← Адаб

Адаб · id 11543

المدخل في فن التحرير الصحفي

عبد اللطيف محمود حمزة

Полный текст (567 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مراحل إعادة الحديث الصحفي، ونموذج له ... أن يبدأ استقصائي الأحوال في مراكش بهذا الجانب من الأنباء، وقررت تأدية الصلاة في حضرة السلطان.. وكانت الساعة الثانية عشرة قد انتصفت فيممت شطر المسجد الواقع مقابل القصر، ودلفت إليه، فلم أجد به إلّا قليلًا جدًّا من العاكفين على قراءة القرآن، فاستميزت بينهم واحدًا قعدت إلى جانبه بعد أن صليت ركعتين تحيةً للمسجد، فسمعته يرتل القرآن ويقرؤه بالقراءات السبع. ودهشت إذ فاتت الساعة الثانية عشرة دون أن يزيد عدد الحاضرين بالمسجد إلّا قليلًا، وعلمت بعد ذلك أن ساعة الزوال في الرباط إنما هي الساعة الواحدة بعد الظهر!! فظللت أشاهد الوافدين، والمتوضئين الحاملين معهم "سجاجيدهم". الصغيرة، وغير الحاملين، وأستمع للمرتلين القرآن علانيةً حتى الساعة الواحدة بعد الظهر، وأنا أغيِّر مواضع الساقين مني، تلمسًا للراحة في هذا الجلوس الطويل.. وعزفت الموسيقي، وتقدم فرسان الحرس ومشاته، وتحرك الركب السلطانيّ من القصر متجهًا إلى المسجد، ووقفت العربة السلطانية أمام نيابة الصغير، فدخل منه السلطان إلى مقصورته الخشبية. وأذن المؤذن في الخارج، ودعا الداعي إلى الإنصات في الداخل، وألقى الخطيب الخطبة، ودعا فيها للخليفة محمد الخامس بالنصر والتأييد، وقامت الصلاة, ثم خرج رجال القصر، والوزراء، واصطفوا أمام المسجد تحيةً للسلطان؛ إذ يخرج ويمتطى هذه المرة جواده، ويعود إلى قصره، فأسرعت في الخروج واستطعت أن أقف إلى جانبه، وأحيي السلطان تحيته، فعرفني جلالته, وقد سبق أن حظيت بالمثول بين يديه منذ خمس سنين، وتفضل جلالته عليَّ بالسلام، فسجلت بهذا حضوري.

стр. 457

التحقيق الصحفي وأنواعه وقواليه ... التحقيق الصحفيّ وأنواعه وقوالبه: كثير من الناس على حقٍّ حين يقولون: إن الجديد في الصحافة الحديثة هو "فن التحقيق الصحفيّ"، وإن كان التاريخ يحدثنا أن التحقيق فنٌّ قديمٌ في الصحافة الأوروبية، فيذكر لنا عن ديفو "DEFOE" أنه أول من اهتدى إلى هذا الفنِّ في الصحافة الإنجليزية، ثم أتى بعده ثور ثكليف THORNELIFF عام ١٨٩٦ فجعل من فن التحقيق الصحفيّ ركنًا هامًّا في صحيفته الشعبية، "ديلي ميل" وبفضل الجهود التي بذلها هذا الصحفيّ الأخير، وبذلها أمثاله من الصحفيين تغير مزاج القراء الإنجليز، وأصبح هؤلاء القراء يشبعون رغباتهم عن طريق "التحقيق الصحفيّ" أكثر مما يشبعونها عن طريق القصص. ولا غرابة في ذلك, فقد جدَّت ظروف غير وجه المجتمع الإنجليزي إذ ذاك ومنها: أولًا: انتشار التعليم الذي أصبح في متناول أكبر عدد ممكن من أفراد الشعب منذ ذلك الوقت. ثانيًا: انتصار الديموقراطية على الأرستقراطية في انجلترا، ومعها أكثر بلاد العالم المتمدن. ثالثًا: تقدم الوعي الاجتماعيّ، وهو الوعي الذي نبَّه الأذهان إلى كثير من المشكلات الاجتماعية، وحرَّك في النفوس كل رغبةٍ في الوصول إلى حلٍّ لها بمختلف الطرق. رابعًا: تقدم علم النفس، وعلم الأخلاق، وجنوح الكتاب المحدثين في كتاباتهم إلى التحليل النفسيّ لجميع الشخصيات التي يكتبون عنها، سواء

стр. 458

أكانت شخصياتٌ تميل بطبعها إلى الخير، أم كانت تميل بطبعها إلى الشر. والذي لا ريب فيه أنه إلى جميع هذه الأساليب المتقدمة يرجع الفضل في تقدم التحقيق الصحفيّ, لا في الصحافة الإنجليزية أو الأوروبية فقط، ولكن في الصحافة المصرية أو الشرقية، وصحافة العالم كله كذلك. أما الغرض الأساسيّ من التحقيق الصحفيّ, أيًّا كان موضوعه, فهو التفسير الاجتماعيّ للأحداث، والتفسير النفسيّ للأشخاص الذين اشتركوا في هذه الأحداث. ورب قائل يقول: ولكن, ما الفرق بين الخبر والتحقيق؟ نقول: إذا كان الخبر الصحفيّ جوابًا عن الأسئلة الستة المعروفة، وهي: من، ولماذا، ومتى، وكيف، وأين، وماذا، فإن التحقيق الصحفيّ جوابٌ لأداةٍ واحدةٍ فقط من أدوات الاستفهام السابقة، وهي "لماذا"؟ فالخبر يعرض للمادة أو الواقعة، وبَيَّنَ الظروف التي اكتنفتها, والمكان الذي وقعت فيه، والأشخاص الذين اشتركوا فيها، وما إلى ذلك. والتحقيق يحاول الشرح والتعليق، ويوضح الأسباب النفسية والخلقية والمادية، ويفسر الحادث كله تفسيرًا يقوم على شيء من علم النفس، وشيء من الأخلاق، كما يقوم على شيء من علم الإجرام إذا اتصل التحقيق بخبر من أخبار الجريمة. وبهذه الطريقة, يستطيع التحقيق الصحفيّ أن يلقي جملة أضواء على المشكلة المعروضة، ويزيد في قدرة القراء على الاستمتاع به, وتتبع قراءته، وهذا الشرح أو التعليل, هو الذي يجعل للتحقيق صفة الجذب، وهو الذي يكثر من عدد القراء. ورب قائل يقول أيضًا: وما الفرق بين التحقيق الصحفيّ والقصة الأدبية؟

стр. 459

ونقول: أما القصة الأدبية -قصيرة كانت أم طويلة- فإنها تعتمد على الخيال، وقد تصور جزءًا من واقع الحياة في قالب قصصيٍّ ممتاز, على حين أن التحقيق الصحفيّ يعتمد كل الاعتماد على الحقائق الملموسة، والوقائع المحسوسة، والشكاوي التي تصدر عن الناس من وضع معين، من أوضاع الحياة التي يحيونها. ورُبَّ قائلٍ يقول أيضًا: وما الفرق بين التحقيق الصحفيّ، والمقال الافتتاحيّ أو الرئيسيّ؟ وبحسبنا أن نقول: المقال الرئيسيّ إنما يعبر عن رأي الصحيفة، أما التحقيق فلا يعبر عنها، وإن كان مسايرًا لسياستها العامة، والتحقيق صورة من صور الحياة الواقعة, صيغت في قالب صحفيٍّ لا أدبيٍّ، واستعان المحرر في صياغتها بتجاريبه ومطالعاته، ومراجعاته، وتحركاته، واتصالاته، وإن في اعتماد التحقيق على شيء من علم النفس، أو علم الأخلاق، أو علم الإجرام -كما سبق القول في ذلك- ما ينأى بالتحقيق عن أن يكون سردًا علميًّا، أو سطحيًّا، ولكن يجعل منه سردًا إنشائيًّا، يُبْنَى على طريقة جذابةٍ تأسر العقول، وتهفو إليها الأفئدة. ورُبَّ قائلٍ يقول أيضًا: وما الفرق بين التحقيق الصحفيّ، والمقال الأدبيّ ESSAY؟ ونقول: أما الأول فأكثر موضوعية، وأما الثاني فأكثر ذاتية، والأول ألصق بالمجتمع، والثاني أعلق بقلوب الأفراد في هذا المجتمع، وأشد تعلقًا بقلب الكاتب الذي كتب المقال بوحيٍ من شعوره الذاتيّ أكثر من شعوره الجماعيّ. ورُبَّ قائلٍ يقول: وما الفرق بين التحقيق والعمود الخاص بالموضوعات الإنسانية؟ والجواب على ذلك: أن بينهما تشابهًا وثيقًا من جهةٍ، واختلافًا

стр. 460

في الوقت نفسه من جهةٍ ثانيةٍ، فكلاهما يتناول أشخاصًا, وحوادث وقعت في زمن معين ومكان معين، وهما من هذه الناحية متفقان، إلا أن التحقيق -بوصفه فنًّا من فنون التقرير الصحفيّ- له غاية معينة، هي مجرد نقل المعلومات إلى القارئ، أما الموضوعات: أو الأعمدة الإنسانية, فتهدف فقط إلى التسلية، وغرضها الوحيد إثارة إحساساته. يقول الأستاذ كارل وارين: "ومع هذا, فليس هناك خطٌّ واضحٌ يفصل بين الموضوعات الإنسانية والتقرير، فحدودهما تختلط كما تختلط الألوان في قوس قزح, وكثير من المحررين يقولون: إن الموضوعات، أو الأعمدة الإنسانية ليست إلّا امتدادًا للتقرير الصحفيّ"١. ولقد أجرى العلماء إحصاءات كثيرةً لإثبات هذه الحقيقة، وهي أن التحقيق الصحفيّ من ألزم الفنون للصحافة الحديثة، ومن هؤلاء: السيدة "هيلين باترسون" أستاذة فن المقال بإحدى جامعات أمريكا، وإليك خلاصة بسيطة لإحدى هذه الإحصاءات، قالت السيدة "هيلين": "في أمريكا الآن ٤١٦ مجلة، وعدد طبعاتها في العام ٣٤٠و ١٧١ طبعة، وأما عدد الدوريات، بين شهرية ونصف شهرية, وسنوية ونصف سنوية، فيبلغ الآن ١١, ٤٨١ دورية، وعدد طبعاتها في السنة يقدر بنحو ١.٣٤٨.١٩٧ طبعة، وجميع هذه المجلات والدوريات -بدون استثناء- تعنى عنايةً تامةً بمادتي التحقيق الصحفيّ والحديث الصحفيّ، وذلك فضلًا عن عناية الصحف اليومية بهذه المادة، ويبلغ عدد هذه الصحف الآن ٤٨٥، كما يبلغ عدد طبعاتها في العام ٢٥٢.٢٠ طبعة، ولكل صحيفة يومية من هذه الصحف قسم خاص بإعداد المادة الخاصة بكل من التحقيق والحديث.

стр. 461

وباختصار: يمكن القول بأن عدد الصحف الأمريكية التي تهتم اهتمامًا خاصًّا بهذه المادة, لا يقل عن ١٢.٣٣١ صحيفة، وبأن عدد الطبعات التي تصدرها هذه الصحف سنويًّا, لا يقل عن ١.٣٧٣.٤١٨ طبعة، وبأنه حتى الآن لم يظهر أن واحدة فقط من تلك الصحف، أو طبعة واحدة أيضًا من تلك الطبعات استطاعت أن تجد نفسها في غنًى عن فن التحقيق بنوعٍ خاصٍّ، وفي هذا ما يدل دلالة صريحة على خطورة هذا الفن من فنون الصحافة١. القوالب الفنية لكتابة التحقيق الصحفيّ: من السهل على المحرر أن يصب تحقيقه الصحفيّ في أحد هذه القوالب الفنية التالية: ١- قالب العرض Expositiour ٢- قالب القصة Narrattion ٣- قالب الوصف Discription ٤- قالب الاعتراف Confession ٥- قالب الحديث Interview وليست هذه القوالب كلها بحاجةٍ إلى الشرح، فهي غنية بأسمائها عن شيء من ذلك، ولكن المهم هو أن يختار المحرر الصحفيّ الزاوية التي ينظر منها إلى موضوع تحقيقه حتى يبدو مثيرًا -بقدر المستطاع- لانتباه القارئ. ذلك أن لكل موضوع من موضوعات التحقيق زاوية فنية تناسبه, وقد لا تناسب غيره على الإطلاق.

стр. 462

فطبيب يخترع علاجًا لعودة الشباب, لا يصح أن يكتب موضوعه بطريقةٍ علميةٍ جافةٍ تتعرض لوصف الدواء، وطريقة الاستعمال، وإنما يكتفي في مثل هذا الموضوع بمقابلة شخصية للطبيب، وحديث صحفيّ يدور حول الدواء الجديد. وظاهرة غريبة كظاهرة "السيول في قنا" لا بد فيها من الذهاب إلى هذه المدينة من مدن الصعيد، ووصف ما جرى فيها، وقراءة بعض الكتب في الموضوع، واتصال المحرر الصحفيّ ببعض المهندسين المختصين، ولا ينبغي له في مثل هذه الحالة أن يهمل الحديث مع المنكوبين بهذه السيول، والآثار التي تركها فيهم هذا الحادث. وزائرة عادت من رحلةٍ كبيرةٍ في الخارج, يمكن أن تكون موضوع تحقيق طريف, يدور حول عادات الناس في البلاد التي زارتها، ومعرفة شيء عن أخلاقهم ونظامهم في حياتهم الخاصة والعامة، ونحو ذلك. الخطوات التي تتبع في كتابة التحقيق الصحفيّ: لكي ينجح التحقيق الصحفيّ ينبغي للمحرر -ما أمكنه ذلك- أن يتبع في كتابة تحقيقه هذه الخطوات وهي: أولًا: العناية بالعنوان عنايةً لا تقل عن العناية بالصور الشمسية المصاحبة للتقرير، كما تنبغي العناية بالعنوانات الصغيرة التي تتبع العنوان الكبيرة في المعتاد. فيجب أن تكون هذه العنوانات كلها زاخرةً بالحياة، قادرةً على التصوير، مليئةً بالتعبير, غنيةً بعنصر الجذب والتشويق، مناسبةً لجو التحقيق, وبدون ذلك, لا يضمن الكاتب كسب انتباه القارئ، ولا يضمن إقناعه بخطورة موضوع التحقيق منذ اللحظة الأولى. ثانيًا: يأتي بعد العنوان في المعتاد مدخلٌ يثير اهتمام القراء، ويعتبر حافزًا لهم على القراءة، وعاملًا من العوامل التي يعتمد عليها في المحافظة

стр. 463

على اهتمامهم بالموضوع، ومقنعًا لهم كذلك بأن ما سيقرءونه متصل بهم وبحياتهم على نحوٍ ما. ثالثًا: يلي المدخل ما يعمد إليه المحرر عادةً من الإدلاء بمعلوماتٍ جديدةٍ، وأخبارٍ مثيرةٍ يأتي بها الكاتب أملًا في كسب ثقة القارئ، وإشعاره إذ ذاك بأن ما يقرؤه جديد على سمعه تمامًا. على أن أهم ما في الموضوع, هو الطريقة التي يعرض بها الكاتب معلوماته وأفكاره وحقائقه، وطريقة العرض لا تحتاج إلى شيءٍ كحاجتها إلى سلامة الذوق، وسمو النفس، وعظم الموهبة الصحفية التي تكاد تولد مع الفرد، وكما أن الطاهي الماهر يستطيع أن يقدم لك طبقًا من الطعام تلتهمه التهامًا، وتزدرده ازدرادًا، في لحظاتٍ قصار، فكذلك المحقق الصحفيّ الموهوب, يستطيع أن يقدم لك مادةً شائقةً، تقرؤها بلهفةٍ عظيمةٍ، وسرعةٍ متفوقةٍ. رابعًا: العناية التامة بعد ذلك بإيراد الأمثلة والشواهد، وهنا ينبغي للكاتب أن يقلل ما أمكنه من الاعتماد على المبالغة والتهويل يشتري بهما اهتمام قرائه؛ إذ الواقع أنه ينزل بهما في أعينهم إلى منزلة المهرج الذي يبعث عمله على الهزء والسخرية، بدلًا من أن يبعث على الاحترام والثقة. كل ذلك مع المراعاة التامة للتناسب الكامل بين أجزاء التحقيق الصحفيّ، بحيث لا تكون المقدمة أطول من صلب الموضوع، أو تكون الأدلة أقل مما يلزم لإقناع القراء. وكل ذلك أيضًا مع الاعتماد في الاحتفاظ التام باهتمام القراء على ما ركبه الله فيهم من الغرائز التي من أهمها غريزة حب الاستطلاع, التي ينبغي أن يصدر الكاتب عنها في كل ما يقدمه لقرائه من حينٍ لآخر. ثم الاعتماد -كما قلنا- على علم النفس، وعلم الأخلاق، وعلم الاجتماع, في كل تحقيقٍ صحفيٍّ يمكن تقديمه إلى الصحيفة.

стр. 464

ونعود فنقول: إنه مما لا شك فيه أن التحقيق الصحفيّ الذي لا يبنى على شيءٍ من هذه العلوم, التي أشرنا إليها يفقد الغرض الذي كتب من أجله أولًا، ويفقد القراء الذين يتهافتون على قراءته بعد ذلك. خامسًا: وأخيرًا تأتي الخاتمة, وهي آخر ما يستقر في ذهن القارئ، فلا بد من أن تكون تلخيصًا للحقائق الأساسية لموضوع التحقيق، أو تأكيدًا للقضية الهامة التي من أجلها نشر هذا التحقيق بالصحيفة. وكثيرًا ما تنجح المادة الصحفية -أيًّا كان نوعها- متى وفق الكاتب إلى عبارةٍ قويةٍ يختمها بها، وتمتاز بقدرتها على تلخيص الفكرة الأساسية من جهة، وعلى المطابقة التامة لموضوع هذه المادة الصحفية من جهةٍ أخرى. خطوات الحصول على التحقيق الصحفيّ: جرى المحررون الصحفيون في كتابة التحقيق على اتباع هذه الخطة التي بنيت عندهم على خطوات خمس: أولًا: جمع الحقائق اللازمة لكتابة التحقيق. ثانيًا: جمع الأحاديث اللازمة له أيضًا. ثالثًا: وضع الخطة التي يكتب بها الموضوع. رابعًا: التفكير في الأسلوب الممتع الجذاب الذي يكتب به هذا التقرير. خامسًا: مطابقة التحقيق لسياسة الصحيفة. وتقول السيدة "هيلين باترسون" التي مر ذكرها: "إننا ما دمنا نتفق على أن التحقيق الصحفيّ لا بد أن يمر بهذه الخطوات الخمس, فيجب أن تعرف الأهمية التي لكل خطوة منها, بالقياس إلى الأربع الأخرى، وعندي أن هذه الأهمية يمكن أن تصبح متكونةً من النسب المئوية الآتية، وهي: ١٠% لجمع الحقائق اللازمة.

стр. 465

١٠% لجمع الأحاديث. ٤٠% لخطة الموضوع. ١٠% للأسلوب الممتع الجذاب. ٣٠% لمطابقة الموضوع لسياسة الصحيفة. ومعنى ذلك أن الأهمية الأولى في نظر السيدة الباحثة لخطة الموضوع أو للتحقيق، والأهمية الثانية لمطابقة الموضوع لسياسة الصحيفة, أما العناصر الثلاثة الباقية وهي: جمع الحقائق، وجمع الأحاديث، والأسلوب الممتع الجذاب, فكلها تأتي بعد العنصرين السابقين في الترتيب من حيث الأهمية، وكلها تتساوى في هذه الأهمية، بحيث لا يزيد أحدها عن الآخر، ولا يقل عنه.

стр. 466

مصادر التحقيق الصحفيّ, ونموذج له: لهذا الفن من فنون الصحافة -بوجهٍ عامٍّ- مجال يسبح فيه، ويدور معه، وهو مجال "المشكلات العامة" التي تعرض للمجتمع كله تارةً، وتعرض لطائفة من طوائفه تارةً أخرى. من أجل ذلك لا يشترط في موضوع التحقيق ما يشترط في الخبر من عامل "الجدة الزمنية"، ولكن مهارة الكاتب الصحفيّ تظهر دائمًا في إيهام القارئ بأن الموضوع الذي يتناوله في تقريره مشكلة من المشكلات الهامة، وأنها تتطلب حلًّا سريعًا يتقدم به المعنيون بهذه المشكلة، وأن في استطاعة بعض القادرين من غير هؤلاء أن يشاركوا في إيجاد الحل اللازم لها متى استطاعوا ذلك، ووظيفة التحقيق الصحفيّ في هذه الحالة تنحصر -أو تكاد تنحصر- في جمع الآراء من هنا وهناك، والتأليف بينها قصد الوصول إلى الحل المطلوب. وإذن, فكما يُبْنَى المقال الأدبيّ، أو العلميّ، أو الصحفيّ, على فكرة يتلقفها الكاتب من الوسط الذي يعيش فيه، وينفعل به، فكذلك يُبْنَى التحقيق الصحفيّ على مشكلةٍ يتلقفها المحرر من الوسط الذي يعيش فيه، ويتعاون معه، وما أكثر هذه المشكلات لمن يحاول الوقوع عليها، والنفوذ إليها من باب الصحافة، أو من باب الأدب. فهناك مشكلة الأسرة، ومشكلة التعليم، ومشكلة الشباب، ومشكلة البطالة، ومشكلة المرض، ومشكلة الفقر، ومشكلة الجهل ... إلخ. والحق أن كل وضع من أوضاعنا مشكلة، وفي كل مرفق من مرافقنا العامة مشكلة، وشعورنا بهذا الشعور دليل على حيويتنا العظيمة، وعلى رغبتنا

стр. 467

في الوصول إلى الأوضاع السليمة، والطرق المستقيمة، وتلك سنة البقاء والوجود متى أريد أن يكون وجودًا سليمًا وسائرًا في طريقه إلى التقدم المستمر. وكما يكون موضوع التحقيق إحدى المشكلات التي تهم طائفة من الناس، كذلك يمكن أن يكون موضوع التحقيق شخصية من الشخصيات الكبيرة، أو مكانًا من الأمكنة ذات الذكريات الوطنية العزيزة، أو رحلة من الرحلات، أو حفلة من الحفلات، أو مهرجانًا عظيمًا، أو كشفًا علميًّا جديدًا، وهكذا. ومن هنا تنوعت أشكال التحقيق، كما تنوعت القوالب التي ينصب فيها -كما رأينا- وتنوعت كذلك المصادر التي ينبع منها. فما هي مصادر التحقيق الصحفيّ على وجه الإجمال؟: يرى الأستاذ "بلير Bleyer" أن للمحقق الصحفيّ أن يرجع إلى مصدر من هذه المصادر الخمسة، وهي: أولًا: أخبار الصحف فربَّ نبأٍ عن وفاة عالمٍ من العلماء, أو أديبٍ من الأدباء، أو زعيمٍ من الزعماء, يبعث على كتابة مقال أو تقرير، يتناول فيه المحرر حياة الرجل، ويصف بلاءه في الحياة العامة، ويعرض لمبادئه التي يكافح من أجلها طول حياته. ورُبَّ نبأٍ عن هدم بيتٍ قديمٍ يثير في نفس الكاتب رغبةًَ ملحةً في كتابة تقرير من النوع السابق، بل رُبَّ نبأٍ سريعٍ عن قرب انتخاب رئيس جديد للجمهورية, يحمل الكاتب على الرجوع إلى الأعداد القديمة من الصحف؛ ليحصل منها على معلومات عن الطريقة التي يتم بها انتخاب رؤساء الجمهوريات، وهكذا.

стр. 468

ثانيًا: الملاحظة الشخصية وهذه مجالها واسع أمام المحرر، ومادتها غزيرة لا تكاد تنضب، وطرق الوصول إليها تتعدد بتعدد الأشخاص القادرين على هذه الملاحظات، فاختلاف الكثير إلى المعارض والمتاحف، وغير ذلك من الأماكن, يمكنك دائمًا من الكتابة في هذه الموضوعات، ومن تسجيل ما تلاحظه فيها، وقيامك بعملٍ ما من الأعمال التى تهم الجمهور؛ كالشرطة أو القضاء, أو الطب, أو التعليم, يسمح لك بأن تجمع الملاحظات والمعلومات عن هذه المهنة، وذلك في وقتٍ يكون فيه الجمهور على استعدادٍ لتتبع ما تكتبه عنها. والمحرر الصحفيّ مطالب على الدوام بأن يكون من أكبر الناس تنبيهًا في مثل هذه الموضوعات العامة، وقدرةً على رؤية وجوه النقص فيها. ثالثًا: التجربة الإنسانية قد تصلح التجربة الإنسانية في ذاتها موضوعًا للتحقيق الصحفيّ، فمكافحة شعب من شعوب الأرض ضد الاستعمار، ونجاة أحدٌ من الناس من الانتحار، وقوفك لحظةً أمام المحكوم عليه بالإعدام، كل هذه وأمثالها تجارب إنسانية, تصلح كل واحدةٍ منها لِأَنْ تكون موضوعًا لتحقيقٍ صحفيٍّ. على أن هذه التجارب الإنسانية في ذاتها مصدر لشيئين عظيمين هما: الأدب من جهة، والصحافة من جهة ثانية، وإن كانت إلى الأول أقرب، وبه أشبه. رابعًا: الأحاديث الصحفية وهذه من المصادر القيمة للإعلام, والتقرير على السواء، فرب حديثٍ صحفيٍّ يتناول موضوعًا ما, يوحي إلى المحرر الذكي بموضوعات أخرى لا تصلح لأن تكون جزءًا من الحديث الأصليّ، ولكنها تصلح أن

стр. 469

تكون موضوعًا مستقلًّا عنه، ورُبَّ حديثٍ صحفيٍّ مع شخصيةٍ ذات حظٍّ كبيرٍ من الشهرة, يترك في نفوس الجماهير أثرًا من نوعٍ خاصٍّ, يصلح أن يكون في ذاته موضوعًا لتحقيقٍ صحفيٍّ. خامسًا: النشرات والوثائق كثيرًا ما يكون في هذه النشرات من المعلومات المبسطة في العلم، أو في الفن، أو في الأدب, أو في الفكر, ما يتيح أثمن الفرص أمام المحرر الصحفيّ لكتابة تقرير, أو تحقيقٍ يقرؤه الجمهور, فيفهم عن هذه العلوم أو الفنون قدرًا لا يفهمه عن طريق الكتب الخاصة. ولا شكَّ أن تبسيط العلوم، وطرق الإفادة منها، وتنوير الشعب عن هذا الطريق -كل أولئك من عمل صحفيّ- وليس من عمل الأديب, أو العالم, أو الفنان, أو الباحث المتخصص في أي نوع من أنواع المعارف الإنسانية. نموذج من التحقيق الصحفيّ: إن الأمثلة على ذلك كثيرةٌ لا حصر لها, يمكن أن تؤخذ من التحقيقات الصحفية التي نشرت في الأعوام الأخيرة بالصحف المصرية، وسأكتفي بِمَثَلٍ واحدٍ منها, يغني عن بقيتها، وهذا المثل هو التحقيق الذي نشرته مجلة "آخر ساعة" بالعدد ١٠٣٩, بتاريخ ٢٢ ديسمبر سنة ١٩٥٤، وموضوعه: "فساد النظام البيروقراطي في وزارة التربية والتعليم" وقد جرى فيه المحرر على الخطة الآتية: أولًا: عُنِيَ بكتابة العنوان الرئيسيّ, فجعله هكذا: الأخطبوط الذي يواجه كمال الدين حسين في مجاهل العلم ثم أدرف ذلك بعنوانات أخرى غير رئيسية على هذا النحو:

стр. 470

٣٠٠ ألف ملف في طريق الضياع هيلانة جرجس تخرجت من الأزهر الشريف مشاكل ١٥٠ ألف موظف، وملايين العقد فيها ثانيًا: دخل الكاتب على الموضوع دخولًا مثيرًا بالطريقة الآتية, حيث قال: "أجراس الخطر تدق في وزارة التربية والتعليم.. أكبر وزارة في مصر.. الوزير كمال الدين حسين يقود المعركة.. ويعلنها صريحة مدوية.. خمسة آلاف معلم ومعلمة ينتمون إلى خمس وعشرين طائفة.. لا ترابط بينها ولا تعاون.. ولا بد من توحيد جهودهم لصالح التلاميذ! كان لكلِّ وزير فيما مضى سياسة خاصة، وطائفة معه تسانده، وتناصر على حساب الطوائف الأخرى، وقد آن الأوان للقضاء على الطائفية! الجهاز الإداري في الوزارة والجامعات مصاب بالشلل، والأعمال تسير بخطوات السلحفاة، ولا بد من أن تعلن الحرب على الروتين الذي تغلغل في جميع المرافق. ثالثًا: أتى دور المعلومات التي سعى المحرر في الحصول عليها، وكتبها ليكسب ثقة القارئ، ويضمن انتباهه، فأخذ انتباهه، فأخذ المحرر يكتبها بهذه الطريقة: تركة مثقلة بالديون: للمرة الأولى تشهد وزارة التربية والتعليم وزيرًا يكشف حقيقة موقف الوزارة, وموقفه من المشاكل التي تعترض طريقه، ومن التركة المثقلة التي آلت إليه! وهذه الصراحة التي تواجه بها الموقف لونٌ جديدٌ لم يكن مألوفًا عند الوزراء السابقين، فقد كانت هناك عقبات ومشاكل في طريق كل وزير

стр. 471

جديد.. كان هناك فساد، وقليلون هم الذين كان يخطر ببالهم أن الفساد قد ظهر في وزارة العلم والنور! كان هناك -ومن كان يصدق- سرقات بلغت ربع مليون من الجنيهات من أقوات التلاميذ، ولم يكشف عنها سوى ديوان المحاسبة! وكانت هناك ثورة مشتعلة في نفوس الموظفين لفساد الجهاز الإداريّ في الديوان, وفي الجامعات.. ولم تحظ ثورة الموظفين من كل وزير إلّا بابتسامة رقيقة! رابعًا: جاء دور الشواهد والأمثلة, فذكرها الكاتب بقوله: وشُكِّلَتْ لجنةٌ لحصر التركة, فوجدت حقائق مرة!: ٨٢ ألف موظف يشغلون جميع الدرجات الدائمة والمؤقتة، ٣١ ألف مستخدم خارج الهيئة.. لكل من هؤلاء مشكلة، إما في ترقيته, أو في تسوية حالته، أو في ادخاره وتأمينه, أو معاشه. ٤٦٦٣٦ حالة مدرس يستعجلها وزير المالية باسم الإنسانية في خطاب مؤثر, يقول فيه لزميله وزير المعارف السابق بالحرف الواحد: "إن الوزارة تهاونت في إرسال استمارات التأمين والإدخار, وإن إدارة الصندوق عاجزة تمامًا عن أداء رسالتها نحو الذين يستحقون معاشات أو تأمينات، وإن الجهود التي بذلت لإنصاف هؤلاء البؤساء وأسرهم قد ذهبت عبثًا بسبب إهمال المسئولين في وزارتكم". "إن بعض المدرسين الذين توفوا عام ١٩٥٢,لم تصدر قرارات فصلهم بعد، وعلى رأس هؤلاء المرحوم "حسن أبو العلا" المدرس بالمدرسة الإنجليزية للبنات, وإن ورثته ما زالوا ينتظرون عطف الموظف المختص" "وفي إدارة القيد والحفظ مشكلةٌ لا تقل خطورة عن مشكلة إدارة

стр. 472

المستخدمين, "فقد سيطر الروتين الحكوميّ سيطرةً تامةً على هذه الإدارة، وقضى بأن تحتفظ بـ ٣٠٠ ألف ملف في أرشيفٍ لجميع الموظفين، ولجميع الموضوعات الخاصة والعامة بكل منطقة، حتى ضاقت الحجرات المخصصة لذلك، واضطر الموظفون إلى إيداع الملفات في مخازن أشبه بعش العنكبوت، وضاعت ملفات الموظفين، وأصبح من العسير استخراج ملف موظف بعينه". وهكذا أخذ الكاتب يسوق الأمثلة الكثيرة، والشواهد العديدة على فساد الروتين الحكوميّ في وزارة التعليم، حتى بلغ الحد بهذا الروتين الحكوميّ أن وجد في أوراق وزارة التعليم ملف ذكر فيه أن "هيلانه جرجس عبد الملك" خريجة الجامع الأزهر الشريف إلى غير ذلك من الأوراق التي تبعث على السخرية من ذلك الروتين، وتصور المشكلة على أنها جديرة بعناية الوزير، وعناية الموظفين، وعناية الجمهور. خامسًا: ختم الكاتب تحقيقه الصحفيّ بهذه العبارة: الأمل المنتظر: إن ملايين الآباء والأمهات والتلاميذ والتلميذات يعيشون الآن على أملٍ كبيرٍ، أمل قيام نهضة تعليمية حقة, تنعم فيها البلاد بالاستقرار، وتهدأ أعصاب التلاميذ التي تحطمت من وطأة التغيير والتبديل. ويسيرٌ على القارئ أن يلاحظ أن كاتب هذا التحقيق -وهو هنا الأستاذ محمد نصر- اتبع خطةً صحيحةً في كتابة الموضوع، واتبع الخطوات الست التي سبقت الإشارة إليها في طريقة تحرير الموضوع، وإن جاءت الخاتمة قليلة الصلة بهذا الموضوع في صميمه؛ إذ الشكوى في التحقيق ليست من عدم الاستقرار، ولا من الحاجة إلى نهضة التعليم، وإنما الشكوى من فساد النظام الإداريّ أو البيروقراطيّ في الوزارة, ومن العبث بالناس.

стр. 473

الذين اتصلت مصالحهم بهذه الوزارة, ثم المطالبة بالتخفيف من وطأة هذا الروتين الحكومة الذي هو السبب الرئيسيّ في جميع هذه الأضرار. وجديرٌ بنا أن ننوه في ختام هذا الفصل بالتحقيقات الصحفية الناجحة التي كتبها الأستاذ محمد حسين هيكل رئيس تحرير الأهرام، وهي كثيرة ومعروفة لدى القراء في العالم العربيّ، وترجع شهرتها في الواقع إلى أسباب كثيرةٍ منها: أولًا: براعة الأسلوب الذي تكتب به هذه التحقيقات, وهو أسلوب يتميز بالإسهاب وطول النفس في العبارة, والاستطراد الذي يقود القارئ من فكرةٍ إلى أخرى بدون أن يشعر أو يمل. ثانيًا: أنها تعبِّرُ أوضح تعبيرٍ عن منهج الأهرام وسياسته حتى بدت الأهرام للقراء كأنها لسان حكومة الثورة, واعتقد الكثيرون -إن صدقًا وإن كذبًا- أن كاتب هذه التحقيقات, إنما يرجع إلى السيد رئيس الجمهورية ويعبر فيها عن رأيه. ثالثًا: إن هذه التحقيقات تميزت كذلك بالتوقيت الدقيق، ووضع النقط على الحروف، والإجابة الصريحة عن كل سؤال من الأسئلة التي تقفز إلى أذهان القراء عقب كل مشكلة من المشكلات السياسية، كما نجحت هذه التحقيقات في شرح العلاقة السياسية بين الجمهورية العربية المتحدة وكل من المعسكر الشرقيّ والمعسكر الغربيّ, والدول التي تدور في فلك هذين المعسكرين. ولا يتسع هذا الكتاب للإتيان, ولو بنموذج واحد من هذه التحقيقات التي تنشر في يوم الجمعة من كل أسبوع، وتملأ الصفحة الأخيرة كلها بجميع الأعمدة الثمانية التي تشتمل عليها، فليرجع إليها من أراد.

стр. 474

وبعد, فليست هذه القواعد والأصول قيودًا من حديدٍ, نريد أن نضعها في يد الكاتب أو المحرر، بل هي لا تعدو أن تكون أمورًا يهتدي بها في كتابة هذا الفن الصحفيّ؛ إذ المعول في كل ذلك على الوهبة الصحفية أولًا, وعلى حسن التصرف, وسلامة الذوق من جانب الكاتب الصحفيّ نفسه بعد ذلك.

стр. 475

الماجريات وطريقة تحريرها: "الماجرى" لفظ مركب من كلمتين هما: "ماء" و"جرى" بمعنى "ما حدث" وهو اصطلاح صحفيّ لا يجرى بمعناه اللغويّ على الأحداث التي تقع في أي مكان، كالطريق، أو المنزل، أو المدرسة، أو المكتب, أو الجامعة، أو الملعب، ونحو ذلك، وإنما يقصد بهذا الاصطلاح كل ما يحدث في الجلسات التي تعقدها الهيئات العامة ذات الصلة الوثيقة بمصلحةٍ عليا من مصالح الوطن الذي تصدر فيه الصحيفة، والأوطان التي تربطها به علاقة ما ١. ونحن نعرف أن الصحف في وقتنا هذا تفرد مكانًا خاصًّا لهذه الجلسات, وتكل إلى محرريها وصف ما يدور بها من مناقشات، وما يتخذ فيها من قرارات، وإن كانت الإذاعة في الوقت الحاضر -كما سيكون التليفزيون في وقت قريب- منافسًا خطيرًا للصحافة في هذا الباب- مع فارق واحد بينهما في ذلك، هو أن الإذاعة لا تعلق في الغالب على هذه الجلسات بالذات فور إعلانها, إلّا من حيث إنها نبأ من الأنباء، وهناك فارق آخر هو أن التليفزيون يمكنه أن يعرض هذه الجلسات على الجمهور كما هي تمامًا، وكذلك تفعل الإذاعة إن أرادت، على حين أن قلم المحرر الصحفيّ لهذه

стр. 476

الماجريات يؤدي دورًا هامًّا في تصويرها للقارئ, بما يتفق وسياسة الجريدة، فيحذف ما يشاء أن يحذف من أقوال الأعضاء، ويثبت ما يشاء أن يثبته منها. أما هذه الهيئات العامة ذات الصلة الكبرى بمصالح الوطن الذي تصدر فيه الجريدة فكثيرة, من أهمها: مجالس النواب، والمحاكم على اختلاف أنواعها، والمؤتمرات السياسية في بلاد تربطها بها مصلحة عليا، والمؤتمرات أو الجلسات الهامة التي تعقدها جميع المنظمات الدولية التي تشترك فيها أكثر من دولتين من دول العالم, ومن الأمثلة على هذه المنظمات: عصبة الأمم فيما مضى، ومؤتمر نزع السلاح، وهيئة الأمم المتحدة، ومؤتمرات جامعة الدول العربية، ومؤتمر العمال الدوليّ، ونحو ذلك. والعناية بالجلسات التي تعقدها هذه المجتمعات، أو المنظمات, أو الهيئات، وتسجيل المناقشات التي تدور فيها، والقرارات التي تتخذها، ووصف الجو المحيط بكل جلسة من هذه الجلسات, كل ذلك موضوع "الماجريات الصحفية" التي نتحدث عنها. ورُبَّ قائلٍ يقول: وما الفرق إذن بين الأخبار والماجريات؟ والجواب أن بينهما فروقًا, من أهمها ما يلي: أولًا: أن الماجرى يتناول أعمال الهيئات التي أشرنا إليها، وهذه الهيئات قسمان؛ أحدهما ذو صبغة وطنية أو محلية، ومنه المحاكم ومجالس النواب، والمؤتمرات الوطنية التي تنعقد في مناسبات خاصة، والآخر ذو صبغة عالمية، ومنه الهيئات الدولية الكبرى؛ كهيئة الأمم المتحدة بمنظماتها المختلفة، ومنها -كما نعرف- مؤتمرات العمال الدولية، ومؤتمرات الصحة العالمية، والبنك الدوليّ للإنشاء والتعمير، ومجلس الأمن، ولجنة حقوق الإنسان، والمجلس الاقتصاديّ الاجتماعيّ، ومجلس الوصاية، ومحكمة العدل الدولية.

стр. 477

وعلى حين يجب على محرر "الماجريات الصحفية" أن يعنى بهذه الجلسات عنايةً خاصةً، ويكتب عنها تقريرًا من نوع خاصٍّ، نرى محرر الأخبار لا تعنيه هذه الأمور، ولا يكلف من قبل الصحيفة بشيء منها، بل تقف عنايته عند نتائج هذه الماجريات، ومواعيد حدوثها، والأمكنة التي حدث فيها. ثانيًا: أن الماجرى ليس مجرد سردٍ للأخبار والحقائق, يقصد به إلى مجرد الإعلام، لكنه -أي: الماجرى- يشتمل على عنصرين في وقت معًا، وهما:عنصر الإعلام، وعنصر التوجيه والإرشاد، وقد يضاف إليهما عنصر التعليق البسيط, في غضون التقرير متى دعت الضرورة لذلك، والماجرى على هذا الوجه عبارة عن تقرير مفصل لحادث كبير, عقدت له جلسات هامة، حضر فيها ممثلون عن الدول التي تصدر فيها الصحيفة، أو الدول التي تربطها بها مصلحة كبيرة. ثالثًا: أن مهمة الأخبار يمكن أن يقوم بها صحفيّ ناشيء، أو مخبر مبتديء، على حين أن الماجريات يجب ألَّا يضطلع بها إلّا صحفيون من ذوي الخبرة الطويلة والثقافة العريضة، وخاصةً فيما يتصل بالماجريات الدبلوماسية والدولية، فإن هذين النوعين من الماجريات يحتاجان في الواقع إلى أفق سياسيٍّ واسعٍ، وإلى علم بالسياسة مكتمل. ولسائل كذلك أن يسأل: ما الفرق بين الماجرى الصحفيّ، والتحقيق الصحفيّ؟ ونقول: إن بينهما فروقًا منها: أولًا: أن التحقيق أعم، والماجرى أخص، أي أن الماجرى يمكن اعتباره -بشيء من التساهل- نوعًا من التحقيق- ولكن لا يمكن أن يعتبر التحقيق نوعًا من أنواع الماجريات بحالٍ ما.

стр. 478

ثانيًا: أن التحقيق الصحفيّ -كما رأينا- قائم في أكثر الأحيان على دراسات المتخصصين، وآراء الفنيين، وقد يقتصر مجهود المحرر الصحفيّ في هذه الحالة على جميع هذه الآراء، وتسجيل هذه الدراسات، أو عرضها بشكل يحذب التفات القارئ، ويشركه في التفكير الجديّ للوصول إلى حل من المحلول لهذه المشكلة التي يعرض لها التحقيق. أما في الماجريات فالمجهود كله واقع على كاهل المحرر، والتنظيم كله صادر منه أيضا، والماجريات على هذه الصورة الأخيرة ذاتيةً في كثير من الأحيان، أي: أنها تحمل -إلى حد ما - طابع كاتبها، على حين أن التحقيق الصحفيّ موضوعي في أكثره، أي: أنه لا يحمل -في الغالب- مثل هذا الطابع. ثالثًا: أن التحقيق الصحفيّ يعتمد دائمًا على الصور الكثيرة التي لا غنى له عنها، أما الماجريات الصحفية فأقل حاجةٍ إلى هذا العنصر؛ إذ يكتفي كاتب الماجريات بصورةٍ واحدة فقط للقاعة التي حدثت فيها المناقشات، أو للشخصية البارزة التي استطاعت السيطرة على هذه المناقشات، وقد تظهر هذا الماجريات في الصحيفة بدون صور على الإطلاق. رابعًا: أن الماجريات الصحفية إنما تتناول الحوادث القريبة، أو ما يطلق عليه "حوادث الساعة"، بينما التحقيق الصحفيّ يمكن أن يتناول الحوادث البعيدة، أو الموضوعات التي توصف بالجدة الزمنية، كمشكلة الغلاء، ومشكلة البطالة، ومشكلة الزواج والطلاق، ومشكلة الروتين الحكوميّ. أنواع الماجريات وطرق تحريرها: إننا إذا ذهبنا نحصي الماجريات الصحفية بوجهٍ عامٍّ وجدناها أربعة أنوع:

стр. 479

١- الماجريات البرلمانية. ٢- الماجريات القضائية. ٣- الماجريات الدبلوماسية. ٤- الماجريات الدولية. وبدهيّ أن محرر هذا الفن من فنون الصحافة يحتاج إلى معرفة دقيقة باللغة اليومية، إن كانت الماجريات مما يتصل بدور النيابة أو القضاء، وباللغات الأجنبية إن كانت الماجريات مما يتصل بالسياسة، وخاصة ما دار منها في إحدى منظمات هيئات الأمم. أما الطريقة العامة التي تتبع في تحرير الماجريات فشبيهة بالطريقة العامة التي تتبع في كتابة القصة الإخبارية، ومعنى ذلك باختصار: أن محرر الماجريات لا بد له من كتابة العنوانات الكبيرة، فالتي أصغر منها؛ لكي يلفت إليها نظر القارئ، وعلى محرر الماجريات بعد ذلك أن يجعل لهذا النوع من التقرير الصحفيّ صدرًا, يثبت فيه أهم النتائج التي يشتمل عليها التقرير، وصلبًا يحتوي على التفاصيل، ومنها كلمات المؤيدين، وردود المعارضين، وصف الجوّ الذي كاد يسود الجلسة، وتسجيل القرارات التي اتخذتها. على أن هناك فرقًا تجب مراعاته دائمًا بين القصة الخبرية والتقرير الذي على شكل ماجريات، ويأتي هذا الفرق من ناحية التفاصيل في كل منهما، وهذه التفاصيل في القصة الإخبارية ليست لها الأهمية التي للتفاصيل في الماجريات الصحفية. ولتوضيح ذلك نقول: إنه بينما تستطيع الصحيفة أن تتصرف دائمًا في تفاصيل القصة الخبرية، فتحذف ما تريد أن تحذفه، وتثبت ما تريد أن تثبته تبعًا لظروف الطباعة، أو لظروف المساحة المخصصة للأخبار؛ إذ بالصحيفة لا تستطيع في أغلب الأحيان أن تتصرف في تفاصيل

стр. 480

الماجريات الصحفية، وخاصةً ما كان منها يتصل بالأمور السياسية، ففي هذه الحالات الأخيرة نرى التفاصيل تشتمل على القرارات، أو البيانات، أو الكلمات التي تصدر عن الملوك والرؤساء والوزراء ممن يشتركون في مؤتمر دبلوماسيّ، أو آخر دوليٍّ، وفي هذه الحالة يصعب على المحرر الصحفيّ أن يحذف من هذه المواد كلها شيئًا ما، إلّا عند الضرورة القصوى. وفي مجال تحرير الماجريات الصحفية يتفاوت الكُتَّابُ، وتظهر الفروق الواسعة بينهم في الكتابة. فهذا كاتب يميل إلى الإلمام بالموضوع في إيجاز، ويركز معلوماته تركيزًا خاصًّا، فيورد أهم الأحداث التي جرت داخل الجلسة، ويسجل أهم الأحاديث التي دارت بها، ولا يكترث لغير ذلك من الحوادث الصغيرة، أو الأحاديث العابرة, أو التي لا تؤثر في المجرى العام لسير الجلسة نفسها. ومثل هذا الكاتب أو المحرر, نراه يجهد نفسه كثيرًا في التفرقة بين الغَثِّ والسمين من هذه الحوادث، والمناقشات العامة والخاصة، وقصده من ذلك واضح، هو توفير وقت القارئ، أو كما يقول الأستاذ "ويكهام ستيد" فيما يلى: "إن من الضروري لكل صحيفة تريد لنفسها النجاح والرواج, أن تحرز في كل يوم نصرًا جديدًا في الإخراج, تتغلب به على عنصر الملل والركود عند القارئ، وكثيرًا ما يكون ذلك عن طريق التحرير الصحفيّ قبل أي شيء آخر". ثم إن هناك كاتبًا آخر-على العكس من الأول- يميل إلى الإسهاب والتفصيل، ويحرص الحرص كله على تسجيل شاردة وواردة، ويصور الجو العام للجلسة، ويطيل في ذلك، حتى ليصف للقراء ملابس الأعضاء، وألوان هذه الملابس، وحركات المتحدثين، وطريقة كل منهم في كلامه، وجداله، ومتى ارتفع صوته في هذا الجدال، ومتى انخفض،

стр. 481

ويجعلنا باختصار نشعر شعورًا كاملًا بأننا شهدنا معه الجلسة البرلمانية، أو القضائية، أو الدولية. غير أن هذه الطريقة القائمة على الإسهاب لا تصلح إلّا للطبعات التي تصدرها الصحيفة للأقاليم, لا للعاصمة؛ حيث الناس في تلك الجهات النائية يجدون الوقت الكافي لقراءة هذه التفاصيل، والاستمتاع بما فيها من أوصاف كثيرة، وتعليقات طريفة. أما الطبعة التي تصدر في العاصمة, فلا يصلح لها شيء من ذلك؛ إذ الناس في العاصمة يعرفون للوقت قيمته، فلا يميلون إلى تلك المواد الصحفية التي نسي محررها تقدير هذه التفرقة. وهذا كاتبٌ ثالثٌ تراه يخلط بين المذهبين السابقين، ويجمع بين الطريقتين الآنفتين؛ يوجز في مواطن الإيجاز، ويسهب في مواطن الإسهاب، ويتحاشى الإيجاز الذي يضيع الفائدة على القراء، كما يتحاشى الإسهاب الذي يطغى على جزء كبير من وقتهم، ويصرفهم عن عملهم، ولذلك يحفظ لنفسه طريقًَا وسطًا، لا تفريط فيه ولا إفراط. نستطيع بعد ذلك أن نقف وقفةً قصيرةً عند كل ضرب من الأضرب الأربعة السابقة للماجريات، لنشرح شيئًا من الطرق المتبعة في كتابته، والأمور التي ينبغي توافرها في كاتبه ومحرره.

стр. 482

الماجريات البرلمانية: اعتاد المحررون الصحفيون أن يمهدوا لهذا النوع من الماجريات بعرضٍ سريعٍ يصفون به أهم الأحداث التي جرت بالجلسة، ويشيرون فيه إلى أهم المناقشات التي دارت بها، وينوهون فيه بأهم الأعضاء الذين اشتركوا في المناقشة، وكثيرًا ما يضمنون هذا العرض إشارةً إلى أهم القرارات التي اتخذها المجلس. وقد يحدث أن يهمل المحرر البرلمانيّ -عن قصد- بعض الأعضاء الذين كانت لهم مشاركة قوية في مناقشات المجلس، فلا يذكر أسماءهم، ولا يتعرض لهم بمدح أو بذم، يفعل ذلك حقدًا منه على هؤلاء، لأنهم ينتمون إلى حزب غير الحزب الذي تدافع عنه الصحيفة! وبعد الفراغ من العرض على هذا النحو يدخل المحرر البرلمانيّ في الموضوع مسجلًا فيه ما رأي وما سمع في هذا الجلسة، وإذ ذاك ينبغي له أن يجتهد في مراعاة أشياء منها: أولًا: العناية التامة بالموضوع الأساسيّ للمناقشة، والالتفات إلى أظهر المتكلمين؛ فيعرف كيف دخل كل منهم في الموضوع، وما هي الطريقة التي سلكها في الإقناع، وما الرأي الذي اتجه إليه في المناقشة، ومتى انبرى له العضو المعارض، وكيف ساق حججه وأدلته. ثانيًا: يجدر بالمحرر البرلمانيّ أن يسير في تقريره على النظام الذي سارت فيه الجلسة، فإذا بدأ المجلس بالرد على الاستجوابات التي كان قد قدمها الأعضاء، ثم قام المجلس بعد ذلك بتشكيل اللجان المختصة، وإحالة الموضوعات المختلفة إلى كل منها، ثم دخل المجلس بعد ذلك في مناقشة هامة

стр. 483

حول موضوع معين، فعلى المحرر البرلمانيّ أن يسير في تقريره -كما قلنا- على هذا النظام، حتى يريح نفسه ويريح معه القراء. ثالثًا: على المحرر البرلمانيّ كذلك ألّا ينسى الجو العام للجلسة، ولا بأس من اتصاله بالأعضاء قبيل الجلسة -متى أمكنه ذلك- حتى يعرف نياتهم، ويقف على اتجاهاتهم، ويستشف مشاعر الأعضاء الذين يمثلون الأحزاب المختلفة. رابعًا: يحسن بالمحرر البرلمانيّ أن يؤجل كتابة البيانات، والخطب الطويلة إلى نهاية التقرير الذي يكتبه، حتى لا يقطع على القارئ سير الجلسة حين يقرأ عنها في الصحيفة. خامسًا: على المحرر البرلمانيّ أن يهتم اهتمامًا خاصًّا بنهاية الجلسة، وكيف وصل الأعضاء فيها إلى قراراتهم، وما هي هذه القرارات بالتفصيل. وللمحرر البرلمانيّ في هذه الحالة أن يعتمد على " المضبطة الرسمية" لمجلس النواب، وله في هذه الحالة أيضًا أن يدخل على هذه المضبطة بعض الحواشي، ويقسمها إلى فقرات، ويجعل لبعضها عنوانات، حتى يسهل على القارئ العاديّ تتبعها دون ملل أو سأم. غير أن الأفضل للصحفيّ دائمًا ألّا يعتمد على "المضبطة الرسمية"، فقد يترتب على ذلك تأخير وصول التقرير البرلماني إلى الصحيفة، وقد ينجم عن هذا السبب تأخير صدور الصحيفة عن الوقت المحدد، على أن "المضبطة" في ذاتها, قد لا تصور الوقائع التي يحرص القارئ على معرفتها معرفة جيدة. الطريقة الحديثة في كتابة التقرير البرلمانيّ: إن من أحدث الطرق في كتابة التقرير البرلمانيّ ما تعمد إليه بعض الصحف الأوروبية في الوقت الحاضر؛ إذ يتعاون مندوبو الصحف المختلفة

стр. 484

بعضهم مع بعض على أداء المهمة، فينظمون أنفسهم في شرفة الصحافة على هيئة فرقة، ويكون لكل منهم رقم خاص يعرف به، ويدل عليه، وينتخبون من بينهم رئيسًا لهم, ينظم تسجيل الواقع داخل الجلسة، فتعطى الإشارة للأول في بداية الجلسة؛ فيقوم بالعمل مدة دقيقتين فقط، ثم تعطى الإشارة إلى الثاني، فالثالث، فالرابع، وهكذا، ولما كان هؤلاء المندوبون يستخدمون في عملهم هذا "ورق الكربون" فإنه يتوفر لديهم -في نهاية الجلسة- عدد كافٍ من النسخ لجميع المندوبين المشتركين في وقائعها، وبهذه النسخ يمكنهم أن يذهبوا إلى مكاتبهم، كل في الصحيفة التي يعمل بها. ذلك أن للإنسان طاقة محدودة، وهو قادر على تركيز قواه البدنية، والعقلية فترةً وجيزةً، لا تفوته شاردة، ولا واردة فيها, أما إذا قام بهذا العمل ساعات طويلة، فلا شك أنه يعجز عن أدائه على الوجه الأكمل، وقد يفلت منه الزمام ويدركه السأم في أخطر جزء من أجزاء الكلام، أو أهم واقعة من وقائع المجلس. ومما هو جدير بالذكر أن صحيفة "التايمز" الإنجليزية, تنفرد دون غيرها من الصحف البريطانية بوجود جهاز لها، هو "التلغراف الكاتب TELEPRINER" بدار البرلمان الإنجليزيّ، وبه تستطيع أن تحصل في الحال على ما يجري من مناقشاتٍ داخل البرلمان دقيقة بدقيقة، وتستطيع الصحيفة أن تتصرف بعد ذلك في طبعة العاصمة، وطبعات الأقاليم بما تراه. ولاشك أن مثل الجهاز يتيح للمحررين الصحفيين فرصة التفرغ لمشاهدة الجلسة، والتأمل في وثائقها، ودراسة الشخصيات الهامة التي اشتركت فيها، بحيث يستطيع المحرر الصحفيّ بعد ذلك أن يكتب الماجريات البرلمانية كتابةً دقيقةً، تستوفي جميع مطالب الجمهور القارئ لمثل هذه الصفحة الهامة من صفحات الجريدة.

стр. 485

نموذج من الماجريات البرلمانية: عقد مجلس النواب المصريّ في الثاني من شهر أبريل سنة ١٩٤٧ جلسة, كان من أهم موضوعاتها الاستجواب الذي قدمه الأستاذ مكرم عبيد عن مصادرة الصحف، ونشرت صحيفة "الأهرام" الصادرة في الثالث من ذلك الشهر تقريرها عن هذه الجلسة بعنوان: في مجلس النواب: الاستجواب عن مصادرة الصحف: كلمة مكرم عبيد, وبيان رئيس الحكومة: بدأت جلسة النواب في مساء أمس بأن حلف اليمين الدستورية "فلان وفلان من النواب الجدد"، ثم أحيلت مشروعات القوانين الجديدة إلى اللجان المختصة، ومنها مشروع قانون التعامل في الأوراق المالية، ومشروع قانون بعدم قبول الطعن في أعمال وزير المالية الخاصة بالحراسة فقط. شركة مياه الاسكندرية: وأجيب بعد ذلك من الأسئلة الباقية، وكان أولها سؤالًا للنائب "فلان"عن مدة التزام شركة مياه الأسكندرية، وانفرادها بتحديد سعر المياه في المدينة, بأن العقد ليس به مدة محدودة، ولكن البلدية ترى أنه ليس له صفة الدوام، أما أسعار المياه فمحدودة في العقود، ولكن للسلطة مانحة الامتياز حق تعديلها. الاستغناء عن البعثة العسكرية: وأجيب عن سؤالٍ للنائب "فلان" عن موعد الاستغناء عن البعثة العسكرية, بأنه تقرر إنهاء عقود نصف أعضاء البعثة في آخر شهر يونيه، والنصف الآخر في نهاية العام.

стр. 486

في المدارس الأجنبية: وأجيب عن سؤالين للنائبين "فلان" و"فلان" في صدد إلزام المدارس الأجنبية باحترام دين الدولة الرسميّ، بأن الوزارة لما بلغها بأن مدرسة "سانت أنطوان" وزعت كتابًا على التلاميذ به طعنٌ في الدين الإسلاميّ قامت بمصادرته، وإجراء التحقيق، ومنعت دخوله إلى البلاد، وأرسلت مفتشها إلى جميع المدارس الأجنبية لفحص الكتب المدرسية وغيرها مما يوجد في مكتباتها، واتخاذ الإجراءات اللازمة ضد أية مدرسة تحتفظ بأي كتاب يشتمل على طعنٍ في الدين الإسلاميِّ. حول التصريح ببطاقات الغزل: وأجيب عن سؤال للنائب "فلان" عن شركة الفيوم للنسيج، وهل منحت بطاقة غزل استثناء ببيانٍ طويلٍ, مدعم بالأدلة, يستخلص منه أن تقرير بطاقة لهذه الشركة إنما كان تطبيقًا لقاعدة عامةٍ تهدف إلى خدمة صالح التموين، دون نظر إلى أي اعتبار آخر، وأنه لم يكن لأشخاص المتقدمين بالطلبات أيّ تأثير في توجيه الوزارة إلى القرار الذي اتخذته. الموافقة على تسعة مشروعات: ثم وافق المجلس بنداء الأسماء على تسعة مشروعات, قوانين تَمَّ بحثها بالفعل في الجلسة الماضية. حرية الصحافة: وعلى أثر ذلك أخذ المجلس في مناقشة الاستجواب الموجه إلى دولة رئيس الوزراء من معالي مكرم عبيد "باشا" والأستاذ محمد حنفي الشريف في مصادرة الصحف، والتجاء الحكومة إلى أوامر الحظر دون سبب قانونيّ. كلمة مكرم "باشا": وأُعْطِيَتْ الكلمةُ لمعالي مكرم عبيد "باشا" فقال: إنه جمع في استجوابه

стр. 487

بين المصادرة والحظر؛ لأن لهما معنًى واحدًا، وهو مصادرة حرية الرأي, وذكر أنه لم يدفعه إلى تقديمه إلّا الرغبة في الاحتكام إلى المجلس، ولعل الحكومة تتفق مع النواب على أن المصادرة عقوبة، ولا يجوز للحكومة أن تحكم بعقوبة؛ لأن ذلك من اختصاص السلطة القضائية، فإذا أجازته السلطة التنفيذية لنفسها كان في هذا مصادرةً للحريات التي كفلها الدستور, وطلب السمو بهذه المناقشة عن أي اعتبار إلّا اعتبار المصلحة العامة, خصوصًا في هذا الوقت الخطير. ثم استطرد قائلًا: إن الذي يعنيه أولًا هو الناحية الوطنية، ففي مصادرة الصحف تقييد شديد للحرية، ولا يجوز في الوقت الذي نتقدم فيه إلى الاحتكام الدوليّ مطالبين بالحرية أن نعتدى نحن على الحرية، ولو جاز هذا في أيِّ وقتٍ من الأوقات لما جاز في الوقت الحاضر. وذكر أن مصادرة الصحف مصادرة لحرية الرأي، مع أنه كفلتها مادة أساسية من مواد الدستور, وهي في الوقت نفسه مصادرة للرقابة القضائية، واعتداء على سلطة القضاء، وعلى مبدأ الفصل بين السلطات، وعلى الرقابة البرلمانية أيضًا؛ لأن الحكومة تصادر الصحيفة لتمنع وصول خبر من الأخبار إلى نواب البلاد. وهنا سأله دولة رئيس الوزراء: وإذا كان الخبر كاذبًا، وكان من شأنه أن يحدث اضطرابًا؟ فأجاب بأن المصادرة الإدارية لا تجوز على أية حالٍ، بل يجب أن يترك الأمر للقضاء، وإذا سلمنا بنظرية المصادرة لصار حالنا أسوأ منه في سنة ١٨٨١, ثم تلا المادة الخاصة بالمصادرة في قانون المطبوعات عامئذ، وفيها أنها لا تكون إلّا بقرار من مجلس الوزراء، أو بعد الإنذار مرتين، أما الآن: فإن الصحيفة تصادر وهي خارجة من المطبعة، وقد يحدث أن يوقظ دولة رئيس الوزراء من نومه، ويقال له: إن جريدة كذا تجب مصادرتها؛ لأنها كتبت كذا، فيصدر أمره التليفونيّ بالمصادرة، غير حاسب حسابًا لأرزاق الناس، ولا الضرر الذي يصيبهم.

стр. 488

وتلا "مكرم" المادة الخاصة بحرية الصحافة من الدستور، ثم تلا المناقشة التي دارت حولها بين أعضاء لجنة الدستور، واستخلص منها أن الفقرة الخاصة بوقاية النظام الاجتماعيّ, إنما قصد بها إصدار تشريعات تحدد فيها أحوال المصادرة التي تتخذ لحماية النظام الاجتماعيّ، ودعَّم رأيه بالمذكرة التفسيرية الخاصة بالمادة ١٥من الدستور. وقال: إنه في ١٧ فبراير سنة ١٩٣٦, وضع قانون المطبوعات، ونَصَّ فيه على الأحوال التي تجوز فيها المصادرة، والأحوال التي تجب فيها، واستشهد ببحوث رجال القانون، فتلا بحثًا لوحيد رأفت "بك" يفسر فيه عبارة "وقاية النظام الاجتماعيّ" بأنها دفع خطر الشيوعية والبلشفية, وإن كانت بعض المحاكم لم تقصرها على هذا المعنى. ثم ذكر أن هناك فرقًا بين النظام السياسيّ والنظام الاجتماعيّ، فلا خطر من الخلاف بين الاحزاب، واستطرد قائلًا: إن الدستور الفرنسيّ يبيح المصادرة في حالة أخرى، هي حاة الخطر الداهم الذي لا يمكن تداركه إلّا بالتعطيل، عملًا بالمبدأ القائل: "إن سلامة الدولة هي القانون الأعلى". وقال معاليه: إن المغفور له أحمد ماهر "باشا" خطب في سنة ١٩٢١ فقال: "إن من يتولى الحكم يجب أن يعرض أعماله جميعًا للنقد"، وإن محمد محمود "باشا" تكلم عن قضية الصحافة في عام ١٩٤٠ فقال: "إنه كلما كانت حرية الصحافة أوسع ازداد الدستور احترامًا". وأراد مكرم "باشا" أن يتلو بيانًا للدكتور هيكل "باشا" عن المادة ١٥ من مواد الدستور، فقال له دولة النقراشي "باشا" إنه لم يصدر استنادًا إلى المادة ١٥ من الدستور، بل بحكم المادة ١٩٨ من قانون المطبوعات، ولذلك فإنه يحتكم إلى رئيس المجلس في أنه لا داعي للكلام في المادة ١٥ هذه.

стр. 489

واستطرد مكرم "باشا" فتلا بعض فقرات من مذكرة رئيس الشيوخ، مستشهدًا على أنه ليس للحكومة الحق في مصادرة الصحف إلّا لوقاية النظام الاجتماعيّ. وانتقل إلى المادة ١٩٨ من قانون العقوبات فتلاها، وهي تجيز المصادرة إذا كان النشر جريمةً استعمل فيها سوء القصد, وهذه الجريمة هي التحريض على ثورة، أو الاعتداء على الأعراض، أو ما يماثل ذلك، وفي هذه الحالة يكون المقصود بالمصادرة هو منع انتشار الجريمة، على أن يتولاها رجال الضبطية القضائية. واستطرد قائلًا: إنه سيبين للنواب هل صودرت صحيفتنا "حزب الكتلة" لجريمةٍ تنطبق عليها هذه المادة؟ وهنا رأى سعادة رئيس المجلس -الأستاذ محمد حامد جوده- أن تذكر الحكومة أسباب المصادرة، ثم يرد عليها مكرم باشا. بيان الحكومة: وكان دولة رئيس الوزراء قد غادر القاعة لسبب طارئ، فتولى عبد الرحمن عمار "بك" مدير الأمن العام إلقاء بيان "دولته" وهذا نصه: حضرات النواب المحترمين: تحرص الوزارة على كفالة حرية الرأي في شتَّى مظاهرها، ومختلف نواحيها، ولعل أجل صورها تلك التي يتعين توافرها في شأن الصحافة, وهي تؤدي رسالتها التي هي رسالة قومية خطيرة الشأن، عظيمة الأثر. وقد عملت الوزارة منذ وليت الحكم على تقدير ما يجب أن تحاط به هذه الرسالة من قدسية، وما ينبغي أن يتوافر لها من حرية شاملة، فلم تلجأ الحكومة إلى مصادرة الصحف في عهدها القائم إلّا في ثلاث حالات, اضطرت فيها إلى ذلك اضطرارًا بدافعٍ من المصلحة العامة، ونزولًا على أحكام قانون المطبوعات.

стр. 490

ثم شرح بيان الحكومة هذه الحالات الثلاث، وأتت صحيفة الأهرام على هذا البيان الحكوميّ برمته، وفيه شرحٌ لكل حالة من الحالات الثلاث، ولكنا نوجز الحديث عنها إيثارًا للإيجاز. فالحالة الأولى: هي مصادرة صحيفة المصري في ١٢ / ١١/ ١٩٤٦, وذلك بمناسبة المظاهرة التي نظمها طلبة معهد "فؤاد الأول" الديني بمدينة أسيوط، وتفريق البوليس لها، ووقوع حوادث تولت النيابة تحقيقها، وأصدرت أمرها بحظر إذاعة أيّ خبر يتصل بهذه الحوادث، ومع ذلك، ومع أن صحيفة المصري نشرت أمر هذا الحظر، فإنها عمدت إلى نشر أنباء عن هذا الحادث من شأنها التأثير في سير التحقيق. الحالة الثانية: مصادرة أعداد من صحيفتي "الكتلة" و"صوت الأمة" الصادرتين بتاريخ ٢٠/ ١/ ١٩٤٧, وسبب ذلك: أن كلتا الصحيفتين قد نشرتا خبرًا غير صحيحٍ تحت عنوانٍ بارزٍ, بخطٍّ عريضٍ, مؤداه: أن رجال البوليس أطلقوا الرصاص على طلبة مدرسة حلوان الثانوية للبنين, في يوم الحداد ١٩ يناير، وأنه قد أصيب منهم عشرة طلاب, غير أن القضاء كشف عن بطلان هذه الأخبار. الحالة الثالثة: مصادرة أعداد صحيفتي "الكتلة" و"صوت الأمة" الصادرة في ١٠/ ٢/ ١٩٤٧، ذلك أن صحيفة الكتلة نشرت تحت عنوان: "الحالة في الجامعتين" أنباء غير صحيحة من شأنها إثارة الخواطر، ومؤداها أن جامعة "فؤاد الأول" قد حوصرت منذ الصباح الباكر بقوات كثيرة من المشاة، والخيالة، والسيارات المصفحة، والدبابات، فضلًا من سياراتٍ إنجليزيةٍ من النوع المعروف باسم "جيب" بها جنود من الإنجليز, كانت ترابط في مناطق بمدينة الجيزة. كما نشرت "صوت الأمة" تحت عنوان: "الحالة في الجامعتين والمدارس" أنباء غير صحيحة من نوع الأنباء التي نشرتها صحيفة "الكتلة"

стр. 491

من شأنها كذلك إشاعة الفتنة والاضطراب، وتكدير السلم، وخلاصة هذه الأخبار: أن رجال البوليس قد عاودتهم الشهوة الجامحة، واعتدوا على الطلاب اعتداءً وحشيًّا بالعصيّ الغليظة، فأصيب بعضهم بإصابات مختلفة، وأنهم قبضوا على فريق منهم، وأودعوهم مختلف الأقسام.. ولما كانت جميع هذه الأنباء عاريةً عن الصحةِ, فقد بادرت الوزارة إلى تبليغ النيابة عن الصحيفتين؛ إذ أن نشر هذه الأخبار غير الصحيحة، والمكدرة للسِّلْمِ جريمةٌ تعاقب عليها المادة١٩٨ من قانون العقوبات. وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في هذا الشأن، وحصلت مصادرة أعداد الصحيفتين المذكورتين في يومي ٢٠ يناير و ١٠ فبراير تطبيقًا للمادة ١٩٨ من قانون العقوبات. ومضى البيان يدافع عن سياسة الحكومة في مصادرة الصحف، مستندًا في ذلك إلى مواد في قانون العقوبات أهمها المادة رقم ١٩٢، والمادة رقم ١٩٨, ثم أعطيت الكلمة للأستاذ أحمد عبد الغفار "باشا" فقال: إن الحكومة تتسامح في التعريض بأشخاصها، ولكنها تلجأ إلى المصادرة لعلمها أن المعارضة تبذل كل جهدها لتكدير الأمن العام، وفي سبيل حماية الأمن العام ستستعمل الحكومة كل سلاحٍ يبيحه القانون، وستمنع اللعب بالنار بكل حزم. وهنا طلب مكرم "باشا" حذف هذا الكلام من المضبطة؛ لأن فيه اتهامًا للمعارضة لا تقبله عن نفسها. وبعد أن انتهى مكرم "باشا" من إلقاء كلمته, طلب الكلمة عبد الرحمن عمار "بك" فاعترض فكري أباظة "بك" طالبًا أن يؤذن للمستجوب الثاني الأستاذ محمد حنفي الشريف بالكلام قبل أن تتكلم الحكومة, واحتج الأستاذ الشريف على عدم الإذن له بالكلام، قائلًا: إن في ذلك مخالفة

стр. 492

لللائحة الداخلية, فأفهمه الرئيس بأنه لا يمنعه من الكلام، وكل ما في الأمر أن الحكومة طلبت الكلمة، ولها الحق فيها كلما أرادات. بقية بيان الحكومة: وتكلم عبد الرحمن عمار "بك" عن الحظر، فقال: إن الاستجواب في حظر النشر غير دستوري؛ لأن النيابة هي التي تصدر أوامر الحظر, وهي تقوم بعمل قضائيّ، وهو من صميم اختصاص السلطة القضائية، والاستجواب لا ينسجم مع مبدأ فصل السلطات، وذكر أن هذا الرأي يقره رجال القانون، واستشهد بفتوى في ذلك لمعالي وزير العدل. وقد اعترض الأستاذ فكري أباظة قائلًا: إن هذا الكلام خطير؛ لأن النيابة لا يمكن أن يباح لها أن تصدر أوامر الحظر كلما أرادت، ودون أي تقييد. واستطرد عمار "بك" فتلا مذكرةً لمعالي وزير العدل في ذلك، ثم ذكر أن كل حرية يجب أن يكون لها حدود, وليس من الحرية ترك الصحف تقول ما تريد لتكدير السلم، وضرب المثل بقول جريدة "الكتلة" إن جامعة "فاروق الأول" قد أحيطت بالدبابات، وإن رجال البوليس أعملوا عصيهم في الطلبة، وإن عشرات منهم أصيبوا بالرصاص, في حين أنه لم يحدث شيء من ذلك. واختتم عمار "بك" كلامه بأن الحكومة ماضية في خطتها في غير ما تعسف, ولكن حمايةً للأمن العام. المناقشة تستأنف اليوم: وعلى أثر ذلك, رفعت الجلسة على أن تستأنف المناقشة في هذا الاستجواب "اليوم" في السادسة مساء. هذا مَثَلٌ عاديٌّ من أمثلة "الماجريات البرلمانية" التي وقعت في مصر، ومنه يتضح كيف أن المحرر البرلمانيّ عرض لمشروعات القوانين بسرعة وإيجاز،

стр. 493

ولم يطل الوقوف عند شيءٍ منها، حتى إذا بلغ الموضوع الرئيسيّ للجلسة البرلمانية -وهو موضوع مصادرة الصحف- لم يدع من كلام النائب المستجوب, أو كلام الحكومة في الرد على هذا الاستجواب شيئًا ما. وقد وضح للقارئ كذلك الطريقة التي سلكها صاحب الاستجواب في التدليل على حقه في تقديم هذا الاستجواب، وهي طريقة تقوم على الحجج القانونية للموضوع من جميع الوجوه، وكأن الحكومة كانت تعرف بالضبط شيئًا عن هذه الطريقة, فتأهبت للرد لتبريء نفسها من التهم التي كالتها لها الصحف السالفة الذكر. على أن هذه الجلسة لم تتمكن من الوصول إلى قرار في هذا الشأن، فلم يستطع المحرر البرلمانيّ أن يذكر لنا شيئًا من ذلك، ولا استطاع أن يصف نهاية الجلسة في ذاتها، مرجئًَا كل ذلك للجلسة التالية. ولا نستطيع أن ندع الكلام عن "الماجريات البرلمانية" دون الإشارة إلى جهود الدكتور" محمود عزمي" في هذا السبيل. والحق أن أهمية الدكتور عزمي في تاريخ الصحافة المصرية ترجع في معظمها إلى تلك الجهود١

стр. 494

الماجريات القضائية: ربما كانت "الماجريات القضائية" أقدم ما عُرِفَ من أنواع الماجريات الأربعة التي سبقت الإشارة إليها١ ذلك أن القضايا المحلية على الدوام هي أكثر ما يسترعي أنظار القراء للصحيفة. فالواقع أنه ليس كل الشعب قادرًا على تتبع الماجريات الدولية أو الدبلوماسية، ولكن أكثر الشعب يستطيع أن يفهم الظروف التي تحيط ببعض القضايا المنظورة أمام المحاكم الوطنية، أو المحاكم العسكرية. وفوق هذا وذاك, فإن من حقك مواطن في الدولة أن يرى بعينيه، ويسمع بأذنيه كيف يطبق القانون في بلاده، وأن يطمئن على سلامة هذا التطبيق، وإلى نزاهة القائمين عليه، وحق الشعب في ذلك, هوكقحه تمامًا في أن يطمئن إلى أن أعضاء البرلمان، أو مجلس الأمة -وهم الموكلون عنها في القيام بمهمة التشريع, وسن القوانين- قادرون على ذلك بأمانة تامة. على أن هذا الحق الجماعيّ الذي يتيح للجمهور أن يراقب بنفسه طريقة سن القانون، وتطبيق هذا القانون يتعارض في الوقت نفسه تعارضًا تامًّا مع حق الفرد الذي تمسه القضية، ويتناول القضاء كما يتعارض وحقوق النواب الذين يتناقشون في داخل البرلمان, أو داخل مجالس الأمة، فإن من حق هؤلاء جميعًا.

стр. 495

أن تحفظ لهم كرامتهم، وأن تصان لهم سمعتهم، وألَّا تقوم الصحف بالتشهير بهم, فقد توجه المحكمة بعض التهم الخطيرة للمتهمين، وكثيرًا ما يعاملهم القضاة في أثناء المحاكمة بشيء من العنف، وقد يحدث في داخل البرلمان أن يتراشق أعضاؤه بالسباب، أو أن يتنابزوا بالألقاب، أو أن يسم بعضهم بعضًا بميسم الخيانة للوطن، فإذا انتقلت التهم القضائية إلى مجال الصحف, فهنا يشعر المقصودون بها في جميع هذه المواطن السابقة بالخجل والحرج، وقد يثبت القضاء من جانب، أو البرلمان من جانبٍ آخر، أن هؤلاء كانوا على حقٍّ في موقفهم من خصومهم في المحكمة أو في البرلمان. ومع هذا التعارض الشديد بين الحق الجماعيّ للأمة، والحق الشخصيّ للفرد الواحد، أو الجماعة الواحدة من جماعات هذه الأمة، فإن العرف والتقاليد يسمحان للصحافة بأن تخبر عما يحدث في داخل المحاكم الوطنية، وذلك بالقدر الذي سمح به للصحافة أن تخبر عما يحدث في داخل المجالس النيابية، ومتى نشرت هذه الأخبار جميعها في الصحف, فقد أصبح من حق الأمة والأمم الأخرى جميعها أن تعرف ما يجري في هذه الدور، التي نشير إليها. ومن هنا يبدو الفرق الكبير بين الحالتين, بالقياس إلى المتهم في إحدى القضايا. ففي الحالة الأولى -وهي الحالة التي تمتنع فيها الصحف عن النشر- يشعر المتهم بأنه قد نجا بنفسه، وبماء وجهه من أن يراق على نطاق واسع كبير، وهو نطاق الشعب الذي هو منه، والشعوب التي يمكن أن تصل إليها صحف الأمة التي ينتمي إليها. وفي الحالة الثانية -يقع المتهم في الحرج الذي وصفناه. نقول هذا لكي نلفت نظر الصحف جيدًّا في كتابة "الماجريات القضائية"
следующие страницы →