلّا ثرثارين عنوا بظواهر الحج أكثر مما عنوا بالواقع، لا يزالون يتجادلون في آرائهم حتى يأتي ذو العقيدة فيكتسحهم ... وسار الكاتب في مقاله على هذا المنهج حتى ختمه بقوله: "ليس ينقص الشرق لنهوضه رأي، ولكن تنقصه العقيدة، فلو منح الشرق عظماء يعتقدون ما يقولون لتغير وجهه، وحال حاله، وأصبح شيئا آخر. وبعد، فهل حرم الإيمان مهبط الإيمان؟ إن هذا المقال إلى الخواطر الفلسفية أدنى منه إلى الخواطر الأدبية، أو الاجتماعية، وهو نموذج جيد لهذا الطراز بنوع خاص.

стр. 292

المقال العلمي: المقال العلميّ، من حيث هو نوعان، نوع يكتب للمتخصصين، ونوع يكتب لغيرهم من القراء، والأول مكانه الكاتب العلميّ، أو المجلة العلمية التي تصدرها الهيئات أو المؤسسات التي توفرت على نشر العلم، والثاني مكانه الصحيفة اليومية، والمجلة الدورية: أسبوعية كانت أم شهرية أم سنوية، والأول ليس موضوعًا لبحثنا هذا، أما الثاني فموضوع اهتمام الصحافة، ومدار عنايتها، ومادةً من موادها لا تستطيع الاستغناء عنها بحالٍ ما. والمقال العلميّ الذي تنشره الصحف والمجلات, إنما يحقق غرضين من أغراض الصحافة الخمسة التي أشرنا إليها في غير هذا الفصل، وهذان الغرضان هما: ١- التوجيه والإرشاد. ٢ التسلية والإمتاع. وليس شكٌّ في أن الناس جميعًا في احتياجٍ إلى من يرشدهم على الدوام فيما يتصل بحياتهم العقلية، وحياتهم الفنية، أو بعبارة أخرى: في احتياج إلى الغذاء العقليّ، والغذاء الفنيّ، وهذا أو ذاك إنما يتم لهم عن طريق المقال العلميّ في الصحيفة أو الإذاعة. والذي لا شك فيه أيضًا أننا في عصرنا هذا لا نستطيع -ولو حرصنا- أن نلم بجميع العلوم والفنون؛ لأننا في عصر التخصص العلميّ والفنيّ، لكل واحد منا شعبة خاصة من شعب المعرفة أو الفن، توفر عليها، واستأثرت بعقله وقلبه، بل امتزجت بروحه ودمه.

стр. 293

غير أنه إلى جانب هذا التخصص العلميّ أو الفنيّ لا غنى للمثقفين في الأمة عن الأخذ من كل علم من العلوم الإنسانية بطرفٍ، وبهذه الطريقة تستروح العقول البشرية من جهة، ويحدث التوازن العقليّ والروحيّ للمواطن المثقف من جهة ثانية. وقد أدركت الصحافة منذ نشأتها هذه الحقيقة، فدرجت على إمداد قرائها من حينٍ لآخر بتلك الفصول العلمية المفيدة, والمقالات الفنية الطريفة يتعلمون منها حينًا، وتسلون بها أحيانًا، ويجدون في كلتا الحالتين لذة عقليةً، ربما لا تضار عنها لذة مادية من لذائذ الحياة. ثم إن القراء أنفسهم -بالقياس إلى المقال العلميّ- طبقتان, كما سبقت الإشارة إلى ذلك: طبقة لا تعرف إلّا علمًا واحدًا، أو فنًّا مفردًا، ولا صلة لها تقريبًا بغير ذلك من العلوم أو الفنون, وطبقة لا تعرف شيئًا من هذا أو ذاك، ولم يتخصص في شيء من هذا أو ذاك, ولكنها تميل إلى أن يكون لها بعض الإلمام بهذا الشتات من المعلومات. وما دام الأمر كذلك, فلا مناص للصحيفة من الاعتراف بهذا الوضع, والتقيد بهذا القيد في كتابة هذا النوع من أنواع المقال، وبعبارة أخرى, ينبغي أن تتوافر في المقال العلميّ الذي تنشره الصحيفة شروط عدة، منها ما يلي: أولّا: الإقلال جهد المستطاع من المصطلحات العلمية المعروفة عند أهل هذا العلم أو ذاك من العلوم التي يتعرض لها المقال. ومعروف أن لكل علمٍ منها عشرات، بل مئات من المصطلحات, يعرفها المشتغلون بهذا العلم معرفةً جيدة، وكلما جَدَّ جديد من هذه المصطلحات، بادروا إلى معرفته، وأخذوا في تداوله، أما غيرهم

стр. 294

من الناس, فلا علم لهم بهذه المصطلحات، ولهذا وجب على كاتب المقال العلميّ بالذات أن يقصد -ما أمكنه- في ذكر هذه المصطلحات. ومع هذا وذاك, ينبغي للمحرر العلميّ أن يدرك أن القارئ لا يضيره أن يقرأ لفظًا علميًّا غريبًا على مسامعه إذا دعت الضرورة إلى استعماله في المقالة. ولا ينبغي للمحرر في هذه الحالة أن يعتذر عن استعمال هذا اللفظ، ولا أن يحاول شرحه شرحًا علميًّا مستفيضًا، فله -مثلًا- أن يستخدم لفظ الوحدة الحرارية، ولكن ليس عليه أن يشرح هذه الوحدة الحرارية من الوجهة العلمية، بل يقول مثلًا: إن ثلاث قطع من السكر، أو قطعة صغيرة من الزبد تولد مائة وحدة حرارية، وإن الإنسان يحتاج إلى مائة وحدة حرارية في الساعة عادة، وإلى مائة وستين وحدة إذا كان يقوم بعمل مجهد "١. ثانيًا: تبسيط المعلومات التي يقدمها الكاتب للقراء مراعاةً منه لهذه الحقيقة -التي أشرنا إليها الآن- وهي أنه إنما يكتب لغير المتخصصين من القراء. والكتاب والمحررون في مجال التبسيط درجات؛ فمنهم من وهب المقدرة على شرح المادة العلمية الصعبة بطريقةٍ سهلةٍ على الأسماع، تعرف طريقها إلى الأذهان، ومنهم من غلبت عليه الصبغة العلمية الخالصة، وعجز عن التخفف منها، ولم يستطع أن يقدم للصحيفة غذاءً ما في هذه الناحية. ثالثًا: اصطناع القوالب الأدبية -كلما أمكن ذلك- في التعبير عن المادة العلمية، ومن هذه القوالب -على سبيل المثال- قالب القصة، وبها

стр. 295

يستطيع الكاتب القدير أن يحيل هذه المواد الجافة, إلى قصص حيةٍ تحس فيها كأن الطبيعة نفسها تتكلم وتتحرك، أو كأن الحقائق العلمية ذاتها أشخاص تذهب وتجيء, ثم تؤدي أدوارها كأحسن ما يكون الأداء, وبهذا الأسلوب الجذاب يستطيع الكاتب المتمرن أن يحدثنا عن الطبيعة وظواهرها في قصص: فقصة المطر، وقصة للقمر، وقصة للبركان، وقصص للجبال أو الوديان، وهكذا. ثم بهذا الأسلوب الجذاب يستطيع الكاتب أيضًا أن يحدثنا عن الإنسان، وعما يعرض له من حالات الصحة والمرض، وكل ذلك في قصص ممتع. فقصة عن السرطان، وقصة عن الشلل، وقصة عن الجراثيم، وقصة عن الميكروب، وقصة عن الأنسولين، وأخرى عن البنسلين، وثالثة عن أنواع الفيتامين، وهكذا. رابعًا: ربط المعومات الطريفة التي يأتي بها الكاتب في مقاله بحاجة من حاجات القراء، أو رغبة من رغباتهم، حتى ولوكانت هذه النزعة مجرد التأمل في قدرة الخالق، وكثير من الناس تحفزهم هذه النزعة الأخيرة إلى القراءة. خامسًا: عدم طغيان الصفة الذاتية على الصفة الموضوعية, وإن كان ذلك لا يمنع من وجود مسحة ذاتية صريحة تبث في المقال شيئًا من الحياة والإشراق. ومهما يكن من شيءٍ, ففي مجال المقال العلميّ الآن, تتنافس الصحافة والإذاعة أيهما أجدى على القارئ أو السامع، وأيهما أقدر من الأخرى على تثقيفه بشتَّى المعارف التي تجمعها أفلاك ثلاثة يسبح فيها العالم، وهي:

стр. 296

الله، والطبيعة، والإنسان. قيمة المحرر العلميّ: ومعنى ذلك أن أمام المحرر العلميّ مجالات كثيرة يتجه فيها إلى القراء والمستمعين والمشاهدين عن قصة العلم، وهي قصة من أمتع القصص التي يمكن أن يتتبعها المواطنون الراغبون في أذهانهم بالثقافات العلمية على اختلافها. لقد مرَّ العالم إلى يومنا هذا بثلاثة عصور علمية كبيرة، وهي عصر التجارة، وعصر الكهرباء, وعصر الذرة، والمؤلم في كل ذلك أن للغربيين دون العرب الفضل كل الفضل في هذه العصور الثلاثة, أما العرب فقد ظلوا متفرجين طوال هذه العصور، ولم يكن إلّا في النصف الثاني من القرن الثاني من القرن العشرين أن بدأ العرب يشاركون في الميادين العلمية. ومهما يكن من شيءٍ, فقد كان على الصحيفة الحديثة أن تقوم بواجبها نحو تزويد المواطن الحديث بالمعلومات الكثيرة عن قصة العلم التي أشرنا إليها. فمتى اخترعت المطبعة، ومتى اكتشفت أمريكا، ومتى نادى العلماء بكروية الأرض ودورانها حول الشمس، ومتى عرف العلماء شيئًا عن الدورة الدموية، ومتى عرفوا قانون الجاذبية؟ وما هي قصة الآلة البخارية، وإلى أي حدٍّ انتفعت الصناعة بهذه الآلة الجديدة، وما هو التلغراف الكهربائيّ، ومتى نجح الإنسان في تحويل الحديد إلى صلب، ومتى استخدمت الإبرة المغناطيسية في جهاز الاستقبال التلغرافي؟ وكيف واجه "داروين" جميع الناس في عصره بنظريته في أصل الأنواع؟

стр. 297

وما هو صدى هذه النظرية الغربية؟ ومتى عرف العلم الدينامو الكهربائي والمصباح المتألق؟ ومتى عرف التليفون، ومتى عرفت السيارة؟ ومتى ظهر الترام الكهربائي؟ ومتى عرفت الآلة الكاتبة أو الطابعة؟ ومتى سمع الفوتوغراف أو "الحاكي"؟ ومتى وصل العرب إلى الأشعة السينية؟ وما هو أثر ذلك في الطب؟ ومتى كشف العلم عن الإلكترونات، ومتى ظهرت السينما، ثم الراديو، ثم التلفزيون؟ وماذا نعرف عن الأقمار الصناعية؟ وكيف تستخدم الذرة في السلم لا في الحرب؟ وكل موضوع من هذه الموضوعات يصلح لأن يكون قصةً علميةً متى ظفر بالمحرر العلميّ الذي يستطيع أن يصوغ المعلومات الخاصة بها بطريقة تجذب إليها أكبر عدد من القراء، وتوسع في الوقت نفسه مدارك المواطنين، وتخلق بينهم تجانسًا عقليًّا لا بد منه في المجتمع الواحد. من أجل هذا كان للصحافة المصرية منذ نشأتها عنايةً كبيرةً بالمقال العلميِّ الذي يهدف إلى تزويد القراء بالمعلومات في شتَّى ألوان المعرفة على اختلافها، فعنيت بهذا المقال الصحف الآتية، وهي: الوقائع المصرية، وروضة المدارس، ووادي النيل، وروضة الأخبار، ويعسوب الطب، ومصباح الشرق، والمؤيد، واللواء، والأهرام، والجريدة, وما زال اهتمام الصحافة المصرية باديًا بهذه الناحية إلى اليوم. ولكن من الحق أن يقال: إن من أكثر المجلات المصرية احتفالًا بالمقال العلميّ, مجلتا: المقتطف والهلال، ويصح أن تضاف إليهما مجلتا الرسالة والثقافة. غير أن القدح المعلى في هذا الميدان, إنما كان للمقتطف بالذات، فقد استطاعت هذه المجلة المصرية العتيدة أن تقدم للعلم في مصر والشرق خدمة جليلة، وذلك منذ سبعين عامًّا إلى الوقت الذي احتجبت فيه عن سماء الفكر العربيِّ، ثم تليها في الدرجة العلمية مجلة "الهلال" التي انشئت عام ١٨٩٢.

стр. 298

وما زالت تخدم العلم والثقافة والأدب إلى اليوم، وقد اعتادت هذه المجلة الأخيرة أن تتحف قراءها في كل عدد من أعدادها بمقالٍ طريف في موضوع من الموضوعات العلمية الدقيقة, وكثيرًا ما تنقل الهلال هذه المقالة أو تلك، إما عن كتاب معروف في الأوساط العلمية، وإما عن إحدى المجلات الأوروبية أو الأمريكية، مثل مجلة "الريدرز دايجست" وقد يكون المقال من تأليف عالم من العلماء في مصر، أو الشرق، أو عضو من أعضاء أسرة التحرير بالمجلة ذاتها. أما الصحف اليومية الحديثة في مصر, فلم تغفل هي الأخرى ما يجب عليها نحو المقال العلميّ، ومن هذه الصحف المعاصرة صحيفة "الأهرام", وصحيفة "أخبار اليوم"، وفي الأخيرة ظل الدكتور "سعيد عبده" يكتب فترة طويلة عن الأمراض الكثيرة بعنوان: "خدعوك فقالوا". وما دمنا نشير إلى فحول الكتاب في هذا المجال, فلا مَفَرَّ لنا من الإشادة برائد هذا النوع من المقالات في العصر الحديث، وهو الأستاذ هولدين Holldane في كتابه. "العلم في خدمة الحياة اليومية" Seience for every day life: وهو حلقة من سلسلة كتب بينجوين Pingwin المعروفة، ولعل هذا الأخير من أوائل من اهتدوا إلى أكثر من طريق لتبسيط العلم وتيسيره على القارئ العاديّ. يتضح مما سبق أنه لا غنى للصحيفة في عصرنا الحاضر عن "المحرر العلميّ" وهو عضو من أعضاء أسرة التحرير، يمتاز غالبًا بخبرة واسعة في العلوم، وإليه تلجأ الصحيفة في كل ما يتصل بالمادة العلمية التي تسوقها إلى القراء، سواء أكانت في شكل مقال علميّ، أم في شكل عمود إخباريّ، أم في شكل عدد ممتاز يختص بناحية من النواحي العلمية، أو بمرفق من مرافق الأمة, خذ لك مثلًا -صحيفة الأهرام- فإنها تصدر "الأهرام الاقتصاديّ"

стр. 299

مرةً كل شهر في الغالب، وتصدر كذلك عدد خاصًّا باسم: "البلاد العربية" في مواعيد غير محدودة, ولا مضبوطة، لأن أمثال هذه الدوريات إنما تخضع خضوعًا تامًّا للمناسبات، وذلك كله فضلًا عن العمود أو المقال العلميّ الذي تنشره الأهرام اليومية بين حين وآخر١. وهكذا تتسع دائرة المعارف الإنسانية يومًا بعد يوم، لكنها مهما اتسعت تظل على الدوام ناقصة، وذلك ما يدعو الصحف والمجلات إلى الكتابة العلمية التي تصل الجمهور بكل جديد في العلم من حيث هو. والناظر إلى "المقال العلميّ" الذي تراد به خدمة الجمهور من قراء الصحف, يرى أن لصياغته طرائق شتَّى منها: طريقة السرد، وطريقة الحوار، وطريقة القصة، وطريقة الأمثلة والشواهد، وطريقة تصحيح الأخطاء والأفكار، وطريقة الرسوم الكاريكاتورية التي تصور بعض الشخصيات الهامة في الميدان العلميّ، ونحو ذلك. وقد نبهنا الأستاذ "كارل وارين" في كتابه "كيف تصبح صحفيًّا" إلى طائفةٍ من الوصايا التي يحسن الالتفات إليها عند كتابة المقال العلميّ، ومنها ما يلي: أولًا: لا تحسن الظن دائمًا بمعلومات القارئ، ولكن في الوقت نفسه لا تحتقر ذكاءه, أو تفترض أنه غبيّ. ثانيًا: لا تظن أن هذا الخبر أو ذاك قديم على القارئ, كما هو قديم ومألوف لديك، فهناك قراء كثيرون لا يزالون يعيشون في القرن التاسع عشر، أو في القرن الثامن عشر.

стр. 300

ثالثًا: لا تخرج عن دائرة الحياة الإنسانية، فالقارئ آدميٌّ دائمًا، ولا تعنيه غير هذه الموضوعات. رابعًا: لا تنس كذلك أن القارئ يقاطعك في كل عشرة سطور ليسألك: لماذا، وماذا؟ فإذا لم تجب عن تلك الأسئلة وأمثالها, فلن يتم قراءة موضوعك. خامسًا: لا تعتقد أنك تجعل الموضوع أكثر جاذبية إذا حشوته بخرافاتٍ أو أشياء خيالية، أو بألفاظٍ تدل على التهويل والمبالغة. سادسًا: لا تقل: هذا كشف هام، فما دمت قادرًا على ذلك, فلست في حاجة إلى كتابة هذه العبارة. وعلى أية حالٍ, ليس المحرر العلميّ في الصحيفة عالِمًا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنًى، ولكنه رجل قادر على تفهم المعنى العام لأي اختراع، أو كشفٍ، أو نظريةٍ علميةٍ، ونحو ذلك، وقد لا يتطلب منه ذلك غير دراسات عامة، وتجارب منوعة١. وبعد، فقد كنا نود أن نورد للقارئ نموذجًا للكتابة العلمية, بقلم الأستاذ "هولدين" أستاذ العلوم بجامعة كمبردج, الذي تقدم ذكره، ولكن منعنا من ذلك أنه غير مصريّ، ونحن إنما نسوق أمثله مصرية بحتة كلما أمكن ذلك. وعلى هذا, نكتفي بمثال من مجلة "الهلال" هو بالصدفة منشور في العدد الخامس من المجلد الثامن والخمسين، ويتناول موضوعًا طريفًا, هو موضوع "الرادار" وقد اختار له الكاتب هذا العنوان جاء فيه٢:

стр. 301

الأذن السحرية كلما اكفهر جو السياسة الدولية، وتلبدت فيه الغيوم منذرة باحتمال وقوع الحرب, نشطت السلطات المختصة في كل دولةٍ لتجنيد الرجال العسكريين والعلماء معًا. والواقع أن تجنيد العلماء للبحث والاختراع, لا يقل أهميةً من الوجهة الحربية عن تجنيد العسكريين، وما زالت معركة بريطانيا الجوية ماثلة في الأذهان؛ إذ جند الألمان ما لا يحصى عدده من الطائرات لكي يقضوا على انجلترا القضاء الأخير، ولكنهم لم يستطيعوا أن يكسبوا تلك المعركة رغم استعدادهم الضخم الرهيب، وإحكامهم وضع الخطط لتنفيذه، وما كان فشلهم غير المنتظر إلّا نتيجة اختراع "الرادار" أو الأذن السحرية الذى استطاع الإنجليز بها معرفة الطائرات المعادية قبل وصولها بوقتٍ كافٍ لاستعداد قوات الدفاع التي أصلتها نارًا حاميةً عند وصولها، وبذلك فقدت هذه الطائرة عنصر المفاجأة. ويضع المختصون آمالهم الآن في جهاز "الرادار" لدرء خطر القنبلة الذرية التي ينتظر أن تكون هي السلاح الأول في أية حرب قادمة. وللرادار جهاز لاسلكي يبعث موجات لاسلكية قوية, يسيرها بسرعة عظيمة في اتجاه محدد، فإذا اصطدمت هذه الموجات بجسم صلب، كطائرة تشق عنان السماء، أو باخرة تمخر عباب الماء، انعكست وعادت إلى الرادار ثانية، وبمعرفة الزمن الذي استغرقته في ذهابها وعودتها يعرف موقع الطائرة أو الباخرة، وتعرف المسافة بينهما وبين محطة الرادار. ومن المدهش أن الخفاش أو "الوطواط" سبق إلى أسلوب جهاز الرادار منذ أزمنة بعيدة، وقام باستخدامه بنجاح عجيب قبل أن يدرك الإنسان من أمره شيئًا.

стр. 302

فالمعروف أن الخفاش يختفي بالنهار، فإذا أقبل الليل خرج للبحث عن الغذاء طائرًا بسرعةٍ كبيرةٍ في الظلام الحالك، دون أن يصطدم بتاتًا بالأشجار أو بالأبنية التي تعترض طريقه، وكثيرًا ما يخترق الغابات الكثيقة التي تمتليء بالأشجار المتقاربة والأغصان المتشابكة، فيمرق بينها مروق السهم، في سهولة وأمان! وقد كانت هذه الظاهرة العجيبة -ونعنى بها: تحاشي الخفاش تلك العوائق المتقاربة, وعدم اصطدامه بها- مما آثار دهشة الباحثين زمنًا طويلًا، لما ثبت من أنه لا يستطيع أن يراها في الظلام، فهو إذن لا يعتمد في تجنبها على حاسة النظر، بل هناك -ولاشك- حاسة أخرى، هي التي تنير له السبيل، وتجنبه الاصطدام بتلك العقبات. وقام كثير من الباحثين بإجراء تجارب عدة, أظهرت في وضوحٍ تامٍّ أن الخفاش لا يعتمد على الإبصار في طيرانه ليلًا، فقد أحضر العالم "سبالانزاني" عددًا من الخفافيش، وفقأ عيونها، ثم تركها بعد ذلك تطير في الهواء، فتبين له من حركتها المتزنة أنها لم تتأثر على الإطلاق بفقدها الإبصار! ووضع بعض الباحثين خفاشًا في غرفةٍ كبيرةٍ, وثبت في جميع أرجائها أسلاكًا متقاطعة على شكل شبكة، وعلى في تلك الأسلاك أجراسًا صغيرة تدق إذا لمس أي جسم هذه الأسلاك، ثم أطفئت أنوار الغرفة، ووقف الباحثون في ركن منها، لا يرون شيئًا، ولكنهم يسمعون ويحسون بما يجري فيها، وظلوا كذلك حوالي نصف ساعة، والخفاش يطير من مكان إلى مكان متنقلًا بين فتحات تلك الشبكة, دون أن يمسَّ أي جزء فيها، وكان في بعض الأحيان يقترب من وجوههم حتى ليحسون بحركة الهواء الذي تدفعه الأجنحة. وحينما أضيئت الأنوار انقطع الخفاش عن الطيران، وتراجع إلى أعتم مكان في الغرفة حيث قبع ساكنًا لا يبدي أي حراك.

стр. 303

وبدأ الباحثون يعللون هذه الظاهرة بشتَّى التعلليلات دون أن يهتدوا إلى الدليل الكافي الذي تدعمه التجارب والمشاهدات العملية، وكان التعليل الذي قدمه العالم "هارد تردج" سنة ١٩٢٠, أول تعليل استساغه أغلب الباحثين، وقد رجح فيه استخدام الخفاش موجات صوتية لا تدركها أذن الإنسان, ثم أيدت الأبحاث الحديثة صحة هذا التعليل. ولتفسير ذلك نقول: إن الأصوات المختلفة التي نسمعها ننتقل في الهواء على صورة موجات صوتية، ويدرك الإنسان تلك الأصوات فور وصولها إلى طبلة الأذن، ولا تستطيع أذنه أن تدرك من الأصوات إلّا ما كانت اهتزازاتها تتراوح بين ٢٠ و ٣٠ ألف اهتزازة في الثانية، وهي تعرف "بالأصوات المسموعة"، أما الموجات الصوتية التي تزيد اهتزازاتها على هذا, فلا تدركها الأذن، وقد أطلق عليها العلماء اسم: "الأصوات فوق السمعية". وأثبت بعض العلماء الأمريكيين حديثًا, أن الخفاش لا يصدر الأصوات المعروفة التي نسمعها فحسب، بل يصدر كذلك أصواتًا أخرى "فوق سمعية"، كما أثبتوا أن في استطاعته سماع تلك الأصوات التي تدركها أذن الإنسان, فهو يقوم بإصدار هذه الأصوات التي تنتقل في الهواء، حتى إذا اعترض طريقها بعض العوائق كالأشجار وغيرها, انعكست كما تنعكس أشعة الشمس على سطح مرآة، فإذا ما وقعت تلك الموجات الصوتية المنعكسة على أذنه, أمكنه أن يدرك وجود تلك العوائق, ويعتمد الخفاش في تقدير المسافة التي بينه وبين السطح الذي ينعكس منه الصوت على الزمن الذي يستغرقه الصوت في الذهاب إلى هذا السطح والعودة منه بعد انعكاسه, وهذا ما يحدث تمامًا في جهاز الرادار. ومن بين التجارب التي أجريت لإثبات وجود تلك الأصوات التي لا نسمعها أنهم وضعوا "ميكروفونات" بالقرب من الخفافيش.

стр. 304

الطائرة، ووصلوا هذه الميكروفوات بأجهزة دقيقة تقوم بتحويل الاهتزازات الصوتية التي لا نسمعها إلى اهتزازات كهربائية يمكن إدراكها بطريقة خاصة، فأثبتت هذه التجارب أن الخفافيش تصدر أصواتًا تتراوح بين ٣٠ و ٧٠ ألف اهتزازة في الثانية، أي: أنها فوق القدرة السمعية للأذن البشرية، وفي الوقت نفسه قام هؤلاء العلماء الباحثون بفحص أذن الخفاش، فظهر لهم أن لها من الميزات ما يجعلها قادرة على سماع مثل تلك الأصوات. ويقال: إن الحاسة التي يتفادى بها الخفاش جميع الحواجز التي تعترضه تتركز في لسانه، فقد لجأ العلماء إلى قطع عصب تحت لسانه, فاكتشفوا أنه يصدر أصواتًا يتعرف بها على الحواجز التي أمامه بواسطة حركات لسان١ من ذلك نرى أن الطبيعة قد وضعت سرًّا من أدق أسرارها في مخلوقٍ ضعيفٍ لا يكاد يعيره الإنسان هو جدير به من تقدير وإعجاب، فقد استخدم هذه الطريقة العجيبة في كفاحه من أجل الحياة، وتغلب على الصعوبات التي تعترض طريقة أثناء تجواله الليليّ الذي يمارسه بحثًا عن الغذاء. وهكذا انتهى هذا المقال العلميّ, في شرح نظرية من أدق نظريات العلم، وهي نظرية "الرادار" واصطنع الكاتب في مقاله هذا لغةً سهلةً, تجنب فيها الإكثار من المصطلحات العلمية التي يشق فهمها على القراء، وسرد في سبيل ذلك طائقة صالحة من التجارب التي مارسها العلماء، وشرح هذه التجارب الكثيرة بأسلوب يمتاز بالوضوح والبساطة، كما يمتاز كذلك بربط ما اشتمل عليه من المعلومات الطريفة بحاجة من حاجات القراء، هي الرغبة في السلام، ونزعة من نزعاتهم، أو غريزة من غرائزهم، هي غريرزة حب الاستطلاع، وفي ذلك ما أغنى الكاتب عن

стр. 305

سلوك سبيل "القصة" أو "الحوار" أو غيرهما من الوسائل الأدبية التي أشرنا إلى بعضها في غضون هذا الفصل. ومثل هذه المقالات كثير مما كتبه الدكتور أحمد زكي في الصحف والمجلات، وكثير مما أذاعه كذلك من إذاعات، ساردًا في هذه وتلك شيئًا من قصص العلوم والمخترعات. ولا يتسع الفصل الذي بين يديك لإيراد أمثلة أخرى توضح لك الطرق التي سلكها الكتاب في تبسيط العلم، وتقريبه إلى أذهان العامة، سعيًا وراء هذه الغاية التي تهدف إليها الصحافة, وهي تثقيف رجل الشارع بمختلف الثقافات، وتزويده بشتَّى المعلومات. كما لا يتسع هذا الفصل لاستيعاب الأنواع الكثيرة للمقال العلميّ, فإن المقالات العلمية تتنوع بتنوع العلوم ذاتها، وما أكثرها كما نعرف، غير أن أشهر ما عنيت, وتُعْنَى به الصحف والمجلات المصرية إلى اليوم من أنواع المقال العلميّ ما يلي: ١- المقالة النقدية، ومن أشهر كتابها: العقاد، والمازني، وطه حسين. ٢- المقالة الفلسفية، ومن أشهر كتابها: أحمد لطفي السيد، والدكتور منصور فهمي، والدكتور زكي نجيب محمود. ٣- المقالةا لتاريخية، وهي كثيرة الورود في الصحافة المصرية, ولها كتاب عديدون. ٤- المقالةالعلمية، ومن أشهر كتابها: الدكتور صروف، والدكتور أحمد زكي. ٥- المقالة الاجتماعية، وكتابها كثيرون أيضًا في الصحف والمجلات في الوقت الحاضر، وكل ذلك تنشره المجلات أكثر مما تنشره الصحف اليومية.

стр. 306

المقال الصحفيّ: اعتاد الباحثون في الفن الصحفيّ أن يشبهوا المخبر بالحواس الخمس للإنسان، وهذه الحواس هي وسيلته دائمًا للاتصال بالعالم الخارجيّ, ومعنى ذلك أن المخبر الصحفيّ يسجل دائمًا ما يشاهده بعينه، ويسمعه بأذنه ويشمه بأنفه, أي: أنه يحس الخبر إحساسًا تامًّا. ثم يأتي بعد ذلك دور المقال الصحفيّ, كائنا ما كان, وقد اعتاد الباحثون تشبيهه "بعقل الإنسان" أو "بالمعدة" ومعنى ذلك: أن وظيفة المقال في الصحيفة كوظيفة المعدة أو العقل سواء بسواء، والعقل البشريّ هو القادر دائمًا على تفسير المحسوسات، وشرح المؤثرات، وربط الأحداث بعضها ببعض، ومن هنا كان الفرق عظيمًا بين كاتب الخبر، وكاتب المقال. فكاتب الخبر ليس له أن يستنبط، أو يستخرج، أو يدخل في موازنات أو يتبرع بالمدح أو بالذم، وإنما هو مسجل للأحداث يعرضها بطريقة تتفق وسياسة الصحيفة. أما كاتب المقال -كائنًا ما كان- فله أن يوازن بين الصور المختلفة لخبر من الأخبار؛ ليخرج من هذه الموازنة بالقدر من الصواب الذي اشتركت فيه جميع الصحف ووكالات الأنباء، وله كذلك أن يختار من صور هذه الأخبار صورةً يراد بها التأثير في نفوس القراء، وعليه تقع هذه التبعة الإخبارية، كما عليه أن يتولى القيام بتبعات الإرشاد والتوجيه وغيرهما من التبعات الأخرى. وكلا الرجلين كاتب الأخبار، وكاتب المقال, لا ينبغي لهما -إلّا في الأوقات النادرة- الاهتمام بالإحساسات الذاتية قدر الاهتمام بإحساسات القراء.

стр. 307

ومما تقدَّم تتضح لنا وظائف المقال الصحفيّ، وهي كثيرة, من أهمها ما يلي: أولًا: وظيفة شرح الأخبار، وتفسير الصلة التي بينها وبين الأفراد والمجتمعات, والتعليق على هذه الأخبار تعليقًا يوضح مغزاها للقارئ. ثانيًا: وظيفة التوجيه والإرشاد، وذلك على أساسٍ من العلم والمعرفة التامة بموضوع التوجيه، وإيراد الشواهد القوية من واقع الحياة. ثالثًا: وظيفة التسلية والإمتاع, وإشباع فضول القراء، وذلك في الموضوعات التي تستأثر باهتمامهم، وتجتذب التفاتهم. من أجل ذلك وجب على "مجلس التحرير" في الصحيفة أن يضمَّ إليه نخبةً طيبةً من المحررين المتخصصين كل في موضوعٍ من الموضوعات الهامة كالسياسة والاقتصاد، والزراعة، والصناعة، والتعليم، ونحو ذلك, ومعنى هذا في إيجاز: أن على "مجلس التحرير" في الصحيفة الحديثة أن يكون أشبه بمجالس الكليات في الجامعة، وتتألف هذه المجالس عادةً من الأساتذة ذوي الكراسيّ، عملهم الرئيسيّ توجيه الدراسات المختلفة في كليات الجامعة، وإحداث التنسيق التام بين مواد كل كلية من هذه الكليات على حدة. وهذا كله ما يمكن أن يطلق عليه اسم: "تجميع الصحيفة" أي: جعلها تأخذ صورة "الجامعة". ولا غرابة في ذلك ما دامت الصحافة في كل أمة من الأمم هي التي يناط بما تثقيف الجمهور، وإرشاده في جميع الأمور. فنون المقال الصحفيّ وطريقة صياغتها: المقال الصحفيّ بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة, لا يكاد ينطبق إلّا على فنين فقط، هما: فن المقال الافتتاحيّ، وفن العمود أما ما عدا ذلك من الفنون الصحفية -عدا الخبر- كالحديث، والتحقيق، والماجريات

стр. 308

والطرائف الصحفية، فهي وإن كانت شبيهةً بالمقال الصحفيّ، إلَّا أنها لا تعتبر مقالًا صحفيًّا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. ومعنى ذلك: أننا كما فرقنا بين بين المقال الأدبيّ، والمقال العلميّ، وجعلنا لكل منهما أشكالًا، وجعلنا لكل شكل شكل طريقة خاصة به من حيث التحرير، فكذلك نجعل المقال الصحفيّ مقصورًا على مادتين فقط من مواد الصحيفة، وهما: مادة المقال الرئيسيّ، ومادة العمود بأشكاله الكثيرة وأغراضه المنوعة. أما عن صياغة المقال الصحفيّ -كائنًا ما كان- فنحن نعرف أولًا أن بين هذين الفنين من فنون الصحافة، وهما: الخبر، والمقال, فروقًا هامةً من حيث القالب الفنيّ الذي تصاغ فيه كل مادة من هاتين المادتين على حده. فالخبر: وهو شيء مخالف في طبيعته كل المخالفة للمقال, يصاغ على شكل الهرم المقلوب, بأن تأتي الخلاصة أولًا، ثم تأتي التفاصيل بعد ذلك. والمقال: وهو فكرة يتلقفها الكاتب, إما من الصحيفة نفسها، وإما من الراديو أو من التليفزيون، وإما من جهاز استقبال الأخبار TICKER ينبغي أن يصاغ على هيئة الهرم القائم أو المعتدل، بمعنى أن الخلاصة تأتي في النهاية دائمًا، وأما الشواهد والتفاصيل والمقدمات فتكون سابقة لذلك. ومعنى هذا باختصار: أن للمقال الصحفيّ أقسامًا ثلاثةً، وهي: ١- القديم. ٢- الاستدلال. ٣- النتيجة. في حين أن للخبر قسمين فقط، هما: ١- الصدر ٢ الصلب أو الجسم. ومع هذا وذاك, فلكل فنٍّ من فنون المقال الصحفيِّ سمات خاصة، وأصول متبعة، وقواعد يجب على المبتديء في تحرير الصحف أن يعرفها

стр. 309

معرفةً جيدةً, وقبل أن نخوض في شيء من ذلك, يصح أن نقف قليلًا عند موضوع هامٍّ يتصل بتحرير المقال هو: لغة المقال الصحفي: نعرف أن الصحافة عمل اجتماعيّ بحت، وأن اللغة التي تستخدم لهذا الغرض مشتقة من الحياة الواقعة التي يحياها الناس في المجتمعات، وهذه الحياة الواقعة تلد للصحافة كل يومٍ جملةً صالحةً من الألفاظ والتراكيب التي لا عهد لرجال العلم أو الأدب بها، والذين مارسوا الصحافة في أية أمة من الأمم لم يجدوا بدًّا من إيثار الألفاظ التي ولدتها الحياة الواقعة، وما زالت هذه الأمم الكبرى تلد أمثالها إلى اليوم. وعلى هذا, فالمعين الأول الذي يستفي منه المعجم اللغويّ للصحافة في كل أمة من الأمم, هو الشعب، أو شعوب العالم كله حين تضطر هذه الشعوب إلى استحداث ألفاظٍ تعبر بها عن معانٍ جديدةٍ في المجال الدوليّ تارةً، وفي المجال الإقليميّ تارةً أخرى. على أن المسألة ليست مسألة الألفاظ المستحدثة فقط، وإنما هي مسألة التراكيب التي يألفها الشعب نفسه كذلك, وللشعب قدرةٌ عجيبةٌ على صوغ التراكيب الحديثة التي يعبر بها عن بعض التجارب الإنسانية التي تمر به. ومعنى ذلك: أن الشعب يعمل ذوقه في الألفاظ من جهة، وفي التراكيب والجمل من جهة ثانية. ولكن أيّ طبقة من طبقات الشعب يمكنها عمليًّا أن تقوم بهذه المهمة المزدوجة؟ لا شك أنها الطبقة المثقفة التي يقدر أفرادها دائمًا على نحت الألفاظ الجديدة، والذي لا شك فيه أيضًا أن على محرري الصحف في كل بلد من بلاد العالم المتحضر يقع العبء الأكبر في القيام بهذه المهمة التي نتحدث عنها.

стр. 310

والعجب كل العجب أن نرى بعض المجددين في الأدب يطالبون ملحين بين الحين والحين باصطناع اللهجة العامية في الكتابة تيسيرًا على القراء، وإشراكًا لأكبر عدد منهم في التعليم والثقافة، وما دري هؤلاء المجددون -وهم يتبعون أنفسهم في هذا السبيل- أن الصحافة الشعبية تقوم لهم بهذا العمل الجليل، وتقدم كل يوم خطوة جديدة نحو هذه الغاية، ولكن من غير أن تثير عليها ضجة من جانب المحافظين المتزمتين الذين يحمون اللغة الفصيحة من أن يتسرب إليها بعض الألفاظ والجمل التي ليست منها في الحقيقة. ورب قائلٍ يقول: ولكن هاتين المقدمتين السابقتين بينهما شيء من التعارض، والواقع أن هاتين المقدمتين، لا تعارض بينهما، لأنهما تقودان إلى النتيجة المطلوبة، فالمقدمة الأولى تقول: إن الحياة الواقعة تستحدث ألفاظًا وتراكيب جديدةً, لا عهد لرجال العلم أو الأدب بها، والمقدمة الثانية تقول: إن الفئة المثقفة في الأمة هي التي تقوم بهذه المهمة المزدوجة، والنتيجة التي تقودنا إليها المقدمتان هي أن الصحافة لا بدَّ لها من "صفة الشعبية" في التعبير, صفة التطور في الكتابة، وإفساح المجال للجديد من الألفاظ والمعاني التي لم يعرفها القدامى. أما من حيث الألفاظ: فمن ذا الذي يقول: إن القدماء كانوا يعرفون كلمات: التأميم، والتدويل، والتصنيع، والتعايش السلميّ، والضمان الاجتماعيّ، والحكم الديموقراطيّ، والحكم الأوتوقراطيّ، والنقطة الرابعة، وغير ذلك من الكلمات التي نسمع بها في الصحف من حين لآخر, وسنسمع بغيرها في المستقبل؟ وأما من حيث التراكيب: فمن ذا الذي يقول: إن القدماء والمحافظين منهم -بنوع خاص- يستسيغون استخدام الأساليب العامية، حين يؤثرها الكتاب والمحررون على الأساليب الكلاسيكية، حتى أن البعد

стр. 311

أو القرب في الصحافة من المستوى الشعبيّ في الكتابة يحدد طورًا من أطوار التحرير الصحفيّ، أو يعين مرحلة من المراحل التي يمر بها التحرير في عهوده المختلفة؟ من أجل هذا, نرى كثيرين من المحررين -حتى المحافظين منهم- على عربية الأسلوب, يحشون مقالاتهم بالألفاظ والتراكيب العامية, والأمثال الشعبية، ومن الأمثال على ذلك. قول بعضهم في مقام التعبير عن الحيرة: أريد أن أعرف رأسي من رجلي، وقول بعضهم في مقام التعجب، يا سلام!، وقول بعضهم في مقام التهوين أو التخفيف من حدة السامع أو القارئ: الدنيا بخير يا أخي! وقول بعضهم في معنى الانتقال من حديث إلى آخر: ما علينا! إلى غير ذلك من آلاف الأمثلة! ألست ترى معي أن كل هذه الجمل والتراكيب مما يصطنعه الناس في أحاديثهم الخاصة، وأنهم لا يكادون يستخدمون غيرها في مثل هذه المواضع التي أشرنا إليها؟. وأكثر من هذه وذاك, أن عنوانات بعض المقالات تأتي أحيانًا على شكل صور شعبية, لا صلة لها كذلك بغيرها من العنوانات "التقليدية" التي نجدها في الكتب القديمة أو الحديثة. ومن الأمثلة على ذلك, مقال كتاب الدكتور "طه حسين" في موضوع التربية والتعليم, بعنوان: "ولو" رد فيه على الذين يناقشونه آراءه الخاصة به في هذه الناحية. وكثير من العنوانات التي يستخدمونها كتاب آخرون غير "طه حسين" تكون في معظمها على شكل مَثَلٍ عاميٍّ، أو حكمة شعبية، أو عبارة جارية على الألسن، ونحو ذلك.

стр. 312

والخلاصة: أن المقال الصحفيّ ينبغي أن يكتب باللغة التي يفهمها أكبر عدد ممكن من الشعب على اختلاف أذواقهم أو أفهامهم أو بيئاتهم وثقافتهم، وهذه اللغة التي هي اللغة القومية في صورة من صورها تمتاز بأشياء منها: البساطة والوضوح، والإيناس واللطف، والرشاقة، وتنأى ما أمكن عن صفات التعالي على القراء، والتقعر، أو الغرابة في الأسلوب، أو المبالغة في التعمق الذي لا تقبله طبيعة الصحف بحالٍ من الأحوال ١.

стр. 313

المقال الافتتاحي: يطلق عليه الإنجليز والأمريكيون اسم، LEADING ARTICLE أو اسم EDITORIAL ARTICLE، وهو المقال الرئيسيّ للصحيفة، وله فَنٌّ خاصٌّ به من حيث الصياغة، وأساس هذا الفن هو الشرح، والتفسير، والاعتماد على الحجج المنطقية حينًا، والعاطفية حينًا آخر, للوصول إلى غايةٍ واحدةٍ فقط, هي إقناع القارئ. ومعنى ذلك: أن المقال الافتتاحيّ ليس الغرض الأول من أغراضه الإعلام, ولا ينبغي له أن يهدف إلى السبق الصحفيّ من هذه الناحية, إنما الغرض الأصليّ للمقال الافتتاحيّ هو الرأي، وكثيرًا ما يكون هذا الرأي تعليقًا على أحداث الأخبار أو الحوادث الجارية، ومن ثَمَّ نرى كاتب هذه المادة الصحفية سريعًا في تفكيره، سريعًا في تعبيره عن رأي الصحفية في هذا الحدث أو ذاك، ولذا وجب عليه دائمًا أن يكون واسع الاطلاع، قادرًا على ربط الحاضر بالماضي، متصلًا على الدوام بشتَّى الصحف والدوريات، كما يقف الناقد على أحدث الآراء في النقد، أو أحدث الكتب في المادة التي هي موضوع هذا النقد. وفوق هذا وذاك, ينبغي لكاتب المقال الافتتاحيّ أن يكون على صلةٍ لا تنقطع بالصفوة الممتازة من العلماء والأدباء والمفكرين في عصره، وله في بعض الأوقات أن يكل إلى أحدهم كتابة المقال الافتتاحيّ في الموضوع الذي تخصص فيه، وللصحيفة أن تنشر هذا المقال ما دام يتفق وسياستها، ويعبر عن غرضها. ثم إنه لا غنى لكاتب المقال الافتتاحيّ، في أحيانٍ كثيرةٍ، عن

стр. 314

الأرشيف الصحفيّ, يرجع إليه كلما أراد الوقوف على الحوادث السابقة, والشواهد الماضية، ويفيد منه في تقوية المقال، ويكون الأرشيف الصحفيّ في هذه الحالة أشبه شيءٍ بالوثائق والشهود على صدق ما يقول. ومهما يكن من شيءٍ, فنحن نستطيع أن نتبين في المقال الافتتاحيّ هذه العناصر: ١- عنصر التقديم, أو الفكرة المثيرة لاهتمام القارئ. ٢- عنصر الحقائق, والشواهد المؤيدة للفكرة. ٣ عنصر النتيجة, أو الخلاصة التي يخرج بها القارئ. ومن وسائل التوضيح لهذه العناصر عند الباحثين في الصحافة وضع رسم كالآتي: هذا في شكل هرمي على هيئة مستطيل يسحب اسكنر. ومن وسائل التوضيح لهذه العناصر التي يتألف منها المقال الافتتاحيّ, وضع رسم كذلك على النمط الآتي:

стр. 315

خصائص المقال الافتتاحيّ: نستطيع أن نقول: إن للمقال الافتتاحيّ سماتٌ خاصّةٌ يعرف بها، وخصائص فنية تتوافر له، ومن هذه الخصائص ما يلي: أولًا: خصيصة الثبات على سياسة واحدة هي سياسة الصحيفة؛ إذ لا يصح لهذه الصحيفة أن تكون مذبذبة بين سياسات كثيرة، لأنها بذلك تفقد أهميتها كصحيفة من صحف الرأي. ومن أجل هذا يراعى في المقال الافتتاحيّ عادةً ألَّا يكون مذيلًا بتوقيع كاتبه؛ لأنه مقال منسوب إلى الصحيفة نفسها, بوصفها هيئة من هيئات الإعلام، لها سياستها وهدفها من وراء هذا الإعلام. ثانيًا: خصيصة الحذر والاحتياط في إبداء الرأي؛ لأنه ما دام رئيس التحرير, أو كاتب المقال الافتتاحيّ, لا يعبر عن رأيه الشخصيّ، بل عن رأي الصحيفة باعتبارها مؤسسة اجتماعية وظيفتها -الإعلام- كما قلنا، يجب عليه أن يصطنع الحيطة فيما يكتب من مواد باسم الصحيفة, وإلَّا عرضها للخطر الداهم.

стр. 316

والحقيقة أن كاتب المقال الافتتاحيّ ليس مطالبًا كل يوم بذكر آراء صريحة في كل مشكلة من المشكلات التي تهم المجتمع، بل إنه أشبه بالقاضي العدل، يجوز له أن يؤخر حكمه في القضايا المعروضة أمامه حتى تتجمع لديه الأدلة الكافية، والشهود العدول, والبراهين المؤيدة لوجهة النظر التي ينتهي إليها في كل قضية من القضايا. وبعبارةٍ أخرى: يجب على كاتب المقال الافتتاحيّ أن يفكر مرتين عندما يشرع في كتاب هذا المقال؛ مرةً بوصف أنه كاتب لهذه المادة الصحفية الهامة، والأخرى بوصف أنه معبر عن رأي الصحيفة التي يكتب هذه المادة لها وباسمها. وهنا تثار مسألة تتصل "بضمير الكاتب" فهل معنى ما تَقَدَّمَ من الكلام, أن الكاتب ينبغي أن يخالف ضميره فيما يقدم للقراء من هذه المادة الصحفية الهامة, التي قلنا إنها ملك للصحيفة قبل أن تكون ملكًا لكاتب من كتابها؟ والجواب على ذلك صريح واضح، وهو أن الكاتب الذي يختلف في وجهة نظره عن وجهة نظر الصحيفة يجب ألّا يجعل من المقال الافتتاحيّ مجالات لإظهار ذلك. على أننا لا نعرف من أصحاب الصحف, أو رؤساء التحرير, من يفرض على كاتبٍ من كتاب الصحيفة أن يكتب المقال الافتتاحيّ في موضوع لا يوافق عليه الكاتب، ولا يتفق فيه إطلاقًا مع سياسة الصحيفة، وسنعود إلى الكلام عن هذه المسألة الهامة بعد قليل. ثانيًا: خصيصة التبسط في الحديث والإيناس في السرد، ومعنى ذلك بعبارةٍ موجزةٍ أن حديث الكاتب في المقال الافتتاحيّ لا يجوز مطلقًا أن يأتي عن طريق الاستعلاء الذي يحس به القارئ عند القراءة، بل ينبغي أن يأتي عن طريق الملاحظة، وشعور الكاتب والقارئ معًا بأنهما صديقان يتحدثان حديثًا يهم كل واحد منهما بقدر ما يهم الآخر، وليس

стр. 317

المقال الافتتاحيّ في الواقع إلّا محاولةً هادئةً لجذب القراء، وإشعارهم بأنهم شركاء في حل المشكلات العامة، وتوجيه السياسة التي تتبعها الدولة، أو يتبعها المجتمع، فإذا شعر القارئ يومًا ما بغير هذا الشعور, انصرف عن الصحيفة، ولو كان الحق معها، والصواب في جانبها. رابعًا: خصيصة الإقناع عن طريق الشواهد والأمثلة المشتقة -كما قلنا- من الأحداث الجارية في الحاضر، والأحداث التي جرت في الماضي، والتجارب الإنسانية التي يختزنها الكاتب في ذاكرته, إما بطريق الممارسة، وإما بطريق الإطلاع، ولهذه الشواهد والأمثلة حَيِّزٌ كبير في المقال الافتتاحيّ، وهي مجال واسع يتبارى فيه كتاب الصحف، ويظهر فيه علمهم واطلاعهم ووقوفهم على التاريخ العام والتاريخ الخاص. خامسًا: خصيصة الجدة الزمنية، أو مسايرة المقال للأحداث، ومعنى ذلك: أنه ينبغي للمقال الافتتاحيّ أن يعالج موضوعات الساعة، ومشكلة اليوم، ويهتم بالأفكار التي تشغل أذهان الناس وقت ظهور الصحيفة. وبذلك تضمن الصحيفة أن يكون لها قراء ينتظرون رأيها في كل حادثة تحدث لهم، أو فكرة تولد بينهم، أو وضع الأوضاع السياسية أو الاجتماعية، أو الاقتصادية, يراد نقلهم إليه. سادسًا: خصيصة التوجيه والإرشاد، وهي شيء يختفي دائمًا وراء أسلوب الكاتب، فلا ينبغي أن يكون في شكل موعظة، أو نصيحة، أو أمر، أو نهي أو زجر، أو تعليمات يبعث بها الكاتب من فوق منبر الصحيفة، ليحاول أن يؤثر بذلك في الرأي العام. إنما الكاتب الصحفيّ -كما قلنا ذلك مرارًا- صديق القارئ وشريكه في تكوين هذا الرأي. ومع هذا وذاك, فإن كثيرًا من الصحف التي تعتبر نفسها "صحف رأي"

стр. 318

لا تحاول أن تنزل إلى مستوى العامة, بقدر ما تحاول أن ترفع العامة إلى مستواها، وتلك مهارة صحيفة لا تستعصي على كثير من الكُتَّابِ متى قصدوا إليها، وكانت سياسة صحفهم ترمي إلى ذلك. سابعًا: عنصر التسلية والإمتاع والترفيه، فلا يقتصر المقال الافتتاحيّ على المسائل الكبيرة وحدها، بل يتناول كذلك بعض المسائل الخفيفة، والموضوعات الطريفة، وآية ذلك, أننا نجد الصحف الموقرة في مصر وانجلترا تنزع أحيانًا إلى موضوعات لها مثل هذا الطابع الذي أشرنا إليه، وهو الطابع الممتاز بخفة الروح، وبراعة النكتة، وطرافة الفكرة. ومهما يكن من شيءٍ, فينبغي أن نذكر دائمًا أن للمقال وحدة مستقلة، ومعنى ذلك: أنه ليس مجرد سرد للحقائق، أو إتيان بالشواهد، أو إيراد للأمثلة، ولكنه وسيلة للتعبير عن رأي من الآراء، أو مذهب من المذاهب، فلا ينبغي أن يحشى بحقائق يزحم بعضها بعضًا, أو تتراكم تراكمًا يحول دون فهم الرأي الذي يبسطه الكاتب، أو الفكرة التي كتب من أجلها المقال، كما ينبغي للمقال الصحفيّ أن يكون ذا موضوع معين، وغاية واحدة، ولا بد من معالجته بطريقةٍ يظهر بها المقال كأن له وحدة مستقلة بذاتها، كما قلنا١. ويجب باختصار أن يعرف المحرر الصحفيّ للمقال الافتتاحيّ أن هناك ثلاثة أشياء يؤثر بعضها في بعض، ويعتمد بعضها على بعض، ويتداخل بعضها في بعض؛ كتداخل هذه الدوائر المرسومة.

стр. 319

وهذه الأشياء الثلاثة هي: سياسة الجريدة، وصياغة المقال، واهتمام القراء, فعلى كاتب المقال الافتتاحيّ, أو الرئيس في الصحيفة, أن يتصور هذه الدوائر في كتابته دائمًا، حتى يبلغ بمقاله الدرجة التي تسعى لها الصحيفة، وينتفع بها القراء. ولنضرب لذلك مثلًا يوضح مدى هذا التداخل، وكيف تحاول الصحيفة تنفيذه بما يحقق شخصيتها التي امتازت بها بين سائر الصحف. وهذا المثل هو "القمر الروسيّ"، وليس من شكٍّ في أن هذا الموضوع, قد أثار اهتمام القراء في العالم كله، فلا مَفَرَّ إذن من أن يكون موضوع المقال الافتتاحيّ في جميع الصحف على اختلافها، وبذلك يتحقق الركن الثالث من هذه الأركان, أو الدائرة الثالثة من هذه الدوائر، وهي الدائرة الخاصة باهتمام القراء. غير أن الصحف تختلف سياستها في البلد الواحد, فصحيفة يسارية تجنح إلى روسيا, وإلى جميع الأفكار التي ترد منها، وصحيفة يمينية تجنح إلى أمريكا, وإلى جميع المذاهب التي تصدر عنها، وصحيفة وسط بين طرفين: فأما الأولى، وهي اليسارية، فإنها تبرز هذا الخبر بطريقة تلفت النظر.

стр. 320

وتمنحه من العناية ما يشعر القارئ بأنه من أهم أخبار العالم، وأما الصحيفة الثانية -وهي اليمنية- فإنها لا تأبه له إلّا بالقدر الذي يقف عند حد الإعلام، ثم تسكت عند هذا الحد، فلا تختار له المكان البارز من الصحيفة، ولا تسرف في وصفه أو التعليق عليه. وأما الصحيفة الثالثة -وهي الوسط- فتهتم بالخبر اهتمامًا وسطًا كذلك، وهكذا يسير العمل في الدائرة الأولى من الدوائر الثلاثة، ونعني بها: الدائرة الخاصة بسياسة الجريدة. ثم إن الاختلاف يقع بين هذه الصحف الثلاث كذلك من حيث الصياغة، فالصحيفة الأولى تعتمد على التهويل، والمبالغة، والإنذار، والتهديد، والوعيد، والطنطة، وخلق اليأس من مجازاة الروس في ميدان العلم، والثانية تعتمد على المواربة والتهوين من شأن هذا الاختراع الجديد، وعلى الأمل الكبير في اللحاق بهذا القمر الروسيّ متى أرادت أمريكا شيئًا من ذلك وقصدت إليه، والثالثة تعتمد على الحذر والاحتياط في الحديث، وعلى التوسط بين المدح والذم، أو الإسهاب والاقتضاب، وبين الرجاء واليأس. الصفات التي ينبغي توافرها في كاتب المقال الافتتاحيّ: على أن كاتب المقال الافتتاحيّ ليس كالأديب، وإنما هو شخص آخر لا يعبر عن آرائه الذاتية، بل يتقيد بآراء الصحيفة التي ينتمي إليها, أو الحزب الذي تدافع عنه الصحيفة. ولكي يكون هذا الكاتب ممتازًا في هذا اللون من ألوان التحرير، يحسن أن يكون متمتعًا بصفات، منها: أولًا: أن يكون ذا حاسَّةٍ صحفيةٍ دقيقةٍ, يتذوق بها الأحداث الجارية في محيطة، والأحداث الجارية في خارج هذا المحيط، وعلى قدر حظه من
следующие страницы →