← Адаб

Адаб · id 11543

المدخل في فن التحرير الصحفي

عبد اللطيف محمود حمزة

Полный текст (567 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والحقيقة أن كاتب المقال الافتتاحيّ ليس مطالبًا كل يوم بذكر آراء صريحة في كل مشكلة من المشكلات التي تهم المجتمع، بل إنه أشبه بالقاضي العدل، يجوز له أن يؤخر حكمه في القضايا المعروضة أمامه حتى تتجمع لديه الأدلة الكافية، والشهود العدول, والبراهين المؤيدة لوجهة النظر التي ينتهي إليها في كل قضية من القضايا. وبعبارةٍ أخرى: يجب على كاتب المقال الافتتاحيّ أن يفكر مرتين عندما يشرع في كتاب هذا المقال؛ مرةً بوصف أنه كاتب لهذه المادة الصحفية الهامة، والأخرى بوصف أنه معبر عن رأي الصحيفة التي يكتب هذه المادة لها وباسمها. وهنا تثار مسألة تتصل "بضمير الكاتب" فهل معنى ما تَقَدَّمَ من الكلام, أن الكاتب ينبغي أن يخالف ضميره فيما يقدم للقراء من هذه المادة الصحفية الهامة, التي قلنا إنها ملك للصحيفة قبل أن تكون ملكًا لكاتب من كتابها؟ والجواب على ذلك صريح واضح، وهو أن الكاتب الذي يختلف في وجهة نظره عن وجهة نظر الصحيفة يجب ألّا يجعل من المقال الافتتاحيّ مجالات لإظهار ذلك. على أننا لا نعرف من أصحاب الصحف, أو رؤساء التحرير, من يفرض على كاتبٍ من كتاب الصحيفة أن يكتب المقال الافتتاحيّ في موضوع لا يوافق عليه الكاتب، ولا يتفق فيه إطلاقًا مع سياسة الصحيفة، وسنعود إلى الكلام عن هذه المسألة الهامة بعد قليل. ثانيًا: خصيصة التبسط في الحديث والإيناس في السرد، ومعنى ذلك بعبارةٍ موجزةٍ أن حديث الكاتب في المقال الافتتاحيّ لا يجوز مطلقًا أن يأتي عن طريق الاستعلاء الذي يحس به القارئ عند القراءة، بل ينبغي أن يأتي عن طريق الملاحظة، وشعور الكاتب والقارئ معًا بأنهما صديقان يتحدثان حديثًا يهم كل واحد منهما بقدر ما يهم الآخر، وليس

стр. 317

المقال الافتتاحيّ في الواقع إلّا محاولةً هادئةً لجذب القراء، وإشعارهم بأنهم شركاء في حل المشكلات العامة، وتوجيه السياسة التي تتبعها الدولة، أو يتبعها المجتمع، فإذا شعر القارئ يومًا ما بغير هذا الشعور, انصرف عن الصحيفة، ولو كان الحق معها، والصواب في جانبها. رابعًا: خصيصة الإقناع عن طريق الشواهد والأمثلة المشتقة -كما قلنا- من الأحداث الجارية في الحاضر، والأحداث التي جرت في الماضي، والتجارب الإنسانية التي يختزنها الكاتب في ذاكرته, إما بطريق الممارسة، وإما بطريق الإطلاع، ولهذه الشواهد والأمثلة حَيِّزٌ كبير في المقال الافتتاحيّ، وهي مجال واسع يتبارى فيه كتاب الصحف، ويظهر فيه علمهم واطلاعهم ووقوفهم على التاريخ العام والتاريخ الخاص. خامسًا: خصيصة الجدة الزمنية، أو مسايرة المقال للأحداث، ومعنى ذلك: أنه ينبغي للمقال الافتتاحيّ أن يعالج موضوعات الساعة، ومشكلة اليوم، ويهتم بالأفكار التي تشغل أذهان الناس وقت ظهور الصحيفة. وبذلك تضمن الصحيفة أن يكون لها قراء ينتظرون رأيها في كل حادثة تحدث لهم، أو فكرة تولد بينهم، أو وضع الأوضاع السياسية أو الاجتماعية، أو الاقتصادية, يراد نقلهم إليه. سادسًا: خصيصة التوجيه والإرشاد، وهي شيء يختفي دائمًا وراء أسلوب الكاتب، فلا ينبغي أن يكون في شكل موعظة، أو نصيحة، أو أمر، أو نهي أو زجر، أو تعليمات يبعث بها الكاتب من فوق منبر الصحيفة، ليحاول أن يؤثر بذلك في الرأي العام. إنما الكاتب الصحفيّ -كما قلنا ذلك مرارًا- صديق القارئ وشريكه في تكوين هذا الرأي. ومع هذا وذاك, فإن كثيرًا من الصحف التي تعتبر نفسها "صحف رأي"

стр. 318

لا تحاول أن تنزل إلى مستوى العامة, بقدر ما تحاول أن ترفع العامة إلى مستواها، وتلك مهارة صحيفة لا تستعصي على كثير من الكُتَّابِ متى قصدوا إليها، وكانت سياسة صحفهم ترمي إلى ذلك. سابعًا: عنصر التسلية والإمتاع والترفيه، فلا يقتصر المقال الافتتاحيّ على المسائل الكبيرة وحدها، بل يتناول كذلك بعض المسائل الخفيفة، والموضوعات الطريفة، وآية ذلك, أننا نجد الصحف الموقرة في مصر وانجلترا تنزع أحيانًا إلى موضوعات لها مثل هذا الطابع الذي أشرنا إليه، وهو الطابع الممتاز بخفة الروح، وبراعة النكتة، وطرافة الفكرة. ومهما يكن من شيءٍ, فينبغي أن نذكر دائمًا أن للمقال وحدة مستقلة، ومعنى ذلك: أنه ليس مجرد سرد للحقائق، أو إتيان بالشواهد، أو إيراد للأمثلة، ولكنه وسيلة للتعبير عن رأي من الآراء، أو مذهب من المذاهب، فلا ينبغي أن يحشى بحقائق يزحم بعضها بعضًا, أو تتراكم تراكمًا يحول دون فهم الرأي الذي يبسطه الكاتب، أو الفكرة التي كتب من أجلها المقال، كما ينبغي للمقال الصحفيّ أن يكون ذا موضوع معين، وغاية واحدة، ولا بد من معالجته بطريقةٍ يظهر بها المقال كأن له وحدة مستقلة بذاتها، كما قلنا١. ويجب باختصار أن يعرف المحرر الصحفيّ للمقال الافتتاحيّ أن هناك ثلاثة أشياء يؤثر بعضها في بعض، ويعتمد بعضها على بعض، ويتداخل بعضها في بعض؛ كتداخل هذه الدوائر المرسومة.

стр. 319

وهذه الأشياء الثلاثة هي: سياسة الجريدة، وصياغة المقال، واهتمام القراء, فعلى كاتب المقال الافتتاحيّ, أو الرئيس في الصحيفة, أن يتصور هذه الدوائر في كتابته دائمًا، حتى يبلغ بمقاله الدرجة التي تسعى لها الصحيفة، وينتفع بها القراء. ولنضرب لذلك مثلًا يوضح مدى هذا التداخل، وكيف تحاول الصحيفة تنفيذه بما يحقق شخصيتها التي امتازت بها بين سائر الصحف. وهذا المثل هو "القمر الروسيّ"، وليس من شكٍّ في أن هذا الموضوع, قد أثار اهتمام القراء في العالم كله، فلا مَفَرَّ إذن من أن يكون موضوع المقال الافتتاحيّ في جميع الصحف على اختلافها، وبذلك يتحقق الركن الثالث من هذه الأركان, أو الدائرة الثالثة من هذه الدوائر، وهي الدائرة الخاصة باهتمام القراء. غير أن الصحف تختلف سياستها في البلد الواحد, فصحيفة يسارية تجنح إلى روسيا, وإلى جميع الأفكار التي ترد منها، وصحيفة يمينية تجنح إلى أمريكا, وإلى جميع المذاهب التي تصدر عنها، وصحيفة وسط بين طرفين: فأما الأولى، وهي اليسارية، فإنها تبرز هذا الخبر بطريقة تلفت النظر.

стр. 320

وتمنحه من العناية ما يشعر القارئ بأنه من أهم أخبار العالم، وأما الصحيفة الثانية -وهي اليمنية- فإنها لا تأبه له إلّا بالقدر الذي يقف عند حد الإعلام، ثم تسكت عند هذا الحد، فلا تختار له المكان البارز من الصحيفة، ولا تسرف في وصفه أو التعليق عليه. وأما الصحيفة الثالثة -وهي الوسط- فتهتم بالخبر اهتمامًا وسطًا كذلك، وهكذا يسير العمل في الدائرة الأولى من الدوائر الثلاثة، ونعني بها: الدائرة الخاصة بسياسة الجريدة. ثم إن الاختلاف يقع بين هذه الصحف الثلاث كذلك من حيث الصياغة، فالصحيفة الأولى تعتمد على التهويل، والمبالغة، والإنذار، والتهديد، والوعيد، والطنطة، وخلق اليأس من مجازاة الروس في ميدان العلم، والثانية تعتمد على المواربة والتهوين من شأن هذا الاختراع الجديد، وعلى الأمل الكبير في اللحاق بهذا القمر الروسيّ متى أرادت أمريكا شيئًا من ذلك وقصدت إليه، والثالثة تعتمد على الحذر والاحتياط في الحديث، وعلى التوسط بين المدح والذم، أو الإسهاب والاقتضاب، وبين الرجاء واليأس. الصفات التي ينبغي توافرها في كاتب المقال الافتتاحيّ: على أن كاتب المقال الافتتاحيّ ليس كالأديب، وإنما هو شخص آخر لا يعبر عن آرائه الذاتية، بل يتقيد بآراء الصحيفة التي ينتمي إليها, أو الحزب الذي تدافع عنه الصحيفة. ولكي يكون هذا الكاتب ممتازًا في هذا اللون من ألوان التحرير، يحسن أن يكون متمتعًا بصفات، منها: أولًا: أن يكون ذا حاسَّةٍ صحفيةٍ دقيقةٍ, يتذوق بها الأحداث الجارية في محيطة، والأحداث الجارية في خارج هذا المحيط، وعلى قدر حظه من

стр. 321

هذه الحاسة دائمًا يكون نجاحه في كتابه المقال الافتتاحيّ، وخاصَّةً إذا كان في المجال السياسيّ. ثانيًا: أن تكون له حاسة تاريخية كذلك, يستطيع بها ربط الماضي بالحاضر، وبها يستطيع أيضًا أن يتكهن بالمستقبل، ومن ثَمَّ كان التاريخ عنصرًا هامًّا من عناصر ثقافة الصحفيّ، وذلك ما لا تلاحظه معاهد الصحافة في العالم. ثالثًا: أن يكون ذا ثقافة عريضة, ولا بأس أن تبدو في بعض مواضعها عميقة، فهذه الثقافة -التي يعتبر التاريخ جزءًا واحدًا منها- يستطيع الصحفيّ البارع أن يقف على المعلومات التي تمكنه من الحكم الصائب، والنظر الصادق، والتوجيه السليم. وهنا نذكر-مع الأسف- أن أهم ما يميز الصحافة الأجنبية عن الصحافة المصرية إلى يومنا هذا, إنما هو صفة "التخصص". فالمقال الافتتاحي في صحيفة إنجليزية أو فرنسية إنما يكتبه مختص في نوع الموضوع الذي يخوض فيه المقال الافتتاحيّ, فإن كان المقال اقتصاديًّا كتبه شخص اقتصاديّ، وإن كان سياسيًّا كتبه شخص سياسي, وهكذا. رابعًا: وهو خلاصة ما تقدم من الصفات- ينبغي أن يكون كاتب المقال الافتتاحيّ ذا حاسة اجتماعية مرهفة، أو قدرة بالغة على الانغماس في المجتمع، وموهبة في الحديث, والإيناس والملاطفة، ونحو ذلك من الخصال التي تمكنه من الوقوف على حقيقة الرأي العام. وكل ذلك مع مراعاةً تامة لمصلحة الصحيفة التي يكتب فيها، فإذا آنس من نفسه أنه عاجز عن مراعاة هذه السياسة، أو حدث أن تعارض ضميره مع مصلحة الصحيفة، فخير له أن يستقبل فورًا من عمله الصحفيّ بوصفه كاتبًا للمقال الرئيس.

стр. 322

وهذا معنى قولنا فيما تقدم: إنه ينبغي لهذا الكاتب أن يتصور الدوائر الثلاث في ذهنه دائمًا، وهي: دائرة السياسة العامة للجريدة، ودائرة الطريقة العامة لكتابة المقال الافتتاحيّ، ودائرة اهتمام القراء. وقد جرى الكثير من الصحف الهامة على سنة لا بأس بها في كتابة المقال الرئيس، وهذه السنة هي عقد اجتماع في دار الصحيفة يضم أعضاء التحرير فيها, لمناقشة الموضوع الهام الذي يعرض له المقال الرئيس، حتى إذا انفض الاجتماع، وجلس رئيس التحرير لكتابة المقال، أمكنه أن يعبر تعبيرًا صادقًا عن سياسة الصحيفة، غير أن هذه الطريقة لا تتبع عادة إلّا في المسائل الهامة، أو المشكلات الخطيرة، أو الحالات التي ترى فيها الصحيفة -لسبب ما- أنه لا بد من تغيير سياستها العامة. أهمية المقال الافتتاحيّ في الصحافة: يقول علماء الاجتماع: إن الظروف والأحداث التي تمر بالإنسان، والتغيرات التي تطرأ على المجتمع, لا يمكن أن تكون لها دلالة ما، أو يكون لها في كيان الفرد أو المجتمع أثر ما, إلّا إذا وعاها الفرد وأدركها وقدرها وكيفها، فإذا لم يحدث من ذلك شيء, ظلت هذه الظروف والأحداث والتغيرات بعيدة عن وجدان الناس، بل أصبحت في حكم العدم. وهنا تظهر أهمية الكاتب الموجه، والصحفيّ اليقظ، حين ينتهز كل منهما كل فرصة ليتحدث عما وراء الأخبار، وعما يحمل كل خبر منها من مغزى، وبهذه الطريقة يستطيع الأفراد كما تستطيع الجماعات أن تحل مشكلاتها التي تعرض لها، سواء أكانت هذه المشكلات نفسية، أم اقتصادية، أم سياسية، أم اجتماعية، ويكون الفضل في كل ذلك راجعًا إلى الصحافة، أو إلى ذلك الكاتب الذي انبرى للكتابة في الوقت المناسب، وأخذ يزج بنفسه في تلك المشكلات، وإن لم يكن من الأفراد الذين تناولتهم كل مشكلة منها، أو اشتركوا في إحداها على أية صورة

стр. 323

من الصور، بينما قد لا يشعر أصحاب هذه المشكلات التي أحاطت بهم أنه قد أصبح لها أثر في حياتهم، وذلك لانعدام الوعي من جهة، ولعجزهم عن تصور حياة أفضل، أو حالة أحسن من جهة ثانية. إنه حين تحرص صحيفة من الصحف في بلدٍ من البلاد على أن تكون "صحيفة رأي" أكثر منها "صحيفة خبر" نراها تعمد إلى المقال من حيث هو، وتعطي عناية تامة للمقال الرئيسيّ، أو المقال الافتتاحيّ بنوع خاص. وقد كان هذا النوع من المقالات الافتتاحية منذ نشأة الصحافة -كما يؤخذ ذلك من اسمها- يحتل أول صفحة من صفحات الجريدة، ويكون أول شيء يطالعه القراء فيها, ولم تتزحزح المقالة الافتتاحية عن مكانها الممتاز من الصفحة الأولى إلّا في وقتٍ قريب، أي: منذ انحازت الصحافة الحديثة في الفترة الأخيرة إلى الخبر، وقلت عنايتها نوعًا ما بالمقال. وليس شيء أدل على أهمية المقال الافتتاحيّ منذ نشأة الصحافة من أن كتاب هذا المقال كانوا ولا يزالون نوابغ الصحافة في كل أمة من الأمم، بل في كل فترةٍ من فترات التاريخ. ففي الصحافة المصرية كان يكتب المقال الافتتاحيّ للمجلة أو للصحيفة أمثال: محمد عبده، وأديب إسحق، وعبد الله النديم، وإبراهيم المويلحي، والسيد على يوسف، والزعيم الشاب مصطفى كامل، والأستاذ أحمد لطفي السيد، والأساتذة: عبد القادر حمزة، وأمين الرافعي، وإبراهيم المازني، ومحمد حسين هيكل، وغيرهم من أساطين الأدب، والفكر، والصحافة جميعًا. وفي الصحافة الإنجليزية وجدنا المقال الرئيسيّ مكتوبًا بأقلام: ديفو، وأديسون، وستيل، وجونسون، وويلكز، وجونياس، أو الصحفيّ المجهول, وأضرابهم.

стр. 324

وفي الصحافة الأمريكية لمعت أسماء صمويل آدمز, وجون آدمز، وجيمس أوتز، وجوزيف وارين، وصمويل كوبر، ورالف أمرسون، وغيرهم من قادة الشعب الأمريكيّ. وقُلْ مثل ذلك في الصحافة الفرنسية، والصحافة الألمانية، والصحافة الروسية. وكان للمقال الافتتاحيّ في غير هذه الأيام التي نعيش فيها الآن, شأنٌ عند جميع الأمم الناهضة أكبر من شأنها في الوقت الحاضر، بل إن المقال الافتتاحيّ كان ينظر إليه دائمًا على أنه الأداة الأولى للتقدم، والوسيلة الوحيدة للإرشاد، والطريق الصحيح للأخذ بيد الأمة التي تريد لنفسها صيانة الشعب من جميع المؤثرات الضارة به، وبأفكاره وتقاليده، ما دام في صيانتها صمام الأمن، والسلام والسلامة من هذه الأضرار. ويمكن بإيجاز أن يقال: إن الصحافة في العالم كله لا تستطيع القيام برسالتها الوطنية، أو الإنسانية بأسهل ولا بأوضح من طريق المقال الرئيس، وهو المقال التوجيهيّ الذي ترمقه الأبصار، وتستريح إليه العقول والأفهام. ولكن على الرغم من ذلك نرى المقال يتخلف في أيامنا هذه تخلفًا كبيرًا عن الخبر الصحفيّ، وربما كانت لذلك أسباب كثيرة، من أهمها النزاع بين الكتلتين الشرقية والغربية، أو بعبارة أخرى: الخوف من الخطر الشيوعيّ! وفي إحصائيةٍ قام بها معهد جالوب Gallub بأمريكا ظهر أن ١٩% فقط من الرجال, و ١٠ % فقط من النساء يعنون بقراءة المقال الافتتاحيّ. وفي بحث قيمٍ للأمريكيّ روبيرت راند Robert Rand دراسة قيمة لميول القراء حول موضوع المقال الافتتاحيّ لثلاثين صحيفة من صحف أمريكا، وقد خرج الباحث من هذه الدراسة بأن قراء المقال الافتتاحيّ

стр. 325

في صحف أمريكا لا يتجاوزون ١٨.٨%, وأن ٧٨.٩% منهم يلقون نظرة عجلى إلى المقال دون قراءته من أوله إلى آخره! فإذا كان هذا هو الشأن في بلاد كأمريكا، فما ظننا بقراء المقال في بلاد كمصر, أو في أي قطر من أقطار الشرق؟ وكم نود أن يجري العلماء عندنا بحوثًا كهذه البحوث؛ ليقيسوا بها ميول القراء المصريين, ورغبتهم في قراءة الخبر أو المقال، وإن كنا نستطيع أن نتكهن منذ الآن, بأن نسبة قراء المقال في مصر لا تكاد تزيد عن ٣ أو ٤ أو ٥% على أكثر تقدير. ولكن ليس معنى ذلك أن الصحيفة يحسن بها أن تعدل عن المقال، أو أن ذلك يقلل من قيمة المقال؟ كلّا لا ينبغي مطلقًا أن تزعجنا هذه النسبة القليلة لقراء المقال في الصحيفة، فنحكم حكمًا قاسيًا على المقال بأنه قليل الأهمية بالقياس إلى الخبر في الصحيفة. لا يصحُّ أن يزعجنا ذلك، فإنما الصحيح هو العكس؛ إذ يجب علينا أن نلاحظ أن عدد القراء المستنيرين في كل أمة لا يزيد غالبًا عن هذه النسب التي أشرنا إليها، وذكرنا أمثلة منها. ومع أن هذا العدد من المستنيرين قليل في الأمة دائمًا، فإن هذه القلة هي صاحبة الحل والعقد، وهي وحدها القادرة على قيادة الأمة في كل وقت. من أجل ذلك نجد في كل أمة من الأمم نوعين من الصحف عادةً؛ صحافة يكتبها الصفوة للصفوة، وصحافة يكتبها الدهماء للدهماء. الأولى: وهي صحافة للصفوة الصفوة، صحافة حقيقية بكل ماتحمل هذه الكلمة من معنى. والأخيرة: وهي صحافة الدهماء للدهماء، سلعة من السلع، لا أكثر ولا أقل!

стр. 326

ولنضرب المثل هنا بصحافة انجلترا: فإن صحيفة "التيمس" لا توزع أكثر من ٤٠٠ ألف نسخة، بينما توزع صحيفة "الديلي ميرور" أكثر من أربعة ملايين نسخة! ومع هذا وذاك, فإن "التيمس" في نظر الحكومة الإنجليزية، ونظر الشعب الإنجليزيّ, أعظم أهميةً من "الديلي ميرور"، ذلك لأن صحيفة "التيمس" هي صحيفة التوجيه والإرشاد عن طريق المقال الافتتاحيّ، ومن أجل ذلك لا تفرض الحكومة الإنجليزية الرقابة على هذه الصحيفة في الوقت الذي تفرض هذه الرقابة على غيرها من الصحف الأخرى, وتأخذ الحكومة الإنجليزية نفسها بهذه الخطة حتى في أوقات الحروب والمحن، ثقةً منها بأن قسم تحرير "التيمس" شريك لها في الشعور بالمسئولية, وشريك لها في وضع السياسة الإنجليزية، داخلية كانت هذه السياسة أم خارجية. وبعد، فقد مرَّ المقال الافتتاحيّ أو الرئيس, في الصحافة المصرية بطورين: أولهما: كانت فيه المقالة الرئيسة تحتل الصفحة الأولى، وكانت المقالة الرئيسة في هذا الطور طويلةً مسرفةً في الطول، حتى لقد بلغت في بعض الأحيان نحوًا من أربعة آلاف كلمة١، وكثيرًا ما كانت تذيل بتوقيع الكاتب. ثاني الطورين: أصبحت فيه المقالة الرئيسة تحتل مكانًا آخر غير الصفحة الأولى -منذ تركت هذه الصفحة للأخبار الخارجية- كما أصبحت لا تحمل توقيع الكاتب، ولا يصح أن تحمل هذا التوقيع، وأما من حيث الطول, فقد امتازت المقالة الرئيسة في هذا الطور بالقصر، بحيث لا يمكن أن تتجاوز -بشكل ما- ستمائة وخمسين كلمة على الأكثر.

стр. 327

ذلك أن المقال الرئيس في الطور الأخير أصبح يكتب في عمودٍ واحدٍ من أعمدة الصحيفة، وفي هذا العمود مقال واحد حينًا، ومقالان أو ثلاثة حينًا آخر. وغنيٌّ عن البيان أن الصحافة الحديثة عمدت إلى كتابة العمود الرئيس, أو المقال الافتتاحيّ على النحو المتقدم؛ لكي تفسح المجال لبقية المواد الصحفية الأخرى التي لم تعرفها الصحافة القديمة، أو كانت معرفتها بهذه المواد قليلة, ومن هذه المواد التي عنيت بها الصحافة الحديثة مادة الحديث الصحفيّ، ومادة التحقيق الصحفيّ، ومادة الماجريات الصحفية على اختلافها، ثم أخبار الرياضة، والكتب، والمسرح، والسينما، وما إلى ذلك. وهذا ما نجده في الصحف المصرية في يومنا هذا، أما الصحف الإنجليزية -على سبيل المثال- فصفحة المقال الافتتاحيّ بها تتألف عادةً من عدة أعمدة، فنرى هذه الصفحة بجريدة "التيمس" وبها المقال الافتتاحيّ -غالبًا- يتألف من أربعة تعليقات، هي: ١- التعليق السياسيّ. ٢- التعليق الاقتصاديّ. ٣- التعليق الاجتماعيّ. ٤- تعليق خفيف. هذا مع ملاحظة أن المقال الافتتاحيّ يختلف في الصحف الشعبية الإنجليزية عنه في الصحف غير الشعبية، فهو ينشر عادةً في الصفحة الأولى على اليسار في الصحف الشعبية, مثل صحيفة: "ديلي ميل" الصباحية، وصحيفة "ديلي إكسبريس" الصباحية أيضًا. أما الصحف الإنجليزية الرفيعة, فتنشر المقال الافتتاحيّ غالبًا في الصفحة الرابعة أو الخامسة على الشمال تحت عنوان: CommentK , ومن هذه الصحف الأخيرة صحيفة "الستيمس" وصحيفة "الديلي تلغراف".

стр. 328

العمود الصحفي: لا تَجِدُ فنًّا من الفنون يخضع لتطور الحياة كما يخضع له فن الصحافة، ذلك لأن الصحافة إنما خلقت لتخدم المجتمع، وتعبر عن أفكاره، وتساير أهواءه، والمتأمل في تطور الصحافة في العالم يجد علاقة كبيرة بين ظهور "العمود الصحفي" ورغبات القراء، كما تظهر في اضطرارهم إلى السرعة في القراءة، وإيثار المواد القصيرة التي تعطيهم الشيء الكثير في الزمن القصير، ثم تردهم سريعًا إلى هواياتهم الخاصة، أو إلى مشاغلهم الكثيرة، أو إلى عملهم اليوميّ. ولقد كانت الصحافة المصرية إلى أوائل القرن العشرين صحافة مقالٍ من أولها إلى آخرها، وكان المقال الصحفيُّ يشغل حيزًا كبيرًا جدًّا من الصحيفة، بل كثيرًا ما وجدنا "النديم" وأمثاله من الصحفيين يصدر الواحد منهم عددًا كاملًا يتألف من مقالٍ واحد، وإذا ذهبت تقيس هذا المقال بما تجده في الكتب نفسها رأيته لا يقل في مساحته عن فصل أو فصلين من فصول الكتب العلمية أو الأدبية في أيامنا هذه. وكمصر في هذا الاتجاه نحو المقال غيرها من البلاد الأخرى مثل انجلترا وفرنسا، وقد أشرنا في بعض مواضع هذا الكتاب إلى الفترة التي كانت فيها الحكومة الإنجليزية تفرض الضرائب على الأخبار، وتعفي منها المقال، وإلى الأثر الذي أحدثته هذه السياسة في شكل الصحيفة إذ ذاك. وهكذا تخضع الصحافة في مصر لمثل الظروف التي تخضع لها الصحافة في غيرها من الأقطار الأخرى، وهكذا نرى أن الصحيفة التي اقتصرت في الماضي على الخبر والمقال, بدأت بعد ذلك تحفل بألوان أخرى من المواد؛

стр. 329

كالفكاهات، والرسوم الكاريكاتورية, والأعمدة الصحفية، والأحاديث والتحقيقات، وغير ذلك. ويظهر أن العمود الصحفيّ لم يشتد ظهوره في مصر إلّا في المرحلة الرابعة من مراحل الصحافة المصرية، وهي المرحلة التي تقع على وجه التقريب بين عامي ٢٢ و ١٩٤٢، ثم تعددت أشكاله فضلًا عن ذلك. تعريف العمود الصحفيّ وخصائصه: لكن ما المقصود بالعمود الصحفيّ عند إطلاقه؟ وما هي الصورة التي كان عليها العمود منذ نشأته؟ وكيف تنوعت أشكال العمود وصوره فيما بعد؟ سنجيب على السؤالين الأخيرين من هذه الأسئلة الثلاثة تمهيدًا للإجابة عن السؤال الأول: كان العمود في نشأته عبارة عن فكرةٍ أو رأيٍ, أو خاطر من الخواطر يرد على ذهن الكاتب، فيكتب فيه سطورًا قليلةً، وكثيرًا ما كان هذا الرأي أو الخاطر يدور حول واقعة، أو ظاهرة وقع عليها نظر المحرر في المحيط الذي يعيش فيه، ومعنى ذلك أن العمود الصحفيّ في بداية الأمر كاد لا يتعدى المحيط الاجتماعيّ، ومثله عمود "ما قَلَّ ودَلَّ" في الأهرام أو في "الأخبار" لأحمد الصاوي. ثم سرعان ما لاحظنا أن العمود الصحفيّ أصبح موزعًا في الصحيفة المصرية على أبواب كثيرة، فهناك العمود السياسيّ في صفحة السياسة الخارجية، ومثله عمود "ما وراء الأخبار" الذي كانت تنشره صحيفة "الزمان" في صفحة السياسة الدولية، وهناك العمود المسرحي، أو السينمائي، ومثله العمود الذي عنوانه"رأيت أمس" وكانت تنشره "ميّ شاهين" بصحيفة الأخبار.

стр. 330

ثم هناك العمود الرياضيّ، والعمود الزراعيّ، والعمود الاقتصاديّ، وهكذا. وأكثر من هذا وذاك, أننا وجدنا العمود الصحفيّ يستقل بموضع من مواضع الصحيفة يتعود عليه القراء، ويطالعون فيه رأي الكاتب في الأبواب المختلفة من سياسةٍ، واجتماعٍ، وأدبٍ، وعلومٍ، واقتصادٍ، كما نجد ذلك في الأهرام والأخبار بعنوان: "ما قَلَّ ودَلَّ" لأحمد الصاوي، وفي الأخبار بعنوان: "نحو النور" لمحمد زكي عبد القادر، وفي الأخبار كذلك بعنوان: "فكرة" لعلي أمين، وفي صحيفة القاهرة بعنوان: "بين السطور" لحافظ محمود، وفي صحيفة الجمهورية بعنوان: "خاطر الصباح" لأحمد قاسم جوده. وإذن فليس هناك فرق بين المقال والعمود من حيث الموضوع؛ فكلاهما يعالجان جميع هذه الأمور، وكلاهما يخوضان كل هذه الميادين، ومعنى ذلك أنه من الصعب علينا أن نميِّزَ بين هذه الفنون الثلاثة، وهي: العمود، والمقال، والقصة الإخبارية، على أساس الموضوع، وإذن فلنبحث عن أساس آخر يمكن أن تقوم عليه هذه التفرقة. ألا يكون الفرق بينهما آتيًا من ناحية الأسلوب؟ إن المواد الصحفية يمكن تقسيمها على أساس الأسلوب إلى قسمين: الأول: القصة الإخبارية التي تطغى عليها الناحية الموضوعية، والتي لا تذيل غالبًا بتوقيع كاتبها؛ لأن القصة الإخبارية الواقعة في الحقيقة إنما يشترك في كتابتها أفراد عديدون في الصحيفة الواحدة. والثاني: المواد غير الإخبارية، وهي المواد التي يذيل معظمها بتوقيع كاتبها، ولا يختفى الطابع الشخصيّ في الكثير منها، ومثلها العمود الصحفيّ على اختلاف ألوانه، ولا يستثنى من ذلك غير "المقال الافتتاحيّ" الذي قلنا: إنه يعبر عن سياسة الصحيفة، ولا يكون عليه توقيع كاتبه إطلاقًا.

стр. 331

وعلى هذا لا تجد الفرق واضحًا كذلك بين العمود والمقال على أساس الأسلوب، وإذن فلنبحث عن أساس ثالث يمكن أن تقوم عليه هذه التفرقة. وليكن هذا الأساس الأخير هو "الشكل" أو "المساحة" التي تخصص لكل مادة من مواد الصحيفة على حدة, ومن اليسير علينا أن نلاحظ أنه بينما يجري تنظيم الصفحة الواحدة من صفحات الصحيفة بطريقة توفر المساحة التي يشغلها العمود؛ بحيث يضاف إليه جزء، أو يبتر منه جزء؛ ليوضع في صفحة أخرى، إذ بنا نرى القصة الإخبارية، أو المقالة الصحفية، تبتر منذ بدايتها, وتوزيع على أكثر من موضوع واحد، أو صفحة واحدة من صفحات الجريدة التي تنشر فيها. أي أننا إذا أمعنَّا النظر في شكل العمود، وشكل المقال, وجدنا أن الأول يمتاز بصغر المساحة التي يشغلها من الصفحة بالقياس إلى الثاني، وهذا هو أول الفروق الواضحة بينهما. وثَمَّ فرق آخر بينهماكذلك من حيث الشكل، وهو أن العمود ينشر دائمًا تحت عنوان ثابت، وفي مكان ثابت من الصحيفة لا يتغير أبدًا. وهناك فرق ثالث -أشرنا إليه قبل الآن- وهو أن العمود ينبغي أن يكون له توقيع، وإن كان هذا التوقيع له صور كثيرة، كما سنرى فيما بعد- على حين أن المقال الافتتاحيّ، بوجهٍ خاصٍّ، لا ينبغي أن يحمل توقيع الكاتب. بعد هذا نستطيع أن نقدم تعريفًا للعمود الصحفيّ فنقول: "إنه المادة الصحفية التي تتسم دائمًا بطابع، أو محررها في أسلوب التفكير، وأسلوب التعبير، ولا تتجاوز في مساحتها عمودًا

стр. 332

صحفيًّا على أكثر تقدير، وتنشر بانتظام تحت عنوان ثابت، وتوقيع ثابت هو توقيع المحرر". وتوقيع العمود الصحفيّ قد يكون بالاسم كاملًا، وهو السائد في الأعمدة، أو بالاسم الأول فقط، أو بالحرف الأول فقط، كما في العمود الذي كانت تنشره صحيفة المصري بتوقيع "ج" تحت عنوان "تعليق"، وفيه يعقب المحرر على السياسة الخارجية، وقد يكون التوقيع بالرموز، كتوقيع "الحاج سيد" تحت عمود "بالبلدي" في صحيفة الجمهورية عند أول ظهورها، وتوقيع "دولي" تحت عمود "ما وراء الأخبار" في صحيفة "الزمان" وتوقيع "ديدبان" للدكتور محمود عزمي بصحيفة "الأهرام", وقد يكون توقيع العمود الصحفيّ على شكل نقط بين قوسين هكذا "..... " كما في عمود "لا" بصحيفة الجمهورية عند أول صدورها، وهكذا. أما من حيث الموضع الذي يحتله العمود الصحفيّ من الصحيفة، فيلاحظ أنه يحتل مكانًا متطرفًا في أقصى الصفحة من اليسار، كما في عمود "ما قَلَّ ودَلَّ" بصحيفة الأهرام والأخبار، وكما في عمود "خاطر الصباح" بصحيفة "الجمهورية", أو في أول الصفحة الأخيرة من اليمين، كما في عمود "فكرة" بصحيفة "الأخبار"، وقد يحتل العمود مكانًا متوسطًا في الصفحة، كما في "نحو النور" في رأس العمود الرابع من الصفحة الخامسة لصحيفة "الأخبار" أيضًا، وكما في "بين السطور" في العمود السادس من الصفحة الخامس لصحيفة "القاهرة". وأما من حيث الطباعة، فيحسن لكي يتميز العمود عن غيره من مواد الصحيفة، ولكي يلفت إليه نظر القارئ، أن يكون بحروف سوداء من "بنطٍ" خاصٍّ، ولا بأس من كتابته كذلك في إطارٍ خاصٍّ كلما أمكن ذلك، كما كان الشأن في صحيفة "المصري". ومهما يكن من شيءٍ، فالمهم في العمود الصحفيّ -كما قلنا- أن

стр. 333

يكون له مكان ثابت، وعنوان ثابت، وتوقيع ثابت، وفي هذه المميزات الثلاثة ما يكفي لكي يلفت إليه أنظار القراء فيتعودون على قراءته، ويواطنون على هذه القراءة دائمًا. صباغة العمود الصحفيّ: إن العمود الصحفيّ بالقياس إلى أنواع المقال أشبه بالأقصوصة إذا قورنت بفنون القصص الأخرى، ومعنى ذلك أن العمود الصحفيّ -من حيث التفكير- لا يعدو أن يكون فكرةً صغيرةً محدودةً في مشكلةٍ من مشكلات القراء، يدور حولها الكاتب، ولا يعدوها إلى سواها، أو يستطرد منها إلى أفكارٍ أخرى، أو مشكلاتٍ بعيدةٍ عنها، وفي الحالة التي يتناول فيها العمود تعليقًا على خبر من الأخبار, يُرَاعَى في ذلك عادةً أن يكون هذه الخبر معروفًا لدى القراء، وأن يعتمد الكاتب على هذه المعرفة لكي يثير اهتمامهم من جهةٍ، ويضفي على عموده شيئًا من الطرافة من جهةٍ ثانيةٍ. وعلى هذا لا يعتبر "السبق الصحفيّ" غرضًا من أغراض العمود الذي يستمد منه التعليق على الأخبار، وإنما الغرض من العمود في مثل هذه الحالة هو الإمتاع، والطرافة، والتعقيب السريع، وشرح وجهة نظر الكاتب في سطورٍ قليلةٍ لا أكثر ولا أقل. وثَمَّ مسألةٌ هامةٌ تتصل بكاتب العمود، وتعرض للباحث في هذا الفن من فنون الصحافة، وهي: إلي أيِّ حَدٍّ يعتبر كاتب العمود حرًّا فيما يكتبه ما دام الذي يكتبه يحمل طابعه الشخصيّ، ويتسم بالذاتية البحتة؟

стр. 334

هنا يختلف الباحثون في الإجابة: فمنهم مَنْ يرى أن كاتب العمود صاحب حرية واسعة فيما يكتب، ما دام يتحمل مسئولية الكتابة, وما دام يذيل العمود بتوقيعه. وإنما تسمح الصحيفة لكاتب العمود بمثل ذلك، وتبيح له كل هذا القدر من حرية القول كذلك, طمعًا في التوزيع، والسبب في هذا: أن كاتب العمود كثيرًا ما يكون ذا شهرةٍ خاصةٍ لدى القراء قبل إقدامه على الكتابة، أو يصبح ذا شهرةٍ خاصةٍ بينهم بعد مدة طويلة من الكتابة، وهنا يوازن رئيس التحرير بين سياسة الصحيفة، وسعة التوزيع، فيؤثر الآخرة على الأولى. ومع ذلك, فمن رؤساء التحرير مَنْ لا يبيحون لكاتب العمود كل هذا القدر من حرية الكتابة، وإذ ذاك نرى مثل هذا الكاتب ينزل عن آرائه الخاصة، ويكتب بلسان الصحيفة التي يعمل لها، وينهج النهج الذي يشير به رئيس التحرير. ومن العلماء الذين يذهبون إلى هذا الرأي "لا يبلنج Liebling" في كتابه The wayward ١Pressman"، وحجته في ذلك أن الصحافة بعد إذا أصبحت حرفة أو صناعة، جعلت من الصحافيّ محاميًا لا ينبغي أن يطالب دائمًا بالإيمان الخالص بالقضية التي يدافع عنها، ولقد بالغ الأستاذ لا يبلنج" في ذلك إلى حد أن قال: "إن المحرر الصحافيّ له أن يترك آراءه الخاصة عند باب غرفة التحرير, ويخلعها دائمًا كما يخلع معطفه عند هذا الباب، حتى إذا ما انتهى من عمله، وعاد إلى معطفه عادت إليه آراؤه الخاصة التي يمكنه أن يحتفظ بها لنفسه متى أراد".

стр. 335

أما نحن فلا نميل إلى هذا الرأي؛ لأن في اتباعه إهدارًا لركن هامٍّ من أركان العمود الصحفيّ، وهو الطابع الشخصيّ، والرأي الشخصيّ الذي يتميز به العمود عن سائر أنواع المقال. ولا شكَّ أن الصحيفة التي تفقد هذا القدر الضئيل من الذاتية، أو الحرية, لا تغري القراء بقراءة صفحاتها، ولا تسمح للكاتب بعرض وجهات النظر المختلفة في الموضوع الواحد، وإن زعمت في الوقت نفسه أنها تحافظ على سياستها العامة، وطابعها الصحفيّ الذي تمتاز به عن بقية الصحف الأخرى. وتلك وأمثالها هي خصائص العمود الصحفيّ من حيث أسلوب التفكير، أما خصائص العمود من حيث التعبير فمنها ما يلي: أولًا: جمال الأسلوب: وذلك أن العمود الصحفيّ أشبه بالمقال الأدبيّ لا الصحفيّ؛ من حيث العناية باختيار الألفاظ، والاحتفاظ بحلاوة الأساليب، وفيه مجال كبير لتبيان النبوغ الأدبيّ، أوالقدرة البيانية التي يمتاز بها المحرر الصحفيّ. وانظر إلى كاتب من كتاب العمود مثل: "احمد الصاوي محمد" في عموده "ما قَلَّ ودَلَّ" وهو يكتب عن العواصف والأنواء التي اشتدت بمدينة الإسكندرية في ٩ من فبراير سنة ١٩٥٦ فيقول: "وعندما تهب الريح، وتزمجر العاصفة، ويحجب الغبار المرئيات، وترتعش الأشجار، وتهتز خوفًا وفرقًا، يأوي الرجل إلى البيت، فهو بعد الكفاح اليوميّ مأواه وحماه، وليست البيوت أربعة جدران، فالجدران لا تحمي إلّا الجسد، والبيوت إنما خلقت لتحمي الروح، وتبني الهناء، فما أكثر الذين لهم بيوت كبيرة وحياة صغيرة، وما أكثر الذين لهم قصور، وهم يعيشون في صحراء فقراءَ جرداء من الخيال والحب..... إلخ".

стр. 336

إلّا أن جمال الأسلوب على أية صورةٍ من صوره، أو مرتبةٍ من مراتبه, ليس شرطًا في لغة العمود، ولكنه جائز في هذه المادة الصحفية أكثر من جوازه في بقية المواد الأخرى، وآية ذلك, أننا لا نقع على هذا الجمال في كل ما كتب "الصاوي" نفسه تحت عنوان: "ما قَلَّ ودَلَّ" كما لا نظفر بهذه الطريقة من طرق البيان في بقية الأعمدة الصحفية الأخرى مما نراه في شتَّى الصحف المحلية عدا "الأهرام". ثانيًا: عنصر السخرية: إنه عنصر مشترك بين المقال والعمود، ولكنه في هذا الأخير أشبه ما يكون بلسعة العقرب، أو وخزة الإبرة, أو تحذيرة اليد أو الذراع, ونحو ذلك، على أن المقال يتوسع في السخرية -إذا قصد الكاتب بنفسه إلى ذلك- ويتنوع في طرقها، ويعدد من صورها، وقد تضيع الغاية منها على الكاتب نفسه في طيات هذا التنوع والتعدد، ولذلك ترى القراء يتأثرون بسخرية العمود أكثر مما يتأثرون بسخرية المقال؛ لأنهم يصلون إلى الأولى من أقصر طريق، وقد يضلون في الوصول إلى الثانية لتعدد المسالك المؤدية إلى هذا الطريق. ثالثًا: عنصر الذاتية: ذكرنا أن العمود الصحفيّ أقرب المواد الصحفية كلها إلى الأدب الخالص، والفرق بين الأدب والصحافة أن الأول ذاتيّ، والثانية موضوعية، ومن أجل هذا, أصررنا على أن نعطي لمحرر العمود حريةً كاملةً، بقدر المستطاع في التعبير عن آرائه المختلفة، وهو قدر من الحرية لا يعطاه الأعضاء الآخرون في أسرة الصحيفة، ومن هنا تصبح الرابطة قوية بين محرر العمود وقرائه، ومن هنا وجب على محرر العمود أن يهتم قبل كل شيء بمشكلات الأفراد، ومعالجة كل مشكلة منها، وعلى هذا الوتر الحساس يؤدي كتابة الاعمدة دورهم في الصحف، فيجتذبون إليهم القراء، ويأتي يوم

стр. 337

لا يستطيع فيه القراء أن يجدوا في أنفسهم غنًى عن محرر العمود الذي يشاركهم في عواطفهم الخاصة والعامة، ويهوِّنُ عليهم متاعب الحياة التي يحيونها، والصعاب التي يلاقونها، ويدرس معهم النماذج البشرية التي يلتقون بها دائمًا في طريق الحياة. وكم للسطور القليلة التي يكتبها محرر العمود من تأثير في النفوس، ولو كانت هذه السطور من محض خيال الكاتب, فإنها تؤثر في أخلاقه وطباعه، كما تؤثر القصة الطويلة التي يكتبها أديبٌ بارعٌ، ويريد بها تغيير نفس القارئ، أو تصحيح فكرة من أفكاره، أو معتقد من معتقداته, والأمثلة على هذا كثيرة لا تحتاج إلى بيان. من أجل ذلك, حرصنا على أن يكون كتاب العمود أحرارًا في أفكارهم، أحرارًا في تعبيرهم، حتى يكون لأعمدتهم صدًى كبير في نفوس القراء، فإن وافق ذلك هوًى من الصحيفة التي يكتبون فيها فذاك، وإلّا فلكاتب العمود في هذه الحالة أن يترك العمل في الصحيفة. رابعًا: شكل الهرم المعتدل في الصياغة: ما أشبه العمود في هذا بالمقال؛ إذ يبدأ المحرر بالفكرة التي يدور حولها العمود، ثم يواصل الإتيان بالأمثلة والشواهد، أو الأدلة والبراهين, ثم يأتي بالنتيجة التي أراد الوصول إليها في النهاية. وكثيرًا ما يكون العمود على شكل رسالةٍ من بعض القراء إلى الكاتب الذي يرد عليه، وفي هذه الرسالة يبسط القارئ شكواه من أمر معين، أو تأييده لوضع معين، فيكون على محرر العمود في هذه الحالة أن يرد على القارئ، وأن يؤيد فكرته بالحجج والشواهد، وأن يوجه الخطاب إلى ولاة الأمور بعد ذلك لكي يزيلوا أسباب هذه الشكوى، أو يزدادوا ثقةً بفائدة المشروع الذي كتبت من أجله الرسالة.

стр. 338

خامسًا: الإيجاز في العبارة: على الرغم من أن العمود لا يتسع لأكثر من الكلام عن فكرةٍ واحدةٍ، أو خاطرٍ واحدٍ، فإن كاتبه مضطر كذلك، بحلم الحيز الصغير الذي خصصته الصحيفة للعمود- أن يوجز في عبارته، وألَّا يجنح إلى الإسهاب في هذه العبارة بحالٍ ما. وربما كان ذلك بعض ما أحس به الأستاذ "أحمد الصاوي" -وهو من أشهر كتاب العمود في مصر- حين اتخذ لعموده عنوان: "ما قَلَّ ودَلَّ". والواقع أن كاتب العمود إذا طلب إليه أن يكتب مادةً أخرى، كالقصة الخبرية، أو المقال أو التحقيق، أو الحديث, نراه يصطنع لنفسه أسلوبًا آخر في هذه الحالة, يخالف كل المخالفة أسلوبه المعتاد في كتابة العمود، وإذا كان هذا صحيحًا بالقياس إلى الكاتب الواحد، فلا شكَّ أنه أكثر صحةً بالقياس إلى الكُتَّابِ الكثيرين في أكثر من مادةٍ واحدةٍ من مواد الصحافة. مؤسسات العمود الصحفيّ في الوقت الحاضر: لقد ألفنا في مصر أن يتولى تحرير العمود الصحفيّ كاتبٌ من كتاب الصحيفة, يستوحي في هذه الكتابة خياله حينًا، وحوادث المجتمع حينًا آخر، ومشكلات الأفراد حينًا ثالثًا، وهكذا، ومعنى ذلك أن محرر العمود إنما يكتبه "للاستهلاك المحليّ" بلغة رجال المال والاقتصاد في الوقت الحاضر. غير أن كتاب العمود في خارج مصر, أصبح لهم سلطان واسع تجاوزوا به حدود بلادهم إلى بلاد العالم كله تقريبًا، فنرى الصحيفة في بلادٍ كالولايات المتحدة الأمريكية تشتري "حق نشر الأعمدة" من مؤسسات خاصة بهذه

стр. 339

الأعمدة تشبه من قريبٍ أو من بعيدٍ، وكالات الأنباء" المعروفة في أيامنا هذه. وقد بدأ هذا النوع الجديد من المؤسسات في الظهور بأمريكا منذ الحرب الأهلية الأمريكية عام "١٨٦١"١، وهي تزيد الآن عن مائتين وخمسين مؤسسة. ومن أشهر هذه المؤسسات مؤسسة ما كلور، ويقال إنها كانت في أول أمرها توزع حوالي خمسة آلاف كلمة في الأسبوع، ثم لم تلبث أن بلغ ما توزعه ثلاثين ألف كلمة في الأسبوع٢. ومن أشهر هذه المؤسسات كذلك, واحدة باسم: "مؤسسة بوك الصحفية" وقد وصل صاحبها "إدوارد بوك" الأمريكيّ إلى منصب رئيس شركة كورتيس للنشر Curtis puplicating camp من سنة ١٨٩١ إلى سنة ١٩٣٠، وبدأ حياته الصحفية بالتزام نشر عمود أسبوعيّ للكاتب الأمريكيّ "هنري وارد بيشر" تعليقًا على الأخبار، وكان الربح الوفير الذي جناه "بوك" من هذه الطريقة أكبر مشجع له على إنشاء المؤسسات المقرونة باسمه إلى اليوم ٣. وقد رأت مؤسسة بوك لكي تجذب القارئات من النساء إلى مطالعة العمود الصحفيّ أن تنشر عمودًا خاصًّا بالأطفال ضمن الأعمدة التي تنشرها، وتبيع حق نشرها لجميع الصحف التي تطلب منها ذلك٤.

стр. 340

ويؤخذ مما تَقَدَّمَ أن هناك مجالًا إنسانيًّا كبيرًا تنشر فيه الأعمدة الصحفية، وأن العمود الصحفيّ الإنسانيّ هو الذي يمكن توزيعه على أكبر عدد ممكن من صحف العالم، ونحن نعلم أن الصحافة عمل اجتماعيّ محليّ، ولكن العمود الصحفيّ بهذا الطابع الإنساني يجذب الصحافة رويدًا رويدًا، إلى محيط الأدب, والأدب هو النتاج العقليّ الذي يصلح لأكبر عدد ممكن من أفراد البشر؛ لأنه يتجه دائمًا إلى النفس البشرية، والنفس البشرية خالدةٌ من جهةٍ، وهي وحدةٌ متشابهةٌ في جميع أقطار العالم من جهةٍ ثانيةٍ. وحين تصبح الصحافة على هذا النحو تصبح أدبًا خالدًا بالمعنى الصحيح. إلّا أن الأمل في وصول الصحافة إلى هذه المنزلة بعيدة التحقيق في الوقت الحاضر لأسباب كثيرة؛ من أهمها فيما يتصل بالعمود: أن العمود نفسه مادة واحدة فقط من بين المواد الكثيرة التي تتألف منها الصحيفة. وأعجب من كل ذلك، وأمعن منه في الغرابة, أن نجد "العمود الصحفيّ" يتجاوز مهمته الأولى في الصحافة - وهي مهمة الإرشاد، وحل مشكلات القراء- إلى وظيفة جديدة هي وظيفة الإعلان! وفي كتاب للأستاذ "لا يبلنج" بعنوان: "الصحفيّ المتجول " -سبقت الإشارة إليه- حديث عن صحفيٍّ بدأ حياته محررًا لعمود إعلانيٍّ لدى مؤسسة "ساشس Sachs" لبيع أثاث المنازل، وقد احتال هذا الصحفيُّ على القراء بحيلة لطيفة، هي أنه أخذ يجذب إليه انتباه القراء أولًا بالكتابة في موضوع الديموقراطيات الحديثة، وكان أول مقال كتبه في ذلك بعنوان: "لا يمكن لأية ديموقراطية أن تعيش من غير صحافة حرة"، ثم أخذ يتدرج في عموده، وينوع في هذا العمود حتى وصل إلى الشئون المنزلية، وإلى أن المنزل يجب أن تتوفر له الراحة والأمن والبهجة والتسلية، ثم أخذ هذا

стр. 341

الكاتب يتوخى في هذه الأعمدة أن تنشر بجوار البضائع المعلن عنها في الصحيفة، فكان لهذه الطريقة أثر فعليٌّ في رواج البضاعة، وأقبل القراء على قراءة الأعمدة الإعلانية العجيبة، ولم لا يفعلون ذلك، وقد بدأهم في هذه الأعمدة بالحديث عن الديموقراطية، والحرية، والصحافة، وما إليها١. ألا ما أبرع الصحافة، وما أذكى كتابها، ومحرريها، والقائمين على إدارتها وإخراجها للجمهور القارئ! وقريبًا تتقدم الصحف في مصر، وتبلغ الحد الذي تصبح فيه قادرةً على شراء حق نشر الأعمدة المشهورة في العالم، كما أصبحت -منذ وقت قريب- قادرة على الحصول -عن طريق وكالات الأنباء- على جميع أخبار هذا العالم. والصحافة المصرية على هذا الوجه المنشود تصبح عملًا إنسانيًّا، وعملًا فنيًّا، وعملًا تجاريًّا في وقت معًا. لقد رأيت مما سبق أن العمود الصحفيّ أنواع كثيرة، ولا نستطيع في هذا الكتاب أن نختص كل موضوع منها يحث معين، فلنكتف إذن بنوعين فقط من الأنواع, على سبيل المثال، هما: عمود الموضوعات الإنسانية، وعمود الرياضة والفنون٢, وسنفرد لكلٍّ منهما فصلًا برمته فيما يلي:

стр. 342

عمود الموضوعات الإنسانية: نعني بالموضوعات الإنسانية جميع الموضوعات التي يخاطب فيها الكاتب إحساس القراء، ويهدف إلى إمتاعهم من الناحية الشعورية البحتة، وإحساسات القراء لا حصر لها في الواقع، وهي في الوقت نفسه تختلف بين فرد وفرد، كما تختلف بين حالة وحالة عند الفرد. فشابٌّ ضيق الدخل, ذو أسرة كثيرة العيال, قد يثير فيك من الإحساسات ما يثيره الشيخ الهرم، أو المرأة العجوز التي مات زوجها وأولادها منذ زمنٍ بعيدٍ، وبائع متجول لفحت وجهه الشمس، وعليه ثياب ممزقة، وصوته قد بُحَّ في الإعلان عن بضاعته اليسيرة, قد يحرك فيك من الشعور ما يحركه منظر اليتيم في يوم عيد، وهكذا. ونعنى بالموضوعات الإنسانية أيضًا, جميع الموضوعات التي يخاطب فيها الكاتب عقول قرائه، والناس في هذا العصر لا يجدون لهم غنًى عن المتع العقلية البحتة، يلتمسونها من أي طريق، وما دام طابع العصر هو السرعة, فلا ينتظر من أكثر القراء أن يلتمسوا هذه المتع العقلية الخالصة في الكتب، ولكنهم مضطرون في معظم الأحيان إلى التماسها في الصحف. من أجل ذلك, نرى الصحف كثيرًا ما تَمُدُّ القارئ بأعمدة تخاطب فيها عقله، وربما كانت هذه الأعمدة خلاصةً طيبةً لمقالٍ قرأه الكاتب، أو لبحث فلسفيٍّ أوحى إليه بكتابة العمود الإنسانيّ. ومن هذا القبيل كثير من الأعمدة التي كان يكتبها "على أمين" بصحيفة

стр. 343

"الأخبار" تحت عنوان: "فكرة", ومنها كذلك بعض الأعمدة التي يكتبها "محمد زكي عبد القادر" في نفس الصحيفة تحت عنوان: "نحو النور". أما الصحف الأجنبية -أمريكية أم أوروبية- فحافلة بهذا اللون من الأعمدة، والذي لا ريب فيه أن هذا الصحف الأجنبية تَقَدَّمَتْنَا أشواطًا بعيدة في هذا السبيل. ولئن كانت الأعمدة الإنسانية العاطفية تعتمد على غزارة العواطف عند الكاتب, وعلى ثروته في المشاعر، فإن الموضوعات الإنسانية العقلية تعتمد على قدرة الكاتب على التأمل في سلوك الناس، والمهارة في تحليل هذا السلوك تحليلًا فطريًّا حينًا، ومبنيًّا على قواعد علم النفس الحديث حينًا آخر. وما أشبه المحرر الصحفيُّ في الحالة الأولى بالأديب, وما أشبه المحرر الصحفيُّ في الحالة الثانية بالفيلسوف, وما أشد حاجته في الحالتين معًا إلى قوة البيان، وجمال الأسلوب، وحلاوة التعبير، والقدرة الصحيحة على ربط هذه الإحساسات أو التأملات بعضها ببعض؛ ليخرج منها مادةً إنسانيةً تريح النفس، وتلذ العقل، وتغذي الوجدان. من أجل هذا, كانت الأعمدة الإنسانية أقرب المود الصحفية كلها على الإطلاق إلى محيط الأدب، بل لا نبالغ إذا قلنا: إنها أدب خالص, له من القيم الفنية ما يصبح به خليقًا باسم الأدب الخالص، ونحن نعلم أن هذه القيم الفنية إنما تتلخص في ثلاثة أشياء، وهي: عمق التفكير، وغزارة الشعور، وجمال التعبير، وقد رأينا كيف يمكن أن تتوافر هذه الأشياء كلها في الموضوع الإنسانيّ. ومن ثَمَّ وجب أن يكون كاتب هذه الموضوعات أديبًا ممتازًا، وإن كان

стр. 344

الأدب وحده لا يكفي, ما لم تسنده التجارب الذاتية الكثيرة، والمعرفة الإنسانية العميقة، والاطلاع الواسع على الكتب والمجلات، والقدرة على التأمل في سلوك الأفراد والجماعات. وقد تقول: وما الفرق بين العمود الإنسانيّ، والمقال الأدبيّ الذي مَرَّ ذكره في الفصول السابقة؟ والجواب على ذلك: أن هناك فرقًا مبدئيًّا بين هاتين المادتين من مواد الصحف من حيث الطول: فالمقال الأدبيّ طويلٌ إلى حدِّ أنه يعتبر فصلًا كاملًا من أي كتاب, أما العمود فيشترط فيه أن يكون قصيرًا ما استطاع الكاتب إلى ذلك سبيلًا. وهناك فرق بينهما كذلك من حيث الشمول: فالمقال الأدبيّ, إنما تقصد به في الواقع طبقة معينة من القراء، هي الطبقة التي تفهم الأدب، وتعرف شيئًا عن صوره، ووسائله في التعبير، أما العمود الإنسانيّ, فإنه موجه إلى عدد أشمل من الناس، ويستطيع أكثر القراء تتبع العمود الإنسانيّ دون حاجةٍ منهم إلى معرفة الأدب، أو الوسائل التي يؤدي بها الأديب ما أراد. وقد تقول: وما الفرق بين العمود الإنسانيّ، والتقرير أو "الريبورتاج؟ " والجواب على ذلك، كما يقول الأستاذ "كارل وارين" في كتابه "كيف تصبح صحفيًّا"١: "أن التقرير -أو الريبورتاج- هو معلومات جديدة تتناول

стр. 345

أشخاصًا أو أشياء، أو حوادث لها مغزًى معين، والغاية منه أولًا -وقبل كل شيء- نقل المعلومات إلى القارئ, أما الموضوع الإنسانيُّ فيهدف إلى إمتاع القارئ برواية مكتوبة؛ ممثلوها حقيقيون، ومواقفها الإنسانية حقيقية، وهدفها الوحيد إثارة إحساساته، ومع هذا وذاك, فليس ثمة خط واضح يفصل تمامًا بين الموضوع الإنسانيّ والريبورتاج، فحدودهما تختلط كما تختلط حدود الألوان في قوس قزح". أما موضوعات العمود الإنسانيّ فكثيرة، ولا نستطيع لها حصرًا في الحقيقة، فالأطفال، والشبان، والنساء، والشيوخ، والحيوان الأليف؛ كالقطة، والحيوان المسلي كالقرد، والأشجار، والأمكنة التي ارتبطت في الأذهان ببعض الأحداث، والمحكوم عليه بالإعدام، والتاجر، ورجل الأعمال، والسجين, والوزير، والطبيب، والأستاذ، والفلاح والشهيد في موقعة من مواقع القتال، والقائد في الموقعة، والزعيم في المنفى, كل هذه موضوعات صالحة للعمود الإنسانيّ الذي تنشره الصحيفة. غير أن النوع العاطفيّ الخالص من هذه الموضوعات يكثر في الصحافة عند اشتداد الأزمات القومية التي تمر بالبلاد، ومنها أزمات الحروب التي تقوم بها العصابات، وجيوش التحرير الوطنيّ في أي بلدٍ كان، ومنها كذلك أوقات الأمراض الفتاكة، كالكوليرا، والطاعون، ونحوهما، ومنها الأزمات الاقتصادية الحادة، والحوادث الكبيرة المفزعة، كحادثة زلزال، أو بركان، أو سيل من السيول الجارفة، ونحو ذلك، وكل هذه الموضوعات تصلح لأن تكون مادةً للعمود الإنسانيّ، كما تصلح في الوقت نفسه أن تكون مادة للتقرير الصحفيّ أو "الريبورتاج". وإن تنس مصر لا تنسى تلك الأعمدة الفياضة بالمشاعر والوجدانات

стр. 346

مما ظهر في الصحف المصرية على أثر المواقع التي اشتبك فيها الفدائيون المصريون بالجنود الإنجليز عند مدينة الإسماعيلية، وذلك في غضون سنة ١٩٥١، وفي هذه المواقع الحربية سقط في ميدان الشرف كثيرون من شباب الجامعات المصرية, ورثت الصحافة هؤلاء الشهداء رثاءً أثارَ أعمق العواطف الإنسانية في قلوب القراء. وهكذا كانت "قناة السويس"منذ نشأتها إلى اليوم مدعاةً لأزماتٍ قويةٍ هزت الشعور المصريّ هزًّا قويًّا، وكان من نتيجة ذلك أن أفاض الشعراء والكتاب ورجال الصحف على اختلافهم في الكتابة في هذا الموضوع بين حين وحين, ولو ذهبت تجمع هذا النتاج الأدبيّ الصحفيّ العظيم, لتألف لك منه ما يمكن أن تطلق عليه اسم "أدب القناة"، وهو جزء من الأدب المصريّ المعاصر, عليه طابع الحزن الذي نجد مثله في جزء من الأدب العربيّ، هو الأدب الشيعي, الذي يدور في معظمه حول حادثة مشهورة في التاريخ الإسلاميّ، هي حادثة مقتل "الحسين بن عليّ". وإلى القارئ مثلًا واحدًا فقط من أمثلة الأدب الذي اصطلحنا على تسميته: "أدب القناة"، وهو هنا عمود من أعمدة الموضوعات الإنسانية التي حفلت بها الصحف المصرية إذ ذاك، ومنها صحيفة "الزمان", وقد نشرت هذه الصحيفة مقالًا بعنوان: إلى البطل الشهيد عادل محمد غانم: قالت في أوله: "استشهد فجر أمس "٣٠/ ١٢/ ١٩٥١" المجاهد عادل محمد غانم, الطالب بكلية الطب بجامعة إبراهيم -عين شمس الآن- فكان أول جامعيٍّ سقط في ميدان الشرف. ثم وجه الكاتب تحيته لهذا الشهيد الكريم، فقال:

стр. 347

"كنت بين زملائك في الجامعة ملء العيون، وبين أهلك وأصدقائك ملء القلوب، وكان هدفك أن تتمتع بالشباب النضير، والربيع الضاحك، والأمل الحلو، وتمتع أهلك بما تنال من فرحة النجاح، وبهجة العرس، وجاه المنصب، ثم هتفت مصر تناديك فلبيت، وأبليت، وضحيت! يا لك من شابٍّ سخيّ البذل، كريم النفس، عظيم الهمة, ألم تهزمك دموع أمك وهي تودعك؟ ألم تغلبك عواطف أبيك وهو يشيعك؟ ألم تستمع إلى نداء المستقبل الذي كافحت من أجله في الدرس؟ ولا إلى الشباب الذي يفتح لأمثالك نوافذ الأمل والمتعة والحرص؟ ولا إلى صوت أصدقائك الذي نعمت بمحبتهم، ونعموا بمحبتك؟ ودعت كل ذلك، وكل ما فوق ذلك, وضحيت بالمستقبل الذي كان ينتظرك، والأمل الذي كان يراودك، وأسرعت نحو أمك الكبرى تلبي نداءها، وتجيب دعاءها، كأن صوتها لحنٌ سماويٌّ ملك عليك كل مشاعرك، وأنساك كل شيء إلّا أمل مصر، وحق مصر، وصوت مصر! يا لك من شابٍّ سخيٍّ كريمٍ! في الوقت الذي تعاني فيه مصر ضغطًا متصلًا من أوروبا، ونقصًا أكرهت عليه في السلاح، تندفع أنت كالشعلة تفيض بالضوء والحرارة، وتؤدي ضريبة الدم زكيةً سخيةً، لتروي بها شجرة الحرية، فلا الظلام أعماك عن الهدف، ولا التثبيط أقعدك عن الكفاح، ولا الخوف حال بينك وبين التضحية! لقد أضفت إلى قائمة الشهداء في معركة التحرير اسمًا لامعًا, سوف لا تنساه مصر، وكتبت بدمائك الطاهرة صفحةً خالدةً في سجل الكفاح الوطنيّ ستذكرها مصر، وقدمت بروحك الغالية وثيقة الثقة بين مصر وشباب مصر! وسوف تثمر هذه الدماء التي تتخضب بها أرض القناة ثمرتها المرجوة

стр. 348

إن شاء الله، ما دامت مصر تجد من بنيها رجالًا مثلك، ينسون في سبيلها نفوسهم، ويضحون من أجل حياتها بحياتهم! فلتطمئن نفسك، ولتهنأ روحك، فإن جهادك لن يضيع، وتضحيتك لن تنسى، ووطنك لن يموت! وتقبل من قلوب أهلك، وأصدقائك، وزملائك، وبني مصر جميعًا باقةً خالدةً مخضلةً بالدموع"! إدجار جلاد. وعندي أن هذه القطعة الأدبية، أو العمود الصحفيّ الإنسانيّ من أروع ما خلفة الصحفيون والأدباء، كُتَّابًا، وخطباء، وشعراء، وهو -على كونه عمودًا صحفيًّا بحتًا- له من الصفات الفنية، والقيم الجمالية ما يجعله خالدًا خلود القطع الأدبية التي تركها لنا هؤلاء القدامى. أما النوع الثاني من أنواع الموضوعات الإنسانية، وهو النوع الذي يخاطب فيه الكاتب عقول القراء بدلًا من عواطفهم، فالأمثلة عليه كثيرة من الصحف المصرية منذ نشأتها، وتذكرنا هذه الموضوعات بما كانت تفعله صحيفة "المؤيد" لصاحبها "السيد على يوسف", فقد كانت تنشر بين حينٍ وآخر موضوعات إنسانية تستعيرها من بعض الكتاب الأمريكيين، ومنهم الكتاب المشهور باسم: "آرثر بريز باين". وكان هذا الكاتب يبعث بأعمدته إلى إحدى مجلات المؤسسة الأمريكية المعروفة باسم: "هرست"، فكانت تلقى رواجًا كبيرًا جدًّا في بلاد أمريكا، وذلك على الرغم من أنها لم تكن تتصل بأمور السياسة، وكان من المعجبين بهذه الأعمدة الإنسانية العقلية -أيما إعجاب- شابٌّ شرقيٌّ اسمه: "سليم" كان مقيمًا بأمريكا، وكان يصدر بها مجلة باللغة العربية، واشتهت نفس "سليم" هذا أن يحظى بلقاء الكاتب الأمريكيّ الكبير في مكتبه، ويشهد

стр. 349

بنفسه كيف يكتب عمود الصحفيّ عادةً، ونجح سليم في ذلك على الرغم من أن مقابلة هذا الكاتب الأمريكيّ كان أعسر على طالبها من مقابلة رئيس الجمهورية نفسه، وإذا ذاك سأله سليم قائلًا: كيف تكتب العمود دائمًا؟ قال الراجل: أقضي نهاري في مراقبة الناس وأحوالهم، ومطالعة أفضل المؤلفات، فمتى اختمر المعنى الذي اخترته موضوعًا للعمود في عقلي, أتيت غرفتي هذه، وكتبت موضوعي على الآلة الكاتبة بيدي١. ونريد أن نستميح القارئ الشرقي عذرًا في إيراد مَثَلٍ واحد من أمثلة العمود العقليّ الإنسانيّ الذي كان يكتبه ذلك الكاتب الأمريكيّ، وهو العمود الذي نشرته صحيفة "المؤبد" بعنوان: الماحوث والناموس: لقد تعلم أيها القارئ أن الماموث حيوان مفترس في غاية الضخامة, وأنه انقرض الآن، فلم تبق إلّا ذكره, وأما الناموس الصغير فلا يزال موجودًا بكثرة، وأنه يزداد ويحصى بملايين الملايين. ولم نعلم إلّا أخيرًا أن الناموس هو الذي ينشر حمى الملاريا، وينقل الحمى الصفراء، وغيرهما من الأمراض, وقد استطاع الإنسان مع ضعفه الأول، وأطواره الأولى أن يتخلص من الماموث، ومن سائر الحيوانات الضخمة، ولكنه لا يزال حتى الآن عاجزًا عن إبادة الناموس على الرغم من صغر حجمه، وعلى الرغم من أنه أشد الهوام المنظورة أذًى وضررًا.

стр. 350

أفلا ينتج عن هذا أن العمل الصغير التافة هو أشد ما يعترض الجنس البشريّ كله، وأن العقل يقوى على حلِّ أعظم المسائل وأشدها تعقيدًا وضخامةً، ولكنه يعجز عن مقاومة المشكلات الصغيرة التافهة؟ نعم، سنتمكن في آخر الأمر من إبادة الناموس، والذباب، وسائر الهوام الجالية للأمراض، وإذ ذاك نبدأ عراكًا من نوعٍ آخر نقاتل فيه الميكروبات، والجراثيم، والأشياء غير المنظورة، ونقاتل فيه ميكروبات الأمراض التي كان الناموس ينقلها، ويوصل أذاها إلينا، وهو عراك عنيف طويل, لا بد لنا من الفوز فيه بطريقةٍ أو بأخرى. ولكن العبرة التي أسوق إليها القارئ من كل ذلك, هي أن الإنسان يجد مثل هذا العناء في المعارك الخلقية، والمعنوية التي تصادفه في حياته، فأصغر الأعداء فيها يحتاج إلى وقت طويل، وصبر أطول بما يحتاج إليه الإنسان في التغلب على أعظم الأعداء، وأقوى الأقوياء. إنني أعتقد أننا لا نزال في دور الهمجية من حيث الأخلاق، والمعنويات، فنحن لا نزال نحارب جرائم القتل، وإحراق البيوت والزرع، ونحارب السرقة، وغيرها من الجرائم الكبيرة والعيوب الضخمة، وكما كان ساكن الكهوف يحارب الماموث، فنحن الآن نحارب هذه الوحوش الأخلاقية الشرسة الضخمة، وستزول هذه الوحوش الأخلاقية يومًا ما، وتتلاشى من الوجود، فلايرتكب الناس القتل، ولا يقترفون السرقة؛ إذ لا تكون هناك حاجة يومئذ إلى القتل، أو إلى السرقة متى أعيد تنظيم المجتمع على أسس أخرى! عند ذلك فقط, نعود إلى محاربة المتاعب الخلقية والمعنوية الصغرى من حيث الإثم، والكبرى من حيث الخطر والفتك بالجنس البشرىّ, ونريد بهذه المتاعب الكثيرة، أو المخلوقات المعنوية الدقيقة: الرياء، والغطرسة، والأنانية، وحب الذات، وانعدام الرغبة في الإحسان،

стр. 351

وأشباه ذلك من العيوب الأخلاقية والاجتماعية التي تشبه الناموس والهوام, في عالم المعاني والأخلاق١. وهكذا نرى أن عمود الموضوعات الإنسانية لا يكاد يختلف كثيرًا عن المقال الأدبيّ، بل هو عبارة في الواقع عن مقال أدبيٍّ صغير، يشترط فيه أن يدور حول فكرة واحدة فقط، لا يعدوها إلى غيره من الأفكار الأخرى، كما يشترط فيه أيضًا أن يكون أدنى إلى الإيجاز في اللفظ، ذلك أن المساحة التي يشغلها العمود في الصحيفة أقل بكثير من المساحة التي يشغلها المقال الأدبيّ أو العلميّ أو الصحفيّ. وثَمَّ فرق آخر بين العمود والمقال، هو أن الأخير لا غنى له في أكثر الأحيان عن الأمثلة والشواهد التي يأتي بها الكاتب لتقوية كلامه، والدفاع عن قضيته، في حين أن العمود لا يحتاج إلى شيء من ذلك إلّا في القليل النادر.

стр. 352

عمود الرياضة والفنون: قيل: إن القارئ العادي للصحيفة، كما دلت الإحصاءات الكثيرة على ذلك، يلقي نظرةً سريعةً على العنوانات البارزة فيها، ثم يقلب صفحاتها على عجلٍ بحثًا وراء الفكاهات، والصور الكاريكاتورية، ونحوها، وأخيرًا يستقر بصره في صفحتي المرأة والرياضة١. ولسنا ندري إن كان هذا صحيحًا بالقياس إلى الشعب الأمريكيّ، أو الشعب الأوروبيّ، وإلى أيٍّ حدٍّ يكون صحيحًا كذلك بالقياس إلى الشعب المصريّ خصوصًا, والشعوب العربية عمومًا؟ والمعروف -على أية حالٍ- أن الصحف العربية تخصص للألعاب الرياضية والمسرح والسينما حيزًا يلفت أنظار الجمهور القارئ. فلنقف وقفةً ما عند صفحتي الرياضة والفنون في الصحيفة، ولنشر إلى أهم القواعد والأصول المتبعة في تحريرها هاتين الصفحتين, أو العمودين في العادة. صفحة الألعاب الرياضية: نرى معظم الصحف التي تصدر في العالم -في الوقت الحاضر- تفرد صفحةً أو أكثر لأعمدة الألعاب الرياضية، ولعل السبب الحقيقيّ في اهتمام الصحافة الحديثة بهذه الصفحة بالذات, هو انتشار الألعاب الرياضة، والروح الرياضيّ في أكبر أقطار العالم المتحضر، ومن ثَمَّ كان على الصحف

стр. 353

أن تخضع خضوعًا تامًّا للأمر الواقع، وأن تستجيب لرغبات الجماهير في العناية التامة بهذه الأعمدة, ومعلوم أن أهم الألعاب الرياضية التي تسترعي نظر القارئ, هي: كرة القدم، وكرة السلة، ولعبة التنس، ولعبة الجولف، والسباحة، والمصارعة، والملاكمة، وسباق الخيل، وسباق السيارات، وسباق الدراجات، وصيد الحمام. والذي لا شك فيه أن العنصر الرئيسيّ في جميع الألعاب هو: عنصر المنافسة، وأن الدافع الحقيقيّ إلى تتبع أخبارها في الصحف هو: الإعجاب بالبطولة. والذي لا شك فيه أيضًا أن الجمهور في كل بلدٍ من بلاد العالم تقريبًا يتهافت -كما قلنا- على قراءة أخبار الرياضة, حتى لتشعر الصحيفة أنها لو أغلقت هذا الباب هبط توزيعها إلى درجة كبيرة, ولذلك اهتمت الصحف جميعها بصفحة الرياضة، وكان في هذا الاهتمام معنى الدعاية بالمجان، وهي دعاية يتدفق بها الذهب في جيوب مديري الملاعب، والمسارح على اختلاف ألوانها! وكثيرًا ما نجد في الصحف الكبرى أن لكل نوعٍ من الأنواع الرياضية المتقدمة محررًا خاصًا به، يكتب أخباره ويحاول أن يأتي -عقب ذلك- بالنقد الفني لهذه الأخبار. فإذا أعلن يومًا عن مباراة رياضيةٍ نهض المحرر المختص على الفور، وجمع المعلومات التامة عن المشتركين في هذه المباراة، وعني بالبطولات التي أحرزوها، ورجح كفة فريق على فريق، ووصف المباراة وصفًا دقيقًا من جميع الوجوه، ولم ينس أن يذكر موقف المتفجرين على المباراة, وطريقة تشجيعهم لهذا الفريق أو ذاك، وباختصار يذكر كل ما يرضي كلًّا من

стр. 354

اللاعب والقارئ الذي لم تتح له فرصة الحضور بنفسه لمشاهدة المبارة, أما القارئ الذي شهد المباراة ففي استطاعة المحرر الرياضيّ أن يمده بمعلومات جديدة, قلَّمَا يستطيع الحصول عليها بمجهوده الذاتيّ. من أجل ذلك يعني كثير من الصحف في وقتنا هذا "بالمحرر المختص" وتتوخى فيه دائمًا أن يكون من ذوي الخبر العامة التامة، والمرانة المتصلة، حتى أننا لنرى المحرر الرياضيّ يرتفع في بعض الأحيان إلى مستوى المحرر السياسيّ أو المحرر الأدبيّ، أو المحرر العلميّ. ولكن, كيف يؤدي هذا المحرر الرياضيّ عمله عادةً؟ وكيف يرضي فضول قرائه كذلك؟ دلت التجربة على أن هذا المحرر يتبع في كتابة مادته طائفة من القواعد، منها على سبيل المثال: أولًا: تركيز الانتباه في نقطة واحدة على الدوام، هي السير اللعب في ذاته, وحركات اللاعبين أنفسهم، وذلك بغض النظر ما أمكن عن شعور النظارة. ثانيًا: إن كان ولا بد من العناية بشعور النظارة, فليكن ذلك دائمًا لغايةٍ واحدةٍ فقط، هي وصف الجو الوجدانيّ المحيط باللعب، ومقدار الصلة بين هذا الجو العاطفيّ، وحركات اللاعبين في المباراة، ذلك أن لتشجيع الجمهور أثرًا لا سبيل إلى إنكاره في الفريقين المتنافسين على السواء. ثالثًا: عرض الحقائق الخاصة باللعب عرضًا مجردًا عن الهوى، مجردًا كذلك عن مشاعر النظارة الذين لايصح بحالٍ من الأحوال- أن يعتبرهم المحرر الرياضيّ جزءًا من أجزاء المباراة. رابعًا: من حق المحرر الرياضيّ -بعد ذلك- أن يكتب تعليقًا على المباراة, وينبغي له عندئذ أن يجعل هذا التعليق زاخرًا بالحياة، معبرًا عن الواقع.

стр. 355

خامسًا: كتابة الخبر والتعليق بأسلوب جذاب، يصف المباراة، ويذكر الأطوار التي مرت بها، ويصف النتيجة التي انتهت إليها. على أن هذا الوصف يتطلب من المحرر قدرةً بلاغيةً من نوع معينٍ، ولكن مهما كانت هذه القدرة البلاغية التي ندعو إليها، فلا يصح أن تكون حائلًا دون استخدام الألفاظ الفنية -ولو كانت عامية- وهي الألفاظ التي اصطلح الرياضيون عليها، ولهذا السبب الأخير اشترطت الصحف في محررها الرياضيّ أن يكون عالمًا بتاريخ اللعبة الرياضية، وأن يكون ممارسًا لها منذ مدة. سادسًا: في صياغة القصة الرياضية يحسن أن يتبع نظام القصة الخبرية، فيعني المحرر الرياضيّ بالأسئلة الستة المعروفة، ويصوغ القصة على شكل هرم مقلوب, تأتي فيه النتائج والأخبار المهمة أولًا، ثم تأتي التفاصيل بعد ذلك. سابعًا: على المحرر الرياضيّ أن يعني العناية كلها بنتيجة المباراة، وعليه أن ينوه بالفائز دائمًا، كما أن عليه أن يشرح للقراء مغزى النتيجة التي انتهت بها المباراة، ولا بأس من التعرض في أثناء ذلك لبعض وجوه الضعف في الفريق الخاسر، والإشارة العابرة إلى المهم من أخطائه، ولكن بقصد التوجيه والإرشاد، لا بقصد السخرية والإيذاء، فإن السخرية في مثل هذه الحالة خطأ أدبيّ جسيمٌ لا يتفق مطلقًا والروح الرياضية. وفي يدي عند كتابة هذا الفصل صحيفة "أخبار اليوم" الصادرة في ٢٨ أكتوبر سنة ١٩٥٦، وقد نشرت في صفحتها الرياضية أخبارًا كثيرةً؛ منها الخبر الآتي بالعنوانات الآتية:
следующие страницы →