← Адаб

Адаб · id 11544

الفن ومذاهبه في النثر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لم يتداو به يغنه علمه، والرجل ذو المروءة قد يكرم على غير مال كالأسد الذي يهاب، وإن كان عقيرًا١، والرجل الذي لا مروءة له، وإن كثر ماله كالكلب الذي يهون على الناس، وإن طوق وخلخل٢، ليحسن تعاهدك نفسك بما تكون به للخير أهلا، فإنك إذا فعلت ذلك أتاك الخير يطلبك كما يطلب الماء السيل إلى الحدور". وذلك هو أسلوب ابن المقفع فيما بقي بين أيدينا من آثاره، وهو أسلوب واضح شفاف، ليس فيه تعقيد ولا إغراب، وإنما فيه الاسترسال العذب، وفيه الألفاظ القريبة، والعبارات المبسطة حسب الأغراض والمعاني التي كان ينقلها، وكان ينفر نفورًا شديدًا من الأغراب في اللفظ والتوعر فيه، وكان يقول بعض من حوله: إياك التتبع لوحشي الكلام طمعا في نيل البلاغة، فإن ذلك هو العي الأكبر"، كما كان يقول: "عليك بما سهل من الألفاظ مع التجنب لألفاظ السفلة"، وسئل ما البلاغة؟ فقال: "التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها"٣. وابن المقفع بهذه الوصايا يضع بين أيدينا أسس أسلوبه، وهو أسلوب جديد لا شك أنه كان من أوائل من ثبتوا حدوده ورسومه، أسلوب يقوم على التوسط بين لغة الخاصة، وما قد يكون فيها من إغراب في اللفظ ولغة العامة، وما قد يكون فيها من ابتذال، أسلوب عباسي مولد، يلائم فيه ابن المقفع بين حاجات عصره الثقافية، وبين مقومات العربية وأصولها اللغوية والنحوية، وكان يدفعه هذا الأسلوب دفعا إلى أن يدرس الألفاظ، ويختبرها ويقارن بينها ويفاضل، حتى يظفر منها بما يستوفي معانيه من جهة، وما يتيح لها ضربا من البلاغة من جهة ثانية. وأكبر الظن أننا لا نسرف في القول حين نزعم أن ابن المقفع كان من أوائل من وطدوا هذا الأسلوب العباسي المولد، إن لم يكن أول من وطده وخاصة.

стр. 142

في ميدان الترجمة، وهذا أسلوب يقوم على السهولة والوضوح مع توفير الجزالة والرصانة، وكان يعمد فيه إلى الإيجاز، فالمعاني تؤدي بأقل الألفاظ دون أن تقصر عنها ودون أن تطول طولا يجحف بحقوقها، ولعل ذلك هو الذي جعله يعدل عن أسلوب السجع، وكذلك عن أسلوب الترادف الصوتي الذي سبق أن لاحظناه عند الوعاظ، وعند عبد الحميد الكاتب وأستاذه سالم، وليس معنى ذلك أنه لم يكن يهتم بالجمال المادي بتاتًا، وإنما معناه أنه كان مترجمًا، وكان يسعى إلى الدقة في الترجمة، فلم يتوسع في رصف الألفاظ وبسطها، حتى لا تخونه في أداء معانيه. لقد كانت غايته أن يوفق بين اللفظ الدال والمعنى المدلول، ومع ذلك لم ينس أبدا أن يكون لفظه جزلا رصينا مصقولا، وأن ينسقه في حركاته وأوضاعه تنسيقا مبينًا، لا يخفي أي شيء مما يحمله معنى أو صورة، وقد ظلت القرون التالية إلى قرننا الحاضر تتداول كثيرا مما ترجمه، وخاصة كليلة ودمنة والأدب الكبير، والأدب الصغير، وهذا الصمود للتداول الطويل مرجعه هذا التعاون الوثيق بين المعنى الحصيف، واللفظ الرشيق.

стр. 143

سهل بن هرون: أصله وحياته وثقافته ... ٤- سهل بن هارون: أصله وحياته وثقافته إذا تركنا عصر ابن المقفع، وتقدمنا إلى عصر هارون الرشيد التقينا بسهل بن هارون، وهو فارسي من دستميسان١، كورة بين البصرة وواسط والأهواز، ويعين الحصري القرية التي ولد فيها، فيقول: إنها ميسان٢، واختلف الرواة في اسم جده، فهو في الفهرست رامنوي أو راهبون، وهو في البيان والتبيين راهبوني٣، وهو مثل ابن المقفع لا يعرف بالضبط متى كان مولده، أما وفاته فكانت في عام ٢١٥ للهجرة٤، وقد ترك موطنه أول الأمر إلى البصرة حيث

стр. 144

تخرج فيها، ثم انتقل إلى بغداد، فكتب ليحيى بن خالد البرمكي، وله أشعار في مديحه١، ويقال: إنه خلفه على الدواوين٢، ويظهر أنه ظل يشتغل فيها لعهد الأمين٣، ولما ولي المأمون الخلافة قدمه إليه الفضل بن سهل فأعجب به، وجعله خازنًا بدار الحكمة٤، وظل بها إلى أن توفي. ودلائل كثيرة تدل على أنه كان مثقفا ثقافة ممتازة بجميع معارف عصره، وأنه كان أحد النقلة من لسانه الفارسي إلى العربية٥، ولكن أهميته لا ترجع إلى ما ترجم، بل ترجع إلى ما صنف وألف، ومن أجل ذلك كان يختلف عن ابن المقفع، فابن المقفع أهميته الأولى في تاريخ النثر العربي، إنما ترجع إلى أنه كان مترجما، وأنه مرن أساليب العربية على حمل الثقافات الأجنبية، أما سهل فكان أديبا تبدو شخصيته فيها يؤلف، ويدبج، ويحبر. ويجمع من ترجموا لسهل على أنه كان شعوبي المذهب، شديد العصبية على العرب، ويقول صاحب الفهرست: إن له في ذلك كتبا كثيرة٦، وعلى نحو ما اشتهر بالشعوبية اشتهر بالحكمة، حتى لقبوه "بزرجمهر الإسلام"٧، ووصفه الجاحظ فقال: "كان سهل سهلا في نفسه، عتيق٨ الوجه، حسن الشارة، بعيدا من الفدامة٩، تقضي له بالحكمة قبل الخبرة، وبرقة الذهن قبل المخاطبة، وبدقة المذهب قبل الامتحان، وبالنبل قبل التكشف"١٠، ويلاحظ ابن النديم أن الجاحظ كان يفضله، ويصف براعته وفصاحته، ويحكى عنه في كتبه١١، وقد صرح مرارا بأنه كان يلقاه١٢، وروى كثيرا من نوادره، فمن

стр. 145

ذلك أنه تندر على أحد جيرانه، وهو صغير يختلف إلى الكتاب، فقال: نبيت بغلك مبطونا فرغت له ... فهل تماثل أو نأتيك عوادا١ ويدل هذا على أنه كانت فيه نزعة إلى الفكاهة منذ حداثته، وتروي له في ذلك طرائف كثيرة، منها أن رجلًا لقيه فقال له: هب لي ما لا ضرر به عليك، فقال: وما هو يا أخي؟ قال: درهم، قال سهل: "لقد هونت الدرهم، وهو طائع الله في أرضه لا يعصي، وهو عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف دية المسلم، ألا ترى إلى أين انتهى الدرهم الذي هونته؟ وهل بيوت المال إلا درهم على درهم"٢، وقال دعبل الشاعر: "أقمنا عند سهل بن هارون، فلم نبرح، حتى كدنا نموت من الجوع، فلما اضطررناه، قال: يا غلام! ويلك غدنا! قال: فأتينا بقصعة "بصفحة" فيها مرق، فيه لحم ديك هرم، ليس قبلها ولا بعدها غيرها، لا تحز فيه السكين، ولا تؤثر فيه الأضراس، فاطلع في القصعة وقلب بصره فيها، ثم أخذ قطعة خبز يابس، فقلب جميع ما في القصعة، حتى فقد الرأس من الديك، فبقي مطرقا ساعة، ثم رفع رأسه إلى الغلام، فقال: أين الرأس؟ فقال: رميت به. قال سهل: ولم رميت به؟ قال: لم أظنك تأكله، قال: ولأي شيء ظننت أني لا آكله؟ فوالله إني لأمقت من يرمي بجليه، فكيف من يرمي برأسه؟ ثم قال له: لو لم أكره ما صنعت إلا للطيرة "التشاؤم"، والفأل لكرهته، الرأس رئيس، وفيه الحواس "الخمس"، ومنه يصبح الديك، ولولا صوته ما أريد، وفيه فرقة الذي يتبرك به، وعينه التي يضرب بها المثل، يقال: شراب كعين الديك "في الصفاء" ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم أر عظما قط أهش تحت الأسنان من عظم رأسه. فهلا إذ ظننت أني لا آكله ظننت أن العيال يأكلونه؟ وإن كان بلغ من نبلك أنك لا تأكله، فإن عندنا من يأكله، أما علمت أنه خير من طرف الجناح ومن الساق والعنق، انظر أين هو، قال:

стр. 146

والله ما أدري أين رميت به، قال: لكني أدري أنك رميت به في بطنك، والله حسيبك"١. ويروى أن أبا الهذيل العلاف المتكلم المعروف طلب إليه رقعة إلى الحسن بن سهل يوصيه به، فكتب له كتابا، وذعهب به إلى الحسن، فلما فضه أغرب في الضحك، إذ وجد فيه هذه الأبيات: إن الضمير -إذا سألتك حاجة ... لأبي الهذيل خلاف ما أبدي فامنحه روح اليأس ثم امدد له ... حبل الرجاء بمخلف الوعد حتى إذا طالت شقاوة جده ... وعنائه فاجبهه بالرد وإن استطعت له المضرة فاجتهد ... فيما يضر بأبلغ الجهد فلما راجعه أبو الهذيل قال له: أين عزب عنك الفهم؟ أما سمعت قولي: إن الضمير خلاف ما أبدي؟ فلو لم يكن ضميري الخير ما قلت هذا"٢، وقالوا: إن المأمون انحرف عنه، فدخل عليها يومًا، وقال: يا أمير المؤمنين! إنك ظلمتني وظلمت فلانا الكاتب، فقال له: ويلك وكيف؟ قال: رفعته فوق قدره، ووضعتني دون قدري، إلا أنك له في ذلك أشد ظلما، قال: كيف؟ قال: لأنك أقمته مقام هزؤ وأقمتني مقام رحمة، فضحك المأمون، وقال له: قاتلك الله! ما أهجاك! "٣. وقصوا عنه أنه خاطب بعض الأمراء، فقال له: كذبت، فقال: أيها الأمير! إن وجه الكذاب لا يقابلك -يعني الأمير بذلك- لأن وجه الإنسان لا يقابله٤. وكل هذه الأحاديث والنوادر المروية عن سهل تدل على ذكائه، وفطنته وخفه روحه، وصدق الجاحظ إذ يقول: إنه كان سهلا في نفسه تحكم له برقة الذهن ودقته، فهو فكه، وهو لسن شديد العارضة، وفي لهجة لسانه وأسلوب منطقه ما يجعلنا نحس الصلة الشديدة بينه، وبين الجاحظ، إذ يعد امتدادا -من بعض الوجوه- لهذا اللسان ونموا لهذا القعل وما طوى فيه من حجاج وجدل.

стр. 147

٥- صنعه سهل في رسائله وكتبه: كان سهل خطيبا كاتبا شاعرا١ يقول الجاحظ: "ومن الخطباء الشعراء الذين جمعوا الشعر والخطب، والرسائل الطوال والقصار والكتب الكبار المجلدة، والسير الحسان المدونة، والأخبار المولدة سهل بن هارون بن راهبوني الكاتب، صاحب كتاب ثعالة وعفراء في معارضة كتاب كليلة ودمنة، وكتاب الإخوان٢، وكتاب المسائل٣، وكتاب المخزومي والهذلية، وغير ذلك من الكتب"٤. ومن كتبه التي ذكرها ابن النديم كتاب النمر والثعلب، وكتاب الوامق والعذراء، وكتاب ندود وودود ولدود وكتاب الغزالين، وكتاب إلى عيسى بن أبان في القضاء، وكتاب تدبير الملك والسياسة٥. ويدل الكتابان الأخيران على أنه عني -مثل ابن المقفع- بالكتابة في شئون الحكم والسياسة، ولعل أهم هذه الكتب جميعًا كتاب ثعالة وعفراء الذي ألفه فصولا في قصص الحيوان معارضة لكتاب كليلة ودمنة، ولم يصلنا هذا الكتاب إنما وصلتنا فقرة منه في كتاب زهر الآداب للحصري، وهي حكمة تمضي على هذا النمط: "اجعلوا أداء ما يجب عليكم من الحقوق مقدما قبل الذي تجودون به من تفضلكم، فإن تقديم النافلة مع الأبطال عن الفريضة مظاهر على وهن العقيدة وتقصير الروية، مصر بالتدبير مخل بالاختيار، وليس في نفع تحمد به عوض من

стр. 148

فساد المروءة ولزوم النقيصة"، ويقول الحصري عقب هذه الفقرة: وكتابه هذا مملوء حكما وعلمًا١. ويكبر الجاحظ دائمًا من بلاغة سهل وفصاحته، ويظهر أنه أهم كاتب ظهر خلال القرن الثاني الهجري، يقول صاحب سرح اليعون: "انفرد سهل في زمانه بالبلاغة والحكمة، وصنف الكتب معارضا بها كتب الأوائل"٢، ويقول الجاحظ: إنه كان في أول أمره إذا ألف كتابا طعن الناس عليه، فكان ينسب ما يؤلفه إلى من عرفوا بالتأليف مثل سهل، فيشيع الكتاب، ويحمله الناس مع الحمد والثناء٣. وإذا ذهبنا نتعقب آثار سهل كي نحكم حكما دقيقا على صناعته، وفنه في كتبه ورسائله لم نجد إلا بقية ضئيلة من هذا المجهود الضخم الذي وصفه الجاحظ، وابن النديم وأمثالهما، ولولا أن الجاحظ احتفظ لنا في كتابي البخلاء، والبيان والتبيين بأطراف من عمله ما استطعنا أن نصدر حكما دقيقا على صياغته ولا على صنعته، ولعل أهم ما سجله الجاحظ له رسالته التي استفتح بها كتاب البخلاء، وفيها نرى سهلا يحتج للبخل احتجاجا فيه حوار الجاحظ وجدله، وفيه أيضا فصاحته ولسنه، بحيث يختلط الأمر على الناظر في هذه الرسالة، فيخيل إليه أنها ربما كانت من صنع الجاحظ، وإنما نحلها سهلا لمأرب في نفسه، ولكن هذا الظن ينمحي إذا قرأنا ما بقي من نثر سهل في مواطن أخرى، ومن يرجع إلى الرسالة يجدها تذم الرم وتزري به، بينما تمدح، البخل وتثني عليه، وهو ثناء أراد به التعصب على العرب، وذم صفة الكرم التي لهج شعراؤهم بذكرها، ومدح ما يضادها من الشح والبخل، ويقال: إنه أرسل بها إلى الحسن بن سهل ليكافئه عليها، فأجابه على ظهرها: "وصلت رسالتك، ووقفنا على نصيحتك! وقد جعلنا المكافأة عنها القبول منك، والتصدق لك والسلام"٤. وقد توجه بالرسالة في مفتتحها إلى

стр. 149

بني عمه، ويقول القدماء: إنه يقصد بني عمه من آل راهبون، وأكبر الظن أنه يقصد بهم جماعة العرب لا آل راهبون كما ظن القدماء، وهو يستهلها على هذا النمط١: "بسم الله الرحمن الرحيم. أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلمكم الخير وجعلكم من أهله، قال الأحنف بن قيس: يا معشر بني تميم! لا تسرعوا إلى الفتنة، فإن أسرع الناس القتال أقلهم حياء من الفرار، وقد كانوا يقولون: إذا أرادت أن ترى العيوب جمة فتأمل عيابا، فإنه إنما يعيب بفضل ما فيه من العيب، وأول العيب أن تعيب ما ليس بعيب، وقبيح أن تنهي عن مرشد أو تغري بمشفق، وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم، وإلا إصلاح فسادكم، وإبقاء النعمة عليكم، ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم، فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم، ثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا قبلكم، وشهرنا بهفي الآفاق دونكم. فما كان أحقكم في تقديم حرمتنا بكم أن تراعوا حق قصدنا بذلك إليكم، وتنبيهنا على ما أغلفنا من واجب حقكم، فلا العذر المبسوط بلغتم، ولا بواجب الحرمة قمتم". وأظن أن صنعة سهل قد استبانت لنا في هذه الأسطر القليلة، إذ نراه يعني في رسالته ببسط الأدلة، وكأنه يقدم حوارا عنيفا، فهو يدلي بأقيسة وقضايا، وآثار مروية، وليس هذا كل ما يميز صنعته التي نلمح فيها أثر المنطق وتعلم الجدل، بل يميزها شيء آخر أهم من ذلك، وهو ما يعمد إليه من بسط العبارة بسطا يظهر فيه التقطيع الصوتي والترادف الموسيقي، واستمر معه في الرسالة، فسترى هذا العنصر في فنه، وصياغته يتضح أكثر إذ يقول: "عبتموني حين ختمت على سد "سل" عظيم، وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسه، ومن رطبة غريبة، على عبد نهم، وصبى جشع، وأمة لكعاء، وزوجة

стр. 150

خرقاء، وليس من أصل الأدب، ولا في ترتيب الحكم، ولا في عادات القادة، ولا في تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، وخطير المركوب، والناعم من كل فن، واللباب من كل شكل، التابع والمتبوع، والسيد والمسود، كما لا تستوي مواضعهم في المجلس، ومواقع أسمائهم في العنوانات وما يستقبلون به من التحيات.. وعبتموني بخصف "إصلاح" النعال، وبتصدير القميص، وحين زعمت أن المخصوفة أبقى، وأوطأ وأرقى، وأنفى للكبر، وأشبه بالنسك، وأن الترقيع من الحزم، وأن الاجتماع مع الحفظ، وأن التفرق مع التضييع، وقد كان النبي ﷺ يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ولقد لفقت سعدى بنت عوف إزار طلحة، وهو جواد قريش، وهو طلحة الفياض". وما من ريبفي أن صوت سهل قد اتضح لنا الآن بجميع خصائصه، فهو يعمد إلى الجدل والدقة في الحوار كما يعمد إلى شيء طريف في أسلوبه، إذ نرى الألفاظ تنوازن لكن لا في شكل سجع، بل في شكل تقطيعات دقيقة، وكأني بسهل لم يكن يعمد إلى أداء أفكاره بلفظ فصيح فقط كما كان يصنع ابن المقفع، بل كان يعمد إلى ضروب من التوقيع الصوتي في اللفظ، حتى تستقيم لأسلوبه فنون من الجمال المادي الذي يخلب سامعيه، كي يؤثر في وجدانهم وعواطفهم، بجانب ما يؤثر به في عقولهم من حجاجه وجدله، والتماسه للبراهين، والأدلة على أفكاره. وهذا التقطيع الصوتي في أسلوب سهل اقترن به عنصر آخر في صنعته، هو عنصر الترادف الذي أشرنا إليه، وارجع إلى هذه القطعة التي رويناها له فسترى كل معنى لا يؤدى أداء واحدا في عبارة واحدة، بل يؤدي أداءين أو أكثر حتى يتم لسهل ما يريد من توقيع صوتي، وتعادل موسيقي بين ألفاظه وعباراته، وقد جره ذلك إلى ضروب من الترادف في تراكيبه، ولكنه ترادف طريف أو قل بعبارة أدق إنه ترادف فني، فقد كان سهل يريد أن يؤدي به خصائص فنية بجانب ما يؤدي من خصائص ذهنية، وعلى هذا النحو كانت تندمج في أساليبه

стр. 151

خصائص موسيقية في خصائص أخرى عقلية نلمحها في هذا الجدل، وهذا الحوار وما يبدو عليه من تلاوين عقلية أحدثتها الثقافة الفلسفية في تفكيره، وأدائه لمعانيه، وقد كان يعرف كيف يوازن بين هذه التلاوين العقلية، وما سبقها من تلاوين موسيقية، فتخرج أساليبه وقد التمعت عليها شيات من التأمل والعقل الدقيق، كما التفت عليها شيات أخرى من التوقيع، والترادف الموسيقي، وسنرى هذه الشيات جميعا تمتد تحت أعيننا في كل ما دبج الجاحظ، وحبره من كتب ورسائل، وإنه ليتأثر في هذه النزعة سهلا من طرف، وبيئة المتكلمين الذين نشأ فيهم من طرف آخر، وكأنما كان أسلوب العصر هو أسلوب الجدل الحوار، ولعل مما يشهد لذلك عند سهل ما يروى من أن شخصا مدح الذهب فأطنب، ثم قام النظام فذج الزجاج وأطنب، فاعترضهما سهل يفضل الزجاج على الذهب في رسالة طويلة لم يبق لنا منها إلا هذه اللمعة١: "الزجاج مجلو نوري، والذهب متاع سائر، والشراب في الزجاج أحسن منه في كل معدن، لا يفقد معه وجه النديم، ولا يثقل اليد، ولا يرتفع في السوم، واسم الذهب يتطير منه، ومن لؤمه سرعته إلى اللئام، وهو فاتن فإنك "غالب" لمن صانه، وهو أيضا من مصايد إبليس، ولذلك قالوا: أهلك الرجال الأحمران "الذهب والزعفران". والزجاج لا يحمل الوضر، ولا يداخله الغمر٢، ومتى غسل بالماء وحده عاد جديدا، وهو أشبه شيء بالماء، وصفته عجيبة، وصناعته أعجب". ونحن لا نجد أي فارق بين هذه الطريقة في الحجاج، وبين طريقة الجاحظ في حجاجه، إذ كان يركب مثل هذا المركب في كل ما يكتب ويؤلف، كأنه يريد أن يغرب عن الناس دائما بتفكيره، فهو يخرج على مألوفهم ومعتادهم بآراء شاذة يسوقها في جدل عنيف، وقد رويت في البيان والتبيين لسهل قطعة في الخطابة والخطباء، وهي من هذا اللون، إذ نرى سهلا فيها يفضل الخطيب قبيح السمت على الخطيب حسن السمات على هذا النحو٣:

стр. 152

"لو أن رجلين خطبا أو تحدثا، أو احتجا أو وصفا، وكان أحدهما جميلا، بهيا، ذا لباس نبيلا، وذا حسب شريفا، وكان الآخر قليلا قميئا، وباذ الهيئة دميما، وخامل الذكر مجهولًا، ثم كان كلاهما في مقدار واحد من البلاغة، وفي وزن واحد من الصواب، لتصدع عنهما الجمع، وعامتهم تقضي للقليل الدسيم، على النبيل الجسيم، وللباذ الهيئة على ذي الهيئة، ولشغلهم التعجب منه عن مساواة صاحبه، ولصار التعجيب منه سببا للعجب به، ولكان الإكثار من شأنه علة للإكثار في مدحه؛ لأن النفوس كانت له أحقر، ومن بيانه أيأس، ومن حسده أبعد، فإذا هجموا منه على ما لم يحتسبوه، وظهر منه خلاف ما قدروه، تضاعف حسن كلامه في صدورهم، وكبر في عيونهم؛ لأن الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم كان أطراف، وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كمان أعجب كان أبدع، وإنما ذلك كنوادر كلام الصبيان، وملح المجانين، فإن ضحك السامعين من ذلك أشد، وتعجبهم به أكثر، والناس موكلون بتعظيم الغريب، واستطراف البديع، وليس لهم في الموجود الراهن المقيم، وفيما تحت قدرتهم من الرأي، والهوى مثل الذي لهم في الغريب القليل، وفي النادر الشاذ، ولك ما كان في ملك غيرهم، وعلى ذلك زهد الجيران في عالمهم، والأصحاب في الفائدة من صاحبهم، وعلى هذا السبيل يستطرفون القادم عليهم، ويرحلون إلى النازح عنهم، ويتركون من هم أعم نفعا، وأكثر في وجوه العلم تصرفا، وأخف مئونة وأكثر فائدة، ولذلك قدم بعض الناس الخارجي على العريق١، والطارق على التليد، وكان يقول: إذ كان الخليفة بليغا والسيد خطيبا، فإنك تجد جمهور الناس وأكثر الخاصة فيهما على أمرين: إما رجلا يعطي كلاهما من التعظيم والتفضيل، والإكبار والتبجيل، وعلى قدر حالهما في نفسه، وموقعها من قلبه، وإما رجلا تعرض له التهمة لنفسه فيما، والخوف من أن يكون

стр. 153

تعظيمه لهما، يوهمه من صواب قولهما، وبلاغة كلامهما ما ليس عندهما، حتى يفرط في الإشفاق، ويسرف في التهمة، فالأولى يزيد في حقهما الذي هلما في نفسه، والآخر ينقصهما من حقه لتهمته لنفسه، وإذا كان الحب يعمى عن المساوئ، فالبعض يعمى عن المحاسن، وليس يعرف حقائق مقادير المعاني ومحصول حدود لطائف الأمور إلا عالم حكيم، ومعتدل الأخلاط عليم، وإلا القوي المنة، والوثيق العقدة، والذي لا يميل مع ما يستميل الجمهور الأعظم والسواد الأكبر". وأنت ترى في هذه القطعة المجموعتين من التلاوين العقلية، والصوتية تلتقيان في أسلوب سهل في غير مشقة ولا تكلف، إذ تندمج في صياغته القدرة على التحليل والتعليل بالقدرة على صوغ اللفظ، وتحبيره والاتساع به حتى يؤدي ضروبا من التوقيع الصوتي والترادف الموسيقي، وما من شك في أن ذلك كله كان خطوة نحو أسلوب الجاحظ، الذي سنراه ينهض نهوضا واسعا بالطرفين من التلاوين العقلية والصوتية، ومهما يكن فقد كان سهل يوفر لألفاظه، ومعانيه عناية واسعة، وهي عناية جعلته أحد البلغاء عصره في صنع الرسائل الطويلة وتحبيرها، إذ كان ما يزال يحتال على الرسالة من رسائله بتلاوينه العقلية، وتحاسينه الصوتية، فإذا هي تستوي في صورة بديعة من الفن والصناعة، والجمال والطلاوة.

стр. 154

٦- الجاحظ: نشأته وثقافته وحياته: يوضح الجاحظ على رأس كتاب العصر العباسي غير مدافع ولا منازع، وهو يرجع -فيما يظهر- إلى أصل غير عربي١، وولد في البصرة حول عام ١٥٩هـ ونشأ فيها نشأة متواضعة، إذ يزعم الرواة أنه نشأ يبيع الخبز والسمك بسيحان٢

стр. 155

أحد أنهار بلدته، وهذا هو كل ما لدينا عن نشأته وحداثته، على أننا لا نمضي معه في حياته حتى نراه يترك نهر سيحان إلى أنهار الثقافة في عصره، فهو يغدو على المربد يسمع من الأعراب الفصحاء، ويختلف إلى حلقات العلماء في المسجد الجامع، يأخذ عن علماء اللغة وغيرهم، وكانت أهم حلقة تعجبه حلقة المتكلمين، وأقبل على قراءة كل ما ترجم من الثقافات الأجنبية، ويقصون عن شغفه بالقراءة قصصًا كثيرة، فهم يقولون: إنه كان لا يقع في يده كتاب إلا ويقرأه من أوله إلى آخره١، ويروي صاحب الفهرست أنه كان يكتري دكاكين الوراقين، ويبيت فيها للقراءة والنظر٢. وهذا العكوف على القراءة هو الذي جعل كتبه، ورسائله أشبه ما تكون بدوائر معارف، فليس هناك جدول من جداول الثقافة في عصره، إلا وتسربت منه فروع، ومنعطفات إلى كتابات وتأليفاته، وإن كتبه من هذه الناحية لتشبه تمام الشبه معارضنا الحديثة، فأنت منذ دخولك أنت منذ دخولك في فواتح هذه المعارض تلقى صناعات مختلفة من كل جنس، وكذلك أنت منذ دخولك في كتب الجاحظ تجده يعرض تحت بصرك جميع ألوان الثقافة التي عاصرته من هندية، وفارسية ويونانية وعربية، وهو يجمع ذلك في شكل مشعث، إذ بينما تراه بتحدث إليك عن حديث شريف أو آية قرآنية، إذ هو يتحدث عن حكمة يونانية، وبينما يحدثك عن زرادشت والمانوية، إذ هو يحدثك عن الإسلام والنبوة، وبينما يحدثك عن العرب، وشعرهم إذ هو يحدثك عن نظرية الكمون عند المعتزلة، أو عن نظريته في أن المعارف طباع، وحتى هو إن كتب في البيان عند العرب تجده يبحث لك عن رأي الهند واليونان والفرس في البلاغة. وكان الجاحظ من المعتزلة، وهو تلميذ النظام في اعتزاله٣، وأشاد به مرارًا في حيوانه كما أشاد بغيره من المعتزلة أمثال بشر بن المعتمر، وثمامة بن الأشرس وأبي الهذيل العلاف وأضرابهم، وقد استطاع خلال اعتزاله أن ينفذ إلى تأليف

стр. 156

مجموعة من الآراء تعصبت لها طائفة من المعتزلة سميت باسم الجاحظية١، ومهما يكن فقد كان الجاحظ من طائفة المعتزلة، وهي طائفة عرفت في هذا العصر بكثرة الجدل والحوار كما عرفت بسعة ثقافتها، واتصالها بجميع ألوان المعارف لعصرها، وخاصة المعارف اليونانية. ولم يشتهر المعتزلة في العصر العباسي بجدلهم وثقافتهم فقط، بل اشتهروا بشيء مهم أيضا، وهو فصاحتهم وبلاغتهم حتى ليقول الجاحظ: "إن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء، وأبلغ من كثير من البلغاء"٢. وقد وصفهم صاحب الانتصار فقال: "إن الكلام لهم دون سواهم"٣، ويقول صاحب المقابسات: "إن طريقتهم مؤسسة على مكايلة اللفظ باللفظ، وموازنة الشيء بالشيء، والاعتماد على الجدل"٤، ويظهر أيضا أنهم كانوا يعتمدون في جدلهم على الاستشهاد بالشعر، ويقول المرتضى عن أبي الهذيل العلاف: "كان يحفظ كثيرا من الشعر العربي ويستشهد به في مجالسه، قال المبرد: ما رأيت أفصح من أبي الهذيل والجاحظ، وكان أبو الهذيل أحسن مناظرة، شهدته في مجلس، وقد استشهد في جملة كلام بثلاثمائة بيت"٥، وتوفي أبو الهذيل حوالي عام ٢٣٢هـ. وربما كان من تأثيره ما نجده عند الجاحظ في كتبه من كثرة استشهاده بالشعر، وقد يكونان هما جميعا يتأثران بطريقة غيرهما من المعتزلة في هذا الاستشهاد، بمعنى أنه استقر قبلهما عند أبناء مذهبهما. ومهما يكن فقد لقف الجاحظ في بيئة المعتزلة الجدلة اللسنة فصاحته، وبيانه متأثرا بكتابات عصره، وخاصة كتابات سهل بن هارون الذي كان يشغف به، كما لاحظ ابن النديم في فهرسته، ونحن لا نصل إلى القرن الثالث حتى نجده وقد استوت له شهرة فائقة بين كتاب عصره، ولعل ذلك ما جعل المأمون يطلب

стр. 157

إليه أن يكتب له رسالة في العباسية والاحتجاج لها، ويقال: إنه أقيم على ديوان الرسائل غير أنه لم يمكث فيه سوى ثلاثة أيام١، وكأنه لم يستطع الخضوع لنظم الدواوين، وما يقتضيه سير العمل فيها فوجدناه يهجرها إلى داره، وما عكف عليه من إدمان القراءة والتأليف، ويظهر أن كبراء الدولة كانوا يكفونه حاجته، فقد روى أن ابن الزيات أعطاه في كتاب الحيوان خمسة آلاف دينار، وأعطاه ابن أبي دؤاد في البيان والتبيين خسمة آلاف دينار ثانية، كما أعطاه إبراهيم بن العباس الصولي خمسة آلاف ثالثة في كتاب الزرع والنخل٢، أما الفتح بن خاقان، وزير المتوكل الذي صنف له رسالته في فضائل الترك، فقد أجرى عليه راتبا شهريا كان يتقاضاه من خزانة الدولة٣. وعلى هذا كان الجاحظ يتصل بكبار رجال الدولة العباسية، وكانوا يوادونه ويصادقونه، ويقال: إنه كان صديقا لابن الزيات مقربا منه، فلما قبض عليه وأودع في التنوير فر الجاحظ هاربا خوفا من أن يناله نفس عقابه، ولما قبض عليه، وقدم إلى ابن أبي دؤاد عدو ابن الزيات لقيه لقاء جافا، فاعترضه قائلا: "خفض عليك -أيدك الله! - فوالله لأن يكون لك الأمر علي خيرا من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن أحسن في الأحدوثة من أن أحسن وتسيء، ولأن تعفو عني في حال قدرتك أجمل بك من الانتقام مني، فعفا عنه"٤، وعاد إلى البصرة يؤلف، ويكتب هذه المصنفات، والكتب التي كان يتعلق بها العامة والخاصة تعلقا شديدًا٥، وربما كان من أسباب ذلك ما امتاز به من ميل إلى التندر، والدعابة حتى ليقول بن أبي دؤاد: "إني أثق بظرفه"٦، ويصف من جاءوا بعده كتبه، فيقولون: إنها مكتوبة في ضروب من الجد والهزل٧، ومن طرف الجاحظ في ذلك أنه قال عن نفسه: نسيت كنيتي

стр. 158

ثلاثة أيام حتى أتيت أهلي فقلت لهم: بم أكنى؟ فقالوا: بأبي عثمان١، ويروى أنه حفظ رجلا أعجميا نسبا يدعيه لنفسه في العرب، فلما حفظه قال له: الآن لآتته علينا، فقال الرجل: سبحان الله! إن فعلت ذلك فأنا إذا دعي٢، وهذا جانب واسع في الجاحظ، ومن خير ما يصوره كتاب البخلاء، وما رواه فيه من نوادرهم، وفكاهاتهم. والحق أن الجاحظ كان شخصية فكهة كما كان شخصية لسنة، وقد عني بتأليف الكتب والرسائل، وأكثر من ذلك، حتى قالوا: إنه ترك نيفا ومائة وسبعين كتابا، ومن يرجع إلى الثبت الطويل الذي كتبه في أول حيوانه عن مؤلفاته يندهش لكثرة ما ألف وكتب، ولعل ذلك هو أساس شهرته، فقد طار اسمه في الآفاق حتى في عصره وزمنه، قص الرواة أنه قيل لأبي هفان: لم لا تهجو الجاحظ وقد ندد بك وأخذ بمخنقك، فقال: أمثلي يخدع عن عقله، والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت لما طن منها بيت في ألف سنة٣، ويروون أن أندلسيا قرأ في موطنه كتابيه "البيان والتبيين" و"التربيع والتدوير"، فهاجر إليه يريد لقاءه، ويزعمون أن هذا الأندلسي، قال في بعض حديثه كان طالب العلم بالمشرق يشرف عند ملوكنا بلقاء أبي عثمان٤. ومن المحقق أن الجاحظ نال شهرة مدوية في عصره وبعد عصره، إذ نجد النقاد والأدباء يلهجون دائما بمدحه، والثناء عليه حتى ليقولون: إن كتبه رياض زاهرة ورسائل مثمرة٥، وكان ابن العميد، يقول: إن الناس عيال عليه في البلاغة والفصاحة، واللسن والعارضة٦، وكان يقول أيضا: إن كتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا٧، ومع ذلك كان الجاحظ يشكو من حساده، وأنه كان في أوائل

стр. 159

حياته إذا أخرج كتابا معنونا باسمه نقموه عليه، وأظهروا له الازدراء، فكان كثيرا ما يؤلف كتبا، وينسبها إلى ابن المقفع والخليل والعتابي، وسلم صاحب بيت الحكمة، فيأتونه لكتابتها وروايتها عنه١!! وقد عاش الجاحظ نحو ستة وتسعين عاما، وتوفي سنة ٢٥٥هـ٢، وأكبر الظن أن هذه السن الطويلة هي التي ساعدته على كثرة التأليف، وأيضا فقد كان مشوه الخلق جاحظ العينين٣، فانصرف عنه الناس وعني هو بصناعة الكتب، ومما ساعده على ذلك أنه مرض شطرا طويلا من حياته، فاضطر إلى ملازمة بيته وقطع فراغة بالكتابة والتأليف، وقد ألف أثناء هذا المرض أشهر كتبه، ونقصد كتاب الحيوان الذي شكا فيه من مرضه٤، والذي قدمه لابن الزيات المتوفى عام ٢٣٣ هـ، وإنه ليقول له متفكها في إحدى رسائله، وقد أشار عليه أن يجلد كتبه: "جعلت كتبي مصحفا مصحفا.. ورأيت أن أنظر فيها وأنا مستلق، ولا أنظر فيها وأنا منتصب، استظهارا على تعب البدن، إذ كانت الأسافل مثقلة بالأعالي، وإذا كان الانتصاب يسرع في إدخال الوهن على الأصلاب"٥. ويظهر أن هذا المرض الذي شكا منه الجاحظ في رسالته، وحيوانه هو الفالج، ومن يرجع إلى الحصري في ذيل زهر الآداب يجده يؤكد أن الجاحظ ألف الحيوان وهو مفلوج٦، وقد صرح الجاحظ في كتاب البخلاء بأنه ألفه، وهو مصاب بالفالج إذ يقول: "صحبني محفوظ النقاش من المسجد الجامع ليلًا، فلما صرت قرب منزله، وكان منزله أقرب إلى المسجد الجامع من منزلي سألني أن أبيت عنده، وقال: أين تذهب في هذا المطر والبرد ومنزلي منزلك، وأنت في ظلمة، وليس معك نار، وعندي لبأ لم ير الناس مثله، وتمر، ناهيك به جودة، لا تصلح إلا له، فملت معه، فأبطأ ساعة، ثم جاءني بجام لبأ وطبق تمر، فلما مددت يدي

стр. 160

قال: يا أبا عثمان! إنه لبأ وغلظه هو الليل وركوده، ثم ليلة مطر ورطوبة، وأنت رجل قد طعنت في السن، ولم تزل تشكو من الفالج طرفا"١. وكما أصيب الجاحظ بالفالج أصيب بالنقرس، ويظهر أن ذلك كان في أواخر حياته، قال المبرد: "دخلت على الجاحظ في آخر أيامه، فقلت له: كيف أنت، قال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو خز بالمناشير ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمة"٢، ويقال: إن المتوكل وجه في طلبه سنة ٢٤٧هـ يريد أن يحمل إليه فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بامرئ ليس بطائل، ذي شق مائل ولعاب سائل، وعقل زائر ولون حائل"٣. ويروون أن طبيبا عادة فقال له: "اصطلحت الأضداد على جسدي، إن أكلت باردًا أخذ برجلي، وإن أكلت حارا أخذ برأسي"٤. وأخيرا وبعد مرض قاس طويل انهالت الكتب على الجاحظ يوما، وهو جالس بينها يقرأ فقضت عليه٥، وهكذا ذهب الجاحظ ضحية آثر الأصدقاء وأعزهم لديه٦.

стр. 161

٧- الصنعة الجاحظية: يمتاز الجاحظ بأنه لم يترك موضوعا عاما إلا وكتب فيه رسالة أو كتابا، وإن من يرجع إلى رسائله وكتبه يجده قد ألف في النبات، وفي الشجر، وفي الحيوان وفي الإنسان، وفي المعاد والمعاش وفي الجد والهزل وفي الترك والسودان، وفي المعلمين والقيان، وفي الحواري والغلمان وفي العشق، والنساء وفي النبيذ، وفي الشيعة والعباسية وفي الزيدية والرافضة وفي الرد على النصارى، وفي حجج النبوة ونظم القرآن، وفي البيان والتبيين، وفي حيل لصوص النهار وحيل سراق الليل، وفي البخلاء واحتجاج الأشحاء، وإن في هذا ما يدل على أن الجاحظ خطا بالكتابة الفنية عند العرب خطوة جديدة نحو التعبير عن جميع الموضوعات في خلابة، وبيان عذب، وكأني به لم يكن يفهم أن الكتابة الأدبية ألفاظ ترصف، وإنما كان يفهمها على أنها معان تنسق في موضوع خاص مما يتصل بالطبيعة أو بالإنسان. وكان لذلك صبغته الخاصة في كتابته، فإنها كتابة ذات موضوع قبل أن تكون ذات أسلوب، وليس معنى هذا أنه كان يهمل ألفاظه وتراكيبه، بل لقد كان يعني بهما عناية شديدة، وقد صرح بذلك غير مرة، فقال: إنه يعني بتأليف كتبه ويتأنق في ترصيفها١. ويقول: "لربما خرج الكتاب من تحت يدي محصفا كأنه متن حجر أملس بمعان لطيفة محكمة، وألفاظ شريفة فصيحة"٢. ولكن عناية الجاحظ على هذا النحو بكتبه ورسائله وأسلوبه فيهما لم تكن تجعله يخرج إلى التماس الألفاظ من حيث هي ألفاظ، فقد كان يرى أن "شر البلغاء من هيأ رسم المعنى قبل أن يهيئ المعنى، عشقًا لذلك اللفظ، وشغفا بذلك الاسم حتى صار يجر إليه المعنى جرًّا، ويلزقه به إلزاقا، حتى كأن الله تعالى لم يخلق لذلك المعنى اسمًا غيره"٣. فالجاحظ كان يكره العناية البالغة باللفظ تلك العناية التي تسوق صاحبها إلى حفظ أساليب محفوظة بذاتها يبني عليها معانيه، ويصوغ عليها أفكاره، فإن ذلك يقود الكاتب إلى أن يصبح عبدًا لمجموعة من الألفاظ يجر إليها المعاني، ويشدها شدًّا. وهذا هو الطابع العام للجاحظ في كتاباته، فهو يعني بألفاظه ومعانيه جميعا دون أن يجور أحد الفريقين على الآخر أو يحيف عليه، وقد دفعه ذلك إلى أن يعني بآرائه وأدلته وبراهينه، ومقدماته ونتائجه متأثرا في ذلك بما لقف من منطق وفلسفة، ومعرفة بالجدل والحوار اللذين كانا شائعين في بيئته، ونقصد بيئة المعتزلة،

стр. 162

وبجانب ذلك نجده يعني أيضا بألفاظه، وأساليبه عناية من شأنها أن تجعله يدقق في انتخاب ألفاظه، وأن يقطع عباراته تقطيعات صوتية طريفة، وهي تقطيعات انزلقت به إلى فنون من التكرار الموسيقي، كي تتم له الموازنة بين لفظه ومعناه، تلك الموازنة التي انتهت به إلى أن يعشق الأداء الدقيق لمعانيه، وأن يعشق معه الوصف الحسي الصحيح لما شاهد، مما آذن بظهور الواقعية في كتبه، وأيضا فإنه كان يرى أن يخرج دائما في رسائله، وكتاباته من باب إلى باب حتى لا يمل القارئ، مما طبع أعماله جميعا بطابع الاستطراد، وأكبر الظن أننا لا نبعد إذا قلنا: إن الصفات الفنية الأساسية في كتابات الجاحظ هي الواقعية، والاستطراد وضروب من التلوين الصوتي، وأخرى من التلوين العقلي بحيث لا تقرأ أي أثر من آثاره، إلا وتجد هذه العناصر الأربعة لصنعته ماثلة تحت عينيك إذ يسعى الجاحظ دائما إلى أن يروي لك الوقائع كما هي دون تمويه، كما يسعى إلى الاستطراد في تآليفه حتى لا يسأم القارئ، ولا يناله شيء من الكد والسوق العنيف، وأيضًا فإنه كان يشفع كتاباته دائمًا بتلوين صوتي أنيق، وتلوين عقلي بديع، وسنقف لنفصل هذه العناصر الأربعة لصنعة الجاحظ، وهي الواقعية والاستطراد، والتلوين الصوتي، والتلوين العقلي. الواقعية: من يتابع الجاحظ في صنعة كتبه، ورسائله يجده يشغف بحكاية الواقع، لا يتستر، ولا يتخفى، حتى إنه ليذكر السوءات، والعورات في غير مواربة ولا مداجاة، وكأنه كان يرى أن يذكر الحقائق عارية دون أن يسدل عليها أي ستر أو أي حجاب، ودافع مرارا عن هذا المنهج، وقال: إن من يعدل عنه لا بد أن يكون صاحب رياء ونفاق، وهو ليس من أهل الرياء والنفاق، بل هو من أهل الصراحة، أو هو بعبارة أدق من أصحاب منهج الواقعية "Realism" الذين لا يداجلون، ولا ينافقون بل يصفون الأشياء، كما هي في غير تحرج، ولا تأثم حتى إنهم لا يخجلون من وصف بعض النزعات الجنسية؛ لأنهم يريدون أن يصفوا

стр. 163

الحياة كما هي بدون تغيير، ولا تبديل إلا في حدود التعبير الفني. وهذه النغمة من الواقعية من آثار الجاحظ أثرت في كتاباته آثارًا مختلفة، ولعل أول هذه الآثار أننا نجده يعني بحكاية عصره، وتمثيله تمثيلا دقيقا بحيث تعد أعماله أهم مراجع تكشف لنا حقائق العصر الذي عاش فيه، إذ نراه يصور هذه الحقائق بكل ما فيها من طهر ووزر، ودين وزندقة، وجد ولهو، وبالغ في ذلك حتى إنه ليروي كلام المجانين الموسوسين، وكلام أهل الغفلة من النوكي والحمقى١، وإنه ليروي أيضا عن الغلمان، والصعاليك والزط واللصوص كما يروي عن الخلفاء والأمراء، والوزراء وقواد الدولة وكبار كتابها، وارجع إلى كتاب البخلاء، فإنك تراه يعرض عليك بخلاء عصره من مثل سهل بن هارون والكندي، وابن غزوان والحارثي، والحرامي في غير تصنع ولا مداراة، وفيم يتصنع الجاحظ ويداري؟ إنه يريد أن يجعل الأدب صورة من الواقع، وهو لذلك لا يستعين على كتابة بخلائه بالتاريخ، أو ذاكرة الماضي، إنما يستعين بمفكرة الحاضر والعصر الذي يعيش فيه، وقد عرف كيف ينقله إلينا بجميع طبقاته وأفراده، وملامحهم، وخصائصهم النفسية. وأثر ثان أثرته الواقعية في كتابات الجاحظ، وهو ما يلاحظ عليه من تدقيقه في ألفاظه، وانتخابها بحيث تلائم ما يصفه، أو يصوره حتى إنه ليحكي كلام المولدين، والعوام بما فيه من لحن، وخطأ لينقل إليك الواقع بكل ما فيه، يقول في البخلاء: "وإن وجدتم في هذا الكتاب لحنا، أو كلاما غير معرب أو لفظًا معدولا عن جهته، فاعلموا أنا إنما تركنا ذلك؛ لأن الإعراب يبغض هذا الباب ويخرجه من حده إلا أن أحكي كلاما من كلام متعاقلي البخلاء، وأشحاء العلماء كسهل بن هارون وأشباهه"٢، فهو يحكي دائما أخباره، وحوادثه بلغتها الدقيقة، وأكبر الظن أن هذه النزعة فيه هي التي حملته على أن يلهج في كتبه، ورسائله كثيرًا بفكرة مطابقة الكلام لمقتضى الحال٣، ومن قوله بصدد ذلك: "إن

стр. 164

لكل معنى شريف أو وضيع، هزل أو جد، حرقة أو صناعة، ضربًا من اللفظ هو حقه، ونصيبه الذي لا ينبغي أن يجاوزه أو يقصر دونه"١، وفي هذا ما يدل على شدة عنايته بالملاءمة بين الألفاظ ومعانيها، ولعله من أجل ذلك كان يدعو إلى "النظر في مواقع الألفاظ، وأين استعملتها العرب"٢. وأثر ثالث أثرت به الواقعية في كتابات الجاحظ وأعماله، وهو ما يمتاز به من عدم عنايته بالتشبيهات، والاستعارات إلا ما جاء عفو الخاطر، أو كان الغرض منه تمثيل الواقع، وهذا طبيعي عند الجاحظ؛ لأنه لم يكن يعمد إلى زينة لفظية عشقا للزينة من حيث هي على نحو ما سنعرف فيما بعد عند أصحاب مذهب التصنيع، فالكتابة عنده ليست زخرفا خالصًا يراد به إلى الوشي، والحلي، وما يندمج في ذلك من صور، وتشبيهات، واستعارات، بل هي معان تؤدى في دقة، تفسر الوقائع، والأحداث تفسيرًا لا تستره أسجاف الاستعارات والأخيلة، وليس معنى ذلك أن الجاحظ لم يكن دقيق التصوير، فإنه إنما عزف عن الأخيلة، لما تضع أمام القارئ من مبالغات، أما بعد ذلك، فإنه كان مصورًا عظيمًا، إذ كان يعرف كيف ينقل المشاهد بجميع تفاصيلها، ودقائقها تسعفه في ذلك قدرة غريبة على الملاحظة، وهي قدرة جعلته يحسن التصوير من جهة كما يحسن القصص من جهة أخرى، ويتضح ذلك من كتابه البخلاء حين يرسم جشع النهمين، وحركات أيديهم، وقسمات وجوههم، كما يتضح في كتاب الحيوان وما أودعه من قصص، ومن قصصه البارعة فيه التي تصور دقة تصويره ما حكاه عن عبد الله بن سوار القاضي، ووقاره في قصصه الديني ووعظه، وأنه كان لا يحرك أثناء كلامه رأسه ولا يديه حتى كأن كلامه يخرج من صدع صخرة، فألح الذباب عليه يومًا، وما زال به حتى أخرجه عن طبعه، فاستعان يتحرك أجفانه، ولم يجده ذلك نفعا فذبه عن وجهه بيديه، فابتعد عنه قليلا ثم عاد إليه، فدفعه بطرف كمه، وما زال يتابع ذلك، يقول٣:

стр. 165

"كان لنا بالبصرة قاض يقال له عبد الله بن سوار لم ير الناس حاكما قط، ولا زميتا١ ولا ركينا٢، ولا وقورا حليما ضبط من نفسه، وملك من حركته مثل الذي ضبط وملك، كان يصلي الغداة في منزله، وهو قريب الدار من مسجده، فيأتي مجلسه، فيحتبي ولا يتكئ، فلا يزال منتصبا لا يتحرك له عضو، ولا يلتفت ولا يحل حبوته٣، ولا يحول رجلا عن رجل، ولا يعتمد على أحد شقيه، حتى كأنه بناء مبني أو صخرة منصوبة، فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى صلاة الظهر، ثم يعود إلى مجلسه، فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى العصر، ثم يرجع إلى مجلسه، فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى صلاة المغرب ... كذلك كان شأنه فيطوال الأيام، وفي قصارها وفي صيفها وفي شتائها، وكان مع ذلك لا يحرك يده، ولا يشير برأسه، وليس إلا أن يتكلم فيوجز، ويبلغ بالكلام اليسير المعاني الكثيرة. فبينما هو كذلك ذات يوم وأصحابه حواليه، وفي السماطين٤ بين يديه إذ سقط على أنفه ذباب فأطال المكث، ثم تحول إلى مؤق٥ عينه، فرام الصبر في سقوطه على المؤق، وعلى عضه ونفاذ خرطومه كما رام الصبر على سقوطه على أنفه من غير أن يحرك أرنبته، أو يغضن وجهه، أو يذب بإصبعه، فلما طال ذلك عليه من الذباب وشغله، وأوجعه وأحرقه، وقصد إلى مكان لا يحتمل التغافل أطبق جفنه الأعلى على جفنه الأسفل، فلم ينهض "الذباب"، فدعاه ذلك إلى أن والى بين الإطباق والفتح، فتنحى ريثما سكن جفنه، ثم عاد إلى مؤقه بأشد من مرته الأولى، فغمس خرطومه في مكان كان قد أوهاه قبل ذلك، فكان احتماله له أضعف، وعجزه عن الصبر في الثانية أقوى، فحرك أجفانه، وزاد في شدة الحركة، وفي فتح العين وفي تتابع الفتح والإطباق، فتنحى عنه بقدر ما سكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه، فما زال يلح عليه حتى استفرغ صبره وبلغ مجهوده، فلم يجد بدا من أن يذب عن عينيه بيده، ففعل، وعيون القوم إليه ترمقه، فتنحى عنه بقدر ما رد يده، وسكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه، ثم ألجأه إلى أن ذب

стр. 166

عن وجهه بطرف كمه، ثم ألجأه إلى أن تابع بين ذلك، وعلم أن فعله كله يعين من حضره من أمنائه وجلسائه. فلما نظروا إليه قال: أشهد أن الذباب ألج من الخنفساء، وأزهى من الغراب! وأستغفر الله! فما أكثر من أعجبته نفسه، فأراد الله أن يعرفه من ضعفه ما كان عنه مستورا، وقد علمت أني عند الناس من أزمت١ الناس، فقد غلبني، وفضحني أضعف خلقه، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ . وواضح أن القصة تعتمد عل دقة التصوير، وهي دقة ترسم الواقع رسما أمينًا، بدون تهويل، أو مبالغة أو اعتماد على استعارات، وتشبيهات إلا ما يأتي عفوًا للإيضاح لا للتجميل والتزيين. الاستطراد: وإذا كانت الواقعية عنصرا أساسيا في أعمال الجاحظ، فإن هناك عنصرا آخر عم آثاره، وربما كان أهم من عنصر الواقعية، وهو عنصر الاستطراد إذ يلاحظ كل من يقرأ في الجاحظ حالًا من التشعث في التأليف، فهو دائما ينتقل من باب إلى باب، ومن خبر إلى خبر، ومن شعر إلى فلسفة ومن جد إلى هزل في تشعب هائل، حتى ليقول كارا دي فو: إن الموضوع عند الجاحظ ليس إلا وسيلة للاستطراد٢، وقد أشار إلى هذا الاستطراد قديما المسعودي في كتابه مروج الذهب٣، وقد كان الجاحظ يتخذه منهجا في تأليفه وخاصة في حيوانه وبيانه، واعترف به مرارا واحتج له، انظر إليه يقول في الحيوان: "قد عزمت -والله الموفق- أني أوشح هذا الكتاب، وأفصل أبوابه بنوادر من ضروب الشعر، وضروب الأحاديث ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى باب، ومن شكل إلى شكل، فإني رأيت الأسماع تمل الأصوات المطربة، والأغاني الحسنة والأوتار الفصيحة

стр. 167

إذا طال ذلك عليها، وما ذلك إلا في طريق الراحلة التي إذا طالت أورثت الغفلة، وإذا كانت الأوائل قد سارت في صغار الكتب هذه السيرة كان هذا التدبير لما طال، وكثر أصلح"١، ويقول أيضا: "ولولا أني أتكل على أنك لا تمل باب القول في البعير حتى تخرج إلى الفيل، وفي الذرة حتى يخرج إلى البعوضة، وفي العقرب حتى تخرج إلى الحية، وفي الرجل حتى تخرج إلى المرأة، وفي الذبان والنحل حتى تخرج إلى الغربان والعقبان، وفي الكلب حتى تخرج إلى الديك، وفي الذئب حتى تخرج إلى السبع، وفي الظلف حتى تخرج إلى الحافر، وفي الحافر حتى تخرج إلى الخف، وفي الخف حتى تخرج إلى البرثن، وفي البرثن حتى تخرج إلى المخلب، وكذلك القول في الطير وعامة الأصناف، لرأيت أن جملة الكتاب، وإن كثر عدد ورقه، أن ذلك ليس مما يمل، ويعتد علي فيه بالإطالة؛ لأنه وإن كان كتابا واحدا فإنه كتب كثيرة، ولك مصحف منها فهو أم على حدة، فإن أراد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأول، حتى يهجم على الثاني، ولا الثاني حتى يهجم على الثالث، فهو أبدًا مستفيد ومستطرف، وبعضه يكون جمامًا لبعض، ولا يزال نشاطه زائدا، ومتى خرج من آي القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى شعر، ومن الشعر إلى نوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية، ومقاييس سداد، ثم لا يترك هذا الباب، ولعله أن يكون أثقل والملال إليه أسرع، حتى يفضي به إلى مزح وفكاهة، وإلى سخف وخرافة، ولست أراه سخفًا إذا كنت إنما استعملت سيرة الحكماء، وآداب العلماء"٢. وإذا فالجاحظ يعترف بأنه يستطرد، وبأنه يعمد إلى ذلك عمدا خشية ملل القارئ وسآمة السامع، واحتج لصنيعة بأن الأوائل قد سارت في كتبها هذه السيرة، إذ يقول: إنه إنما يستعمل سيرة الحكماء وآداب العلماء، ولسنا ندري أي حكماء، وعلماء يشير إليهم إلا أن يكون قد أشار بذلك إلى بعض ما ترجم للعرب من كتب الهند التي يشبه البيروني ما فيها "بصدف مخلوط بخزف، أو

стр. 168

بدر ممزوج ببعر، أو بمهي مقطوب بحصى"١، وإن من يتصفح كتاب كليلة ودمنة يجد ظاهرة الاستطراد واضحة فيه، على أن هناك علة لاستطراد الجاحظ ذكرها صراحة في حيوانه إذ يقول: "قد صادف هذا الكتاب مني حالات تمنع من بلوغ الإرادة فيه: أو ذلك العلة الشديدة، والثانية قلة الأعوان، والثالثة طول الكتاب ... فإن وجدت فيه خللا من اضطراب لفظ، ومن سوء تأليف، أو من تقطيع نظام، ومن وقوع الشيء في غير موضعه، فلا تنكره بعد أن صورت لك حالي التي ابتدأت عليه كتابي"٢، فهو يعترف بأن مرضه أدخل الخلل على تأليف حيوانه، ومر بنا أنه ألفه وهو مفلوج، وألف بعده كتاب البيان والتبيين٣، فظهر فيه الخلل والاستطراد بأوسع مما ظهرا في كتاب الحيوان، لا لسبب إلا؛ لأن العلة طالت عليه، وكأن ما أمضه منها كان له أثره في بلبلة أفكاره واضطرابها، وحدوث كثير من النشاز فيها، فهو برم بمرضه قلق، وهو برم أيضا بما يعرض في بيانه لا يكاد يستقر عند موضوع يصفه، وإنه ليقول فيه: "كان التدبير في أسماء الخطباء وحالاتهم، وأوصافهم أن نذكر أسماء أهل الجاهلية على مراتبهم، وأسماء أهل الإسلام على منازلهم، ونجعل لكل قبيلة منهم خطباء ونقسم أمورهم بابا بابا على حدته، ولكني لما عجزت عن نظمه وتنضيده تكلفت ذكرهم في الجملة"٤، فهو يقر بعجزه عن التنظيم، والتنسيق لما كان من مرضه، ولما كان أيضًا من قلة الأعوان كما يقول في الحيوان، ومن ثم كان من يقرأ في كتبه يخيل إليه أن لم يكن يعرف التركيز في تأليفه، إذ ما تزال الأفكار تندفع علينا من كل صوب في غير نظام ولا سياق مطرد، بل فكرة من هنا، وفكرة من هناك في صورة واضحة من التشعب والتشعث، وقد ساعده على ذلك ثقافته الواسعة بجميع معارف عصره من هندية، وفارسية ويونانية، وإسلامية وعربية، وإن الإنسان ليعجب إذ يقرأ الصفحة في حيوانه، فيجد هذه الثقافات

стр. 169

كلها قد وضع بعضها بجانب بعض، وكأنه حين كان يكتب -بل حين كان يملي كما سنرى بعد قليل- كانت تنطلق إليه سيول المعرفة من كل واد، فيتركها تنزلق إلى آثاره بطبيعتها التي أطبقت بها عليه. التلوين الصوتي: هذا هو العنصر الثالث في كتابات الجاحظ، فنحن لا نقرأ له أي عبارات من تأليفه، حتى نجده يعني بأصواته عناية تفضي إلى ضروب مختلفة من الإيقاعات الصوتية، ولم يكن يستعين على تجميل هذه الإيقاعات بشيء من البديع وألوانه، بل كان يكتفي بها لتعبر عن كل ما يريد من جمال لأسلوبه وطلاوة، وليس معنى ذلك أنه كان يستخدم السجع، أو أسلوبا مقاربا منه، فإن السجع لم يكن يصلح له في تأليف كتبه، ورسائله الطويلة، لذلك عدل عنه إلى ضروب من الإيقاعات، وهي إيقاعات كان يستعين عليها بصور مختلفة من التكرار والترداد، واستمع إليه كيف يستهل حيوانه١: "جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبًا، وبين الصدق سببا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينيك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة". وهذه هي النغمات الأولى في الكتاب، وعلى أساسها ينصب جميع النغم الذي نقرؤه فيه، إذ نرى الجاحظ يحاول دائما أن يجود لفظه، وهو لا يكتفي بذلك، بل يسعى دائما إلى إحداث ضروب من التوقيع، وهو توقيع كان يلتمسه من معادلة ألفاظه معادلة لا تنتهي إلى السجع، ولكنها تنتهي إلى هذا التوازن الصوتي الدقيق، فكل جملة تقابل أختها في موازين الجاحظ الموسيقية، ويه موازين تحقق لصيغة هذا اللون من الجمال الموسيقي الذي كان يسميه القدماء ازدواجا، ونسميه إيقاعا وتلوينا صوتيا بديعا، وهو تلوين كان يدفع الجاحظ دفعا

стр. 170

إلى ضروب من التكرار والترادف، واستمر مع الجاحظ في الحيوان، فستراه يقول بعد هذه النغمات الأولى من الكتاب بقليل١: "إن كل من التقط كتابًا جامعًا، وبابا من أمهات العلم مجموعا كان له غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، وكان له نفعه، وعلى صاحبه كده، مع تعرضه لمطاعن البغاة، ولاعتراض المنافسين، ومع عرضه عقله المكدود على العقول الفارغة، ومعانيه على الجهابذة، وتحكيمه فيه المتأولين والحسدة.. وهذا كتاب نستوي في رغبة الأمم، وتتشابه فيه العرب والعجم، ويشتهيه الفتيان كما يشتهيه الشيوخ، ويشتهيه الفاتك، كما يشتهيه الناسك، ويشتهيه اللاعب ذو اللهو، كما يشتهيه المجد ذو الحزم، ويشتهيه الغفل، كمنا يشتهيه الأريب، ويشتهيه الغبي، كما يشتهيه الفطن". وهكذا ينطلق الجاحظ في كتاباته -على نحو ما نرى الآن في حيوانه- بهذا النفس الواسع المسترسل الذي لا يتعثر ولا يتلجلج، بل ينطلق في هذا الفيض العذب، وكأنما لا يعوقه في طريقة عائق لا من لفظ، ولا من تعبير، وانظر إليه يقول بعد ذلك في وصف الكتاب٢: "الكتاب وعاء مليء علما، وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن مزاحا وجدا، وإن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره، وإن شئت عجبت من غرائب فرائده، وإن شئت ألهتك طرائفه، وإن شئت أشجتك مواعظه، ومن لك بواعظ مله، وبزاجر مغر، وبناسك فاتك، وبناطق أخرس، وببارد حار، ومن لك بطبيب أعرابي، ومن لك برومي هندي، وبفارسي يوناني، وبقديم مولد، وبميت ممتع، ومن لك بشيء يجمع لك الأول الآخر، والناقص والوافر، والخفي والظاهر والشاهد والغالب، والرفيع الوضيع، والغث والسمين، والشكل وخلافه، والجنس وضده".

стр. 171

وعلى هذا النمط يسوق الجاحظ عباراته ومزاوجاته، وإن الإنسان ليخيل إليه كأنما سخرت له ألفاظ اللغة تسخيرًا، فهو يختار منها ما يشاء، ويهوى في غير عنت ولا تكلف، بل في مهارة وحذق، فإذا هو يصل إلى هذه الأصوات الفخمة، أو قل هذه المركبات الموسيقية، فالموسيقى أساسية في جواهر عباراته وأعراضها، وما يسمها في باطنها وظاهرها، وإذا أنت رجعت تحلل هذه المركبات، وجدتها تنحل إلى ظاهرتين أصيلتين في كل ما يؤلف، وهما: التقطيع الصوتي من طرف، والتكرار والترداد الموسيقي من طرف آخر، أما التقطيع فهو الذي يتيح له هذه المعادلات الصوتية التي تجعل العبارات تتعادل هذا التعادل الموسيقي البديع، وكأنما قد فصلت تفصيلا وقسمت تقسيما، وأما التكرار والترداد فقد كانا شائعين في بيئة المتكلمين بسبب محاضراتهم، ومناظراتهم، وأيضا فقد شاعا على نحو ما مر بنا في غير هذا الموضع عند وعاظ العصر الأموي، ومن خلفوهم في العصر العباسي، وعند عبد الحميد الكاتب، وسهل بن هارون، ولكن الشيء الذي يلفت حقا هو أن الجاحظ وسعهما إلى أبعد طاقة يمكن أن تحتملها الأساليب، وما من ريب في أن هذا التكرار يضفي على أسلوبه ضروبا من الجمال، إذ نراه يستعين به على ما يريد من تقطيعات، وتوقيعات صوتية، فإذا الفكرة لا تؤدي في عبارة واحدة، ولكن في عبارتين أو أكثر، لا لسبب إلا؛ لأن الجاحظ يريد لها أداء موسيقيا بجانب أدائها المعنوي. ومن يتابع درس الجاحظ يعرف أن هناك سببا مهما لتكراره في كتبه وترداده، وهو أنه لم يكن يكتب بل كان يملي، وقد ذكر ذلك صراحة في إحدى رسائله لابن الزيات، إذ قال له: "إن الوراق أصبح لا يخط سطرًا"١، ويذكر ياقوت أن هذا الوراق كان يسمى زكريا بن يحيى٢، وإن في هذا ما يدل على أن الجاحظ لم يكن يكتب كتبه، ورسائله منذ ابن الزيات المتوفى عام ٢٣٣هـ، بل كان يملي على شخص، أو أشخاص لما قدمنا من مرضه، وطبع هذا الإملاء كتبه بطابع المحاضرة، ومن ثم طبعها بطابع التكرار والترادف، كما طبعها

стр. 172

بطابع كتب الإملاءات من حيث الخلل، والاستطراد والإيجاز في بعض الأشياء المهمة، والإطناب والتفصيل في بعض الأشياء التافهة، ومهما يكن فقد كان الجاحظ يعني بأساليبه عناية توفر لها ضروبا من التقطيع الصوتي، وقد ذهب يستعين في ذلك بتكراره، وترداده حتى تستوفي أساليبه كل ما يمكن من هذا التلوين الصوتي، الذي يكسب تعبيره جمالًا خاصًّا يتفوق به على جميع الكتاب في عصره. التلوين العقل: ربما كان هذا العنصر أهم العناصر الأربعة التي تكون فن الجاحظ وصنعته، إذ كان يشفع كتابته دائما بضروب من التحاسين العقلية، وهي ليست تحاسين فنية في أصلها، إنما هي تحاسين منطقية وفلسفية، واستطاع الجاحظ في رسائله، وكتب أن يحولها إلى تحاسين فنية خالصة أو تكاد، إذ كان يدخلها في جميع أوعيته الصوتية، وطبيعي أن تظهر هذه التحاسين عند الجاحظ؛ لأنه كان متكلما، ووصف هو نفسه المتكلم لعصره فقال كما مر بنا في غير هذا الموضع: "لا يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام متمكنًا في الصناعة، يصلح للرياسة، حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة"، ولعل من الطريف أنه أضاف الفلسفة في حيوانه إلى بعض المتكلمين، فقال: "ورأيت ناسا من فلاسفة المتكلمين"١، وقد قال في الحيوان صراحة: إن هذا الكتاب "أخذ من طرف الفلسفة٢، وإضافة الطرف إلى الفلسفة إحساس من الجاحظ بما تدخله فلسفة العقل على تعبير صاحبه من تحاسين وتلاوين، ولعل ذلك ما جعله يعد المذهب الكلامي من ألوان البديع٣، وهو لا يريد بهذا المذهب إلا ما أدخله المتكلمون من طرق جدل، وحوار، وسفسطة وأدلة وبراهين ومقدمات وأقيسة، وانظر في الحوار الطويل الذي رواه في الحيوان عن النظام، ومعبد في تفضيل الكلب

стр. 173

على الديك أو العكس تر حوارها يمتد في عشرات الصحف، وقد استعان كل منهما بما يمكن من براهين حسية وعقلية على التدليل لرأيه، وإن الإنسان ليخيل إليه كأن كلا منهما، قد استعار شخصية الحيوان الذي يدفع عنه، وهو لذلك يتسلح لخصمه بكل ما يستطيع العقل أن يسعفه به من براهين صحيحة، وغير صحيحة في افتنان، وبراعة يدلان على مبلغ ما فتقت الفلسفة من عقول المتكلمين، وألسنتهم. وقد تربى الجاحظ في هذه البيئة على يد أستاذه النظام، فأخرجه لسنًا جدلًا يعرف كيف يحاور ويداور، وكيف يستعين بالمنطق الصحيح، وكيف يستعين بالمنطق السقيم ليدعم رأيه، وينصر فكرته، وقد تشبث بطريقة الحوار والجدل وما يتعلق بهما من مغالطة وسفسطة، فتكلم كثيرا عن محاسن الأشياء، ثم عاد فتكلم عن مساويها، ولعل خير ما يفسر ذلك كتاب المحاسن، والأضداد الذي ينسب إليه، وقد لا يكون هذا الكتاب له، ولكن من يقرأ فيه يؤمن بأنه إما أن يكون من صنع الجاحظ نفسه، أو من صنع شخص استمده من مغالطات الجاحظ في كتبه. والجاحظ كما يعتمد على المغالطة أحيانا، نراه أيضا يعتمد على صحة الأدلة وصدق المقدمات أحيانا أخرى، بل إن هذا هو الغالب عليه، وقد تلوم في حيوانه من يعنون بصحة مقدماتهم١، وعاب النظام كما مر بنا بأنه لا يصحح الأصل الذي يبني عليه قياسه، وقد جعله ذلك يمتاز من كتاب عصره باستخدام المنطق استخداما واسعا في تضاعيف أسلوبه، فهو دائما يعرض أفكاره في صورة حجاج يقوم على براهين، وأدلة ومقدمات وأقيسة، ولا غرابة، فقد كان يعتد بذلك كلون عباسي بديع ينبغي أن يدخل في دوائر النثر، وأن تحلى نماذجه به حتى تنبسط الكتابة، ويتسع التعبير فيها اتساعا يرفده العقل الدقيق، والمنطق الوثيق، وإن الجاحظ ليتشبث بذلك في أبلغ صورة يمكن العقل أن يتصور بها عباسيا في القرنين الثاني، والثالث يريد أن يسيطر المنطق على كل ما يكتب، بل أيضا على كل ما يعمل

стр. 174

فقد روى الرواة أنه اجتمع مع يوحنا بن ماسويه على مائدة بعض الوزراء، وكان في جملة ما قدم مضيرة عقب سمك، فامتنع يوحنا من الجمع بينهما، فقال له الجاحظ: "أيها الشيخ لا يخلو أن يكون السمك من طبع اللبن أو مضادا له، فإن كان أحدهما ضد الآخر، فهو دواء له، وإن كانا من طبع واحد، فلنحسب أنا قد أكلنا من أحدهما إلى أن اكتفينا"، فقال يوحنا: والله ما لي خبرة بالكلام، ولكن كل يا أبا عثمان، وانظر ما يكون في غد، فأكل الجاحظ انتصارا لدعواه، ففلج في ليلته، فقال: هذه والله نتيجة القياس المحال"١، وإن هذه القصة لترمز إلى عنايته بالمنطق في كل ما يتصل به من قول وفعل، ونحن لا نبعد إذا قلنا: إنه أهم كاتب في العصر العباسي الأول حكم المنطق في كل ما يصنع، فقد كان يعتم عليه اعتمادا بالغا في جميع كتاباته، واقرأ له هذه القطعة التي يتحدث فيها عن الخير والشر، وأنهما ضروريان لصلاح الكون٢: "اعلم أن المصلحة في أمر ابتداء الدنيا إلى القضاء مدتها امتزاج الخير بالشر، والضار بالنافع، والمكروه بالسار، والضعة بالرفعة، والكثرة بالقلة، ولو كان الشر صرفا هلك الخلق، أو كان الخير محضا سقطت المحنة، وتقطعت أسباب الفكرة، ومع عدم الفكرة يكون عدم الحكمة، ومتى ذهب التخيير ذهب التمييز، ولم يكن للعالم تثبت وتوقف وتعلم، ولم يكن علم، ولا يعرف باب تبين، ولا دفع مضرة، ولا اجتلاب منفعة، ولا صبر على مكروه، ولا شكر على محبوب، ولا تفاضل في بيان، ولا تنافس في درجة، وبطلت فرحة الظفر وعز الغلبة، ولم يكن على ظهرها محق يجد عز الحق، ومبطل يجد ذلة الباطل، وموقن يجد برد اليقين، وشاك يجد نقص الحيرة وكرب الوجوم، ولم تكن للنفوس آمال، ولم تتشعبها الأطماع، ومن لم يعرف كيف الطمع لم يعرف اليأس، ومن جهل اليأس، جهل الأمن، وعادت الحال من الملائكة الذين هم صفوة الخلق، ومن الإنس الذين فيهم الأنبياء والأولياء حال السبع والبهيمة، وإلى حال الغباوة

стр. 175

والبلادة، وإلى حال النجوم في السخرة، فإنها أنقض من حال البهائم في الرتعة، ومن هذا الذي يسره أن يكون الشمس والقمر والنار، والثلج، أو برجا من البروج، أو قطعة من الغيم، أو يكون المجرة بأسرها، أو مكيالا من الماء، أو مقدارا من الهواء.. وأين تقع لذة البهيمة بالعلوفة، ولذة السبع بلطع الدم وأكل اللحم، من سرور الظفر بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان القرع؟ وأين ذلك من سرور السؤدد، ومن عز الرياسة؟ ولو استوت الأمور بطل التمييز، وإذا لم تكن كلفة لم تكن مثوبة.. ولو كان الأمر على ما يشتهيه الغرير والجاهل بعواقب الأمور لبطل النظر وما يشحذ عليه، وما يدعو إليه، ولتعطلت الأروح من معانيها والعقول من ثمارها، ولعدمت الأشياء حظوظها وحقوقها، فسبحان من جعل منافعها نعمة، ومضارها ترجع إلى أعظم المنافع، وقسمها بين ملذ ومؤلم، وبين مؤنس وموحش، وبين صغير حقير، وجليل كبير، وبين عدو يرصدك، وبين عقل يحرسك، وبين سالم يمنعك، وبين معين يعضدك، وجعل في الجميع تمام المصلحة، وباجتماعها تتم النعمة، وفي بطلان واحد منها بطلان الجميع، قياسا قائما وبرهانا واضحا، فإن الجميع إنما هو واحد ضم إلى واحد، وواحد ضم إليهما؛ ولأن الكل أبعاض؛ ولأن كل جثة فمن أجزاء، فإذا جوزت رفع واحد والآخر مثله في الوزن، وله مثل علته وحظه ونصيبه، فقد جوزت رفع الجميع؛ لأنه ليس الأول بأحق من الثاني في الوقت الذي رجوت فيه إبطال الأول، والثاني كذلك والثالث والرابع حتى تأتي على الكل، وتستفرغ الجميع". أرأيت إلى هذا الدفاع القوي عن ضرورة بقاء الشر في الكون؟ وإنه لدفاع يستمده الجاحظ من التفكير الدقيق في حقائق الكون، وهو تفكير يقوم على المنطق والاستدلال، والقياس كما يقوم على التأثر ببعض آراء المتكلمين الذين يرفضون الجبر، والتسخير في الحياة ويضعون مكانهما الاختيار، والتمكين، وهذا كله يبسط في ضروب من تلاوين الصوت وتحاسينه، وإنها لضروب تشيع في أسلوب منطقي منقطع القرين، ومن هذين المفتاحين؛ جمال الصوت وجمال المنطق، تسقط النغمات التي تميز الجاحظ في جميع فنه وصنعته، إذ ما يزال

стр. 176

يتداخل التفكير العقلي، وما يشفع به من قدرة على البرهان، والاستدلال مع التفكير الفني، وما يشفع به من قدرة على تقطيع الصوت، وما ينطوي في هذا التقطيع من تكرار وترداد، وبذلك يلتئم هذا الفن الجاحظي الذي يشبع فيه جمال العقل ما يشيع فيه جمال الصوت، وارجع إلى هذه النقطة الجميلة، فإنك ترى الجاحظ يحسن التدليل على فكرته التي يذهب فيها إلى أن العالم يتألف من الخير والشر جميعًا، بحيث إذا سقط الشر منه سقط الحائط الذي يؤلفه، وكذلك الشأن إن سقط الخير، وإن الجاحظ ليجعل القضية قضية العقل، فإن تغيير الكون عما هو، يجعلنا نفقد آلة التفكير، ومتى فقدناها أصبحنا لا نستطيع التأمل في علم، ولا الشعور بشيء ملذ أو مؤلم، إذ نصير كالحيوان في الرتعة، بل لقد نتحول إلى الجماد في السخرة: "ومن هذا الذي يسره أن يكون الشمس والقمر والنار، والثلج أو برجا من البروج، أو قطعة من الغيم؟ " إن الكون يجب أن يستمر كما هو: خير ونفع، وشر وضر، وإن كل جزء من أجزاء الخير، ومثله كل جزء من أجزاء الشر، يجب أن يظل كما هو؛ لأن العالم يتألف من جميع هذه الأجزاء وما الجميع؟ "إنما هو واحد ضم إلى واحد، وواحد ضم إليهما؛ ولأن الكل أبعاض؛ ولأن كل جثة فمن أجزاء، فإذا جوزت رفع واحد والآخر مثله في الوزن، وله مثل علته وحظه ونصيبه؛ فقد جوزت رفع الجميع؛ لأنه ليس الأول بأحق من الثاني في الوقت الذي رجوت فيه إبطال الأول، والثاني كذلك، والثالث، والرابع حتى تأتي على الكل وتستفرغ الجميع"، فأي عقل هذا الذي يكتب بتلك المقدرة على توليد الأفكار من جهة، والإدلاء بكل ما يمكن من حجج، وبراهين من جهة أخرى؟ إنه عقل الجاحظ، وهو العقل الذي جعل ابن العميد -كما مر بنا- يقول: "إن كتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا". فالعقل عند الجاحظ هو أساس صنعته الذي يستمد منه أدلته كما يستمد منه توليده للأفكار والمعاني، وأيضا فإنه يستمد منه قياسه ومقابلاته، وقد كان مشغوفا بالمقابلة في معانيه، وأفكاره شغفا شديدا، وإن الإنسان ليخيل إليه كأنما سخر العقل بجميع مقوماته للجاحظ، وهو يختار ما يشاء من هذه المقومات في رسائله وكتبه، ولعل ذلك

стр. 177

ما جعل المأمون يقول له، وقد قرأ كتبه في الإمامة: "قد كان بعض من نرتضي عقله، ونصدق خبره، خبرنا عن هذه الكتب بإحكام الصنعة، وكثرة الفائدة، فقلت له: قد تربي الصفة على العيان، فلما رأيتها رأيت العيان قد أربى على الصفة، فلما فليتها أربى الفلي على العيان كما أربى العيان على الصفة"١، ونحن مهما وصفنا من عقل الجاحظ، وما يشفع به كتابته من تلاوينه وتحاسينه، فإن ذلك لن يكون شيئا بجانب ما يحسه القارئ له حين يتصفح أعماله، ويقف على مدى استعانته بالعقل في تأليفها وصوغها، والحق أن هذا عمل أوسع من أن نحيط به في صفحات معدودة، وغاية ما يمكننا هو أن نجمل هذا الصنيع في أن الجاحظ كان يدمج إدماجا بديعا بين التلوين الصوتي، والتلوين العقلي في آثاره، فإذا هي تصور طرافة التفكير في أعلى صورة، كما تصور طرافة الصوت، وما ينساق مع هذه الطرافة من تكرار، وترداد كان يستعين بهما دائما على تدبيج أساليبه وتحبيرها، وإنهما ليتجليان دائما في كل ما يملى، ويكتب كما يتجلى جمال التفكير، وجمال التعبير.

стр. 178

٨- رسالة التربيع والتدوير: ونحن نقف عند رسالة للجاحظ تجمع بين دفتيها محاسن التفكير الدقيق، والتعبير الأنيق، وهي رسالة أنشأها في هجاء أحمد بن عبد الوهاب أحد أصحاب محمد بن عبد الملك الزيات١، وقد وصفه بأنه من بجيلة، ومن أصحاب صالح بن علي، وسليمان بن وهب، وندماء جعفر الخياط٢، وقال: إنه من الرافضة المشبهة٣، ونعته بأنه "يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها، ويحسد العلماء من غير أن يتعلق فيهم بسبب، وليس

стр. 179

في يده من جميع الآداب إلا الانتحال لاسم الأدب١". وذكر أنه كان يخاشنه ويطاوله٢، ومن أجل هذه المخاشنة والمطاولة، وما ركب فيه من الحسد ألف له هذه الرسالة يسأله فيها عن بعض معارف عصره المشكلة سواء في المنطق والفسلفة، أم في الكيمياء والصنعة، أم في الإنسان والحيوان، أم في تاريخ العرب وتاريخ غيرهم من الأمم، وهو ينهى هذه الأسئلة الكثيرة التي امتدت في خمسين صحيفة من القطع الكبير بقوله: "وقد سألتك، وإن كنت أعلم أنك لا تحسن من هذا قليلًا ولا كثيرًا، فإن أردت أن تعرف حق هذه المسائل وباطنها، وما فيها خرافة وما فيها محال، وما فيها صحيح وما فيها فاسد، فألزم نفسك قراءة كتبي ولزوم بابي٣، وحقًا إن من يتصفح الرسالة يجد أن كثيرًا مما عرض له الجاحظ فيها ذكره في حويانه، ولعل في هذا ما يدل على أنها ألفت بعد كتاب الحيوان: أي في أوقات مرضه وعلته، ويشهد لذلك أننا نجده ينحي على أحمد بن عبد الوهاب باللائمة على ما يدعيه من علم بالحيوان، وأنه يعرف في الخفاش سبعين أعجوبة٤، وأيضًا فقد تحدث فيها عن ابن الزيات الذي قدم له كتاب الحيوان بصيغة الماضي٥، مما يدل على أن عهده كان قد انقضى حين كتابة هذه الرسالة، والمسألة لا تحتاج كل هذا الاستنتاج؛ لأن الرسالة مبنية على سنة الاستطراد التي عرفناها للجاحظ، والتي زعمنا أنها جاءت في الغالب نتيجة لعلته وعجزه عن ترتيب كتبه ورسائله التي ألفها حينئذ، وهو يستهلها على هذا النمط٦: "كان أحمد بن عبد الوهاب مفرط القصر، ويدعي أنه مفرد الطول، وكان مربعًا وتحسبه لسعة جفرته٧ واستفاضة خاصرته مدورًا، وكان جعد الأطراف قصير الأصابع، وهو في ذلك يدعي السباطة والرشاقة، وأنه عتيق الوجه،

стр. 180

أخمص١ البطن، معتدل القامة، تام العظم، وكان طويل الظهر، قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر ساقه يدعي أنه طويل الباد٢، رفيع العماد، عادي القامة، عظيم الهامة، قد أعطي البسيط في الجسم، والسعة في العلم، وكان كبير السن متقادم الميلاد، وهو يدعي أنه معتدل الشباب حديث الميلاد". ونحن منذ هذه السطور الأولى للرسالة نحسن أننا بإزاء فن جديد في الهجاء يستعين فيه صاحبه بضروب من المفارقات، فأحمد بن عبد الوهاب مفرط القصر، ويدعي أنه مفرط الطول، وهو مربع وتحسبه لسعة جوف صدره واستفاضة خاصرته مدورًا، ثم هو جعد الأطراف قصير الأصابع، ومع ذلك يدعي السباطة والرشاقة، وأيضًا فإنه طويل الظهر قصير عظم الفخذ، ويدعي أنه طويل الباد رفيع العماد، عادي القامة عظيم الهامة، وفي هذا كله مناقضات ومفارقات مختلفة، ومن هذه المناقضات، والمفارقات يستمد الجاحظ هجاءه لأحمد بن عبد الوهاب، وقد استطاع أن ينفذ من ذلك إلى تشويهه تشويهًا ربما كان يتفوق فيه على أصحاب فن التصوير الساخر "الكاريكاتوري" في العصر الحديث، إذ نراهم يشوهون الأجسام بطرق مختلفة، عمادها بعض الحقائق المادية فيها، وإنهم ليتعلقون بهذه الحقائق: يكبرونها، ويستمدون منها ما يشاءون من هزل وسخرية، وكذلك كان الجاحظ في تلك الرسالة هجاء ساخرًا يعتمد على جسم أحمد بن عبد الوهاب، وما يسمه من قصر، وتبعج ليستخرج ما يريد من هزله، فهو تارة صاحب أصابع قصيرة جعدة كأصابع الحيوان، وتارة هو طويل الظهر "قصير عظم الفخذ، وهو لا يكتفي بتشويه جسمه، بل نراه يعمد أيضًا إلى تشويه عقله بواسطة ما يعرض من أسئلة يهزأ به فيها، كما يهزأ بتفكيره، وكل ما يتصل به، وهو يستعين على ذلك كله بفكرة الطول، والقصر والتربيع، والتدوير يستمد منهما كل ما يمكن من مفارقات ومناقضات، فتارة يدعي له الطويل في الباطن، وتارة ثانية يصفة بالقصر، وتارة ثالثة ينفيهما عنه، ويدعي له التربيع والتدوير، ساخرًا من جمسه وشكله.
следующие страницы →