بحيل كثيرة، ولم لا؟ ألم يتعلم فن الحيل؟ وإذا فلماذا لا يشفع فنه بكل ما يمكنه من حيل، وقد استطاع أن يصل عن هذه الحيل إلى بدع طريف في سجعه، وذلك أنه كان يعمد إلى تقصير عباراته، وهذا التقصير، أو هذا القصر من أهم الفروق بين سجعه وسجع أصحاب الدواوين من قبله، وقد نظر فرأى نفسه يضطر في أحوال كثيرة إلى عبارات طويلة، فكيف يوفق بين رغبته في القصر، وبين طول هذه العبارات؟ لقد فكر طويلًا في هذه الصعوبة، وسرعان ما هداه تفكيره إلى حيلة طريفة: هي أن يوازن بين كل لفظة، وقرينتها في العبارتين والمتجاورتين، وبذلك يرفع ما قد يحسه القارئ، أو السامع من بعد الزمن في موسيقى الجملتين، وكأني بابن العميد كان يعرف معرفة دقيقة أنه كلما طال الزمن الذي تنتظره الأذن في سماع العبارات المسجوعة نقص التلاؤم الموسيقى. وهو لذلك يعمد كما ترى في أول القطعة إلى السجع القصير، الذي لا يأخذ من قارئه زمنًا طويلًا، ولكن استمر في القراءة تره يضطر إلى الطول في عباراته، فماذا يصنع إزاء هذه الطول الذي يثقل على أذن سامعه؟ لقد وصل إلى حيلة طريفة من الموازنة بين العبارتين المتجاورتين موازنة تجعل ألفاظهما، وكأنها جميعًا قد نغمت وسجعت على نحو ما نرى في مثل قوله: "فإنك تدلي بسابق حرمة، وتمت بسالفه خدمة"، وقوله: "وأبسط يدًا لاصطلامك واجتياحك، وأثنى ثانية لاستبقائك، واستصلاحك"، وما من ريب في أنها حيلة لطيفة تلك التي احتال بها ابن العميد على مثل هذه العبارات، فإذا هي تصبح وكأنها قصيرة لما تكامل فيها من حلاوة الموسيقى، وما تلك الحلاوة إلا ما يتخذه من المعادلة بين ألفاظ عباراته، معادلات تجعل فيها هذا الائتلاف الموسيقي الطريف، فكل كلمة تتعادل مع قرينة لها في الكلمة الأخرى، وكأنما تطلبها لتعزف معها هذا العزف البجيع الذي تمتاز به موسيقى ابن العميد، ولعل في هذا ما يشهد بأن ابن العميد كان يصنع في سجعه إلى أقصى حدود التصنيع التي يستطيعها، وهو يحتال على ذلك بوشي البديع من جهة، كما يحتال عليه بقصر الزمن في سجعه من جهة أخرى، فإن طال زمن العبارتين المسجوعتين قصره بهذه الحيلة
стр. 212
من أحداث المعادلات، والموازنات بين ألفاظ العبارتين، حتى لا تخرج الأذن من ألفاظ العبارة الأولى، إلا وتحس براحة صوتية إزاء كل كلمة من كلمات العبارة الثانية؛ لأنها تماثل قرينة لها في العبارة السابقة من الوجهة الصوتية تمام التماثل.
وهذه هي صورة التصنيع في الكتابة الديوانية عند ابن العميد، فهو يعمد إلى زخرف البديع يوشي به لفظه، وهو دائمًا -كما تصوره يتيمة الثعالبي- يتخذ لفظًا مرصعًا بالسجع، وإنه ليحتال في تحسين سجعه، والإكثار من وشي بديعه حيلًا مختلفة، أما سجعه فكان يحتال عليه بالقصر، فإن كان طويلًا قصره بما مرن عليه من المعادلة بين ألفاظه، حتى لكأنها تتشابك تشابك توقيعات الراقصين، وأما بديعة فإنه كان يكثر منه، وكان ما يزال يحتال على اللفظة حتى يحملها وشي الطباق من جهة، ووشي التصوير، أو الجناس من جهة أخرى.
ومن أجل هذه الحيل كلها، وما اقترن بها من مهارة، وتفنن كان ابن العميد زعيم مذهب التصنيع في عصره غير مدافع، ولا منازع، ومع ذلك فسنقف عند الصاحب بن عباد تلميذه، وخريجه لنرى هل استطاع أن يضيف من جديد إلى تصنيع أستاذه.
стр. 213
٦- الصاحب بن عباد وتصنيعه:
هو كافي الكفاة إسماعيل بن عباد، ولد في إصطخر، وقيل في الطالقان بين قزوين وأبهر سنة ٣٢٤ أو ٣٢٦هـ، وكان أبوه كاتب ركن الدولة، وعضد الدولة البهويهيين، وكان شيعيًا غير غال، وتوفي في السنة التي توفي فيها ابنه.
وابن عباد هو الوزير الثاني الذي لمع اسمه في بلاط البويهيين، وقد درس على أبيه، وأخذ عنه مذهبه الديني والسياسي، وأخذ الأدب عن أحمد بن فارس اللغوي المعروف، وأكمل دراسته ببغداد، ولما عاد إلى وطنه في الري خدم في دواوين أبي الفضل بن العميد، ويظهر أنه أعجب به فقر به منه، وما لبث أن اختاره ليكون مربيًا لمؤيد الدولة، أخى عضد الدولة، وكانت إقامة مؤيد الدولة بأصبهان، فأقام معه فيها، ولقب بالصاحب لصحبته له صغيرًا.
ولما تقلد شئون الدولة بعد أخيه عضد الدولة، اتخذ الصاحب وزيرًا له، واستمر على وزارته حتى توفي، فوزر من بعده لأخيه فخر الدولة، وظل في الوزارة حتى وافته منيته عام ٣٨٥ هـ، وقد قضى في الوزارة نحو ثمانية عشر عامًا١، ويقال: إن أباه ألف كتابًا نصر فيه الاعتزال، وكان محدثًا روى عنه ابنه وغيره٢، ويظهر أن ابن عباد ورث هذه الجوانب في أبيه، فقد نشأ على الاعتزال٣ كما نشأ على التشيع ومحبة العلم، ويقال: إنه خرج يومًا -وهو وزير- متطلسًا متحنكًا بزي أهل العلم لرواية الحديث وإملائه على الناس، وكما كان يولع بالحديث كان يولع باللغة، وقد ألف فيها كتاب المحيط في سبع مجلدت، وله كتاب الإمامة يذكر فيه فضائل علي بن أبي طالب، وأيضًا رسالة صغيرة في الكشف عن مساوئ المتنبي٤.
وما من ريب في أنه لو لم يشغل بالوزارة، ولا الكتابة لكان علالمًا ممتازًا من علماء عصره، ولعله من أجل ذلك كان يشجع على التأليف، كما كان يؤشجع على الشعر، وكان يعجب بالكتابة الرفيعة، ومدحه مكاتبة الشريف الرضي، وأبو إسحاق الصابي، "واحتف به من بحوم الأرض، وأفراد العصر وأبناء الفضل، وفرسان الشعر من يربى عددهم على شعراء الرشيد، ولا يقصرون عنهم في الأخذ برقاب القواف، وملك رق المعاني"٥، وحدث ابن بابك، قال: "سمعت الصاحب يقول: مدحت بمائة ألف قصيدة شعر، عربية وفارسية، وقد أنفقت أموالي على الشعراء والأدباء، والزوار والقصاد"٦. وكان ينافسه في هذه الحركة -على ما يظهر- سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي، الذي فتح الثعالبي في يتيمته فصلًا لمداحه من الشعراء، وقد أنشأ دارًا للعلم
стр. 214
في الكرخ ببغداد، كل ذلك منافسة لإسماعيل بن عباد١، ويقول ابن خلكان عن تلقبه بلقب الصاحب: وهو "أول من لقب بذلك اللقب من الوزراء؛ لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد، وذكر الصابي في كتاب التاجي أنه إنما قيل له الصاحب؛ لأنه صحب مؤيد الدولة ابن بويه منذ الصبا وسماه الصاحب، فاستمر عليه هذ اللقب واشتهر به"٢.
وقد كان الصاحب معجبًا بفنه تياهًا به، واستغل فيه هذا الجانب خصمه أبو حيان التوحيدي، فثلبه أقبح ثلب٣، ومن ثلبه له ما يقصه من أن رجلًا من أهل الشام "ورد إليه، فكان فيما استخبره عنه: رسائل من تقرأ عندكم؟ فقال: رسائل ابن عبد كان، قال: ومن؟ قال: رسائل الصابي، وغمزه أحد جلسائه ليقول رسائل الصاحب، فلم يفطن الرجل، ورآه الصاحب، فقال: تغمز حمارًا لا يحس"٤. ويقول التوحيدي أيضًا: إنه كان في مجلسه شخص يسمى أبا طالب العلوي، "وكان إذا سمع منه كلامًا يسجع فيه، وخبرًا ينمقه؛ ويرويه، يبلق عينيه، وينشر منخريه، ويري أنه غشي عليه حتى يرش على وجهه ماء الورد، فإذا أفاق قيل: ما أصابك، ما عراك، ما الذي نالك وتغشاك؟ فيقول: ما زال كلام مولاي يروقني، ويونقني حتى فارقني لبي، وزايلني عقلي، وتراخت مفاصلي وتخاذلت عرى قلبي، وذهل ذهني وحيل بيني وبين رشدي، فيتهلل وجه ابن عباد عند ذلك وينتفش"٥، ويظهر أنه كان يسجع في حديثه وكلامه، ويقص الرواة طرفًا له في ذلك كثيرة٦. يقول أبو حيان: "وكان كلفه بالسجع في الكلام والقول، عند الجد والهزل، يزيد على كلف كل من رأيناه في هذه البلاد، قلت لابن المسيبي: أين يبلغ ابن عباد في عشقه للسجع؟ قال: يبلغ به ذلك لو أنه رأى سجعة تنحل بموقعها عروة
стр. 215
الملك، ويضطرب بها حبل الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غرم ثقيل، وكلفة صعبة وتجشم أمور، وركوب أهوال لما كان يخف عليه أن يفرج عنها ويخليها، بل يأتي بها ويستعملها، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها١"، وكانوا يزعمون أن سجعة اضطرته إلى عزل قاضي مدينة قم: فإن قال يوما: أيها القاضي بقم، ثم حاول أن يكمل السجع فأعنته ذلك فقال: قد عزلناك، فقم. ويبدو أن إغرامه بالسجع على هذا النحو كان قديما فيه، فقد روى الرواة عن ابن العميد أنه قال: "خرج ابن عباد عن عندنا من الري متوجهًا إلى أصفهان وطريقة رامين، فجازوها إلى قرية غامرة، وماء ملح لا لشيء إلا ليكتب إلينا: كتابي هذا من النوبهار، يوم السبت في نصف النهار"٢.
ولعل أول ما يلاحظ في سجع الصاحب، أنه يمتاز بالخفة والعذوبة فهو في لفظة أكثر صفاء، وأكثر تنغيما من معاصريه من كتاب الدواوين، واستمع إلى هذه الرسالة القصيرة، التي كتب بها إلى أحد القضاة، وقد وفد عليه في الري٣:
"تحدثت الركاب بسير "أروى" ... إلى بلد حططت به خيامي
فكدت أطير من شوق إليها ... بقادمة كقادمة الحمام
أفحق ما قيل من أمر القادم؟ أم ظن كأماني الحالم؟ لا والله! بل هو درك العيان، وإنه ونيل المنى سيان، فمرحبًا أيها القاضي براحلتك ورحلتك، بل أهلًا بك وبكافة أهلك، ويا سرعة ما فاح نسيم مسراك، ووجدنا ريح يوسف من رياك، فحث المطي تزل غلتي برؤياك، وتزح علتي بلقياك، ونص على يوم الوصول نجعله عيدًا مشرفًا، ونتخذه موسمًا ومعرفًا، ورد الغلام، أسرع من رجع الكلام فقد أمرته أن يطير على جناح نسر، وأن يترك الصبا في عقال وأسر:
سقى الله دارات مررت بأرضها ... فأدنتك نحوي يا زياد بن عامر
أصائل قرب أرتجي أن أنالها ... بلقياك قد زحزحن الهواجر"
стр. 216
أرأيت إلى هذه الرسالة القصيرة، وما فيها من عذوبة اللفظ، وجمال النغم؟ إن الصاحب حقًا أستاذ ماهر من أساتذة فن التصنيع في القرن الرابع، وإنه ليتخذ في هذا الفن جميع المفاتيح الموسيقية التي عثر عليها ابن العميد، فهو من جهة يعني بقصر سجعاته، فإن طالت عادل بين ألفاظها معادلات تخرج بها من شذوذ الطول إلى ما يشبه القصر، ثم هو من جهة أخرى يعني بألوان البديع يحلي بها جيد أساليبه، وقد كان يعنى عناية خاصة بلوني التصوير والجناس، ولعل ميله إلى الجناس هو الذي جعله يكثر في رقع رسائله من الجناس الناقص، أما ميله إلى التصوير، فقد جعله يبرع في أوصاف الطبيعة، حتى لتتحول جوانب من رسائلة إلى ما يشبه الشعر المنظوم كقوله في رسالة له: "كتابي هذا، وقد أرخى الليل سدوله، وسحب الظالم ذيوله"١، وقوله في أخرى يصف مجلس أنس: "قد قابلتني شقائق كالزنوج تجارحت فسالت دماؤها، وضعفت فبقي ذماؤها، وسامتتني أشجار كأن الحوار أعارتها أثوابها، وكستها أبرادها، وحضرتني نازنجات ككرات من سفن ذهبت، أو ثدي أبكار خلقت"٢، وهذا جانب واضح في تصنيعه، وقد استطاع به أن يطرف قراءه، وساميعه بضر من الشعر المنثور الذي تمتلئ سجعاته بالرشاقة، والخفة.
وقد كان بهذا التصنيع، وما يندمج فيه من وشي السجع، والترصيع يأخذ مكانته في عصره، وهي مكانة جعلت أصحاب الإمارات الفارسية يحسدون أصحاب الري، والجبل من البويهيين عليه، ويتمنون أن لو صار إليهم، روى الثعالبي أن نوح بن منصور صاحب خراسان الساماني، أرسل إليه رقعة يريده فيها على الإنحياز إلى حضرته، ليلقي إليه مقاليد مملكته، ويعتمد لوزارته، فاعتذر له بأنه لا يستطيع الانتقال إليه لكثرة حاشيته وأثقاله، وما لديه من كتب تحتاج في نقلها إلى أربعمائة بعير٣، وقد قالوا: إنه لما توفي لقي من الإعظام، والإكبار
стр. 217
ما لم يلقه أحد من وزراء عصره، فقد سار فخر الدولة في جنازته، وقام الناس بأجمعهم فقبلوا الأرض بين يديه، وخرقوا ثيابهم ولطموا وجوههم، وبلغوا في البكاء، والنحيب عليه جهدهم١، وقد رثاه الشعراء -على نحو ما يروى العتبي- رثاء حارًا٢، والحق أن الصاحب بن عباد كان أحد أساتذة البلاغة في عصره، وبلغ بمذهب التصنيع مبلغًا عظيمًا من الزخرف، والتنميق، وما يتصل بذلك من الزركشة، والتطريز.
стр. 218
٧- تصنيع أبي إسحاق الصابي:
هو، إبراهيم بن هلال الحراني الصابي، الذي اشتهر بالبيان والبلاغة لهذا العصر. ولد سنة ٣١٣ هـ، ولاه الوزير المهلبي ديوان الرسائل ببغداد عام ٣٤٩هـ١، فخدم بذلك الخلفاء كما خدم الأمراء من بني بويه الذين استولوا على بغداد منذ عام ٣٣٤هـ، ويحكى أن مولاه عز الدولة البويهي عرض عليه الوزارة إن أسلم فامتنع٢، ويقول الرواة: إنه كان حسن العشرة للمسلمين حتى قالوا: إنه كان يصوم شهر رمضان مساعدة وموافقة لهم، وقالوا: إنه كان يحفظ القرآن حفظًا يدور على لسانه، وبرهان ذلك واضح في رسائله٣، وقد استمر على ديوان الرسائل حتى عام ٣٦٧هـ، إذ "ورد عضد الدولة إلى بغداد، وكان نقم عليه أشياء مكتوباته عن الخليفة وعز الدولة فحبسه، فسئل فيه، وعرف بفضله، وقيل له: مثل مولانا لا ينقم على مثله ما كان منه، فإنه كان في خدمة قوم لا يمكنه إلا المبالغة في نصحهم، ولو أمره مولانا بمثل ذلك -إذا استخدمه- في أبيه ما أمكنه المخالفة، فقال عضد
стр. 219
الدولة: قد سوغته نفسه، فإ ن عمل كتابًا في مآثرنا وتاريخنا وأطلقته، فشرع في محبسه في كتاب: "التاجي في أخبار بني بويه"، وقيل: إن بعض أصدقائه دخل عليه الحبس، وهو في تبييض وتسويد في هذا الكتاب، فسأله عما يعمله، فقال: أباطيل أنمقها، وأكاذيب ألفقها، فخرج الرجل، وأنهى ذلك إلى عضد الدولة، فأمر بإلقائه تحت أرجل الفيلة، فأكب أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف، ونصر بن هاورن على الأرض يقبلانها، ويشفعان إليه في أمره، حتى أمر باستحيائه، وأخذ أمواله واستصفائه، وتخليد السجن بدمائه، فبقي في السجن بضع سنين إلى أن تخلص منه"١ عام ٣٧١هـ٢، وتوفي عضد الدولة سنة ٣٧٢، فعاد إلى العمل في الدواوين، حتى توفي عام ٣٨٤.
وقد اتصل الصابي في مطلع حياته بالثقافة الفلسفية، فهم يرون أنه بدأ أمره بدراسة الطب، ثم انصرف عنه إلى الأدب والكتابة٣، ويقول القفطي: إنه كان عالمًا بالهندسة والرياضيات٤، وهو إلى ذلك كان مثقفًا ثقافة واسعة باللغة، والشعر قديمه وحديثه، واستطاع أن يحقق لنفسه قدرة بيانية جعلته يرتفع على أقرانه من المسلمين إلى رياسة ديوان الرسائل، ولعل مما يدل على قدرته في هذا الجانب أننا نرى كبار الأدباء في عصره يعظمونه، ويجلونه، يقول ياقوت: "كان بينه وبين الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد مراسلات، ومواصلات ومتاحفات، وكذلك بينه وبين الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين الموسوي مودة ومكاتبات، مع اختلاف الملل، وتباين النحل، وإنما كان ينظمهم سلك الأدب مع تبدد الدين والنسب"٥، ويقول صاحب اليتيمة: إن شعراء العراق مدحوه في جملة الرؤساء٦، وهم يروون عن الصاحب أنه كان يقول: "ما بقي من أوطاري وأغراضي إلا أن أملك العراق، وأتصدر ببغداد، وأستكتب أبا إسحاق الصابي، ويكتب عني، وأغير عليه"٧، وكل ذلك
стр. 220
لما كان من براعته ومهارته في البيان والبلاغة، وقد كان يعرف ذلك من نفسه وفنه، فعبر عنه أجمل تعبير إذ يقول١:
وقد علم السلطان أن أمينه ... وكاتبه الكافي السديد الموفق
فيمناي يمناه ولفظي لفظه ... وعيني له عين بها الدهر يرمق
ولي فقر تضحى الملوك فقيرة ... إليها لدى أحداثها حين تطرق
والحق أن الصابي كان علمًا من أعلام البلاغة في عصره، ومن يرجع إلى رسائله يجده يعنى عناية شديدة بانتخاب ألفاظه، وصقل عباراته وتنقيح سجعاته، وكان ما يزال في تسويد، وتبييض وتنميق حتى تخرج الرسالة مرصعة بكل ما يمكن من حلي ووشي، ولم يكن يأتي بحلي ووشي جديدين، بل كان يخضع في ذلك لما اصطلح عليه أصحاب مذهب التصنيع من السجع، والتصوير والتجنيس، وألوان البديع، وإن كان لم يغرق في استخدام هذه الألوان إغراق الصاحب، ولا إغراق ابن العميد، إذ كان عمه الأول التسجيع، والعناية به حتى يحصل من ذلك على طرف بديعة، وانظر إليه يقول من رسالة كتبها عن معز الدولة بعد ظفره ببعض أعدائه٢.
"وكان الغامط لإنعامنا، الجاحد لإحساننا، المتردي من ذروة طاعتنا، الهاوي في هوة معصيتنا، الخالع ربقة ذمتنا، النازع جنة٣ مشايعتنا ... ونحن نحمل أمره على ظاهره، ونظن غائبه مثل حاضره، وباطنه مثل عالنه، حتى جذبنا بضبعه٤ من المسقط المنحط، إلى المرفع المشتط، وانتهينا في الإناقة٥ بقدره، والإشارة بذكره، والتفخيم لأمره، والتقديم لقومه، إلى الغاية التي لا تسمح بها نفس باذل، ولا تسمو إليها همة آمل، فلما عز بعد الذلة، وكثر بعد القلة، وبعد صيته بعد الخمول، وطلع سعده بعد الأفول، وجمت
стр. 221
عنده الأمول، ووطئت عقبة الرجال١، وتضرمت بجسده جوانح الأكفاء، وتقطعت بمنافسته أنفاس النظراء، نزت به بطنته٢، وأدركته شقوته، ونزغ له شيطانه، وامتدت في الغي أشطانه٣، فنصب أشراكه وحبائله، وأعمل مكايده، ومخاتله".
وأول ما نلاحظ على هذه القطعة أن الصابي عني بتقصير سجعه، فإن هو أطاله نغم العبارتين تنعيما يجعلك تظن أنهما قصيرتان، فالألفاظ تتعادل وتتوازن على نحو ما مر بنا عند أستاذ المذهب ابن العميد، وملاحظة ثانية هي أنه يعنى بالتصير كما يعنى قليا بالجناس، وهذه هي صورة كتابة الصابي، فهو يشغف بحلية السجع؛ وهو يوفر لها ضروبًا مختلفة من النغم، وإن هذا التوفير ليتمادى به، فإذا هو يعني بالمقابلة الدقيقة بين أول العبارتين حتى تتشابه السجعتان في أطرافهما: في أولهما وآخرهما، وهو لا يعمم ذلك في رسائله، ولكنه يجنح إليه كثيرًا على نحو ما نرى في نفس هذه القطعة، وكل ذلك ليستتم ما يريد من صوت وموسيقي، واستمع إليه بكتب إلى عضد الدولة يهنئه بسنة جديدة على هذه المشاركة٤:
"أسأل الله تعالى مبتهلًا لديه، مادًا يدي إليه، أن يحيل على مولانا. هذه السنة وما يتلوها من أخواتها بالصالحات الباقيات، وبالزائدات الغامرات، ليكون كل دهر يستقبله، وأمد يستأنفه، موفيًا على المتقدم له، قاصرًا عن المتأخر عنه، ويوفيه من العمر أطوله وأبعده؛ ومن العيش أعذبه وأرغده، عزيزًا منصورًا، محميًا موفورًا، باسطًا يده فلا يقبضها إلا على نواصي أعداء وحساد، ساميًا طرفه، فلا يغضه إلت على لذة غمض ورقاد، مستريحة ركابه فلا يعملها إلا لاستضافة عز وملك فائزة قداحة، فلا يجيلها إلا لحيازة مال وملك، حتى ينال أقصى ما تتوجه إليه أمنيته جامحًا، وتسموى إليه همته طامحًا".
стр. 222
وأنت تراه يعني عناية شديجة بهذا الجانب الموسيقي من تصنيعه، فما يزال يقابل ويعادل، ويدقق في مقابلاته، ومعادلاته حتى تخرج عباراته متساوية في أصواتها تمام المساوة، وكأنه لا يؤلف نثرًا، وإنما يؤلف شعرًا، والواقع أن ابن العميد وتلاميذه من أمثال الصابي، وابن عباد رفعوا الحواجز التي كانت تفصل بين أسلوب الشعر، وأسلوب النثر، أو قل على الأقل: إنهم رفعوا كثيرًا من هذه الحواجز، فقد أحالوا نثرهم إلى موسيقى خالصة، فكله ألحان وأنغام، وما الفارق الذي يفرق بين مثل هذا السجع، والشعر؟ إنه يعتمد مثله على الموسيقى فكله حلى وتنميق وتصنيع، وهو من أجل ذلك لا يشبه النثر، الذي كنا نألفه قبل ذلك عند كتاب الدواوين في القرنين الثاني والثالث، وإنه يشبه الشعر، ففيه جميع شياته من موسيقى وبديع، ولكنه مع ذلك نثر؛ لأنه لا يجري في موسيقاه على أوزان الخليل، ومن ثم كنا لا نستطيع أن نسميه شعرًا، ونحن أيضًا لا نستطيع أن نسميه نثرًا خالصًا، وهو في الواقع شيء بين الشعر والنثر، ولذلك كان النقاد يسمونه شعرًا منثورًا، وتفنن ابن العميد، وتلاميذه بصور مختلفة في إنتاج هذ الضرب من الشعر المنثور، وذهبوا يحققون له كل ما يمكن من زخرف وتصنيع، ومهما يكن فإن الصابي كان علمًا من أعلام البيان في عصره، وقد أقر له معاصروه، ومن جاءوا بعدهم بذلك، يقول الثعالبي: "إنه أوحد العراق في البلاغة، ومن به تثنى الخناصر في الكتابة، وتتفق الشهادات له ببلوغ الغاية في البراعة والصناعة"١. ويقول ياقوت: إنهن "أوحد الدنيا في إنشاء الرسائل"٢. ويقول ابن الأثير: "كيف أضع من الصابي، وعلم الكتابة قد رفعه، وهو إمام هذا الفن والواحد فيه"٣، ولما توفي رثاه الشريف الرضي بقصيدة طنانة مطلعها٤:
أرأيت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي
وما من ريب في أن هذا كله يدل على ما كان للصابي من منزلة رفيعة بين معاصريه، ومن جاءوا على إثرهم إذ كان أستاذًا ماهرًا في فن التصنيع لعصره، وكان وما يزال يتفنن في رسائله حتى يخرجها في صورة بديعة من الزخرف، والتنميق.
стр. 223
٨- التصنيع عام بين كتاب الدواوين:
إذا تركنا الصابي والصاحب إلى من عاصروهما من كتاب الدواوين، وجدناهم جميعًا يذهبون هذا المذهب من التصنيع للسجع، والبديع، ومن ينظر في كتاب اليتيمة للثعالبي، وما عرض فيه من كتاب الدواوين يعرف أنهم كانوا جميعًا، يلتزمون هذا المذهب في صنعة نثرهم، إذ كان بدعًا عامًا بينهم، وكان كل منهم يحاول أن يكون له شأن أي شأن في هذا البدع الجديد، ويتضح من اليتيمة أن أشهر الكتاب الذين عاشوا في هذا العصر، وكانوا متدادًا لهذا المذهب هم: عبد العزيز بن يوسف، وأبو العباس الضبي، وعلي بن محمد الإسكافي، وأبو الفتح البستي، إذ كانوا جميعًا يعنون برسائلهم عناية شديدة.
أما عبد العزيز بن يوسف، فقد تقلد ديوان الرسائل لعضد الدولة، وتقلد الوزارة للبويهيين عدة مرات، وفيه يقول صاحب اليتيمة: "أحد صدور المشرق، وفرسان المنطق، وأفراد الكرم الكبار، والآثار والأخبار، وأعيان الممدوحين المقدمين في الآداب، والكتابة البراعة والكفاية، وجميع أدوات الرياسة"١، ساق الثعالبي جملة من نثره، وهي جميعها موشحة بألوان التصنيع، وأصباغه كقوله يصف رسالة كتبها إليه أبو إسحاق الصابي: "علمت كيف تنتظم فرق البلاغة، وتتلاقى طرق الخطابة، وتتراءى أشخاص البيان، وتمايل أعطاف الحسن والإحسان، وقرأت لفظًا جليًا، حوى معنى خفيًا، وفصولًا
стр. 224
متباينة، كساها الائتلاف صور المشاكلة، ومنحها الامتزاج صيغة المضارعة.
ولحمة الموافقة، فصارت لدلالة الأول منها على الثاني، وتعلق العجز بالهادي فيها أولاد أرحام مبرورة، وذوات قربى موصوله، تتعاطف عيونها، وتتناصف أبكارها وعونها"١.
وأما أبو العباس الضبي، فهو خليفة الصاحب بن عباد وتلميذه، وفيه يقول الثعالبي: "هو جذوة من نار الصاحب أبي القاسم، ونهر من بحره، وخليفته النائب منابه في حياته، القائم مقامه بعد وفاته، وكان الصاحب استصحبه منذ الصبا، واجتمع فيه الرأي والهوى، فاصطنعه لنفسه، وأدبه بآدابه، وقدمه بفضل الاختصاص على سائر صنائعه وندمائه، وخرج منه صدرًا يملأ الصدوركمالًا، ويجري في طريقه ترسمًا وترسلًا، وفي ذرى المعالي توقلًا٢ ... وقد كانت بلاغة العصر بعد الصاحب، والصابي بقيت متماسكة بأبي العباس، فأشرفت على التهافت بموته، وكادت تشيب بعده لمم الأقلام، وتجف غدر محاسن الكلام٣، وقد روى الثعالبي له غررًا من رسائله، كقوله في صدر أحد كتبه: "قد أتاني كتاب شيخ الدولتين، فكان في الحسن روضة حزن، بل جنة عدن في شرح النفس، وبسط الأنس، بل برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب"٤.
وأما علي بن محمد الإسكافي، فكان كاتب الدولة السامانية ووزيرها، وفيه يقول الثعالبي: "هو لسان خراسان وغرتها، وعينها وواحدها، وأوحدها في الكتابة والبلاغة، ومن لم تخرج مثله من البراعة والصناعة، وكان تأدب بنيسابور عند مؤدب بها، يعرف بالحسن بن المهرجان، من أعرف المؤدبين بأسرار التأديب والتدريس، وأعلمهم وأدراهم بطرق التدريج في التخريج، ثم حرر مديدة في بعض الدواوين، فخرج منقطع القرين"٥، ثم يقول
стр. 225
الثعالبي: "إنه كان أكتب الناس في السلطانيات، فإذا تعاطى الإخوانيات كان قاصر السعي، قصير الباع"١، وقد لاحظ ابن الأثير نفس هذه الملاحظة على الصابي٢، ويروي الثعالبي طائفة من نثر الإسكافي، وهي كلها تنهج نهج التصنيع، وما يطوى فيه من سجع وبديع، ويختم الحديث عنه بقوله: "إنه لما انتقل إلى جوار ربه غدت لفراقه الكتابة شعثاء، والبلاغة غبراء، وأكبر فضلاء الحضرة رزيته، وأكثروا مرثبته، وفيه يقول بعض الشعراء:
ألم تر ديوان الرسائل عطلت ... لفقدانه أقلامه ودفاتره
كثغر مضى حاميه ليس يسره ... سواه وكالكسر الذي عز جابره
ليبك عليه خطه وبيانه ... فذامات واشيه وذامات ساحره"٣
وأما أبو الفتح البستي فكان -في أول أمره- كاتبًا لباي توز أمير مدينة بست، وهي من مدن أفغانستان، فلما استولى عليها الأمير سبكتكين ألحقه بخدمته، "وصار من بعد ينظم بأقلامه منثور الآثار عن حسامه، وينسج بعباراته، وشائع فتوحه ومقاماته، هلم جرًّا، إلى زمان السلطان يمين الدولة، وأمين الملة "محمود بن سبكتكين"، فقد كتب له عدة فتوح إلى أن زخزحه القضاء عن خدمته، ونبذه إلى ديار الترك من غير قصده وإرادته"٤، واشتهر البستي بكثرة الجناس في كلامه، يقول العتبي: "هو صاحب التجنيس"٥، ويقول الثعالبي: "هو صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأسيس"، البديع التأسيس، وكان يسميه المتشابه، ويأتي فيه بكل طريقة لطيفة"٦.
ولم يروا الثعالبي شيئًا من رسائله، وإنما اكتفي ببعض ما في كتبه من أمثال وحكمة، كقوله: "عادات السادات، سادات العادات، من سعادة جدك،
стр. 226
وقوفك عند حدك، الدعة رائد الضعة، إذا ما بقى قاتك، فلا تأس على ما فاتك، الخلاف غلاف الشر، عسى تحظى في غدك برغدك"، وهي كلها أمثال مسجعة نمقت بوشي التجنيس، وكأنما كان يعمد البستي إلى هذا الوشي عمدًا، كي يتفوق على معاصريه في استخراج كل ما يمكن من بدائعه وطرائفه، وأكبر الظن أننا لا نغلو بعد ذلك، إذا قلنا: إن الكتابة الديوانية، قد تحولت على أيدي هؤلاء الكتاب، وأضرابهم إلى تحف فنية خالصة.
стр. 227
الفصل الثاني: التصنيع والتصنع
١- اشتداد موجة التصنيع:
رأينا -في الفصل السابق- كتاب الدواوين في القرن الرابع للهجرة، وكل منهم يحاول أن يبلغ من تصنيعه، وتجميله لأساليبه ما لم يبلغه كتاب آخر من كتاب الحكام، والأمراء المجاورين له، إذ كان هؤلاء الأمراء، والحكام يعتدون بالكتابة المصنعة، التي شاعت في تلك العصور، وكان كل منهم يحاول أن يكون في بلاطكه، ودواوينه أهم كاتب في عصره، حتى تشتهر دولته بتلك الطرف الزخرفية، التي يخرجها هذا الكاتب، وما من ريب في أن هذه الحال دفعت الكتاب إلى أن يصلوا بنثرهم، وتنميقه إلى مرتبة تكاد ترفع الحواجز بينه وبين الشعر، فهو نثر منظوم أو هو شعر منثور، وماذا يفصل بينه وبين الشعر؟ إنه يعتمد على الموسيقى: موسيقى السجع، كما يعتمد على زخرف البديع، وإنهم ليبالغون في ذلك حتى تتحول رسائلهم إلى ما يشبه الوشي الخالص؛ فهي حلى وتنميق، وبديع وترصيع.
وإن الإنسان ليخيل إليه، كأنما تحولت صناعة النثر في تلك العصور عن طبيعتها الأولى تحولًا تاًما، إذ أصبحت أشبه ما تكون بصناعة أدوات الترف، والزينة فهي تحف تنمق في أروع صورة للتنميق، وكل كاتب يتوفر على إحداث هذه التحف توفرًا يتيح له أن يشارك في آيايتها، وبدائعها، وإنه ليعنت نفسه في سبيل ذلك إعناتًا بعيدًا، ونحن -في الواقع- لا نكاد نتصور الآن ما كان يحدث في تلك العصور في أثناء صناعة هذه التحف، والطرف لبعد العهد
стр. 228
بيننا وبينها؛ ولأننا أصبحنا عجلين في إحداث النماذج الفنية، وما تحتوي عليه من زخارف دقيقة، بل لقد أصبحنا ننفر من التصنيع، وما يطوى فيه من سجع وبديع، ومن يقرأ في آثار القرن الرابع يحس أن هذا المذهب من التصنيع، لم يقف عند كتاب الدواوين، بل لقد أخذ ينتشر بين غيرهم من كتاب الرسائل الشخصية، وعلى رأسهم أبو بكر الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني، فقد تركا مجموعتين كبيرتين من الرسائل، ذهبًا فيهما هذا المذهب من السجع، والبديع أو من التصنيع والترصيع، ولم يكن الخوارزمي، وبديع الزمان هما اللذين يذهبان هذا المذهب فقط، بل كان يذهبه جميع الكتاب من حولهما.
يقول الخوارزمي في كتاب إلى أبي محمد العلوي: "قرأت الفصل المسجع فشغلني الاقتباس منه، عن الجواب عنه"، وهو يتقدم ذلك بوصف هذا الفصل فيقول: "ورد كتاب السيد، فرتع الطرف منه بروضة ممطورة، وحلة منثورة، ولآلئ فرائد منثورة"١، وهكذا كانت كتابة الأدباء في هذا العصر، قد كانوا دائمًا ينمقون كتبهم، ويزخرفونها حتى تصبح كأنها الرياض المنمقة، والحلل المنشرة.
والحق أن موجة التصنيع في القرن الرابع، كانت حادة حدة شديدة، فلم يسلم منها أحد إلا في القليل الأقل، حتى كتاب التاريخ أنفسهم رأينا بينهم من يختار لنفسه هذا الأسلوب الجديد من التصنيع، وبدأ هذه الحركة الصابي في كتابه "التاجي في أخبار بني بويه"، ثم تبعه المؤلفون في التاريخ أمثال العتبي في كتابه "اليميني" نسبة إلى محمود بن سبكتكين الغزنوي، إذ لقبه الخليفة "يمين الدولة وأمين الملة"، وهو كتاب في تاريخ سبكتكين، وابنه محمود، وقد نال شهرة كبيرة في عصره، وبعد عصره، يقول السبكي: "كان أهل خوارزم، وما والاها يعتنون بهذا الكتاب، ويضبطون ألفاظه أشد من اعتناء أهل بلادنا بمقامات الحريري"٢، وما من شك في أن الصابي من جانب، والعتبي من جانب آخر
стр. 229
كانا سببًا في شيوع السجع، والتصنيع في الكتابة التاريخية عند العماد الاصبهاني، ومن لف لفه، وقد كان اللثعالبي أيضًا أثره في هذا الجانب، فقد قدم للأدباء من كتاب، وشعراء في يتيمته بمقدمات مسجوعة، اعتمد فيها على زخرف البديع.
على أننا نلاحظ أن هؤلاء الكتاب جميعًا من أصحاب مذهب التصنيع والسجع، والبديع أخذت تظهر على أسلات أقلامهم شيات مذهب آخر هو مذهب التصنع، إذ نراهم يعمدون إلى تعقيد أساليبهم الزخرفية، أو إلى اتخاذ فنون جديدة في نثرهم، لا تمت إلى التجميل، والتصنيع بصلة، إنما تمت إلى التحذلق والتكلف، ويظهر أنه كان لكتاب الرسائل الشخصية الأثر الأول في هذا الجانب، فإن موضوع رسائلهم عادة تهنئة، أو عتاب أو رثاء، أو اعتذار أو استمناح، وهي موضوعات محدودة بطبيعتها، فماذا يصنع الكاتب المصنع الذي يريد أن يثبت براعته، وتفوقه؟ هل يقتصر على سطور معدودة؟ إن الاقتصار على سطور قليلة لا يعطي فرصة لبيان مهارة الكاتب، وإذن فلا بد له من أن يطيل، ولكن كيف يطيل، ومعانيه محدودة؟ لم يجد سبيلًا إلى ذلك إلا أن يمد معانيه بكل وسيلة ممكنة، ولم ير مانعًا أثناء هذا الامتداد عن اللجوء إلى المبالغات، والتهويلات، والاعتداد بكثيرة العبارات، حتى ليخيل إلى الإنسان، وهو يقرأ رسالة للخوارزمي، أو للبديع أنه يقرأ في أساليب كتبت لتحفظ لا لتعبر عن معنى، فالمعاني فقدت قيمتها، ولم يعد لها أهمية، إنما الأهمية كلها للألفاظ، وما تطرز به من وشي وحلي، وحتى المقامات التي ابتكرها بديع الزمان تسمها هذه المياسم، فهي لا تعبر عن قصص كما يفهم منها، وإنما تعبر عن عبارات مرصوصة، يمكن للأديب أن يستخدمها في أعماله.
والحق أننا لا نمضي في قراءة الخوارزمي، وبديع الزمان، وهما أهم المصنعين بين كتاب الرسائل الشخصية لتلك الصعور، حتى نحس بأن تألف الرسائل أصبح لا يقصد به إلى التعبير عن معان خاصة، إنما يقصد به إلى التعبير عن غايات تعليمية، فهي رسائل يقرؤها المؤدبون ليحفظوها، ويحوكوا على مثالها لأنفسهم
стр. 230
آثارًا تشبها، وقد أعدت هذه الحال إلى ظهور فكرة الأساليب المحفوظة، التي تورث وتكرر وترد دبين الكتاب، على أننا لا نترك الخوارزمي، وبديع الزمان إلى قابوس بن وشمكير صاحب طبرستان، وجرجان حتى نجده يحقق ضروبًا من التعقيد لزخرف التصنيع، لم تكن معروفة من قبله، وهي ضروب تجعله أقرب كتاب عصره إلى ذوق التصنع، والمتصنعين، ونحن نقف عند هؤلاء الثلاثة: الخوارزمي، وبديع الزمان وقابوس لنفسر نمو مذهب التصنيع من جهة، وتحول الكتاب قليلا قليلًا إلى مذهب التصنيع من جهة أخرى، حتى تنكشف لنا هذه الدورة في تاريخ النثر العربي، وما يتصل بها من فن، وصناعة انكشافًا تامًا.
стр. 231
٢- أبو بكر الخوارزمي، وتصنعه:
كان أبو بكر كاتبًا كبيرًا، كما كان شاعرًا كبيرًا أيضًا، وهو ابن أخت محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ المعروف١، وأصله من طبرستان، ومولده ومنشؤه خوارزم٢، وإليها ينسب، وقد "فارقها في ريعان عمره وحداثة سنه، وهو قوي المعرفة، قويم الأدب، نافذ القريحة، حسن الشعر، ولم يزل يتقلب في البلاد، ويدخل العراق والشام، ويأخذ عن العلماء، ويقتبس من الشعراء، ويستفيد من الفضلاء، حتى تخرج وخرج فرد الدهر في الأدب والشعر، ولقي سيف الدولة وخدمه، واستفاد من يمن حضرته، ومضى على غدوائه في الاضطراب والاغتراب، وشرق بعد أن غرب، وورد بخارى.... ووافى نيسابور ... ثم قصد سجستان.. ثم إنه عاود نيسابور، وأقام بها إلى أن وفق التوفيق كله بقصد حضرة الصاحب بن عباد بأصبهان، ولقائه بمدحه، فأنجحت سفرته، وربحت تجارته، وسعد جده بخدمته، ومداخلته، والحصول في جملة
стр. 232
ندمائه المختصين به، فلم يخل من طل إحسانه ووابله، وغامر إنعامه ونائله، وتزود من كتابه إلى حضرة عضد الدولة بشيراز ما كان سببًا لارتياشه ويساره، فإنه وجد فيها قبولًا حسنًا، واستفاد منها مالًا كثيرًا، ولما انقلب عنها بالغنيمة الباردة إلى نيسابور استوطها، واقتنى بها ضياعًا وعقارًا، ودرت عليه أخلاف الدنيا من جميع الجهات، وحين عاود شيراز ورد منها عللًا بعد نهل، فأجرى له عند انصرافه رسم يصل إليه في كل سنة بنيسابور مع المال، الذي كان يحمل من فارس إلى خراسان، ولم يزل بحسن حال ... يقيم للأدب سوقًا، ويعيده غضا وريقًا، ويدرس ويملي، ويشعر ويروي، ويقسم أيامه بين مجالس الدروس ومجالس الأنس، وكان يتعصب لآل بويه تعصبًا شديدًا، ويغض من سلطان خراسان، ويطلق لسانه بما لا يقدر عليه"١، وتعصب الخوارزمي للبويهيين طبيعي لما ذكره الثعالبي من تكريمهم له وبذلهم، على أن ذلك كان سببًا في أخذه، وحبسه واستخراج بعض المال منه إلا أنه احتال يومًا، وهرب إلى حضرة الصاحب متنكرًا، واستمر عنده حتى تولى الوزارة في خراسان صديقه أبو الحسن المزني، "فاستدعاه وأكرم مورده ومصدره، وكتب إلى نيسابور في رد ما أخذ منه عليه، ففعل، وزادت حالته، وثبت قدمه، ونظر إليه ولاة الأمر بنيسابور بعين الحشمة، والاحتشام، والإكرام والإعظام، فارتفع مقداره، وطاب عيشه"٢، ويظهر أنه كانت بنيسابور جماعة مستوحشة منه جدًا، فاستغلوا الفرصة حين وفد بديع الزمان على بلدتهم في أخريات أيام الخوارزمي، وعقدوا مناظرات بينهما، وأعانوا البديع عليه٣، ولم يحل الحول حتى توفي، وكانت وفاته سنة ٣٨٣ هـ، ومولده سنة ٣٢٣ هـ٤.
ويبالغ بديع الزمان في وصف هزيمته للخوارزمي حين دعى لمناظرته. على أنه ينبغي أن نتلقى هذه المبالغة بشيء من الاحتياط؛ لأن البديع هو الذي رواها
стр. 233
في رسائله من جهه١؛ ولأن الخوارزمي كان له خصوم في نيسابور، وقفوا ضده فيها من جهة أخرى، ولعل صاحب اليتيمة كان دقيقًا في حكمه حين قال في ترجمة بديع الزمان: "ثم شجر بينه، وبين أبي بكر الخوارزمي ما كان سببًا لهبوب ريح الهمذاني، وعلو أمره، وقرب نجحه، وبعد صيته، إذ لم يكن في الحسبان والحساب أن أحدًا من الأدباء والكتاب، والشعراء ينبري لمباراته، ويجترئ على مجاراته، فلما تصدى الهمذاني لمساجلته، وتعرض للتحكك به، وجرت بينهما مكاتبات، ومقامات، ومناظرات ومناضلات، وأفضى السنان إلى العنان، وقرع النبع بالنبع٢، وغلب هذا قوم، وذاك آخرون، وجرى من الترجيح بينهما ما يجري بين الخصمين المتحاكمين، والقرنين المتصاولين، طار ذكر الهمذاني في الآفاق، وارتفع مقداره عند الملوك والرؤساء، وظهرت أمارات الإقبال على أموره، وأدر له أخلاف الرزق، وأجاب الخوارزمي داعي ربه، فخلا الجو للهمذاني، وتصرفت به أحوال جميلة"٣، فصاحب اليتيمة يرى أن نجاح البديع في هذه المناظرات، لم يجئ من أنه انتصر على الخوارزمي، وإنما جاء من أنه استطاع أن يثبت له، وسرعان ما أتى الحادث المفاجئ، فتوفي الخوارزمي، وخلا الجو للبديع.
ومهما يكن، فقد كان الخوارزمي من كبار الأدباء في عصره، روى ابن خلكان أنه استأذن على الصاحب في أرجان، وهو لا يعرفه، فقال لحاجبه: قل لهذا المستأذن قد ألزمت نفسي أن لا يدخل على أحد من الأدباء، إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب، فخرج إليه الحاجب وأعلمه بذلك، فقال له أبو بكر الخوارزمي: ارجع إليه، وقل له هذا القدر من شعر الرجال، أم من شعر النساء؟ فدخل الحاجب، فأعلم الصاحب بما قال، فقال الصاحب: هذا يكون أبا بكر الخوارزمي٤، والحق أن أبا بكر كان أستاذًا كبيرًا في
стр. 234
عصره، ولعله من أجل ذلك أسند إليه منصب تخريج التلاميذ في نيسابور١، ويظهر أنه كان متشيعًا غالبًا في تشيعه، ففي رسائله رسالة شيعية صب فيها جام غضبه على الخلفاء من الأمويين والعباسيين٢، وإن من يرجع إلى رسائله يجدها تستحوذ على خصائص مذهب التصنيع لعصره في صورة بالغة من السجع، والبديع، وانظر إليه يكتب إلى أبي علي البلعمي لما طال عتبه، وكثرت رقاعه٣:
"الكريم -أيد الله تعالى الشيخ- إذا قدر، غفر، وإذا أوثق أطلق، وإذا أسر أعتق، ولقد هربت من الشيخ إليه، وتسلحت بعفوه عليه، وألقيت ربقة حياتي ومماتي بيديه، فليذقني حلاوة رضاه عني، كما أذاقني مرارة انتقامه مني، ولتلح على حالي غرة عفوه، كما لاحت عليها مواسم غضبه، وسطوه، وليعلم أن الحر كريم الظفر إذا نال أقال، وأن العبد لئيم الظفر، إذا نال استطال، وليغتنم التجاوز عن عثرات الأحرار، ولينتهز فرص الأقدار، وليحمد الله تعالى الذي أقامه مقام من يرجى، ويخشى، وركب نصابه في رتبة شاب الزمان ومجدها فتي، وأخلق العالم وذكرها طري، فجعله في الميلاد كريمها، وسليلها، وفي الرتبة قدوتها وجليلها، وليعتقد أنه قد هابه من استتر، ولم يذنب إليه من اعتذر، وأن من رد عليه عذره، فقد خرج إلى الشجاعة بعد الجبن، وأخرج ذنبه إلى صحو اليقين من سترة الظن، وفق الله تعالى الشيخ لما يحفظ عليه قلوب أوليائه، وعصمه بما يزيد به في جماجم أعدائه، وليس بين الموالات والمعاداة، إلا لقية بشعة، أو لفظة قذعة".
وأنت ترى في هذه الرسالة، أن الخوارزمي يعتمد على السجع اعتمادا يشبه ما رأيناه سابقًا عند ابن العميد، والصاحب، فهو ينتخب لفظه كما ينتخب أسجاعه، وهو يعني بالسجع القصير، حتى لا يطول الزمان على الأذن، فتخرج من الجو
стр. 235
الموسيقي الذي يريده الكاتب، وقد يأتي بالسجع الطويل، ولكنه يحدث فيه من المعادلات الداخلية ما يعود به قصيرًا، كقوله: "وليعلم أن الحر كريم الظفر إذا نال أقال، وأن العبد لئيم الظفر، إذا نال استطال"، فإن هاتين السجعتين طويلتان في الظاهر؛ ولكنك إذا تأملتهما وجدتهما تنحلان إلى أربع سجعات، ففيهما سجعتان داخليتان، وكان يلجأ إلى ذلك كثيرًا في رسائله، وهو لا يلجأ إلى السجع وحده، كما نرى في تلك الرسالة، بل نراه يلجأ إلى ألوان البديع وخاصة لون التصوير، ولون الطباق حتى يرصع سجعه ترصيعًا، وكان يعنى أيضًا بلون الجناس، ولكنها عناية أقل من عنايته بالطباق، ومن أمثلة جناسه قوله في مطلع إحدى رسائله: "وعد الشيخ يكتب على الجلمد، إذا كتب وعد غيره على الجمد، ولكن صاحب الحاجة سيئ النظر بالأيام، مريض الثقة بالأنام"١، وقوله في أخرى: "ورد على خبر وفاة فلان، فدارت بي الأرض حيرة، وأظلمت في عيني الدنيا حسرة، وملك الوله والوهل قلبي وساوس وفكرة، وتذكرت ما كان يجمعني، وأباه من سكرى الشباب، والشراب"٢، وعلى هذا النحو كان الخوارزمي يعتمد في تصنيعه على ما عرف عند ابن العميد، وتلامذته من سجع وبديع، وإنه ليحاول أن يبلغ من ذلك أوسع درجة ممكنة من الحلية، فهو يقصر سجعه، وهو يخلع عليه ضروبًا من الرشاقة بفضل ما يلجأ إليه من الصور والجناس والطباق، وكل ذلك ليجلب أبدع ما يمكن من طرف، وتحف في هذا الباب، وإن الإنسان ليحس عنده حقًا بأن التصنيع قد وصل إلى غايته من التجميل، فكل عبارة كأنها زخرف مستقل بما تحمل من وشي البديع وزينته، وإنه ليتطرف في ذلك تطرفًا ينتهي به إلى ظهور بعض سمات التصنع في كتابته.
стр. 236
التصنع وتصنيع الخوارزمي
...
٣- التصنيع وتصنيع الخوارزمي:
كانت صناعة الخوارزمي في رسائلة تقوم على التصنيع، وما يطوى فيه من سجع وبديع، على أن من يتأمل في هذه الصناعة يحس تسرب ضروب من الصنيع إليها، إذ كان الخوارزمي يعمد إلى ضروب من التهويلات والمبالغات، وكأنما قصر الموضوعات، التي كان يعالجها هو الذي أداه إلى هذه الصورة من التعبير، وانظر إليه يكتب إلى أحد تلاميذه، فيصف أيامه الماضية معه على هذا النحو١:
"كانت أرق من حاشية البرد، ومن طلوع السعد، وأحلى من إنجاز الوعد، وأعذب من القند٢، بل من النقد، وأعبق من الورد، وما أردت إلا ورد الخد، بل من المسك والند، وأطيب من القرب بعد البعد، ومن الوصل في إثر الصد، بل كانت أرق من نسيم الزهر، في السحر، ومن قضاء الوطر، على الخطر، بل كانت أقصر من ليل السكارى، أو نهار الحيارى".
وأنت ترى أساس هذه التعبيرات كلها أنه يهول، ويبالغ في وصف الأيام الماضية، وما كان من حسنها وجمالها، ولكن انظر كيف أطال في نعته لها، وهي إطالة مقصودة، إذ كان يقصد بها إلى بيان مهارته في صوغ هذه الأسجاع التي تتقابل تقابلًا بديعًا على النحو، فإذا هي تتألف من أسجاع دالية أول الأمر، حتى إذا أثبت تفوقه في استخدام الدال، وأسجاعها انتقل إلى الراء يحوك منها ما يريد من سجع، وهو يوشي هذا السجع كله بالجناس، والطباق، والتصوير.
ونحن نتساءل: ما هذه الأوصاف كلها التي "يرصها الكاتب رصًا"؟ والحق أن هذا "الرص"، وما يتبعه من تراكم العبارات أصبح أصلًا من أصول صناعة
стр. 237
الخوارزمي في رسائله، وإنا لنلمح فيه جانبًا من جوانب التصنع، وهل التصنع إلا الخروج عن الطرق الطبيعية في التعبير الفني، إما بمثل هذا التراكم للعبارات، أو بما قد يحدث من تعقيد في زخرف السجع والبديع، أو بما قد ينجم من اجتلاب ألفاظ العلوم ومصطلحاتها، ومهما يكن فنحن نقع عند الخوارزمي على هذه الحال الجديدة، التي أخذت تظهر في مذهب التصنيع، ونقصد هذه العبارات المرصوفة، التي يتراكم بعضها على بعض، والتي يحس الإنسان أنها لا تؤدي شيئًا أسجعا، وضروب من بديع، واستمع إليه يصف قصيدة بعث له بها أحد تلاميذه١:
"وصلت القصيدة الغراء، الزهراء، فكانت أرق من الماء، بل من الهواء، وألذ من الصهباء، وأسر من اللقاء بين الأحباء، ومن هجوم السراء، غب الضراب، وأعذب من مغازلة النساء، ومن مجالسة الندماء، ومن مساعدة القضاء، ومن معاقرة الشراب على الغناء، ومن استماع فوائد الحكماء، وخطب البلغاء، وقلائد الشعراء، ومن أخذ جوائز الأمراء، وتحصيل مراتب الخلفاء، فكانت معانيها أبدع من الوفاء، وأعز من السخاء، وأغرب من النصفة في الأصدقاء، ومن الأمانة في الشركاء، بل أغرب من المغرب العنقاء، وألفاظها أحسن من البدر في الظلماء، وأطيب من وصال الحسناء، ومن الشماتة بالأعداء".
أرأيت إلى هذه المبالغات، والتهويلات و"رص" العبارات؟ إنه الأسلوب الجديد، أسلوب الرسائل الشخصية عند الأستاذ الأديب أبي بكر الخوارزمي، الذي اشتهر بالبلاغة والبيان في عصره، لما كان يسوق في رسائله من مثل هذه العبارات المرصوصة، التي تدل على التصرف والمبالغة، كما تدل على ضرب من الإفراط في استخدام الجمل، والتراكيب المسجوعة، وأكبر الظن أنه كان يعمد إلى ذلك عمدًا، حتى يجمع لتلاميذه في رسائله جميع صور التعبير، التي يمكن أن يستخدموها في فكرة من الأفكار، وكأنه كان يحس أن مهمته ليست هي
стр. 238
أن يعبر عن معان، بل هي أن يعبر عن أساليب يحفظها الطلاب، وما من شك في أن هذا كان أحد الأسباب في شيوع العبارات المحفوظة في اللغة العربية، إذ نجدها تميل منذ الخوارزمي إلى الاحتفاظ بصيغ خاصة من التعبيرات، يرددها الأدباء في كتاباتهم.
وليس هذا كل ما يلاحظ على تصنيع الخوارزمي، وتطرفه فيه، بل إننا نلاحظ عليه أشياء أخرى، لعل في مقدمتها أنه يكثر من الإشارات التاريخية١، كما يكثر من ذكر الشعر، وهي حال أوسع من أن ندل عليها، وأيضًا فإنه كان يكثر من نثر الشعر، وإدماجه في كتابته، بل إنه ليعترف بأنه يكثر من إغارته على الكتاب، الذين سبقوه إذ يقول صراحة: "ما زلت أسرق من هذا كلمة، وأنظر من ذاك فقره، وأستعير من هناك نادرة وثيقة، أغصب الأحياء على بيانهم، وأنبش الموتى من أكفانهم"٢، ونراه في مقدمة إحدى رسائله يقول: "كتابي وأنا في سلامة إلا من الحر الذي يذيب دماغ الضب، ويشبه قلب الصب، وهذا سرقته، من رسائل الوزير الجليل ابن عباد، وليس بأول غارة الكردي على الحاجي، ولا بأول أخذ الطرار، ما التجار"٣، ولعل هذه السرقة وأمثالها هي التي جعلته يصف أسلوبه بأنه "سجع ملزق، وكلام ملفق"٤. والحق أننا نجد عند الخوارزمي ميلا واضحًا إلى الحذلقة في التعبير، وإنها لحذلقة تؤديه أحيانًا إلى أن تصنع لبعض ألفاظ من النجو، إذ يقول لصديق له: "وكيف صرت المستثنى، وقعدت على طريق إلا"٥، وقد نحس هذه الحذلقة نفسها في رسائل التصنيع كقوله في إحدى رسائله: "لقد أراحني الشيخ ببره، لا بل أتعبني بشكره، وفزعني بصادق قيامه لا بل شغلني بتعديد إحسانه وإنعامه، وخفف ظهري من ثقل المحن، لا بل أثقله بأعباء المنن، وأحياني بحقيق الرجاء، لا بل أماتني بقرط الحياء"٦، وعلى
стр. 239
هذا النحو نحس دائمًا بضروب من التصنع تتسرب إلى صناعة الخوارزمي، وهي صناعة كانت تقوم على التصنيع، ولكنها أخذت تظهر فيها بعض شيات التصنيع وسماته، مما يدل على أننا وصلنا من التصنيع إلى هذه المنطقة، التي يختلط فيها المذهب بمقدمات مذهب آخر، وهي مقدمات ما تزال تتسع، حتى ينفذ منها الأدباء إلى إحداث المذهب الجديد، ونحن لا نصل إلى أواخر القرن الرابع حتى نجد الرغبات تتكامل للخروج، ومن مذهب التصنيع القديم إلى مذهب جديد من التصنع، وهو مذهب كان يقوم على التعقيد في الأسلوب، والأداء، وما من ريب في أن الخوارزمي عن شيء من هذه الرغبات مع أن فنه عامة يندمج في مذهب التصنيع.
стр. 240
٤- بديع الزمان وتصنيعه:
هو، أبو الفضل أحمد بن الحسين، ويعرف باسم بديع الزمان، أصل من همذان وإليها ينسب، وقد تركه عام ٣٨٠هـ، وعمره نحو اثنتين وعشرين سنة، ويظهر أنه لم يكن معجبًا بها، فقد جاء في إحدى رسائله لأستاذه أحمد بن فارس اللغوي المعروف، الذي "أخذ عنه جميع ما عنده، واستنفذ علمه"١، قوله٢:
لا تلمني على ركاكة عقلي ... إن تيقنت أنني همذاني
وقد روى له ابن خلكان -مع شيء من الشك- بيتين يذم فيهما همذان، وأهلها ذمًا قبيحًا على هذا النحو٣:
همذان لي بلد أقول بفضله ... لكنه من أقبح البلدان
صبيانه في القبح مثل شيوخه ... وشيوخه في العقل كالصبيان
стр. 241
وقد يكون في هذا الشعر -إذا صحت نسبته إليه- ما يعلل لمفارقته بلده في مقتبل حياته، وقد تركها إلى حضرة الصاحب بن عباد زعيم أدباء عصره حينئذ، فتزود من ثماره وحسن آثاره١، ونراه يترك الصاحب إلى جرجان إذ "أقام بها مدة على مداخلة الإسماعيلية، والتعيش في أكنافهم، والاقتباس من أنوارهم، ثم قصد نيسابور فوافاها في سنة ٣٨٢هـ، ونشر بها بزه، وأظهر طرزه، وأملى أربعمائة مقامة! نحلها أبا الفتح الإسكندري في الكدية وغيرها"٢.
على أنه لا يستمر طويلًا في نيسابور، إذ نراه يرحل عنه متجولًا في خراسان، وسجستان وغزنة وما حواليه، ويقول الثعالبي: أنه "لم يبق من بلدة في ذه الأنحاء إلا دخلها، وجنى وجبى ثمارته، واستفاد خيرها وميرتها، ولا ملك ولا أمير لا وزير، ولا رئيس إلا استمطر بنوئه، وسرى في ضوئه، ففاز برغائب العم، وحصل على غرائب القسم، وألقى عصاه بهراة، واتخذها دار قراره، ومجمع أسبابه، واقتنى ضياعًا فاخرة، وعاش عيشة راضية، وحين بلغ أشده، وأربى على الاربعين ناداه الله فلباه، وفارق دنياه سة ٣٩٨ هـ"٣.
واشتهر بديع الزمان بحافظة قوية قوة شديدة، يقول صاحب اليتيمة: "إنه كان صاحب عجائب، وبدائع وغرائب، فمنها أنه كان ينشد القصيدة التي لم يسمعها قط وهي أكثر من خمسين بيتًا، فيحفظها كلها، ويؤديه من أولها إلى آخرها، لا يخرم حرفًا، ولا يخل بمعنى، وينظر في الأربعة والخمسة أوراق من كتاب لم يعرفه، ولم يره نظرة واحدة خفيفة، ثم يهذها عن ظهر قلبه هذا، ويسردها سردًا"٤، وكما اشتهر بديع الزمان بحافظته اشتهر بسعة ارتجاله"٥، وكان يعرف الفارسية، ويترجم بعض أشعارها إلى العربية، ويقال: إن الصاحب بن عباد اختبر مهارته في هذا الجانب٦، ويقول صاحب اليتيمة:
стр. 242
إنه "كان يترجم ما يقترح عليه من الأبيات الفارسية المشتملة على المعاني الغربية بالأبيان العربية، فيجمع فيها بين الإبداع، والإسراع"١.
وليس هناك كاتب في القرن الرابع نال من التمجيد، والثناء ما ناله بديع الزمان، وحتى اسمه لا يعرفه الناس، وإنما يعرفونه بلقبه الذي أطلقه عليه معاصروه، وإنه ليفصح عن مدى إعجابهم به، يقول الثعالبي: "هو معجزة همذان، ونادرة الفلك، وبكر عطارد، وفرد الدهر، وغرة العصر، ومن لم يبلق نظيره في ذكاء القريحة، وسرعة الخاطر، وشرف الطبع، وصفاء الذهن، وقوة النفس، ومن لم يدرك قرينه في طرف النثر وملحه وغرره، ولم ير ولم يرو أن أحدًا بلغ مبلغه من لب الأدب وسره، وجاء مثل إعجازه، وسحره"٢، ويقول الحصري وقد ذكر اسمه "البديع": "هذا اسم وافق مسماه، ولفظ طابق معناه، كلامه غض المكاسر، أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفًا، والهوى يعشقه ظرفا"٣، وكان الحصري يتعصب له على الخوارزمي، وبلغ من تعصبه أنه لم يرو للخوارزمي شيئًا في كتابه، بينما أكثر من روايته عن البديع، إذ كان يعجب به، وبمقدرته على التجويد، والتحبير إعجابًا شديدًا، وقد ترك بيدع الزمان مجموعة كبيرة من الرسائل نيف على مائتين وثلاثين، وأكثرها في علاقاته الشخصية، وبعضها في مسائل أدبية، وقد تحدث في الرسائل رقم ١٦٧ عن انتشار التشيع، ومن يتصفح هذه الرسائل يحس فيها أثر الاحتفال والجهد الشديد، واستمع إليه في هذه الرسالة القصيرة٤:
"يعز علي -أطال الله بقاء الرئيس- أن ينوب في خدمته قلمي عن قدمي، ويسعد برؤيته رسولي، دون وصولي، ويرد مشرعة الأنس به كتابي، قبل ركابي، ولكن ما الحيلة والعوائق جمة:
وعلي أن اسعى وليـ ... ـس علي إدراك النجاح
стр. 243
وقد حضرت داره، وقبلت جداره، وما بي حب الجدران، ولكن شغفًا بالقطان، ولا عشق الحيطان، ولكن شوقًا إلى السكان".
وأكبر الظن أنه استقرت في نفسك الآن صورة من تصنيع البديع، فهو يعتند في تصنيعه على السجع القصير، وإنه ليبعد في ذلك، فإذا سجعاته لا تتألف من عبارات، وإنما تتألف من ألفاظ وكلمات، فـ"قلمي" تتبعها "عن قدمي" و"رسولي" يليها "دون وصولي"، و"كتابي" تجيء في إثرها "قبل ركابي"، وما من شك في أنه بلغ من ذلك مبلغًا لم يصل إليه ابن العميد، ولا من تبعوه في مذهب التصنيع، وهو ضيف إلى ذلك كل ما يمكنه من ترصيع بالبديع، وكان يعتمد -في أغلب الأمر- على الجناس، بينما كان يعتمد الخوارزمي في الأكثر على الطباق، وهما يشتركان بعد ذلك في العناية بالتصوير، على أن البديع كان يهتم بلون لم يأبه له الخوارزمي، وهو "مراعاة النظير" بين ألفاظه وكلماته، وكان يبالغ في ذلك حتى يضم اللفق إلى لفقه، والشكل إلى شكله، كقوله في تهنئة بمولود: "حبذا الأصل وفرعه، وبورك الغيث وصوبه، وأينع الروض ونوره، وحبذا سماء أطلعت فرقدًا، وغالبة أبرزت أسدًا"١، فإنه حين ذكر الأصل، وفرغه استطرد إلى ذكر الغيث وصوبه، والروض ونوره أو زهره، والسماء وفرقدها، والغابة وأسدها، ومن ذلك قوله في إحدى رسائله:
"وردت من ذلك السلطان حضرته، التي هي كعبة المحتاج لا كعبة الحجاج، ومشعر الكرام، لا مشعر الحرام، ومنى الضيف، لا منى الخيف وقبلة الصلات، لا قبلة الصلاة"٢، فإنه حين ذكر الكعبة، والحجاج ذكر المشعر الحرام، ومنى الخيف وقبلة الصلاة، وكل ذلك ليجانس، ويناظر بين ألفاظه وكلماته. على أن هناك ظاهرة تختص بها رسائل بديع الزمان، ولا توجد في رسائل الخوارزمي، وهي ظاهرة القصص، وهي أوسع من أن نمثل لها بأمثلة؛ لأنها تنتشر في جميع رسائله، ومهما يكن فقد كان بديع الزمان معجبًا بمذهب التصنيع، وكان يسعى دائمًا إلى تطبيقه في رسائله، وكتاباته وإنه ليغالي في هذا التطبيق، فإذا هو يحاول أن يقصر عبارات سجعه تقصيرًا شديدًا، كما يحاول أن يفرط في استخدام ألوان البديع إفراطًا بعيدًا.
стр. 244
التصنع وتصنيع بديع الزمان
...
٥- التصنيع وتصنيع بديع الزمان:
رأينا بديع الزمان يعني في رسائل بتطبيق أساليب التصنيع عناية واسعة، وقد أفرط في ذلك إفراطًا أتاح لضروب من التصنع أن تتسرب إلى كتاباته، ولعل في مقدمة هذه الضروب ما نحسه عنده من مبالغات، وتهويلات تشبه تهويلات الخوارزمي، ومبالغاته، بل لعل الخوارزمي لم يفرط إفراطه، على أن هذا ليس هو الجانب الأهم في تصنيع البديع، بل هناك جوانب كثيرة نحسها لأول مرة عنده، وإنها لتجعله قريبًا من ذوق أصحاب التصنع، إذ كان يحاول دائمًا أن يأتي بجديد في فنه، وأدته هذه المحاولة إلى فنون من التصنع، لا عهد لأصحاب التصنع بها، واستمع إلى هذه الرسالة، التي كتبها يصف نهب اللصوص له في أثناء رحيله من جرجان إلى نيسابور١:
"كتابي، وأنا أحمد الله إلى الشيخ، وأذم الدهر فما ترك لي فضة إلا فضها، ولا ذهبًا إلا ذهب به، ولا علفًا إلا علقه، ولا عقارًا إلا عقره، ولا ضيعة إلا أضاعها، ولا مالًا إلا مال إليه، ولا حالا إلا حال عليه، ولا فرسًا إلا افترسه، ولا سبدًا إلا استبد به، ولا لبدًا إلا لبد٢ فيه، ولا بزة إلا بزها، ولا عارية إلا ارتجعها، ولا وديعة إلا انتزعها، ولا خلعة إلا خلعها، وأنا داخل نيسابور، ولا حلية إلا الجلدة، ولا بردة إلا القشرة".
ألا تشرع بأن البديع في هذه الرسالة، قد تجاوز الطرق الطبيعية في الزخرفة
стр. 245
بزينة الجناس، إذ أعنت نفسه هذا العنت في طلبه، فكل عبارة تخرج محملة به، وهذا هو معنى ما نقوله من أن الإفراط في استخدام ألوان التصنيع، يقود الكاتب إلى فنون من التصنع، والتكلف الشديد، ولم يكن الخوارزمي، ولا غير الخوارزمي من أصحاب مذهب التصنيع، يضيقون على أنفسهم كل هذا الضيق، فإذا هم لا يصنعون عبارة، إلا ويوشونها بزخرف من زخارف البديع، ولكن ما لبديع الزمان، وللخوارزمي، وأصحابه؟ إنه يريد أن يتفوق عليهم، وهو لذلك يعمد إلى إعنات نفسه في صناعته، حتى يقع عمله من أهل عصره موقعًا غريبًا، وكأنما الإغراب أصبح هو البدع الجديد، ولذلك نراه يلجأ إلى مثل هذه الجناسات، التي نراها في القطعة السابقة، وانظر إليه يقول في إحدى رسائله مفضلًا العرب على العجم١:
"العرب أوفى وأوفر، وأوقى وأوقر، وأنكى وأنكر، وأعلى وأعلم، وأحلى وأحلم، وأقوى وأقوم، وأبلى وأبلغ، وأشجى وأشجع، وأسمى وأسمح، وأعطى وأعطف، وألطى وألطف، وأحصى وأحصف، وأنقى وآنق، ولا ينكر ذلك إلا وقح وتح، ولا يجحده إلا نغل نغر"٢.
أرأيت إلى هذه الكثرة من الجناس الناقص؟ أنها دليل آخر على ما نذهب إليه، من أن زخرف الجناس عند البديع أخذ يفقد بعض قيمته القديمة؛ لأن الكاتب يجعلنا نشرف على ضرب من التصنع في استخدامه، ومع أنه زخرف حقًا، ولكنا نحس أن طاقته القديمة فقدت بعض مميزاتها، وما كان يسمها من حسن وجمال، والحق أن التطرف في استخدام أدوات التصنع على هذا النحو، ينتهي صاحبه إلى الخروج إلى مذهب التصنع، والبديع لم يكن من أصحاب هذا المذهب، ولكنه كان مغاليًا في تصنيعه مغالاة جعلته يدنوم من ذوق أصحاب التصنع، الذين يصعبون في تعبيرهم كما سنرى فيما بعد، وقد كانوا
стр. 246
يلتمسون هذا التصعيب -من بعض الوجوه- في تعقيد زخرف التصنيع على نحو ما نرى الآن عند البديع، على أنه ينبغي أن نعرف أن البديع لم يكن يكثر من ذلك؛ لأنه لم يكن يتخذه مذهبًا، ولكنا على كل حال نجده عنده، وكأنه تعبير عن هذا التحول الذي أخذ يظهر قليلًا قليلًا في ميادين التصنيع، وهو تحول كان يراد به الانتقال إلى المذهب الجديد، مذهب التصنع.
وليس كل ما نجده عند البديع من الشعور بهذا التحول، هو استخدامه للجناس على هذا النحو، فنحن نجد عنده مظاهر أخرى، لعل من أهمها جنوحه للغريب في نثره، كأن الغريب غاية يسعى إليها الكاتب ليحقق ضربًا من الجمال في صناعته، وأكبر الظن أنه كان للجناس، واهتمامه به أثر في استخدامه لهذا الغريب، وبجانب هذه الظاهرة التي تدل على التصنع والتكلف؛ لأن استخدام الغريب لا يعد جمالا في ذاته، نجد عنده ظاهرة أخرى، وهي كثرة الأمثال في نثره، وأيضًا فقد كان يكثر من اقتباس القرآن الكريم في كتابته، ولا يقف البديع عند ذلك، بل نراه يكثر من تضمين العشر، وانظر إلى هذه الرسالة التي أرسل بها إلى الخوارزمي أول قدمه إلى نيسابور١:
"أنا لقرب الأستاذ -أطال الله بقاءه- "كما طرب النشوان مالت به الحمر"، ومن الارتياح للقائه، "كا انتفض العصفور بلله القطر"، ومن الامتزاج بولائه "كما التقت الصهباء والبارد العذب"، ومن الابتهاج بمرآه، "كما اهتز تحت البارح٢ الغصن الرطب"، فكيف نشاط الأستاذ لصديق طوى إليه ما بين قصبي العراق وخراسان، بل ما بين عتبتي نيسابور وجرجان، وكيف اهتزازه لضيف في ردة جمال، وجلدة حمال.
رث الشمائل منهج الأثواب ... بكرت عليه مغيرة الأغراب٣
وهو -أيده الله- ولي إنعامه، بإنفاذ غلامه إلى مستقري، لأفضى إليه بسي، إن شاء الله تعالى".
стр. 247
وواضح أن البديع استعان أربع مرات في أوائل رسالته بهذه الشطور من الشعر، التي وضعناها بين أقواس، وما من ريب في أنه جاء بها ليدل الخوارزمي على مهارته، وهذا هو نفسه ما يجعلنا نشعر بأن البديع كان يستظهر شارات من الصنع في عمله، وهي شارات تضطره إلى الجناس المسرف، أو الجناس المعقد، كما تضطره إلى استخدام الغريب، وأيضًا فإنها تضطره إلى هذا التضمين لشطور الشعر في كلامه.
والواقع أننا نحس في هذه الظواهر كلها أثرًا من التصنع، الذي أخذ القرن الرابع يعد لظهوره، ويهيئ لخروجه بما كان يصنعه البديع، والخوارزمي في آثارهما، وقد كان البديع أقرب من الخوارزمي إلى ذوق التصنع، ولعل ذلك ما جعله يميل إلى اللعب، والعبث في صناعته، فقد روى الثعالبي في يتميته أنه "كان يكتب الكتاب المقترح عليه، فيبتدئ بآخر سطر منه، ثم هلم جرًا إلى الأول"١، وقد روى بديع الزمان نفسه في رسائله صورًا كثيرة من هذا اللعب، إذ نراه يدل على الخوارزمي بأنه يستطيع أن يقترح عليه أربعمائة صنف في الترسل، ثم يستطرد، فيصف بعض هذه الأصناف، فيقول: إنه يستطيع أن يكتب كتابًا يقرأ منه جوابه، أو كتابًا يقرأ من آخر إلى أوله، أو كتابًا إذا قرئ من أوله إلى آخره كان كتابًا، فإن عكست سطوره مخالفة كان جوابًا، أو كتابًا لا يوجد فيه حرف منفصل من راء يتقدم الكملة، أو دال ينفصل عنها، أو كتابا خاليا من الألف واللام، أو كتابا خاليا من الحروف العواطل، أو كتابا أول سطوره كلها ميم وآخرها جيم، أو كتابًا إذا قرئ معرجًا وسرد معرجا كان شعرًا، أو كتابًا إذا فسر على وجه كان مدحًا، وإذا فسر على وجه كان قدحًا٢.
ولعل من الطريف أن الخوارزمي حين سمع من بديع الزمان هذه الأصناف
стр. 248
الجديدة في الكتابة قال: إنها شعبذة، وحقا ما يقوله الخوارزمي: فإنها لا تفصح عن جمال، وإنما تفصح عن لعب، والخوارزمي لم يكن يفهم هذا اللعب؛ لأنه ليس من قبيل زخرف التصنيع الذي يعهده، غير أننا لا نمضي عند بديع الزمان حتى نحس تحولًا في هذا الزخرف، وهو تحولا لا يتصل به مباشرة، إنما يتصل بطرق أدائه، فإذا هذه الطرق تصعب هذا التصعيب، الذي يحس فيه الخوارزمي ضربًا من ضروب الشعبذة، ورد البديع عليه حين أنكر منه ذلك بقوله: "إنك لا تحسن من الكتابة إلا هذه الطريقة الساذجة، وهذا النوع الواحد المتداول بكل قلم، المتناول بكل يد وفم"١، ويقص علينا بديع الزمان أنه قرأ على الخوارزمي، ومن حضروا مناظرتهما كتابًا منكوسا، ثم سرده معكوسًا، وقال: "إن الجماعة، بهتت العيون زرقت٢، وفي إعجاب هذه الجماعة بشعبذته ما يدل على أننا أصبحنا على وشك الانتقال إلى مرحلة التصنع، إذ أخذ الناس يعجبون بالطرق الغريبة في التعبير، كأن الإغراب من حيث هو شيء له جلاله، وخطره في صناعة الرسائل، وحقًا إن البديع لم يتحول في عمله كله إلى هذه الوجهة، ولكننا نجد عنده بعض عناصرها وبعض مقدماتها، بحيث لا نبعد إذا قلنا: إنه كان من أهم من رشحوا لمذهب التصنع، وظهوره.
стр. 249
٦- مقامات البديع، وما فيها من تصنع:
ونحن نعرض لضرب جديد من الكتابة ابتكره بديع الزمان، لنرى ما فيه من تصنع، وهو ما اشتهر به مقاماته، وهي نوع من القصص القصيرة تحفل بالحركة التمثيلية، وفيها تدور المحاورة بين شخصين سمي أحدهما عيسى بن هشام والآخر أبا الفتح الإسكندري، وهو من الآدباء السيارين أو المكذبين السائلين، يطوف من مكان إلى مكان يستجدي الناس بفصاحته وبيانه، يتقابل دائمًا هذا الشخص المسمى بأبي الفتح الإسكندري، مع راو له يحكي أخباره، وهو عيسى بن هشام، ويقول بديع الزمان -كما مر بنا-: إنه أصنع أربعمائة قصة من هذا النوع، أو كما يسميها هو مقامة١، غير أنه لم يصلنا منمها إلا نيف وخمسون فقط، وأكبر الظن أن بديع الزمان كان بصدد الافتخار، والتزيد في عمله، ولذلك ينبغي أن لا نفهم العدد الذي ذكره بمعناه الحرفي.
ويقف الباحثون عند كلمة مقامات، التي أطلقها البديع على قصصه، ويتساءلون عن المعاني، التي جاءت فيها قبله٢، وإن من يرجع إلى الشعر الجاهلي يجدها تستعمل فيه بمعنى المجالس، يقول زهير بن أبي سلمى في بعض شعره٣:
وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
ثم توسع العرب في معنى الكلمة، فأصبحوا يطلقونها على خطبهم، وأحاديثهم التي يقولونها في مجالسهم، وقد يفهم بيت زهير على هذا المعنى، واستمرت الكلمة تدل على المعنيين، حتى عصر بديع الزمان نفسه، إذ نجده يستخدمها في رسائله بمعنى المجالس ٤، كما استخدمها الثعالبي بنفس المعنى٥، وفي أخبار البديع أنه كان يختم مقامه، أو مجلسه في نيسابور بقصة من هذه القصص، ولعله من أجل ذلك اختار لهم اسم المقامات.
стр. 250
وذكر الحصري أن بديع الزمان ألف هذه المقامات معارضة لابن دريد، المتوفى عام٣٢١هـ، إذ يقول: إن البديع "لما رأى أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثا، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، وانتخابها من معادة من فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها إلى الأفكار والضمائر، في معارض حوشية، وألفاظ عنجهية، فجاء أكثرها ينبو عن قبول الطابع، ولا ترفع له حجب الأسماع ... عراضة بأربعمائة مقامة في الكدية تذوب ظرفًا، وتقطر حسنًا"١، على أنه ينبغي أن نلاحظ أحاديث ابن دريد تخالف مقامات الهمذاني في موضوعها، إذ إن ما رواه له القالي في كتابه الأمالي، منها يدور غالبًا حول حكايات عربية قديمة، للتاريخ والحب فيها نصيب، بينما أقاصيص بديع العزمان تدور على التسول، والكدية ومع ذلك فالعلاقة بين العملين واضحة أولًا من حيث الاسم، فإن من معاني كملة مقامة التي اختارها بديع الزمان لقصصه "حديثًا"، وتجمع على أحاديث، وهو نفس الاسم الذي اقترحه ابن دريد لأقاصيصه، وثانيًا من حيث الغاية، فأحاديث ابن دريد، ومقامات بديع الزامان ألفتا لغاية واحدة، هي تعليم الناشئة اللغة.
والمقامات تصور حياة الأدباء السيارين، الذين كانوا يسمون باسم الساسانيين نسبة إلى ساسان، وهو شخص فارسي قديم يقال: إن أباه حرمه من الملك، فهام على وجهه محترفًا للكدية، ومن يقرأ في اليتيمة يجد طائفة الساسانيين هذه تحتل حيزًا في الحياة الأدبية للقرن الرابع الهجري، وهي تشبه تمام الشبه طائفة "الأدباتية"، التي اشتهرت عندنا بمصر في القرن التاسع عشر الميلادي، إذ كانوا يتخذون الأدب، والشعر، وما يتصل بهما من فصاحة وبلاغة وسيلة إلى كسب المال وابتزازه، ومن يرجع إلى بخلاء الجاحظ، يجده يعرض لهذه الطائفة وحيلها٢.
وقد تحدث عنها البيهقي في القرن الرابع٣، وإذا استمررنا في هذا القرن إلى عصر بديع الزمان، وجدنا هذه الطائفة تتضح شخصيتها في الحياة الاجتماعية بأوسع