أهلها عند قحوط المطر، حتى أرسل الله بالقبول١ يوم الجمعة، فأثارت زبرجا٢ متقطعا متمصرا٣، ثم أعقبته الشمال٤ يوم السبت، فطحطحت٥ عنه جهامه٦. وألفت متقطعة، وجمعت متمصره، حتى انتضد٧، فاستوى، وطما وطحا٨، وكان٩ جونا١٠ مرثعنا١١ قريبا رواعده، ثم عادت عوائده بوابل منهمل منسجل١٢، يردف١٣ بعضه بعضًا، كلما أردف شؤبوت أردفته شآبيب١٤ بشدة وقعة في العراض١٥. وكتبت إلى أمير المؤمنين، وهي ترمي بمثل قطع القطن، قد ملأ اليباب١٦، وسد الشعاب١٧، وسقى منها كل ساق، فالحمد لله أنزل غيثه، ونشر رحمته من بعدها قنطوا١٨، وهو الولي الحميد. والسلام".
وواضح أن هذه الرسالة ليست مسجوعة، ولكنها مع ذلك قد أحكمت صنعتها، سواء من حيث اختيار ألفاظها، والذهاب بها مذهب الغريب المقبول، أو من حيث دقتها في تصوير الجذب ثم نزول الغيث، وهو تصوير لا شك قد فكر فيه الحجاج طويلا، قبل أن يحكمه ويضبط التشبيهات، والاستعارات التي تمثله. وكأن شاعر يجمع أشتات خياله، ليؤلف هذه اللوحة البديعة.
ولم تبلغ صنعة الرسائل هذا المبلغ من الإتقان عند الحجاج وحده، فقد كان يشركه في ذلك معاصروه من الولاة والقواد وكتابهما، بل من الخلفاء
стр. 107
أنفسهم، فقد روى الجاحظ في بيانه رسالتين متبادلتين بين عبد الملك بن مروان، وعمرو بن سعيد بن العاص حين ثار عليه، وليستا مسجوعتين، ولكن أثر الصنعة والتأنق باد عليهما١، ومعنى ذلك كله أن الكتاب أصبحوا منذ هذه الحقبة من العصر يتفننون في رسائلهم، ويحاولون جاهدين أن تلمع عليها آثاره من الجمال الفني.
وإذا مضينا إلى أوائل القرن الثاني للهجرة، وإلى عصر هشام بن عبد الملك "١٠٤-١٢٤هـ"، وجدنا على رأس ديوانه مولى له يسمى سالما٢ ينهض بكتابة هذه الرسائل السياسية نهضة واسعة، وكان يعرف اليونانية، وترجم منها بعض رسائل لأرسطاطاليس٣، وعده صاحب الفهرست أحد البلغاء العشرة الأوَل في تاريخ العرب وأدبهم٤، ويقول: إن له رسائل تبلغ نحو مائة ورقة٥، غير أن هذه الرسائل لم تصلنا، ولولا أن الطبري احتفظ لنا برسالة كتبها عن هشام إلى خالد القسري٦ لم نكد نعرف شيئا واضحا عن فنه وبيانه، ومن يرجع إليها يلاحظ أنه عني بأسلوبه عناية تشبه عناية الوعاظ من أمثال الحسن البصري بأسلوبهم، وما كانوا يوفرون له من الازدواج والترادف الصوتي، وكان يتكئ على الحال اتكاء شديدًا في صياغته.
وليس تحت أيدينا من النصوص ما نستطيع به أن نحكم على مدى التأثير اليوناني في كتابه سالم، وإن كان يظن أن هذا التأثير كان عميقًا، وقد تخرج عليه عبد الحميد أنه كتاب العصر وأشهرهم، وسنعرض له عما قليل، على أنه ينبغي أن نلاحظ هنا شيئا مهما، وهو أن التأثير الأجنبي في الكتابة العربية الفنية لم يدخل أول الأمر عن طريق الفهرس، وكاتبهم ابن المقفع، مما جعل بعض المستشرقين يزعم أنهم هم الذين أعاروا العرب هذا الفن النثري، بل لقد دخل كما نرى الآن عن طريق سالم الذي كان يحذق اليونانية، ولعل في ذلك ما يدل
стр. 108
على ما نذهب إليه من أن الكتابة الرسمية الفنية عند العرب لم تأتهم من الخارج، فقد نشأت في حجورهم بحكم حياتهم الإسلامية والسياسية الجديدة ومشاكلها المختلفة، فالأجانب لم يبتكروها لهم، بل كل ما هنالك أنهم أسهموا معهم فيها، وتأخر هذا الإسهام إلى أن أظهر سالم وأشباهه.
ولم تكن الرسائل السياسية وحدها هي التي يطرد لها النمو والازدهار، بل شاركتها في ذلك الرسائل الاجتماعية أو الشخصية، لسبب بسيط، وهو أن من كانوا يكتبونها كانوا يعيشون في تلك الحقب التي أخذ البلغاء يهتمون فيها بتنميق أساليبهم، وإبداعها ضروبا من البيان والفصاحة، ونسوق مثلا لها رسالة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى رجل من إخوانه١:
"أما بعد فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، ابتدأتني بلطف عن غير خبرة، ثم أعقبتني جفاء عن غير ذنب، فأطعمني أولك في إخائك، وأبأسني آخرك من وفائك، فلا أنا في اليوم مجمع لك اطراحًا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة، فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة فيك، فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف، والسلام".
والرسالة على قصرها يتضح فيها جهد كتابها في تحبيرها، فقد بناها على الطباق والمقابلة بين المعاني والألفاظ، والتوازن بين العبارات والكلمات الفصيحة ذات المخارج الحسنة، وكان شرعا بينا وخطيبا لسنا، فأضفى من لسنه وبيانه على رسالته.
وإذا تركنا الرسائل الاجتماعية الشخصية، والسياسية الرسمية إلى الرسائل الدينية والجدلية، وجدنا أصحابها هم أنفسهم أرباب البيان والبلاغة من الخطباء المفوهين أمثال الحسن البصري، وغيلان الدمشقي.
وكانت هذه الرسائل تستخدم الأسلوب المزدوج الذي أخذ بأطراف من التصوير والطباق، والذي سبق أن لاحظناه في خطابة الحسن البصري
стр. 109
وأضرابه، ونسوق مثالين منه، أما أولهما فما كتب به الحسن إلى عمر بن عبد العزيز في صفة الإمام العادل، وهو يطرد على هذه الشاكلة١:
"اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفه كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق بها، الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والقر٢. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغارًا ويعلمهم كبارًا، يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة بولدها، حملته كراها، ووضعته كراها، وربته طفلا، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته ... ".
وتحمل هذه القطعة من الرسالة كل الخصائص التي سبق أن تحدثنا عنها في خطابة الحسن، ففيها الازدواج والترادف الصوتي والتكرار، وفيها التقابل والطباق والتشبيهات، وغير ذلك من حلي بيانية، وقد مضى الحسن يقتبس فيها من آي الذكر الحكيم ما يصور به فكره ويوشي به تعبيره، أما المثال الثاني فنسوقه من رسائل غيلان الدمشقي، إذ يقول٣:
"إن التراجع في المواعظ يوشك أن يذهب يومها، ويأتي يوم الصاخة٤، كل الخلق يومئذ مصيخ٥، يستمع ما يقال له ويقضى عليه "وخشعت الأصوات للرحمن، فلا تسمع إلا همسا"، فاصمت اليوم عما يصمتك يومئذ، وتعلم ذلك حتى تعلمه، وابتغه حتى تجده، وبادر قبل أن تفجأك دعوة
стр. 110
الموت، فإنها عنيفة إلا بمن رحم الله، ويا رب متعبد لله بلسانه معاد له بفعله، ذلول في الانسياق إلا عذاب السعير في أمنية أضغاث١ أحلام يعبرها بالأماني والظنون، فاعرف نفسك".
وهذه القطعة بدورها ترينا مدى احتفال الوعاظ برسائلهم، وما كانوا يؤدون فيها من ضروب الجمال الفني، ويقول صاحب الفهرست: إن رسائله كانت في ألفي ورقة٢. ولا نرتاب في أن هذه الرسائل، وما يماثلها من مواعظ الحسن البصري، وأضرابه هي التي استعار منها سالم، وتلميذه عبد الحميد أسلوبهما الكتابي في الرسائل السياسية، فإننا نجدهما يكتبان من نفس النمط ونفس النموذج، وهو النموذج الذي شاع طوال القرن الثاني بين الكتاب العباسيين، وعلى رأسهم الجاحظ، ونقف قليلا لنتحدث عن عبد الحميد الكاتب في إيجاز.
стр. 111
٨- عبد الحميد الكاتب، وخصائصه الفنية:
هو، عبد الحميد بن يحيى مولى العلاء بن وهب القرشي، ويقول من كتبوا عنه: إنه يرجع إلى أصول فارسية١، وإنه كان من أهل الأنبار وسكن الرقة٢، وكان في أول أمره يتنقل في البلدان معلما في الكتاتيب٣، ثم التحق بديوان الرسائل في دمشق لعهد هشام بن عبد الملك، حيث خرجه ختنه سالم مولى مولى هشام، ورئيس هذا الديوان٤. واتصل بمروان بن محمد، وكتب له أيام كان
стр. 112
واليا، فلما صارت إليه الخلافة أقامه على ديوانه، فنهض بالعمل فيه خير نهوض.
ولما دارت الدوائر على مروان، وانتصرت عليه الجيوش العباسية بقيادة أبي مسلم الخراساني في موقعه الزاب ظل مخلصا له وفيا، ففر معه إلى مصر حيث قتلا في موقعه بوصير١، ويروي المسعودي أن مروان قال له حين أيقن بزوال ملكه: قد احتجت أن تصير مع عدوي وتظهر الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك يدعوانهم إل حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني حياتي صنعت، وإلا لم تعجز عن حفظ حرمي بعد وفاتي، فقال له عبد الحميد: إن الذي أشرت به علي أنفع الأمرين بك وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبر، حتى يفتح الله أو أقتل معك، وأنشد:
أسر وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره٢
وفي ابن خلكان رواية أخرى تزعم أن عبد الحميد اختفى بعد مقتل مروان في الجزيرة، فوقف عليه السفاح، وعذبه حتى مات٣، ويروي الجهشياري أنه اختفى عند ابن المقفع ففاجأهما الطلب، وأخذ عبد الحميد٤، والصحيح ما ذكرناه أولا من أنه قتل في بوصير مع مروان.
وعبد الحميد أبلغ كتاب الدواوين في العصر الأموي وأشهرهم، وقد ضربت ببلاغته الأمثال، فقيل: فتحت الرسائل بعبد الحميد، وختمت بابن العميد٥، ويقول ابن النديم: "عنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا، وهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل"٦، ويزعم المسعودي أنه أول من استخدم التحميدات
стр. 113
في فصول الكتب١، والحق أنه القمة التي وصلت إليها الكتابة الفنية في العصر الأموي، إذ كان زعيم البلغاء في عصره غير مدافع، وقد بقيت منثورات من رسائله تشهد بفصاحته ولسنه، ومقدرته على التعبير والبيان مع الفخامة والطلاوة، من ذلك رسالة وجهها إلى عمال مروان بن محمد بالأمصار يأمرهم بمحاربة لعبة الشطرنج، ورسالة ثانية يصف فيها رحلة صيد وقد تأثر فيها تأثرا شديدا بوصف شعراء الجاهلية للصيد وكلابه وجوارحه، ورسالة ثالثة تقدم بها إلى الكتاب٢، ضمنها وصايا مختلفة لهم، وهي تدل على نمو طبقتهم وأنهم أصبحوا يؤلفون جماعة بارزة في حياة الدولة، ووظائفها وأعمالها المتنوعة. ونراه يستهلها بأن صناعتهم أشرف الصناعات، إذ بهم ينتظم الملك وبتدبيرهم وسياستهم يستقيم الحكم، وينصحهم أن يتحلوا بخلال الخير وخصال الفضل، ويخوض فيما ينبغي أن يتقنوه من صنوف المعرفة والثقافة، يقول:
"فنافسوا معشر الكتاب في صنوف العلم والأدب، وتفقهوا في الدين، وأبدءوا يعلم كتاب الله والفرائض، ثم العربية فإنها ثقات ألسنتكم، وأجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها، وسيرها، فإن ذلك معين على ما تسمون إليه بهممكم، ولا يضعفن نظركم في الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج منكم".
وفي ذلك الدلالة البينة على أن الكاتب في عصر عبد الحميد، كأن لا يستطيع أن يحسن وظيفة الكتابة إلا إذا ألم بالثقافة الإسلامية، وثقافة العرب الأدبية من خطابة وغير خطابة، ومن أيام وغير أيام، وأخبار الأمم الأجنبية ومعارفها، ولا بد أن يعرف الحساب، وأن يروي الأشعار ويقف على غريبها ومعانيها، فيفيد منها كما أفاد عبد الحميد نفسه في رسالة الصيد إذ نثر فيها كثيرًا من معاني الشعر القديم، فالكتابة لم تعد عملا سهلا بسيطا، بل أصبحت عملا معقدا، لا بد فيه من إعداد ومن تثقف تام بالقرآن الكريم، وأوامر الشريعة وبالأدب العربي
стр. 114
وكنوزه النثرية والشعرية والآداب الأجنبية، وليس هذا كل ما يلفتنا في الرسالة، فقد تحدث عبد الحميد طويلًا عما ينبغي أن يأخذ به الكاتب نفسه في سياسة الناس وتدبير شئونهم، كما تحدث عما يمكن أن نسميه آداب اللياقة بالقياس إلى الخلفاء، والرسالة في مجموعها تتصل مباشرة بما أثر من وصايا ملوك الفرس لكتابهم، مما رواه الجهشياري في مقدمة كتابه الوزراء والكتاب، ولذلك كنا نظن ظنا أن عبد الحميد يتأثر فيها بتلك الوصايا، ولعل هذا هو الذي جعل صاحب الصناعتين يزعم أنه "استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها لمن بعده من اللسان الفارسي، فحولها إلى اللسان العربي"١، ونص الجاحظ في بيانه على أنه ترجم بعض كتب من الفارسية٢، ولا بد أن تكون هذه الكتب متصلة بعمله من الكتابة الأدبية، وربما كان من أطراف ما نقرؤه في رسالته إلى الكتاب الآنفة الذكر أننا نراه يدعوهم إلى تأليف ما يشبه النقابة في عصرنا، فقد طلب إليهم أن يعطفوا على من ينبو به الزمان منهم، وأن يواسوه، حتى يرجع إليه حاله ويثوب أمره، والرسالة بذلك دستور واسع للكتاب يصور واجباتهم الخلقية والثقافية، وعلى هديها كتبت فيما بعد كتب أدب الكاتب، والكتاب لابن قتيبة والصولي وغيرهما.
وربما كانت أهم رسالة سياسية وصلتنا عنه رسالته التي بعث بها عن مروان بن محمد إلى ابنه، وولي عهده عبد الله حين وجهه لمحاربة الضحاك بن قيس الشيباني الخارجي، الذي ثار في العراق، وامتدت ثورته إلى الموصل عام ١٢٨ للهجرة، وهي رسالة كبيرة، وكأن عبد الحميد أراد بها أن يضع دستورًا لتنظيم قواد الدولة لجيوشهم من الوجهتين: المادية والحربية، والرسالة تقع في نحو أربعين صحيفة، فهي أطول رسالة أثرت عن عصر بني أمية، إذ امتد فيها نفس عبد الحميد إلى كثرة واسعة من الصحف، فصل فيها الحديث عن آداب القادة وتصريفهم للمسائل الحربية، وأطال في بيان ذلك، حتى غدت
стр. 115
الرسالة أشبه ما تكون بكتاب مستقل.
وهذا الطول المسرف في الرسالة جعل خصائص عبد الحميد في فنه الكتابي تبدو واضحة تمام الوضوح، إذ نرى الخاصة من خصائصه تنبسط تحت عين القارئ انبساطا واسعا، وقد قسمها ثلاثة أقسام كبيرة قسم يصور القائد، وما ينبغي أن يكون عليه من آداب في سلوكه مع نفسه، ثم مع حاشيته ورؤساء جيشه، وأثر الثقافة الفارسية، وما عرف عن آداب الفرس في الملك والسياسة بين في هذا القسم، أما القسم الثاني فخاص بسياسة القائد لجيشه، وما ينبغي أن يتخذ فيه من شرطة وقضاة ورجال مال، وأما القسم الثالث فقد تحدث فيه عن التنظم الداخلي للجيش، وكيفية إعداده في وحدات كل وحدة مائة، وهو نفس النظام الحربي الذي كان متبعا عند البيزنطيين، مما يجعل طه حسين يظن أن عبد الحميد يتأثر في هذا النظام برسائل الحرب عند اليونان، وذهب يلتمس صلة عبد الحميد بالثقافة اليونانية في تقسيم كلامه عند اليونان، وذهب يلتمس صلة عبد الحميد بالثقافة اليونانية في تقسيم كلامه إلى فصول بحيث يؤدي كل فصل فكرة تامة، وهي خاصة في رأيه من خصائص النثر اليوناني القديم، وأيضًا فإنه وجده يستخدم الحال استخدامًا مسرفًا، على شاكلة استخدام اليونان له، يقول: "وهو لا يقتصد في استعمال الحال، وإنما هو يعتمد عليها في تحديد فكرته وتوضيحها، وتقييدها وتجميل الكلام، وإظهار الموسيقى"١.
وأغلب الظن أن عبد الحميد في ذلك كله إنما كان يقلد أستاذه سالما في كتابته. فصلة سالم باليونانية مقررة، ومر بنا أنه كان يسرف في استخدام الحال كما تشهد بذلك إحدى رسائله، وقد أثرت عن ابنه عبد الله رسالة٢ تسرف أيضا في استخدام الحال، وكأنها كانت لازمة من لوازم سالم، وتأثر به فيها تلميذان له، أحدهما من بيته وهو ابنه عبد الله وثانيهما من غير بيته، وهو عبد الحميد. أما مسألة تنظيم الجيوش إلى وحدات كل وحدة مائة، فلعل عبد الحميد عرفها كما عرفها معاصروه عن طريق ما كانت تتبعه الجيوش البيزنطية في عصره
стр. 116
في عصره من تنظيم حربي، وكانت الحرب قائمة بينهم، وبين العرب لا يهدأ أوارها.
ونحن نقف في منزلة وسطى بين طه حسين، ومن كتبوا عن عبد الحميد من القدماء، فقد أجمعوا على أنه كان فارسيا، وأنه نقل عن الفرص بعض رسائل أدبية، وإذا فهو في نثره يتأثر الفرس تأثرا مباشرا لا شك فيه، أما تأثره باليونان فلعله جاءه عن طريق أستاذه سالم الذي كان يحذق اليونانية، وهي تظهر عنده في التزامه المنطق الدقيق في تقسيم كلامه إلى أجزاء متميزة وفقر متناسقة، لا يظهر فيها أي نبو، ولا يداخلها أدنى شيء من استطراد أو تشعث، وفي رأينا أن سالما هو الذي اتبع ذلك أولا في رسائله بحكم ثقافته اليونانية، ثم حاكاه تلميذه، كما حاكاه في لازمة الحال، وفي أسلوبه الموسيقي الذي يقوم على الازدواج والترادف الصوتي، وهو أسلوب سبق إليه الوعاظ من أمثال غيلان الدمشقي، والحسن البصري، ونقله عنهم سالم في كتاباته، وجاراه تلميذه عبد الحميد فيه، حتى أوفى به على غايته، فبهر معاصريه ومن خلفوهم، وانظر إليه يقول في مطلع هذه الرسالة السياسية الطويلة١:
"اعلم أن للحكمة مسالك تفضي مضايق أوائلها بمن أمها سالكا، وركب أخطارها قاصدًا، إلى سعة عاقبها، وأمن سرحها٢، وشرف عزها، وأنها لا تعار بسخف الخفية ولا تنشأ بتفريط الغفلة.. واعلم أن احتواءك على ذلك وسبقك إليه بإخلاص تقوى الله في جميع أمورك موثرا بها، وإضمار طاعته منطويا عليها، وإعظام ما أنعم الله به عليك شاكرًا له، مرتبطا فيه بحسن الحياطة له، والذب عنه من أن تدخلك منه سآمة ملال، أو غفلة ضياع أو سنة تهاون، أو جهالة معرفة، فإن ذلك أحق ما بدئ به ونظر فيه معتمدا عليه بالقوة والآلة والعدة، والانفراد به من الأصحاب والحامة، فتمسك به لاجئا إليه، واعتمد عليه مؤثرا له، والتجئ إلى كنفه متحيزا إليه، فإنه أبلغ ما طلب به رضا الله، وأنجحه مسألة، وأجزله ثوابا، وأعوده نفعا، وأعمه صلاحا".
стр. 117
وواضح أن عبد الحميد يعتمد على خاصة الترادف الموسيقي، فالفكرة تؤدي لا في عبارة واحدة، وإنما في عبارتين أو عبارات، حتى يكتسب الأسلوب ضربا من التوقع والتعادل الصوتي، فإذا العبارات تتلاحق متوازنة متعادلة تعادلا موسيقيا رائعًا، يرضي الآذان والشعور، وهو أثناء ذلك يعتمد على الحال اعتمادًا مسرفًا لا نعرفه عند الوعاظ، ولا عند من سبقوهم وعاصروهم من الخطباء، إنما نعرفه عند سالم وابنه عبد الله ثم عند صاحبنا، وكأنها أصبحت لازمة من لوازم تلك المدرسة.
ويوشي عبد الحميد أسلوبه بحلية التصوير، وما يدمج فيه من استعارات، وبحلية الطباق والمقابلة، بالضبط على نحو ما كان يصنع الحسن البصري، وغيلان الدمشقي وأضرابهما في رسائلهم ومواعظهم، ومن رسائله الطريفة التي تصور مهارته البيانية تصويرا دقيقا رسالته للشخصية إلى أهله، وهو منهزم مع مروان يعزيهم عن نفسه١:
"أما بعد فإن الله جعل الدنيا محفوظة بالكره والسرور، وجعل فيها أقسامًا مختلفة بين أهلها، فمن درت٢ له بحلاوتها، وساعده الحظ فيها سكن إليها، ورضي بها، وأقام عليها، ومن قرصته بأظفارها، وعضته بأنيابها، وتوطأته بثقلها، قلاها٣ نافرًا عنها، وذمها ساخطا عليها، وشكاها مستزيدا منها.
وقد كانت الدنيا أذاقتنا من حلاوتها، وأرضعتنا من درها أفاويق٤ استحليناها ثم شمست٥ منا نافرة، وأعرضت عنا متنكرة، ورمحتنا٦ مولية، فملح عذبها، وأمر حلوها، وخشن لينها، ففرقتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان. فدارنا نازحة، وطيرنا بارحة٧، قد أخذت كل ما أعطت، وتباعدت مثلما تقربت، وأعقبت بالراحة نصبا٨، وبالجدل٩ هما، وبالأمن خوفا،
стр. 118
وبالعز ذلا، وبالجيدة١ حاجة، والسراء ضراء، وبالحياة موتا، لا ترحم من استرحمها، سالكة بنا سبيل من لا أوبه له، منفيين عن الأولياء، مقطوعين عن الأحياء".
وخصائص عبد الحميد جميعه واضحة في هذه الرسالة القصيرة: ففيها لازمة الحال، وفيها جودة التقسيم ودقة المنطق، وفيها الطباق ومقابلاته، والصور وألوانها وخاصة لون الاستعارة، وفيها الازدواج والترادف الموسيقي الذي يتيح لعباراته فنونا مختلفة من الإيقاعات، والموازنات الصوتية، وبذلك كنت تقرؤه، فيلذ عقلك لدقة معانيه، ويلذ شعورك لجمال تصويره، وجمال موسيقاه.
ونحن لا نقول كما قال السابقون: إن الرسائل بدئت بعبد الحميد، فقد بدأت منذ فاتحة العصر الإسلامي، وقام عليها بلغاء كثيرون أتاحوا لها النماء وضروبا من الازدهار، ومن ثم كنا نرفض أوليته في الرسائل ديوانية وغير ديوانية، ولكنا بعد ذلك نثبت له أنه كان القمة التي وصلت إليها نهضة الكتابة في العصر الأموي، لما صارت إليه عنده من هذا اليسر، وتلك المرونة في أداء المعاني اليتكان يجتلبها من الأدب الفارسي، والتي كان يعبر عنها تعبيرا منطقيا دقيقا، لا استطراد فيه، ولا حشو ولا نبو بأي وجه من الوجوه، وأيضًا لما أتاح لها من هذا الأسلوب التصويري الموسيقي، فإذا الكتابة عند تروق العين، والأذن كما تروق العقل والقلب، ومن غير شك هيأت ذلك كله عنده بيئات الوعاظ، كما هيأ له أستاذه سالم، ولكن ذلك لا يضيره، فحسبه أنه كان يملك لغته ويصرفها في أداء معانيه كما يشاء، كما كان يملك أسلوبه وينظمه تنظيما تصويريا وموسيقيا بديعا، مما جعله ينفذ بصنعة الرسائل إلى كل ما كان يريده أصحابها من تنويع في معانيها على أساس من المنطق الدقيق، وجمال في أساليبها على أساس من التصوير الطريف، والإيقاع الصوتي الأنيق.
стр. 119
الفصل الثالث: الصنعة في النثر العباسي
١- النثر العباسي:
خلفت الدولة العباسية دولة بني أمية، واتخذت بغداد حاضرة لها تاركة شئون الحكم للفرس الذين قضوا قضاء مبرمًا على الأمويين، وبذلك أصبحوا هم السادة الحقيقيين، فلم يعد العرب يتصدرون مكان السيادة، ولم تعد لهم أرستقراطيتهم، كما كان شأنهم في العصر الأموي، فقد أبعدوا غالبًا عن المناصب الكبرى في الإرادة والجيش، وأصبحوا لا يستطيعون الدخول على الخليفة، إلا إذا لهم الموالي من الفرس، أمثال البرامكة وبني سهل، ممن أمسكوا بزمام الأمور.
وبذلك عمت الروح الفارسية في الحياة العباسية، حتى الخليفة نفسه لم يعد كأسلافه الأمويين يمثل شيخا كبيرًا من شيوخ القبائل العربية، بل أصبح خلفا لملوك الفرس الساسانيين، فله وزراؤه وحجابه وبلاطه، وله نفس التقاليد الفارسية في التشريفات، ويعيش معيشة مترفة، وإذا كان أبو جعفر المنصور عرف بالاعتدال في الاتصال بهذه الحياة الجديدة، فإن من خلفوه أقبلوا عليها إقبالا شديدا.
وكان تقدم الفرس على العرب في شئون الحكم سببا في اصطدام هائل بين العرب والموالي، وسرعان ما ظهرت نزعة الشعوبية١، إذ أخذ جماعة من علماء العجم، وأدبائهم يطعنون في عرب الجاهلية لبعدهم عن أسباب الحضارة
стр. 120
والثقافة، وطعنوا عليهم أيضا في كل ما يتصل بهم من فضائل خلقية ومن خطابة، وغير خطابة منوهين بفضائل الفرس وغيرهم من شعوب الحضارات القديمة، وما اشتهرت به من عمارة وفنون وعلوم، واتخذ ذلك شكل نزاع ضخم، فألفت كتب كثيرة في مثالب العرب، وكتب أخرى كثيرة في فضائل الفرس وغيرهم، ومن أشهر هؤلاء الشعوبيين في العصر العباسي الأول أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأصله من يهود فارس، وهو من أشهر العلماء في اللغة والأخبار، وكان يتعصب للفرس على العرب، فألف في فضائل الأولين كتابًا١، أما الأخيرون فألف كتابا في مثالبهم٢، وشركه في كتابة المثالب والتأليف فيها الهيثم بن عدي٣، وممن اشتهر بهذه النزعة سهل بن هرون، كاتب البرامكة ثم أخذ أصحاب خزانة الحكمة للمأمون، ومنهم علان الشعوبي وكان وراقا في خزانة المأمون، وقد جمع في كتابه "حلبة المثالب" جملة المطاعن على القبائل العربية في زمن الجاهلية٤، ولم يقف أنصار العرب صامتين إزاء هذه النزعة، فقد أخذوا يردون على أصحابها، ومن أشهر من اضطلعوا بهذا الرد مدافعين عن العرب الجاحظ في فاتحة الجزء الثالث من البيان والتبيين، وصنع صنيعة ابن قتيبة في رسالة له سماها كتاب العرب٥.
ترجم الفرس كثيرًا من تراثهم إلى العربية٦، ومن أشهر من قاموا بهذا الصنيع عبد الله بن المقفع وآل نوبخت٧، وبخيل إلى الإنسان أنه لم يبق أثر في اللغة البهلوية إلا ترجم إلى العربية سواء تعلق بتاريخ الساسانيين أو بآدابهم، ومن ثم بالغ بعض المحدثين فيما كان للثقافة الفارسية من أثر في العقل العربي،
стр. 121
ومن الغلاة في ذلك إنيسترانسيف، فقد أكبر في كتابه "الأثر الإيراني في الأدب الإسلامي" من شأن هذه الثقافة، وتأثيرها في العرب معتمدًا في ذلك على ما يحصيه ابن النديم في فهرسته من أسماء الكتب الفارسية المترجمة، وهي كثيرة هناك كثرة غامرة، إلا أن هذه الكثرة يجب أن نحذرها، فالمسألة مسألة كيف لا كم، وربما كانت أهمية هذه الثقافة لا ترجع إلى ما ترجم للفرس أنفسهم، وإنما ترجع إلى ما ترجم إلى لغتهم عن غيرها، فقد كانت وسيطا مهما في نقل كثير من آداب الهند، ومعارفها مثل كتاب كليلة ودمنة الذي نقله ابن المقفع، وكذلك كانت وسيطا في نقل بعض الكتب اليونانية مثل منطق أرسطو الذي ترجمه عبد الله بن المقفع، أو ابنه١، على أنه ينبغي أن نشير إلى أنه دخل عن طريق الترجمة من الفارسية كثير من تعاليم الفرس الدينية القديمة عند زرادشت وماني ومزدك، بل ترجموا كتاب زرادشت المسمى أفستا كما ترجموا كتبا أخرى لماني ومزدك، مما كان سببا في ازدياد جماعة الزنادقة، وكانوا يتظاهرون بالإسلام، ويبطنون أديانهم المجوسية القديمة، وكانت عين الدولة يقظة، فأقام المهدي ديوانا خاصا بمحاكمتهم، وقتل ابن المقفع وكثيرون غيره. وقد انبرى علماء الكلام، وخاصة المعتزلة يردون على هؤلاء الزنادقة، وما زعموا من إثنينية ومذاهب دهرية.
ولا تقل أهمية الثقافة الهندية٢ عن الثقافة الفارسية، إذ ترجم العباسيون عنها كثيرا من الحكم والقصص، ومن الفلك والرياضة والطب، وقد ترجم إبراهيم الفزاري للمنصور كتاب الفلك الهندي المعروف باسم "السند هند" يعاونه في ذلك بعض علماء من الهنود، واجتلب يحيى بن خالد البرمكي مجموعة من أبطائهم إلى بغداد، وأمرهم بنقل بعض كتب الطب الهندية، ويظهر أنه كان هناك مترجمون كثيرون يحسنون النقل عن السنسكريتية، ومما نقلوه صحيفة في
стр. 122
البلاغة احتفظ بها الجاحظ في بيانه١، ومن المؤكد أن كثيرًا من تأملاتهم فيما بعد الطبيعة أخذ طريقه إلى العربية، وكان له صداه الواسع في الصوفية الإسلامية، وقد لعبت نظريتهم في التناسخ، وبعض مذاهبهم الدهرية مثل السمنية دورا هي الأخرى في نزعات الزندقة والإلحاد.
على أن هاتين الثقافتين الهندية والفارسية لا تقاسان في أهميتهما إلى الثقافة اليونانية٢ التي دخلت في العربية لهذا العصر، وكانت مبثوثة في مدارس جند يسابور والرها وحران ونصيبين، كما كانت مبثوبة في الكنائس الشرقية والغربية، وكان للسوريان الفضل الأول في نقل محتوياتها إلى العربية، وبدأ ذلك منذ عصر المنصور، إذ استدعى من جنديسابور أسرة بختيشوع، ليتولى بعض أطبائها علاجه، وجدت هذه الأسرة كما جد غيرها من السوريان في ترجمة الفلسفة اليونانية، وبلغت هذه الترجمة أوجها في عهد المأمون، فقد اتخذ في قصره خزانة الحكمة، وأخذ يضم إليها كنوز المعرفة العربية والأجنبية، وشجع على النقل والترجمة، وطلب من آسيا الصغرى، ومن بيزنطة نفسها المصنفات اليونانية، وفي عهده لمع اسم أبي يوسف يعقوب الكندي أول فلاسفة العرب المهمين، وأحد العقول الكبرى في تاريخ العالم.
والذي لا ريب فيه أن هذه الثقافات الدخيلة التي نقلت إلى العربية، وسعت طاقتها، بما اكتسبت من المعاني العقلية والفلسفية، وقد أصبح النثر العربي نثر ثقافة متشعبة، تمدها روافد كبيرة من إيران الهند واليونان، وليس ذلك فحسب، فقد أخذت تدخل في هذا النثر طرائق النظر الأجنبية، وأساليب الأجانب في تفكيرهم، والذي لا ريب فيه أيضًا أنه قام على هذا العمل نخبة من رجال الفكر الذين يحسنون اللغتين المنقول المنقول عنها، والمنقول إليها فإذا هم يستخدمون أسلوبا مولدا جديدا يحتفظون فيه للعربية بصورتها النحوية والتركيبية، ونحن لا نستطيع أن نقف على مدى إحسانهم في هذا الأسلوب، إلا إذا لاحظنا أن
стр. 123
لغتنا لم يصبها أثناء ذلك شيء من الفساد، فقد عمدوا إلى تخصيص بعض ألفاظها للدلالة على المصطلحات الفلسفية والعلمية الجديدة، وكان إذا اضطرهم معنى لفظ أجنبي إلى الاحتفاظ به عربوه، كما حدث في أسماء كثير من النباتات والأحجار، والعقاقير والأمراض، وبعض أسماء الآلات أو أسماء بعض العلوم، وكانوا كثيرا ما يضيفون صيغا جديدة، ولكنهم لم يبتعدوا بها عن تراكيب العربية، ومن يقرأ كتب ابن المقفع، وهو من أوائل المترجمين يرى كيف استطاع أن يضفي على أساليبه الطوابع العربية تامة كاملة.
وبذلك اتسعت لغة الصحراء، وأصبحت لغة ثقافية ذات أسلوب مرن يستوعب كل ما لدى الأجانب من كنوز المعرفة، ومذاهب الفلسفة مما كان له أثره في الأدب نثره وشعره، كما كان له أثره في العلوم الإسلامية كعلم الكلام، والفقه، وحتى في علم اللغة نفسه، وما اتصل به من علم النحو، فقد وضع الخليل خطة أول معجم في العربية، وهو "معجم العين"، ورتبه على مخارج الحروف بالضبط كما يرتب الهنود حروف لغتهم، وكان يعرف علم الموسيقى، وعلى هديه أو باستيحائه وضع عروض الشعر وموازينه، ولا ننسى المنطق اليوناني فصلته بالنحو العربي مقررة، ومعنى ذلك العلوم المنقولة أثرت في تلك العلوم اللغوية، كما أثرت في جميع العلوم العربية الإسلامية الخالصة، وليس من باب الاتفاق أن يأخذ فقهاء العراق بالقياس، أو يسموا بأصحاب الرأي، وقد أخذ المؤرخون يكتبون في التاريخ على ضوء ما قرأوا عند الأمم الأجنبية من كتاباته، مما أتاح للطبري أن يكتب موسوعته التاريخية الكبرى.
وعلى هذا النحو أصبح النثر في العصر العباسي متعدد الفروع، فهناك النثر العلمي، والنثر الفلسفي والنثر التاريخي، والنثر الأدبي الخالص، وكان في بعض صوره امتدادًا للقديم، وكان في بعضها الآخر مبتكرا لا عهد للعرب به، على شاكلة ما هو معروف في كتابات سهل بن هارون والجاحظ، وظلت الخطابة مزدهرة في أوائل هذا العصر، وإن كان قد أسرع الذبول إلى الخطابة الحفلية، إذ لم تعد القبائل تقدم بوفودها على الخلفاء، كما كان الشأن في عصر
стр. 124
بني أمية. أما الخطابة السياسية فظلت فترة نشيطة، بحكم دعوة بني العباس لأنفسهم، حتى إذا استقام لهم الأمر أصابها ما أصاب الخطابة الحفلية من الذبول، ومن خطبائهم المفوهين، أبو العباس السفاح، والمنصور، والمهدي والرشيد والمأمون١، ثم غلبت العجمه على خلفائهم، فلم يعودوا يخطبون في أيام الجمع، والأعياد إلا ما كان من الخليفة المهتدي٢ "٢٥٥-٢٥٦ هـ"، وفي أخبار الرشيد أنه عهد إلى الأصمعي أن يحفظ ابنه الأمين خطبة يخطب بها الناس في يوم الجمعة٣، أما خطابة الوعاظ فيظهر أنه ظل لها غير قليل من الازدهار، فقد كان خلفاء بني العباس يستنون بخلفاء بني أمية في استقبال كثيرين منهم، وكان المنصور خاصة يوسع لهم في مجالسه، وفي كتب الأدب أطراف من تلك المواعظ، ينسب بعضها إلى شبيب بن شيبة٤، وبعض آخر ينسب إلى عمرو بن عبيد٥، أو إلى الأوزاعي٦ أو إلى غيرهم.
وكان المهدي مثل أبيه يستدعي هؤلاء الوعاظ ويستمع إليهم، ويروى أن صالح بن عبد الجليل، وعظه يوما حتى سالت دموعه٧، وكان الرشيد يقتدي به، فكان يعظه ابن السماك٨ وغيره، وروى ابن قتيبة في عيون الأخبار، وابن عبد ربه في العقد الفريد كثيرا من كلام هؤلاء الوعاظ، وكان وراءهم كثير من القصاص الذين يقصون على الناس في المساجد الجامعة، ومن أشهرهم موسى ابن سيار الأسواري "وكان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في المشهور به، فتقعد العرب عن يمينه، وتقعد الفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله، يفسرها للعرب
стр. 125
بالعربية ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يدري بأي لسان هو أبين". ومنهم عمرو بن فائد الذي ظل يفسر القرآن الكريم للناس ستا وثلاثين سنة، وما ختمه حتى مات؛ لأنه كان حافظا للسير ولوجوه التأويلات، فكان ربما فسر آية واحدة في عدة أسابيع، ومنهم القاسم بن يحيى الضرير الذي لم يكن في القصاص مثله، ومنهم صالح المري وكان صحيح الكلام شديد التأثير في سامعيه١.
واتسعت في هذا العصر المناظرات الكلامية، وحمل لواءها المعتزلة من أصحاب واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، ولم يكن همهم أن يردوا على مخالفيهم من الجهمية أصحاب جهم بن صفوان الذي كان يقول بالجبر، والمرجئة الذين قالوا بأنه لا يجوز تكفير المسلم، ولا الحكم على أعماله، حتى لوة ارتكب كبيرة. لم يكن همهم أن يردوا على هاتين الفرقتين فقط، بل انصرف همهم إلى الرد على الدهرية والزنادقة، ونراهم في عصر المأمون يدعون إلى أن القرآن ليس أزليًّا، إنما هو مخلوق، واستطاعوا أن يؤثروا في المأمون حتى اعتنق فكرتهم، وأعلنها عقيدة رسمية للدولة، وأخذ في امتحان من يؤمنون بها في آفاق دولته، على نحو ما كان يمتحن جده المهدي الناس في عقيدة المانوية، وتبعه المعتصم في تلك السيرة، حتى إذا ولي المتوكل ترك الناس وشأنهم.
ولا نبالغ إذا قلنا: إن المتكلمين من معتزلة، وغير معتزلة نهضوا بالنثر العباسي نهضة رائعة، فقد كان المتكلم لا يحسن الكلام والاحتجاج لآرائه إلا إذا أخذ نفسه بثقافة فلسفية واسعة، يقول الجاحظ: "ولا يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام متمكنا في الصناعة، يصلح للرياسة، حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة، والعالم عندنا هو الذي يجمعهما"٢، ولم يكونوا يتثقفون بالثقافة الفلسفية وحدها، بل كانوا يتثقفون أيضا بكل ضروب الثقافات التي عرفت لعصرهم، حتى يجمعوا "التدابير العجيبة، والعلوم الغريبة،
стр. 126
وآثار القول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، والحكم الرفيعة، والمذاهب القويمة، والتجارب الحكيمة، والأخبار عن القرون الماضية، والبلاد النازحة والأمثال السائرة"١، ويعترف الجاحظ بقيمة ذلك كله فيقول: "ولولا ما أودعت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجيب حكمتها، ودونت من أنواع سيرها، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها كل مستغلق كان علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم لقد خس حظنا من الحكمة، ولضعف سببنا إلى المعرفة، ولو لجأنا إلى قدر قوتنا ومبلغ خواطرنا، ومنتهى تجاربنا لما تدركه حواسنا، وتشاهده نفوسنا لقلت المعرفة، وسقطت الهمة وارتفعت العزيمة، وعاد الرأي عقيما، والخاطر فاسدا، ولكل الحد وتبلد العقل"٢.
والجاحظ المتكلم لا يعبر بهذا الكلام عن وجهة نظره وحده، وإنما يعبر عن وجهة نظر المتكلمين جميعا لعصره، فقد انكبوا على قراءة الكتب المترجمة من الفلسفة وغير الفلسفة، ففتقت عقولهم وفتحت لهم مسالك، وأبوابا من الفطن وقد أقبلوا في شوق شديد على التثقف بالإسلام وتعاليمه، وباللغة العربية وكنوزها النثرية والشعرية، ويكفي أن يقرأ الإنسان "البيان والتبيين" للجاحظ وكذلك "الحيوان" ليقف على مدى ثقافته العربية، وهي في الكتاب الأخير تعانقها ثقافة عامة واسعة.
ولا نقرأ فيما خلفه هؤلاء المتكلمون حتى يبهرنا لسنهم، وقدرتهم على الحجاج والإقناع، وقد كانت المناظرة في موضوع من الموضوعات تنعقد أحيانا بين اثنين منهم، فتظل أياما لا في أصول الدين، ولا في الرد على الملحدين فحسب، بل في كل موضوع يمكن أن يفد إلى أذهانهم، وقد ملأ الجاحظ نحو مجلد من كتابه الحيوان بمناظرة انعقدت بين معبد، والنظام في الكلب والديك أيهما أفضل، وظل يورد أدلة كل منهما في صورة رائعة، وهي صورة تدل دلالة بينة على مدى ما أصابه هؤلاء المتكلمون من تنويع لأفكارهم، وتصحيح لمقدماتهم
стр. 127
وتصريف لأساليبهم وألفاظهم، وإذا كانت القدرة البيانية بلغت باثنين منهم هذا المبلغ في مساوئ الديك ومحاسنه، ومنافع الكلب ومضاره، فما بالك بما كان يجري بينهم في مسائل الدين واستقصاء كل مسألة وجمع معانيها، وترتيب أفكارها وألفاظها؟ ومن يقرأ ما يرويه الجاحظ عن النظام في كتابه الحيوان يعجب أشد العجب من استنباطه للمعاني والأدلة، سواء تحدث في الحيوان، أو في الرد على الدهرية والمانوية، أو على خصومه من المتكلمين، أو في بيان نظرياته في الروح والحواس، والتولد والجسم والعرض، والخير والشر والاستطاعة والكمون، والتداخل والحركة والسكون، ويشيد به الجاحظ في غير موضع من حيوانه، ومن قوله فيه وفي المتكلمين: "إنه لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم، ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوام من جميع النحل.. ولولا أصحاب إبراهيم "النظام"، وإبراهيم لهلكت العوام من المعتزلة، فإنه قد أنهج لهم سبلًا، وفتق لهم أمورًا، واختصر لهم أبوابا، ظهرت فيها المنفعة، وشملتهم بها النعمة"١، وقال في موضع آخر: "كان إبراهيم مأمون اللسان قليل الزلل والزيغ.. وإنما كان عيبه الذي لا يفارقه.. جودة قياسه على العارض، والخاطر، والسابق الذي لا يوثق بمثله"٢، فهو يأخذ عليه أنه كان لا يصحح مقدمات القياس.. وأكبر الظن أنه إنما كان يلجأ إلى ذلك حين تعوزه الحجة، فكان يراوغ ويعتل، حتى يشك خصمه وسامعيه، وكان يذهب هذا المذهب نفسه خاله أبو الهذيل العلاف، وكان يقول: خمسون شكا خير من يقين واحد٣، أما النظام فكان يقول: لم يكن يقين قط حتى كان قبله شك، ولما قال أبو الجهم للمكي: أنا لا أكاد أشك قال المكي: وأنا لا أكاد أوقن، وكانوا يقولون: "العوام أقل شكوكا من الخواص؛ لأنهم لا يتوقفون في التصديق والتكذيب، ولا يرتابون بأنفسهم، فليس عندهم إلا الإقدام على التصديق المجرد، أو على التكذيب المجرد، وألغوا الحال الثالثة من الشك التي تشتمل على طبقاته"٤.
стр. 128
لم يعد هناك شيء لا يقبل الشك، والجدل في هذه البيئة التي استطاعت حقا أن تمرن اللغة العربية على أداء معان لم تتعود أداءها، وإنك لتقرأ كلامها، فلا تشعر بأي تكلف أو شفقة، أو التواء أو عسر، فقد أصبحت اللغة طيعة على ألسنتهم، وأصبحت مرنة مرونة عجيبة، سواء تكلموا في مسائل فلسفية عويصة، أو في مسائل كلامية دقيقة، وتحس حقا كأنهم بحار تتدفق، فلا تعثر ولا توقف. وقد وقف الجاحظ في البيان والتبيين يشيد إشادة رائعة ببلاغتهم١، وعرض لأحدهم، وهو ثمامة بن أشرس فوصفه بقوله: "ما علمت أنه كان في زمانه قروي ولا بلدي كان بلغ من حسن الإفهام مع قلة عدد الحروف، ولا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف ما كان بلغه، وكان لفظه في وزن إشارته ومعناه في طبقة لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك بأسرع من معناه إلى قلبك، وقال بعض الكتاب: معاني ثمامة الظاهرة في ألفاظه، الواضحة في مخارج كلامه، كما وصف الخريمي شعر نفسه في مديح أبي دلف، حيث يقول:
له كلم فيك معقولة ... إزاء القلوب كركب وقوف"٢
وهذا الوصف الذي وصف به الجاحظ ثمامة ينطبق على كل متكلم في عصره، فقد مرنوا على الجدال، ومكايلة الألفاظ وموازنة المعاني وعرضها، بخفيات حدودها ودقائقها، والحوار فيها والجدال، ومحاولة إقناع الخصوم وإسكاتهم وبلغوا من ذلك كل مبلغ، حتى سموا المتكلمين فهم أرباب الكلام، وأصحابه الذين يعرفون كيف ينصبون أنفسهم للدفاع عن آرائهم، وكيف يقدمون البراهين الواضحة، والحجج الصحيحة.
واقرأ كتاب الحيوان للجاحظ، فلن تجد موضوعا إلا خاضوا فيه، واستخرجوا منه معانيه، حتى لتظن أنه لم يكن هناك أديب بارع إلا وتستهويه تلك الجماعة وتجذبه إلى ميادينها، ليبحث في الأسباب الكونية ومسبباتها، والعلل ومعلولاتها، ويدخل في صفوف هؤلاء الذين ملأوا قلوب الناس إعجابا بمناظراتهم ومجادلاتهم.
стр. 129
التي اتسعت لكل جوانب المعرفة دينا وغير دين.
وقد دعتهم رغبتهم في إحكامهم لمناظراتهم، ومناقشاتهم أن يبحثوا بحثا واسعا في بلاغة الكلام، وكيف يبلغ المتكلم بكلامه الكفاية وغاية الحاجة، بل كيف يروع السامعين ببيانه، وحلاوةو ألفاظه وحسن مخارج حروفه، حتى تسكن القلوب إليه وتثلج الصدور، ويزخر كتاب البيان والتبيين بوصاياهم التي كانوا يسوقونها إلى تلاميذهم في مجالسهم، وكثيرًا ما كانوا يدعون هؤلاء التلاميذ إلى المناظرة بين أيديهم، ليمرنوهم ويدربوهم، وليروا مقدار براعتهم، وهم أثناء ذلك يبدون ملاحظات مختلفة على إشارتهم وحركاتهم، وأصواتهم وعلى ألفاظهم وأقوالهم وأساليبهم، وعلى براهينهم وأدلتهم وأقيستهم، وعللهم وما يداخل ذلك كله من فلتات خطإ وسقطات وهم، وبذلك كانوا أول من وضع قواعد البيان العربي، وقد أخذوا أثناء هذا الوضع يحاولون الإطلاع على ما عند الأجانب من هذه القواعد، يقول الجاحظ في بيانه: "قيل للفارسي: ما البلاغة؟ قال معرفة الفصل من الوصل، وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام، وقيل للرومي: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة والغزارة يوم الإطالة، وقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة، وقال بعض أهل الهند: جماع البلاغة البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة، ثم قال: ومن البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة أن تدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقة، وربما؟؟؟ الإضراب عنها صفحا أبلغ في الدرك وأحق بالظفر"١. ويقول الجاحظ: إن معمرا المتكلم قال لبهلة الهندي: ما البلاغة عند أهل الهند؟ قال بهلة: عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة، ولكن لا أحسن ترجمتها، ولم أعالج هذه الصناعة فأثق من نفسي بالقيام بخصائصها، وتلخيص لطائف معانيها، ويلقى معمر بالصحيفة التراجمة فإذا فيها: "أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش ساكن الجوارح، قليل اللحظ، متخير اللفظ، لا يكلم سيد
стр. 130
الأمة بكلام الأمة ولا الملوك بكلام السوقة، ويكون في قواه فضل التصرف في كل طبقة.. وممن قد تعود حذف فضول الكلام، وإسقاط مشتركات الألفاظ وقد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة، والمبالغة لا على جهة الاعتراض والتصفح، وعلى وجه الاستطراف والتطرف.. ويكون لفظه مونقا، ولهول ذلك المقامات معاودا. ومدار الأمر على إفهام كل قوم بمقدار طاقتهم، وللحمل عليهم على أقدار منازلهم"١.
ومعنى ذلك كله أن المتكلمين لم يكتفوا بملاحظاتهم الشخصية في بلاغة الكلام، بل طلبوا ما عند الأجانب، ويلح الجاحظ وغيره منهم على فكرة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وهي صريحة في الصحيفة الهندية، وأغلب الظن أنها تسربت إليهم أيضا في بعض ما ترجم لأفلاطون من محاورات، أو لأرسطاطاليس من كلام في الخطابة، وربما سمعوها من المسيحيين السريان الذين كانوا يكثرون من جدالهم، ويحدثنا الجاحظ أن بشر بن المعتمر مر بإبراهيم بن جبلة، وهو يعلم بعض الفتيان الخطابة، فدفع إليه بصحيفة من تحبيره٢، تجمع قواعد البلاغة، وكيف يحسن الخطيب في خطابته، متحاشيا التوعر وجالبا الألفاظ التي تروق السامع، وقد بنيت الصحيفة على فكرة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وأن واجب الخطيب أن يلائم بين موضوعه ومعانيه، وبين ظروف السامعين، فإن إحراز المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال، فلا يكلم الخاصة بكلام العامة ولا العامة بكلام الخاصة، بل يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها أقدار المستمعين وأقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامًا يلائمها، حتى تفهم عنه، وحتى يصل إلى ما يريد من استحالتها بلطف مداخله وعذوبة ألفاظه.
ونفذوا في أثناء هذه الوصايا إلى وضع كثير من المصطلحات البيان العربي، ومن يرجع إلى الحيوان والبيان، والتبيين يجد اصطلاحات التشبيه، والحقيقة، والمجاز
стр. 131
والاستعارة والكناية والالتفات، وحسن الخروج والاعتراض، وتأكيد المدح بما يشبه الذم والإيجاز والإطناب والاقتباس، كل ذلك يدور فيهما، وقد وقف الجاحظ طويلا في فاتحة البيان عند فصاحة الألفاظ، وتنافر الحروف وصنوف اللثغة فيها، فإذا قلنا: إن هذه البيئة هي التي وضعت قواعد البلاغة، والفصاحة لم نكن مبالغين، وإذا قلنا أيضا: إن هذه البيئة هي التي أتاحت للغة العربية مرونة الأساليب على أداء المعاني الدقيقة لم نكن مغالين، بل إننا نقول: إنها هي التي وضعت نماذج التعبير العباسي البليغ، فقد كانت تنفي الألفاظ المتوعرة الوحشية عن كلامها، كما كانت تنفي الساقط السوقي، فاختارت بذلك لغة متوسطة تقوم على الألفاظ الرشيقة ذات المخارج السهلة، كما تقوم على ضرب من التلاؤم الموسيقي هو نفسه الذي لاحظناه قبلا عند أسلافها من وعاظ العصر الأموي، والذي يكسو الكلام كسوة الازدواج، والترادف الصوتي البديع.
وكان كبار الأدباء في القرن الثاني جميعه يتخذون هذا الأسلوب الفصيح الوسط إمامهم ومثلهم، سواء أكانوا مترجمين مثل ابن المقفع، أم مدبجين لرسائل أدبية طريفة مثل سهل بن هرون، وقد بلغ القمة التي كانت تنتظره عند الجاحظ المتكلم، وهو أسلوب كان يوازن دقيقة بين طرافة المعاني، وإثارة الجمال في نفس القارئ والسامع، ولكن بدون كد ومجاهدة، ولذلك نسلك أصحابه في مذهب الصنعة، فهم لا يبالغون في تكلفهم، ولا يستدعون الألفاظ من بعيد، ولا يدققون فيها كل التدقيق، ولا يصفونها كل التصفية.
وبينما كان هذا المذهب قائما عند المتكلمين، وكبار الأدباء، والمترجمين كانت طلائع مذهب ثان من التصنيع، والتجميل تأخذ طريقها في بيئة الكتاب الرسميين من أصحاب الدواوين، فقد أخذوا يهذبون لغة رسائلهم السياسية غاية التهذيب، وما زالوا يبالغون في أناقة تعبيرهم، ودقة أذواقهم، حتى انفصلوا انفصالا تماما عن أسلوب الازدواج إلى أسلوب كله قطع زخرفية أنيقة، أو بعبارة أخرى أسلوب كله سجع وتنميق، وسنعرض لهذا المذهب في موضع آخر، أما الآن فنعني بأهم من نموا مذهب الصنعة في العصر العباسي بتأثير الثقافات الأجنبية الدخيلة، وهم ابن المقفع وسهل بن هارون والجاحظ، وكان أولهم مترجما، أم سهل والجاحظ فكان أديبين يعنيان بكتابة الرسائل والكتب الأدبية، ولعلهما من أجل ذلك كانا يهتمان بفنهما تجويد أساليبهما أكثر من اهتمام ابن المقفع، إذ كان اهتمامه ينصب غالبا على ما يترجمه ونقل معانيه، لا على طريقة الأداء والتحبير فيه.
стр. 132
٢- ابن المقفع: أصله وحياته وزندقته:
ابن المقفع فارسي الأصل، اسمه روزبه١ بن داذويه، كان أبوه من قرية تسمى جور٢ من أعمال فارس على مقربة من شيزار، وانتقل إلى البصرة، والتحق بديوان الخراج لعهد الحجاج، فاحتجن "اختلس" مالا، فضربه الحجاج حتى تقفعت "يبست" يده، فلقب بالمقفع٣، ولم يسلم، بل استمر مجوسيا مانويا، وعلى دينه نشأ ابنه روزبه، ويظهر أنه عني بتأديبه كما عني بتعليمه العربية، وساعده على ذلك أن ولاءهما كان في آل الأهتم، وهم يشتهرون بالفصاحة من قديم٤.
ولم يمض زمن كبير حتى ظهرت مخايل الفصاحة والبلاغة على ابن المقفع، فكتب لعمر بن هبيرة في دواوينه على كرمان٥ بفارس، ثم كتب لابنه يزيد حين ولي العراق من قبل مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، كما كتب لأخيه داود٦، وجعلته وظيفته تلك يفيد أموالًا، كان يبر بها طائفة من أصدقائه، يقول الجهشياري: "وكان سريا سخيا، يطعم الطعام، ويتسح على كل من احتاج إليه ... وكان يجري على جماعة من وجوه أهل البصرة والكوفة ما بين
стр. 133
الخمسمائة إلى الألفين في كل شهر"١.
ولما قامت الدولة العباسية كتب لعيسى بن علي عم المنصور٢، وعلى يديه أعلن إسلامه، وتسمى باسم عبد الله، واكتنى بأبي محمد٣، ويقال: إنه حين حاول إعلان إسلامه سأله عيسى أن يؤجل ذلك إلى الغد، حتى يكون ذلك في حفل يحضره القواد والرؤساء، ثم حضر طعام العشاء، فجلس يأكل ويزمزم على عادة المجوس، فقال له عيسى: أتصنع ذلك وأنت على عزم الإسلام؟ فقال: أكره أن أبيت على غير دين! وظل يعمل في خدمة عيسى حتى قتله سفيان بن معاوية والي البصرة من قبل المنصور، وهنا يختلف الباحثون في سبب قتله، فيزعم قوم أنه قتل لزندقته، ويؤكد الجهشياري، وكثير من المؤرخين أن السبب في قتله ما كان من تشدده في كتابه الأمان الذي كتبه لعبد الله بن علي أخي عيسى، وعم المنصور فإنه حين فشلت ثورته على ابن أخيه هرب منهزما من أبي مسلم الخراساني، وقصد أخويه عيسى وسليمان بالبصرة، فكاتبا المنصور في أن يؤمنه، ورضي بإعطائه الأمان، فأمر عيسى بن المقفع يعمل نسخة لهذا الأمان، فعملها ووكدها، واحترس من كل تأويل يجوز أن يقع عليه فيها.. وكان الذي شق على أبي جعفر ما جاء في أسفل الأمان من أنه إذا غدر بعمه عبد الله، فهو نفي من أبيه، ومولود لغير رشدة، وقد حل لجميع أمة محمد خلعه وحربه والبراءة منه، ولا بيعة له في رقاب المسلمين، ولا عهد ولا ذمة، وقد وجب عليهم الخروج من طاعته، وإعانة من ناوأه من جميع الخلق، وأنه إن فعل كان كافرًا بجميع الأديان، ونساؤه طوالق وعبيده أحرار، فغضب المنصور حين قرأ هذا الأمان وسأل عن كاتبه، فقيل له: ابن المقفع، فقال: أما أحد يكفينيه؟ وكتب فيه إلى سفيان بن معاوية، وتصادف أن كان يضطغن عليه، فاستغل الفرصة وطلبه، فلما قدم عليه أمر بتنور فسجر، ثم أخذ يقطعه عضوًا
стр. 134
عضوًا ويرمى به في التنور١، وأكبر الظن أن هذا هو السبب الصحيح في مقتل ابن المقفع، فالجاحظ يقول في بعض رسائله: إنه أغرى عبد الله بن علي بالمنصور ففطن له، وقتل٢ ومن المحقق أن الجاحظ لا يريد بإغرائه سوى ما كان من كتابة أمانه على هذا النحو الذي ضيق فيه على المنصور، ويقول ابن خلكان: إن ذلك كان عام ١٤٢ أو ١٤٣ أو ١٤٥، ومعنى ذلك أنه لم يعش في الدولة العباسية إلا نحو عشر سنين.
واشتهر ابن المقفع بأنه كان زنديقًا، وأنه إنما اتخذ الإسلام قناعًا لزندقته ومانويته، وممن أكد ذلك أبو الفرج الأصبهاني٣، والبيروني٤ وابن خلكان٥ وصاحب خزانة الأدب٦، ويقول المرتضى في أماليه: روي عن المهدي أنه قال: "ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع"٧، ويقول المسعودي: "أمعن المهدي في قتل الملحدين لظهورهم في أيامه، وإعلانهم باعتقاداتهم في خلافته، لما انتشر من كتب ماني وابن ديصان، ومرقيون مما نقله عبد الله بن المقفع وغيره وترجم من الفارسية، والفهلوية إلى العربية"٨، وفي الفهرست أنه ترجم كتابا في سيرة مزدك٩، ويقال: إنه مر ببيت نار للمجوس بعد أن أسلم فلما رآه تمثل:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدا وبك الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل١٠
ويقول بعض الرواة: إنه عارض القرآن بزعمه١١، ونشر ميكائيل أنجلو جويدي سنة ١٩٢٧ كتابا يسمى: "كتاب الرد على الزنديق اللعين ابن المقفع -
стр. 135
عليه لعنة الله- للقاسم بن إبراهيم عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم"، ونرى القاسم يندد -في مقدمة هذا الكتاب- بمذهب ماني وأتباعه، ويقول: إن ابن المقفع خلفه في إفكه وضلاله، "فوضع كتابا أعجمي البيان، حكم فيه لنفسه بكل زور وبهتان، فنال من عيب المرسلين، وافترى الكذب على رب العالمين، فرأينا من الحق أن نضع نقضه، بعد أن وضعنا من قول ماني بعضه". ثم يعرض القاسم فقرا من أقوال ابن المقفع ويرد عليها، وقد شك بعض الباحثين في هذا الكتاب، ونسبة ما فيه من آراء لابن المقفع١، غير أن ذلك لا ينقض زندقته فقد شهد بها معاصروه ومن جاءوا بعدهم، ويروى أنه لما قتل ابن أبي العوجاء لزندقته رثاه بقوله:
رزئنا أبا عمرو ولا حي مثله ... فلله ريب الحادثات بمن وقع
فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي خلة ما في انسداد لها طمع
فقد جر نفعا فقدنا لك أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع
وقال أحمد بن يحيى ثعلب: البيت الأخير يدل على مذهبهم في أن الخير ممزوج بالشر والشر ممزوج بالخير٢.
وعلى الرغم من زندقة ابن المقفع، وتعصبه الشديد لفارسيته لم يفكر في الرجوع إلى لغته، بل اتخذ العربية مثله الأعلى، وكان ذكيا ذكاء شديدًا، ولكن ذكاءه أضله، وكان دقيق الحس، فقد دعاه عيسى بن علي للغداء معه يوما، فقال له: "أعز الله الأمير! لست يومي للكرام أكيلا، فقال له: ولم؟ قال: لأني مزكوم والزكمة قبيحة الجوار، مانعة من عشرة الأحرار"، وكتب إليه يحيى بن زياد الحارثي الزنديق يلتمس عقد الإخاء، والاجتماع على المودة والصفاء، فأخر جوابه، فكتب إليه كتابا آخر، يستريثه، فكتب إليه ابن المقفع: "إن الإخاء رق، فكرهت أن أملكك رقي قبل أن أعرف حسن ملكتك"٣.
стр. 136
٣- صنعة ابن المقفع في كتبه ورسائله:
رأينا ابن المقفع يعمل في دواوين الحكماء والأمراء، ولكن أهميته لا ترجع إلى أنه كان كاتبًا من كتاب الدواوين، وإنما ترجع إلى أنه كان مترجما عن البهلوية، إذ حاول أن ينقل إلى اللغة العربية خير ما عرفه في لغته الفارسية، سواء أكان ما عرفه فيها فارسيا خالصا، أم كان يونانيا أم كان هنديا.
أما الفارسي الخالص فمنه ما يرد إلى تراث القوم الديني، وقد ترجم منه كتاب مزدك١، ومنه ما يرد إلى تراثهم التاريخي والأدبي، وهو تراث كان يدور في أغلبه حول البلاط الإيراني، وحولياته، وتقاليده، ومن هذا التراث ترجم كتاب "خد اي نامه" في سير ملوكهم، وقد اعتمد الفردوسي على هذا الكتاب في تأليف ملحمته "الشهنامة". وأيضا ترجم كتاب "آيبن نامة"، وهو في أنظمة الملك والدولة الساسانية، وقد بقيت منه مقتطفات كثيرة في عيون الأخبار لابن قتيبة تدل على أنه كان يعالج نظام القضاء وفنون الحرب ومكايدها، وترجم أيضا كتاب التاج في سيرة أنوشروان، ورسالة تنسر وكل هذه الكتب -على ما يظهر- كانت كتبا رسمية أصدرها البلاط الساساني.
وترجم بجانبها بعض ما نقل إلى لغته من التراث اليوناني، إذ يقولون: إنه ترجم لأرسطو المقولات٢، وبجانب ذلك نجده يترجم قصص كليلة ودمنة، وهي قصص ترجع إلى أصول هندية.. وقد عثر هرتل "hertel" على أحد أصول هذه القصص، وهو كتاب "ينج تانترا" الهندي كما عثر غيره على أصل آخر هو كتاب "هتو بادشا"، ووجد الباحثون في "المهابهارتا".
стр. 137
بعض أصول منه١. ويرجح بعض الباحثين أن ابن المقفع زاد على الكتاب فصولا لم تكن في الأصل، وكذلك زاد بعض القصص، ويمكن أن تكون القصص المزيدة ليست من صنعه، فقد ترجم الكتاب بعده مرة أخرى، وزيدت فيه بعض زيادات٢، ومن المحقق أنه لم يزد سوى ما سماه غرض الكتاب، أما ما يزعمه البيروني من أن زاد باب برزويه "قاصد تشكيك ضعفي العقائد في الدين وكسرهم للدعوة إلى مذهب المنانية، وإذا كان متهما فيما زاد لم يخل عن مثله فيما نقل"٣، فغير صحيح، إذ كان هذا الفصل موجودا في الأصل الفارسي٤. على أن ما قاله البيروني إلى أن الفرس استخدموا الكتاب بعد نقله، وقبل ترجمته إلى العربية في الدعوة لمذهب المانوية.
وليس ذلك كل ما نقله ابن المقفع عن البهلوية، فله رسائل أخرى أشهرها الأدب الكبير والأدب الصغير، واليتيمة ورسالة الصحابة، ونراه يصرح في مقدمة الأدب الكبير بقوله: "منتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم "يريد القدماء"، وغاية إحسان محسننا أن يقتدى بسيرتهم.. ومن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس"، وكثيرا ما يقول في هذا الكتاب: "احفظ قول الحكيم" أو"قالت الحكماء".
ويقول في مقدمة الأدب الصغير: "وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفا فيها عيون على عمارة القلوب، وصقالها وتجلية أبصارها، وإحياء للتفكير وإقامة للتدبير، ودليل على محامد الأمور ومكارم الأخلاق". فالكتابان بشهادته مترجمان، أو على الأقل تغلب الترجمة عليهما، وقد دار أولهما على السياسة والصداقة، ودار ثانيهما على الشيم والأخلاق، وتدخل في هذه المعاني القطع الباقية من اليتيمة، التي احتفظ بها ابن طيفور في كتابه المنظوم والمنثور، فالكتب الثلاثة في رأينا مترجمة على الأقل في أكثرها، وهي تصور ضربا من
стр. 138
الأدب الأخلاقي نما في بلاط الساسانيين، كان يروى عن بزرجمهر وغيره، وكان يراد به تثقيف الفرس بحكمة عملية خلقية تستمد من تجارب الحياة، وتكفل للإنسان عأن يعيش في العالم سعيدًا بعيدا عن المضار، وتدخل في هذا الضرب من الأدب الأخلاقي رسالة الصحابة، وهي لا تصل بتعليم الناس كيف يعيشون، وإنما تتصل بنظام الدولة، فالصحابة في هذه الرسالة، إنما يراد بهم صحابة الحكام والملوك، أو كما نقول الآن: حاشيتهم وجنودهم ورعيتهم، فهي تعرض لسياسة الدولة العامة، وقد يكون ابن المقفع زاد عليها تطبيقًا لأحوال الرعية الإسلامية والدولة العباسية، ولكنه على كل حال استمد في هذه الرسالة من أنظمة الملك الساسانية.
وعلى هذا حمل ابن المقفع إلى العرب، والعربية أروع ما أنتجته العبقرية الإيرانية قبل الإسلام، مما كان له أثر كبير في الآداب العباسية، سواء منه ما اتصل بالأخلاق، وما اتصل بتاريخ الساسانيين، ومن سبقوهم من ملوك إيران، وكذلك ما اتصل بأنظمة ملكهم وحكمهم للرعية، ولم يكتف بذلك فقد نقل أيضا أجزاء من منطق أرسطو، كما نقل قصص كليلة ودمنة، وعنه نقلت إلى السريانية والعبرانية، واليونانية والفارسية الحديثة كما نقلت إلى اللغات الأوربية.
والطريف أن حين قام بنقل هذا كله إلى لغتنا العربية لم تستعص عليه تلك اللغة، بل أظهرت من المرونة ما استطاعت به أن تحمل هذا التراث كله، ومن غير شك كانت كثرته إن لم يكن كله جديدة عليها، بمعانيها ومدلولاتها التي لم يكن يعرفها عرب الصحراء، ولا نريد أن نبالغ، فنقول: إن ابن المقفع أصاب التوفيق في كل ما ترجم، إذ يظهر أن ترجمته لمنطق أرسطو أو لأجزائه لم تكن موفقة كل التوفيق، ومن ثم حمل عليه الجاحظ في ترجمته لمعاني أرسطو١، ومن الحق أن ترجمة هذا المنطق لا تعد مقياسا عاما لترجمته، إذ كلنا نعرف صعوبة ترجمة الفلسفة، فما بالنا إذا كانت هذه الترجمة تصاغ لأول مرة، وعلى
стр. 139
كل حال إذا كان التوفيق قد أخطأه في ترجمة أرسطو، فإنه لزمه في ترجمة كليلة ودمنة، وما ترجمه من تراث الأدب الفارسي.
وربما كانت حملة الجاحظ عليه في ترجمته لمنطق أرسطو، هي التي دفعت طه حسين إلى حملته على أساليب حملة عامة، فذهب يقول: إن "له عبارات من أجود ما نقرأ في العربية، وبنوع خاص في الأدب الكبير وفي كليلة ودمنة، ولكنه عندما يتناول المعاني الضيقة التي تحتاج إلى الدقة في التعبير يضعف، فيكلف نفسه مشقة ويكلف اللغة مشقة"، ويشبهه بالمستشرقين الذين يحسنون اللغة العربية فهما، وربما أعياهم الأداء فيها، وينصح لطلاب الأدب أن يحتاطوا عندما يريدون أن يتخذوا ابن المقفع نموذجا للتعبير والبلاغة، ويسوق دليلا على حكمه بعض أمثلة قليلة، نلاحظ في تضاعيفها اضطرابها في الضمائر، وكأنما فاته أن آثار ابن المقفع مضى عليها أكثر من ألف عام، قبل أن تطبع، كانت تتداولها فيها أيدي الناسخين الجانية، وأن ما لاحظه ربما رجعت آفاته إلى أصناف هؤلاء الناسخين.
والحق أن طه حسين بالغ حين عده كأحد المستشرقين، وهو قد نشأ في بيئة عربية وفي آل الأهتم، وكان شاعرًا كما كان كاتبًا، وقد وجد في نفسه من قوة البيان ما جعله إمام المترجمين في عصره، وقد جعله صاحب الفهرست من البلغاء العشرة الذين قاموا على رأس أدباء العصر العباسي وكتابه١، وما زال القدماء يستشهدون بآرائه في الفصاحة والبلاغة، من ذلك قول الجاحظ في بيانه٢: "لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع أحد قط، سئل ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل، فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى أبلغ، والإيجاز هو البلاغة"٢.
стр. 140
ويروي الجاحظ أن الكتاب الناشئين كانوا يدرسون آثاره ليتعلموا منها البيان، ويصقلوا عقولهم وألسنتهم١، وقد سخر مر السخرية من أحد هؤلاء الناشئين، إذ رآه يتعرض لقول ابن المقفع في كليلة ودمنة: "وكن كالنسر حوله الجيف، ولا تكن كالجيف حولها النسور"، ويقول: إنما كان ينبغي أن يقول بدلا من ذلك: "كن كالضرس حف بالتحف، ولا تكن كالهبرة٢ تطيف بها الأكلة". قال الجاحظ: وأظنه أراد الضروس، فقال: الضرس، وهذا من الاعتراض عجب٣.
والحق أن ابن المقفع كان من البلاغة في الذروة، ويكفي أنه استطاع أن ينقل أهم ما عرفه في لغته من تراث عقلي، وتاريخي، وفلسفي، وأدبي إلى العربية مع الاحتفاظ لها بيكانها ومشخصاتها، ومن غير شك عانى في سبيل ذلك كثيرًا، فقد خرج بما كان يترجم، وينقل عن نطاق المعاني العربية السابقة إلى معان جديدة لم يسبق للغتنا أن أدتها، وهي معان كانت تزدحم عليه، وتتكاثر وتتنوع، ومع ذلك لم يستعص عليه التعبير عنه، وقد كانت حرية أن تحدث عنده اضطرابا في التراكيب، وأن تدخل في أساليبه صورا من الرطانة الأعجمية، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، فقد ظلت العربية عنده محتفظة بأصولها الأولى، ومقوماتها الأساسية مع السلاسة والطلاوة، واقرأ له هذه الفقرة من كتاب الأدب الصغير٤: "وسمعت العلماء قالوا: لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق، ولا غنى كالرضا، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى تغييره، وأفضل البر الرحمة، ورأس المودة الاسترسال٥، ورأس العقل المعرفة بما يكون، وما لا يكون، وطيب النفس حسن الانصراف عما لا سبيل إليه، وليس في الدنيا سرور يعدل صحبة الإخوان، ولا فيها غم يعدل فقدهم. لا يتم حسن الكلام إلا بحسن العمل كالمريض الذي قد علم دواء نفسه، فإذا هو
стр. 141
لم يتداو به يغنه علمه، والرجل ذو المروءة قد يكرم على غير مال كالأسد الذي يهاب، وإن كان عقيرًا١، والرجل الذي لا مروءة له، وإن كثر ماله كالكلب الذي يهون على الناس، وإن طوق وخلخل٢، ليحسن تعاهدك نفسك بما تكون به للخير أهلا، فإنك إذا فعلت ذلك أتاك الخير يطلبك كما يطلب الماء السيل إلى الحدور".
وذلك هو أسلوب ابن المقفع فيما بقي بين أيدينا من آثاره، وهو أسلوب واضح شفاف، ليس فيه تعقيد ولا إغراب، وإنما فيه الاسترسال العذب، وفيه الألفاظ القريبة، والعبارات المبسطة حسب الأغراض والمعاني التي كان ينقلها، وكان ينفر نفورًا شديدًا من الأغراب في اللفظ والتوعر فيه، وكان يقول بعض من حوله: إياك التتبع لوحشي الكلام طمعا في نيل البلاغة، فإن ذلك هو العي الأكبر"، كما كان يقول: "عليك بما سهل من الألفاظ مع التجنب لألفاظ السفلة"، وسئل ما البلاغة؟ فقال: "التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها"٣.
وابن المقفع بهذه الوصايا يضع بين أيدينا أسس أسلوبه، وهو أسلوب جديد لا شك أنه كان من أوائل من ثبتوا حدوده ورسومه، أسلوب يقوم على التوسط بين لغة الخاصة، وما قد يكون فيها من إغراب في اللفظ ولغة العامة، وما قد يكون فيها من ابتذال، أسلوب عباسي مولد، يلائم فيه ابن المقفع بين حاجات عصره الثقافية، وبين مقومات العربية وأصولها اللغوية والنحوية، وكان يدفعه هذا الأسلوب دفعا إلى أن يدرس الألفاظ، ويختبرها ويقارن بينها ويفاضل، حتى يظفر منها بما يستوفي معانيه من جهة، وما يتيح لها ضربا من البلاغة من جهة ثانية.
وأكبر الظن أننا لا نسرف في القول حين نزعم أن ابن المقفع كان من أوائل من وطدوا هذا الأسلوب العباسي المولد، إن لم يكن أول من وطده وخاصة.
стр. 142
في ميدان الترجمة، وهذا أسلوب يقوم على السهولة والوضوح مع توفير الجزالة والرصانة، وكان يعمد فيه إلى الإيجاز، فالمعاني تؤدي بأقل الألفاظ دون أن تقصر عنها ودون أن تطول طولا يجحف بحقوقها، ولعل ذلك هو الذي جعله يعدل عن أسلوب السجع، وكذلك عن أسلوب الترادف الصوتي الذي سبق أن لاحظناه عند الوعاظ، وعند عبد الحميد الكاتب وأستاذه سالم، وليس معنى ذلك أنه لم يكن يهتم بالجمال المادي بتاتًا، وإنما معناه أنه كان مترجمًا، وكان يسعى إلى الدقة في الترجمة، فلم يتوسع في رصف الألفاظ وبسطها، حتى لا تخونه في أداء معانيه. لقد كانت غايته أن يوفق بين اللفظ الدال والمعنى المدلول، ومع ذلك لم ينس أبدا أن يكون لفظه جزلا رصينا مصقولا، وأن ينسقه في حركاته وأوضاعه تنسيقا مبينًا، لا يخفي أي شيء مما يحمله معنى أو صورة، وقد ظلت القرون التالية إلى قرننا الحاضر تتداول كثيرا مما ترجمه، وخاصة كليلة ودمنة والأدب الكبير، والأدب الصغير، وهذا الصمود للتداول الطويل مرجعه هذا التعاون الوثيق بين المعنى الحصيف، واللفظ الرشيق.
стр. 143
سهل بن هرون: أصله وحياته وثقافته
...
٤- سهل بن هارون: أصله وحياته وثقافته
إذا تركنا عصر ابن المقفع، وتقدمنا إلى عصر هارون الرشيد التقينا بسهل بن هارون، وهو فارسي من دستميسان١، كورة بين البصرة وواسط والأهواز، ويعين الحصري القرية التي ولد فيها، فيقول: إنها ميسان٢، واختلف الرواة في اسم جده، فهو في الفهرست رامنوي أو راهبون، وهو في البيان والتبيين راهبوني٣، وهو مثل ابن المقفع لا يعرف بالضبط متى كان مولده، أما وفاته فكانت في عام ٢١٥ للهجرة٤، وقد ترك موطنه أول الأمر إلى البصرة حيث
стр. 144
تخرج فيها، ثم انتقل إلى بغداد، فكتب ليحيى بن خالد البرمكي، وله أشعار في مديحه١، ويقال: إنه خلفه على الدواوين٢، ويظهر أنه ظل يشتغل فيها لعهد الأمين٣، ولما ولي المأمون الخلافة قدمه إليه الفضل بن سهل فأعجب به، وجعله خازنًا بدار الحكمة٤، وظل بها إلى أن توفي.
ودلائل كثيرة تدل على أنه كان مثقفا ثقافة ممتازة بجميع معارف عصره، وأنه كان أحد النقلة من لسانه الفارسي إلى العربية٥، ولكن أهميته لا ترجع إلى ما ترجم، بل ترجع إلى ما صنف وألف، ومن أجل ذلك كان يختلف عن ابن المقفع، فابن المقفع أهميته الأولى في تاريخ النثر العربي، إنما ترجع إلى أنه كان مترجما، وأنه مرن أساليب العربية على حمل الثقافات الأجنبية، أما سهل فكان أديبا تبدو شخصيته فيها يؤلف، ويدبج، ويحبر.
ويجمع من ترجموا لسهل على أنه كان شعوبي المذهب، شديد العصبية على العرب، ويقول صاحب الفهرست: إن له في ذلك كتبا كثيرة٦، وعلى نحو ما اشتهر بالشعوبية اشتهر بالحكمة، حتى لقبوه "بزرجمهر الإسلام"٧، ووصفه الجاحظ فقال: "كان سهل سهلا في نفسه، عتيق٨ الوجه، حسن الشارة، بعيدا من الفدامة٩، تقضي له بالحكمة قبل الخبرة، وبرقة الذهن قبل المخاطبة، وبدقة المذهب قبل الامتحان، وبالنبل قبل التكشف"١٠، ويلاحظ ابن النديم أن الجاحظ كان يفضله، ويصف براعته وفصاحته، ويحكى عنه في كتبه١١، وقد صرح مرارا بأنه كان يلقاه١٢، وروى كثيرا من نوادره، فمن
стр. 145
ذلك أنه تندر على أحد جيرانه، وهو صغير يختلف إلى الكتاب، فقال:
نبيت بغلك مبطونا فرغت له ... فهل تماثل أو نأتيك عوادا١
ويدل هذا على أنه كانت فيه نزعة إلى الفكاهة منذ حداثته، وتروي له في ذلك طرائف كثيرة، منها أن رجلًا لقيه فقال له: هب لي ما لا ضرر به عليك، فقال: وما هو يا أخي؟ قال: درهم، قال سهل: "لقد هونت الدرهم، وهو طائع الله في أرضه لا يعصي، وهو عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف دية المسلم، ألا ترى إلى أين انتهى الدرهم الذي هونته؟ وهل بيوت المال إلا درهم على درهم"٢، وقال دعبل الشاعر: "أقمنا عند سهل بن هارون، فلم نبرح، حتى كدنا نموت من الجوع، فلما اضطررناه، قال: يا غلام! ويلك غدنا! قال: فأتينا بقصعة "بصفحة" فيها مرق، فيه لحم ديك هرم، ليس قبلها ولا بعدها غيرها، لا تحز فيه السكين، ولا تؤثر فيه الأضراس، فاطلع في القصعة وقلب بصره فيها، ثم أخذ قطعة خبز يابس، فقلب جميع ما في القصعة، حتى فقد الرأس من الديك، فبقي مطرقا ساعة، ثم رفع رأسه إلى الغلام، فقال: أين الرأس؟ فقال: رميت به. قال سهل: ولم رميت به؟ قال: لم أظنك تأكله، قال: ولأي شيء ظننت أني لا آكله؟ فوالله إني لأمقت من يرمي بجليه، فكيف من يرمي برأسه؟ ثم قال له: لو لم أكره ما صنعت إلا للطيرة "التشاؤم"، والفأل لكرهته، الرأس رئيس، وفيه الحواس "الخمس"، ومنه يصبح الديك، ولولا صوته ما أريد، وفيه فرقة الذي يتبرك به، وعينه التي يضرب بها المثل، يقال: شراب كعين الديك "في الصفاء" ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم أر عظما قط أهش تحت الأسنان من عظم رأسه. فهلا إذ ظننت أني لا آكله ظننت أن العيال يأكلونه؟ وإن كان بلغ من نبلك أنك لا تأكله، فإن عندنا من يأكله، أما علمت أنه خير من طرف الجناح ومن الساق والعنق، انظر أين هو، قال: