وأشباه ذلك من العيوب الأخلاقية والاجتماعية التي تشبه الناموس والهوام, في عالم المعاني والأخلاق١.
وهكذا نرى أن عمود الموضوعات الإنسانية لا يكاد يختلف كثيرًا عن المقال الأدبيّ، بل هو عبارة في الواقع عن مقال أدبيٍّ صغير، يشترط فيه أن يدور حول فكرة واحدة فقط، لا يعدوها إلى غيره من الأفكار الأخرى، كما يشترط فيه أيضًا أن يكون أدنى إلى الإيجاز في اللفظ، ذلك أن المساحة التي يشغلها العمود في الصحيفة أقل بكثير من المساحة التي يشغلها المقال الأدبيّ أو العلميّ أو الصحفيّ.
وثَمَّ فرق آخر بين العمود والمقال، هو أن الأخير لا غنى له في أكثر الأحيان عن الأمثلة والشواهد التي يأتي بها الكاتب لتقوية كلامه، والدفاع عن قضيته، في حين أن العمود لا يحتاج إلى شيء من ذلك إلّا في القليل النادر.
стр. 352
عمود الرياضة والفنون:
قيل: إن القارئ العادي للصحيفة، كما دلت الإحصاءات الكثيرة على ذلك، يلقي نظرةً سريعةً على العنوانات البارزة فيها، ثم يقلب صفحاتها على عجلٍ بحثًا وراء الفكاهات، والصور الكاريكاتورية، ونحوها، وأخيرًا يستقر بصره في صفحتي المرأة والرياضة١.
ولسنا ندري إن كان هذا صحيحًا بالقياس إلى الشعب الأمريكيّ، أو الشعب الأوروبيّ، وإلى أيٍّ حدٍّ يكون صحيحًا كذلك بالقياس إلى الشعب المصريّ خصوصًا, والشعوب العربية عمومًا؟
والمعروف -على أية حالٍ- أن الصحف العربية تخصص للألعاب الرياضية والمسرح والسينما حيزًا يلفت أنظار الجمهور القارئ.
فلنقف وقفةً ما عند صفحتي الرياضة والفنون في الصحيفة، ولنشر إلى أهم القواعد والأصول المتبعة في تحريرها هاتين الصفحتين, أو العمودين في العادة.
صفحة الألعاب الرياضية:
نرى معظم الصحف التي تصدر في العالم -في الوقت الحاضر- تفرد صفحةً أو أكثر لأعمدة الألعاب الرياضية، ولعل السبب الحقيقيّ في اهتمام الصحافة الحديثة بهذه الصفحة بالذات, هو انتشار الألعاب الرياضة، والروح الرياضيّ في أكبر أقطار العالم المتحضر، ومن ثَمَّ كان على الصحف
стр. 353
أن تخضع خضوعًا تامًّا للأمر الواقع، وأن تستجيب لرغبات الجماهير في العناية التامة بهذه الأعمدة, ومعلوم أن أهم الألعاب الرياضية التي تسترعي نظر القارئ, هي: كرة القدم، وكرة السلة، ولعبة التنس، ولعبة الجولف، والسباحة، والمصارعة، والملاكمة، وسباق الخيل، وسباق السيارات، وسباق الدراجات، وصيد الحمام.
والذي لا شك فيه أن العنصر الرئيسيّ في جميع الألعاب هو: عنصر المنافسة، وأن الدافع الحقيقيّ إلى تتبع أخبارها في الصحف هو: الإعجاب بالبطولة.
والذي لا شك فيه أيضًا أن الجمهور في كل بلدٍ من بلاد العالم تقريبًا يتهافت -كما قلنا- على قراءة أخبار الرياضة, حتى لتشعر الصحيفة أنها لو أغلقت هذا الباب هبط توزيعها إلى درجة كبيرة, ولذلك اهتمت الصحف جميعها بصفحة الرياضة، وكان في هذا الاهتمام معنى الدعاية بالمجان، وهي دعاية يتدفق بها الذهب في جيوب مديري الملاعب، والمسارح على اختلاف ألوانها!
وكثيرًا ما نجد في الصحف الكبرى أن لكل نوعٍ من الأنواع الرياضية المتقدمة محررًا خاصًا به، يكتب أخباره ويحاول أن يأتي -عقب ذلك- بالنقد الفني لهذه الأخبار.
فإذا أعلن يومًا عن مباراة رياضيةٍ نهض المحرر المختص على الفور، وجمع المعلومات التامة عن المشتركين في هذه المباراة، وعني بالبطولات التي أحرزوها، ورجح كفة فريق على فريق، ووصف المباراة وصفًا دقيقًا من جميع الوجوه، ولم ينس أن يذكر موقف المتفجرين على المباراة, وطريقة تشجيعهم لهذا الفريق أو ذاك، وباختصار يذكر كل ما يرضي كلًّا من
стр. 354
اللاعب والقارئ الذي لم تتح له فرصة الحضور بنفسه لمشاهدة المبارة, أما القارئ الذي شهد المباراة ففي استطاعة المحرر الرياضيّ أن يمده بمعلومات جديدة, قلَّمَا يستطيع الحصول عليها بمجهوده الذاتيّ.
من أجل ذلك يعني كثير من الصحف في وقتنا هذا "بالمحرر المختص" وتتوخى فيه دائمًا أن يكون من ذوي الخبر العامة التامة، والمرانة المتصلة، حتى أننا لنرى المحرر الرياضيّ يرتفع في بعض الأحيان إلى مستوى المحرر السياسيّ أو المحرر الأدبيّ، أو المحرر العلميّ.
ولكن, كيف يؤدي هذا المحرر الرياضيّ عمله عادةً؟ وكيف يرضي فضول قرائه كذلك؟
دلت التجربة على أن هذا المحرر يتبع في كتابة مادته طائفة من القواعد، منها على سبيل المثال:
أولًا: تركيز الانتباه في نقطة واحدة على الدوام، هي السير اللعب في ذاته, وحركات اللاعبين أنفسهم، وذلك بغض النظر ما أمكن عن شعور النظارة.
ثانيًا: إن كان ولا بد من العناية بشعور النظارة, فليكن ذلك دائمًا لغايةٍ واحدةٍ فقط، هي وصف الجو الوجدانيّ المحيط باللعب، ومقدار الصلة بين هذا الجو العاطفيّ، وحركات اللاعبين في المباراة، ذلك أن لتشجيع الجمهور أثرًا لا سبيل إلى إنكاره في الفريقين المتنافسين على السواء.
ثالثًا: عرض الحقائق الخاصة باللعب عرضًا مجردًا عن الهوى، مجردًا كذلك عن مشاعر النظارة الذين لايصح بحالٍ من الأحوال- أن يعتبرهم المحرر الرياضيّ جزءًا من أجزاء المباراة.
رابعًا: من حق المحرر الرياضيّ -بعد ذلك- أن يكتب تعليقًا على المباراة, وينبغي له عندئذ أن يجعل هذا التعليق زاخرًا بالحياة، معبرًا عن الواقع.
стр. 355
خامسًا: كتابة الخبر والتعليق بأسلوب جذاب، يصف المباراة، ويذكر الأطوار التي مرت بها، ويصف النتيجة التي انتهت إليها.
على أن هذا الوصف يتطلب من المحرر قدرةً بلاغيةً من نوع معينٍ، ولكن مهما كانت هذه القدرة البلاغية التي ندعو إليها، فلا يصح أن تكون حائلًا دون استخدام الألفاظ الفنية -ولو كانت عامية- وهي الألفاظ التي اصطلح الرياضيون عليها، ولهذا السبب الأخير اشترطت الصحف في محررها الرياضيّ أن يكون عالمًا بتاريخ اللعبة الرياضية، وأن يكون ممارسًا لها منذ مدة.
سادسًا: في صياغة القصة الرياضية يحسن أن يتبع نظام القصة الخبرية، فيعني المحرر الرياضيّ بالأسئلة الستة المعروفة، ويصوغ القصة على شكل هرم مقلوب, تأتي فيه النتائج والأخبار المهمة أولًا، ثم تأتي التفاصيل بعد ذلك.
سابعًا: على المحرر الرياضيّ أن يعني العناية كلها بنتيجة المباراة، وعليه أن ينوه بالفائز دائمًا، كما أن عليه أن يشرح للقراء مغزى النتيجة التي انتهت بها المباراة، ولا بأس من التعرض في أثناء ذلك لبعض وجوه الضعف في الفريق الخاسر، والإشارة العابرة إلى المهم من أخطائه، ولكن بقصد التوجيه والإرشاد، لا بقصد السخرية والإيذاء، فإن السخرية في مثل هذه الحالة خطأ أدبيّ جسيمٌ لا يتفق مطلقًا والروح الرياضية.
وفي يدي عند كتابة هذا الفصل صحيفة "أخبار اليوم" الصادرة في ٢٨ أكتوبر سنة ١٩٥٦، وقد نشرت في صفحتها الرياضية أخبارًا كثيرةً؛ منها الخبر الآتي بالعنوانات الآتية:
стр. 356
الزمالك والمصري يتعادلان ٢ إلى ٢:
أحمد سليم يسجل هدف التعادل في الوقت الضائع
ثم أت الصحيفة بعد هذه العنوانات بـ "صدر الخبر" فكان على النحو الآتي:
تعادل الفريقان: الزمالك المصري ٢-٢، وسجل "أحمد سليم" هدف التعادل للزمالك في الوقت الضائع، كما سجل "عبده سليم" هدفي المصري, وأصاب "خليل" هدفًا للزمالك ... جمهور الدرجة الثالثة يلقي بالفوراغ في الملعب.
ثم أتت الصحيفة على "صلب الخبر" وفيه التفاصيل على النحو الآتي:
الشوط الأول:
تبادل الفريقان الهجوم منذ البداية، وبعد ١٥ دقيقة شدد الزمالك الهجوم على دفاع المصري، ولكنه لم يستغل جناحه الأيمن، وتمكن دفاع المصري من صد هجمات الزمالك التي كانت جميعها غير محكمة.
شدد الدفاع المصري حراسته على "خليل" الذي اضطر لتغيير مركزه أكثر من مرة لمراوغة الدفاع, أضاع هجوم الفريقين فرصًا كثيرةً، وقبل نهاية الشوط الأول بدقيقة تمكن "العيوطي" حارس مرمى الفريق المصري من صد قذيفة قوية من قدم "شريف الفار" أرسلها على بعد ٤٠ ياردة، وانتهى الشوط الأول بدون أهداف.
الشوط الثاني:
بدأ الشوط الثاني بهجوم الزمالك، وبعد ٧ دقائق رد "شريف" الكرة إلى "خليل" الذي انفرد بمرمى المصري، فسدد كرةً مرت بجوار القائم
стр. 357
الخشبي, وبعد ١٤ دقيقة أحرز "عبده سليم" متوسط هجوم الفريق المصري الهدف الأول من قذيفة قوية لم يستطع "محمد عبد الله" صدها، وبعد ٢٢ دقيقة أحرز "خليل" هدف التعادل للزمالك إثر تمريرة من "شريف الفار", وبعد دقيقة احتسب الحكم ضربة جزاء لصالح المصري, سجل بعدها "عبده سليم" الهدف الثاني للمصري, وعلى الأثر تكتل فريق المصري أمام مرماه للاحتفاظ بفوزه, ولعب "عبده سليم" متوسط هجوم بمفرده، وقبل نهاية الشوط الثاني بعشر دقائق سيطر فريق الزمالك على الكرة حتى نهاية المباراة، وتمكن "أحمد سليم" من إصابة هدف التعادل للزمالك قبل النهاية بنصف دقيقة، وذلك في الوقت الضائع إثر قذيفة من "علاء" صدت في الدفاع المصري, فتلقفها "أحمد سليم" وسجل الهدف الثاني للزمالك.
هكذا ركز المحرر الرياضي انتباهه في نقطة واحدة هي سير اللعب، وحركات اللاعبين، وغض النظر عن شعور النظارة.
بل إن المحرر الرياضيّ أغفل هذا الشعور تمامًا في مقاله أو عموده، فلم يذكر عنه كلمة واحدة، واكتفى إذ ذاك بصورةٍ شمسيةٍ كبيرةٍ نشرها في أقصى الشمال من يسار صفحة الرياضة، وجاء بها على خمسة أعمدة من هذه الصفحة، وكتب تحتها العبارة الآتية:
"ثورة الجمهور على الحكم في مباريات الزمالك والمصري, ثار الجمهور عندما احتسب الحكم ضربة جزاء ضد الزمالك، وأخذ يلقي الفوارغ، وهجم على الملعب، ويرى رجال البوليس وهم يحاولون تهدئة الحالة".
وبهذه الصورة الشمسية استغنى المحرر -كما قلنا- عن وصف مشاعر النظارة، وأعطى فكرة عن الجو المحيط باللعب، وأوضح مقدار الصلة بين حركات اللاعبين وتشجيع الجمهور.
стр. 358
ثم هكذا عرض المحرر الرياضيّ بصحيفة "أخبار اليوم" الحقائق الخاصة بالمباراة التي أجريت بين فريق الزمالك وفريق المصري، وتجرَّدَ المحرر في أثناء ذلك عن التحيز لأحد الفريقين، كما تجرَّدَ أيضًا عن مشاعر النظارة, ثم إن المحرر الرياضيّ الذي أمامنا, توخى أن يكتب خبر المباراة على شكل قصة خبرية لها "صدر" ولها "صلب" وأجاب عن بعض الأسئلة الستة، وعني بذكر النتيجة ووصفها، ولم ينس في أثناء ذلك كله أن يوجه النقد من حينٍ لآخر إلى اللاعبين، ويلفت أنظارهم إلى الأخطاء التي كانوا يرتكبونها، ولم ينس هذا المحرر مطلقًا أن ينوه ببعض الممتازين من اللاعبين، وأن يسجل حركاتهم في الملعب، وأن يستخدم في أثناء ذلك كله الألفاظ المصطلح عليها بين الرياضيين أنفسهم، كألفاظ:
هدف التعادل، والتعادل، والمرمى، والجناح، ومتوسط هجوم، وضربة جزاء, إلخ، ولا يكاد يعاب على هذا العمود الرياضيّ الذي أتى على شكل قصة خبرية أكثر من أن محرره لم يُقَسِّمْ "صلب الخبر" إلى فقرات, تبدأ كل فقرةٍ منها بسطرٍ جديدٍ، فإنه بدلًا من أن يفعل ذلك, اكتفى بالفصل بين كل فقرةٍ وأخرى, بنقطة أفقية هكذا "..... ".
ولا شك أن هذه الصفحة الرياضية التي ينشر فيها هذا العمود الرياضيّ لم تتسع -فيما يظهر- للتعليق الفنيّ على المباراة، بما يعطي للقارئ فكرةً كاملة الوضوح، تامة البناء، ظاهرة المعالم.
صحفة الفن:
الفن تعبير شخصيٌّ حرٌّ, يشيع الفرح والبهجة والهدوء والاطمئنان في النفس البشرية، والفن تعبير عن الحياة في جميع العصور التي مرت بها, ورسالة الفنان مطابقة دائمًا لشعوره وإحساساته، وهي تقص علينا قصته كما تخيلها وأحس بها.
стр. 359
والفنان هو وحده صاحب الحق في أن يتصرف في الطبيعة من حوله, فيرسمها لنفسه وللناس بالصورة التي يمليها عليه إحساسه وشعوره.
نظرت سيدةٌ إلى لوحةٍ فنيةٍ رائعةٍ، لمنظر من مناظر الطبيعة في أبهى مظاهرها، فصاحت في وجه الرسام قائلةً:
لكن الطبيعة يا سيدي ليست كذلك!، فأجابها الفنان من فوره قائلًا: "لكن، ألَا تحبين يا سيدتي أن تكون الطبيعة كذلك"؟
تلك هي بعض الأسباب التي من أجلها تعنى البشرية كلها بالفن من حيث هو، وتلك هي بعض الأسباب التي من أجلها تزيد الصحافة من عنايتها بالفنون على اختلافها, وهذه الفنون في ذاتها قسمان: قسم خيالي، وآخر واقعي.
أما الخياليّ: فلا يتقيد بقيود من أي نوع, ومن هنا كانت الحرية أصلًا من أصول الفن، وسببًا من أسباب بقائه ونمائه، بحيث إذا حرمها الفن حرم الحياة كلها على الفور.
وأما الفن الواقعيّ: ففيه تشترك اليد مع الذهن، أي: أنه فنُّ يحتاج إلى مادةٍ تعمل فيها اليد بوحيٍ من الذهن, ومن هنا أطلق على الفنون الخيالية اسم: "الفنون الجميلة" أو "الفنون الرفيعة"، كما أطلق على الفنون الواقعية اسم: "الفنون العملية"، أو الفنون التطبيقية":
فمن الفنون الخيالية: الشعر، والرسم، والتصوير، والزخرفة، والتمثيل، والموسيقى, ومن الفنون التطبيقية: صناعة السجاد، وصناعة الأثاث، ونحو ذلك.
وللصحف -في الأعم الأغلب- عناية بالفنون الجميلة أو الفنون الرفيعة
стр. 360
تهتم بأخبارها، وتتصل بذويها، وتحرص على تتبع ما يخرجون من ثمرات قرائحهم، وما يعملون فيه أذواقهم، ومواهبهم، ولعلها -أي: الصحف- بالموسيقي، والمسرح، والغناء, والسينما، أشد عنايةً، وأعظم اهتمامًا, ولذا تراها غاصةً بالأعمدة الفنية حول حفلة غنائية لسيدة الغناء السيدة "أم كلثوم", أو الموسيقار "محمد عبد الوهاب"، أو رواية من الروايات التي تمثل على مسرح الأوبرا, أو الأزبكية، أو التي تظهر كل يوم في دور السينما بنوع أخصّ.
وإنك لترى هذا الرجل الذي يحضر الحفلة الأولى لكل تمثيلية، أو لكل فيلمٍ سينمائيٍّ، أو هذا الرجل الذي يحييه الجمهور بين حين وآخر بابتسامة لطيفة, وهو جالس في الصف الأول، أو "اللوج" الظاهر من"ألواج" المسرح، فتعلم أنه "الناقد المسرحيّ", وهو معروف لأكثر النظارة، لأن اسمه يظهر يوميًّا في باب السينما والمسرح، من أبواب الصحف الكبرى في العاصمة.
فما السبب -يا ترى- في هذا الاحترام الذي يتمتع به هذا الرجل من جانب النظارة؟
إن السبب في ذلك -غالبًا- هو الخوف من قلم هذا الكاتب، حتى لكأن نجاح "التمثيلية" أو "الفيلم" مرهون بنقده، فإذا أهمل الناقد المسرحيّ الكتابة عن إحدى المسرحيات، أو قال عنها: إنها رديئة، سقطت من أعين الناس، وانزعج لذلك المشتغلون بالمسرح، أو القائمون على إخراج الرواية، أما إذا كتب الناقد المسرحيّ رأيه في المسرحية، وأثنى عليها بوجهٍ ما، فإن الجمهور يقبل عليها، ورجال المسرح يربحون من وراء ذلك الأموال الطائلة، وكثيرًا ما يأتي نجاح الرواية بسبب تحامل الناقد المسرحيّ عليها، وقسوته في نقدها، فقد يدفع ذلك بالكثير من الناس إلى رؤية الرواية بنفسه، ومحاولة الحكم عليها بنفسه، فإمَّا وافق الناقد المسرحيّ، وإما خالفه، ولكن كيف يؤدي الناقد المسرحيّ عمله غالبًا، وما الشروط التي لا بد من توافرها في النقد؟
стр. 361
أولًا: يبادر الناقد المسرحيّ إلى حضور المسرحية التي يريد نقدها، ولكنه قبل الذهاب إلى المسرح لهذا الغرض، عليه أن يحرص كل الحرص على قراءة القصة التي سيشهد إخراجها في المسرح أو في السينما, وعليه أيضًا أن يطَّلِعَ على المقالات التي كتبت عن هذه القصة في الصحف، أو المحاضرات والأحاديث التي أذيعت عنها في الإذاعة، أو النوادي العامة والخاصة, ما أمكنه ذلك، ومتى تجمع لديه -من وراء هذه الجهود- قدر كبير من المعلومات, أمكنه أن ينقد الرواية نقدًا جيدًا، ويسير غورها جيدًا، ويعطي كل ذي حقٍّ حقَّه من المؤلفين أو المخرجين أو الممثلين، وغيرهم.
ثانيًا: يشترط في الناقد المسرحي أن تكون لديه ثقافة مسرحية واسعة، وذلك فضلًا عن علمه التام بالمسرحية التي أمامه من حيث المبنى والمعنى، وكم يكون جميلًا -في ذلك الوقت- أن يكون الناقد المسرحيّ مؤلفًا مسرحيًّا قد مارس هذا الفن منذ مدةٍ كافيةٍ، ذلك أن الفرق كبير بين الناقد الأدبيّ، والناقد المسرحيّ.
فهذا الأخير لا يكتفي بدرس المسرحية وحدها، بل عليه أن يهتم بالممثلين أنفسهم، ويعني بنقد طرائقهم في التمثيل والإلقاء، كما عليه أن يتعرض كذلك لنقد ملابس الممثلين, وزخارف المسرح، وحركة الإضاءة, وليس له العذر -مع هذا وذاك- في أن ينسى أن يسجل آراء الجمهور، ويصف الجو الوجدانيّ الذي صحب مشاهدة التمثيل، وأصوات الموسيقى التي صحبت الممثلين, أو تلك التي تسمع في الفترات الفاصلة بين فصول الرواية، ونحو ذلك.
والحق أن واجب الناقد المسرحيّ ثقيلٌ جدًّا، فعليه أن يعد نفسه للقيام بهذا الواجب إعدادًا حسنًا، وإلّا فشل فشلًا ذريعًا في أداء مهمته.
стр. 362
ثالثًا: يشترط في الناقد المسرحيّ كذلك, أن يكون نزيهًا في الحكم، عفَّ اللفظ في النقد، مهذَّبَ العبارة في التوجيه، وإلّا سقطت هيبته، من أعين الجمهور، وسقطت معه "صفحة الفنون", ثم ما أسرع ما يتهمه الناس بعدئذ بأنه لا يكتب للفن، وإنما يكتب سعيًا وراء الربح الماديّ البحت، وربما بالغ أعداؤه كذلك فاتهموه بمد يده إلى أصحاب المسارح ودور السينما، يأخذ منهم الرشوة في سبيل كلمةٍ طيبةٍ يمدح بها عملهم؛ من حيث لا يستحقون شيئًا من هذا المدح.
رابعًا: أما اللغة التي تستخدم في نقد المسرح والسينما, فلسنا بحاجةٍ إلى القول بأنها ينبغي أن تكون في مستوى أعلى من اللغة التي يستخدمها المحرر الرياضيّ؛ إذ المسرح والسينما كالشعر والموسيقي من الفنون الرفيعة التي يجب أن يصطنع لها الكاتب لغةً مكافئةً لها، من حيث السموِّ والرفعةِ، وتصل هذه اللغة إلى الذروة على أيدي النقاد المثقفين الذين يتعرضون لنقد الروايات الإنسانية الخالدة، وللقصص الفلسفية الرائعة.
وفي باب المسرح والسينما -من أبواب الصحيفة الحديثة- يجد القارئ أخبارًا عن الممثلين والممثلات، وملخصًا لبعض القصص السينمائية أحيانًا، وإن وجدت فرقة موسيقية، أو فرقة "باليه" بالمدينة, كان على الصحيفة أن تبادر إلى نشر كل ما يتصل بهذه الفرق، من ذكر أسماء القطع الفنية، وأسماء العازفين، والراقصين، وطرق العزف أو الرقص، وغير ذلك من المعلومات التي يرحب بها قراءة هذه الصحفة من صفحات الجريدة.
ويعنى هذا الباب -فيما يعنى به كذلك- بالفرق الاستعراضية على اختلافها، وإن كانت السينما قد طغت على الصحف في هذا الميدان طغيانًا مبينًا، بحيث لم تدع لها فرصةً للتنافس معها في شيء من ذلك.
стр. 363
الحملة الصحفية:
لعل أبسط تعريف للحملة الصحفية أنها تتكون من عدد من المقالات أو التحقيقات الصحفية يتبع بعضها بعضًا بلا انقطاع، ويكتبها محرر واحد, أو عدد من المحررين المنتمين إلى صحيفةٍ واحدةٍ، وتكون في معنًى واحدٍ, ولهدفٍ معينٍ, يعود بالنفع على المجتمع المقصود بهذه الحملة.
ولكن يظهر أنه ليس من السهل على الباحث أن يفصل فصلًا تامًّا بين المقال الصحفيّ والتحقيق الصحفيّ والحملة الصحفية، فالواقع أن كل فنٍّ من هذه الفنون الصحفية يتصل بالفنَّين الآخرين اتصالًا قويًّا، أو أننا بعبارةٍ أخرى أن التحقيق الصحفيّ يتولد عن الخبر أو المقال، والحملة الصحفية تتولد عن التحقيق, وهكذا.
ولنضرب المثل أولًا بما يلي:
نجد الفتاة الإنجليزية عارضة الأزياء المعروفة باسم: "كريستيان كيلر" قد قالت عنها الأخبار: إنها كانت على صلة بوزير الحربية البريطانيّ, وبالملحق العسكريّ الروسي في لندن، وتقول الأخبار أيضًا: إن هذه الصلة كانت سببًا في استقالة الوزير، وفي تعديل الوزارة البريطانية سنة ١٩٦٣.
وقد نشرت الصحف البريطانية ما وصل إليها من هذه الأنباء، ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وهو مرحلة الخبر الصحفيّ, بل تعدَّاه إلى مرحلة
стр. 364
المقال الصحفيّ، ثم كثرت البيانات الخاصة بهذا الموضوع، وفتحت هذه البيانات طريقًا إلى المناقشات العامة، ثم كانت هذه البيانات والمناقشات هي السبيل إلى تحقيقات صحفية، وكشفت هذه التحقيقات أن تتحول إلى حملة ضعيفة، وجاءت هذه الحملة على شكل مقالات وتحقيقات متتابعة تهدف كلها إلى البحث عن أخطاء الوزارة البريطانية القائمة، وتستدل على ذلك بالبيانات الموجودة تحت يد الصحف.
ولكن, ليس معنى ذلك مطلقًا أن هذه الفنون الثلاثة: المقال، والتحقيق، والحملة الصحفية, متشابهةً في طريقة تحريرها, وإن تشابهت في الهدف من هذا التحرير، فقد رأينا فيما سبق كيف يختلف المقال عن التحقيق من حيث الكتابة أو التحرير، أما الحملة الصحفية: فهي قمة هذه الجهود التي تبذلها الصحيفة، وهي المرحلة الأخيرة التي تصل إليها هذه الجهود بعد أن تقطع الصحيفة مرحلة الخبر، والتعليق على الخبر، والتحقيق المتولد عن هذا الخبر، وأخيرًا تأتي بعد كل ذلك مرحلة الحملة الصحفية إن كانت هناك ضرورة؛ إذ الفائدة من وراء هذه الحملة، والضرورة التي تدعو إلى تنظيم حملة صحفية, كثيرًا ما تكون نتيجة للشعور العميق بالمطالبة بإصلاح وضع من الأوضاع الفاسدة، سياسيًّا كان أو اجتماعيًّا أو مذهبيًّا, ونحو ذلك.
ومعنى هذا مرة أخرى: أن الهدف من الحملة الصحفية في الواقع إنما الكشف عن الأخطاء التي تسبب منها فساد واضح في المجتمع، وهو تأكيد لوجود هذه الأخطاء بطريق الإلحاح عليها, والإلحاح على المسئولين عنها، ولذلك نرى أن كاتب الجملة يحرص أكثر ما يحرص على تنبيه المسئول الحقيقيّ عن هذه الأخطاء، وبدون ذلك لا تكون لحمة الصحيفة أية فائدة مرجوة.
ولنضرب المثل هنا بسوء نتائج الامتحانات العامة مع وزارة التربية
стр. 365
والتعليم في بعض البلاد العربية, إن أمرًا كهذا, إذا حدث فإننا نجد الصحف تبدأ أولًا بنشر هذه النتائج العامة، ثم يلي ذلك دور التعليق الصحفيّ, أو كتابة المقال الذي يعبر في الصحيفة عن أسفها, أو عجبها من هذه النتيجة، ثم تعقب ذلك مرحلة ثالثة, فيها نجد الصحيفة تسعى وراء البيانات الخاصة بهذا الموضوع، ثم ترى أن هذه البيانات تصلح لأن يُسَْعانَ بها في كتابة تحقيق صحفيٍّ في الموضوع، ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الرابعة والأخيرة، وهي قيام الصحيفة بالتنبيه إلى الأخطاء الحقيقية التي أدت إلى سوء النتائج العامة، وفي سبيل هذه الغاية الأخيرة تقوم الصحيفة بدراسة تفصيلية للموضوع، فتقسمه إلى أجزاء، وتوزع هذه الأجزاء على عدد من الصحفيين المتمرسين, ثم تقترح لذلك الحلول، وتلقي المسئولية الحقيقية -إن وجدت- على الذين ارتكبوا هذه الأخطاء، فهل كانت هذه الأخطاء صادرةً عن المعلمين؛ لأنهم غير متخصصين كُلٌّ في المادة التي يقوم بتدريسها، أم كانت هذه الأخطاء ناجمة عن الهيئة الإدارية التي تقوم بالإشراف على المدرسة, وما يجري فيها من أحداث؟
أم أن مردَّ هذه الأخطاء في الواقع, هو فساد الحياة السياسية القائمة, أو الحياة الاجتماعية المضطربة لسبب من الأسباب؟ إلخ, هذه الأسئلة وأمثالها مما يرد إلى ذلك الصحفيّ الذي يعمد إلى كتابة التحقيقات المؤدية إلى كتابة الحملة الصحفية المقصودة، ومعنى ذلك أن الصحيفة تستطيع في النهاية أن تضع يدها على الأسباب الحقيقية لسوء النتائج العامة، وهذه الأسباب في ذاتها هي المقوّم الأساسيّ للحملة الصحفية التي تريد الصحيفة أن تطلع بها على القراء، ومتى نجحت هذه الحملة, فإنها تخدم قضية التعليم، وتخدم كذلك أسر التلاميذ.
الخطة في كتابة الحملة:
الخطة التي تتبع في تحرير الحملة, إنما تقوم على تقسيم هذه الحملة إلى
стр. 366
موضوعاتٍ تكتب فيها مقالات يتبع بعضها بعضًا بدون انقطاع، بشرط أن يتناول كل مقال من هذه المقالات مشكلةً بعينها, أو خطأ بعينه, أو زاويةً معينةً من زوايا القضية التي كتبت من أجلها الحملة الصحفية، وما زال الشعب المصريّ يذكر تلك الحملات الصحفية التي قامت بها صحيفة "روز اليوسف", ومن أخطرها الحملة التي قامت بها هذه الصحيفة ضد الأسلحة الفاسدة, وهي الأسلحة التي كانت ترسل إلى الجنود المصريين في أثناء حرب فلسطين ١٩٤٨, ثم ثبت أنها غير صالحة للاستعمال، وكثيرٌ من المراقبين يرون أن هذه الحملة التي شنتها صحيفة "روز اليوسف" هي من أقوى الأسباب الحقيقية في قيام ثورة الجيش سنة ١٩٥٢, تلك الثورة التي أطاحت بالملكية، وقضت على نظام الإقطاع، وبشَّرَت بالاشتراكية، إلى آخر ما نعرف من تاريخ هذه الثورة، وفي كتاب الرئيس جمال عبد الناصر ما يؤيد ذلك.
وفن الحملة الصحفية معروف في الصحافة العربية منذ فارقت هذه الصحافة دور الطفولة, ودخلت في دور الشباب، وقد عرف القدماء من الصحفيين العرب فن الحملة الصحفية, وما رسوه في صحفهم بنجاح تامٍّ, ونذكر من هؤلاء الصحفيين على سبيل المثال: السيد "علي يوسف" صاحب "المؤيد" وهي الجريدة التي صدرت في مصر سنة ١٨٨٩, وامتدَّ بها الأجل بعد ذلك حتى شهدت قيام الحرب العالمية الأولى، والمعروف عن تاريخ السيد "علي يوسف" أنه كان في خصومةٍ شديدةٍ مع عميد الاحتلال البريطاني في مصر "اللورد كرومر" وبسبب هذه الخصومة الطبيعية بين الرجلين, نشرت "المؤيد" هذه الحملة ضد كرومر، وكان السبب في ذلك خبرًا نشرته الصحف عن استقالة اللورد "كرومر" من منصبه بالقاهرة، وإذ ذاك نشر السيد "علي يوسف" طائفةً من المقالات المتتابعة في نقد سياسة "كرومر",
стр. 367
لفت بها أنظار الشعب المصريّ، واشتهرت هذه المقالات وعددها يربو على اثنتي عشرة مقالة باسم: "مقالات قصر الدوبارة بعد يوم الأربعاء".
وقد نالت هذه المقالات أعجاب القارئ المصريّ، وانهالت بسبب ذلك التهنئات على كاتبها، ثم أضيفت إليها المقالة الرائعة، التي رد بها السيد "علي يوسف" على خطبة الوداع للورد "كرومر"، وهي الخطبة التي نال فيها "كرومر" من كرامة المصريين منالًا عظيمًا، وجاء مقال السيد "علي يوسف" فمسح عن المصريين كل هذه الإهانة.
وتعبر هذه الحملة الصحفية من أنجح الحملات في تاريخ الصحافة المصرية التي ضربت رقمًا قياسيًّا في مكافحة الاحتلال البريطانيّ في عهد أطلق التاريخ عليه اسم: "الطور الصحافيّ من أطوار الحركة الوطنية"، وهو الطور الذي حرمت فيه البلاد من جيش يدافع عنها، ومن أية قوةٍ أخرى تقوم بهذا الدفاع, خلا قوة الصحافة١.
وهكذا نستطيع أن نضرب الأمثلة الكثيرة من الصحف المصرية على الحملات الصحفية التي قامت بها هذه الصحف في مناسباتٍ شتَّى, ومنها الحملات الصحفية التي كان يشنها العقاد ضد حكومة الوفد بعد خروجه على هذا الحزب.
غير أن أخشى ما نخشاه أن يفهم من ذلك أن الحملة الصحفية لا يرتفع صوتها, ولا تظهر أقلام كتابها إلّا في مجالات السياسة وحدها، ذلك أن الحملات الصحفية في مجال الاجتماع أوسع وأعمق.
стр. 368
ومما لا شكَّ فيه أن أنجح الحملات الصحفية ما تعاون في كتاباتها أكبر عددٍ ممكنٍ من المشتغلين في الصحيفة، وهذا هو الفرق بين الصحف الحديثة والقديمة؛ من حيث كتابة الحملات، ففي الصحف القديمة كالمؤيد أو اللواء, كان صاحب الجريدة يتولى وحده كتابة هذه الحملة، أما في الصحف الحديثة فلا بد من اشتراك مندوب الأخبار، وسكرتير التحرير، والمحرر المختص في تحرير الحملة الصحفية، حتى يضمن لها النجاح، ومع هذا وذاك, فقد كان تحرير الحملة الصحفية في الصحف القديمة بنظامٍ واحدٍ, وصدورها عن روحٍ واحدةٍ, وطريقةٍ واحدةٍ, سببًا من أسباب قوتها ونجاحها في أداء مهمتها.
стр. 369
الحيل الصحفية أو الصراع بين الصحيفة والرقيب:
منذ القدم والمعركة حامية بين الحاكم والمحكوم حول مسألة "حرية الرأي", وتشتد هذه المعركة دائمًا كلما تأزمت الأمور أمام الحاكم، وخاصةً في ظروف الحرب، أو الثورة أو الانقلاب، أو الظروف التي تخضع فيها الأمة لحكومةٍ أجنبيةٍ عنها، وفي كل واحدٍ من تلك الظروف يشعر الحاكم بأنه في غاية الحرج، فلا هو يستطيع أن يكاشف الأمة بأسرار الموقف السياسيّ، ولا الشعب صابرٌ على أن يقاد في الطريق كما تقاد الأنعام، وفي كل ظرف من الظروف المتقدمة يضطر الحاكم إلى فرض الرقابة التامة على الصحف والكتب، وذلك أقصى ما يستطيع الحاكم نفسه أن يفعله في مثل هذه الظروف.
أما الشعب -ممثلًا في الكتب والصحافة- فإنه يسلك في سبيل غايته طرقًا خاصةً، ليس هنا موضع إحصائها، ولكنا نسوق طرقًا منها على سبيل المثال.
نحن نعرف أن الأدب أسبق في ظهوره من الصحافة، ونذكر أن الأدباء -في عصور الاضطهاد الدينيّ والسياسيّ- ذهبوا مذاهب شتَّى في مقاومة الاضطهاد, على أي شكل من أشكاله، ولعل أقدم صورة من صور النقد السياسيّ حفظها لنا التاريخ, هي صورة "القصص على ألسنة الحيوان" كما تظهر لنا في كتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفع.
وقد صرَّحَ لنا هذا الكاتب بأن له أغراضًا أربعةً من وضع هذا الكتاب:
стр. 370
أولها: إقبال العامة على قراءته.
ثانيها: انتفاع الخاصة بهذه القراءة.
ثالثها: رغبة النساخ في انتساخه على مدى العصور.
رابعها: وهو "الأقصى" خاصٌّ بالفيلسوف نفسه.
وهنا سكت "ابن المقفع" عن بيان هذا الغرض الرابع الذي وصفه "بالأقصى"، وفهم القراء، وفهم الخليفة العباسيّ إذ ذاك، وكان "أبو جعفر المنصور" أن الكتاب موجه إليه، وإلى حكومته، وأن القصد منه توجيه اللوم إليه، وإلى حكومته.
وثَمَّ طريقةٌ أخرى من الطرق الأدبية الخالصة في التعبير عن الآراء والنظريات والمذاهب المخالفة، وهي: "طريقة الرؤيا والأحلام"، وهي وسيلة الكتاب والشعراء إلى نقد المجتمعات، والحكومات، ومن الأمثلة عليها "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعَرِّي، ورسائل الوهراني، وهو أديب مغربيٌّ وفد إلى مصر في العصر الأيوبيّ، سعيًا وراء وظيفة حكومية, ففشل في الحصول عليها، فصب جام غضبه على حكام مصر، وكبرائها على هذه الصورة.
بل إن من الطرق التي سلكها بعض المصريين في نقد حكامهم أحيانًا, "طريقة الجنون", أو الظهور بمظهر العته الذي لا يعاقب عليه القانون.
"ففي العصر الطولونيّ، وجزء من العصر الإخشيديّ, عرفت مصر شخصيةً عجيبةً كل العجب في تاريخها, هي شخصية "سيبويه المصريّ"، وكان رجلًا يظهر الحمق والجنون، واشتهر عنه ذلك، فاختفى وراء هذه الصفة, وأخذ يهجو الحكام والأمراء، فلم يكن أحدٌ منهم قادرًا على أن يأخذه بقوله؛ لأنه مجنون!
ولكن الناظر في كلامه، وأهاجيه, يحس إحساسًا عميقًا بأنه في الواقع
стр. 371
إنما يعبر عن آراء الشعب المصريّ في زمانه أصدق تعبير١.
ثم أتى دور الصحافة، وأخذت تحل محل الأدب في مقاومة الظلم والطغيان، وتنوعت طرق هذه الأخيرة، كما سبق أن تنوعت طرق الأولى في سبيل هذه الغاية، وسجَّلَ تاريخ الصحافة المصرية -تنوع خاص- بعض الطرق التي لجأت إليها الصحف الشعبية في القرن الماضي، ومنها على سبيل المثال:
طريقة "النديم" في صحيفته المعروفة باسم "التكيت والتبكيت" وهي صحيفة كتبها "النديم" باللغتين, أو اللهجتين: العربية، والعامية, وكتب باللهجة الأخيرة قصصًا شعبيةً للعامة, سخر فيها من كثير من الأوضاع الشاذة في المجتمع المصريّ الحديث, منذ التقت فيه الحضارة الحديثة بالحضارة الشرقية الموروثة، وكتب باللهجة الفصحى مقالاتٍ وقصصًا رمزيةً للخاصةِ, منها على سبيل المثال: أقصوصته التي كتبها بعنوان:
مجلس طبي على مصاب بالإفرنجي:
"والإفرنجيّ كلمة أطلقها المصريون في القرن الماضي على مرض الزهري, والكاتب يستعمل هذا اللفظ هنا استعمالًا رمزيًّا؛ لأنه رمز به إلى الخراب الذي عم البلاد بسبب إسراف إسماعيل، كما رمز بكلمة "المصاب" إلى مصر التي أصبحت تعاني المرض والفقر بسبب هذا الإسراف، ورمز بكلمة
стр. 372
"مجلس طبي" إلى العقلاء الناصحين للأمة المصرية, الذين عليهم أن يفكروا في مخرجٍ لها من هذه الأزمة١.
وكان من ألمع الكتاب الصحفيين بمصر في القرن الماضي، وإمام السخرية في العصر الحديث غير مدافع "يعقوب بن صنوع" الذي اتخذ لنفسه اسم "أبي نظارة"، وسلك في سخريته بحكومة إسماعيل طريقين، هما: طريق المحاورات الصحفية، وطريق القصص المسرحية، ونجح فيهما نجاحًا لا نظير له في الحقيقة, حتى لقد خافه الخديو اسماعيل، واضطر إلى نفيه، وكما سمى "يعقوب بن صنوع" نفسه: "بأبي نظارة" فقد سمى الخديو إسماعيل: "بشيخ الحارة" وسمى الفلاح المصري: "بأبي الغلب". .. إلخ.
وما دمنا نتحدث عن الصور الأدبية والصحفية لنقد الحكام الطغاة، ومحاربة الظلم والاستبداد، فلا ننسى الإشارة إلى أديب مصر في القرن الماضي، وهو إبراهيم المويلحي، وإلى بعض طرقه في ذلك.
ومن هذه الطرق المقالات التي كتبها بعنوان: "ما هنالك"، وهي مقالات كتبت في نقد الحكومة العثمانية، والفساد العثمانيّ، وفي نفس الوقت أخافت الحكام في مصر، فقد خشوا أن يكتب فيهم "المويلحي" "ما هنا" بدلًا من "ما هنالك".
ومن الطرق الأدبية الخالصة التي عمد إليها "إبراهيم المويلحي" كذلك، وشاركه فيها ابنه "محمد المويلحي" طريقة القصة الطويلة، فقد كتب المويلحي الكبير -إبراهيم- قصة موسى بن عصام في نقد الاحتلال الإنجليزي، والتهكم على رجاله، وكتب المويلحي الصغير -محمد- قصة "عيسى بن هشام" في نقد المجتمع المصريّ، ونقد حكامه.
أما الكاتب الأول: فالظاهر أن رجال الاحتلال تنبهوا إليه، وحاولوا
стр. 373
دون صدوره على هيئة فصول متتابعة في جريدة "مصباح الشرق" التي كان يصدرها المويلحي.
أما الكتاب الثاني لصاحبه "محمد المويلحي" فقد نشر تباعًا على صفحات "مصباح الشرق"، وجمعت فصوله -فيما بعد- في كتابٍ لم يزل بأيدينا إلى اليوم.
ويطول بنا القول لو أردنا أن نشير إلى كل طريقة من الطرق التي سلكها الأدباء ورجال الصحافة في محاربة الظلم الذي يقع أحيانا من الحكومة في مثل الظروف التي أشرنا إليها في أول حديثنا هذا.
وفي القرن الذي نعيش فيه, طلع علينا الأدباء ورجال الصحافة بطرق كثيرةٍ؛ بعضها قديم، وبعضها مبتكر، وليس يعنينا هذا الفصل أن نذكر شيئًا عن هذه وتلك, بقدر ما يعنينا -في الواقع- أن نشير إلى بعض الحيل التي لجأت إليها الصحف المصرية في مثل الظروف التي أشرنا إليها، تحت ضعط الرقابة التي فرضها الحاكم عليها.
والصحافة تعرف أن من أسلم طرق الهروب من الرقابة, طريق "الكاريكاتور" سواء أكان عن طريق القلم، أم عن طريق الرسم, أم عن طريق الصورة، والطريق الآخير أوقع وأسلم من الطريق الأول في الغالب، ولذلك تعتمد الصحافة الحديثة اعتمادًا ظاهرًا على الرسم الكاريكاتوري؛ لأنه الرسم الذي يفهمه الشعب على اختلاف طبقاته، في حين أن القلم الكاريكاتوري العلميّ قد لا يستطيع أن يفهمه من الشعب غير الطبقة الخاصة.
غير أن الرسم والتصوير خارجان عن التحرير، فما هي أهم الحيل التي يلوذ بها الفن الصحفيّ اليوم في هذا الميدان الأخير؟
تستطيع صحيفة مصرية حديثة كمجلة "خيال الظل" للأستاذ "حافظ
стр. 374
عوض، أو مجلة "الاثنين" التي تصدرها دار الهلال, أن تمد القارئ بطائفة من هذا الحيل!
وربما كان من أهمها حيلة:
اختراع الشخصيات:
فإذا عجزت الصحافة في مصر عن أن تصف الحكام الظالمين -في وقت ما- بأنهم "حمير", أو بأن الذين يقرون منهم مبدأ المحسوبية "حمير", فإن صحفيًّا حديثًا -كالأستاذ مصطفى أمين- باتفاقه مع رسام قدير، كالرسام "رخا" يستطيع أن يبتكر شخصية "حمار أفندي" لتظهر في مجلة "الاثنين", وتوجه النقد لاذعًا إلى الحكام في أخذهم بمبدأ المحسوبية تارةً، وعجزهم عن محاربة الغلاء تارةً أخرى.
وإذا عجزت الصحافة في مصر عن أن تكشف الستار عن سياسة الحكام الذين أثروا عن طريق الحرب، وسمحت لهم ضمائرهم بالاتجار في أقوات الشعب، فإن مجلة "الاثنين" تستطيع كذلك أن تبتكر شخصية "غني حرب" وهي شخصية رجل أثري على حساب الشعب، وأصبح الفرق عظيمًا ومخجلًا في الواقع بينه وبين هذا الشعب.
وإذا عجزت الصحافة في مصر عن مواجهة الحكام الطغاة الذين أسكرتهم السلطة، وغرهم النفوذ، فإن "مجلة الاثنين" تستطيع أن تبتكر شخصية "سكران باشا طينة" لتعبر عن رأيها في هؤلاء الحكام، وتردهم إلى شيء من التواضع والصواب.
ومهما يكن من شيء, فلعل أبدع شخصية ابتكرتها "مجلة الاثنين" في أثناء الحرب العالمية الأخيرة, هي شخصية "ابن البلد":
стр. 375
ابن البلد:
ولندع الأستاذ "مصطفي أمين" يصف لنا هذه الشخصية التي اشترك في رسمها كذلك مع الرسام "رخا" حيث يقول١:
".... ابن البلد ثائر على المتبع في هذا البلد، فهو يحب المرشح إلى أن ينتخب، والضعيف إلى أن يقوى والفقير إلى أن يغنى، والحزب إلى أن يتولى الوزارة، وهو يكره القوي إلى أن يضعف، والحاكم إلى أن يستقيل والظالم إلى أن يعزل".
"وهو لا يكف عن الابتسام، وبعض الناس يحسب ابتسامته جهلًا ورضى بالخنوع، والبعض الآخر يرى ابتسامته دليلًا على السخرية والاستخفاف".
"وابن البلد حاضر النكتة، يلقيها ولايهمه أن تصيب أو تخيب، وقد يتعثر فيها الكبير، وقد تؤلم الصغير، ولكنها دائمًا برئيةً, لا يقصد منها أن تنفع أحدًا أو تضر أحدًا، اللهم إلّا أن تظهر طبيعته الساخرة التي ورثها من توالي عهود الظالمين".
"وهو رجل طيب القلب، لا يتعصب ضد دين أو جنس، ولا يحقد على أحد، ولا ينتقم من مغلوب، ولا يمد خنجره في جريح".
"كم اضطهدوه وعذبوه، وكم طردوه وانتهروه، ولكنه لا يستطيع إلّا أن يقول لهم كلمته الخالدة خلود الأهرام: "معلهش" أو "ربنا يسامحهم"، أو "منهم لله"!!
"وقد يعد بعضهم هذا التسامح دليلًا من أدلة الضعف، ولكنه يعدها رجولة، والرجولة عنده نصيحة".
стр. 376
"إنه يحني رأسه أمام الطغيان، ولكنه -في الوقت نفسه- يلعن في قلبه الطغاة المتجبرين".
"ابن البلد رجل خلق من الطبيعة وحدها، والحكمة التي تجري على لسانه هي حكمة السليقة -فقد لا يقصدها- والقبلة التي يضعها على يدي القوي, قد تخرج من فمه ولا يشعر بها، أما اللعنة التي يرسلها فهي من قلبه، وقد يكون لها -دون أن يعلم- أثر أشد فتكًا من رصاص المدفع الرشاش"!
"هذا هو ابن البلد الذي ولدته" مجلة الإثنين".... ادعوا له أن يعيش".
ولقد كانت الحكومات لا تنتبه إلى هذه الشخصيات التي تخترعها الصحافة من حينٍ لآخر, إلّا بعد فوات الوقت، وبعد أن يكون القراء قد علموا بها، وفهموا قصدها، وأصبحت كل واحدة من هذه الشخصيات ذات صورة واضحة كل الوضوح في أذهانهم، وصار لكل لفظ من الألفاظ التي تجري على ألسنة هذه الشخصيات مغزًى قوي في أذهانهم.
وهناك حيلٌ أخرى عمدت إليها الصحافة, عدا حيلة "اختراع الشخصيات"، منها التعليق على حوادث البلاد الأخرى تعليقًا يمكن تطبيقه على حوادث مصر نفسها، وكأنما الكاتب الصحفيّ في مصر يقول لحكومته في هذا التعليق وأشباهه: "إياك أعنى، واسمعي يا جارة"!.
والأمثلة على هذا كثيرة، منها:
أن إحدى الصحف انتهزت يومًا ما فرصة اعتداء الفرنسيين على رئيس جمهورية "لبنان"، واعتقالهم "رياض الصلح" رئيس الوزارة، وفرضهم
стр. 377
على الجمهورية اللبنانية رئيس وزارة آخر، واستعانتهم على ذلك بالدبابات والجنود، والطائرات، فأخذ الأستاذ "مصطفى أمين" يكتب المقالات الفنية التي وصف فيها هذا الحادث، كما وصف تدخل فرنسا في شئون لبنان, وكيف أن فرنسا داست على استقلال هذا البلد الشقيق، وكأنما كان الأستاذ "مصطفى أمين" يتحدث في الواقع عن حادث ٤ فبراير، وكيف تدخل الإنجليز في شئون مصر الداخلية، وفرضوا عليها رئيس وزارة بالدبابات، والجنود والطائرات, وسائر أدوات المظاهرات العسكرية الإرهابية، وفهم القراء في مصر ما قصدت إليه "مجلة الإثنين" من أنها تشير إلى هذا الحادث، وأنها تسخر من رئيس الحكومة المصرية الذي ظفر بالحكم على أسنة الرماح الإنجليزية، وهي هنا حكومة الوفد، وكان على رأسها مصطفى النحاس "باشا",
وكما يتحدث الصحفيّ عن حوادث وقعت في بلاد لبنان، وكان لها نظائر في مصر، فكذلك يستطيع أن يتحدث عن خطوبٍ وقعت في بلاد غير لبنان؛ كالصين، أو الهند، أو فارس، ونحو ذلك.
وجملة القول: أن مجلة "الإثنين" بالذات, عمدت إلى طريقتين إلى الآن، وهما: طريقة ابتكار الشخصيات، وطريقة انتهاز الفرص والحوادث الخارجية الشبيهة بالحوادث المصرية، وبهذه الطريقة الأخيرة, وقفت الصحافة المصرية يومًا من الأيام تنقد نواب البلاد، كما نقدت من قبل رجال الحكومة في عيب من العيوب الخطيرة، وداء من الأدواء الوبيلة، هو "داء المحسوبية" الذي منيت به البلاد المصرية في العهود الماضية كلها، غير أن الصحافة بدلًا من أن توجه اللوم للنواب المصريين, أخذت توجه هذا اللوم إلى النواب اللبنانيين، أو السوريين، أو العراقيين، حتى تفلت بهذه الطريقة من قلم الرقيب.
وهذا كله فضلًا عن الطرق الأدبية الطابع في ذاتها، مثل النبوءات،
стр. 378
والرؤى والمنامات، واختراع الخرافات، والتحدث على ألسنة الطيور، وطريقة الحوار القصير بين أستاذ وتلميذه, ونحو ذلك.
ثم إن الصحافة الحديثة لم تسلك طريق المقال على شكلٍ من الأشكال فحسب، بل طرقت طريق الفنون الصحفية الأخرى؛ كفن الحديث الصحفيّ، وفن التحقيق الصحفيّ, على لسان شخصيةٍ مبتكرةٍ لا وجود لها في عالم الحقيقة.
وبهذه الطريقة تنكر وضعًا من الأوضاع الغريبة في المجتمع أو في الحكومة، وتستطيع في الوقت نفسه أن تفلت من يد الرقابة.
ولعل من خير الأمثلة على هذه التحقيقات الخيالية, ذلك التحقيق الصحفيّ الذي نشرته "مجلة الإثنين" بعنوان: "كيف يعيش محمد أفندي" والتحقيق الصحفيّ الذي نشرته أيضًا بعنوان: "كيف يعيش الأسطى إبراهيم"
وقد جاء كلا التحقيقين تعبيرًا صادقًا عن شعور الشعب المصريّ بالأزمة الشديدة التي أحس بها في غضون الحرب العالمية الثانية.
ثم إن من الحيل الصحفية التي نراها بين آنٍ وآخر، كتابة الرسائل التي يتجه بها القراء إلى رئيس التحرير، على أن تدور هذه الرسائل حول شخصيات خيالية، أو رحلات وهمية، أو مشاهداتٍ لا نصيب لها من واقع الأمة التي تصدر فيها الصحيفة، وهي طريقة أدبية قديمة, عمد إليها الكتاب الأوروبيون, كما نجد ذلك في الرسائل "الفارسية، لمونتسكيو، والرسائل "الإنجليزية" لفولتير، وغيرها.
وفي هذه الرسائل وأمثالها, يتخيل الكاتب شخصًا غريبًا عن البلاد, جاء لزيارتها، ولفت أنظار أهلها بغرابة ملابسه، وغرابة سلوكه، كما لفت نظره ما وجد منهم من تصرفاتٍ عجيبةٍ، وآراءٍ غريبةٍ، فأخذ ينقد كل وضع يراه، وصورة يقع عليها، وعبَّرَ عن ذلك كله بطريق الرسائل.
ومن هذا القبيل, يمكن أن يعتبر كتاب الدكتور "طه حسين" بعنوان:
стр. 379
"مرآة الضمير الحديث" أو الرسائل "الجاحظية" التي توجه بها "طه حسين" -يومًا ما - إلى رئيس الوزارة في مصر، وهو المهندس حسين سري.
وهذا كله من جانب الصحفيين، أما الأدباء غير الصحفيين، فقد كانت لهم وسائلهم الخاصة بهم في نقد الحكومة والمجتمع، ومن أهم هذه الوسائل: القصص, كما نجد ذلك في قصة "مذكرات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، و "جنة الحيوان" لطه حسين، و"المعذبون في الأرض" له أيضًا، إلّا أن وسائل الأدباء ليست مما نهدف إليه في بحث خاص بالصحافة، فليس من حقنا إذن أن نرسل القول في هذا اللون من ألوان الأدب.
والخلاصة: أن على الأدباء، ورجال الصحف واجبًا ثقيلًا, لا مفر من أدائه، وهذا الواجب هو: محاسبة الحكام، وبذل النصيحة لهم وللمحكومين على السواء، فإذا كانت الظروف ظروف سلمٍ وأمانٍ، ولم يحتج الأديب أو الصحفيّ إلى التورية في كلامه، وإن كانت الظروف ظروف حربٍ وظلامٍ، فلا يجوز لرجال الأدب والصحافة أن يقفوا مكتوفي الأيدي حيال الظلم، أو البطش، أو الخيانة، ذلك أن الطبيعة وهبتهم من الذكاء ما يمكنهم من الوصول إلى غرضهم، ومن الأسلحة ما هو بمثابة الحيل التي توصلهم إلى هذا الغرض.
стр. 380
مصادر الكتاب الثالث:
١- The Kemsley Manual of Journalism.
by: Hadson
٢- Newspaper writing and Editing
by: Bleyer. Willard Crosvenor ١٩٣٢.
٣- An Interoduction to Journalism.
by: Bond, Frank Fraser, ١٩٥٤.
٤- Commission on Freedom of the Press.
by: Univ. of Chicago Press, ١٩٤٧.
٥- Business Journalism, its Function and Furure.
by: Elfenbeen. Tuban, ١٩٥٤.
٦- Modern Feature writing.
by: Reddick.
٧- Journalistic Writig.
by: Hyde.crandt Milnor, ١٩٤٦.
٨- American Journalism.
by: Mott Frank Lutber, ١٩٥٠.
٩- Journalison.
by: Olson,Kenneth.
١٠- Writing the Feature Article.
by: Steigleman.
١١- The Complete Journalism.
by:F. Mansfield.
١٢- Journalism.
by: Wickman, Stead.
١٣- جنة العبيط، للدكتور زكي نجيب محمود.
١٤- ثورة في الصحافة، للأستاذ سامي عزيز.
١٥- أدب المقالة الصحفية في مصر، للدكتور عبد اللطيف حمزة.
١٦- مستقبل الصحافة والأدب في مصر، للدكتور عبد اللطيف حمزة.
стр. 381
١٧- فن المقالة، للدكتور يوسف نجم, ط١٩٦٧ في بيروت.
١٨- فيض الخاطر، لأحمد أمين.
١٩- ساعات بين الكتب، لعباس محمود العقاد.
٢٠- الفصول، لعباس محمود العقاد.
٢١- حصاد الهشيم، للمازني.
٢٢- صندوق الدنيا، للمازني.
٢٣- الأيام، لطه حسين.
٢٤- في المرآة، لعبد العزيز البشري.
٢٥- الأسلوب، لأحمد الشايب.
٢٦- في الميزان الجديد، لمحمد مندور.
هذا عدا الصحف والمجلات التي تصدر في مصر.
стр. 382
الكتاب الرابع: فن التقرير
المجلة
...
الكتاب الرابع: فن القترير
وبه الكلام عن فن تحرير المجلة
المجلة:
لعل أول من استخدم لفظ "مجلة" أو أشار باستعمالها, هو إبراهيم اليازجي, عندما كان يحرر مجلة "الطبيب"، ثم شاعت بعد ذلك، هكذا قال فيليب طرازي١.
ويطلق علي المجلة في اللغة الإنجليزية لفظ له دلالته, وهو "Reiew"، والمعنى الحرفيّ لهذا اللفظ هو "إعادة النظر"، ودلالة هذا الاسم آتية من أن المجلة لا تعدو في جوهرها أن تكون عبارة عن إعادة النظر فيما سبق من أخبار وحوادث ومواد سبق نشرها في الجرائد اليومية، ولم تساعد طبيعة الصحافة اليومية ذاتها على استيفاء هذا المواد كما ينبغي.
صحيح أن الصحف٢ تحاول غالبًا أن تتابع الخبر الصحفيّ بشتَّى الطرق الممكنة، وصحيح أن هذا التتابع للخبر يظهر في الجريدة في شكل تعليق، أو في شكل طرائف Feature أو في شكل حديث أحيانًا, ونحو ذلك، لكن المجلة تستطيع بعد كل هذا أن تعيد النظر في جميع هذه المواد على اختلافها، وأن تبدي للقارئ وجهة نظر جديدة, وتمتاز هذه النظرية الجديدة بشيء من العمل، ونوع من الاستيفاء في البحث، وشيء كذلك من الجمال في العرض قلما يتاح للجريدة اليومية.
هيئة تحرير المجلة, وطبقة المحررين بالقطعة:
المتبع في كل مجلة من المجلات أن يكون لكل قسم من أقسامها مدير
стр. 383
مسئول عن مواد هذا القسم، وتساعده هيئة من المحررين, تقوم بجمع المواد وصياغتها صياغة فنية قدر المستطاع.
غير أن أنشط الأعضاء في هيئة تحرير المجلة في الواقع هم: "طبقة المحررين بالقطعة"، وهم الذين يتعاملون مع المجلة، ويتقاضون على ذلك مرتبات ثابتة أو مكآفات معلومة من القائمين عليها.
وتعتمد المجلات على هؤلاء الكتاب في الحصول على الجانب الأكبر من مادتها الصحفية، ويطلق على الكتاب بالقطعة اسم "المصحافين" Free lancers" تمييزًا لهم عن المحررين الأصليين في المجلة أو في الجريدة, وهؤلاء المصاحفون يقومون بتزويد المجلة بأنواعٍ شتَّى من المواد الصحفية؛ كالمقال، والقصة، والتحقيق، والطرائف، والرسوم الكاريكاتورية، والفكاهات, والألغاز، وغير ذلك.
ويحصل المصحافون على هذه المواد من الحوادث الجارية، ومن مراقبة هذه الحوادث أولّا بأول, ومن الهيئات والمؤتمرات، ومن النشرات، ومن المكتبات، ومن الإذاعات، ومن الإحصاءات التي تصدرها الجهات الرسمية وغير الرسمية.
وكثيرًا ما يعتمد المصاحف كذلك على الاتصال الشخصيّ، كما يعتمد كذلك على الوكالات الخاصة بالأعمدة، ومعنى ذلك, أنه كما توجد وكالات خاصة بالأنباء, فإنه توجد كذلك وكالات لا تهتم إلّا بالأعمدة الصحفية, تزود بها الصحف والمجلات التي تطلبها، وتشترك بالمال في هذه الوكلات من أجل هذه الغاية.
وغير خافٍ كذلك أن هؤلاء المصاحفين يواصلون قراءة المجلات التي يكتبون فيها، ولا تنقطع صلتهم بالمسئولين عنها لكي يقفوا على رغباتهم، ورغبات القراء في نوع معين من المواد الصحفية, وعلى المجلة من جانبها أن تعمل كل ما في وسعها للدعاية اللازمة لنجاح أولئك المصاحفين
стр. 384
في مهمتهم؛ لأن في نجاحهم نجاحًا للمجلة ذاتها من ناحية، ونجاحًا للوكالة التي يعتمد عليها هؤلاء الكتاب من ناحيةٍ ثانية, والمعروف أن هذه الوكالات تتقاضى من كاتب المجلة الذي من هذا النوع عمولةً قدرها ١٠% من الأجر الذي يحصل عليه من المجلة، والذي لا شك فيه أن حوالي نصف المواد التي تنشرها المجلات الأمريكية, إنما تأتيها عن طريق الوكالات التي من هذا النوع.
المصادر التي تُسْتَقَى منها مواد المجلة:
عرفنا أن المواد التي تنشر في المجلة قلما تتعدى ما يلي:
الافتتاحيات, بعض الأخبار والتعليق عليها, المقالات أو الأعمدة, التحقيقات الصحفية, القصص, الطرائف, المذكرات, والفكاهات, والنوادر, الأقوال المأثورة, الرسوم الساخرة, الإعلانات, الأركان أو الأبواب الصحفية التي تتفق ونوع المجلة وأهدافها ونوع تخصصها، فمن مواد المجلة النسائية -على سبيل المثال- مادة خاصة بالأزياء، وأخرى خاصة بالأطفال، وثالثة خاصة بشئون المطبخ، ورابعة خاصة بمشكلات البيت وبالعلاقات الزوجية، وقس على ذلك بقية المجلات الأخرى؛ كمجلة المهندسين، ومجلة المحامين، ومجلة المعلمين، ومجلة الطلبة، ومجلة العمال, وما إليها.
أما المصادر التي تُسْتَقَى منها مواد المجلة, فيمكن أن تتلخص في مصدرين:
أولهما: مصدر داخلي، ونعني به: الكتاب والمحررين والمراسلين ومندوبي الأخبار والمصورين والرسامين وغيرهم ممن يعملون داخل المجلة، ويعتبرون عمالًا وموظفين بها.
وثانيهما: مصدر خارجيّ، ونعني به: طبقة الكتاب بالقطعة أو المصاحفين، والمصورين، والرسامين في خارج المجلة لا في داخلها، ووكالات الأعمدة والطرائف، وقد سبقت الإشارة إليها، تضاف إلى ذلك:
стр. 385
مكاتب الاستعلامات التابعة للحكومة وللهيئات، ثم المكتبات والمؤسسات والمتاحف، كما تعتبر المجلات المحلية والأجنبية، ويعتبر القراء أنفسهم كذلك مصدرًا هامًّا من مصادر المجلة لا غنى عنه.
ولا شك أن الصعوبة في إعداد المجلات تأتي من أنه ليس من السهل في واقع الأمر إرضاء كل قارئٍ, فنحن إذا نشرنا المواد الأصلية "ORIGINAL" اتهمنا بأننا لا نميل إلى التجديد، وإذا نشرنا المواد الهشة أو الخفيفة, اتهمنا بأننا بلهاء أغبياء، وإذا عدلنا عن نشر هذه المواد الأخيرة, فنحن جادون أو متزمتون أكثر مما ينبغي, وهكذا.
والمجلة لكي ترضي قرّاءها يجب أن تأخذ في إعداد موادها لستة أشهر مقدمًا، ولا شك أن هذه ميزة تنفرد بها المجلة دون الجريدة اليومية، وهذه الميزة آتيةٌ من أن المجلات لا تقوم دائمًا على عنصر الحالية Actualite، كما في الجريدة اليومية.
على أن إعداد المواد قصصًا، ولمدة طويلةٍ, يثير مشكلةً من أعقد المشكلات التي تواجه المسئولين عن تحرير المجلات العامة، وهي: كيف نحكم على أهمية موضوع ما بالنسبة للقراء بعد فترة طويلةٍ من الزمن؛ كهذه الفترة التي أشرنا إليها؟ مع أن الآراء تتبدل، والأذواق تتغير، وما قد يكون هامًّا في نظر القارئ اليوم قد لا يكون هامًّا في نظره بعد ذلك.
إن حل هذه المشكلة يتوقف غالبًا على مهارة القائمين بتحرير المجلة، وقدرتهم على فهم اتجاهات الرأي العام أو الذوق العام، ولا شك أن الطريق السليم لمعرفة الاتجاهات العامة هو طريق الاستفاء أو الإحصاء, ولذلك تعتمد المجلات الكبيرة اعتمادًا ظاهرًا على هذه الطرق.
ومن المجلات المصرية التي تؤمن بهذه الطرق المبنية على الاستفتاء مجلة "الهلال" بالجمهورية العربية المتحدة، ولا شك أن هذا سبب من أسباب نجاحها وبقائها إلى اليوم.
стр. 386
أما المجلات المحلية والأجنبية باعتبارها مصدرًا تستقي منه المواد الصحفية, فالملاحظ إلى الآن أن المجلة العربية ما زالت إلى يومنا هذا تعتمد في كثيرٍ من موادها على المجلات الأجنبية, وخاصة الأمريكية والإنجليزية والفرنسية، ومن هذه المجلات الأجنبية ما وصل فعلًا إلى الدرجة العالمية التي تجعل منها مصدرًا لأكثر المجلات المحلية، ومثلها مجلة لوك Look، ومجلة ماتش Match، ومجلة لايف Life وغيرها، ذلك أن هذه المجلات الأخيرة لها من الإمكانيات ما يساعدها على الانفراد بموضوعاتٍ ممتازةٍ من ناحية الفكرة، ومن ناحية العرض، ومن ناحية الصورة، ومن ناحية التحرير، ولا تكاد بعض الصحف المصرية في كثير من الحالات تفعل أكثر من أنها تقوم بترجمة هذه المواد، وتحذو حذوها كذلك في طريقة الإخراج، بل إن المجلات المصرية الكبرى كالمصور، وآخر ساعة، وحواء، والكواكب، وهي، وسمير، وكروان، تمعن إلى يومنا هذا في محاكاة المجلات الأجنبية من حيث الإخراج، ومن حيث المواد, أو الأركان, وغير ذلك.
ومهما يكن من شيءٍ, فإن المواد التي تنشر في مجلاتنا المصرية الآن على نوعين:
أولهما: المواد الإعلامية: كالأخبار والتعليقات والصور المتصلة بحوادث الأسبوع, وغير ذلك من المواد التي اصطلح على تسميتها بالمواد الحالية.
وثانيهما: مواد ليس لها صفة الإعلام أو الحالية، وليس لها ارتباط بزمن معين، وهو ما اصطلح على تسميته باسم Magazive، ومن الأمثلة عليها: التحقيقات الصحفية غير المرتبطة بأحداث الشهر أو الأسبوع، والقصص والرسوم الكاريكاتورية والطرائف، وهذا النوع من المواد هو الذي يصح للمجلة المحلية أن تأخذ في إعداده مقدمًا لمدةٍ طويلةٍ, كلما أمكن ذلك،
стр. 387
وهذا بخلاف النوع الأول, فإنه قَلَّمَا يؤخذ في إعداده قبل الأيام القليلة التي تسبق ظهور المجلة، بل في الساعات القليلة التي تسبق هذا الظهور.
الأرشيف الصحفيّ للمجلة:
الأرشيف الصحفيّ نوعان، عامٌّ وخاصٌّ:
فالأرشيف العام: هو تلك المجموعة الضخمة من مواد الكتب والجرائد والمجلات والدوريات والنشرات والقواميس أو المعاجم ودوائر المعارف، أو هو القصاصات المأخوذة من جميع هذه المصادر، وهو مجموعة الصور والرسوم التي تحتفظ بها دار المجلة, أو الجريدة, وترتبها وتنظمها طبقا لقواعد الفهرسة والتبويب المعروفة، ويشرف على هذه العملية الدقيقة مشرفون تابعون للدار، قادرون على القيام بهذا العمل الذي لا غنى عنه للمجلة.
ما هي قيمة الأرشيف العام للصحيفة:
تظهر قيمة الأرشيف العام للمجلة, أو الجريدة فيما يلي:
١- تزويد الصحفيّ, أو المصاحف, بالمعلومات أو المعارف التي تهمه في موضوعٍ معينٍ, يأخذ في إعداده للصحيفة.
٢- يعتبر الأرشيف العام مرجعًا عامًّا للصحفيِّ أو المصاحف عندما يشعر بالحاجة الملحة إلى معلومات أو رسوم أو صور يدعم بها مقاله أو موضوعة أو مادته الصحفية التي لا بد من تقديمها للصحيفة.
٣- الأرشيف الصحفيّ يوفر على القائمين بالتحرير جهودًا شاقةً، ووقتًا طويلًا في سبيل البحث عن هذه المعلومات التي يحتاج إليها، أو الصور والرسوم التي يضمنها الموضوع.
стр. 388
٤- الأرشيف الصحفيّ يساعد المحررين على الوصول إلى ما يُسَمَّى: "بالسبق الصحفيّ" إذا كانت الحصيلة التي سيعتمدون عليها من المعلومات والصور أكثر من الحصيلة التي يعتمد عليها غيرهم من الصحفيين في صحيفة أخرى.
ولنضرب مثلًا لذلك:
قد يحتاج أحد المحررين إلى صورةٍ معينةٍ لحادثٍ معينٍ, مضى عليه بعض الوقت، ولكن لسبب ما ظهرت ضرورة تستدعي إعادة النظر في الموضوع والكتابة فيه من جديد، وهنا تتفتح القيمة الكبيرة لهذه الصورة التي أخذت وقت حدوث الحادث لتذكر القراء به، كما تظهر القيمة الكبرى للأرشيف العام لاحتفاظه بهذه الصورة.
٥- يمكن النظر إلى بعض ما يحتفظ به الأرشيف العام للصحيفة على أنه سجل تاريخي للأحداث المحلية أو العالمية إن أمكن، ويمكن الرجوع إلى هذا السجل عند الحاجة إلى ذلك.
٦- الأرشيف العام يعين الصحفيّ على متابعة الحوادث متابعةً لها خطرها، خذ لذلك مثلًا: عند صدور حكم هام في حادثٍ له أهميته أيضًا, يمكن للصحفيّ أن يرجع للأرشيف الذي من هذا النوع، وينقل منه ما سبق نشره من الأخبار والأحكام الخاصة بهذا الحادث، وبذلك يربط الحكم الصادر ببيانات الحادث، ووقائعه، وبأسماء المجني عليهم فيه، وبأسماء الشهود, ونحو ذلك.
ما المقصود بالأرشيف الخاصِّ، وما قيمته؟:
الأرشيف الخاص: هو ذلك الأرشيف الذي يجمعه الصحفيّ, أو يجمعه المصاحف بنفسه يومًا بيوم، وشهرًا بشهرٍ، وسنةً بسنةٍ، ويكون ملكًا خاصًّا له
стр. 389
ويعتمد صاحب الأرشيف الخاصِّ على الصحف والمجلات والإذاعات والقراءات والمقابلات الشخصية, والكلام الذي يسمعه من أفواه الخاصة والعامة، وذلك في جمع الأرشيف الخاصِّ, وتأليفه بالصورة التي يرتضيها لنفسهه، ويشترك في تأليف هذا الأرشيف كذلك مجموعة الأحكام القضائية التي تنشر من حينٍ لآخر في موضوعٍ معين، وقد يجمع صاحب الأرشيف الخاصِّ معلوماته كذلك من وكالات الأعمدة -كما قدمنا.
لكن ما هي قيمة الأرشيف الخاص؟
تظهر قيمة هذا النوع من الأرشيف إذا كان صاحبه قد جمع فيه من الأخبار والآراء والأحكام ما لم يتيسر لغيره من المشتغلين بتحرير الصحف جمعه، وتظهر قيمة الأرشيف الخاصِّ بشكلٍ أوضح, حين يأتي صاحبه بمعلوماتٍ وآراءٍ وتسجيلاتٍ ليس لها وجود بالصدفة في الأرشيف العام للصحيفة، ثم تبدو هذه الأهمية أو القيمة خطيرة حين يكلف المحرر من قِبَلِ الجريدة, أو المجلةِ بموضوعٍ أو بمشكلةٍ اجتماعيةٍ أو سياسيةٍِ تظهر أهميتها فجأة، وتثير اهتمام العدد الأكبر من القراء.
وهنا ينجح المقال أو التحقيق أو الموضوع المبنيّ على أكبر قدر ممكن من المعلومات والوقائع والأسانيد التي أسعف بها الأرشيف الخاص، وكثيرًا ما تكون هذه المواقف سببًا في لمعان اسمٍ معينٍ, أو في تألق نجمه ولفت الأنظار إليه.
ولنضرب لذلك مثلًا:
وقد تكون المعلومات التي تضمنها الأرشيف الخاصِّ مما تتصل بموضوع "تحديد النسل" أو موضوع "الطفولة المشردة" أو نحو ذلك، فإذا كان الأرشيف الخاصّ قد استطاع أن يزود المحرر بمعلومات كافيةٍ في الموضوع الذي يكتب فيه، وإذا كان المحرر قد صبر على جمع مواده مدة طويلة,
стр. 390
ثم وقعت حالة مشابهة لتلك الحالات, مع اختلاف في الأسماء, أو اختلاف في ظروف النشر, ونحو ذلك، ففي هذه الحالة يستطيع المحرر صاحب هذا الأرشيف الخاصِّ الغني بكل هذه المعلومات والآراء والأحكام أن يكتب تحقيقًا شاملًا، وبحثًا عميقًا يبهر به أبصار الناس، ويستحوذ به على إعجابهم، ويكون ذلك طريقًا إلى نجاح المحرر, وعلوِّه إلى المرتبة اللائقة من مراتب التحرير.
وإليك مثلًا آخر:
قد يقرأ المحرر قصة طلاق هنا أو هناك، وربما كانت هذه القصة مؤلفة من فقرة أو فقرتين فقط، أو ربما حملته على الضحك، أو أثارت فيه نوعًا من السخط أو الغضب، ولكنه يسجلها عنده فورًا في الأرشيف الخاصِّ,
وبعد يومٍ أو أسبوعٍ, أو شهرٍ, سيسمع أو يقرأ عن قصة طلاق أخرى، وربما وجد قصةً مسليةً، فيحفظها أو يسجلها كذلك في أرشيفه الخاصِّ, وتزيد هذه القصص عنده شيئًا فشيئًا، وقد تدور كلها حول شكاوي غير عادية من الأزواج والزوجات، وربما كشفت هذه القصص عن كثير من المآسي في الحياة الزوجية عند أكثر الناس، وقد يضم المحرر إلى هذا الأرشيف بعض الأحكام القضائية في حوادث الطلاق مثلًا.
وقد يجد المحرر في هذه الأحكام ما يضع العراقيل أمام القيام بالإجراءات النهائية في الطلاق، إذا تبين أنه ضرورة لا محيص منها، ويفرغ المحرر من جمع المعلومات والأحكام الكافية حول موضوع الطلاق, ثم تسأله المجلة كتابة مقالٍ, أو بحثٍ, أو تحقيقٍ, أو استطلاعٍ في هذا الموضوع، فهنا يجد نفسه قادرًا على كتابة هذه المادة، مستعينًا عليها بالأرشيف الخاصِّ الذي يجعل لكلامه طعمًا ورائحةً، وهو بهذه الصفة يصبح قادرًا على إمداد مجلته بالمادة التي تكتسح بها السوق، كما يقول رجال الاقتصاد.