أوضحنا ذلك في فصل من فصول الكتاب الثاني من كتب هذا البحث، وعنوانه: "الطرائف".
المقرر الكبير, ومكانته في الصحافة الحديثة:
الحق أن المقرر الكبير يعتبر قوةً كبيرةً من قوى الصحافة الحديثة, وعلى أيدي المقررين الكبار تجري أنواع من البطولات والمغامرات, لا تَقِلُّ عن مغامرات المخترعين وكبار العلماء، ومن هذه المغامرات -على سبيل المثال - مغامرة "ستانلي" الذي أرسلته صحيفة "نيويورك هارولد" للبحث عن "لفنجستون" أدت إلى القيام بتقرير صحفيٍّ غريب, أثار آنذاك إعجاب العالم أجمع، فقد كان "ستانلي" صحفيًّا ورحالةً في آنٍ واحدٍ, وفي أكتوبر سنة ١٨٦٩, كلفه مدير "النيويورك هرالد" بالبحث عن "لفنجستون" في أفريقيا الاستوائية, بعد أن انقطعت أخباره ثلاث سنوات، ووصل "ستانلي" إلى زنزبار في يناير سنة ١٨٧١, وتوغل في قلب القارة السوداء، وعثر أخيرًا على "لفنجستون" في "أودجيجي" الواقعة على ضفاف بحيرة تنجانيقا، وزوده بالمؤن ثم كتب "ستانلي "إلى الصحيفة تقريرًا مثيرًا١.
"وفي أوائل مايو سنة ١٩٥٦ استطاع الصحفيّ المصريّ "إبراهيم عزت" أن يتخطى حدود إسرائيل، ويطوف مدنها, ويقف على حقيقة ما يجري فيها من أمور، ويمكث فيها أحد عشر يومًا, قابل في خلالها "دافيد بن جوريون" رئيس الوزراء، و"موسى شاريت" وزير الخارجية، و"جولدا مائير" وزيرة العمل، و"موشى ديان" قائد الجيش.
وقد استطاع "إبراهيم عزت" أن يحصل على تأشيرة من سفارة إسرائيل
стр. 422
بلندن, بعد أن أقنع المسئولين هناك بأنه صحفيٌّ برازيليّ من أصل عربي، واسمه: "جورج إبراهيم حبيب" يفهم العربية, ولكنه لا يكتبها، وأنه يقوم بجولة في منطقة الشرق الأوسط لزيارة الدول العربية وإسرائيل، ولكنه يخشى إن ظهرت على جواز سفره تأشيرة دخول إسرائيل, أن ترفض الدول العربية دخوله أراضيها.
وطار "إبراهيم عزت" من لندن إلى نيقوسيا، ومنها إلى "اللد" حيث كان في استقباله مدير المطار، ومندوب وزارة الخارجية، الأمر الذي أفزعه إذ ذاك، ولكن سرَّه لم ينكشف، وظلَّ يجوب مدن إسرائيل حيث مكث ثلاثةَ أيامٍ في تل أبيب وحيفا، ويومين في القدس وبير سبع، وزار المستعمرات الصهيونية على الحدود المصرية.
وفي كل لحظةٍ كان يقف على الأمور خلف الأسوار، ويطَّلِع على أدق الأسرار, وبعد أحد عشر يومًا عاد إلى قبرص, ومن هناك أبرق إلى "روز اليوسف" بتفاصيل رحلته إلخ"١.
أليس في كل ذلك ما يدل دلالةً واضحةً على المكانة التي يتمتع بها المقرر الكبير في الصحافة الحديثة، وما يدل كذلك على أن التقرير الصحفيَّ في ذاته صحافة من الدرجة الأولى لا من الدرجة الثانية؟
لقد سبق أن قلنا: إن الخلاف قائم بين العلماء في موضوع المقال الصحفيّ: أيعتبر فنًّا مستقلًّا بذاته من فنون الصحافة؟ أم يعتبر لونًا من ألوان الإعلام في هذه الصحافة كبقية الألوان الأخرى.
والرأي عندنا في ذلك أنه لا بد من الفصل بين هذه المواد التي هي:
стр. 423
الخبر، والمقال، والتقرير، فهذا الفن الأخير-وهو التقرير- وإن كان في الواقع يحمل صفة الإخبار، أو الإعلام، فإنه في نفس الوقت يكتب بطريقةٍ مخالفةٍ كل المخالفة للطريقة التي تكتب بها الأخبار، والاختلاف بين الخبر والتقرير في طريقة التحرير كافٍ عندنا للفصل بينهما، ودراسة الخصائص الفنية لكلٍّ على حدةٍ.
فلئن كانت القصة الإخبارية تجيب دائمًا عن الأسئلة الخمسة أو الستة المعروفة، وهي: من، وماذا، ولماذا، وأين، ومتى، وكيف، فالتقرير الصحفيّ كثيرًا ما يكتفي بالإجابة عن سؤال: لماذا أو كيف، ويقف عند هذا الحد.
ولئن كانت الإجابة عن سؤال "كيف" تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية في القصة الإخبارية، أي: أنها تجيء لمجرد التفسير في الفقرة الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة من صلب هذه القصة، فإن الإجابة عن سؤال "كيف" يلعب الدور الهام في التحقيق الصحفيّ -بنوع خاصٍّ- ويكاد يدور عليه هذا التقرير من أوله إلى آخره.
ولئن كانت القصة الإخبارية إنما تصاغ على شكل هرمٍ مقلوبٍ، فإن التحقيق الصحفيَّ بالذات -كالمقال الصحفيِّ- يتبع نظام الهرم القائم أو المعتدل، بمعنى أن الأجزاء التي هي أقل في الأهمية تأتي في بداية الكلام، ثم تتدرج الأجزاء الأخرى إلى أعلى شيئًا فشيئًا، حتى تصل في التقرير-كما تصل في المقال- إلى الذروة Climex، ويستثنى من ذلك في الماجريات: قضائية، وبرلمانية، وسياسية، كما سنرى ذلك في موضعه من هذا البحث.
ولئن كان الخبر الصحفيُّ لا يسمح لمحرره مطلقًا بإظهار شخصيته على نحوٍ ما؛ لأنه يتبع في تحريره أسلوبًا يشبه الأساليب العلمية ذات الصبغة الموضوعية، فإن التقرير الصحفيَّ من حديثٍ، وتحقيقٍ، وماجرياتٍ، يحمل
стр. 424
غالبًا طابع كاتبه، ويَنُمُّ عن شخصية محرره، ويدل عليه دلالة قوية، وذلك حتى في بعض الماجريات الدبلوماسية والدولية نفسها.
وكل هذه الفروق المتقدمة تجعل من حقنا أن نفصل فصلًا تامًّا بين التقرير الصحفيِّ وغيره من مواد الصحف، كما تجعلنا ننظر إلى فن التقرير على أنه فنٌّ مستقلٌ بذاته؛ له خصائصه التي يمتاز بها، وله أغراضه التي يسعى إليها، وله كتابه ومحرروه الذين تهيئوا للنبوغ فيه، وللتقرير -فيما قلنا- فنون أربعة، وهي:
١- فن الحديث الصحفيّ.
٢- فن التحقيق.
٣ فن الماجريات الصحفية.
٤- فن التقرير المصور "الريبورتاج".
وسنتحدث عن كل واحدةٍ من الفنون الثلاثة الأولى على حدةٍ، وسنعنى في أثناء ذلك "بالطابع المصريّ"، و "الشخصية المصرية" في فن التقرير، كعنايتنا بهما في الفنين السابقين، وهما الخبر والمقال.
نعم، يصح أن يضاف إلى هذه الفنون الثلاثة، فن التقرير المصور أو الريبورتاج، وهو عبارة عن تقرير صغير يمتاز بأشياء، منها:
١- الإيجاز في التعبير.
٢- الحديث عن شخصٍ بعينه, أو مكانٍ بعينه, أو ظاهرة بعينها.
٣- أن يكون هذا الحديث مقرونًا بالصور كلما أمكن ذلك.
خذ لذلك مثلًا: هب أنك مشيت في الطريق العام، فقابلت شحاذًا يتكفف المارة، ووقفت قليلًا ترقب هذا الشحاذ, فإنك تجد لفائف كثيرة على ساقه اليمنى، ولفائف أخرى على ساقه اليسرى، ثم أخذت تلاحظ هذا
стр. 425
الشحاذ عن قربٍ دون أن يشعر, حتى ابتعد عن زحام الناس, وأخذ يفك لفائفه وهو آمنٌ، فإذا هذه اللفائف تحتوي على عدد كبير من الأوراق المالية!
وهنا حدثتك نفسك بأن تكتب عن هذا الشحاذ, وتحكي قصتك معه عن النحو المتقدم، وتقرن ذلك بالصور التي لا بد من التقاطها.
في هذه الحالة يعتبر حديثك عن هذا المتسول وحده "تقريرًا مصورًا", أما إذا تجاوزت ذلك إلى الحديث عن مشكلة التسول في ذاتها، ودراسة هذا الموضوع من جوانب متعددةٍ؛ لكان هذا النوع من الحديث تحقيقًا صحفيًّا.
ومن الأمثلة الرائعة لفن "الريبورتاج" تقرير مصور نشرته الأهرام يوم ١٠/ ١٢/ ١٩٦٢ بعنوان: "إجازة ١٩ ساعة لمسجون أمضى ١٣ سنة في ليمان طره".
ومهما يكن من شيءٍ, فيجب العدول عن اعتبار التقرير بصوره المعروفة, وهي: "الحديث الصحفيّ، والتحقيق الصحفيّ، والماجريات الصحفية" ضمن المقال، فالمقال عبارة عن إنشاءٍ لا حظَّ له من الطول، وليس من الضروريّ أن يتصف بالعمق أو بالإحاطة التامة بالموضوع، على حين أن التحقيق الصحفيّ وهو أحد الفنون الثلاثة من فنون التقرير, يطول كثيرًا, ويتعمق فيه الكاتب كثيرًا، وبذلك يبعد التحقيق عن المقال في طبيعته التي اتضحت لنا من تعريفه فيما سبق.
стр. 426
فن الحديث الصحفيّ وأنواعه:
ليس صحيحًا ما يقال من أن فن الحديث الصحفيّ من ابتكارات القرن العشرين، وابتداع هذا القرن وحده، فالذي نعرفه من تاريخ الصحافة بانجلترا -على سبيل المثال- أن الصحفيّ الإنجليزيّ المشهور "ديفو Defoe" استطاع في القرن الثامن عشر أن يحصل على حديثٍ صحفيٍّ من قاطع طريق اسمه: "جاك شبرد "J. Shepherd"، وكان هذا قبيل تنفيذ الحكم عليه بالإعدام شنقًا ببضع دقائق.
بل إن الأستاذ "ولزلي" في كتابه "Exploring Journalism" يرى أن حوار أفلاطون يعتبر نوعًا من الأحاديث، ذلك أن الأسئلة التي وجهت إلى سقراط حينًا، وإلى غيره من أصدقاء أفلاطون وتلاميذه حينًا آخر، كانت تحمل في طيَّاتِهَا صفات الحديث الصحفيّ، ومثل ذلك كثير من أخبار الأدب العربيّ في قصور الخلفاء والأمراء، حيث كان الحوار يدور بينهم في مسائل شتَّى، وموضوعات متباينة.
ولئن دلت هذه الآراء وأمثالها على شيء, فإنما تدل على حقيقةٍ واحدةٍ فقط، وهي أن في النفس البشرية منذ نشأتها ميلًا أصيلًا, ونزوعًا شديدًا إلى معرفة أحوال الغير، والوقوف على جميع أسرارهم كلما أمكن ذلك، وفي الأحاديث الخاصة من أي نوع كان، ما يشبع هذا الميل نفسه إشباعًا كبيرًا.
ولهذا الفن، من فنون الصحافة، أهميةً خاصةً، فالأصل فيه، أن القارئ لا يمكنه أن يشاهد مكان الحادث الذي يهمه ليقف بنفسه على
стр. 427
حقيقة الأمر فيه، ومن ثَمَّ وجب على الصحافة أن تقوم له بذلك عن طريق مخبريها، فيذهب أحدهم إلى مكان الحادث، وتكون مهمته توجيه الأسئلة إلى شهود العيان، وبهذه الطريقة يقف القارئ على الحقيقة، على أنه ليس من الضروريّ في كل حالةٍ أن تنشر الأحاديث الصحفية على شكل أسئلة وأجوبة، فربما كان في نشر المعاني نفس القيمة الخبرية التي للأسئلة والأجوبة.
وفي بيان أهمية الحديث الصحفيّ يقول الأستاذ "إميل لودفيج" ما يلي: "يعتبر الحديث الصحفيّ من ألمع الفنون الصحفية في الوقت الحاضر، ومن أكثرها استهواءً للقارئ، وقد تظن أن الحديث الصحفيّ لا يزيد على كونه مجرد تسجيلٍ لمناقشةٍ، أو حوار دار بين طرفين, غير أن حقيقة الأمر هي أن الحديث الصحفيّ أهم من ذلك؛ لأنه يتطلب قدرًا كبيرًا من المهارة والتفنن، ويحتاج إلى توفر صفات من نوعٍ خاصٍّ في المخبر الصحفيّ.
والواقع أن الحديث الصحفيّ محبب إلى نفوس القراء، فكما أنه يسر كل إنسان أن تتاح له فرصة التحدث إلى شخصية كبيرة لها مكانتها في الحياة العامة، فكذلك يرحب الناس عادةً بالإطلاع على ما تصرح به مثل هذه الشخصيات لمندوب الصحيفة الذي يقوم بنقل هذه التصريحات إليهم.
وتزداد أهمية الحديث الصحفيّ تبعًا لأهمية صاحبه، ومدى شهرته، ولكن ليس معنى ذلك أن الحديث الصحفيّ لا يؤخذ إلّا من المشهورين البارزين في المجتمع وحدهم، فقد تكون الأحداث المثيرة التي تقع لبعض المغمورين من الناس سببًا في الاهتمام الشديد بأحاديثهم وتصريحاتهم، وخاصةً حين تكون مادة الحديث متصلة أشد الاتصال بموضوع من موضوعات الساعة.
فحين يتحدث المحضر "عثمان أبو الحسن حمودة" قاتل "وداد حمدي".
стр. 428
أو تتحدث ابنتها "أشجان" إلى مندوب الصحيفة بعد وقوع الحادث، والإخبار عنه بالفعل، فإن هذه الأحاديث تستهوي الجمهور القارئ أكثر مما يستهويه حديث آخر عن استقالة "خروشوف" في روسيا, أو مجيء "تشومبي" من الكونغو إلى بلد من بلاد الشرق الأوسط.
والخلاصة: أن للحديث الصحفيّ -بالمعنى الذي تقصد إليه الصحيفة- ثلاث وظائف:
أولاها: أنه خير معينٍ للصحيفة على كتابة القصص الإخبارية التي لا مكان لها في الواقع غير الصحف.
الثانية: أنه من أنجح الوسائل لعرض وجهات النظر، ومحاربة الشائعات الضارة بالمجتمع.
الثالثة: أنه من أنجح الوسائل كذلك لتعريف الجمهور بالشخصيات الممتازة لذواتها، أو الشخصيات التي أضفت عليها الحوادث نوعًا من البروز المؤقت في المجتمع.
وإذ قد فرغنا من الكلام عن أهمية الحديث الصحفيّ, فإننا ننتقل من ذلك إلى الكلام عن:
أنواع الحديث الصحفي:
توشك أن تنحصر الأحاديث الصحفية في الأنواع الخمسة الآتية:
١- حديث الخبر "أو الحقائق". Information interview
٢- حديث الرأي.Opinion interview
٣- حديث المعلومات والتسلية والإمتاع. Feature Interv
٤- حديث الجماعات.Group interview
٥- حديث المؤتمرات الصحفية.Press Conference
стр. 429
وفي كل نوعٍ من الأنواع الخمسة المتقدمة, لا بد من مراعاة الشروط التي روعيت في الخبر الصحفيّ من حيث هو، وهذه الشروط أو الخصائص المطلوبة هي:
١- الجدة من حيث الزمان Timelimess
٢ القرب من حيث المكان proximity
٣ الضخامة "وهي اتصال الحادث بأكبر عدد من الناس" Mahnitude
٤- قوة الدلالة Significance
٥- سياسة الصحيفة Policy
ومعنى ذلك: أن على المخبر الصحفيّ أن يحقق هذه الشروط الخمسة عندما يشرع في كتابة الحديث الصحفيّ، ولكن كيف نميز -أولًا- بين هذه الأنواع الخمسة السابقة؟ وكيف نعالج كل نوع منها على حدة؟ ذلك ما نحاول الإجابة عنه فيما يلي:
أولًا: حديث الخبر أو الحقائق
والغرض منه في الواقع هو جمع الأنباء، واستقضاء المعلومات حول حادثٍ معينٍ، والرجوع في ذلك -ما أمكن- إلى الأشخاص الذين رأوا بأعينهم هذا الحادث المعين، أو اشتركوا فيه وقت وقوعه، وهنا يجب التنبيه إلى أن المطلوب من الصحفيّ في هذه الحالة, إنما هي الأنباء أو الحقائق أو المعلومات، وليس المطلوب هو الآراء أوالاتجاهات أو وجهات النظر المختلفة, ونحو ذلك.
وفي هذا يقول الإنجليز: إن القصد من هذا النوع من الحديث هو الحصول على ما يعبر عنه بينهم بهذه العبارة "NEWS NOT VIEWE".
هب أن الصحيفة أرادت أن تعرف سياسة الحكومة في التموين, في وقت
стр. 430
من الأوقات، فإنها في هذه الحالة تبادر بإرسال مندوبيها إلى وزير التموين نفسه، أو وكيل الوزارة نفسه، أو مدير العلاقات العامة بالوزارة؛ لكي تستقي منه الحقائق المتعلقة بالسياسة التموينية، وخطة الحكومة في تيسير السلع، وخفض الأسعار, ونحو ذلك.
غير أن الناس قسمان: منهم من يحبون الإدلاء بالمعلومات، ويميلون بطبعهم إلى شرح ما أجروه من التجارب، وما وصلوا إليه من النظريات.
ومنهم من يترددون كثيرًا في الإدلاء بمعلوماتهم، ويخشى أحدهم أن يجره التصريح بهذه المعلومات إلى القضاء، أو يعرضه لسؤال الحاكم، أو يفسد عليه حياته الخاصة في داخل الأسرة، أو حياته العامة في مكان العمل، أو خارجه، وخاصةً عندما تكون المعلومات مما يخل بالشرف.
على أن شاهد العياد -ما دام إنسانًا- لا يمكن أن تكون معلوماته دقيقة بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة؛ لأن الحوادث تأخذه على حين غرةٍ، ويتبع بعضها بعضًا بغاية السرعة، فلا يستطيع أن يعرف ماذا حدث بالدقة، ومن هنا يأتي تردده عند ما يطلب إليه الإدلاء ببعض المعلومات الهامة.
وثَمَّ طائفة ثالثة من الناس لايحبون أن تسلط عليهم الأضواء؛ لأنها تكشفهم للملأ، وتعرض حياتهم نفسها للخطر، ومن هؤلاء: المشعوذون، والمجرمون، والدجالون، ورجال العصابات، وتجار المخدرات، والقتلة السفا كون، وبعض الساسة وغيرهم، وكل هؤلاء لا يحبون أن يتحدث عنهم الناس، حتى لا ينكشف سرهم، ويقف الناس على حيلهم وأفكارهم ومقاصدهم.
بل إن بعض الساسة، والمسئولين من رجال الأعمال، وأصحاب المشروعات قد لا يحبون أن يكشفوا عن أوراقهم, أو يبوحوا بأسراراهم, إلّا في الوقت المناسب، علمًا منهم بأن التعجيل بهذا الكشف قد يفسد
стр. 431
خططهم، ويزيد في تعقيد أمورهم, وهم حريصون على أن يكونوا بمأمنٍ من كل هذه الأشياء.
نرى الواحد من هؤلاء الساسة، ورجال الأعمال لا يجب مطلقًا أن يطرق والحديد بارد، كما يقول الإنجليز، ونرى له حاسةً سياسيةً دقيقةً يعرف بها متى تكون "اللحظة السيكلوجية" التي يكشف فيها عن أوراقه، ويعرض فيها آراءه، ويبسط فيها مشروعه، لكي يضمن ترحيب المسئولين والشعب بهذا المشروع.
وفي كل حالةٍ من الحالات المتقدمة تكون مهمة المخبر الصحفيّ صعبةً كل الصعوبة، ولا يكون من السهل عليه في الحقيقة أن يحصل للصحيفة على حديثٍ يمكن أن ينير الطريق للقراء.
стр. 432
ثانيًا: حديث الرأي
إن الصحيفة في هذا النوع الحديث بالذات, تهتم كذلك بالحصول على آراءٍ ذوي الخبرة والاختصاص في موضوعٍ له أهميته في المجتمع.
ومن الأمثلة عليه حديثٌ لعضوٍ بارزٍ في مجلس النواب, عن مشروع يزمع البرلمان إقراره، أو حديثٍ مع وزير التربية والتعليم عن سياسةٍ جديدةٍ يريد إنتهاجها والسير عليها، أو حديث مع رئيس الجمعية الطبية المصرية عن موضوع تأميم الطب، وفي هذا النوع من الأحاديث يكون لآراء المختصين والفنيين وزن كبير، وخطر جليل.
والناس بالقياس كذلك إلى هذا النوع من أنواع الحديث الصحفيّ فريقان: فريق يميل إلى الشهر ويتعطش إليها، فهو يسارع إلى الإدلاء بكل بيانٍ، بمناسبةٍ وبغير مناسبةٍ، وهو يدعي العلم بما يعرف وما لا يعرف. يتكلم في السياسة وفي الدين، وفي الأخلاق، وفي الأمن، وفي الإدارة، وفي الفنون، وفي العلوم، وفي كل شيءٍ، ومثل هذا الفريق من الناس ينبغي الاحتراس من معلوماتهم وآرائهم؛ لأنها دون شكٍّ آراء تمتزج فيها الحقيقة بالخيال، والجد بالهزل.
وفريق آخر من الناس قد يكونون مشغولين بأعمالهم على الدوام، وقد يكونون من الذين يترددون في الإدلاء بمعلوماتٍ من أي نوعٍ كان، وفي كلتا الحالتين ينبغي للصحفيّ أن يقدِّرَ الموقف حق قدره، وينبغي له في الحالة الأخيرة بنوعٍ أخصٍّ أن يحدد الأمر تحديدًا واضحًا للمتحدث، حتى يحصر محدثه في الموضوع -إن كان من الخياليين الحالمين- أو يخرج المحدث من الشك إلى اليقين، ومن الخوف إلى الأمن إن كان من المترددين المرتابين، وعلى المخبر أن يقنع هذا وذاك بأن في نشر حديثهما فائدة محققة للرأي العام.
стр. 433
وقد يحدث أحيانًا أن يصرَّ المتحدث على ألّا ينشر اسمه مقرونًا بالحديث، وحينذاك لا يجوز للصحفيّ أن ينشر اسمه، بل يكتفي بأن يقول: عن مصدرٍ مسئولٍ, أو شخصيةٍ كبيرةٍ، أو عن مصدرٍ لا يرقى إليه الشك، ونحو ذلك.
ومن الخطر على الصحيفة دائمًا أن يعد مخبرها بأنه أن ينشر هذا الجزء أو ذاك من الحديث، أو بأنه لن ينشر اسم صاحب الحديث، ثم لا يفي بما وعد، وتلك جريمة صحفية يعاقب عليها القانون، ثم إنه لا غنى للصحفيّ كذلك في حديث الرأي عن مراعاة التوازن بين الآراء المؤيدة، والآراء المعارضة، وخاصةً إذا كان الحديث متصلًا بأمرٍ من أمور السياسة، أو الاقتصاد، أو التعليم، ونحو ذلك من المرافق الخطيرة في الدولة.
ولا ينسى الصحفيّ مع كل هذا سياسة الصحيفة, بل يجب عليه دائمًا أن يضعها نصب عينيه في الأحاديث الصحفية بوجهٍ عامٍّ، وحديث الرأي منها بوجهٍ أخصٍّ.
ثالثًا: حديث التسلية والإمتاع
إذا كان الغرض من حديث الخبر والحقائق هو الإعلام، وكان الغرض من حديث الرأي هو التوجيه والإرشاد, فإن الغرض من هذا النوع الثالث -كما يؤخذ من اسمه- هو التسلية والترفيه عن القراء, وعلى ذلك, فالمهم في هذا النوع الثالث ليس ما يقال، ولكن كيف يقال؟
والمتحدث في هذه الحالة هو المحرر نفسه؛ إذ الغرض الأساسيّ في الواقع هو تصوير شخصية اعتدت بما فيها من طرافة أو غرابة، أو تعقيد، أو بساطة، ولذلك يعني المخبر الصحفيّ بنبرات الصوت، وحركات المحدث، وتعبيرات الوجه، ولون الملابس، وطريقة الجلوس، وما إلى ذلك كله.
стр. 434
وباختصارٍ: يهتم المخبر الصحفيّ في هذا النوع من الحديث بشخصية المتحدث، وفلسفته في الحياة أكثر مما يهتم بنوع اختصاصه، أو بنوع تجاربه وخبراته، وإذا عرض لشيءٍ من ذلك, فإنما يكون من أجل تصوير شخصيته أكثر من الاهتمام بما يصدر عنها من رأي.
ومن الأمثلة على هذا النوع من الأحاديث مقابلةٌ بين صحفيٍّ وممثلٍ عالميٍّ زار مصر لأول مرة في حياته، أو مقابلة بينه وبين شخصية عالمية مرموقة في السياسة، كشخصية "روزفلت"، أو "ترومان"، أو "ستالين" في زيارتهما لمصر كذلك لأول مرة، ومن أمثلة ذلك أيضًا ظهور شخصية أدبية بمصر على حين غرة، كشخصية "برناردشو"، أو شخصية ذات صبغة دينية كشخصية، "أغا خان" ومن الأمثلة على ذلك أيضًا تعيين وزير جديد في الوزارة, يريد الجمهور أن يعرف شيئًا عن ماضي حياته، ومنها كذلك ما أقدمت عليه صحيفة "الأهرام" يومًا من عرض لشخصية المحامية الزنجية الأمريكية التي زارت مصر، وكان ذلك في عددها الصادر في ٤/ ٥/ ١٩٤٥, ونحو ذلك.
رابعًا: حديث الجماعة
هناك طريقتان لحديث الجماعة:
الأولى: أن يختار الصحفيّ جماعةً معينةً من العمال، أو الفلاحين، أو من المدرسين، أو المحامين، أو المهندسين، ويوجه إليهم سؤالًا واحدًا لا يتغير، ويحصل منهم على الإجابة، وبهذه الطريقة يستطيع الصحفيّ أن يخرج بصورةٍ صادقةٍ لقطاعٍ معينٍ في مساحة الرأي العام, وظاهر من هذه الطريقة أنها قريبة الشبه بالإحصاء أو بالاستفتاء، وأنها غالبًا ما تستخدم في البحوث الاجتماعية، وتهتم بها الصحافة في أوقات خاصة كالأوقات التي تسبق الانتخابات العامة، أو الأوقات التي تسبق التغيرات السياسية المنتظرة، ونحو ذلك.
стр. 435
والثانية: هي أن يسأل الصحفيّ طائفةً من المتخصصين في فنٍّ من الفنون، أو علم من العلوم, ذات الصلة الوثيقة بمشكلةٍ من المشكلات التي تهتم الصحيفة ببحثها, والوصول فيها إلى حلٍّ.
خذ لذلك مثلًا: مشكة تحديد النسل، ففيها يستطيع الصحفيّ أن يسأل رجال الدين، ورجال الطب، والإخصائيين الاجتماعيين، وعليه أن يجمع آراءهم كلها في صعيدٍ واحدٍ، ومن حقه أن يضيف إليها آراء الأطباء، ورجال الدين، ورجال الاجتماع في البلاد الأخرى.
وتسمى هذه الطريقة الثانية بطريقة: "النادي", وتحتاج من الصحفيّ إلى ثقافةٍ واسعةٍ من جهةٍ، ومهارةٍ متفوقةٍ في فهم آراء المختصين، والقدرة على عرضها من جهةٍ ثانيةٍ.
خامسًا: حديث المؤتمرات
تهتم الصحافة دائمًا بالحصول على أحاديث من المسئولين, سواء أكانوا وزراء، أم رجال أعمال, ونحو ذلك.
والطريقة المتبعة هي أن يجمع الوزير، أو الرجل المسئول, ممثلي الصحف المقيمين معه في مكان واحد، ويحدد لهم وقتًا للاجتماع، ثم يدلي إليهم مجتمعين بحديثه، وبعد ذلك يجيب عن الأسئلة التي توجه إليه منهم.
وفي البلاد الراقية تتبع طريقة المؤتمرات الدروية، كتلك التي تقام في "واشنطن" بالبيت الأبيض، حيث يدلي رئيس الجمهورية, أو من يقوم مقامه بحديث للصحف.
وهناك في نفس الوقت مؤتمرات صحفية تحتاج إليها الحكومات
стр. 436
لتفسير موقف لها أو معاهدة تعقدها، أو مشكلة تريد عرضها على الشعب، أو تغيير هام في الدستور يرى المصلحة في إجرائه.
وفي هذا النوع الأخير بالذات -وهو حديث المؤتمرات- لا تنفرد بنشر الحديث صحيفة دون أخرى.
وهذا وذاك, يدعونا إلى الكلام عن المراحل التي تتبع عادةً في الحصول على الحديث الصحفيِّ على النحو الذي نراه في الفصل التالي:
стр. 437
مراحل إعداد الحديث الصحفيّ، ونموذج له:
يقول الأستاد "كلايتون" في موضوع فن الحديث الصحفيّ ما مؤداه:
"إن على المخبر أن تكون له صفات البائع، فهو مضطرٌ إلى أن يذيب شخصيته في شخصية محدثه، وتلك صفة ضرورية لا يقصد بها إلّا الإقناع وحده فقط، ولكنها ألزم ما تكون في الحقيقة لإيجاد المشاركة الوجدانية بينه وبين المتحدث، ونحن نعلم أن الطبيعة البشرية تجعل الناس يميلون إلى التبسيط في الحديث بحريةٍ وصراحةٍ مع أولئك الذين يشاركونهم عواطفهم ومذاهبهم, أكثر من أولئك الذين يعارضونهم معارضةً ما في كل ذلك، أو يقيمون من أنفسهم أوصياء على فكرةٍ معينةٍ، أو رأيٍ معينٍ".
وعلى هذا تقوم مشكلتان في وجه المخبر الصحفيّ الذي تكلفه الصحيفة بالحصول على حديثٍ ما:
الأولى: كيف يمكنه الاتصال بالشخص الذي يريد أن يتحدث إليه؟
والثانية: كيف يتمكن من استدراجه للتحدث بحريةٍ تامةٍ في موضوع يعده النشر؟
والحق أنها مهمة دقيقة تلك التي يقوم بها الصحفيّ في هذه الحالة، غير أنها تتم غالبًا على مراحل, أهمها ما يلي:
أولًا: مرحلة الإعداد للحديث الصحفيّ
وتنقسم هذه المرحلة نفسها إلى ثلاث خطوات، هي:
стр. 438
أ- خطوة الوقوف على أكبر قدر ممكن من المعلومات الخاصة بشخصية المتحدث.
ب- خطوة الدراسة المستوفاة لموضوع الحديث من حيث هو.
جـ- خطوة الإعداد لطائفةٍ من الأسئلة التي تلم بأطراف الموضوع لكي يجب عنها المتحدث، بقدر المستطاع.
أما دراسة شخصية المتحدث، والوقوف على أكبر قدرٍ ممكنٍ من المعلومات الخاصة بذلك, فإنها من ألزم الأشياء التي يتوقف عليها نجاح المخبر الصحفيّ، أو هي شرطٌ هامٌّ في نجاح مهمته, فعليه إذن أن يدرس هذه الشخصية التي وقع عليها اختياره، وأن يتعرف ما أمكنه على ميولها وطباعها، بل خيرٌ له في هذه الحالة أن يكشف بنفسه عن بعض ما تميل إليه هذه الشخصية من هوايات, وكثيرًا ما يستعين الصحفيّ على ذلك بقصاصات الصحف والمجلات، وأقوال الأصدقاء، والمعارف، والأقرباء, والمعجبين، وأحيانًا يصل إلى ذلك عن طريق الكتب التي تنسب إلى هذه الشخصية، أو الآراء التي عرفت بها في المجتمع، ويبالغ "أميل لودفيج" في ذلك, فيوجب على المخبر الصحفيّ أن يحصل على صورة شمسية للمتحدث يطيل النظر فيها، ويدرسها جيدًا قبل الذهاب إليه لأخذ الحديث.
وثَمَّ نقطة هامة تتصل بهذه المرحلة أيضًا, هي اختيار المكان المناسب لأخذ الحديث، فبعض المتحدثين يجدون حرجًا في التحدث إلى المخبرين الصحفيين بالمكاتب الرسمية، ويؤثرون التحدث إليهم في المنزل, وآخرون على العكس من ذلك.
أما دراسة موضوع الحديث, فإنها تتطلب من المخبر الصحفيّ أن يزوِّدَ نفسه بأكبر قدر ممكن من البيانات والمعلومات عن هذا الموضوع بالذات، فليس يشجع المتحدث على الحديث إلّا إحساسه بأن الذي يخاطبه
стр. 439
متحمسٌ لموضوعه، عارفٌ بدقائقه وأهدافه، مُلِمٌّ بجوانبه وأطرافه، وإذ ذاك ينسجم المتحدث مع مندوب الجريدة، وينطق معه في الحديث انطلاقًا تامًّا.
وأما خطوة إعداد الأسئلة فهي ضرورية كذلك لنجاح الحديث الذي يريد الحصول عليه، ومتى كان مندوب الجريدة دارسًا لموضوع الحديث على النحو المتقدم, فإنه يستطيع أن يضع الأسئلة الصحيحة التي يتوجه بها إلى المتحدث.
ومع هذا وذاك, ليس على المخبر الصحفيّ أن يتقيد بهذه الأسئلة التي يضعها, وإلّا فسدت خطته، ذلك أن أسئلة الصحفيّ ليست إلّا مرشدًا له فقط، والصحفيّ الناجح هو الذي يقدر على تكييف نفسه بظروف الحديث وبشخصية المتحدث، إن الأمر إذن متروكٌ لحسن تصرف الصحفيّ، وقدرته على مواجهة الموقف.
ثانيًا: مرحلة قيادة الحديث:
إن هذه المرحلة تتخذ ثلاث خطواتٍ أيضًا، هي:
أ- خطوة استهلال الحديث.
ب- خطوة توجيه الأسئلة للحصول على أكبر قدر ممكن من البيانات الخاصة بهذا الحديث.
جـ- خطوة المراجعة.
فأما من حيث الخطوة الأولى, فإنها تعتمد على ذكاء الصحفيّ، وحسن اختياره كذلك، فقد يبدأ هذا الصحفيّ حديثه عن صورةٍ جميلةٍ وجدها معلقة على الحائط، أو تحفة فنية وضعت على المنضدة، أو كلمة رائعة، أو شعار جميل، أو مثل حكيم وجده مكتوبًا على المكتب، أو عنوان جذاب لكتاب حديث وجده بين الكتب المرصوصة أمامه، وهكذا.
стр. 440
ومن هذه البداية يستطيع الصحفيّ أن يتطرق إلى هواية المتحدث, ثم من هذه الهواية يصل غالبًا إلى موضوع الحديث.
وتأتي بعد ذلك خطوة توجيه الأسئلة، وإذ ذاك ينبغي للمخبر الصحفيّ أن يلوذ بالإصغاء التام لمحدثه، وهنا ملاحظة قد تؤخذ على بعض المخبرين الصحفيين, وهي أن أحدهم قد يأتي لزيارة شخصية كبيرة، ويمطرها وابلًا من أسئلته، ثم ينزلق المخبر نفسه في إذاعة ما يعرفه من الأخبار، وينساق في الحديث انسياقًا ينسى معه مهمته، كل ذلك والشخصية التي أتى لزيارتها تصغي إليه، وقد تجد في طريقته هذه تخلصًا تخرج به من موضوع الحديث متى أمكن ذلك!
وثَمَّ خطأٌ آخر يقع فيه المخبر الصحفيّ أحيانًا، وهو حرصه على أن يكتب كل كلمة تخرج من فم محدثه، فيصرفه ذلك على حسن قيادة الحديث، ويشعر محدثه بأنه مدرس، أو محاضر في حجرة الدرس أو المحاضرة.
والمهم في توجيه الأسئلة ألَّا تصاغ بطريقةٍ تكون الإجابة عنها بلفظ "نعم" أو "لا" فإذا سألت محدثك: هل تظن أن سياسة التعليم الجديدة ستأتي بالثمرة المرجوة؟ فإن الإجابة في هذه الحالة ستكون: "نعم" أو "لا"، أما إذا سألت محدثك: ما هي العوامل التي تراها في نظرك مساعدة على نجاح السياسة الجديدة في التعليم؟ فإن ذلك يكون أدعى إلى التفكير في هذه العوامل.
على المخبر الصحفيّ إذن أن يجتهد في تحديد أسئلته حتى تكون الإجابة عليها واضحة ونافعة، وهنا يقول الأستاذ "إميل لودفيج".
"ليس المهم مقدار ما يقوله المتحدث، بل كيفية الإجابة، وطريقة انفعال المتحدث بأسئلة المندوب الصحفيّ".
وباختصار: ينبغي للمخبر الصحفيِّ دائمًا أن يذكر الأسئلة التقليدية الستة:
стр. 441
ماذا؟ لماذا؟ من؟ متى؟ أين؟ كيف؟ فإن الإجابة عنها تلم غالبًا بالموضوع من جميع جوانبه.
ثم تأتي خطوة "المراجعة"، وهي من الخطوات الشاقة المرهقة لمندوب الجريدة، ففيها يحرص المندوب على مراجعة ما فهمه من الحديث، وتصحيح ما جاء به من أخطاء، وذلك في الأسماء، أو في التواريخ، أو في الأرقام أو في الأحكام.
ومعلوم أن الصحفيَّ إنما يثبت في أوراقه أقل قدرٍ ممكنٍ من المذكرات والبيانات في أثناء الحديث, حتى لا يضيق به المتحدث، ذلك أن مهمة الصحفيّ الناجح هي في أن يحصر مجهوده في تهيئة ذاكرته قبل تهيئة مذكراته، لتستوعب هذه الذاكرة أكثر ما يمكن من التفصيلات التي يبادر إلى تدوينها فور الانتهاء من الحديث، وإذ ذاك يستطيع الصحفيّ أن يستوثق من بعض المعلومات، أو التفصيلات التي يشك فيها، وذلك قبل الانصراف من حضرة محدثة، ويجوزله أن يعود عليه السؤال بعد ذلك عن بعض هذه المعلومات أو التفصيلات متى رأى ضرورة لذلك.
وأخيرًا تأتي المرحلة الأخيرة من مراحل أخذ الحديث، وهي:
ثالثًا: مرحلة صياغة الحديث
هنا ينبغي للصحفيّ أن يتوخى الدقة والأمانة والصدق في كتابة الحديث، وقد كانت الصحافة في الماضي - حرصًا منها على ذلك- تنشر الأسئلة والأجوبة نشرًا حرفيًّا دقيقًا، ولكن الصحافة الحديثة عدلت عن هذه الطريقة، ووجدت فيها ما يبعث على الملل والسآمة، فاستعاضت عنها بطريقة: "القصة الإخبارية" واتخذتها قالبًا فنيًّا لصياغة الحديث، وعاملته معاملة الخبر في ذلك، ونحن نعرف أن هذا القالب الفنيَّ من قوالب الصباغة يتألف عادةً من جزئين هما:
стр. 442
"الصدر LEAD": وهو ما يحتوي على أهم نقط الحديث, مع تصويرٍ حذَّابٍ لشخصية المتحدث بقدر الإمكان.
و"الصلب BODY": وفيه الأسئلة والأجوبة، وذلك بطريقة الأسلوب المباشر حينًا، والأسلوب غير المباشر حينًا آخر.
وفي صلب الحديث, لا يجد المحرر الصحفيّ غنًى عن عنصر "الوصف", وكثيرًا ما يكون ذلك من العناصر التي تجذب القارئ؛ لأن الوصف كثيرًا ما يضفي على الحديث نضارةً وحيويةً، وبه يستطيع المحرر الصحفيُّ أن يخرج قليلًا من جوِّ الأسئلة والأجوبة إلى جوٍّ كله طرافة وإمتاع وتسلية، والمهم في كل ذلك أن يكتب الحديث بطريقة تَنُمُّ عن شخصية المتحدث نفسه، أو صاحب الحديث، ويكشف عن آرائه ونزعاته وأفكاره واتجاهاته، ولا يكون ذلك إلّا عن طريق الأوصاف التي تتخلل الحديث، فإذا به نابض بالحياة، موضح لوجهة نظر المتحدث توضيحًا تامًّا، وبهذه الطريقة وحدها يستطيع المحرر أن يسلط جميع الأضواء على شخص محدثه.
ومهما يكن من شيءٍ, فإن لكل نوع من الأنواع السابقة للحديث الصحفيّ طريقته الخاصة في الأداء:
١- ففي حديث الحقائق أو الأخبار يحصر المحرر عنايته في الحقائق الهامة في نظر القارئ، معبرًا عنها بأسلوبٍ تقريريٍّ مباشر، يأتي بعده تلخيص دقيق لهذه الحقائق، وإذا ما كانت شخصية صاحب الحديث مجهولة للجمهور، أو كانت أهميتها مقصورةً على كونها المصدر الوحيد للحقائق التي يتضمنها الحديث، ففي هذه الحالة تسلط الأضواء على الحقائق، ولا تسلط على المتحدث.
مثال ذلك الحديث الصحفيّ حول تنفيذ مشروعات السد العالي، والسكك الحديدية، ومصانع الصلب والسماد, إلخ.
ففي المثال الأول, وجدنا الأهرام، بتاريخ ٥/ ٥/ ١٩٥٥, تعنى ببيان
стр. 443
المبالغ التي يتطلبها المشروع، والخطط التي رسمتها الحكومة لذلك، وأغفلت تمامًا ذكر الأسماء التي استقت منها هذه المعلومات، والبيانات، والتفصيلات, ونحو ذلك.
٢- وفي حديث الرأي, ينبغي أن تعنى المقدمة أو "الصدر" بإيراد الرأي الذي صرح به المتحدث، وكثيرًا ما يكون اسم صاحب الحديث من ألزم الأمور في الأحاديث التي من هذه النوع.
ففي موضوع: "جواز إفطار المسلم الصائم في رمضان" أو موضوع "حق المرأة في الانتخاب" ونحو ذلك ينبغي أن نذكر الأسماء في صراحة وجلاء، أما إذا كان الموضوع يختص بتغيير نظام من أنظمة التعليم، أو نظام من أنظمة القضاء أو الإدارة، أو التموين، فيكتفي في ذلك بذكر العبارات العامة، كأن تقول: "صرح وزير التربية والتعليم، أو وزير العدل بكذا، أو صرح كبير مسئول في وزارة التربية والتعليم، أو وزارة العدل بكذا" وهكذا، وكثيرًا ما ينسب الحديث الصحفيّ في هذه الحالة إلى الهيئات العامة، وهكذا، والمجالس الكبرى "كالمجلس الأعلى للجامعات" أو "المجلس الأعلى للتعليم"، أو "مجلس الخدمات" ونحو ذلك.
وتستخدم بعض الهيئات لهذا الغرض موظفا يطلق عليه اسم مدير العلاقات العامة، وتكل إليه في بعض الأوقات مهمة الاتصال بمندوبي الصحف، وإمدادها بما تحتاج إليه من البيانات الصالحة للنشر بالصحيفة. وكثيرًا ما ينوب هذا الموظف الخاصة عن رئيسة في الوزارة، ومع هذا وذاك, فإن المقابلات الشخصية لرئيس العمل تكون أجدى نفعًا، وأوقع أثرًا، وأقدر على تصوير الرأي.
٣- وفي حديث المعلومات, أو التسلية والإمتاع, يحصر المحرر اهتمامه في المعلومات والحقائق ذات الطابع الإنسانيّ، وإذا ذاك يجتهد المحرر عادةً في أن يهيئ الجو المناسب للقصة الإخبارية، أو الحديث الصحفيّ الذي من
стр. 444
هذا النوع، وبعبارةٍ أخرى يقيم مسرحًا مناسبًا لهذه القصة، ثم يدعو محدثه للوقوف على هذا المسرح، والتحدث منه إلى جمهور القراء, وفي ذلك يقول "إدوارد برايس" المراسل السابق لجريدة "شيكاغو ديلي نيوز": "إن الناحية الإنسانية هي التي يجب أن تستأثر باهتمام الصحفيّ حين يريد الحصول على هذا النوع من الحديث، فهو يعلم أن الانفعالات العاطفية تظهر في صورة أفكار، وأن الأفكار تترجم إلى أعمال، وأن الأعمال هي التي تقرر مصير العالم، وعلى ذلك, فإن الانفعالات والعواطف، والأفكار, هي العناصر التي ينبغي للمحرر أن يهتم بها وبإظهارها؛ ليحصل على قراءة معلومات جذابة ومسيلة في هذا الموضوع، فإنما الحديث الصحفيّ مرآةٌ تنقل صورةً رائعةً لشخصيةٍ مرموقةٍ، فتعكس للقراء صفاتها الروحية والخلقية والعقلية، سواء أكانت هذه الشخصية المرموقة شخصية فنان، أم عالم، أم أديب، أم سياسيّ محنك، أم بطل من أبطال المسرح".
وهذا النوع من الأحاديث تهتم به الصحف الأسبوعية، أو الدورية أكثر من الصحف اليومية.
٤- وأما حديث الجماعة, فإنه أقرب شيء إلى التقرير المبنيِّ على الإحصاء, وذلك إذا كان الحديث على شكل سؤالٍ واحدٍ يلقى على جماعة من المدرسين أو المحامين أو الأطباء أو المهندسين، وربما كان أقرب شيء إلى التقرير المبنيِّ على التسجيل والإحاطة إذا أخذ على شكل استفتاء تشترك فيه جماعات كثيرة، وفي كلتا الحالتين لا يطلب من المحرر الصحفيّ أكثر من اصطناع الدقة، والوضوح، وتقرير الواقع الملموس دون تدخل منه في تغيير هذا الواقع.
ومعنى ذلك أن درجة التحرير في هذا النوع من أنواع الحديث لا ترقى في جملتها إلى درجة التحرير في الأنواع التي أشرنا إليها قبل ذلك.
стр. 445
٥- وفي حديث المؤتمرات يكون الأمر أيسر على مندوب الصحيفة؛ لأن التحرير في مثل هذه الحالة لا يعدو أن يكون نقلًا للحديث الذي يسمعه المندوبون جميعًا من رجل معين من رجال الحكومة، أو من ذوي الأعمال الجليلة في الدولة.
تلك هي الطريقة العامة التي تتبع في صياغة الأنواع الستة للحديث الصحفيّ.
وقد لاحظنا أنه إذا كانت القصة الخبرية، أو الصياغة الصحفية, هي المتبعة غالبًا في حديث الحقائق، وحديث الرأي، ونحو ذلك، فإن "الصيغة الأدبية" هي التي تتبع في حديث المعلومات، أو حديث التسلية والإمتاع، ففي هذا الأخير يكون متسعًا أمام المحرر الصحفيّ لعبارةٍ أنيقةٍ، أو لفتةٍ ظريفةٍ، أو كلمةٍ أخاذةٍ، أو صورةٍ جذابةٍ، أو نكتة بارعة، وفي هذه الحالة لا يتحتم على الصحفيّ أن يركز النقط الرئيسة تركيزًا تامًّا في صدر الخبر؛ لأنه في هذه الحالة إنما يختار لنفسه قالبًا أدبيًّا لا قالبًا صحفيًّا، ولكن له أن يوزع هذه النقط الرئيسية على أجزاء حديثة بالطريقة التي يراها, ذلك أن المهم في هذا النوع من الحديث ليس هو الإعلام أو تقديم الآراء أو الأفكار، ولكن المهم هو العرض، وبراعة الوصف، وغير ذلك من الأمور التي تتطلب حسًّا أدبيًّا أكثر منه صحفيًّا.
وأخيرًا تصل إلى المرحلة الرابعة من مراحل الحديث الصحفيّ، وهي:
رابعًا: مرحلة النشر
قلنا: إن الصحافة القديمة -حرصًا منها على الدقة والأمانة- كانت تنشر الأسئلة والأجوبة نشرًا حرفيًّا، أما الصحافة الحديثة, فقد استعاضت عن ذلك بطريقة "القصة الخبرية"، ومعنى ذلك أن الصحف الحديثة ترى
стр. 446
أن من الأصوب أن يتجنب المحرر الأسلوب الذي يأتي فيه بالسؤال، ثم يتلوه بالجواب، أو بالأسلوب الذي تستخدم فيه فقرات طويلة من البيانات التي يصرح بها المتحدث، وترى الصحف الحديثة أن يأتي المحرر بجزء من هذه البيانات، ثم بملخصٍ بسيطٍ لها، ثم يأتي بجزء آخر من البيانات، ثم بملخصٍ بسيطٍ لها، وهكذا، وذلك كله في أسلوب غير مباشر، وطريقته تعتمد في أكثرها، على وصف شخصية المتحدث نفسه، ذلك أن إعداد الحديث للنشر لا بد فيه من إظهار شخصية المتحدث, ما دام ذكر اسمه ضروريًّا، أما المظهر الخارجيّ للحديث: فقد يكون ذا طابع يغلب عليه الطابع الرسميّ الخالص، أو يكون ذا طابع تغلب عليه الصبغة الإنسانية, أو الودية الخالصة.
فإذا كان القصد من الحديث هو الحصول على الحقائق، فمن الطبيعيّ أن تكون الحقائق أولى من الأسماء بعناية الكاتب، والعكس صحيح في الحالات الأخرى -كما أوضحنا ذلك.
ومهما يكن من شيءٍ, فليس هناك بُدٌّ في نشر الحديث من الأمور التالية:
١- أن يوضح للقارئ خطورة صاحب الحديث، حتى يرى أهميته بالقياس إلى الموضوع، فإذا كان الحديث مما يتصل برأيٍ من الآراء, فعلى المحرر أن يوضح للقارئ أهلية المتحدث لإعطاء هذا الرأي، وإن كان الموضوع عن حادثٍ ما, وجب أن يكون المتحدث شاهد عيان، أو مشتركًا في الحادث نفسه.
٢- أن يحذر المحرر-كما قلنا- إقحام شخصه في الحديث, أو أن يتخذ من نفسه محورًا له.
٣- أن يوضح المحرر للقراء القصد من الحديث، والغاية منه بجلاء تامٍّ، وأن يقرن هذه الغاية أو القصد بشخص المتحدث وحده ليس غير.
٤- على المحرر ألَّا ينسى الجانب الإنسانيّ في الحديث كلما أمكن
стр. 447
ذلك, فعن هذا الطريق يستطيع القراء أن يتابعوا هذه المادة، وأن يجدوا في قراءتها متاعًا ولذةً.
تلك هي المراحل الأربع التي يسير عليها مندوب الصحيفة في أخذ الحديث، وتلك هي الخطوات التي يسير عليها في قطع كل مرحلة منها.
ولا ينسى الباحثون في هذا الفن أن يوصوا في النهاية بالمظهر الخارجيّ لمندوب الصحيفة، استنادًا في ذلك على أن الوجه والمظهر الخارجيّ هما سفير المرء عند من يريد التعرف إليهم دائمًا من الناس.
وبعد, فلا ينسى الصحفيّ كذلك أن الحديث الصحفيّ طريق لكسب صداقات جديدة، وإنشاء علاقات مفيدة, يستطيع أن يعتمد عليها في كثير من المواقف الصحفية التي تعرض له في حياته المستقبلة.
بقي أن نقدم نموذجًا واحدًا لنوع من الأحاديث الصحفية، وليكن حديث الحقائق والمعلومات الذي يمكن أن نجد فيه تطبيقًا علميًّا لأكثر القواعد والأصول التي أشرنا إليها.
وقد اخترنا لذلك حديثا أجراه الدكتور "محمود عزمي" باسم صحيفة "الأهرام" مع سلطان مراكش "محمد بن يوسف" وهو الحديث الذي نشرته الجريدة المذكورة بالعدد رقم ٣٥٢٠, في يوم الثلاثاء ٢٧ من مارس سنة ١٩٥١، وهذا نصه:
стр. 448
نموذج للحديث:
سلطان مراكش يشرح الموقف في بلاده:
ضغط الإقامة العامة الفرنسية على جلالته:
حديث للسلطان تختص بنشره "الأهرام".
وصلتُ إلى الرباط عاصمة مراكش مساء الخميس الخامس عشر من شهر مارس الحالي، وكان همي الأول أن أتشرف بالمثول بين يدي جلالة السلطان محمد الخامس؛ لكي أتعرف خلال الحديث مع "المصدر الأول" نصيب الحقيقة فيما أذيع بمصر من تطور العلاقات خلال الثلاثة الشهور الأخيرة بين "القصر الشريف"، والإقامة العامة الفرنسية.
فما إن أضحى الضحى بعد ليلةٍ نعمت فيها بالنوم الهادئ, إثر رحلة جوية طويلة من القاهرة إلى أثينا، فروما، فتونس، فالجزائر، فالدار البيضاء، حتى هرولت إلى الفناء السلطانيّ الذي يحيط به سور رفيع.
وقصدت إلى عتبة "المخزن" وهو اللفظ الذي يعبر به عن الحكومة المغربية الأصيلة- فاجتزتها، وتقدم إليَّ من كانت عليه النوبة من الموظفين، واليوم يوم جمعة، وتركت لديه بطاقتي برسم الصدر الأعظم "السيد المقري" الذي جاوزت سنه الرابعة بعد المائة, وأفضيت إليه بالتماس التشرف بمقابلة حضرة صاحب الجلالة السلطان.
صلاة السلطان:
وسألت: هل يخرج السلطان للصلاة؟ وكان قد أذيع في القاهرة أن الإقامة العامة الفرنسية قد منعت جلالته من تأدية فريضة الجمعة, فقيل لي: إن الموكب السلطانيّ يخرج إلى المسجد على عادته عند الزوال، فرأيت
стр. 449
مع السلطان في القصر:
وأُبْلِغْتُ من بعد أن منتصف الساعة الثانية عشرة ظهر الثلاثاء, العشرين من شهر مارس الحالي, قد حُدِّدَ موعدًا لتشرفي بالمقابلة السلطانية، وقبيل الموعد قصدت إلى القصر الشريف، فاستقبلني حجابه، ورافقوني إلى مكتب وزيره، فاستمهلت فيه لحظاتٍ جاء على إثرها مستشار الحكومة الشريفة الفرنسيّ، فدعانا نحن الاثنين إلى القاعة السلطانية.
وهناك كان جلالة السلطان على أريكته، فتقدمت إليها، وتشرفت بالمصافحة، ثم جلست على مقعد على يسار الأريكة، وجلس إلى جانبي المستشار الفرنسيّ, بعد أن أشار له السلطان بالجلوس دون المصافحة، وقعد الوزير على وسادةٍ إلى يمين الأريكة.
وتفضَّل السلطان فغمرني بظرفه؛ إذ بادرني باستطالة المدة التي انقضت بعد زيارتي الأولى لمراكش، فقد قاربت الخمس سنوات، وخصني بعطفه؛ إذ أضاف أنه يود لو يراني مرةً في كل شهر، فلا أقل من أن تكون زيارتي مرةً في كل سنة، وعقب على ذلك بترديده أن "المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا".
تحية لمصر:
وسألني جلالته عن مصر وأحوالها، وأعرب عن خالص شكره لاهتمامها به وببلاده، وحمَّلني شرف الإفضاء بعظيم تحيته، وصادق عرفانه للشعب المصريّ جميعه، وكذلك لجامعة الدول العربية، وأمينها العام، وكان جلالتهه يذكر ذلك كله في عبارات قوية تخرج من الأعماق.
عندي سؤال:
ثم تقدمت إلى جلالته بأن لديّ سؤالًا أود لو أستطيع أن ألقيه، وأنا أعرفه بالغًا حدًّا من الدقة غير قليل، ولكني ألح في إلقائه إلحاحًا، ولا أود
стр. 450
في الوقت نفسه أن يكون في الإدلاء به شيء من الإحراج، فلا دل به، وليتصرف فيه جلالته كما يشاء,
فتلطف جلالته، وأشار إليَّ بالإفصاح، فقلت: إنا سمعنا في مصر بوقوع نوعٍ من الضغط والإكراه، وأود لو استطعت أن أعلم الجهة التي صدر عنها الضغط والإكراه: هل هو الجنرال "جوان", أو قبائل الجلاوي، أو ضمير جلالتكم؟
فأجاب جلالته على الفور:
"إن هذا السؤال سياسيّ، ويحسن أن تقدمه مكتوبًا، وسأجيبك عنه كتابة أيضًا، وستكون إجابتي بغاية الصراحة.
وعاد جلالته يكرر في حزم:
"قدم ما تشاء من أسئلة، وسأجيبك عنها كتابةً، وبكل صراحة".
وسألني جلالته عن برنامجي في اليومين التاليين، فأجبت أني قاصدٌ إلى طنجة في اليوم التالي، وأني عائد منها ومن الرباط يوم الجمعة.
فعقب جلالته بقوله:
"ستكون إجابتي المكتوبة عندك يوم الجمعة، وستكون بغاية الصراحة" فشكرت جلالته خالص الشكر، وأحسست عمق ما تنطوي عليه شخصية السلطان من قوة معنوية.
وإذ كنت أعرف أن تصريحات الملوك لا يصح نشرها إلّا بإجازتهم, فقد تقدمت إلى جلالته مستأذنًا في نشر الإجابات على أسئلتي، فتفضل جلالته بذلك.
стр. 451
ثلاثة أسئلة:
ولما أذن لي جلالته بالإنصراف مررنا في طريقنا بمكتب وزير القصر، فأخذ منه المستشار الفرنسيّ قبعته، وطلب إلى الوزير أن أجلس لأدوّن الأسئلة، فتركت المستشار يمضي، وجلست إلى منضدة الوزير، وأمسكت بالقلم، وعلى ورقة من أوراق القصر السلطانيّ حررت بالمداد الأزرق ثلاثة أسئلة، وقعتها بإمضائي، وأرختها بتاريخ اليوم، ثم كتبت صورةً منها بالقلم الرصاص على ورقة أخرى من أوراق القصر احتفظت بها، وسلمت الأولى للوزير وانصرفت.
وقصدت في اليوم التالي إلى طنجة، وأمضيت بها يومين كاملين، ثم عدت إلى الرباط بعد ظهر الجمعة الثالث والعشرين من هذا الشهر.
مع وليِّ العهد:
وكان قد تصادف وأنا أغادر القصر الشريف, بعد تسليمي أسئلتي لوزيره, أن التقيت في إحدى الردهات بصاحب السموّ الأمير الحسن ولي العهد، فتفضل بدعوتي إلى تناول الشاي بقصره الخاص يوم عودتي من طنجة, فذهبت إليه عند انتصاف الساعة السادسة بعد الظهر.
الجرائديّ:
وهناك سلمني صورة والده السلطان التي تفضل جلالته بإهدائها إليّ، فأقبلت على قراءة الإهداء وهو:
إلى الجرائدي الفذ السيد محمود عزمي ... محمد يوسف, ملك المغرب, أعانه الله.
ووقفت وقفة حتى تبينت أن "الجرائديّ" إنما هو التعبير المقابل عندنا لتعبير "الصحفيّ".
стр. 452
ملك المغرب:
كما تبينت صحة التلقب بملك المغرب؛ لأن جلالته إنما هو العاهل الأوحد لسلطنة مراكش التي يسمونها "المنطقة السلطانية"، و"المنطقة الخليفية" و"المنقطة الدولية" أيضًا، وإذا كان مقر جلالته الرسميّ في الرباط, فإن له خليفة في تطوان, ومندوبًا في طنجة.
واعتززت بالهدية الكريمة، وتساءلت عن الإجابة على أسئلتي, فناولني الأمير وليّ العهد الورقة المكتوبة عليها، وإذا كانت بالخط المغربيّ, فقد شاءت إرادة سموه أن يتلوها حتى أقف على كنهها في أسرع وقت.
وقد استمعت إليها، كما استطعت أن أقرأها بسهولة فيما بعد، فألفيتها مبينة أحسن إبانة، ووجدتها غايةً في الصراحة، على سابق نطق جلالته!
حديث السلطان:
وها هي أسئلتي، وإجابات ملك المغرب عليها.
الضغط والإكراه:
السؤال الأول:
أذيع أن توقيع جلالتكم على "بروتوكول" ٢٥ فبراير سنة ١٩٥١, كان تحت ضغط أو إكراه، وقد سمعت منذ قدومي إلى مراكش في هذا الصدد روايات:
يقول بعضها: إن التوقيع كان نتيجةً لتهديدٍ من قِبَلِ الجنرال "جوان"، ويقول بعضها الآخر: إنه كان نتيجة لحركة صدرت عن القبائل بإيعاز من الجلاوي.
ويقول بعضها الآخر: إنه يرجع إلى ضمير جلالتكم الذي شاءت حكمته أن ينقذ بلاده من شر التلاحم.
ترى أية رواية من هذه الروايات أُصَدِّقُ؟
стр. 453
بل أيها الصحيح؟
الجواب:
إن توقيعنا على "بروتوكول" ٢٥ فبراير سنة ١٩٥١, كان نتيجةً لعوامل متعددة، أهمها:
١- التهديد الذي وجه إليه بواسطة وزير القصور والتشريفات من بعض شخصيات الإقامة العامة، وذلك في أثناء المخابرات التي كانت جاريةً بين القصر، والإقامة العامة في ذلك اليوم.
٢- حركة القبائل التي أُتِيَ بها من جهاتٍ متعددةٍ دون أن تعلم الباعث الحقيقيّ على تحريكها، فرابطت على أبواب فاس، وسلا، والرباط.
٣- اجتناب ما كان يتوقع من عواقب سيئة، للعوامل الآنفة الذكر، فاضطررنا مع هذه الأسباب جميعها إلى إرضاء مطالب الإقامة العامة.
سبب الأزمة:
السؤال الثاني:
قيل: إن الأزمة ترجع إلى تعطيل إصدار بعض الظهائر "أي: المراسيم", فإذا كان هذا صحيحًا، ترى ما هي أسباب هذا التعطيل؟
الجواب:
إن سبب الأزمة هو غير ما أشيع من أننا رفضنا بعض التشاريع القانونية المقترح عليها قبولها؛ إذ أن الأزمة في الواقع ترجع إلى الرغبة التي أعرب عنها مقيم فرنسا العام في أن يصدر منا استنكًار لأساليب حزب الاستقلال، وإلى عدم نزولنا على هذه الرغبة.
ولقد قام المقيم العام هذا الطلب قبل سفره إلى أمريكا بلهجةٍ لا تخلو من تهديد، أما مشاريع الظهائر الشريفة المقترح علينا إمضاؤها، فإننا
стр. 454
لا نرفضها، أو نشير بتعديلها, إلّا بعد أن تدرسها لجان قصرنا الشريف، وتبدي نظرها فيها, مستندةً إلى الأوفقة "أي الاتفاقيات"، والمعاهدات، وسائر فروع القانون.
آمال السلطان:
السؤال الثالث:
ما هي آمال جلالتكم في مستقبل مراكش، وفي علاقاتها مع الجمهورية الفرنسية؟
الجواب:
إن رغبتنا شديدةً في تقدم البلاد، ورقيها رقيًّا ديموقراطيًّا، وجميع أعمالنا ومساعينا تهدف إلى إحلال بلادنا العربية الإسلامية في المكان اللائق بماضيها المجيد.
وأملنا عظيم أن تنظر حكومة الجمهورية الفرنسية، اعتمادًا على ما بين الدولتين من روابط الصداقة إلى مطامح شعبنا الشريفة بما يليق بهامن العناية.
وفي نشر هذه النصوص اليوم كفاية, وسنتابع الإدلاء بملابسات استقصائنا ونتائجها في الأيام التالية, محمود عزمي.
بين الطريقة القديمة والحديثة في نشر الحديث:
لا بد أنك لا حظت أيها القارئ أن الحديث الصحفيّ الذي كتبه الدكتور "محمود عزمي" يحظى بميزتين هما: ميزة السرد وميزة الوصف، ولأن الحديث لم يكن على شكل حوار بين السلطان والمحرر, فإنه فقد في الواقع شيئًا من الحيوية التي تتمم الحديث بالطريقة الحوارية، وليس الذنب في ذلك على المحرر، ولكن ذنب السلطان الذي أصرَّ على أن تكون إجاباته
стр. 455
تحريريةً لا شفويةً، من أجل ذلك, يمكن النظر إلى النموذج المتقدم على أنه مكتوب بالطريقة القديمة لا بالطريقة الحديثة.
والواقع أن هناك طرقًا عدة, استحدثها الصحفيون لإجراء الحديث؛ فمن هذه الأحاديث ما يكتب على طريقة الحوار الداخليّ مع النفس، ولعل من أروع الأمثلة عليها حديث للفنان "عبد الوارث عسر" نشرته مجلة "الأسبوع العربيّ" البيروتية, في الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر "كانون الأول" سنة ١٩٧٦، وقام بإجراء هذا الحديث مع الفنان "عبد الوارث" في هذه المجلة الصحفيّ "فاروق البقيلي" وفيه أوضح طبيعة الفنان الرومانسية وصور عواطفه الإنسانية.
ثم إن من أشهر الطرق الحديثة في هذا الفن من فنون الصحافة، وهو الحديث طريقة "القصة الإخبارية" ونحن نعرف أن القصة الإخبارية لا بد لها من عنوان، وصدر، وجسم أو صلب، ثم إن الطريقة الحديثة لا غنى لها عن عنصر الوصف الذي يتخلل الحديث الصحفيّ، وهو خير ما يضمن انتباه القارئ وقراءته الحديثة من أوله إلى آخره، وبدون هذا العنصر يصبح الحديث جافًا كل الجفاف, لا يستطيع القارئ متابعته بيسر.
والأمثلة على طريقة "القصة الإخبارية" في إجراء الأحاديث الصحفية كثيرة, تطالعنا بها الصحف اليومية والمجلات على الدوام, مؤثرة إياها على غيرها من الطرق؛ لسهولتها ومرونة الصحفيين في كتابتها، وتدربهم عليها.
ومن هذه النماذج -على سبيل المثال- حديث صحفيّ للدكتور طه حسين, أجراه معه الأستاذ "كمال الملاخ" المحرر بصحيفة الأهرام، وذلك بمناسبة بلوغ الدكتور "طه حسين" الثامنة والسبعين من عمره, وقد نشر الحديث ومعه صورة للدكتور "طه حسين" جالسًا بمفرده، وأخرى له مع زوجته، وقد نشر بجريدة الأهرام في عددها الصادر في ١٥/ ١١/ ١٩٦٧.
стр. 456
مراحل إعادة الحديث الصحفي، ونموذج له
...
أن يبدأ استقصائي الأحوال في مراكش بهذا الجانب من الأنباء، وقررت تأدية الصلاة في حضرة السلطان.. وكانت الساعة الثانية عشرة قد انتصفت فيممت شطر المسجد الواقع مقابل القصر، ودلفت إليه، فلم أجد به إلّا قليلًا جدًّا من العاكفين على قراءة القرآن، فاستميزت بينهم واحدًا قعدت إلى جانبه بعد أن صليت ركعتين تحيةً للمسجد، فسمعته يرتل القرآن ويقرؤه بالقراءات السبع.
ودهشت إذ فاتت الساعة الثانية عشرة دون أن يزيد عدد الحاضرين بالمسجد إلّا قليلًا، وعلمت بعد ذلك أن ساعة الزوال في الرباط إنما هي الساعة الواحدة بعد الظهر!!
فظللت أشاهد الوافدين، والمتوضئين الحاملين معهم "سجاجيدهم". الصغيرة، وغير الحاملين، وأستمع للمرتلين القرآن علانيةً حتى الساعة الواحدة بعد الظهر، وأنا أغيِّر مواضع الساقين مني، تلمسًا للراحة في هذا الجلوس الطويل..
وعزفت الموسيقي، وتقدم فرسان الحرس ومشاته، وتحرك الركب السلطانيّ من القصر متجهًا إلى المسجد، ووقفت العربة السلطانية أمام نيابة الصغير، فدخل منه السلطان إلى مقصورته الخشبية.
وأذن المؤذن في الخارج، ودعا الداعي إلى الإنصات في الداخل، وألقى الخطيب الخطبة، ودعا فيها للخليفة محمد الخامس بالنصر والتأييد، وقامت الصلاة, ثم خرج رجال القصر، والوزراء، واصطفوا أمام المسجد تحيةً للسلطان؛ إذ يخرج ويمتطى هذه المرة جواده، ويعود إلى قصره، فأسرعت في الخروج واستطعت أن أقف إلى جانبه، وأحيي السلطان تحيته، فعرفني جلالته, وقد سبق أن حظيت بالمثول بين يديه منذ خمس سنين، وتفضل جلالته عليَّ بالسلام، فسجلت بهذا حضوري.
стр. 457
التحقيق الصحفي وأنواعه وقواليه
...
التحقيق الصحفيّ وأنواعه وقوالبه:
كثير من الناس على حقٍّ حين يقولون: إن الجديد في الصحافة الحديثة هو "فن التحقيق الصحفيّ"، وإن كان التاريخ يحدثنا أن التحقيق فنٌّ قديمٌ في الصحافة الأوروبية، فيذكر لنا عن ديفو "DEFOE" أنه أول من اهتدى إلى هذا الفنِّ في الصحافة الإنجليزية، ثم أتى بعده ثور ثكليف THORNELIFF عام ١٨٩٦ فجعل من فن التحقيق الصحفيّ ركنًا هامًّا في صحيفته الشعبية، "ديلي ميل" وبفضل الجهود التي بذلها هذا الصحفيّ الأخير، وبذلها أمثاله من الصحفيين تغير مزاج القراء الإنجليز، وأصبح هؤلاء القراء يشبعون رغباتهم عن طريق "التحقيق الصحفيّ" أكثر مما يشبعونها عن طريق القصص.
ولا غرابة في ذلك, فقد جدَّت ظروف غير وجه المجتمع الإنجليزي إذ ذاك ومنها:
أولًا: انتشار التعليم الذي أصبح في متناول أكبر عدد ممكن من أفراد الشعب منذ ذلك الوقت.
ثانيًا: انتصار الديموقراطية على الأرستقراطية في انجلترا، ومعها أكثر بلاد العالم المتمدن.
ثالثًا: تقدم الوعي الاجتماعيّ، وهو الوعي الذي نبَّه الأذهان إلى كثير من المشكلات الاجتماعية، وحرَّك في النفوس كل رغبةٍ في الوصول إلى حلٍّ لها بمختلف الطرق.
رابعًا: تقدم علم النفس، وعلم الأخلاق، وجنوح الكتاب المحدثين في كتاباتهم إلى التحليل النفسيّ لجميع الشخصيات التي يكتبون عنها، سواء
стр. 458
أكانت شخصياتٌ تميل بطبعها إلى الخير، أم كانت تميل بطبعها إلى الشر.
والذي لا ريب فيه أنه إلى جميع هذه الأساليب المتقدمة يرجع الفضل في تقدم التحقيق الصحفيّ, لا في الصحافة الإنجليزية أو الأوروبية فقط، ولكن في الصحافة المصرية أو الشرقية، وصحافة العالم كله كذلك.
أما الغرض الأساسيّ من التحقيق الصحفيّ, أيًّا كان موضوعه, فهو التفسير الاجتماعيّ للأحداث، والتفسير النفسيّ للأشخاص الذين اشتركوا في هذه الأحداث.
ورب قائل يقول: ولكن, ما الفرق بين الخبر والتحقيق؟
نقول: إذا كان الخبر الصحفيّ جوابًا عن الأسئلة الستة المعروفة، وهي: من، ولماذا، ومتى، وكيف، وأين، وماذا، فإن التحقيق الصحفيّ جوابٌ لأداةٍ واحدةٍ فقط من أدوات الاستفهام السابقة، وهي "لماذا"؟
فالخبر يعرض للمادة أو الواقعة، وبَيَّنَ الظروف التي اكتنفتها, والمكان الذي وقعت فيه، والأشخاص الذين اشتركوا فيها، وما إلى ذلك.
والتحقيق يحاول الشرح والتعليق، ويوضح الأسباب النفسية والخلقية والمادية، ويفسر الحادث كله تفسيرًا يقوم على شيء من علم النفس، وشيء من الأخلاق، كما يقوم على شيء من علم الإجرام إذا اتصل التحقيق بخبر من أخبار الجريمة.
وبهذه الطريقة, يستطيع التحقيق الصحفيّ أن يلقي جملة أضواء على المشكلة المعروضة، ويزيد في قدرة القراء على الاستمتاع به, وتتبع قراءته، وهذا الشرح أو التعليل, هو الذي يجعل للتحقيق صفة الجذب، وهو الذي يكثر من عدد القراء.
ورب قائل يقول أيضًا: وما الفرق بين التحقيق الصحفيّ والقصة الأدبية؟
стр. 459
ونقول: أما القصة الأدبية -قصيرة كانت أم طويلة- فإنها تعتمد على الخيال، وقد تصور جزءًا من واقع الحياة في قالب قصصيٍّ ممتاز, على حين أن التحقيق الصحفيّ يعتمد كل الاعتماد على الحقائق الملموسة، والوقائع المحسوسة، والشكاوي التي تصدر عن الناس من وضع معين، من أوضاع الحياة التي يحيونها.
ورُبَّ قائلٍ يقول أيضًا: وما الفرق بين التحقيق الصحفيّ، والمقال الافتتاحيّ أو الرئيسيّ؟
وبحسبنا أن نقول: المقال الرئيسيّ إنما يعبر عن رأي الصحيفة، أما التحقيق فلا يعبر عنها، وإن كان مسايرًا لسياستها العامة، والتحقيق صورة من صور الحياة الواقعة, صيغت في قالب صحفيٍّ لا أدبيٍّ، واستعان المحرر في صياغتها بتجاريبه ومطالعاته، ومراجعاته، وتحركاته، واتصالاته، وإن في اعتماد التحقيق على شيء من علم النفس، أو علم الأخلاق، أو علم الإجرام -كما سبق القول في ذلك- ما ينأى بالتحقيق عن أن يكون سردًا علميًّا، أو سطحيًّا، ولكن يجعل منه سردًا إنشائيًّا، يُبْنَى على طريقة جذابةٍ تأسر العقول، وتهفو إليها الأفئدة.
ورُبَّ قائلٍ يقول أيضًا: وما الفرق بين التحقيق الصحفيّ، والمقال الأدبيّ ESSAY؟
ونقول: أما الأول فأكثر موضوعية، وأما الثاني فأكثر ذاتية، والأول ألصق بالمجتمع، والثاني أعلق بقلوب الأفراد في هذا المجتمع، وأشد تعلقًا بقلب الكاتب الذي كتب المقال بوحيٍ من شعوره الذاتيّ أكثر من شعوره الجماعيّ.
ورُبَّ قائلٍ يقول: وما الفرق بين التحقيق والعمود الخاص بالموضوعات الإنسانية؟
والجواب على ذلك: أن بينهما تشابهًا وثيقًا من جهةٍ، واختلافًا
стр. 460
في الوقت نفسه من جهةٍ ثانيةٍ، فكلاهما يتناول أشخاصًا, وحوادث وقعت في زمن معين ومكان معين، وهما من هذه الناحية متفقان، إلا أن التحقيق -بوصفه فنًّا من فنون التقرير الصحفيّ- له غاية معينة، هي مجرد نقل المعلومات إلى القارئ، أما الموضوعات: أو الأعمدة الإنسانية, فتهدف فقط إلى التسلية، وغرضها الوحيد إثارة إحساساته.
يقول الأستاذ كارل وارين:
"ومع هذا, فليس هناك خطٌّ واضحٌ يفصل بين الموضوعات الإنسانية والتقرير، فحدودهما تختلط كما تختلط الألوان في قوس قزح, وكثير من المحررين يقولون: إن الموضوعات، أو الأعمدة الإنسانية ليست إلّا امتدادًا للتقرير الصحفيّ"١.
ولقد أجرى العلماء إحصاءات كثيرةً لإثبات هذه الحقيقة، وهي أن التحقيق الصحفيّ من ألزم الفنون للصحافة الحديثة، ومن هؤلاء: السيدة "هيلين باترسون" أستاذة فن المقال بإحدى جامعات أمريكا، وإليك خلاصة بسيطة لإحدى هذه الإحصاءات، قالت السيدة "هيلين":
"في أمريكا الآن ٤١٦ مجلة، وعدد طبعاتها في العام ٣٤٠و ١٧١ طبعة، وأما عدد الدوريات، بين شهرية ونصف شهرية, وسنوية ونصف سنوية، فيبلغ الآن ١١, ٤٨١ دورية، وعدد طبعاتها في السنة يقدر بنحو ١.٣٤٨.١٩٧ طبعة، وجميع هذه المجلات والدوريات -بدون استثناء- تعنى عنايةً تامةً بمادتي التحقيق الصحفيّ والحديث الصحفيّ، وذلك فضلًا عن عناية الصحف اليومية بهذه المادة، ويبلغ عدد هذه الصحف الآن ٤٨٥، كما يبلغ عدد طبعاتها في العام ٢٥٢.٢٠ طبعة، ولكل صحيفة يومية من هذه الصحف قسم خاص بإعداد المادة الخاصة بكل من التحقيق والحديث.