← Адаб

Адаб · id 11543

المدخل في فن التحرير الصحفي

عبد اللطيف محمود حمزة

Полный текст (567 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أما المجلات المحلية والأجنبية باعتبارها مصدرًا تستقي منه المواد الصحفية, فالملاحظ إلى الآن أن المجلة العربية ما زالت إلى يومنا هذا تعتمد في كثيرٍ من موادها على المجلات الأجنبية, وخاصة الأمريكية والإنجليزية والفرنسية، ومن هذه المجلات الأجنبية ما وصل فعلًا إلى الدرجة العالمية التي تجعل منها مصدرًا لأكثر المجلات المحلية، ومثلها مجلة لوك Look، ومجلة ماتش Match، ومجلة لايف Life وغيرها، ذلك أن هذه المجلات الأخيرة لها من الإمكانيات ما يساعدها على الانفراد بموضوعاتٍ ممتازةٍ من ناحية الفكرة، ومن ناحية العرض، ومن ناحية الصورة، ومن ناحية التحرير، ولا تكاد بعض الصحف المصرية في كثير من الحالات تفعل أكثر من أنها تقوم بترجمة هذه المواد، وتحذو حذوها كذلك في طريقة الإخراج، بل إن المجلات المصرية الكبرى كالمصور، وآخر ساعة، وحواء، والكواكب، وهي، وسمير، وكروان، تمعن إلى يومنا هذا في محاكاة المجلات الأجنبية من حيث الإخراج، ومن حيث المواد, أو الأركان, وغير ذلك. ومهما يكن من شيءٍ, فإن المواد التي تنشر في مجلاتنا المصرية الآن على نوعين: أولهما: المواد الإعلامية: كالأخبار والتعليقات والصور المتصلة بحوادث الأسبوع, وغير ذلك من المواد التي اصطلح على تسميتها بالمواد الحالية. وثانيهما: مواد ليس لها صفة الإعلام أو الحالية، وليس لها ارتباط بزمن معين، وهو ما اصطلح على تسميته باسم Magazive، ومن الأمثلة عليها: التحقيقات الصحفية غير المرتبطة بأحداث الشهر أو الأسبوع، والقصص والرسوم الكاريكاتورية والطرائف، وهذا النوع من المواد هو الذي يصح للمجلة المحلية أن تأخذ في إعداده مقدمًا لمدةٍ طويلةٍ, كلما أمكن ذلك،

стр. 387

وهذا بخلاف النوع الأول, فإنه قَلَّمَا يؤخذ في إعداده قبل الأيام القليلة التي تسبق ظهور المجلة، بل في الساعات القليلة التي تسبق هذا الظهور. الأرشيف الصحفيّ للمجلة: الأرشيف الصحفيّ نوعان، عامٌّ وخاصٌّ: فالأرشيف العام: هو تلك المجموعة الضخمة من مواد الكتب والجرائد والمجلات والدوريات والنشرات والقواميس أو المعاجم ودوائر المعارف، أو هو القصاصات المأخوذة من جميع هذه المصادر، وهو مجموعة الصور والرسوم التي تحتفظ بها دار المجلة, أو الجريدة, وترتبها وتنظمها طبقا لقواعد الفهرسة والتبويب المعروفة، ويشرف على هذه العملية الدقيقة مشرفون تابعون للدار، قادرون على القيام بهذا العمل الذي لا غنى عنه للمجلة. ما هي قيمة الأرشيف العام للصحيفة: تظهر قيمة الأرشيف العام للمجلة, أو الجريدة فيما يلي: ١- تزويد الصحفيّ, أو المصاحف, بالمعلومات أو المعارف التي تهمه في موضوعٍ معينٍ, يأخذ في إعداده للصحيفة. ٢- يعتبر الأرشيف العام مرجعًا عامًّا للصحفيِّ أو المصاحف عندما يشعر بالحاجة الملحة إلى معلومات أو رسوم أو صور يدعم بها مقاله أو موضوعة أو مادته الصحفية التي لا بد من تقديمها للصحيفة. ٣- الأرشيف الصحفيّ يوفر على القائمين بالتحرير جهودًا شاقةً، ووقتًا طويلًا في سبيل البحث عن هذه المعلومات التي يحتاج إليها، أو الصور والرسوم التي يضمنها الموضوع.

стр. 388

٤- الأرشيف الصحفيّ يساعد المحررين على الوصول إلى ما يُسَمَّى: "بالسبق الصحفيّ" إذا كانت الحصيلة التي سيعتمدون عليها من المعلومات والصور أكثر من الحصيلة التي يعتمد عليها غيرهم من الصحفيين في صحيفة أخرى. ولنضرب مثلًا لذلك: قد يحتاج أحد المحررين إلى صورةٍ معينةٍ لحادثٍ معينٍ, مضى عليه بعض الوقت، ولكن لسبب ما ظهرت ضرورة تستدعي إعادة النظر في الموضوع والكتابة فيه من جديد، وهنا تتفتح القيمة الكبيرة لهذه الصورة التي أخذت وقت حدوث الحادث لتذكر القراء به، كما تظهر القيمة الكبرى للأرشيف العام لاحتفاظه بهذه الصورة. ٥- يمكن النظر إلى بعض ما يحتفظ به الأرشيف العام للصحيفة على أنه سجل تاريخي للأحداث المحلية أو العالمية إن أمكن، ويمكن الرجوع إلى هذا السجل عند الحاجة إلى ذلك. ٦- الأرشيف العام يعين الصحفيّ على متابعة الحوادث متابعةً لها خطرها، خذ لذلك مثلًا: عند صدور حكم هام في حادثٍ له أهميته أيضًا, يمكن للصحفيّ أن يرجع للأرشيف الذي من هذا النوع، وينقل منه ما سبق نشره من الأخبار والأحكام الخاصة بهذا الحادث، وبذلك يربط الحكم الصادر ببيانات الحادث، ووقائعه، وبأسماء المجني عليهم فيه، وبأسماء الشهود, ونحو ذلك. ما المقصود بالأرشيف الخاصِّ، وما قيمته؟: الأرشيف الخاص: هو ذلك الأرشيف الذي يجمعه الصحفيّ, أو يجمعه المصاحف بنفسه يومًا بيوم، وشهرًا بشهرٍ، وسنةً بسنةٍ، ويكون ملكًا خاصًّا له

стр. 389

ويعتمد صاحب الأرشيف الخاصِّ على الصحف والمجلات والإذاعات والقراءات والمقابلات الشخصية, والكلام الذي يسمعه من أفواه الخاصة والعامة، وذلك في جمع الأرشيف الخاصِّ, وتأليفه بالصورة التي يرتضيها لنفسهه، ويشترك في تأليف هذا الأرشيف كذلك مجموعة الأحكام القضائية التي تنشر من حينٍ لآخر في موضوعٍ معين، وقد يجمع صاحب الأرشيف الخاصِّ معلوماته كذلك من وكالات الأعمدة -كما قدمنا. لكن ما هي قيمة الأرشيف الخاص؟ تظهر قيمة هذا النوع من الأرشيف إذا كان صاحبه قد جمع فيه من الأخبار والآراء والأحكام ما لم يتيسر لغيره من المشتغلين بتحرير الصحف جمعه، وتظهر قيمة الأرشيف الخاصِّ بشكلٍ أوضح, حين يأتي صاحبه بمعلوماتٍ وآراءٍ وتسجيلاتٍ ليس لها وجود بالصدفة في الأرشيف العام للصحيفة، ثم تبدو هذه الأهمية أو القيمة خطيرة حين يكلف المحرر من قِبَلِ الجريدة, أو المجلةِ بموضوعٍ أو بمشكلةٍ اجتماعيةٍ أو سياسيةٍِ تظهر أهميتها فجأة، وتثير اهتمام العدد الأكبر من القراء. وهنا ينجح المقال أو التحقيق أو الموضوع المبنيّ على أكبر قدر ممكن من المعلومات والوقائع والأسانيد التي أسعف بها الأرشيف الخاص، وكثيرًا ما تكون هذه المواقف سببًا في لمعان اسمٍ معينٍ, أو في تألق نجمه ولفت الأنظار إليه. ولنضرب لذلك مثلًا: وقد تكون المعلومات التي تضمنها الأرشيف الخاصِّ مما تتصل بموضوع "تحديد النسل" أو موضوع "الطفولة المشردة" أو نحو ذلك، فإذا كان الأرشيف الخاصّ قد استطاع أن يزود المحرر بمعلومات كافيةٍ في الموضوع الذي يكتب فيه، وإذا كان المحرر قد صبر على جمع مواده مدة طويلة,

стр. 390

ثم وقعت حالة مشابهة لتلك الحالات, مع اختلاف في الأسماء, أو اختلاف في ظروف النشر, ونحو ذلك، ففي هذه الحالة يستطيع المحرر صاحب هذا الأرشيف الخاصِّ الغني بكل هذه المعلومات والآراء والأحكام أن يكتب تحقيقًا شاملًا، وبحثًا عميقًا يبهر به أبصار الناس، ويستحوذ به على إعجابهم، ويكون ذلك طريقًا إلى نجاح المحرر, وعلوِّه إلى المرتبة اللائقة من مراتب التحرير. وإليك مثلًا آخر: قد يقرأ المحرر قصة طلاق هنا أو هناك، وربما كانت هذه القصة مؤلفة من فقرة أو فقرتين فقط، أو ربما حملته على الضحك، أو أثارت فيه نوعًا من السخط أو الغضب، ولكنه يسجلها عنده فورًا في الأرشيف الخاصِّ, وبعد يومٍ أو أسبوعٍ, أو شهرٍ, سيسمع أو يقرأ عن قصة طلاق أخرى، وربما وجد قصةً مسليةً، فيحفظها أو يسجلها كذلك في أرشيفه الخاصِّ, وتزيد هذه القصص عنده شيئًا فشيئًا، وقد تدور كلها حول شكاوي غير عادية من الأزواج والزوجات، وربما كشفت هذه القصص عن كثير من المآسي في الحياة الزوجية عند أكثر الناس، وقد يضم المحرر إلى هذا الأرشيف بعض الأحكام القضائية في حوادث الطلاق مثلًا. وقد يجد المحرر في هذه الأحكام ما يضع العراقيل أمام القيام بالإجراءات النهائية في الطلاق، إذا تبين أنه ضرورة لا محيص منها، ويفرغ المحرر من جمع المعلومات والأحكام الكافية حول موضوع الطلاق, ثم تسأله المجلة كتابة مقالٍ, أو بحثٍ, أو تحقيقٍ, أو استطلاعٍ في هذا الموضوع، فهنا يجد نفسه قادرًا على كتابة هذه المادة، مستعينًا عليها بالأرشيف الخاصِّ الذي يجعل لكلامه طعمًا ورائحةً، وهو بهذه الصفة يصبح قادرًا على إمداد مجلته بالمادة التي تكتسح بها السوق، كما يقول رجال الاقتصاد.

стр. 391

على أن شيئًا آخر يظهر في مادة الكاتب الذي من هذا الطراز، وهذا الشيء هو مهارته الفائقة في كتابه العنوان، بشرط أن يكون فيه قدر كبير من الإغراء، وقلما يوفق كاتب صحفيّ إلى نجاح كامل في هذه الناحية, ما لم يكن قد درس موضوعه, وعاش فيه مدةً كافيةً. بقي علينا أن نقف وقفةً خاصةً عند كل مادةٍ من هذه المواد، وهي: ١- المقال من وجهة نظر المجلة لا الجريدة. ٢- القصة في المجلة. ٣- التقرير بفنونه المعروف، وهي: الحديث الصحفيّ, والتحقيق الصحفيّ, والماجريات الصحفية: برلمانية، وقضائية، وسياسية، ودبلوماسية. ٤- الإعلان والصورة، وطرق تحرير هذين الفنين من فنون الصحافة.

стр. 392

المقال في المجلة: من رأي الإنجليز أن المقال أنواعٌ ثلاثةٌ, لا تخرج في مجموعها عن الأنواع التي سبق شرحها في باب المقال, وهي: ١- Essay. ٢- Article. ٣- Feature. والأول منها: يمتاز بشيءٍ من الطول، كما يمتاز بشيءٍ من الذاتية إذا كان الموضوع أدبيًّا، وبشيء من الموضوعية إذا كان علميًّا. والثاني: هو المقصود بالمقال الصحفيّ، لا الأدبيّ ولا العلميّ، وهو أقل من الأول خظًا في عنصر الذاتية؛ لأنه مقال يقصد به نقل الحقائق المتصلة بالخبر، إما بقصد التوجيه والإرشاد, وإما بقصد التدليل والإقناع، وإما بقصد التسلية والإمتاع. والثالث: يكون أقرب إلى المقال الصحفيّ منه إلى المقال الأدبيّ أو العلميّ، وهو أكثر ظهورًا في المجلات, على حين أن المقال الصحفيّ أكثر شيوعًا في الجرائد. وتشترك الجريدة والمجلة في جميع الأنواع المتقدمة، وإن كان النوع الأول أنسب للمجلات، كما قلنا، منه للجرائد، وكان النوع الثاني على عكس ذلك. وفي النوع الثالث تشترك المجلة والجريدة كذلك، إلّا أننا نلاحظ أنه إذا كان الموضوع المشترك بينهما -على سبيل المثال- "أغا خان" في القاهرة

стр. 393

مثلًا, فإن الجريدة تكتب عن "أغا خان" وعن زوجاته وأولاده وعاداته وأخلاقه، وتسوق المادة التي تنشرها من ذلك، وهي أدنى في طبيعتها إلى الخبر من حيث هو خبر. أما المجلة, فإنها تكتب عن "أغا خان" بشيء من التأمل والهدوء، يدعو القارئ إلى التفكير، فضلًا عن كونها تسعى إلى تسليته بما تورده من المعلومات في هذا الموضوع. ولا شكَّ أن عنصر الوقت الذي يتسع أمام المجلة, ولا يتسع أمام الجريدة, هو السبب الذي من أجله اخلتفت نظرة كل منهما إلى موضوع "أغا خان". ومهما يكن من شيءٍ, فإن المقال الذي تنشره المجلة يمتاز بالطول؛ بحيث تتراوح كلماته بين ألف وستة آلاف كلمة، ولا يتقيد المقال الذي ينشر في المجلة بقالبٍ معينٍ، وذلك كله فضلًا عن ميزتين أخريين هما: "الذاتية، والحرية"، وثَمَّ ميزة ثالثة أيضًا، هي أن المجلة تعالج الموضوع من أفقٍ أعلى, وزاوية أكثر انفراجًا. وهكذا نرى أن المجلة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المقال؛ لكي تجذب به انتباه القراء الذين لا يعجبهم القصص أحيانًا، وهذه مايدعونا إلى النظر في صفات كاتب المقال. صفات كاتب المقال: صدق من قال: "إن كاتب المقال شخصٌ يعبر عن الحياة بلغة الحياة، ينقدها بأسلوبه الخاصِّ، ولا ينظر إلى الحياة نظرةَ المؤرخ أو الشاعر أو الفيلسوف أو القصاص، ولكن يتوافر في فنِّه شيءٌ من كل ذلك، وليس يعنيه أن يكشف عن نظريات جديدة، ولا أن يوجد الصلة بين أجزائها المختلفة؛ لأن طريقته في العمل أدنى إلى الأسلوب التحليليّ، فهو يراقب

стр. 394

ويسجل ما يراقب، ويفسر الأشياء كما تبدو لناظره، ثم يدع خياله يمرح في مغزاها. والغاية من هذا كله أن يحس إحساسًا عميقًا بصفات الأشياء، ويلقي عليها نورًا واضحًا رقيقًا، لعله بهذا وذاك يستطيع أن يزيد الناس إحساسًا بالحياة، وأن يهيئهم لما اشتملت عليه من المفاجأت المفرحة حينًا، والمحزنة حينًا آخر"١. "إن المقالة قد تدور حول شيءٍ مما أبصره المؤلف أو سمعه أو شمه أو تصوره أو اخترعه أو توهمه، ولكن المهم أن يكون قد ترك في نفس الكاتب أثرًا خاصًّا، وتكون في ذهنه منه صورة خاصة, ويتوقف مجال المقالة على مجال الفكر الذي تصور، ثم سجل ما تصور, فالعبرة إذن بأن يحس الكاتب إحساسًا قويًّا بموضوعه، وأن يعبر عنه بعبارة قوية رائعة"٢. لقد درجت صحيفة "المؤيد" لصاحبها السيد "علي يوسف" على نشر مقالاتٍ أمريكيةٍ من حينٍ لآخر، اشتهر بها كاتب أمريكيّ معروف في ذلك الوقت، واستأثرت هذه المقالات بإعجاب الجمهور المصريّ يومذاك، فذهب أحد المعجبين بها في مصر إلى أمريكا، واحتال حتى وصل إلى هذا الكاتب الأمريكيّ وسأله، كيف تكتب المقال؟ فأجاب: أقضي نهاري في مراقبة الناس وأحوالهم, وفي مطالعة أفضل الكتب والمؤلفات، ومتى اختمر في عقلي المعنى الذي اخترته موضوعًا لكتابة المقال, أتيت غرفتي هذه، وكتبت مقالتي على الآلة الكاتبة.

стр. 395

إن معنى ذلك إذن, أن المقال يكون وليدًا للصدفة حينًا، وللتأمل والتفكير الطويل حينًا آخر، ومن هنا كانت "العين الصحفية" بالنسبة للمقال "كالأنف الصحفية" بالنسبة للأخبار. يقص علينا الكاتب الأمريكيّ "ويلزلي Welseley" في كتابه: "عالم المجلات" حكايةً بسيطةً عن طالبتين في إحدى كليات الصحافة، طلب الأستاذ إلى إحداهما أن تكتب ثلاث مقالاتٍ في موضوع الدين، ورأت الطالبة أن هذا الطلب معقول بالنسبة لها، فقد قالت: إن لديها قدرًا من الثقافة الدينية يسمح لها بذلك، وفرغت من كتابة المقالات الثلاث، فجاء المقال الأول خليطًا من المعلومات الخاطئة، والعبارات الدالة على التعصب الأعمى، كما جاء مشتملًا على فقرات تشير -على طريقة السرد- إلى بعض العقائد الدينية السائدة. وقرأ الأستاذ المقال فلم يرق في نظره، وسأل الطالبة عن عملها الخارجيّ, فقالت: إنها تشتغل بتجارة "الأبسطة المصنوعة من خيوط النايلون", فطلب إليها أن تكتب ثلاث مقالاتٍ أخرى عن هذا النوع من الأبسطة، وأن تضمن المقال رأيها في تنسيق البيوت، وطريقة تزيينها بهذا النوع من المفروشات، ثم اقترح الأستاذ عليها أن تبعث بهذه المقالات رأسًا إلى مجلة بعينها، وكتبت الطالبة هذه المواد, وبعثت بها إلى هذه المجلة، فلم تلبث أن تلقت من محررة القسم النسائيّ بها دعوةً لتناول الغداء معها في المنزل، وناقشتها المحررة في محتويات المقالات الثلاث، ولما تمت المقابلة عرضت الطالبة آراءها وتعديلاتها لبعض الأجزاء في هذه المقالات، ثم نشرتها تباعًا في المجلة، وكتبت الطالبة لأستاذها بعد ذلك له تقول: لقد تحققت المعجزة، ونشرت المجلة جميع المقالات، وبعد سنوات التحقت هذه الطالبة بهيئة التحرير في هذه المجلة.

стр. 396

حقائق حول كتابة المقال في المجلة: المقال الذي تنشره المجلة, إما أن يكون مقالًا افتتاحيًّا, أو مقالًا غير افتتاحيٍّ. فالأول: تعبير عن رأي المجلة في المشكلة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الأدبية أو الفنية التي تعرض لها المجلة. والثاني: تعبير ذاتيٌّ من جانب الكاتب, يصور به آراءه، ويعبر به عن ذات نفسه، ولا يقصد به إلى أكثر من الإقناع حتى يأخذ القارئ بوجهة نظره. وهنا يحسن بنا أن نذكر كلمةً قالها المعقِّبُ الأمريكيُّ "وولتر ليمان Lippmaun" وهو يحلل ما يسميه:"الرأي العام" حيث قال: "إننا لا نحكم على الأشياء في ذاتها، بل على الصورة التي نكونها نحن عنها، أي: أن الصورة التي في رءوسنا هي مادة آرائنا، ومضمون هذه المادة على الدوام". والصحف اليومية -كما يقول الأستاذ "دينواييه" صاحب كتاب "الصحافة في العالم"- تشارك بجزء فقط في تكوين هذه الصورة التي في رءوسنا، وأما الأجزاء الأخرى فآتيةٌ عن طريق المجتمعات العامة، والمنابر والمحاكم والمجالس النيابية, وغير ذلك من الوسائل الفعالة في التأثير على الرأي العام، وأخيرًا تسلطت السينما والإذاعة على عقول الجماهير إلى درجة جعلتهما تعتقدان خطأ أنهما سوف تخلعان الصحافة عن عرشها إلى الأبد. ثم قال الأستاذ "دينواييه" كذلك: "وفي المنافسة بين هذه الوسائل المتعددة في تكوين آراء الناس تلعب المجلات دورًا هائلًا، وذلك عن طريق الصور والقصص والموضوعات التي درست درسًا عميقًا, ونحو

стр. 397

ذلك, ومن المحقق أن الجماهير تتأثر بصورة الصحف الأسبوعية أكثر من تأثرها بصورة الصحف اليومية، ومن المحقق أيضًا أن الأثر النسبيّ الذي تتركه الصحف اليومية في عقول الشعب مائعٌ إلى الحد الذي يتعذر معه القياس الدقيق لهذا الأثر. ثم أيَّدَ الأستاذ "دينواييه" كلامه بعد ذلك ببحثٍ قام به حول قوائم توزيع الدوريات والمجلات في فرنسا, في ٣١ ديسمبر سنة ١٩٤٧، أثبت فيه أن الجرائد اليومية تستهلك قدرًا من الورق أقل نسبيًّا من الورق الذي تحتاج إليه جميع الدوريات على اختلافها. والمفروض في افتتاحيات المجلة أنها بناءة، والمجتمع يعتمد في هذا البناء على المجلة أكثر من اعتماده على الجريدة، ولكل فائدةٍ وميزةٍ، بحيث لا تغني إحداهما غناءً تامًّا عن الأخرى. وميزة الجريدة هي التكرار، وميزة المجلة هي العمق، والحق أن الافتتاحيات البناءة جليلة النفع للمجتمع وللحكومة، وخاصةً عندما تقوم على تفكيرٍ عميقٍ، ومعلوماتٍ دقيقةٍ. الواقعية في المقال: هناك شيءٌ آخر يجب توافره كذلك في افتتاحيات المجلة، هو "صفة الواقعية" ولكن كيف تكون كاتبًا واقعيًّا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة؟ إن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلةً ولا هينةً؛ إذ أنه ربما كانت الكتابة الخيالية أسهل بكثير من الكتابة الواقعية، وذلك بالرغم من أن حقائق الحياة كثيرًا ما تكون أغرب من الخيال نفسه. وصعوبة الكتابة الواقعية هي في جعل حقائق الحياة قابلةً للتصديق،

стр. 398

وبعبارةٍ أخرى: يجب على الكاتب الواقعيّ أن يعرف ماذا يروق الجماهير؟ وما الذي يجب أن يعرفوه؟ إن على الكاتب الواقعيّ إذن, أن يتعرف بنفسه إلى الحقائق والمعلومات التي يحب القراء أن يلموا بها، ولكن ليس للكاتب الواقعيّ أن يسأل الناس من آنٍ لآن: ما هي هذه الحقائق أولًا؟ إن على الكاتب الواقعيّ أن يحترم رغبات القراء، وأن يجعل من نفسه خادمًا لهم، ولكن على شريطة ألّا يقدم لهم من المعلومات إلّا ما يتصف بالدقة والصدق؛ كما أن عليه أن يثابر قبل ذلك على البحث عن هذه الحقائق, حتى يتألف له منها عددٌ كافٍ، ثم ينشر من هذا العدد ما يناسب الأحداث الجارية، ويلذ القراء، وكل ذلك في لغةٍ سهلةٍ بعيدةس عن الغرابة والتعقيد، وبذلك كله تتوافر للمقال الصحفيّ الذي تنشره المجلة صفتان لازمتان هما: الواقعية من جانبٍ، ويسر القراءة من جانبٍ آخر، والصفة الأخيرة هي المقصودة بالكلمة الإنجليزية Readability، ومعناها الحرفيّ: "الإنقرائية أو طواعية القراءة"، وتأتي هذه الطواعية المطلوبة عن طريق سهولة الألفاظ، وألفة التراكيب، ومعرفة المحرر بقدرة الكلمة على الإيحاء, أو بما يكون لها من ظلالٍ وأصداء في ذهن القارئ. وبعد, فعلى كاتب المقال في المجلة أن يضع هذه الحقائق نصب عينيه دائمًا، وهي: أولًا: أن قارئ المجلة أعلى مستوًى من قارئ الجريدة اليومية من حيث اللغة، ومن حيث الثقافة، وربما من حيث المستوى الاجتماعيّ والمستوى الاقتصاديّ كذلك.

стр. 399

ثانيًا: أن الوقت الذي ينفقه القارئ في المجلة, أطول من الوقت الذي ينفقه في قراءة الجريدة اليومية، ذلك لأن قارئ المجلة, إنما يقرؤها على مهلٍ، وغالبًا ما يكون ذلك بعد الفراغ من عمله اليوميّ، أو في عطلة الأسبوع. ثالثًا: أن قارئ المجلة يهتم بأسلوب الكاتب، ويهتم بالموضوع الذي يكتب فيه، أما قارئ الجريدة اليومية فقلَّمَا يهمه الأسلوب، إلّا عندما يقرأ العمود الصحفيّ لكاتبٍ معروفٍ؛ لأنه يقرأ ما يقرأ ليقف فقط على المضمون العام. رابعًا: أن الكتابة للمجلات تحتاج إلى عنصر الخيال في كثير من الأوقات، وتعتمد -كما قلنا- على قوة البلاغة، على حين أن الكتابة في الجريدة اليومية لا تحتاج إلى أكثر من الوضوح في شرح الحقائق والأحداث. النظام التقليديّ لصياغة المقال: إن النظام التقليديّ لصياغة المقال, هو أن يكون على النحو الذي سبق شرحه في أحد الأبواب المتقدمة، وهو أن يشمل المقال على ما يلي: ١- مقدمة تشتمل على فكرةٍ من الأفكار, تثير اهتمام القارئ، أو تشتمل على رواية دقيقةٍ وموجزةٍ للخبر الذي يُبْنَى عليه المقال. ٢- شواهد وحقائق تؤيد الفكرة التي بُنِيَ عليها المقال. ٣- خلاصة للمقال, تكون بمثابة خاتمة له, تبلور النتيجة أو الهدف الذي كتب من أجله المقال. غير أن من الكُتَّابِ من يستطيعون الاستغناء عن عنصر المقدمة, أو التقديم في بعض الأحيان، ولهم في البدء في كتابة المقال طرقٌ شتَّى, منها على سبيل المثال:

стр. 400

أ- أن يبدأ المقال على شكل سؤالٍ يلقيه الكاتب على القارئ. ب- أن يبدأ بجملةٍ تثير الضحك أو السخرية من شيء معين. جـ- أن تكون البداية بجملةٍ فيها معنى الغضب, أو الثورة على شيء معين. د- أن يبدأ المقال بإشارةٍ طفيفةٍ إلى أسطورةٍ من الأساطير المعروفة، عربية كانت أم أجنبية، قديمة كانت أم حديثة. هـ- ربما يبدأ المقال بحقيقةٍ من الحقائق العامة، التي لا تكون موضعًا لجدلٍ من القارئ، وهكذا.

стр. 401

القصة في المجلة: يمكن تقسيم القصة من حيث الطول والقصر إلى ثلاثة أنواع: الأول: الأقصوصة. الثانية: القصة القصيرة. الثالثة: القصة الطويلة. وتمتاز القصة القصيرة بأنها تتيح لكاتبها التعبير عن فكرةٍ واحدةٍ فقط، يسلط الكاتب عليها كل الأضواء، ويعزلها عزلًا تامًّا عن جميع الأفكار الأخرى، وبهذه الطريقة يستطيع الكاتب أن ينقل للقارئ صورةً قويةً عن هذه الفكرة الواحدة, تكون بطبيعة الحال أقوى بكثيرٍ مما لو كانت ضمن أفكارًا أخرى تشتمل عليها القصة الطويلة أو الرواية، ثم إن القصة القصيرة يمكن أن يقرأها القارئ في جلسةٍ واحدةٍ، وفي هذه الحالة يحصل القارئ على جميع ما للقصة من تأثيرٍ كاملٍ دفعةً واحدةً. أما القصة الطويلة, أو الرواية, فإنها تحتاج إلى جلساتٍ كثيرة، ومن ثَمَّ يقع تأثيرها في نفس القارئ على دفعات. ومعنى ذلك: أن القصة القصيرة أصلح للمجلة، وأن القصة الطويلة أو الرواية أصلح للجريدة اليومية. وسندع الكلام عن الرواية؛ لأنها لا تهمنا في الكلام عن المجلة، وننظر قليلًا في القصة القصيرة.

стр. 402

فن القصة القصيرة: إن الذي لا ريب فيه أن القصة القصيرة أدنى إلى الأدب الواقعيّ بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة، ومن هنا جاءت ملاءمتها للصحف، وأصبحت من المواد اللازمة لها منذ ظهور الصحافة، والصحافة في ذاتها أدبٌ واقعيٌّ قبل كل شيءٍ؛ لأنها تعنى بالمجتمع, وبما يقع فيه من أحداث. ولقد كان الكاتب الفرنسيّ الشهير "جي دي موباسان" من كتاب النصف الثاني من القرن التاسع عشر, أول كاتبٍ رسم للقصة القصيرة طريقًا جديًّا بالمعنى الصحيح. ذهب هذا الكاتب إلى أن القصة القصيرة ليس من الضروريّ أن تدور حول الأحداث الخطيرة، بل يغلب عليها أن تدور حول الأمور العادية التي تحدث للناس كل يوم، وفي ذلك ما قد يكشف عن أشياء كثيرة في النفس البشرية التي يهم القارئ أن يعرف عنها الشيء الكثير. ومن هنا كانت الأحداث في القصة القصيرة عند هذا الكاتب أحداثًا عاديةً, وكان الأشخاص في القصة أشخاصًا عاديين، وكانت مواقف القصة مواقف عادية، وبهذه المواقف العادية استطاع الكاتب أن يفسر الحياة تفسيرًا سليمًا، وأن يكشف فيها عن زوايا خفيةٍ، وأن يشرح النفس الإنسانية شرحًا دقيقًا. وبينما كان "جي دي موباسان" هذا يكتب القصة القصيرة بأسلوب سهلٍ, يدنو كثيرًا من أسلوب الصحافة، إذا بالكاتب الروسي "تشيكوف" يعمد في كتابة قصصه إلى أسلوبٍ بعيدٍ كلَّ البعد عن أسلوب الصحافة، وبذلك عمل على أن تستعيد القصة القصيرة مكانتها من حيث البلاغة والأناقة وسمو التراكيب.

стр. 403

وأما خطة هذا الكاتب الروسيّ في كتابه القصة القصيرة, فتقوم على هذه القاعدة: "عَرِّفِ الناسَ بالناسِ ولا تعرفهم بنفسك". وهذا مثل من قصص "تشيكوف" يفصح فيه عن طريقته، ويكشف عن ميله الشديد إلى الإيجاز الذي عرف به. في هذه القصص وعنوانها: "موت موظف حكومة" نرى موظفًا حكوميًّا، هو واحد من آلاف الموظفين, عرفته الأداة الحكومية في روسيا القديمة يعطس يومًا فوق صلعة قائدٍ كبيرٍ جلس أمامه في المسرح، فيرتاع الموظف الصغير من فعلته هذه، ويستبد به الخوف إلى درجةٍ مزعجةٍ تملك عليه كل مشاعره، ويقول لنفسه: أما عليَّ أن أقوم بواجب الاعتذار, وأؤكد للقائد العظيم أن العطسة كانت بغير قصدٍ مني؟ إن غضب القائد قد يجر عليَّ -وأنا الموظف الصغير- أوخم العواقب، واستجمع الموظف الصغير كل شجاعته، وذهب إلى القائد واعتذر له مرارًا وتكرارًا، حتى اضطر القائد نفسه في النهاية أن يأمر بطرده من مجلسه, فطرد المسكين؛ وإذ ذاك بلغ به الخوف والهلع مبلغًا, أفضى به إلى الموت في داره فور وصوله إليها.! هذه قصةٌ مبكيةٌ مضحكةٌ في وقت معًا، وهي في الوقت نفسه موجزة كل الإيجاز، محبوكة كل الحبك، ولكن دون أن تنقصها كلمة واحدة يكمل بها التأثير الكليِّ في القارئ أو في السامع. ومن ثَمَّ اشترطت في القصة القصيرة شروط ثلاثة هي: أولًا: أن تكون لها بداية ووسط ونهاية. ثانيًا: أن تكون تصويرًا لحدث متكاملٍ, له وحدته التي تتمثل في البداية والوسط والنهاية. ثالثًا: أن تحدث في القارئ أثرًا كليًّا، أو تؤدي إلى معنًى كليٍّ.

стр. 404

ومعنى هذا أن القصة القصيرة لا يمكن أن تكون مجموعة أخبارٍ يربط الكاتب بينها بطريقة مصطنعة؛ ليوهم القارئ أنها قصةٌ, وهي ليست كذلك. إن القصة القصيرة عبارة عن موقفٍ قصصيٍّ، أو موقفٍ من مواقف الحياة, يأخذ في النمو شيئًا فشيئًا, إلى أن يصل إلى نقطةٍ معينةٍ, يسميها النقاد: "لحظة التنوير" كما سنشرح ذلك فيما بعد. عناصر القصة القصيرة: تُبْنَى القصة القصيرة على أربعة أركان أو عناصر: ١- عنصر الحوادث أو الأخبار. ٢- عنصر الشخصيات. ٣- عنصر الفكرة أو المعنى. ٤- لحظة التنوير، وهي اللحظة التي يكسب بها الحدث معنًى من المعاني, يكون هو المعنى الذي كتبت من أجله القصة. عنصر الحوادث والأخبار: لا بد للقصة من خبرٍ من الأخبار ترويه بصورةٍ فنيةٍ، ولكن يجب أن يكون مفهومًا على الدوام, أنه ليس كل خبر أو مجموعة من الأخبار قصة. فالشرط في أن يصبح قصةً هو أن يكون له أثرٌ كليٌّ في نفس القارئ، وبعبارةٍ أخرى: ينبغي للخبر الذي تحكيه القصة أن تتصل تفاصيله وأجزاءه بعضها ببعض؛ بحيث يكون لمجموعها أثرٌ كليٌّ، هذا فضلًا عن توفر شرط آخر سبقت الإشارة إليه، وهو أن تكون للخبر بداية، ووسط، ونهاية، ثم لا يكفي أن يكون للخبر أثرٌ كليٌّ، بل يجب أن يصور حدثًا أو موقفًا معينًا، أو بدايةً معينةً, تأخذ في النمو شيئًا فشيئًا, حتى تصل إلى نقطة معينة، هي "لحظة التنوير" التي أشرنا إليها، وقلنا إننا سنشرحها بعد ذلك. وعلى هذا, يكون الفرق بين الخبر الذي يقتصر على تزويدها بالمعلومات,

стр. 405

والخبر الذي يصور حدثًا من الأحداث تصويرًا فنيًّا من نوعٍ معينٍ, هو الفرق بين القصة الإخبارية في الجريدة، والقصة الفنية المعروفة في الأدب. فلو كتبت لأحد أصدقائك تقول له: "سافرت إلى الريف, وسحرني بجماله وهدوئه، وقضيت الوقت كله في الحقول، ومن أجل ذلك تأخرت في الكتابة إليك، أما عمدة القرية, فلا يسأم الجلوس في "الدوار", ويجمع حوله رفاقه من شيوخ القرية، ولقد كنت طوال هذه المدة أجالس العمدة، وأقرأ له الجرائد والمجلات، وأستمع معه إلى الراديو، وأكبر أولاد العمدة -وهو صديق لي كذلك- عاد من العاصمة, وقال: إنه انتهى من الامتحان النهائيّ في كلية الحقوق، وأنه سيصبح محاميًا بعد بضعة أسابيع، وهو يمارس الآن تجربة حبٍّ عنيفٍ مع فتاةٍ من بنات القرية, تقرب منه في السن، ويقال: إنها تحب فتًى غيره، ومثلي لا يمكن أن تغيب عنه هذه المعلومات التي أكتبها إليك بثقة". فإن في هذا الخطاب أخبارًا يرويها الكاتب لصاحبه، ولكنها رويت بحيث بدأ كل خبر منها منفصلًا, أو كالمنفصل عن الخبر الآخر، ومجموع هذه الأخبار لم يترك في نفس القارئ أثرًا كليًّا، ولذا عجزت كل هذه السطور, أو الأخبار, عن أن يكون لها معنًى كليّ، لذلك لا ينبغي لنا مطلقًا أن نطلق على هذه السطور اسم "قصة". إنها مجرد أخبارٍ تزودنا ببعض المعلومات؛ كالأخبار التي تقرؤها كل يوم في الصحف لا أكثر ولا أقل. أما القصة: فإنها ومضةٌ من الضوء, يلقيها الكاتب على شريحةٍ من شرائح الحياة -إذا صح هذا التعبير، ليصور بها حادثةً ذات وحدة عضوية، ويكشف بها عما يربط بين أجزائها من معانٍ أو علائقَ. إنها إذن تعتمد على أساسين كبيرين هما: اللسمة الإنسانية من جانب,

стр. 406

وخلق مشكلةٍ من المشكلات التي تعرض للبشر، وحل هذه المشكلة من جانبٍ آخر. وكما عرفنا كيف نفرِّقُ بين القصة الإخبارية في الصحافة، والقصة القصيرة في الأدب، كذلك ينبغي لنا أن نفرِّقَ بين المقال القصصيِّ والقصة القصيرة، فهذه الأخيرة -وهي القصة القصيرة- أدنى إلى الأدب والفن بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. ذلك أن "العقدة" و "لحظة التنوير" شرطان أساسيان في هذا اللون من الأدب، على حين أن المقال القصصيّ لا يشترط فيه أن تكون له عقدة, ولا يحتاج إلى "لحظة التنوير" التي تنحل بها هذه العقدة. إن المقال القصصيّ أقرب إلى "الأقصوصة" منه إلى "القصة القصيرة" وللقارئ أن يرجع في ذلك إلى ما سبق أن كتبناه عن المقال القصصيّ كما هو معروف عند الكاتب الشهير باسم: "إبراهيم عبد القادر المازني". عنصر الشخصيات: مما لا شك فيه أن كل حدثٍ من الأحداث, لا يقع بالطريقة التي وقع بها في القصة إلّا لوجود شخص معين أو أشخاص معينين يجري على أيديهم هذا الحدث المعين. ومعنى ذلك: أن الحدث في القصة هو هذه الشخصية, أو الشخصيات التي تعمل, ويجري على أيديها الحدث بصورة خاصةٍ، ووحدة الأحداث في القصة لا تتحقق إلّا بتصوير الشخصيات وهي تعمل في داخل القصة، وهكذا يتطور الحدث من نقطةٍ إلى أخرى، أي: أن كل جزء في القصة يبدو كأنه يؤدي إلى الجزء الذي يليه, وهكذا، وربما كان من أوضح الأمثلة على دور الشخصيات وهي تعمل ويجري على يديها الحدث, قصة كتبها

стр. 407

الكاتب الفرنسيّ الذي مر ذكره، وهو هنا "جي دي موباسان "بعنوان": في ضوء القمر ١: بدأت هذه القصة بموقف للأب "مارينيان" وهو يمشي في حديقةٍ له بالقرية, ويسأل نفسه: "لماذا فعل الله ذلك؟؟ إن عظمتك يا ربي أعظم من أن تدركها عقول البشر، وبهذا المنطق البسيط طفق الرجل يفسر الطبيعة من حوله، فالشمس لإنضاج المحاصيل، والمطر لسقي الزرع، والليل ليستعد الناس للنوم.... وهكذا. غير أنه كان يكره النساء كل الكره، وكان يزعم أن الله تعالى غاضبٌ عليهن، وكان يعتقد دائمًا أن الله خلق المرأة لغواية الرجل واختباره، وكانت له ابنة أخت تعيش مع أمها في منزلٍ صغيرٍ قريبٍ من منزله، وكان قد صمم على أن يجعل منها راهبة، وكانت الفتاة تحب الحياة, وتستجيب لجمال الطبيعة بأكثر مما تستجيب لوعظ خالها، وفي يومٍ من الأيام, أخبرت مديرة البيت الأب "مارينيان" أن ابنة أخته قد اتخذت لنفسها عشيقًا, فصاح الأب: كذب.... كذب!!. ولكن المرأة التي أخبرته بذلك قالت: ليعاقبني الله إن كنت أكذب يا سيدي القس.... إنهما يتقابلان كل ليلة بجانب النهر، وما عليك إلّا أن تذهب إلى هناك ما بين الساعة العاشرة ومنتصف الليل، وفي موجة من الشعور بالحزن والخيبة والعار, وخدش الكرامة أخذ القس عصًا في يده من خشب البلوط, وخرج من بيته، ولكنه ما لبث أن توقف عند الباب مبهوتًا مأخوذًا بجمال الطبيعة. وكان بهاء القمر رائعًا روعةً نادرةً، وشعر الرجل فجأةً أن جمال الليل

стр. 408

وجلاله وبهاءه قد حرَّك قلبه، وفي حديقته الصغيرة التي سبحت في ضياءٍ باهتٍ, عكست أشجار الفواكه ظلالها على ممر أغصانٍ رقيقةٍ من الخشب, تكسوها الخضرة، ومن الزهور المتسلقة على الحائط انبعثت رائحة جميلة، وسار الرجل ببطء, مسحورًا مبهورًا, حتى كاد ينسى ابنة أخته، وعندما وصل إلى بقعةٍ عاليةٍ, وقف يرقب الوادي بأجمعه, وبهاء القمر يحتضنه، وسحر الليل الهادئ الجميل يغرقه ... واستمر الأب يمشي وهو لا يعرف لم تخلت عنه شجاعته! وود لو يجلس, أو يتوقف حيث هو؛ ليحمد الله على ما صنعت يداه، وهناك في طرف المرعى رأي ظلان يمشيان جنبًا إلى جنبٍ تحت الأشجار المتعانقة الغارقة في الضباب الفضيّ. كان الرجل هو الأطول، وقد لف ذراعه حول عنق حبيبته، ومن وقتٍ لآخر كان يقبلها في جبينها، وفجأةً دبت الحياة في الطبيعة المهجورة التي أحاطت بهما, وكأن الطبيعة نفسها إطارٌ إلهيٌّ صُنِعَ خصيصًا من أجلهما، وبدا الشخصان كأنهما كائن واحد، هو الكائن الذي خُلِقَ من أجله الليل الهادئ الساكن، واقتربا من القس كأنهما إجابةً حيةً على سؤاله الذي ألقاه على نفسه في بداية القصة، إجابةً بعث بها إلى ربه الأعلى.... وإذ ذاك كان الأب "مارينيان" يلقي على نفسه سؤالًا آخر: ألم أكن على وشك الخروج على طاعة الله؟ ، لو لم يكن الله يرضى عن الحب لما أحاطه بمثل هذا الإطار من الجمال والسحر والبهجة والعظمة!!. وهرب الأب مذهولًا وهو يكاد يشعر بالخجل أو بالوجل، كما لو كان قد اجتاز هيكلًا مقدسًا لا حقَّ له في اجتيازه في تلك اللحظة!! هذه القصة تصور لنا حدثًا متكاملًا له وحدته، وتصور لنا الشخصية وهي تعمل، وتصور لنا الفعل والفاعل والشخصية شيئًا واحدًا لا يمكن تجزئته، ومن ثَمَّ نجحت هذه القصة نجاحًا كبيرًا، وبصرف النظر عن

стр. 409

كونها تشتمل على خبرٍ تافهٍ في ذاته، هو عبارة عن قسيس يدعى: "الأب مارينيان", سمع ان ابنة أخته على علاقةٍ بأحد الشبان، فخرج ليضبطهما متلبسين بالجريمة، وتربص لهما في الحقول والوديان، وبعد مدةٍ رآها قادمةً مع حبيبها, تتهادى في ضوء القمر, فخجل من نفسه وعاد إلى بيته. عنصر الفكرة أو المعنى: إن تصور الحدث في القصة من البداية إلى الوسط, ثم إلى النهاية, لا يكفى لتطوير الحدث نفسه؛ لأن الحدث عبارةٌ عن تصوير الشخصية في القصة وهي تعمل، ثم إن تصوير الشخصيات في القصة وهي تعمل لا يكفي كذلك لإحداث التكامل في القصة، فالتكامل في القصة, أو الحدث, هو تصوير الشخصية وهي تعمل عملًا معينًا له معنًى أو فكرةً تهدف إليها القصة، وليس المعنى أو الفكرة شيئًا مستقلًّا عن الحدث, يمكن أن نضيفه إليه متى أردنا، أو نفصله عنه كيفما شئنا، فنقول مثلًا: إن هذه القصة تعالج مشكلة الفقر، أو تثبت أن الفضيلة أقوى من الرذيلة، ومعنى ذلك باختصار شديد: أن الحدث والمعنى, أو الفكرة, في القصة وحدةٌ لا تتجزأ. انظر إلى القصة السابقة: "في ضوء القمر" تجد أن الحدث له بداية، ووسط، ونهاية، وتجد أن المعنى أو الفكرة والحدث وحدة لا تتجزأ إلى أجزاء يمكن أن ينفصل بعضها عن الآخر، ومن ثَمَّ أصبح هذا الحدث متكاملًا، والوحدة بينه وبين المعنى تامة، وليست مفروضة عليه بصورة من الصور، وهذا المعنى هو أن الله تعالى يرضى عن الحب، والكاتب هنا لا يعبر عن هذا المعنى في شكلٍ إخباريٍّ بحت، وإنما يعبر عنه في شكلٍ فنيٍّ هو عبارة عن حدث ينمو في القصة شيئًا فشيئًا, حتى تؤدي إلى المعنى الذي كتبت من أجله القصة.

стр. 410

لحظة التنوير: لكي تكمل للقصة القصيرة مقوماتها الفنية المطلوبة, يجب أن تصور حدثًا متكاملًا يجلو موقفًا من المواقف الإنسانية كما قلنا. إن كاتب القصة القصيرة لا يسرد تاريخ حياة أحدٍ من الناس، ولا يلقي أضواء مختلفة على أحداث كثيرة، ولا يكشف عن زاويا متعددة للأحداث والشخصيات، كما يفعل كاتب القصة الطويلة أو الرواية، بل ينظر إلى الحدث من زاويةٍ معينةٍ لا من عدة زوايا، ويلقي عليه ضوءًا معينًا، لا عدة أضواء، ويهتم بتصوير موقفٍ معينٍ في حياة فردٍ أو جماعةٍ، لا بتصوير الحياة كلها.. فالنهاية في القصة القصيرة تكتسب أهميةً خاصةً؛ لأنها النقطة التي تجمعت فيها خيوط الحدث كلها، وبها يكتسب الحدث نفسه معنًى وفكرةً، ولذا سميت هذه النقطة: "لحظة التنوير". وبالقصة التي ضربنا بها المثل، وهي قصة "في ضوء القمر" نجد لحظة التنوير، وقد عَبَّرَ عنها الكاتب في قوله: "وفجأةً خُيِّلَ إلى القس أن الحياة قد دبت في الطبيعة المهجورة التي أحاطت بالفتى والفتاة, وكأنها -أي: وكأن هذه الطبيعة الحية- إطارٌ إلهيٌّ صنع خصيصًا من أجلهما، واقتربا من القس كأنهما إجابةٌ حيةٌ على سؤاله، إجابة بعث بها إليه ربه الأعلى، وقال الأب على الفور: ربما خلق الله مثل هذا الجمال إطار المثله الأعلى "وهو حب الإنسان"، وتراجع بعيدًا عن الحبيبين, وهو يكاد يشعر بالحياء والخجل, كما لو كان قد اجتاز معبدًا لا حق له في اجتيازه". نسيج القصة: رأينا كيف أن بناء القصة كبناء الكائن الحيِّ، وأن كل جزءٍ في هذا البناء لا يمكن أن ينفصل أو يستقل بنفسه عن الأجزاء الأخرى، بل يشاركها في الغاية من وجوده.

стр. 411

والغاية من القصة -كما عرفنا- هي تصوير حدثٍ معينٍ لهدفٍ معينٍ، ينسج الكاتب من أجله قصةً، ووسائل هذا النسيج -كما نعرف أيضًا- هي اللغة، والوصف، والحوار، والسرد، وغير ذلك من الأشياء التي تشترك كلها في مهمة التصوير من جهةٍ، وتطوير الحدث في داخل القصة من جهةٍ ثانيةٍ. أما الوصف: فإنه لا يرد في القصة القصيرة لذاته، ولكن يرد فيها لغايةٍ معينةٍ، ولذلك لا يعمد الكاتب إلى وصف شخصيةٍ من الشخصيات من خلال منظاره هو، ولكن من خلال منظار الشخصية التي تتعامل مع غيرها من شخصيات القصة، وفي ذلك ما يساعد الحدث في القصة على التطور والنمو شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى نهايته، ومعنى هذا: أن الوصف في نظر الكاتب والقارئ, جزء كذلك من الحدث الذي تدور حوله القصة. مثال ذلك: إذا كان الشخص في القصة القصيرة يحب الفتاة الطويلة ذات الشعر الأسود، والبشرة التي تميل قليلًا إلى السمرة، فإن الكاتب الذي يريد أن ينشيء علاقة حبٍّ لهذا الشخص في القصة, لا بد له أن يصف الفتاة في القصة بنفس هذه الأوصاف المذكورة، لا بأوصاف يحبها هو، ويترجم بها عن مثله الأعلى في الجمال, ولو فعل غير ذلك لكان هذا خطأً في نسيج القصة بهذا المعنى. وكذلك الشأن في اللغة التي تستخدم في هذا الوصف، فإنها هي الأخرى يجب أن تكون لغة مطابقة للشخصية في القصة القصيرة، فمن غير المعقول أن يدع الكاتب شخصياته تتكلم عن مستوى لغويٍّ واحدٍ، فإن في ذلك ما فيه من البعد عن الواقعية التي هي أساس هذا الفن من فنون الأدب، ونعنى به: القصة القصيرة. وفي نسيج القصة القصيرة يجب أن يلتفت الكاتب دائمًا إلى هذه الحقيقة،

стр. 412

وهي أن التقرير في القصة لا ينبغي أن يحل فيها محل التصوير، فالتقرير شيء والتصوير شيءٌ آخر؛ الأول -وهو التقرير- لا يصح وروده في القصة، والثاني: هو كل ما يمكن أن تعتمد عليه القصة. إن التقرير لا يصف الإحساسات والمشاعر، ولكن الطريق الوحيد لذلك هو التصوير، فالابتسامة، أو الدمعة، أو السكوت عن الجواب، أو العزلة، أو الحركة تصدر من يد الشخص أو من كتفه، والتصرف المعين، أو السلوك المعين يصدر من هذا الشخص أيضًا, كل هذه الأشياء تعين على التصوير الذي يقصد إليه الكاتب، ولا يمكن اعتبارها تقريرًا عن مشاعر الشخصية التي تجري على يدها كل هذه الحركات أو السكنات, ونحو ذلك. وهكذا لا تجد كاتب القصة يعمد إلى تقرير شيء من الأشياء, أو التعليق عليه كما يفعل المحرر الصحفيّ، وإنما يكتفي بتجسيم هذا الشيء في عمل يصدر عن الشخصية، ويحمل ذاتيتها وطابعها في نفس الوقت. والمهم أن تقول بعد ذلك: إن النسيج كالحدث وكالشخصية في القصة, ليس منفصلًا عنها، لكن هذه العناصر كلها شيء واحد، فلا يمكن أن نتصور بناء القصة بعيدًا عن نسيجها، كما لا نستطيع أن نتصور أن أحداث القصة أو شخصياتها أو فكرتها ومعناها معزولة عنها. الواقعية في القصة القصيرة: بقيت لدينا كلمة نشرح فيها المراد بصفة الواقعية في القصة القصيرة، وهي الصفة التي بدأنا بها هذا الحديث, وإنَّا لمكتفون هنا بتجربةٍ قام بها صاحب جريدة "الهاتف"، وهي جريدة صدرت ببغداد ما بين سنة ١٩٣٤ وسنة ١٩٥٤، وصاحبها ورئيس

стр. 413

تحريرها هو الأستاذ جعفر الخليلي،١ قال: كتب لي قارئ وأنا أدير جريدة "الهاتف" يقول: إنه كان قد سألني مرةً, ما الذي يجب أن أعتمد عليه في بناء القصة؟ فأجبته بأن الواجب يقضي عليه بتوخي "الواقعية" بعد وثوقه من قابليته الفطرية للكتابة. وعمل القارئ بهذه النصيحة، وكتب قصة بيته، وأرسلها إلى جريدة "الهاتف" فلم تنشرها الجريدة، مع أنه لم يبعد فيها عن الواقع قيد شعرة، وكانت قصة بيته التي يشير إليها، والتي يلوم "الهاتف" على عدم نشرها بعنوان: حياة أسرة: وهي قصة أرض, قال إن أباه قد اشتراها من امرأة، وهي واقعة في الطرف الفلانيّ من المدينة، وبالقرب من المحل الفلاني، وقد أنجز أبوه بناءها في طابقين، اتخذ الطابق الفوقانيّ مسكنًا له، وخصنا أنا وعمتي وجدتي وأختي بالطباق التحتانيّ، وفي البيت سلمان؛ أحدهما بالقرب من باب الدار، والثاني في نهاية البهو، وكلاهما ينتهيان بالطابق الفوقانيّ، ويصلان إلى سطح الدار. وقال: إن أباه ينوي أن يبني جناحًا آخر إذا ما جاء موسم الزراعة بمنتوج جيد في السنة المقبلة، وقد كان ينوي يوم خط خريطة البيت أن يبني سردابًا، ولكن صديقًا لأبي حذره قائلًا: إنه لن يأمن أن يمتلأ السرداب بالماء في موسم الفيضان، فعدل عن بناء السرداب وبنى لنا تنورًا لا تزال أمي وعمتي تتناوبان الخبز فيه، وإن كان خبز أمي أحسن من خبز عمتي. ثم أضاف قائلًا: وليس في بيتهم هذا مجالٌ ليتخذ فيه حديقة، ولكنهم

стр. 414

ينتظرون أن يبيعهم جارهم بيته المتصل ببيتهم؛ ليتخذوا منه حديقةً غناء -إن شاء الله تعالى. وتنتهي القصة بعد ذلك بحادث وقوع بيتهم هذا بسبب شق الطريق، وكانت نتيجته أن انهدم البيت, وعوضوا عنه بمبلغ معين، وهكذا تمت قصة حياة الأسرة، أو قصة الدار قبل أن يتاح لهم أن يحققوا أمنيتهم منها. لقد أقسم كاتب هذه القصة بأنه لم يكتب شيئًا يخالف الواقع، ولم يفته شيء مما ينبغي أن يذكر لتكون الإحاطة تامةً بجميع أطرافه، وذلك طبقًا للقاعدة المطلوبة في بناء القصة, أو طبقًا لنصيحة "صاحب الهاتف". قال صاحب "الهاتف" بعد ذلك: "إن الواقعة التي أرادت أن تكون قاعدة أساسية للقصة, لم أقصد بها أن ينبري أحدنا إلى بيته أو إلى شارعه أو إلى مدينة, أو أية جهةٍ أخرى, فيصفها وصفًا صحيحًا، ثم يقدمها للناس باعتبارها قصةً من القصص الفنية، وإنما يجب أن تصف الواقعية موضوعًا يصح أن يسترعي انتباه القارئ لغرابته، أو للذته، أو لاستهوائه النفس، أو لإثارته الكوامن، أو لأيِّ شيءٍ مما يعنى به الناس كلهم أو بعضهم، وذلك في قالب فنيٍّ وإطارٍ معينٍ، أما أن ينطلق الكاتب إلى المطبخ مثلًا فينقل للقراء صورةً صادقةً لمواقع القدور والملاعق من الجهة اليمنى إلى الجهة اليسرى، وموضع الطباخ أو من يطبخ في بيته؛ أهي أمه, أم عمته, أم الخادمة، ثم يحاسبنا على أنه قد راعى في وصفه أهم قواعد القصة، وهي "الواقعية" والإحاطة بجميع أطراف الموضوع, فذلك شيءٌ لا يمت إلى القصة بأيِّ وشيجٍ من النسب، وإذا جاز أن يكون قصةً فهو من نوع صاحب البيت المعمور الذي أشرنا إليه هنا، والذي أسأل الله أن يكون أبوه قد اشترى له بيتًا جديدًا حقق فيه آماله من حيث السعة وإنشاء الحديقة"!!

стр. 415

تقول "إليزابيت بوين" في تعريف "الرواية والحقيقة": إنها -أي: الرواية- قصةٌ مبتكرةٌ، ولكنها في الوقت نفسه، ورغم كونها مبتكرةً, فإن لها القدرة على الإيحاء بالصدق، وقد يتساءل البعض، وما قياس هذا الصدق؟ فأقول: إنه بالنسبة للحياة كما يعرفها القارئ، أو ربما كما يتحسسها هذا القارئ، وأنا إنما أعني: القارئ الناضج الكامل النمو، فمثل هذا القارئ يكون قد اجتاز مرحلة قراءة القصص الخرافية، ونحن لا نريد في الرواية شيئًا من الأحداث الغريبة المستحيلة، ولهذا فإني أؤكد بأن الرواية يجب أن تنطبق على الواقع كما يعرفه الناضجون من الناس في المجتمع. ومعنى ذلك: أن الرواية ليست نشرة إخبارية، كما أنها ليست حوادث مثيرةً للحس، أو مثيرةً للنظر، وهنا يأتي دور الشرارة التي تبعث الحياة الحقيقية في الرواية، وهي خيال الكاتب صاحب القدرة الممتازة، وهذا الخيال لا يقتصر على الاختراع، بل إنه يدرك الأشياء, ويمسها, ويضاعف من الأشياء التي تبدو عاديةً مألوفةً، وهو يمدها بقوة جديدة، ويزيد من أهميتها، ويؤكد صدقها، كما يعطيها حقيقة داخلية عميقة، وهذا هو مفهوم الفن الروائي. وقفت "اليزابيت يومين" عند ثلاث خصائص للقصة وهي: أولًا: أن تكون بسيطةً واضحةً سهلة الفهم. ثانيًا: أن تكون طريفةً بحيث تدور حول أزمة من الأزمات، أو تعالج مشكلة ذات أهمية كبرى بالنسبة للكاتب أو للقارئ في حياته الخاصة. ثالثًا: أن تكون ذات بداية جيدة، كأن تنطلق من موقف مشحون بالأمل، أو على الأقل توحي للقارئ بأن مثل هذا الموقف واقع وموجود بالفعل.

стр. 416

وظيفة التقرير الصحفيّ وأهميته: بين العلماء والباحثين خلافٌ كبيرٌ في المقال الصحفيّ من حيث هو: أيعتبر فنًّا مستقلًّا بذاته من فنون الصحافة؟ أم يعتبر لونًا من ألوان الخبر أو الإعلام؟ وتمادى الخلاف بينهم في ذلك حتى ذهب بعضهم إلى أن المقال الصحفيّ -وإن كان يهدف إلى التوجيه والإرشاد- فإنه يعتبر في الواقع نوعًا من الإخبار والإعلام، ولِمَ لا يكون كذلك؟ والمقال الافتتاحيّ ذاته يُبْنَى في أكثر الأحيان على خبر هامٍّ، سواء أكان من الأخبار الخارجية أم الداخلية، وقد يدورهذا المقال الافتتاحيّ كذلك حول خبر ما تحول ظروف خاصة دون إيراده مورد النبأ بالشكل المعروف في الصحيفة. على أنه بالرغم من هذا التداخل الكبير بين الخبر والمقال، فإن الكثرة الساحقة من علماء الصحافة مجمعةً على ضرورة الفصل بين هذين الفنين من فنونها، وذلك على أساس من الفهم السليم لوظائفها الخمس المعروفة للصحافة, وهي كما تعلم: وظيفة الإخبار، ووظيفة تفسير الأخبار، ووظيفة التوجيه والإرشاد, ووظيفة التسلية والإمتاع، ووظيفة التسويق والإعلان. والغرض الأول والثاني من هذه الأغراض الخمسة يختصان بالخبر, والغرضان الثالث والرابع منها يختصان بالمقال، وأما الغرض الخامس والأخير فخاصٌّ بالناحية المادية التي لا تعنينا في هذا البحث. فإذا كان هذا هو الخلاف الحادث بين العلماء والباحثين في شأن المقال

стр. 417

الصحفيّ بالذات، فكيف يكون الخلاف بينهم في الفنون الصحفية الأخرى، ومنها فن الحديث، وفن التحقيق، وفن الماجريات؟ إن من هؤلاء العلماء من يعتبرون هذه الفنون الأخيرة لونًا عمليًّا من ألوان الإعلام أو الإخبار، والدليل على ذلك -في رأيهم- أن محرر التقرير الصحفيّ -كائنًا مَنْ كان- يكتب ما يرى وما يسمع في مكان الحادث أو التحقيق، ويهمل كل ما عرفه -ولو من طريق الصحف- عن الشائعات التي تجري على ألسنة الناس بعيدًا عن هذا المكان، ومعنى ذلك أنه لا يكتب في مكتبة، أو غرفة التحرير بالصحيفة، كما يفعل كاتب المقال أو التعليق على الأنباء، وإنما يكتب أولًا في المكان الذي يقع فيه الحادث، أو المكان الذي هو موضوع التقرير الصحفيّ الذي تطلبه الصحيفة. والمعروف أن عمود الأخبار لا يتسع في الصحيفة إلّا لعباراتٍ موجزةٍ وجملٍ مركزةٍ، ولكن بعض هذه الأخبار يجذب إليه انتباه القراءة، وكثيرًا ما تثير فضولهم، فتضطر الصحيفة إلى إشباع فضولهم هذا بكتابة التقرير الصحفيّ المفصل، كائنًا ما كان نوعه، أو كانت صورته. من أجل ذلك, ذهب بعض العلماء إلى أن التقرير الصحفيّ يهبط بمستوى الصحافة؛ لأنه لا يهدف إلّا لغرضٍ واحدٍ فقط في الواقع، هو إرضاء غريزة من غرائز الإنسان، هي غريزة حب الاستطلاع، أو إلى إرضاء غريزةٍ أخرى من غرائزه كذلك، هي الغرور الإنسانيّ لدى المجرمين، والمتهافتين على الشهرة والميل إلى الظهور. وذهب بعض العلماء كذلك إلى اعتبار التقرير صحافةً من الدرجة الثانية؛ لأنه لا يتطلب من كاتبه كل ما يتطلبه كاتب المواد الأخرى في الصحيفة من مهارةٍ وحذقٍ في فنون الكتابة والعرض. لكن يرد على هذه الآراء السابقة وأمثالها بردود كثيرة منها: أنه

стр. 418

يكفي أن نرى جمهور القراء يتهافتون على قراءة التقرير الصحفيّ -أيًّا كان نوعه- وأن نراهم معجبين أشد الإعجاب بكاتب هذا الفن من فنون الصحافة الحديثة. على أن كاتب التقرير الصحفيّ في الحقيقة من أشد الكُتَّابِ الصحفيين عنايةً بعرضه, على أحسن وجه، وكتابته على أحدث طريقة، وجعله تحفةً فنيةً تجذب إليها انتباه القارئ، وسنرى في بعض الفصول القادمة كيف أن كاتب التقرير الصحفيّ، بأشكاله المختلفة، لا بد أن يكون رجلًا يتوافر فيه من الصفات الأدبية والفنية, وما يتوافر في كاتب القصة الإخبارية، أو المقالة الصحفية، أو العلمية، أو الأدبية، أي: أن كاتب التقرير يجب أن يكون كغيره من أعضاء أسرة التحرير؛ على جانبٍ عظيمٍ من العلم والمعرفة، وعلى جانبٍ عظيمٍ من الفن والموهبة، وبغير ذلك تبدو كتاباته ضحلةً فارغةً أو مضحكةً، وتتعرض إذ ذاك "لمقص" سكرتير التحرير, ولقمه "الأحمر" الذي يضرب به على كثير من المواد غير المبذول في كتابتها، وإعدادها من العناية ما يكفل نشرها، ويغري قراء الصحيفة بقراءتها، والانتفاع بها. وفي أهمية المقرر الصحفيّ, يقول مسيو "إيلي ريشارد Elie Richard" وكان رئيسًا لتحرير صحيفة فرنسية يقال لها: "سي سوار": "الحقيقة أن المقرر الصحفيّ ثمرةٌ من ثمار هذا القرن الذي نعيش فيه، إنه المندوب الذي يذهب من قبلك - أيها القارئ- لرؤية الحادث، والكشف عن أسبابه بدقةٍ تامةٍ، إنه ليس أديبًا متجولًا، ولكنه في الواقع العين التي نبصر بها، والأذن التي نسمع بها، وهو يعرف جيدًا أن عليه أن ينقل إلينا جميع الأحاسيس فور شعوره بها، وإدراكه لها، أما التأملات والإيحاءات فمتروكة لنا وحدنا بعد كل ذلك".

стр. 419

ويفرِّقُ الباحثون بين "المقرر الكبير" و "المقرر الصغير" فالأول ذو خبرةٍ واسعةٍ، ومرانةٍ طويلةٍ، وعليه -بوجه عام- تعتمد الصحيفة في كتابة التقارير حول الأخبار الهامة، والحوادث الجسام، كحادث اغتيال رئيس من رؤساء الحكومات، أو حادث غرق سفينة كبيرة، أو هلاك منطقة آهله بالسكان بسبب الفيضان، أو بسبب بركان، وكفضيحة من الفضائح تكون الشخصية الرئيسية فيها نجمًا أو نجمةً من نجوم العلم، أو الأدب, أو السينما، أو المسرح, ونحو ذلك. فإذا وقع حادث من هذا النوع أسرع المقرر الصحفيّ الكبير، فحزم متاعه، واصطحب معه آلة التصوير، وركب الطائرة، أو القطار السريع، ليصل إلى مكان الحادث قبل غيره من الصحفيين، وهنا يجمع المعلومات، ويجري التحقيقات، ولا يعبأ بالمصاعب والعقبات التي تعترض طريقه، ويسابق الوقت فلا تضيع منه دقيقة واحدة، وإلّا فسدت عليه خطته من أولها إلى آخرها. أما "المقرر الصغير" فيحرر في الغالب باب "الأصداء" أو باب "المياومات" أو تلك المواد الصغيرة المسلية التي تهتم بها جميع الصحف، وتفرد لها مكانًا خاصًّا من مساحتها، وكثيرًا ما يكون ذلك بالصفحة الأخيرة التي تعتبر أدنى في طبيعتها إلى "المجلة": MAGAZINE منها إلى الجريدة NEWS PAPER. وفي هذه الصفحة الأخيرة يرى القارئ طائفةً من الأحاديث المصورة، التي هي في الواقع "أصداء" لأهم الحوادث الجارية، وهنا يتساءل الباحث عن هذه الأحاديث، والأصداء: ما نوعها؟ وهل تعتبر من الحديث الصحفيّ، أو التحقيق الصحفيّ، أو الماجريات الصحفية؟ والجواب على ذلك: أن هذه التقارير الصغيرة ليست في شيء من هذه

стр. 420

الفنون الثلاثة بالمعنى المقصود من كل فَنٍّ منها على حدةٍ، وهو المعنى الذي ستشرحه الفصول التالية: فليست هذه التقارير الصغيرة أحاديث صحفية؛ لعدم وجود عنصر الحوار في أكثرها، بل فيها جميعها, وليست هذه التقارير الصغيرة عبارة عن تحقيقات صحيفة؛ لعدم وجود عنصر البحث عن الحقائق، وعنصر جمع المعلومات حول مشكلةٍ من المشكلات العامةِ سعيًا وراء إيجاد حل مناسب لها. وليست هذه التقارير الصغيرة "ماجريات صحفية" لأنه يشترط في هذه الماجريات -كما سنرى- أن تكون تقريرًا عن حوادث كبيرةٍ عقدت لها جلسات في هيئات عامة، كالمحكمة، والبرلمان، والمؤتمر الإقليمي، أو المؤتمر الدوليّ. فإن كان ولا بد من إدراج هذه التقارير الصغيرة تحت فَنٍّ من فنون الصحافة, فهي أدنى إلى فن التعليق على الأخبار منها إلى أيِّ شيءٍ آخر، وذلك بشرط أن نتسامح أيضًا في معنى "التعليق على الأخبار" فلا تكون الغاية منه مقصورةً على توجيه القارئ بقدر ما تكون الغاية من هذا التعليق الصحفيّ أو "الثرثرة الصحفية" هي تسلية القارئ أو إمتاعه، بصرف النظر عن توجيهه أو إرشاده. ثم إن هذا التعليق على الأخبار متى قصد منه إلى إيضاح بعض النقط المتصلة به، أو الكلام بشيء من التوسع عن الأشخاص والأماكن التي تذكر معه، أو تزويد القارئ بطائفة من المعلومات المسلية التي ترتبط به من قريب أو من بعيد, سُمِّيَ في الواقع باسم: "طريفة"، وجمعها "طرائف"، Eeatures وهو فن من فنون الصحافة أدنى إلى الخبر منه إلى المقال، كما

стр. 421

أوضحنا ذلك في فصل من فصول الكتاب الثاني من كتب هذا البحث، وعنوانه: "الطرائف". المقرر الكبير, ومكانته في الصحافة الحديثة: الحق أن المقرر الكبير يعتبر قوةً كبيرةً من قوى الصحافة الحديثة, وعلى أيدي المقررين الكبار تجري أنواع من البطولات والمغامرات, لا تَقِلُّ عن مغامرات المخترعين وكبار العلماء، ومن هذه المغامرات -على سبيل المثال - مغامرة "ستانلي" الذي أرسلته صحيفة "نيويورك هارولد" للبحث عن "لفنجستون" أدت إلى القيام بتقرير صحفيٍّ غريب, أثار آنذاك إعجاب العالم أجمع، فقد كان "ستانلي" صحفيًّا ورحالةً في آنٍ واحدٍ, وفي أكتوبر سنة ١٨٦٩, كلفه مدير "النيويورك هرالد" بالبحث عن "لفنجستون" في أفريقيا الاستوائية, بعد أن انقطعت أخباره ثلاث سنوات، ووصل "ستانلي" إلى زنزبار في يناير سنة ١٨٧١, وتوغل في قلب القارة السوداء، وعثر أخيرًا على "لفنجستون" في "أودجيجي" الواقعة على ضفاف بحيرة تنجانيقا، وزوده بالمؤن ثم كتب "ستانلي "إلى الصحيفة تقريرًا مثيرًا١. "وفي أوائل مايو سنة ١٩٥٦ استطاع الصحفيّ المصريّ "إبراهيم عزت" أن يتخطى حدود إسرائيل، ويطوف مدنها, ويقف على حقيقة ما يجري فيها من أمور، ويمكث فيها أحد عشر يومًا, قابل في خلالها "دافيد بن جوريون" رئيس الوزراء، و"موسى شاريت" وزير الخارجية، و"جولدا مائير" وزيرة العمل، و"موشى ديان" قائد الجيش. وقد استطاع "إبراهيم عزت" أن يحصل على تأشيرة من سفارة إسرائيل

стр. 422

بلندن, بعد أن أقنع المسئولين هناك بأنه صحفيٌّ برازيليّ من أصل عربي، واسمه: "جورج إبراهيم حبيب" يفهم العربية, ولكنه لا يكتبها، وأنه يقوم بجولة في منطقة الشرق الأوسط لزيارة الدول العربية وإسرائيل، ولكنه يخشى إن ظهرت على جواز سفره تأشيرة دخول إسرائيل, أن ترفض الدول العربية دخوله أراضيها. وطار "إبراهيم عزت" من لندن إلى نيقوسيا، ومنها إلى "اللد" حيث كان في استقباله مدير المطار، ومندوب وزارة الخارجية، الأمر الذي أفزعه إذ ذاك، ولكن سرَّه لم ينكشف، وظلَّ يجوب مدن إسرائيل حيث مكث ثلاثةَ أيامٍ في تل أبيب وحيفا، ويومين في القدس وبير سبع، وزار المستعمرات الصهيونية على الحدود المصرية. وفي كل لحظةٍ كان يقف على الأمور خلف الأسوار، ويطَّلِع على أدق الأسرار, وبعد أحد عشر يومًا عاد إلى قبرص, ومن هناك أبرق إلى "روز اليوسف" بتفاصيل رحلته إلخ"١. أليس في كل ذلك ما يدل دلالةً واضحةً على المكانة التي يتمتع بها المقرر الكبير في الصحافة الحديثة، وما يدل كذلك على أن التقرير الصحفيَّ في ذاته صحافة من الدرجة الأولى لا من الدرجة الثانية؟ لقد سبق أن قلنا: إن الخلاف قائم بين العلماء في موضوع المقال الصحفيّ: أيعتبر فنًّا مستقلًّا بذاته من فنون الصحافة؟ أم يعتبر لونًا من ألوان الإعلام في هذه الصحافة كبقية الألوان الأخرى. والرأي عندنا في ذلك أنه لا بد من الفصل بين هذه المواد التي هي:

стр. 423

الخبر، والمقال، والتقرير، فهذا الفن الأخير-وهو التقرير- وإن كان في الواقع يحمل صفة الإخبار، أو الإعلام، فإنه في نفس الوقت يكتب بطريقةٍ مخالفةٍ كل المخالفة للطريقة التي تكتب بها الأخبار، والاختلاف بين الخبر والتقرير في طريقة التحرير كافٍ عندنا للفصل بينهما، ودراسة الخصائص الفنية لكلٍّ على حدةٍ. فلئن كانت القصة الإخبارية تجيب دائمًا عن الأسئلة الخمسة أو الستة المعروفة، وهي: من، وماذا، ولماذا، وأين، ومتى، وكيف، فالتقرير الصحفيّ كثيرًا ما يكتفي بالإجابة عن سؤال: لماذا أو كيف، ويقف عند هذا الحد. ولئن كانت الإجابة عن سؤال "كيف" تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية في القصة الإخبارية، أي: أنها تجيء لمجرد التفسير في الفقرة الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة من صلب هذه القصة، فإن الإجابة عن سؤال "كيف" يلعب الدور الهام في التحقيق الصحفيّ -بنوع خاصٍّ- ويكاد يدور عليه هذا التقرير من أوله إلى آخره. ولئن كانت القصة الإخبارية إنما تصاغ على شكل هرمٍ مقلوبٍ، فإن التحقيق الصحفيَّ بالذات -كالمقال الصحفيِّ- يتبع نظام الهرم القائم أو المعتدل، بمعنى أن الأجزاء التي هي أقل في الأهمية تأتي في بداية الكلام، ثم تتدرج الأجزاء الأخرى إلى أعلى شيئًا فشيئًا، حتى تصل في التقرير-كما تصل في المقال- إلى الذروة Climex، ويستثنى من ذلك في الماجريات: قضائية، وبرلمانية، وسياسية، كما سنرى ذلك في موضعه من هذا البحث. ولئن كان الخبر الصحفيُّ لا يسمح لمحرره مطلقًا بإظهار شخصيته على نحوٍ ما؛ لأنه يتبع في تحريره أسلوبًا يشبه الأساليب العلمية ذات الصبغة الموضوعية، فإن التقرير الصحفيَّ من حديثٍ، وتحقيقٍ، وماجرياتٍ، يحمل

стр. 424

غالبًا طابع كاتبه، ويَنُمُّ عن شخصية محرره، ويدل عليه دلالة قوية، وذلك حتى في بعض الماجريات الدبلوماسية والدولية نفسها. وكل هذه الفروق المتقدمة تجعل من حقنا أن نفصل فصلًا تامًّا بين التقرير الصحفيِّ وغيره من مواد الصحف، كما تجعلنا ننظر إلى فن التقرير على أنه فنٌّ مستقلٌ بذاته؛ له خصائصه التي يمتاز بها، وله أغراضه التي يسعى إليها، وله كتابه ومحرروه الذين تهيئوا للنبوغ فيه، وللتقرير -فيما قلنا- فنون أربعة، وهي: ١- فن الحديث الصحفيّ. ٢- فن التحقيق. ٣ فن الماجريات الصحفية. ٤- فن التقرير المصور "الريبورتاج". وسنتحدث عن كل واحدةٍ من الفنون الثلاثة الأولى على حدةٍ، وسنعنى في أثناء ذلك "بالطابع المصريّ"، و "الشخصية المصرية" في فن التقرير، كعنايتنا بهما في الفنين السابقين، وهما الخبر والمقال. نعم، يصح أن يضاف إلى هذه الفنون الثلاثة، فن التقرير المصور أو الريبورتاج، وهو عبارة عن تقرير صغير يمتاز بأشياء، منها: ١- الإيجاز في التعبير. ٢- الحديث عن شخصٍ بعينه, أو مكانٍ بعينه, أو ظاهرة بعينها. ٣- أن يكون هذا الحديث مقرونًا بالصور كلما أمكن ذلك. خذ لذلك مثلًا: هب أنك مشيت في الطريق العام، فقابلت شحاذًا يتكفف المارة، ووقفت قليلًا ترقب هذا الشحاذ, فإنك تجد لفائف كثيرة على ساقه اليمنى، ولفائف أخرى على ساقه اليسرى، ثم أخذت تلاحظ هذا

стр. 425

الشحاذ عن قربٍ دون أن يشعر, حتى ابتعد عن زحام الناس, وأخذ يفك لفائفه وهو آمنٌ، فإذا هذه اللفائف تحتوي على عدد كبير من الأوراق المالية! وهنا حدثتك نفسك بأن تكتب عن هذا الشحاذ, وتحكي قصتك معه عن النحو المتقدم، وتقرن ذلك بالصور التي لا بد من التقاطها. في هذه الحالة يعتبر حديثك عن هذا المتسول وحده "تقريرًا مصورًا", أما إذا تجاوزت ذلك إلى الحديث عن مشكلة التسول في ذاتها، ودراسة هذا الموضوع من جوانب متعددةٍ؛ لكان هذا النوع من الحديث تحقيقًا صحفيًّا. ومن الأمثلة الرائعة لفن "الريبورتاج" تقرير مصور نشرته الأهرام يوم ١٠/ ١٢/ ١٩٦٢ بعنوان: "إجازة ١٩ ساعة لمسجون أمضى ١٣ سنة في ليمان طره". ومهما يكن من شيءٍ, فيجب العدول عن اعتبار التقرير بصوره المعروفة, وهي: "الحديث الصحفيّ، والتحقيق الصحفيّ، والماجريات الصحفية" ضمن المقال، فالمقال عبارة عن إنشاءٍ لا حظَّ له من الطول، وليس من الضروريّ أن يتصف بالعمق أو بالإحاطة التامة بالموضوع، على حين أن التحقيق الصحفيّ وهو أحد الفنون الثلاثة من فنون التقرير, يطول كثيرًا, ويتعمق فيه الكاتب كثيرًا، وبذلك يبعد التحقيق عن المقال في طبيعته التي اتضحت لنا من تعريفه فيما سبق.
следующие страницы →