← Адаб

Адаб · id 11544

الفن ومذاهبه في النثر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يتداخل التفكير العقلي، وما يشفع به من قدرة على البرهان، والاستدلال مع التفكير الفني، وما يشفع به من قدرة على تقطيع الصوت، وما ينطوي في هذا التقطيع من تكرار وترداد، وبذلك يلتئم هذا الفن الجاحظي الذي يشبع فيه جمال العقل ما يشيع فيه جمال الصوت، وارجع إلى هذه النقطة الجميلة، فإنك ترى الجاحظ يحسن التدليل على فكرته التي يذهب فيها إلى أن العالم يتألف من الخير والشر جميعًا، بحيث إذا سقط الشر منه سقط الحائط الذي يؤلفه، وكذلك الشأن إن سقط الخير، وإن الجاحظ ليجعل القضية قضية العقل، فإن تغيير الكون عما هو، يجعلنا نفقد آلة التفكير، ومتى فقدناها أصبحنا لا نستطيع التأمل في علم، ولا الشعور بشيء ملذ أو مؤلم، إذ نصير كالحيوان في الرتعة، بل لقد نتحول إلى الجماد في السخرة: "ومن هذا الذي يسره أن يكون الشمس والقمر والنار، والثلج أو برجا من البروج، أو قطعة من الغيم؟ " إن الكون يجب أن يستمر كما هو: خير ونفع، وشر وضر، وإن كل جزء من أجزاء الخير، ومثله كل جزء من أجزاء الشر، يجب أن يظل كما هو؛ لأن العالم يتألف من جميع هذه الأجزاء وما الجميع؟ "إنما هو واحد ضم إلى واحد، وواحد ضم إليهما؛ ولأن الكل أبعاض؛ ولأن كل جثة فمن أجزاء، فإذا جوزت رفع واحد والآخر مثله في الوزن، وله مثل علته وحظه ونصيبه؛ فقد جوزت رفع الجميع؛ لأنه ليس الأول بأحق من الثاني في الوقت الذي رجوت فيه إبطال الأول، والثاني كذلك، والثالث، والرابع حتى تأتي على الكل وتستفرغ الجميع"، فأي عقل هذا الذي يكتب بتلك المقدرة على توليد الأفكار من جهة، والإدلاء بكل ما يمكن من حجج، وبراهين من جهة أخرى؟ إنه عقل الجاحظ، وهو العقل الذي جعل ابن العميد -كما مر بنا- يقول: "إن كتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا". فالعقل عند الجاحظ هو أساس صنعته الذي يستمد منه أدلته كما يستمد منه توليده للأفكار والمعاني، وأيضا فإنه يستمد منه قياسه ومقابلاته، وقد كان مشغوفا بالمقابلة في معانيه، وأفكاره شغفا شديدا، وإن الإنسان ليخيل إليه كأنما سخر العقل بجميع مقوماته للجاحظ، وهو يختار ما يشاء من هذه المقومات في رسائله وكتبه، ولعل ذلك

стр. 177

ما جعل المأمون يقول له، وقد قرأ كتبه في الإمامة: "قد كان بعض من نرتضي عقله، ونصدق خبره، خبرنا عن هذه الكتب بإحكام الصنعة، وكثرة الفائدة، فقلت له: قد تربي الصفة على العيان، فلما رأيتها رأيت العيان قد أربى على الصفة، فلما فليتها أربى الفلي على العيان كما أربى العيان على الصفة"١، ونحن مهما وصفنا من عقل الجاحظ، وما يشفع به كتابته من تلاوينه وتحاسينه، فإن ذلك لن يكون شيئا بجانب ما يحسه القارئ له حين يتصفح أعماله، ويقف على مدى استعانته بالعقل في تأليفها وصوغها، والحق أن هذا عمل أوسع من أن نحيط به في صفحات معدودة، وغاية ما يمكننا هو أن نجمل هذا الصنيع في أن الجاحظ كان يدمج إدماجا بديعا بين التلوين الصوتي، والتلوين العقلي في آثاره، فإذا هي تصور طرافة التفكير في أعلى صورة، كما تصور طرافة الصوت، وما ينساق مع هذه الطرافة من تكرار، وترداد كان يستعين بهما دائما على تدبيج أساليبه وتحبيرها، وإنهما ليتجليان دائما في كل ما يملى، ويكتب كما يتجلى جمال التفكير، وجمال التعبير.

стр. 178

٨- رسالة التربيع والتدوير: ونحن نقف عند رسالة للجاحظ تجمع بين دفتيها محاسن التفكير الدقيق، والتعبير الأنيق، وهي رسالة أنشأها في هجاء أحمد بن عبد الوهاب أحد أصحاب محمد بن عبد الملك الزيات١، وقد وصفه بأنه من بجيلة، ومن أصحاب صالح بن علي، وسليمان بن وهب، وندماء جعفر الخياط٢، وقال: إنه من الرافضة المشبهة٣، ونعته بأنه "يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها، ويحسد العلماء من غير أن يتعلق فيهم بسبب، وليس

стр. 179

في يده من جميع الآداب إلا الانتحال لاسم الأدب١". وذكر أنه كان يخاشنه ويطاوله٢، ومن أجل هذه المخاشنة والمطاولة، وما ركب فيه من الحسد ألف له هذه الرسالة يسأله فيها عن بعض معارف عصره المشكلة سواء في المنطق والفسلفة، أم في الكيمياء والصنعة، أم في الإنسان والحيوان، أم في تاريخ العرب وتاريخ غيرهم من الأمم، وهو ينهى هذه الأسئلة الكثيرة التي امتدت في خمسين صحيفة من القطع الكبير بقوله: "وقد سألتك، وإن كنت أعلم أنك لا تحسن من هذا قليلًا ولا كثيرًا، فإن أردت أن تعرف حق هذه المسائل وباطنها، وما فيها خرافة وما فيها محال، وما فيها صحيح وما فيها فاسد، فألزم نفسك قراءة كتبي ولزوم بابي٣، وحقًا إن من يتصفح الرسالة يجد أن كثيرًا مما عرض له الجاحظ فيها ذكره في حويانه، ولعل في هذا ما يدل على أنها ألفت بعد كتاب الحيوان: أي في أوقات مرضه وعلته، ويشهد لذلك أننا نجده ينحي على أحمد بن عبد الوهاب باللائمة على ما يدعيه من علم بالحيوان، وأنه يعرف في الخفاش سبعين أعجوبة٤، وأيضًا فقد تحدث فيها عن ابن الزيات الذي قدم له كتاب الحيوان بصيغة الماضي٥، مما يدل على أن عهده كان قد انقضى حين كتابة هذه الرسالة، والمسألة لا تحتاج كل هذا الاستنتاج؛ لأن الرسالة مبنية على سنة الاستطراد التي عرفناها للجاحظ، والتي زعمنا أنها جاءت في الغالب نتيجة لعلته وعجزه عن ترتيب كتبه ورسائله التي ألفها حينئذ، وهو يستهلها على هذا النمط٦: "كان أحمد بن عبد الوهاب مفرط القصر، ويدعي أنه مفرد الطول، وكان مربعًا وتحسبه لسعة جفرته٧ واستفاضة خاصرته مدورًا، وكان جعد الأطراف قصير الأصابع، وهو في ذلك يدعي السباطة والرشاقة، وأنه عتيق الوجه،

стр. 180

أخمص١ البطن، معتدل القامة، تام العظم، وكان طويل الظهر، قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر ساقه يدعي أنه طويل الباد٢، رفيع العماد، عادي القامة، عظيم الهامة، قد أعطي البسيط في الجسم، والسعة في العلم، وكان كبير السن متقادم الميلاد، وهو يدعي أنه معتدل الشباب حديث الميلاد". ونحن منذ هذه السطور الأولى للرسالة نحسن أننا بإزاء فن جديد في الهجاء يستعين فيه صاحبه بضروب من المفارقات، فأحمد بن عبد الوهاب مفرط القصر، ويدعي أنه مفرط الطول، وهو مربع وتحسبه لسعة جوف صدره واستفاضة خاصرته مدورًا، ثم هو جعد الأطراف قصير الأصابع، ومع ذلك يدعي السباطة والرشاقة، وأيضًا فإنه طويل الظهر قصير عظم الفخذ، ويدعي أنه طويل الباد رفيع العماد، عادي القامة عظيم الهامة، وفي هذا كله مناقضات ومفارقات مختلفة، ومن هذه المناقضات، والمفارقات يستمد الجاحظ هجاءه لأحمد بن عبد الوهاب، وقد استطاع أن ينفذ من ذلك إلى تشويهه تشويهًا ربما كان يتفوق فيه على أصحاب فن التصوير الساخر "الكاريكاتوري" في العصر الحديث، إذ نراهم يشوهون الأجسام بطرق مختلفة، عمادها بعض الحقائق المادية فيها، وإنهم ليتعلقون بهذه الحقائق: يكبرونها، ويستمدون منها ما يشاءون من هزل وسخرية، وكذلك كان الجاحظ في تلك الرسالة هجاء ساخرًا يعتمد على جسم أحمد بن عبد الوهاب، وما يسمه من قصر، وتبعج ليستخرج ما يريد من هزله، فهو تارة صاحب أصابع قصيرة جعدة كأصابع الحيوان، وتارة هو طويل الظهر "قصير عظم الفخذ، وهو لا يكتفي بتشويه جسمه، بل نراه يعمد أيضًا إلى تشويه عقله بواسطة ما يعرض من أسئلة يهزأ به فيها، كما يهزأ بتفكيره، وكل ما يتصل به، وهو يستعين على ذلك كله بفكرة الطول، والقصر والتربيع، والتدوير يستمد منهما كل ما يمكن من مفارقات ومناقضات، فتارة يدعي له الطويل في الباطن، وتارة ثانية يصفة بالقصر، وتارة ثالثة ينفيهما عنه، ويدعي له التربيع والتدوير، ساخرًا من جمسه وشكله.

стр. 181

في هذا ما يجعلنا نفهم لماذا سميت الرسالة باسم رسالة التربيع والتدوير، فقد بناها الجاحظ على هذه الفكرة التي نؤمن بأنه استعارها من فكرة الأوساط اليونانية المعروفة في الأخلاق، لكن بعد أن حورها، وعدلها على هذا النحو، فإذا هي لا تثار في الأخلاق، وإنما تثار في الأجسام، وفي هجاء أحمد بن عبد الوهاب، وقد كان الجاحظ يعجب إعجابًا شديدًا بهذه الفكرة، وذكرها مرارًا في كتبه ورسائلة، بل ذكرها في هذه الرسالة نفسها، إذ يقول لابن عبد الوهاب: "اعلم أن الحسد اسم لما فضل عن المنافسة؛ كما أن الجبن اسم لما فضل عن التوقي، والبخل اسم لما قصر عن الاقتصاد، والسرف ما جاوز الجود، وأنت -جعلت فداك- لا تعرف هذا، ولو أدخلتك الكور١، ونفخت عليك إلى يوم ينفخ في الصور"، وما من ريب في أن الجاحظ عبر عن طرافة مدهشة، حين استطاع أن يستغل هذه النظرية اليونانية في تعبيره الفني هذا الاستغلال القيم، فإذا به يخرجها من دوائرها الفلسفية إلى دوائره هو الفنية، مستعينًا على ذلك بمجاميع من الأخطاء، وبما يمتاز به من مرونة في الجدل والحوار، والسفسطة وما يطوى في ذلك من ضروب تناقض وتقابل، واستمع إليه يعرض ابن عبد الوهاب على هذه الفكرة فيقول: "وبعد فأنت -أبقاك الله- في يدك قياس لا ينكسر، وجواب لا ينقطع، ولك حد لا يفل، وغرب لا ينثني، وهو قياسك الذي إليه تنسب، ومذهبك الذي إليه تذهب: أن تقول: وما علي أن يراني الناس عريضًا، وأكون في حكمهم غليظًا، وأنا لك مع طول الباد راكبًا طو الظهر جالسًا، ولكن بينهم فيك -إذا قمت- اختلاف، وعليك لهم -إذا اضطجعت- مسائل، ومن غريب ما أعطيت، وبديع ما أوتيت أنا لم نر مقدودًا واسع الجفرة غيرك، ولا رشيقًا مستفيض الحاضرة سواك، فأنت المدير، وأنت البسيط، وأنت الطويل، وأنت المتقارب، فيا شعرًا جمع الأعاريض، ويا شخصًا جمع

стр. 182

الاستدارة والطول! بل ما يهمك من أقاويلهم، ويتعاظمك من اختلافهم، والراسخون في العلم، والناطقون بالفهم يعلمون أن استفاضة عرضك قد أدخلت الضيم على ارتفاع سمكك، وأن ما ذهب منك عرضًا قد استغرق ما ذهب منك طولًا، ولئن اختلفوا في طولك لقد اتفقوا في عرضك، وإذ قد سلموا لك بالرغم شطرًا، ومنعوك بالظلم شطرًا، فقد حصلت ما سلموا، وأنت على دعواك فيما لم يسلموا! ولعمري إن العيون لتخطئ وإن الحواس لتكذب، وما الحكم القاطع إلا للذهن، وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل إذ كان زمامًا على الأعضاء، وعيارًا على الحواس.. ولم لم يكن فيك من العجب إلا أنك أول من تعبده الله بالصبر على خطأ الحس، وبالشكر على صواب الذهن، لقد كنت في طولك آية للسابلين، وفي عرضك مارًا للمضلين، وقد تظلم المربوع مثلي من الطويل مثل محمد، ومن القصير مثل أحمد ... والمربوع -بحمد الله- اعتدلت أجزاوه في الحقيقة كما اعتدلت في المنظر، فقد استغنى بعز الحقيقة عن الاعتذار، وبحكم الظاهر عن الاعتلال! وقد سمعنا من يذم الطوال كما سمعنا من يزري على القصار، ولم نسمع أحدًا ذم المربوع ولا أزرى عليه، ولا وقف عنده ولا شك فيه ... وبعد فما يحوجك إلى هذا، وما يدعوك إليه، وأشباهك من القصار كثيرًن ومن ينصرك منهم غير قليل، وقد رأيتك زمانًا تحتج بالنعمان بن المنذر وبضمرة.. وبرجال ناهيك بهم رجالًا، وبأعلام كفاك بهم أعلامًا، ورأيتك تقول: إن كان الفضل في النكاية وفي الشجة والصلابة، فصغار كل شيء أشد ضررًا وأدق مدخلًا، وأظهر قوة وجلدًا، كالحجارة أصلبها الحصى، وكالحيات أقتلها الأفعى، وقلت: إن كان الفضل في العدد فمنا يأجوج ومأجوج، ومنا الذر والفراش، ومن الدعاميص والبعوض والرمل، والتراب وقطر السحاب". وعلى هذا النحو يسوق الجاحظ حديثه في الرسالة متلاعبًا بفكرة الطول والقصر، وما ينبغي أن يكون من التوسط بين الطرفين، وإنه ليتسع بالحوار والجدل في ذلك اتساعًا شديدًا، فإذا هو يقف تارة في جانب القصر يحتج له، وتارة يقف في جانب الاعتدال، وقد يقف في جانب الطول، يدلي في كل

стр. 183

جانب بالحجج والبراهين كأنه يناقش مسألة علمية دقيقة هذه المناقشة دائمًا إلى فكرة التربيع، والأخذ به لا يخرج مهجوه عن حدود الاعتدال إلى حدود التقصير أو التبذير، وكأني بالجاحظ أحال أحمد بن عبد الوهاب إلى مشكلة من مشاكل الاعتزال، أو قل إلى مشكلة من مشاكل الفلسفة، إذ نراه يحقق فيه مسألة التوسط بين الطرفين تحقيقًا دقيقًا، وهو تحقيق يطوي كل ما يريد من سخرية به، وتهكم عليه إذ يتناوله مرة بالطول ومرة بالعرض، وهو في أثناء تناوله يمده تارة، ويقصره تارة أخرى، وتارة ثالثة يبعجه في مناظر تستخرد منا الضجم على ما يصنع بصاحبه من تشويه، وانظر إليه يحتج لطرفي الطول والقصر، فيقول: "وقلت: والناس وإن قالوا في الحسن: كأنه طاقة ريحان، وكأنه خوط١ بان، وكأنه قضيب خيزران، وكأنه غصن بان، وكأنه رمح رديني، وكأنه صفيحة يمانية، وكأنه سيف هندواني، وكأنها جان، وكأنها جدل عنان٢، فقد قالوا: كانه المشتري٣، وكأن وجهه دينار هرقلي، وما هو إلا البحر، وما هو إلا الغيث، وكأنه الشمس، وكأنها دارة القمر، وكأنها الزهرة، وكأنها درة، وكأنها غمامة، وكأنها مهاة، فقد تراهم وصفوا المستدير العريض بأكثر مما وصفوا به القضيف٤ والطويل. وقلت: وجدنا الأفلاك وما فيها، والأرض وما عليها، على التدوير دون التطويل، وكذلك الورق والتمر والحب والثمر والشجر، وقلت: والرمح إن طال، فإن التدوير عليه أغلب؛ لأن التدوير قائم فيه موصولًا ومفصلًا؛ والطول لا يوجد فيه إلا موصولا، وكذلك الإنسان وجميع الحيوان، وقلت: ولا يوجد التربيع إلا في المصنوع دون المخلوق، وفيما كره على تركيبه دون ما خلي وسوم٥ وطبيعته، وعلى أن كل مربع ففي جوفه مدور، فقد بان المدور بفضله، وشارك المطول في حصته، ومن العجب أنك تزعم أنك طويل في الحقيقة، ثم تحتج للاستدارة والعرض، فقد أضربت عما عند الله صفحًا، ولهجت بما عند الناس".

стр. 184

أرأيت إلى هذا الاحتجاج؟ إنه من أهم سمات الجاحظ في كل ما يؤلف، ويكتب ويملي إذ نرى عقله دائمًا مشغوفًا بالأدلة يسوقها على ما يقوله في هذا النحو البديع من الجدل والبحث، ألا تراه يحاول أن يتتبع الشعراء والأدباء في نعتهم للأشياء بالحسن، والجمال ليرى هل ما يضيفون إليه هاتين الصفتين من باب القصار، أو هو من باب الطوال، أو هو منهما جميعًا؟ والجاحظ لا يكتفي بذلك في احتجاجه وجدله، إذ نراه يعمد إلى المغالطة عن طريق الرمح؛ لأنه أجزاء موصول بعضها ببعض، وإذن فالتدوير عليه أغلب! ليس الرمح طويلًا، وإن تراءى ذلك في الظاهر، إنما هو مدور، أما ما قد يبدو من طوله فغير صحيح؛ لأنه يخالف الحقيقة التي تطوى وراءه، وكذلك قصر أحمد بن عبد الوهاب غير صحيح؛ لأنه يخالف الطول الذي يطوى خلفه، وينبغي أن لا نحكم بالظاهر، بل ينبغي أن نحكم بالباطن، وما وراء الظاهر! وإذا فليس بين أيدينا حقيقة يمكن أن نطمئن إليها، وكل آرائنا التي نكونها عن بعض الأشياء، وأنها طويلة أو قصيرة قابلة للنقض في رأي الجاحظ، كي يرضى ابن عبد الوهاب، ويمده بأسباب من الوقل للاحتجاج على طوله المستتر وراء قصره، وهذا هو معنى أنه يلهج بما عند الناس ويترك ما عند الله، وما من ريب في أن الجاحظ وصل إلى هذا كله عن طريق المغالطة، التي يسوقها في الرمح إذ يقول: إنه يبدو طويلًا، وهو في حقيقة الأمر قصير، أو هو كما يقول الجاحظ مدور، وذلك لسبب بسيط، وهو أنه يتألف من مدورات! وعلى هذا النحو ينتهي الجاحظ إلى أن كل مربع فهو في جوفه مدور، وأوضح أنه يعتمد في ذلك كله على السفسطة، وهو ينفذ منها إلى عرض صاحبه على فكرة القبح والحسن، فإذا هو يصفه بالقبح تارة، وما يلبث أن يصفه بالحسن تارة أخرى، وجاء في ذلك بطرف لا تحصى على شاكلة قوله: "ولو لم يكن لك إلا أنا لا نستطيع أن نقول في الجملة، وعند الوصف والمدحة: هو أحسن من القمر، وأضوأ من الشمس وأبهى من الغيث، وأنا لا نستطيع أن نقول في التفاريق: كأنه عنقه إبريق فضة، وكأن قدمه لسان حية، وكأن عينه

стр. 185

ماوية١، وكأن بطنه قبطية٢، وكأن لسانه ورقة، وكأن أنفه حد سيف، وكأن حاجبة خط بقلم، وكأنه لونه الذهب، وكأن عوارضه البرد، وكأنه فاه خاتم؛ وكأن جبينه هلال ولهو أطهر من الماء، وأرق طباعًا من الهواء، ولهو أمضى من السيل، وأهدى من النجم، لكان في ذلك البرهان النير، والدليل البين، وكيف لا يكون كذلك وأنت الغاية في كل فضل، والنهاية في كل شكل، وأما قول الشاعر: يزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته نظرًا وقول الدمشقيين: "ما تأملنا قط تأليف مسجدنا، وتركيب محرابنا وقبة مصلانا إلا أثار لنا التأمل، واستخرج لنا التفرس غرائب حسن لم نعرفها، وعجائب صنعة لم نقف عليها، وما ندري أجوهر مقطعاته أكرم في الجواهر، أم تنضيد أجزائه في تنضيدات الأجزاء". فإن ذلك معنى مسروق مني في وصفك، ومأخوذ من كتبي في مدحك.. ومن يطمع في عيبك، بل من يطمع في قدرك، وكيف وقد أصبحت وما على ظهرها خود٣ إلا وهي تتعثَّر باسمك، ولا قينة إلا وهي تغني بمدحك، ولا فتاة إلا وهي تشكو تباريح حبك، ولا محجوبة إلا وهي تثقب الخروق لممرك، ولا عجوز إلا وهي تدعو لك، ولا غيور إلا وقد شقى بك، فكم من كبد حرى منضجة ومصدوعة مفرثة٤، وكم من حشا خافق وقلب هائم، وكم من عين ساهرة وأخرى جاهدة، وأخرى باكية، وكم من عبرى مولهة، وفتاة معذبة -قد أقرح قلبها الحزن، وأجهد عينها الكمد- قد استبدلت بالحلى العطلة، وبالأنس الوحشة، وبالتكحيل المرة٥ فأصحبت والهة مبهوته، وهائمة مجهودة بعد طرف ناصع، وسن ضاحك، وشكل ساحر، وبعد أن كانت نارًا تتوقد، وشعلة تتوهج ... وما ندري في أي الحالين أجمل، وفي أي المنزلتين أنت أكمل: إذا فرقنانك أو إذا جمعناك، وإذا ذركرنا كلك، أو إذا تأملنا بعضك، فأما

стр. 186

كفك فهي التي لم تخلف إلا للتقبيل والتوقيع، وهي التي يحسن بحسنها كل ما اتصل بها، ويختال بها كل ما صار فيها، وكما أصبحنا وما ندري آلكأس في يدك أحسن، أم القلم، أم الرمح الذي تحمله، أم المخصرة، أم العنان الذي تمسكه، أم السوط الذي تعلقه؟ وكما أصحبنا وما ندري أي الأمور المتصلة برأسك أحسن، وأيها أجمل وأشكل، آللمة، أم خط اللحية، أم الإكليل، أم العصابة، أم التاج، أم العمامة، أم القناع، أم القلنسوة؟ فأما قدمك فهي التي يعلم الجاهل كما يعلم العامل، ويعلم البعيد الأقصى كما يعلم القريب الأدنى، أنها لم تخلق إلا لمنبر ثغر عظيم أو ركاب طرف كريم، وأما فوك فهو الذي لا ندري أي الذي تتفوه به أحسن، وأي الذي يبدو منه أجمل، آلحديث، أم الشعر، أم الاحتجاج، أم الأمر والنهي، أم التعليم والوصف؟.. وقد علمنا أن القمر هو الذي يضرب به الأمثال، ويشبه به أهل الجمال، وهو مع ذلك يبدو ضئيلًا نضوًا، ومعوجًا شختا١، وأنت أبدًا قمر بدر فخم غمر، ثم هو مع ذلك يحترق في السرار٢، ويتشاءم به في المحاق، ويكون نحسًا كما يكون سعدًا، ويكون نفعًا، كما يكون ضرًا ... وأنت دائم اليمن ظاهر السعادة، ثابت الكمال، شائع النفع، تكسو من أعراه، وتكن من أشحبه، وعلى أنه قد محق حسنه المحاق، وشأنه الكلف٣، وليس بذي توقد ولا اشتعال، ولا خالص البياض، ولا بمتلألئ، ويعلوه القيم، ويكسوه ظل الأرض، ثم لا يعتريه ذلك إلا عند كماله، وليلة فخره واحتفاله، وكثيرًا ما يعتريه الصغار من بخار البحار، وأنت ظاهر التمام، دائم الكمال، سليم الجوهر، كريم العنصر، ناري التوقد، هوائي الذهن، دري اللون، روحاني البدن، وعلى أن ضياءه مستعار من الشمس وضياءك عارية عند جميع الخلق ... فكم بين المعير والمستعير، والمتبين والمتحير، وبين العالم ومن لا حسن فيه، لا زالت الأرض بك مشرقة، والدنيا معمورة،

стр. 187

ومجالس الخير مأهولة ونسيم الهواء طيبًا، وتراب الأرض عبقًا". والحق أن الجاحظ بلغ من سخريته بابن عبد الوهاب ما لم يبلغه كاتب، ولا شتعر في اللغة العربية من سخريته بشخص من الأشخاص، والطريف أنه يصل إلى ذلك لا عن طريق السب، والشتم، والقذف، وإنما عن طريق ما يسوقه من تهكم وسخرية لاذعة بصاحبه، فإذا هو يحتكم معه إلى نظرية الأوساط اليونانية يستمد منها متناقضاته، كما يحتكم إلى قبحه، وما يضفيه عليه من هذا الحسن الحادث، ليستخرج كل ما يمكن من مفارقات فيه، وإنه يستعين على ذلك بضروب من الجدل والاحتجاج والحوار، كما يستعين عليه بضروب من السفسطة، والمغالظة، والمقابلة بين الحقائق بعضها وبعض، أو المقابلة بينه وبين أشياء أخرى على نحو ما يصنع به في هذه القطعة من المقابلة بينه، وبين القمر هذه المقابلة الساخرة الطريفة، التي يبعث فيها به ما شاء له هواه، وهو عبث يستخرجه من التناقض بين قبحه الحقيقي، وحسنه الذي ادعاه له، كما يستخرجه من قصره، وما ادعاه له من طول وتربيع، ومعنى ذلك أن الجاحظ بنى رسالته على فن المفارقة، هذا الفن الذي رشحت له نظرية الأوساط اليونانية عنده، وقد أخذ يضم إلى ذلك ضميمات أخرى من أسئلته الكثيرة، حتى تتم له سخريته من صاحبه، وغن هذه الأسئلة لتشغل الجزء الأكبر من رسالته، وانظر إليه يقول: "يا قعيد الفلك كيف أمسيت؟ ويا قوة الهيولا كيف أصبحت؟ حدثني كيف رأيت الطوفان، ومتى كان سيل العرم، ومذ كم مات عوج؟ ومتى تبلبلت الألسن؟ وما حبس غراب نوح؟ وكم لبثتم في السفينة؟ ومذ كم ظهرت الجبال ونضب الماء عن النجف؟ وأي هذه الأودية أقدم: أنهر بلخ أم النيل أم الفرات أم دجلة أم جيحان أم سيحان؟.. وخبرني عن هرمس أهو إدريس؟ وعن أرميا أهو الخضر؟ وعن يحيى بن زكريا أهو إيليا؟ وعن ذي القرنين أهو الإسكندر؟.. وخبرني عن قحطان ألعابر هو أم لإسماعيل؟ وعن قضاعة ألمعد بن عدنان أم لملك من حمير؟ وما القول في هاروت وماروت؟ وما عداوة بين الديك والغراب؟.. وخبرني عن بحار نيطس، وعن قبيس وعن الأصم وعن

стр. 188

المظلم وعن جبل الماس وعن قاف، وأين كنت عام الجحاف؟ وأين كان ملك الأزد من ملك الأشكان؟ وأين كانا من ملك بني ساسان؟ وأين كان أبرويز من أنوشروان؟ وخبرني عن الفراعنة أهم من نسل العمالقة؟ وعن العمالقة أهم من قوم عاد؟ ... وخبرني كيف كان أصل الماء في ابتدائه في أول ما أفرغ في إنائه، أكان بحرًا أجاجًا استحال عذبًا زلالا، أم كان زلالا عذبا استحال بحرًا؟ ... وكيف طمع -جعلت فداك- الدهري في مسألة البيضة والدجاجة مع تقادم ميلادك، ومرور الأشياء على بدنك وكيف كان بدء أمر البد في الهند، وعبادة الأصنام في الأمم؟ وخبرني عن عنقاء مغرب، وما أبوها وما أمها؟ وهل خلقت وحدها، أم من ذكر وأنثى؟ ولم جعلوها عقيما وجعلوها أنثى؟ ... وفيك أمران غريبان وشاهدان بديعان: جواز الكون والفساد عليك، وتعاور النقصان والزيادة إياك، جوهرك فلكي وتركيبك أرضي، ففيك طول البقاء، ومعك دليل الفناء، فأنت علة للمتضاد وسبب للمتنافي، جعلت فداك قد شاهدت الإنس مذ خلقوا، ورأيت لجن قبل أن يحتجوا ... وشهدت العلل وهي تولد، والأسباب وهي تصنع ... خبرني ما السحر، وما الطلسم؟ وما صداقة ما بين الخنفساء والعقرب؟ ولم ملح الحمض؟ ولم طوقت الحمامة؟ وما بدال السواد يصبغ، ولا ينصبغ والبياض ينصبغ، ولا يصبغ؟ وخبرني ما جرى بيك، وبين هرمس في طبيعة الفلك وعن سماعك من أفلاطون، وما دار في ذلك بينك وبين أرسطاطاليس.. وخبرني أني كان إقليدس من فيثاغورس؟ وأين تلامذته من تلامذته؟ ومن صاحب الشطرنج؟ ومن صاحب كليلة ودمنة؟ ولولا أنك -جعلت فداك- مسئول في كل زمان، والغاية في كل دهر لما أفردتك بهذا الكتاب، ولما أطمعت نفسي في الجواب، ولكنك قد كنت أذنت في مثلها لهرمس، ثم لأفلاطون ثم لأرسطاطاليس ثم أجبت معبدًا الجهني، وغيلان الدمشقي وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء وإبراهيم بن سيار "النظام"، وعلي بن خالد الأسواري، فتربية كفك والناشئ تحت جناحك أحق بذلك وأولى، وقد كان يجب أن تكون على ذلك أحرص وبه وأعنى.. وزعم بعض تلاميذك أنك تعلم لم كان الفرس لا طحال لها، ولم صار البعير لا مرارة له، ولم كانت السمكة لا رئة لها ... ولم قيل: أعق من ضب

стр. 189

وأبر من هرة، وهما جميعًا يأكلان أولادهما، ولم عال الذئب أولاد الضبع إذا قتلت أو ماتت؟ ولم نامت الأرنب مفتوحة العينين؟ ولم أكل الذئب صاحبه إذا رأى به دمًا؟.. ولم زعمت أن عمر نوح أطول الأعمار مع قولك: إن جميع الأنبياء قد حذرت من الدجال، وأن الدجال إنسان؟! ". ويحاول الجاحظ بهذه الأسئلة، وأمثالها أن يقمع مراء أحمد بن عبد الوهاب ويظهر جهله وتمويهه، وهو يخرجها هذا الإخراج الفكه الذي احتال عليه بمناقضاته، وخاصة بما كان من تربيع ابن عبد الوهاب وتدويره، وقبحه وجماله، وما من ريب في أنه بلغ من ذلك كل ما كان يريد من سخرية بصاحبه، ونحن لا نبعد إذا جعلنا الجاحظ إمام الهجائين في العصر العباسي، إذ استطاع أن يلعب لعبًا واسعًا بما كان من قصر مهجوه وضيق عقله، والطريف أنه أخرج ذلك كله مخرج الجدل والحوار، ومسح عليه بالسفسطة والمغالطة، وهذا اللسان الذي فتقته الفلسفة، وهذا البيان الذي شحذته الثقافة، وهو يعرض ذلك كله عرض محدث لبق، ما يزال يخرج من باب إلى باب ومن فكرة إلى فكرة، وهي طريقة عامة في كتابات الجاحظ بعد مرضه، إذ تبدو في شكل إملاءات ومحاضرات، وهي لذلك تتصف بالتكرار والترداد، والاستطراد كما تتصف بالسمات الأخرى، التي تميزه من تقطيع صوتي بديع، وتلوين عقلي طريف، وهو ينزلق إلى ذلك كله في الرسالة التي بين أيدينا -عن طريق فكرة الأوساط فإذا زاد الجسم طولًا، أو نقص قصرًا، أو اتسع عرضًا، أصابته مساوئ الإفراط والتفريط، واستطاع الجاحظ أن يمثل بصاحبه، وأن يشوهه ما استطاع من تمثيل وتشويه، ونراه يعرض ذلك كله في معارض بيانية ممتازة تجعلنا نؤمن بأنه تفوق في صنعته على جميع كتاب عصره، إذ كان يؤصلها على التلوين العقلي من طرف، والتلوين الصوتي من طرف آخر، فإذا أساليبه تنهض بهذه الثروة العقلية الباهرة، تلك الموسيقى الرصينة الرائعة، والحق أن الجاحظ استطاع أن يدمج إدماجًا حسنًا بين ثقافته، وأسلوبه، وأن يخرج من ذلك إلى هذه الصنعة الجاحظية البديعة التي تقوم على التجانس بين اللفظ الموسيقي الرشيق، والمعنى العقلي الدقيق، تجانسًا يمتع العقل والفكر، كما يمتع الحس والشعور.

стр. 190

الكتاب الثاني: مذهب التصنيع، مذهب التصنع الفصل الأول: التصنيع والدواوين ١- التصنيع في الحياة العربية: لا نكاد نمضي في العصر العباسي، حتى نحس أن الحياة العربية تغير إطارها تغيرًا تامًا، بل لقد تهدم إطارها القديم وحل محله إطار جديد من الزخرف والتصنيع، فقد أخذ الناس يعيشون معيشة حضارية مترفة، لا تتصل بالبادية ولا بالحياة العربية القديمة، إنما تتصل بالأناقة والترف والزينة، وقد كانت بغداد حاضرة الخلافة العباسية أهم مدينة في العالم العربي، تعبر عن هذه الحياة الجديدة، وما يتصل بها من زخرف، وتصنيع إذ "كانت تسمى بحق مدينة القصور المشيدة بالمرمر، وكانت العمائر فيها مؤلفة من عدة طبقات، وكان تأثير الذوق الفارسي ظاهرًا جليًا في زخرفها، وكانت تعلق على النوافذ، والأبواب ستور مزركشة وحوائر مشجرة، أما الغرف فكانت مزدانة بالدواوين النفيسة، والمناضد الثمينة، والزهريات الخزفية، والمرصعات والمذهبات، وكانت قصور الخليفة تتألق بالجواهر البراقة"١، وقد وصف بعض العباسيين دارًا للواثق، فقال: "إنها كانت ملبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب". ويقول: "إنه رآه يجلس على سرير مرصع بالجواهر، وعليه ثياب منسوخة بالذهب، وإلى جانبه فريدة تغنيه، وعليها مثل ثيابه"٢. ويرى عن الوزير أبي الحسن بن الفرات أنه أنفق على الدار التي كان ينزلها في وزارته الثانية ثلمثمائة دينار، وأنه أمر

стр. 191

بإصلاحها فبلغت النفقة خمسين ألف دينار١، ولعل مما يدل على ترف العباسيين من بعض الوجوه، ما يروى عن السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد من أن الثوب من الوشي الذي كان يتخذ لها، كانت تبلغ نفقته خمسين ألف دينار٢، ويتصل بذلك ما يروى أن من أم المقتدر كان يشترى لها ثياب دبيقية لتصنع منها نعالها، وكانت تطلى بالمسك، والعنبر، والمذاب وتجمد٣، فإذا كان المسك والعنبر يجمدان في نعالها، فما بالنا بثيابها، وطعامها، وما كان يتخذ فيها! والحق أن الحياة العباسية كانت تقوم على الترف والزينة، وما يتصل بهما من تصنيع وزخرف، وقد ساعد الناس على ذلك ارتفاع مستوى المعيشة، وما كانوا عليه من بذخ وثراء، وربما كان مما يصور هذا الجانب من بعض الوجوه ما يروى من أن بعض العباسيين ورث عن مولى لأبيه، وابن عم له ماتا في يوم واحد ما قيمته أربعون ألف دينار، ويقولون: إنه عمر دارًا بألف واشترى جواري وآلات وفرشًا، وثيابًا بسبعة آلاف، وأعطى لتاجر ألفين يتجر له فيهما، وأودع في بطن الأرض عشرة آلاف للشدائد، وابتاع بالباقي ضيعة تغل في كل سنة ما يزيد على مقدار نفقته٤، ومن يرجع إلى ما كتبه العباسيون عن عصرهم يجد صورًا مستفيضة، لترفهم، وحضارتهم، وتنميقهم، وإننا لنجد هذا التنميق في كل مكان، نجده في قصورهم، وحمامتاتهم إذ كانت تزين بالصور٥ كما نجده في مساجدهم، وحتى الأبواب كانوا يزخرفونها، يقول آدم متز: إن أبواب الدور كانت تصنع من الخشب المحلى بالنقوش، وكانت تعلق البسط على الحيطان تتنافس بألوانها، وزركشتها٦. ولعل من الطرف التي تعبر عن التصنيع في هذا العصر تعبيرًا دقيقًا، ما يروى عن المقتدر بالله وقصوره، وما كان فيها من بذخ إذ يقولون: إنه كان بقصره شجرة من الفضة زنتها خمسمائة

стр. 192

ألف درهم، وكانت تقم وسط بركة مدورة صافية المياه، وكان لها ثمانية عشر غصنًا، على كل غصن الطيور، والعصافير من كل نوع مذهبة ومفضضة، وكان بها ورق مختلف الألوان، وكانت تتميل في أوقات لها، فيتحرك هذا الورق وتصفر الطيور وتهدر، ويبالغ المؤرخون فيما كان بقصور المقتدر من ستور الديباج المذهبة بالطرز الجليلة المصورة بالجامات، والفيلة والخيل، والجمال والسباع، ويقال: إنه كان بأحد قصوره بركة رصاص حولها بستان بميادين فيه نخل، قيل: إن عدده إربعمائة نخلة، وطول كل واحدة خمسة أذرع، قد لبس جميعها ساجًا منقوشًا من أصلها إلى حد الطلع بحلق من شبه مذهبة١. ووقف ابن خلدون في مقدمته عند ترف العباسيين، وأكبر من شأنه مستدلا بما كان من إعراس المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل، وما نثره أبوها من بنادق المسك، وفيها الرقاع بأسماء الضياع، والجواري التي وزعها على المدعوين، ونثر أيضًا كثيرًا من الدنانير، والدراهم ونوافج المسك، ثم يقول: إن المأمون أعطى بوران مهرًا لها ليلة زفافها: ألف حصاة من الياقوت، وبسط لها فرشا كان الحصير منها منسوجا بالذهب، مكللا بالدر والياقوت، ويفيض ابن خلدون فيما اتخذ بهذا العرس من أطعمة٢، وإن في كتاب البخلاء للجاحظ ما يدل على مدى ترف العباسيين في أطعمتهم، وأوانيهم، وتأنقهم في ذلك، وكما تأنقوا في طعامهم تأنقوا في ثيابهم، وملابسهم، فكانوا يلبسون الثياب المصبغة، وخاصة في شرابهم٣، وما من ريب في أن ما انتشر في هذا العصر من غناء وشراب، ولهو كان له أثره في هذا الذوق المترف الذي يميل إلى أن يسري التصنيع، والزخرف في جيمع جوانب الحياة من عمارة، أو أطعمة أو فرش، وطبيعي أن يسري هذا الذوق من حياة العباسيين الاجتماعية إلى حياتهم الأدبية؛ لأنه تعبير عصرهم الذي عاشوا فيه، وإن الإنسان ليخل له كأن الناس فرغوا للتنميق والتصنيع، فهم يصنعون وينمقون في دورهم، وفي ملابسهم وفي طعامهم، وفي كل ما يتصل بهم.

стр. 193

٢- التصنيع ودواوين الخلافة العباسية: ونحن لا نمضي في تتبع أصحاب الدواوين في الخلافة العباسية، حتى نجدهم منصرفين إلى العناية بكتابتهم، إذ كانت هذه العناية هي التي توفر لهم أسباب النجاح في حياتهم، ونحن نعرف ما كان من مشاركة البرامكة في الأدب، والعلم ومعرفتهم بالبيان والبلاغة، وسنرى أنه كان لهم الأثر الأول في الاتجاه إلى التصنيع في الكتابة، كان الفضل بن سهل يسمى ذا الرياستين لجمعه بين رياسة السيف، ورياسة القلم، وقد روى الرواة أن عمرو بن مسعدة وقع على رقعة رفعت إلى جعفر بن يحيى البرمكي، فأعجب بها جعفر، وضرب بيده على ظهره، وقال له: أي وزير في جلدك١، وقد وصل محمد بن عبد الملك الزيات إلى الوزارة عن طريق أدبه، وبيانه وما يحققه فيه من تنميق، وتصنيع. ويظهر أن جماعة كتاب الدواوين، كانت تأخذ نسها بثقافة واسعة، وقد رأينا في غير هذا الموضع كيف كان عبد الحميد الكاتب ينصح الكتاب بمعرفة كتاب الله، والفرائض، والثقافة العربية من الشعر وأيام العرب، وكذلك الثقافة الفارسية، وما يتصل بتاريخ الفرس، ويظهر أن هذا كله لم يكن يكتفي به كتاب الدواوين في العصر العباسي، إذ كانوا يأخذون أنفسهم بثقافة فلسفية واسعة، كما كانوا يأخذون أنفسهم بالثقافة الفارسية والهندية، ومن أجل ذلك نعى عليهم ابن قتيبة أنهم يمهلون النظر في اللغة بينما يشغفون "بالنظر في النجوم والمنطق والفسلفة"، والحديث عن "الكون والفساد، وسمع الكيان والكيفية والكمية

стр. 194

والجوهر والعرض، ورأس الخط النقطة لا تنقسم١"، إلى غير ذلك مما كانوا يتشدقون به مما عرفوه من الفلسفة، والثقافات الأجنبية. وهذا كله يدل على أن كتاب الدواوين كانوا يوسعون ثقافتهم ما استطاعوا، وغنوا خاصة بالثقافة الفلسفية، حتى يعمقوا أفكارهم، ويرتبوا معنيهم ترتيبًا دقيقًا، وهم كما عنوا بمعانيهم عنوا أيضًا بألفاظهم عناية قد تفوق عنايتهم بمعانيهم، حتى ليقول الجاحظ: "أما أنا فلم أر قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب، فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرًا وحشيًا، ولا ساقطًا سوقيا"٢. ويقول أيضًا: إن الكتاب لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة وعلى المخارج السهلة، والديباجة الكريمة وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق: وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها، وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني٣. وما من ريب في أن هذه شهادة قيمة من الجاحظ لطائفة الكتاب، وما كانوا يوفرون لألفاظهم من عناية، وإنها لعناية تستمر بهم، فإذا هم ينقلون حرفة الكتابة من أسلوبها القديم: أسلوب الصنعة إلى أسلوب جدي من التصنيع، وبعبارة أخرى من السجع البديع، وبدأت هذه العناية واضحة منذ عصر البرامكة، الذين روت كتب التاريخ عنهم ترفًا واسعًا، وكأن هذا الترف دفعهم هم والكتاب من حولهم إلى التأنق في حياتهم الاجتماعية، والتأنق أيضا في حياتهم الأدبية، وخير من يصور ذلك جعفر بين يحيى البرمكي صاحب الدواوين في عهد الرشيد، فقد أشاد السابقون ببلاغته، يقول الجهشياري: "كان جعفر بليغًا كاتبًا، وكان إذا وقع نسخت توقيعاته، وتدورست بلاغاته"٤. ويقول ابن خلدون عنه: "وإن الناس كانوا يتنافسون في الحصول على توقيعاته

стр. 195

ليقفوا منها على أساليب البلاغة، وفنونها حتى قيل: إنها كانت تباع كل توقيع بدينار"١، ووصفه ثمامة بن أشرس فقال: "كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدوء والتمهل، والجزالة والحلاوة، وإفهامًا يغنيه عن الإعادة، ولو كان في الأرض ناطق يستغنى بمنطقه عن الإشارة لاستغنى جعفر عن الإشارة، كما استغنى عن الإعادة"٢، وفيه تقول عنان جارية الناطقي٣: بديهته وفكرته سواء ... إذا التبست على الناس الأمور وقد كان جعفر يبالغ في تنميق عباراته، وهو تنميق كان يستمده من حياته التي بنيت بناء من التنميق، والتصنيع والزينة، حتى قالوا: إنه كان يتخذ في عصره مثلًا للتصنيع، والزخرف في ثيابه٤، فكان طبيعيًا أن يسقط ذلك إلى أدبه وبيانه. ولعل أهم ما يلاحظ من ذلك أنه كان يلتزم السجع في كتبه وتوقيعاته، روى ابن خلكان أنه وقع إلى بعض عماله: "قد كثر شاكوك وقل شاكروك، فإما اعتدلت، وإما اعتزلت"٥. وأكبر الظن أن جعفرًا كان يبني عباراته على السجع، وهذا أول مظهر من مظاهر مذهب التصنيع، ويبدو أن هذا الاتجاه في صناعة النثر لم يقتصر حينئذ على جعفر البرمكي، ودواوينه بل أخذ ينتشر وخاصة عند طلاب الحاجات الذين يرفعون ظلاماتهم، أويقدمون توسلاتهم، فقد روى الجاحظ أن ابن سيابة الشاعر كتب إلى يحيى بن خالد البرمكي برسالة بليغة كان عامة أهل بغداد يحفظونها، وهي رسالة بنيت كلها على السجع٦، ومر بنا في الفصل الثاني من الكتاب الأول أن كثيرًا من الوعاظ كانوا يستخدمون السجع في أواخر عصر بني أمية، وقد استمر ذلك في العصر العباسي الأول، وفي عيون الأخبار لابن قتيبة نماذج من ذلك في مقاماتهم بين أيدي الخلفاء٧.

стр. 196

وإذا فنحن لا نبعد إذا قلنا: إن عنصر السجع، وهو العنصر الأول في مذهب التصنيع أخذ يظهر منذ القرن الثاني الهجري، وإذا تركنا هذا القرن إلى القرن الثالث، وجدنا هذا العنصر يظهر في الرسائل السياسية، وعند كتابها، ولعل أقدم نموذج يصور ذلك وصية١ طاهر بن الحسين مؤسس الدولة الطاهرية، المتوفى سنة ٢٠٧ للهجرة لابنه عبد الله، عندما عين واليًا على ديار ربيعة في سنة ٢٠٦هـ. ويستمر السجع عند الكتاب، وعلى رأسهم عمرو بن مسعدة الصولي، الذي كان يلي شئون الدواوين لعهد المأمون، وكان جده صول من ملوك جرجان، وهو ترك٢، وقد نشأ عمرو في دواوين البرامكة، وتربى على أساليبهم، ولذلك لم يكن غريبًا أن نجده يحتذي أحيانًا على أمثلتهم من السجع، والتنميق في عباراته، ولعله من أجل ذاك كان المأمون يعجب برسالاته٣، وانظر إليه يكتب إلى الحسن بن سهل٤: "أما بعد فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسس بنى، ليستتم تشييد أسه، ويجتني ثمار غرسه، وبناؤك عندي قد شارف الدروس، وغرسك مشف على اليبوس، فتدارك بناء ما أسست، وسقى ما غرست إن شاء الله". وهذه الرسالة القصيرة تدلنا على ضميمة أخرى، أخذت تضم إلى سجع أصحاب الدواوين في القرن الثالث، ونقصد ما يتشح به سجعهم من صور بيانيه، وضميمة ثانية تلاحظ عند عمرو، وهي سعة الحيلة في كتاباته مع الإيجاز الشديد، روى الرواة أن المأمون أمره أن يكتب لشخص كتابًا إلى بعض العمال بالوصيلة عليه، والاعتناء بأمره في سطر واحد، فكتب إليه٥: "كتابي إليك كتاب واثق، بمن كتب إليه، معني بمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة، والعناية حامله، والسلام": وما من ريب في أن هذا الكتاب -على قصره- يصور المهارة العقلية

стр. 197

التي كان يحتاجها كاتب الديوان في العصر العباسي، فهو يحتال في كتاباته، وهل في هذا الخطاب سوى الاحتيال بصورة طريفة عن الفكرة، التي يريد الكاتب أن يؤديها؟ اتسع هذا الاحتيال، واتسع ما يطوى معه من عناية باللفظ، كلما تقدمنا مع الزمن في العصر العباسي، وممن اشتهر في هذا الجانب كاتب آخر من الصوليين كان يكتب للمتوكل، وهو إبراهيم بن العباس الصولي، وكان يشبه عمرو بن مسعدة في دقة التعبير، وحبكته وما يطوى في ذلك أحيانًا من سجع، وانظر إليه يكتب لابن الزيات مستعطفًا١: "كتبت وقد بلغت المدية المحز، وعدت الأيام على بعد عداوي بك عليها، وكان أسوأ الظن، وأكثر خوفي أن تسكن في وقت حركتها، وتكف عن أذاتها، فصرت أضر علي منها، كيف الصديق عن نصرتي خوفًا منك، وبادر إلي العدو تقربًا إليك". وأنت ترى عند إبراهيم عمق التفكير، وطرافته كما ترى تأنقه في لفظه، ويظهر أن ذلك كان سمة عامة بين الكتاب فهم جميعًا يبالغون في العناية بألفاظهم، ولكن ينبغي ألا يفهم من ذلك أنهم كانوا يعمدون إلى السجع دائمًا، إنما هذه رسائل أخترناها لهؤلاء الكتاب، ولهم رسائل أخرى لا سجع فيها، ومعنى ذلك أن الكتاب حتى منتصف القرن الثالث، كانوا يسجعون أحيانًا، وأحيانًا لا يسجعون، وقد استمر ذلك شأنهم حتى أواخر هذا القرن، ومن أبرعهم في هذا الجانب، أبو العباس بن ثوابة المتوفى عام ٢٧٧ للهجرة، وهو من أصل نصراني٢، وكان يسجع أيضًا في بعض رسائله٣، وكان له أخ يسمى جعفر بن محمد بن ثوابه تولى ديوان الرسائل في عهد الوزير، عبيد الله بن سليمان، وتوفي عام ٢٨٤هـ، وقد بقي أبناؤه يتوارثون من بعده ديوان الرسائل في بغداد حتى تسمله منهم أبو إسحاق الصابي عام ٣٤٩ ٤، ومما لا شك فيه أن هذه الأسرة لعبت دورًا مهمًا في استخدام السجع والتزامه.

стр. 198

وقد يكون من الطريف أن نلاحظ أن أهم الكتاب، الذين نموا السجع في القرنين الثاني والثالث كانوا من الأجانب، وعلى رأسهم أسرة البرامكة الفارسية، وأسرة الصوليين التركية، وأكبر الظن أن الجنس لم يكن له دخل في المسألة، فنحن نعرف كما مر بنا في القسم الأول من هذا الكتاب أن السجع قديم في اللغة العربية، وغاية ما هنالك أنه اختفى أول الأمر في الكتابة الديوانية، ثم أخذ يظهر فيها من حين إلى حين منذ القرن الثاني، على أننا لا نصل إلى أواخر القرن الثالث، حتى نجد دوافع كثيرة تدفع بعض الناس إلى التزامه في كتاباتهم، وكأنما حياتهم المليئة بالزخرف، والتصنيع هي التي دفعتهم إلى ذلك دفعًا، وممن كان يلتزم ذلك أبو العيناء المتوفى عام ٢٨٢هـ، فقد كتب له أبو علي البصير رسالة جاء في آخرها: "وقد نفذت لي إليك رسالة العتاب، على مخرج ألفاظ الكتاب، وقد ملت إلى السجع على علمي بخساسة حظه، وركاكة معانيه ولفظه، إذ كنت تلوي به لسانك، وتثني إليه عنانك، قطعًا لحجتك، وإزاحة لعلتك"١، وبين أنه ينص على أن أبا العيناء، يلتزم السجع في رسائله كما ينص على أن السجع خسيس الحظ، ركيك اللفظ، وقد يكون في ذلك ما يدل على أنه لما يشع وينتشر. على أننا لا نصل إلى عصر المقتدر "٢٩٥-٣٢٠هـ"، حتى نجد السجع يصبح عامًا في كل ما يصدر عن دواوينه، فليس هناك وزير، ولا كاتب إلا وهو يتخذ السجع في صياغته، وارجع إلى كتاب تاريخ الوزراء للهلال بن المحسن؛ وهو الكتاب الذي يؤرخ هذه الحقبة من خلافة المقتدر، فستجد كل ما يصدر عن هذا العهد يصدر مسجعًا، سواء في ذلك ما يصدر عن كاتب الرسائل من آل ثوابة، وما يصدر عن الوزراء أمثال ابن الفرات، وهو أول وزراء المقتدر، ثم علي بن عيسى الذي كان يتداول معه الوزارة لهذا العهد، وقد روى له الهلال طائفة كبيرة من الكتب، والرسائل، وكلها مسجوعة٢؛

стр. 199

وكذلك كان شأن الوزير الثالث في هذا العهد، وهو الخاقاني فقد كان صبا بالسجع مغرما به، وله في ذلك نوادر كثيرة، ومنها أن عام النيل تأخر في حمل غلة إليه، فكتب له: "احتمل الغلة، وأزح العلة، ولا تجلس متودعا في الكلة"، ثم التفت إلى الكاتب، وقل له: أفي النيل بق يحتاج إلى كلل؟ فقال: إي والله وأي بق من أجله يلزم الناس الكلل نهارًا وليلًا١، ووقع في كتاب إلى بعض عماله: "الزم -وفقك الله- المنهاج، واحذر عواقب الاعوجاج، واحتمل ما أمكن من الدجاج إن شاء الله"، فحمل العامل دجاجًا كثيرًا على سبيل الهدية، فقال: هذا دجاج وفرته بركة السجع٢، وكما كان يسجع الوزراء لعهد المقتدر كان يسجع الكتاب في دواوينه، وعلى رأسهم محمد بن جعفر بن ثوابة، وقد احتفظ له ياقوت بمنشور وجهه عن الخليفة إلى العمال في الأقاليم المختلفة، وهو مسجوع كله٣، ويظهر أن الولاة أخذوا يقلدون هؤلاء الكتاب والوزراء، وما كان من سجعهم، فقد روى الهلال أن أبا الحسن بن نيداد -وكان يتقلد كور الأهواز- كتب إلى علي بن عيسى كتابا سجع فيه سجعا زاد فيه فكتب إليه: "عولت بنا على كلام ألفته، وخطاب سجعته، أوجب صرفك عما توليته"٤، وفي هذا كله أكبر الدلالة على أن السجع عم في الكتابة الديوانية منذ عصر المقتدر، وربما كان من الأدلة على ذلك أننا نجد الخليفة القاهر، الذي ولي الخلافة بعد المقتدر يطلب إلى بعض من يقفون على أخبار بني العباس أن يصفهم، ثم يقول له: "ولا تغيب عني شيئًَا، ولا تحسن القصة، ولا تسجع فيها"٥. وكأن الخليفة مل كثرة ما يقرأ من السجع الخالص، فهو يطلب كتابًا لا سجع فيه ونرى من كل ما سبق أن السجع -وهو أحد الجوانب المهمة في التصنيع، وزخرف الأساليب- أخذ يظهر من حين منذ القرن الثاني، وما يزال ينمو ويتسع استخدامه في القرن الثالث، حتى إذا وصلنا إلى عصر المقتدر أصبح عامًا بين كل الكتاب في ديوانه الخلافة، فليس هناك شيء يكتب إلا ويصاغ في أسلوب السجع، وبذلك يتكامل أحد الجانبين الأسايين في مذهب التصنيع وهما: السجع والبديع، وسنرى -عما قليل- الكتاب له جميعًا الجانب الثاني: جانب البديع والترصيع.

стр. 200

٣- التصنيع ودواوين الإمارات الفارسية: إذا تركنا عصر المقتدر طلع علينا عصر جديد هو عصر الإمارات، التي تقسمت فيما بينهما إيران وخراسان، ونقصد إمارة السامانيين، الذين امتد نفوذهم في خراسان، وما روءا النهر من سنة ٢٦١هـ إلى سنة ٣٨٩هـ، ثم إمارة البويهيين الذين بسطوا نفوذهم على الولايات الجنوبية الغربية من إيران، كما بسطوه على العراق، وبغداد نفسها إذ كانت الخليفة ألعوبة في أيديهم، وقد استمر سلطانهم من سنة ٣٢١هـ إ لى سنة ٤٤٧هـ. وبجانب هاتين الإمارتين الكبيرتين كانت توجد إمارتان صغيرتان: إحداهما في خوارزم، والثانية في طبرستان، وجرجان حيث أسرة الزياريين، ثم تظهر الدولة الغزنوية في أواخر القرن الرابع، فتستولي على ما كان بيد السامانيين، والغزنويون يرجعون إلى أصل تركي بينما يرجع السامانيون، والبويهيون والزياريون إلى أصول فارسية، وأسس الغزنويون لهم أول الأمر إمارة في أفغانستان، ثم توسعوا فاستولوا على إمارة السامانيين. وقد هيأت هذه الإمارات، والدول المختلفة لحركة أدبية وعقلية واسعة، بحيث يمكن أن يعد هذا العصر -على الرغم مما كان فيه من انقسام الدولة العباسية على هذا النحو- أحفل العصور العربية بالنشاط الأدبي، والعلمي، والفلسفي. ويكفي أنه ظهر في هذا العصر أشهر فلاسفة الإسلام، وعلمائه من مثل ابن

стр. 201

سينا الذي خدم في بلاط السامانيين، والبيروني الذي خدم أولًا في بلاط ملوك خوارزم، ثم خدم في بلاط ملوك الدولة الغزنوية. على أن الجانب العقلي لا يهمنا، إنما يهمنا الجانتب الأدبي، وما لقي الأدب حينئذ من تشجيع ورواج، والغريب أن الحياة الأدبية ازدهرت في هذا العصر ازدهارًا لم تعرف في أي عصر سابق، إذ كان كل حاكم في إمارة من هذه الإمارات السابقة، يختار في حاشيته جماعة من الأدباء الممتازين لينافس بهم حكام الإمارات، والدول الأخرى، وبذلك ظهر في كل مركز من مراكز هذه الإمارات حركة أدبية، أو قل سوقًا أدبية، وساعد على ذلك أن هؤلاء الحكام استوزروا كبار الأدباء في أقاليمهم، ومن ثَمَّ أصبحنا نسمع في كل إمارة باسم أديب بل باسم أدباء ممتازين يلون شئونها، ويشرفون على مرافقها، فعند السامانيين نجد العميد والد ابن العميد الكاتب المشهور، كما نجد الإسكافي الكاتب المعروف، ونجد أيضا أسرة بني ميكال النيسابورية، وقد ولي كثير منها دواوين السامانيين، وعند البويهيين نجد ابن العميد كما نجد الصاحب بن عباد، وهما أهم كتاب العصر، وفي الدولة الزيارية نجد أميرًا من أمرائها يشتهر بالكتابة، وهو قابوس بن وشمكير، ولم يقف هذا الامتياز للأدباء، وصلتهم بالحكام عند أصحاب الإمارات الكبيرة، فقد كان بعض حكام البلدان الصغيرة يتخذون كتابًا مشهورين، مثل البستي كاتب أمير مدينة بست في أفغاسنتان، ثم كاتب الدولة الغرنوية، وإن الإنسان ليخل إليه أم كل حاكم في مدينة، أو مقاطعة بإيران لم يعد يشغله إلا أن يجمع حوله بطانة من الكتاب تعيش في بلاطه، ويكفي للدلالة على اعتداد الحكام بالكتاب أن نجدهم في بغداد يستخدمون على ديوان الرسائل كاتبًا صابئًا ليس من المسلمين، هو أبو إسحاق الصابي لما عرف من بلاغته، ومهارته البيانية، وما يدل على ما كان للكتابة الجيدة في هذا العصر من شأن حتى في السياسة نفسها، ما رواه صاحب اليتيمة من أن ابن العميد "كتب رسالة إلى ابن بلكا عند استعصائه على ركن الدولة وخروجه عليه، فلما قرأه ابن بلكا رجع وأناب، وقال: لقد ناب كتاب

стр. 202

ابن العميد عن الكتاب في عرك أديمي واستطلاحي، وردي إلى طاعة صاحبه"١. وهذه القصة تدل على قيمة الكتب المحبرة في القرن الرابع، وأنها كانت تقوم مقام الجيوش في الظفر بالأعداء، ولذلك اهتم كل أمير بوزرائه وكتابه، واهتم الوزراء والكتاب أنفسهم بصناعة كتبهم وتحبيرها، وإدخال كل ما يمكن من ضروب التصنيع، والتجميل عليها، وقد كانت حياتهم تؤهل لذلك، إذ كانت تقوم على التصنيع والتنميق، يقول بعض الشعراء في هجاء كتاب الدولة السامانية٢: أكتاب ديوان الرسائل ما لكم ... تجملتم بل متم بالتجمل وكذلك كان كتاب الدول البويهية يتأنقون ويتصنعون في حياتهم، وكان الصاحب بن عباد خاصة يعجب بالخز، ويأمر بالاستكثار منه على خدمه وغلمانه، فكانوا يبدون في الخزوز الفاخرة الملونة٣، وغير كتاب السامانيين والبويهيين كانوا يتأنقون تأنقهم، ولا غرابة فهم يعيشون في قصور هؤلاء الحكام، والأمراء معيشة مترفة تقوم على التصنيع والتنميق، ولذلك كان طبيعيًا أن يسقط هذا الجانب الذي يتصل بحياتهم إلى أدبهم وفنهم، بحيث أصبح التصنيع أساسيًا في كل ما تنتجه هذه القصور، ومن يعيشون فيها من هؤلاء الكتاب والأدباء. ومهما يكن، فإن الإمارات الفارسية هيأت لنهضة أدبية واسعة، وقد اقترنت هذه النهضة بمذهب التصنيع، ولعل من الطريف أن نذكر هنا أن كل إمارة من هذه الإمارات، اشتهرت بمراكز مختلفة للنهضة الأدبية، ففي الإمارة السامانية نجد نيسابور التي أخرجت الثعالبي، كما نجد بخارى العاصمة التي "كانت مثابة المجد، وكعبة الملك، ومجمع أفراد الزمان ومطلع نجوم أدباء الأرض، وموسم فضلاء العصر"٤. وفي الإمارة البويهية نجد همذان التي أخرجت بديع الزمان،

стр. 203

وأصبهان التي أخرجت الصاحب بن عباد، والتي يقول فيها صاحب اليتيمة: "لم تزل أصبهان مخصوصة من بين البلدان بإخرادج فضلاء الأدباء، وفحولة الكتاب والشعراء"١، كما نجد الري دار عضد الدولة البويهي، ومستقر ابن العميد. وأخرجت خوارزم لهذا العصر أبا بكر الخورزمي الكاتب المشهور، كما أخرجت طبرستان قابوس بن وشمكير، ولعل من الطريف أن الثعالبي في اليتيمة لم يبن كلامه على أدباء هذه العصر حسب الإمارات، بل بناه حسب المدن والبلدان، على أن هذا لا يجعلنا ننسى ما كان من تشجيع الأمراء، والحكام للحركات الأدبية في هذه المراكز، وخاصة بني بويه، إذ كان كثير منهم أدباء، وقد فتح لهم الثعالبي في يتيمته فصولًا لاستعراض هذا الجانب فيهم٢. والحق أن أمراء الدول الإيرانية عامة شجعوا -بكل وسيلة تمكنهم- الأدباء والكتاب، ومن الظواهر المهمة التي اقترنت بهاذا العصر أننا نجد الأدباء ينتقلون من بلاط إلى بلاط يرفعون كتبهم، ومؤلفاتهم إلى الملوك والأمراء، على نحو ما لاحظ براون في كتابه "تاريخ الفرس الأدبي"، إذ ذكر في الثعالبي ألف كتاب "لطائف المعارف" للصاحب بن عباد "والمبهج" و"التمثل والمحاضرة" لشمس المعالي قابوس بن وشمكير، و"سحر البلاغة" و"فقه اللغة" للأمير أبي الفضل الميكالي، و"النهاية في الكناية" و"نثر النظم" و"اللطائف والظرائف" لمأمون بن مأمون أمير خوارزم٣. وهؤلاء الأمراء والملوك لم يكرموا فقط من كانوا يرحلون إليهم، بل كانوا يكرمون أيضًا أبناء أقاليمهم من فقهاء، وشعراء وأدباء، ولغويين وفلاسفة، ولذلك كنت تجد حول قصر طائفة من الشعراء والأدباء والعلماء، ولعل مما يدل على مدى حرص هؤلاء الأمراء على العلماء، والأدباء ما رواه براون عن السلطان محمود الغزنوي، من أنه علم أن في بلاط ملك خوارزم طائفة من العلماء، والفلاسفة مثل ابن سينا، والبيروني وأبي سهل المسيحي، وأبي الخير الحسن بن الخمار وأبي نصر بن العراق، فكتب إليه أن يبعثهم حتى يشرفوا بحضرته، ويفيد هو من ثقافتهم ومهارتهم،

стр. 204

وقد لبى الدعوة البيروني والخمار والعراق، ورفضها ابن سينا وأبو سهل المسيحي. وغير محمود الغزنوي من ملوك السامانيين الذين سبقوا دولته، وملوك البويهيين والزياريين، والخوارزميين كانوا يعنون هذه العناية بحشد العلماء والأدباء في بلاطهم وحو قصورهم، وكان ذلك كله مبعث نهضة أدبية لا نغلو إذا قلنا: إنها -من وجهة الكتابة والصناعة الديوانية- تعلو على كل نهضة سبقتها في هذا الجانب، وتتفوق على كل حركة تقدمتها، إذ أترف الذوق الكتابي لهذا العصر بسبب ترف الملوك، والأمراء الذين كانوا يقومون عليه، وأصبحنا نجد أساس البلاغة أن تكون حلية وزينة، فهي تستخدم استخدامًا زخرفيًا، تستخدم كأجاة من أدوات الترف والزينة، وكل أمير يفخر بما حصل عليه من هذه الأدوات والطرف الزخرفية، وبذلك يصل مذهب التصنيع إلى الغاية التي كان يرنو إليها منذ القرن الثاني، وهي غاية كلها زخرف وتصنيع، وسنقف قليلًا عند أهم كاتب أثر في هذا الجانب، وهو ابن العميد كاتب البويهيين، فهو يعتر أستاذ المذهب الذي خطا به نحو هذه الغاية من التجميل والزينة، وعلى مثاله كان يحتذي الكتاب في عصره، وبعد عصره.

стр. 205

٤- ابن العميد: حياته وثقافته هو، أبو الفضل محمد بن الحسين، وهو فارسي من مدينة قم١، وهي مدينة شيعية، ولذلك لا نعجب إذا رأيناه شيعيًا على مذهب الإمامية، وقد نشأ في بيت أدب وكتابة، إذ كان أبوه كاتبًا لما كان بين كاكي، ولما قتله السامانيون في بعض مواقعهم معه، أخذوا كاتبه أبا عبد الله الحسين بن محمد، المعروف بكلة، والد صاحب الترجمة أسيرًا معهم، ثم أفرجوا عنه وأكرموه، ورتبوه في الدار

стр. 206

السلطانية، وسرعان ما تقلد ديوان الرسائل للملك نوح بن نصر، ولقب الشيخ كالعادة فيمن يلي ذلك الديوان كما لقب بالعميد، ويقول أبو إسحاق الصابي في كتابه التاجي: إن رسائل العميد لا تقصر في البلاغة عن رسائل ابنه أبي الفضل ابن العميد١، ويظهر أن العميد لم يأخذ ابنه معه إلى بلاط السامانيين، بل تركه في رحال البوهيين، ويقول صاحب اليتيمة: "ولم يزل أبو الفضل في حياة أبيه، وبعد وفاته بالري وكور الحبل، وفارس يتدرج إلى المعالي، ويزداد على الأيام فضلًا، وبراعة حتى بلغ ما بلغ، واستقر في الذروة العليا من وزارة ركن الدولة ورياسة الجبل"٢، وكان تقلده هذه الوزارة عام ٣٢٨ هـ، وظل يتلقدها إلى وفاته عام ٣٦٠هـ. ولسنا نعرف شيئًا ذا قيمة عن أساتذة ابن العميد سوى ما عرفناه عن أبيه، ثم ما ذكره صاحب الفهرست، عن أستاذ له يسمى محمد بن علي بن سعيد المعروف باسم سمكة٣، وقد سماه صاحب اليتيمة ابن سمكة٤، ويقول صاحب الفهرست: إن له كتابًا في أخبار العباسيين٥، على كل حال ليس بين أيدينا ما يدل دلالة واضحة على المنابع الثقافية، التي نهل منها ابن العميد، غير أننا لا نتابعه في آثاره، وفي حياته أثناء وزارته حتى نجده يلم بجميع ضروب الثقافة لعصره، ولعله من أجل ذلك سمي باسم الجاحظ الثاني٦، وألمع مسكويه قيم دار كتبه في كتابه "تجارب الأمم" إلى ثقافته فقال: إنه "أكتب أهل عصره وأجمعهم لآلات الكتابة حفظا للغة والغريب، وتوسعا في النحو والعروض، واهتداء إلى الاشتقاق والاستعارت، وحفظًا للدواوين من شعراء الجاهلية والإسلام، فأما القرآن وحفظ مشكله ومتشابهه، والمعرفة باختلاف فقهاء الأمصار، فكان منه في أرفع درجة وأعلى رتبة"، ويقول

стр. 207

مسكويه: "أما المنطق وعلوم الفسلفة والإلهيات منها خاصة، فما جسر أحد في زمانه أن يدعيها بحضرته إلا أن يكون مستفيدًا، أو قاصدًا قصد التعلم". ويروي مسكويه أن أبا الحسن العماري الفيلسوف الينسابوري قصد إليه، وقرأ عليه عدة كتب مستغلقة من كتب الفسلفة، وليس هذا كل ما ذكره مسكويه عن ثقافة ابن العميد، بل إنه يقول أيضًا: "كان ابن العميد يختص بغرائب من العلوم الغامضة، التي لا يدعها أحد كعلوم الحيل "الميكانيكا"، التي يحتاج فيها أواخر علوم الهندسة والطبيعة، والحركات الغريبة، وجر الثقيل، ومعرفة مركز الأثقال، وإخراج كثير مما امتنع على القدماء من القوة إلى الفعل"١. وأكبر الظن أن هذا الاتساع في الثقافة الفلسفية، وما يتصل بها من علوم الطبيعة والهندسة، والحيل هي التي جعلت الرازي يتقدم إليه بتفسيره للمقالة العاشرة في أصول الهندسة من كتاب إقليدس بعد أن نسقها وجودها٢، وأكبر الشعراء في ابن العميد هذا الجانب، كما أكبروا فيه بلاغته وفصاحته، وقد عبر عن ذلك المتنبي تعبيرًا بديعًا في قصيدته الرائية، والدالية، ومن قوله الأولى: من مبلغ الأعراب أني بعدهم ... شاهدت رسطاليس والإسكندرا وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكًا مبتديًا، متحضرا ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا ويقول في الثانية: عربي لسانه، فلسفي رأيه، فارسية أعياده ... خلق الله أفصح الناس طرا في بلاد أعرابه أكراده وهذا كله يؤكد أن ابن العميد أتاح لنفسه ثقافة واسعة، وكما عمل علي تثقيف نفسه عمل أيضًا كل ما يستطيع في خدمة ركن الدولة، ثم ابنه عضد الدولة، كان يقود الجيوش بنفسه، واستطاع بمقدرته أن ينشر نفوذ عضد الدولة على بغداد والعراق، وقد خرج في أواخر حياته على رأس جيش لقتال الزعيم الكردي حسنويه، ولكنه توفي في الطريق في صفر عام ٣٦٠هـ٣، وقد نيف عمره على ستين سنة"٤.

стр. 208

٥- تصنيع ابن العميد: وهذا الوزير المثقف ثقافة واسعة يعد أستاذ عصره في فن التصنيع، وقد أقر له ببراعته وفصاحته، وامتيازه في كتابته كل من تصدوا لترجمته، يقول صاحب اليتيمة: "هو عين المشرق ولسان الجبل، وعماد ملك آل بويه، وصدر وزرائهم، وأوحد العصر في الكتابة، وجميع أدوات الرياسة، وآلات الوزارة، والضرب في الآداب بالسهام الفائزة، والأخذ من العلوم بالأطراف القوية، يدعى الجاحظ الأخير، والأستاذ والرئيس، ويضرب به المثل في البلاغة، وينتهى إليه في الإشارة بالفصاحة والبراعة، مع حسن الترسل، وجزالة الألفاظ وسلاستها، إلى براعة المعاني ونفاستها، وما أحسن وأصدق ما قال له الصاحب، وقد سأله عن بغداد عند منصرفه عنها: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد، وكان يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد"١، وفي هذه الفقرة ما يدل دلالة واضحة على مدى ما وصل إليه ابن العميد في عصرها من مكانة أدبية ممتازة، وهي مكانة لم يأخذها عن طريق مركزه السياسي، وإنما أخذها عن طريق فنه الخالص إن كان ينحو بحوصا بديعًا من التصنيع، والزخرف في كتابه، وقد مر بنا في غير هذا الموضع أن الكتاب اصطلحوا منذ عصر المقتدر على أن يعمموا السجع في كل ما يكتبون، واستمر ذلك من بعدهم،

стр. 209

وكان ابن العميد يسجع في كتابته، ولكن ليس هذا ما يلفتنا عنده، إنما الذي يلفتنا حقًا هو أن مذهب التصنيع تماثل على يديه في الصورة التي كانت تنتظره منذ القرن الثاني، ونقصد صورة السجع من جهة، والاحتكام إلى البديع فيما ينشئ الكاتب من جهة أخرى، ومن أجل ذلك إذا قلنا: إن ابن العميد هو أستاذ مذهب التصنيع بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة لم نبعد؛ لأنه أول كاتب -فيما نعرف- احتكم إلى السجع في كتابته، كما احتكم إلى البديع من جناس وطباق وتصوير، وقد هيأه لذلك أنه كان ذا عين تصويريه، بل لقد كان ذا شغف بفن التصوير نفسه، يقول مسكويه: "لقد رأيته يتناول في مجلسه الذي يخلو فيه بثقاته، وأهل أنسته التفاحة وما يجري مجراها، فيعبث بها ساعة ثم يدحرجها، وعليها صورة وجه، وقد خطها بظفره، لو تعمد لها غيره بالآلات المعدة، وفي الأيام الكثيرة ما استوفى دقائقها، ولا تأتي له مثلها"، ولا شك في أن هذه النزعة التصويرية فيها كان لها أثر مهم في نثره، إذ جعلته نثرًا مصورًا يهتم صاحبه يصنع الصور والرسوم في كتاباته، كما جعلته يهتم بألوان البديع الأخرى من طباق وجناس وغيرهما، وكأنه كان يحس بأن هذه الألوان الرسام، وانظر إليه يكتب إلى ابن بلكا عند استعصائه على ركن الدولة، فيستهل رسالته على هذا النمط١: "كتابي، وأنا متأرجح بين طمع فيك، ويأس منك، وإقبال عليك، وإعراض عنك، فإنك تدل بسابق حرمة، وتمت بسالف خدمة، أيسرهما يوجب حقًا ورعاية، ويقتضي محافظة وعناية، ثم تشفعهما بحديث غلول٢ وخيانة، وتتبعهما بآنف٣ خلاف، ومعصية وأدنى ذلك يحبط أعمالك، ويمحق كل ما يرعى لك. لا جرم أني وقفت بين ميل إليك، وميل عليك أقدم رجلًا لصدك، وأؤخر أخرى عن قصدك، وأبسط يدًا لاصطلامك٤ واجتياجك، وأثنى

стр. 210

ثانية لاستبقائك واصطلاحك، وأتوقف عن امتثال بعض المأمور فيك، ضنًا بالنعمة عندك ومنافسة في الصنيعة لديك، وتأميلًا لفيئتك١ وانصرافك، ورجاء لمراجعتك وانعطافك، فقد يغرب العقل ثم يؤوب، ويعزب اللب ثم يثوب، ويذهب الحزم ثم يعود، ويفسد العزم ثم يصلح، ويضاع الرأي ثم يستدرك، ويسكر المرء ثم يصحو، ويكدر الماء ثم يصفو، وكل ضيقة فإلى رخاء، وكل غمرة فإلى انجلاء، وكما أنك أتيت من إساءتك، لما لم تحسبه أولياؤك فلا بدع أن تأتي من إحسانك بما لا ترتقبه أعداؤك، وكما استمرت بك الغفلة حتى ركبت ما ركبت، واخترت ما اخترت، فلا عجب أن تنتبه انتباهة تبصر فيها قبح ما صنعت، وسوء ما آثرت، وسأقيم على رسمي في الإبقاء، والمماطلة ما صلح، وعلى الاستيناء٢ والمطاولة ما أمكن، طمعًا في إنابتك وتحكيمًا لحسن الظن بك، فلست أعدم فيما أظاهره من إعذار، وأرادفه من إنذار، احتجاجًا عليك، واستدراجًا لك، فإن يشأ الله يرشدك، ويأخذ بك إلى حظك ويسد دك". والرسالة كلها تمضي على هذا النحو من السجع والعناية بالبديع، فكلها تحف من السجع وطرف من الجناس والطباق والتصوير، فهي وشي خالص، هي بدجيع وتطريز وترصيع، إذ ما يزال ابن العميد يدمدج وشي السجع في وشي البديع من التوصير، والطباق والجناس، فإذا أساليبه وكأنها ثروة زخرفية هائلة، وهل هناك عبارة في هذه القطعة لم تحل بلون من ألوان البديع، وهو يضع هذه الألوان الرائعة على ألفاظه المسجعة، فإذا هي تختال في هذه المقدرة البديعة من الزخرف والتصنيع، وأكبر الظن أن ابن العميد قد تأثر في صناعته بصناعة السجاد في إقليمه، فهو يعاني في كل لفظة ما يعانيه صانع السجاد في كل خيط، ثم هو بعد ذلك يعني بالوشي الذي تعبر عنه ألفاظه، كما يعني صانع السجاد بالوشي الذي تعبر عنه خيوطه، وعلى هذا النمط تحولت صناعة الكتابة عند ابن العميد إلى تطريز خالص، وهو يختال على هذا التطريز

стр. 211

بحيل كثيرة، ولم لا؟ ألم يتعلم فن الحيل؟ وإذا فلماذا لا يشفع فنه بكل ما يمكنه من حيل، وقد استطاع أن يصل عن هذه الحيل إلى بدع طريف في سجعه، وذلك أنه كان يعمد إلى تقصير عباراته، وهذا التقصير، أو هذا القصر من أهم الفروق بين سجعه وسجع أصحاب الدواوين من قبله، وقد نظر فرأى نفسه يضطر في أحوال كثيرة إلى عبارات طويلة، فكيف يوفق بين رغبته في القصر، وبين طول هذه العبارات؟ لقد فكر طويلًا في هذه الصعوبة، وسرعان ما هداه تفكيره إلى حيلة طريفة: هي أن يوازن بين كل لفظة، وقرينتها في العبارتين والمتجاورتين، وبذلك يرفع ما قد يحسه القارئ، أو السامع من بعد الزمن في موسيقى الجملتين، وكأني بابن العميد كان يعرف معرفة دقيقة أنه كلما طال الزمن الذي تنتظره الأذن في سماع العبارات المسجوعة نقص التلاؤم الموسيقى. وهو لذلك يعمد كما ترى في أول القطعة إلى السجع القصير، الذي لا يأخذ من قارئه زمنًا طويلًا، ولكن استمر في القراءة تره يضطر إلى الطول في عباراته، فماذا يصنع إزاء هذه الطول الذي يثقل على أذن سامعه؟ لقد وصل إلى حيلة طريفة من الموازنة بين العبارتين المتجاورتين موازنة تجعل ألفاظهما، وكأنها جميعًا قد نغمت وسجعت على نحو ما نرى في مثل قوله: "فإنك تدلي بسابق حرمة، وتمت بسالفه خدمة"، وقوله: "وأبسط يدًا لاصطلامك واجتياحك، وأثنى ثانية لاستبقائك، واستصلاحك"، وما من ريب في أنها حيلة لطيفة تلك التي احتال بها ابن العميد على مثل هذه العبارات، فإذا هي تصبح وكأنها قصيرة لما تكامل فيها من حلاوة الموسيقى، وما تلك الحلاوة إلا ما يتخذه من المعادلة بين ألفاظ عباراته، معادلات تجعل فيها هذا الائتلاف الموسيقي الطريف، فكل كلمة تتعادل مع قرينة لها في الكلمة الأخرى، وكأنما تطلبها لتعزف معها هذا العزف البجيع الذي تمتاز به موسيقى ابن العميد، ولعل في هذا ما يشهد بأن ابن العميد كان يصنع في سجعه إلى أقصى حدود التصنيع التي يستطيعها، وهو يحتال على ذلك بوشي البديع من جهة، كما يحتال عليه بقصر الزمن في سجعه من جهة أخرى، فإن طال زمن العبارتين المسجوعتين قصره بهذه الحيلة

стр. 212

من أحداث المعادلات، والموازنات بين ألفاظ العبارتين، حتى لا تخرج الأذن من ألفاظ العبارة الأولى، إلا وتحس براحة صوتية إزاء كل كلمة من كلمات العبارة الثانية؛ لأنها تماثل قرينة لها في العبارة السابقة من الوجهة الصوتية تمام التماثل. وهذه هي صورة التصنيع في الكتابة الديوانية عند ابن العميد، فهو يعمد إلى زخرف البديع يوشي به لفظه، وهو دائمًا -كما تصوره يتيمة الثعالبي- يتخذ لفظًا مرصعًا بالسجع، وإنه ليحتال في تحسين سجعه، والإكثار من وشي بديعه حيلًا مختلفة، أما سجعه فكان يحتال عليه بالقصر، فإن كان طويلًا قصره بما مرن عليه من المعادلة بين ألفاظه، حتى لكأنها تتشابك تشابك توقيعات الراقصين، وأما بديعة فإنه كان يكثر منه، وكان ما يزال يحتال على اللفظة حتى يحملها وشي الطباق من جهة، ووشي التصوير، أو الجناس من جهة أخرى. ومن أجل هذه الحيل كلها، وما اقترن بها من مهارة، وتفنن كان ابن العميد زعيم مذهب التصنيع في عصره غير مدافع، ولا منازع، ومع ذلك فسنقف عند الصاحب بن عباد تلميذه، وخريجه لنرى هل استطاع أن يضيف من جديد إلى تصنيع أستاذه.

стр. 213

٦- الصاحب بن عباد وتصنيعه: هو كافي الكفاة إسماعيل بن عباد، ولد في إصطخر، وقيل في الطالقان بين قزوين وأبهر سنة ٣٢٤ أو ٣٢٦هـ، وكان أبوه كاتب ركن الدولة، وعضد الدولة البهويهيين، وكان شيعيًا غير غال، وتوفي في السنة التي توفي فيها ابنه. وابن عباد هو الوزير الثاني الذي لمع اسمه في بلاط البويهيين، وقد درس على أبيه، وأخذ عنه مذهبه الديني والسياسي، وأخذ الأدب عن أحمد بن فارس اللغوي المعروف، وأكمل دراسته ببغداد، ولما عاد إلى وطنه في الري خدم في دواوين أبي الفضل بن العميد، ويظهر أنه أعجب به فقر به منه، وما لبث أن اختاره ليكون مربيًا لمؤيد الدولة، أخى عضد الدولة، وكانت إقامة مؤيد الدولة بأصبهان، فأقام معه فيها، ولقب بالصاحب لصحبته له صغيرًا. ولما تقلد شئون الدولة بعد أخيه عضد الدولة، اتخذ الصاحب وزيرًا له، واستمر على وزارته حتى توفي، فوزر من بعده لأخيه فخر الدولة، وظل في الوزارة حتى وافته منيته عام ٣٨٥ هـ، وقد قضى في الوزارة نحو ثمانية عشر عامًا١، ويقال: إن أباه ألف كتابًا نصر فيه الاعتزال، وكان محدثًا روى عنه ابنه وغيره٢، ويظهر أن ابن عباد ورث هذه الجوانب في أبيه، فقد نشأ على الاعتزال٣ كما نشأ على التشيع ومحبة العلم، ويقال: إنه خرج يومًا -وهو وزير- متطلسًا متحنكًا بزي أهل العلم لرواية الحديث وإملائه على الناس، وكما كان يولع بالحديث كان يولع باللغة، وقد ألف فيها كتاب المحيط في سبع مجلدت، وله كتاب الإمامة يذكر فيه فضائل علي بن أبي طالب، وأيضًا رسالة صغيرة في الكشف عن مساوئ المتنبي٤. وما من ريب في أنه لو لم يشغل بالوزارة، ولا الكتابة لكان علالمًا ممتازًا من علماء عصره، ولعله من أجل ذلك كان يشجع على التأليف، كما كان يؤشجع على الشعر، وكان يعجب بالكتابة الرفيعة، ومدحه مكاتبة الشريف الرضي، وأبو إسحاق الصابي، "واحتف به من بحوم الأرض، وأفراد العصر وأبناء الفضل، وفرسان الشعر من يربى عددهم على شعراء الرشيد، ولا يقصرون عنهم في الأخذ برقاب القواف، وملك رق المعاني"٥، وحدث ابن بابك، قال: "سمعت الصاحب يقول: مدحت بمائة ألف قصيدة شعر، عربية وفارسية، وقد أنفقت أموالي على الشعراء والأدباء، والزوار والقصاد"٦. وكان ينافسه في هذه الحركة -على ما يظهر- سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي، الذي فتح الثعالبي في يتيمته فصلًا لمداحه من الشعراء، وقد أنشأ دارًا للعلم

стр. 214

في الكرخ ببغداد، كل ذلك منافسة لإسماعيل بن عباد١، ويقول ابن خلكان عن تلقبه بلقب الصاحب: وهو "أول من لقب بذلك اللقب من الوزراء؛ لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد، وذكر الصابي في كتاب التاجي أنه إنما قيل له الصاحب؛ لأنه صحب مؤيد الدولة ابن بويه منذ الصبا وسماه الصاحب، فاستمر عليه هذ اللقب واشتهر به"٢. وقد كان الصاحب معجبًا بفنه تياهًا به، واستغل فيه هذا الجانب خصمه أبو حيان التوحيدي، فثلبه أقبح ثلب٣، ومن ثلبه له ما يقصه من أن رجلًا من أهل الشام "ورد إليه، فكان فيما استخبره عنه: رسائل من تقرأ عندكم؟ فقال: رسائل ابن عبد كان، قال: ومن؟ قال: رسائل الصابي، وغمزه أحد جلسائه ليقول رسائل الصاحب، فلم يفطن الرجل، ورآه الصاحب، فقال: تغمز حمارًا لا يحس"٤. ويقول التوحيدي أيضًا: إنه كان في مجلسه شخص يسمى أبا طالب العلوي، "وكان إذا سمع منه كلامًا يسجع فيه، وخبرًا ينمقه؛ ويرويه، يبلق عينيه، وينشر منخريه، ويري أنه غشي عليه حتى يرش على وجهه ماء الورد، فإذا أفاق قيل: ما أصابك، ما عراك، ما الذي نالك وتغشاك؟ فيقول: ما زال كلام مولاي يروقني، ويونقني حتى فارقني لبي، وزايلني عقلي، وتراخت مفاصلي وتخاذلت عرى قلبي، وذهل ذهني وحيل بيني وبين رشدي، فيتهلل وجه ابن عباد عند ذلك وينتفش"٥، ويظهر أنه كان يسجع في حديثه وكلامه، ويقص الرواة طرفًا له في ذلك كثيرة٦. يقول أبو حيان: "وكان كلفه بالسجع في الكلام والقول، عند الجد والهزل، يزيد على كلف كل من رأيناه في هذه البلاد، قلت لابن المسيبي: أين يبلغ ابن عباد في عشقه للسجع؟ قال: يبلغ به ذلك لو أنه رأى سجعة تنحل بموقعها عروة

стр. 215

الملك، ويضطرب بها حبل الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غرم ثقيل، وكلفة صعبة وتجشم أمور، وركوب أهوال لما كان يخف عليه أن يفرج عنها ويخليها، بل يأتي بها ويستعملها، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها١"، وكانوا يزعمون أن سجعة اضطرته إلى عزل قاضي مدينة قم: فإن قال يوما: أيها القاضي بقم، ثم حاول أن يكمل السجع فأعنته ذلك فقال: قد عزلناك، فقم. ويبدو أن إغرامه بالسجع على هذا النحو كان قديما فيه، فقد روى الرواة عن ابن العميد أنه قال: "خرج ابن عباد عن عندنا من الري متوجهًا إلى أصفهان وطريقة رامين، فجازوها إلى قرية غامرة، وماء ملح لا لشيء إلا ليكتب إلينا: كتابي هذا من النوبهار، يوم السبت في نصف النهار"٢. ولعل أول ما يلاحظ في سجع الصاحب، أنه يمتاز بالخفة والعذوبة فهو في لفظة أكثر صفاء، وأكثر تنغيما من معاصريه من كتاب الدواوين، واستمع إلى هذه الرسالة القصيرة، التي كتب بها إلى أحد القضاة، وقد وفد عليه في الري٣: "تحدثت الركاب بسير "أروى" ... إلى بلد حططت به خيامي فكدت أطير من شوق إليها ... بقادمة كقادمة الحمام أفحق ما قيل من أمر القادم؟ أم ظن كأماني الحالم؟ لا والله! بل هو درك العيان، وإنه ونيل المنى سيان، فمرحبًا أيها القاضي براحلتك ورحلتك، بل أهلًا بك وبكافة أهلك، ويا سرعة ما فاح نسيم مسراك، ووجدنا ريح يوسف من رياك، فحث المطي تزل غلتي برؤياك، وتزح علتي بلقياك، ونص على يوم الوصول نجعله عيدًا مشرفًا، ونتخذه موسمًا ومعرفًا، ورد الغلام، أسرع من رجع الكلام فقد أمرته أن يطير على جناح نسر، وأن يترك الصبا في عقال وأسر: سقى الله دارات مررت بأرضها ... فأدنتك نحوي يا زياد بن عامر أصائل قرب أرتجي أن أنالها ... بلقياك قد زحزحن الهواجر"
следующие страницы →