← Адаб

Адаб · id 11544

الفن ومذاهبه في النثر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يلتمسون هذا التصعيب -من بعض الوجوه- في تعقيد زخرف التصنيع على نحو ما نرى الآن عند البديع، على أنه ينبغي أن نعرف أن البديع لم يكن يكثر من ذلك؛ لأنه لم يكن يتخذه مذهبًا، ولكنا على كل حال نجده عنده، وكأنه تعبير عن هذا التحول الذي أخذ يظهر قليلًا قليلًا في ميادين التصنيع، وهو تحول كان يراد به الانتقال إلى المذهب الجديد، مذهب التصنع. وليس كل ما نجده عند البديع من الشعور بهذا التحول، هو استخدامه للجناس على هذا النحو، فنحن نجد عنده مظاهر أخرى، لعل من أهمها جنوحه للغريب في نثره، كأن الغريب غاية يسعى إليها الكاتب ليحقق ضربًا من الجمال في صناعته، وأكبر الظن أنه كان للجناس، واهتمامه به أثر في استخدامه لهذا الغريب، وبجانب هذه الظاهرة التي تدل على التصنع والتكلف؛ لأن استخدام الغريب لا يعد جمالا في ذاته، نجد عنده ظاهرة أخرى، وهي كثرة الأمثال في نثره، وأيضًا فقد كان يكثر من اقتباس القرآن الكريم في كتابته، ولا يقف البديع عند ذلك، بل نراه يكثر من تضمين العشر، وانظر إلى هذه الرسالة التي أرسل بها إلى الخوارزمي أول قدمه إلى نيسابور١: "أنا لقرب الأستاذ -أطال الله بقاءه- "كما طرب النشوان مالت به الحمر"، ومن الارتياح للقائه، "كا انتفض العصفور بلله القطر"، ومن الامتزاج بولائه "كما التقت الصهباء والبارد العذب"، ومن الابتهاج بمرآه، "كما اهتز تحت البارح٢ الغصن الرطب"، فكيف نشاط الأستاذ لصديق طوى إليه ما بين قصبي العراق وخراسان، بل ما بين عتبتي نيسابور وجرجان، وكيف اهتزازه لضيف في ردة جمال، وجلدة حمال. رث الشمائل منهج الأثواب ... بكرت عليه مغيرة الأغراب٣ وهو -أيده الله- ولي إنعامه، بإنفاذ غلامه إلى مستقري، لأفضى إليه بسي، إن شاء الله تعالى".

стр. 247

وواضح أن البديع استعان أربع مرات في أوائل رسالته بهذه الشطور من الشعر، التي وضعناها بين أقواس، وما من ريب في أنه جاء بها ليدل الخوارزمي على مهارته، وهذا هو نفسه ما يجعلنا نشعر بأن البديع كان يستظهر شارات من الصنع في عمله، وهي شارات تضطره إلى الجناس المسرف، أو الجناس المعقد، كما تضطره إلى استخدام الغريب، وأيضًا فإنها تضطره إلى هذا التضمين لشطور الشعر في كلامه. والواقع أننا نحس في هذه الظواهر كلها أثرًا من التصنع، الذي أخذ القرن الرابع يعد لظهوره، ويهيئ لخروجه بما كان يصنعه البديع، والخوارزمي في آثارهما، وقد كان البديع أقرب من الخوارزمي إلى ذوق التصنع، ولعل ذلك ما جعله يميل إلى اللعب، والعبث في صناعته، فقد روى الثعالبي في يتميته أنه "كان يكتب الكتاب المقترح عليه، فيبتدئ بآخر سطر منه، ثم هلم جرًا إلى الأول"١، وقد روى بديع الزمان نفسه في رسائله صورًا كثيرة من هذا اللعب، إذ نراه يدل على الخوارزمي بأنه يستطيع أن يقترح عليه أربعمائة صنف في الترسل، ثم يستطرد، فيصف بعض هذه الأصناف، فيقول: إنه يستطيع أن يكتب كتابًا يقرأ منه جوابه، أو كتابًا يقرأ من آخر إلى أوله، أو كتابًا إذا قرئ من أوله إلى آخره كان كتابًا، فإن عكست سطوره مخالفة كان جوابًا، أو كتابًا لا يوجد فيه حرف منفصل من راء يتقدم الكملة، أو دال ينفصل عنها، أو كتابا خاليا من الألف واللام، أو كتابا خاليا من الحروف العواطل، أو كتابا أول سطوره كلها ميم وآخرها جيم، أو كتابًا إذا قرئ معرجًا وسرد معرجا كان شعرًا، أو كتابًا إذا فسر على وجه كان مدحًا، وإذا فسر على وجه كان قدحًا٢. ولعل من الطريف أن الخوارزمي حين سمع من بديع الزمان هذه الأصناف

стр. 248

الجديدة في الكتابة قال: إنها شعبذة، وحقا ما يقوله الخوارزمي: فإنها لا تفصح عن جمال، وإنما تفصح عن لعب، والخوارزمي لم يكن يفهم هذا اللعب؛ لأنه ليس من قبيل زخرف التصنيع الذي يعهده، غير أننا لا نمضي عند بديع الزمان حتى نحس تحولًا في هذا الزخرف، وهو تحولا لا يتصل به مباشرة، إنما يتصل بطرق أدائه، فإذا هذه الطرق تصعب هذا التصعيب، الذي يحس فيه الخوارزمي ضربًا من ضروب الشعبذة، ورد البديع عليه حين أنكر منه ذلك بقوله: "إنك لا تحسن من الكتابة إلا هذه الطريقة الساذجة، وهذا النوع الواحد المتداول بكل قلم، المتناول بكل يد وفم"١، ويقص علينا بديع الزمان أنه قرأ على الخوارزمي، ومن حضروا مناظرتهما كتابًا منكوسا، ثم سرده معكوسًا، وقال: "إن الجماعة، بهتت العيون زرقت٢، وفي إعجاب هذه الجماعة بشعبذته ما يدل على أننا أصبحنا على وشك الانتقال إلى مرحلة التصنع، إذ أخذ الناس يعجبون بالطرق الغريبة في التعبير، كأن الإغراب من حيث هو شيء له جلاله، وخطره في صناعة الرسائل، وحقًا إن البديع لم يتحول في عمله كله إلى هذه الوجهة، ولكننا نجد عنده بعض عناصرها وبعض مقدماتها، بحيث لا نبعد إذا قلنا: إنه كان من أهم من رشحوا لمذهب التصنع، وظهوره.

стр. 249

٦- مقامات البديع، وما فيها من تصنع: ونحن نعرض لضرب جديد من الكتابة ابتكره بديع الزمان، لنرى ما فيه من تصنع، وهو ما اشتهر به مقاماته، وهي نوع من القصص القصيرة تحفل بالحركة التمثيلية، وفيها تدور المحاورة بين شخصين سمي أحدهما عيسى بن هشام والآخر أبا الفتح الإسكندري، وهو من الآدباء السيارين أو المكذبين السائلين، يطوف من مكان إلى مكان يستجدي الناس بفصاحته وبيانه، يتقابل دائمًا هذا الشخص المسمى بأبي الفتح الإسكندري، مع راو له يحكي أخباره، وهو عيسى بن هشام، ويقول بديع الزمان -كما مر بنا-: إنه أصنع أربعمائة قصة من هذا النوع، أو كما يسميها هو مقامة١، غير أنه لم يصلنا منمها إلا نيف وخمسون فقط، وأكبر الظن أن بديع الزمان كان بصدد الافتخار، والتزيد في عمله، ولذلك ينبغي أن لا نفهم العدد الذي ذكره بمعناه الحرفي. ويقف الباحثون عند كلمة مقامات، التي أطلقها البديع على قصصه، ويتساءلون عن المعاني، التي جاءت فيها قبله٢، وإن من يرجع إلى الشعر الجاهلي يجدها تستعمل فيه بمعنى المجالس، يقول زهير بن أبي سلمى في بعض شعره٣: وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية ينتابها القول والفعل وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل ثم توسع العرب في معنى الكلمة، فأصبحوا يطلقونها على خطبهم، وأحاديثهم التي يقولونها في مجالسهم، وقد يفهم بيت زهير على هذا المعنى، واستمرت الكلمة تدل على المعنيين، حتى عصر بديع الزمان نفسه، إذ نجده يستخدمها في رسائله بمعنى المجالس ٤، كما استخدمها الثعالبي بنفس المعنى٥، وفي أخبار البديع أنه كان يختم مقامه، أو مجلسه في نيسابور بقصة من هذه القصص، ولعله من أجل ذلك اختار لهم اسم المقامات.

стр. 250

وذكر الحصري أن بديع الزمان ألف هذه المقامات معارضة لابن دريد، المتوفى عام٣٢١هـ، إذ يقول: إن البديع "لما رأى أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثا، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، وانتخابها من معادة من فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها إلى الأفكار والضمائر، في معارض حوشية، وألفاظ عنجهية، فجاء أكثرها ينبو عن قبول الطابع، ولا ترفع له حجب الأسماع ... عراضة بأربعمائة مقامة في الكدية تذوب ظرفًا، وتقطر حسنًا"١، على أنه ينبغي أن نلاحظ أحاديث ابن دريد تخالف مقامات الهمذاني في موضوعها، إذ إن ما رواه له القالي في كتابه الأمالي، منها يدور غالبًا حول حكايات عربية قديمة، للتاريخ والحب فيها نصيب، بينما أقاصيص بديع العزمان تدور على التسول، والكدية ومع ذلك فالعلاقة بين العملين واضحة أولًا من حيث الاسم، فإن من معاني كملة مقامة التي اختارها بديع الزمان لقصصه "حديثًا"، وتجمع على أحاديث، وهو نفس الاسم الذي اقترحه ابن دريد لأقاصيصه، وثانيًا من حيث الغاية، فأحاديث ابن دريد، ومقامات بديع الزامان ألفتا لغاية واحدة، هي تعليم الناشئة اللغة. والمقامات تصور حياة الأدباء السيارين، الذين كانوا يسمون باسم الساسانيين نسبة إلى ساسان، وهو شخص فارسي قديم يقال: إن أباه حرمه من الملك، فهام على وجهه محترفًا للكدية، ومن يقرأ في اليتيمة يجد طائفة الساسانيين هذه تحتل حيزًا في الحياة الأدبية للقرن الرابع الهجري، وهي تشبه تمام الشبه طائفة "الأدباتية"، التي اشتهرت عندنا بمصر في القرن التاسع عشر الميلادي، إذ كانوا يتخذون الأدب، والشعر، وما يتصل بهما من فصاحة وبلاغة وسيلة إلى كسب المال وابتزازه، ومن يرجع إلى بخلاء الجاحظ، يجده يعرض لهذه الطائفة وحيلها٢. وقد تحدث عنها البيهقي في القرن الرابع٣، وإذا استمررنا في هذا القرن إلى عصر بديع الزمان، وجدنا هذه الطائفة تتضح شخصيتها في الحياة الاجتماعية بأوسع

стр. 251

مما كانت عليه قبل ذلك، اشتهر من شعرائها حينئذ الأحنف العكبري، وأبو دلف الخزرجي، أما الأحنف، فيقول عنه صاحب اليتيمة: إنه "شاعر المكدين وظريفهم، ومليح الجملة، والتفصيل منهم"، وروى له بعقب ذلك قصيدة دالية طويلة عرض فيها لحرفة الكدية عرضًا واسعًا١، وأما أبو دلف، فيقول فيه صاحب اليتيمة: "شاعر كثير الملح الطرف، مشحوذ المدية في الكدية، خنق التسعين في الإطراب والاغتراب، وركوب الأسفار الصعاب، وضرب صفحة المحراب بالجراب، في خدمة العلوم والآداب, وكان ينتاب حضرة الصاحب ويكثر المقام عنده، ولما أتحفه بقصيدته التي عارض بها دالية الأحنف العكبري في المناكاة، وذكر المكدين، والتنبيه على فنون حرفهم، وأنواع رسومهم.. اهتز ونشط لها، وتبجح بها، وتحفظها كلها وأجزل صلته عليها"٢، وهي قصيدة طويلة رواها صاحب اليتيمة، وفيها ذكر الأحنف الألفاظ الاصطلاحية لأهل الكدية، وما كانوا يتخذونه في مناكاتهم أي كلامهم، الذي يتكدون به من مصطلحات خاصة، كما ذكر حيلهم، وتفننهم في هذه الحيل على صور شتى٣، وعرض بديع الزمان في مقاماته لكثير من هذه الحيل٤، كما سمى مقامة له باسم المقامة الساسانية نسبة إلى هذه الطائقة، وما لنا نذهب بعيدًا، وقد كان البديع نفسه راوية لأبي دلف٥، فقد نسب إلى أبي الفتح الإسكندري بطل مقاماته هذه الأبيات٦: ويحك هذا الزمان زور ... فلا يغرنك الغرور زوق ومخرق وكل وأطبق ... واسرق وطلبق لمن يزور ولا تلتزم حالة ولكن ... در بالليالي كما تدور وهي من شعر أبي دلف٧، وكل ذلك يؤكد الصلة، ويوثقها بين بديع

стр. 252

الزمان في مقاماته، وبين أهل الكدية في زمنه، ومهما يكن فقد استطاع بديع الزمان أن ينفذ من نمو هذه الطائفة في عصره، وما اشتهرت به من حيلها إلى صنع مقاماته، ويسوق البديع هذه المقامات في شكل قصص درامية صغيرة، يمكن أن تعتبر المقامات كلها قصة واحدة، تعبر عن أطوار مستقلة من حياة بطلها أبي الفتح الإسكندري، أو قل: إنها تعبر عن حوادث مستقلة من أيامه. صيغت في أسلوب قصصي يشيع فيه الحوار، وفيها نرى أبا الفتح يحتال على الناس بطرق مختلفة من بلاغته، ليبتز أموالهم، وفي أغلب أمره يلتقي به عيسى بن هشام، فيعجب بفصاحته، ويكشف اللثام عن وجهه، وفي كل مرة لا يخطئه، فهو دائمًا أبو الفتح الإسكندري! ... وما من ريب في أن هذه الصورة تخرج في كثير من جوانبها بالمقامات عن أسلوب القصص المشوق إلى أسلوب السرد، وإن كنا لا نعدم فيها القصص الدرامية الطريفة. وكان هم بديع الزمان الأول، أن يجمع في كل مقامة من مقاماته طائفة من الأساليب البلاغية المصنعة، التي تعتمد على السجع والبديع، وإنه ليسرف في تجميل كل مقامة بأوسع طاقة ممكنة من الزخرف والزينة والتنميق، ومن ثم انصرف عن الموضوع إلى الأسلوب، وذهب يجمله ويرصعه فنونًا من التجميل والترصيع، فالترصيع والتجميل هما غايته من عمله، حتى تستوي له طرف إنشائية بليغة تروع معاصريه، وقد كان القدماء أنفسهم يعرفون ذلك، يقول ابن الطقطقي: "إن المقامات لا يستفاد منها سوى التمرن على الإنشاء، والوقوف على مذاهب النظم والنثر"١، وإن من يتابع البديع في مقاماته يحس حقًا أنه ألفها لغرض التمرن على الكتابة والإنشاء، فإنه يعني دائمًا بالوصف، ولا يصف شيئًا إلا راكم فيه العبارات "ورصها رصًا"، ليختار منها الكاتب ما يريد، وانظر إليه يصف الخمر على لسان ربة حانة فيقول٢: "هذه خمر كأنما اعتصرها من خدي، أجداد جدي، وسربلوها من القار

стр. 253

بمثل هجري وصدي، وديعة الدهور، وخبيئة جيب السرور، وما زالت تتوارثها الأخيار، ويأخذ منها الليل والنهار، حتى لم يبق إلا أرج وشعاع، ووهج لذاع. ريحانة النفس وضرة الشمس، فتاة البرق١، عجوز الملق، كاللهب في العروق، وكبرد النسيم في الحلوق، مصباح الفكر، وترياق سم الدهر، مثلها عزر الميت، فانشر ودووي الأكمه فأبصر". ألا تحس بأن بديع الزمان يحاول هنا أن يجمع أكثر ما يمكنه من أوصاف الخمر، ليسلكها في عقد مقاماته، وهو ينظر إلى كل عبارة، كأنها جوهرة يريد أن يضعها في هذا العقد، حتى تتلألأ بقوة أوسع من قوة جارتها، وما يزال يحتال على هذه الجواهر، يضمها بعضها إلى بعض، حتى ينال استحسان سامعيه في نيسابور موطن الخوارزمي، وموطن فصاحته، وما اشتهر به من بلاغته، وكأنه يريد أن يصرف تلاميذه عنه بما يروعهم به من هذه الأساليب المصنعة، التي تتراكم في مقاماته تراكمًا، وانظر إليه يقول في المقامة الأسدية: "اتفقت لي حاجة بحمص، فشحذت إليها الحرص، في صحبة أفراد كنجوم الليل، أحلاس٢ لظهور الخيل، وأخذنا الطريق ننهب مسافته، ونستأصل شأفته، ولم نزل نفري٣ أسنمة النجاد، بتلك الجياد، حتى صرن كالعصي، ورجعن كالقسي وتاح٤ لنا واد في سفح جبل، ذي ألاء وأثل٥، كالعذارى يسرحن الضفائر، وينشرن الغدائر، ومالت الهاجرة بنا إليها، ونزلنا نغور ونغور٦، وربطنا الأفراس بالأمراس٧، وملنا مع النعاس، فما راعنا إلا صهيل الخيل، ونظرت إلى فرسي، وقد أرهف أذنيه، وطمح بعينيه، يجذ قوى الحبل بمشافره، ويخد خد الأرض بحوافره، ثم اضطربت الخيل فتقطعت الحبال، وأخذت نحو الجبال، وطار لك واحد منها إلى سلاحه، فإذا السبع

стр. 254

في فروة الموت، قد طلع من غابه، منتفخًا في إهابه، كاشرًا عن أنيابه، بطرف قد ملئ صلفا، وأنف قد حشي وصدر لا يبرحه القلب، ولا يسكنه الرعب، وقلنا: خطب مليم، وحادث مهم، وتبادر إليه من سرعان الرفقة فتى: أخضر الجلدة في بيت العرب ... يملأ الدلوا إلى عقد الكرب١ بقلب ساقه قدر، وسيف كله أثر، وملكته سوره الأسد، فخانته أرض قدمه، حتى سقط ليده وفمه، وتجاوز الأسد مصرعه، إلى من كان معه، ودعا الحين٢ أخاه، بمثل ما دعاه، فصار إليه، وعقل الرعب يديه، فأخذ أرضه، وافترش الليث صدره، ولكني رميته بعمامتي، وشغلت فمه، حتى حقنت دمه، وقام الفتى فوجأ٣ بطنه، حتى هلك الفتى من خوفه، والأسد للوجأة في جوفه". وأنت ترى أن بديع الزمان يعني عناية واضحة برصف أسجاعه مضيفًا عليها ألوانا من البديع، وخاصة من الجناس والتصوير، إذ كان يهتم بما اهتمامًا واسعًا، كما كان يهتم بشيء آخر، وهو كثيرة حشده للغريب في مقاماته على نحو ما نرى في المقامة النهدية، وارجع إلى المقامة الحمدانية، فستراه هناك يصف فرسًا، فيعنت نفسه في الإتيان باللفظ الغريب، حتى إذ استوفى من ذلك ما يريد، عاد فشرح لفظه كأنه أستاذ من أساتذة اللغة، لا أديب ينشئ قصة، وهذا نفسه احد الأدلة على أنه لم يرد بكثير من مقاماته إلى غاية قصصية خالصة، إنما أراد بها إلى غاية تعليمية، وقد أدته هذه الغاية إلى أن يكثر من الأساليب المصنعة، كما أدته إلى أن يكثر من اللفظ الغريب، وقد تلوم من أجلهما الجاحظ، وحل عليه حملة شعواء في مقاماة سماها المقامة الجاحظية، وفيها يقول عنه: إنه "قليل الاستعارات، قريب العبارات، منقاد لعريان

стр. 255

الكلام يستعمله، نفور من معتاصه يهمله، فهل سمعتم له لفظة مصنوعة، أو كلمن غير مسموعة"، ونحن لا نلوم البديع على اهتمامه بالاستعارات؛ لأنها كانت إحدى زخارف مذهب التصنيع، ولكن نلومه على اهتمامه بالكلمات المعتاصة الغريبة غير المسموعة، فإن إغراب الكلمات من حيث هو لا يمكن أن تعتبر زخرفًا، أو تجميلًا وتصنيعًا، بل إنه يعتبر عيبًا، وآفة حين يحتكم إليه الكاتب في فنه، وما الجمال الذي يستهويه فيه؟ إنه يخلو من كل جمال، وإنه لدليل على أن وسائل الأداء في النثر أخذت تتعقد منذ البديع، إذ يجنح الكاتب إلى وسائل لا تتصل بالفن، وإنما تتصل بالإغراب من حيث هو، ومن أجل ذلك كنا نزعن أن بديع الزمان -على الرغم من أنه علم من أعلام فن التصنيع- أخذ التصنع يتسرب إلى آثاره، ونماذجه في رسائله ومقاماته، وهل أدل على ذلك من أنه كان يتخذ اللفظ الغريب كطرفة فنية، يعيب بها الجاحظ وغيره من سابقيه، وحقًا إنه لم يطبق ذلك على كل مقاماته، ولا علي كل جوانبها، ولكنه على كل حال عني به فيها، كما عني به في رسائله. وبجانب عنايته باللفظ الغريب في المقامات، نجده يعنى بما سبق أن عرضنا له من كثرة تضمين الشعر، وكثرة الاقتباس من القرآن الكريم، وحشد بعض الأمثال. وكل هذه المظاهر سنراه واضحة عند أصحاب مذهب التصنع، وأيضًا فإنه كان يعنى في المقامات بتعقيد أداة التصنيع، التي كان يعجب بها، وهي أداة الجناس، وربما كانت أحد الأسباب التي جعلته يعنى بالغريب فإن المعجم العادي، قد لا يعطيه الكلمة التي يريدها، فيبحث عنها في المعجم الغريب، وحينئذ لا يهمه إبهامها، ولا اعتياصها كقوله: "أميس ميس الرجلة، على شاطئ الدجلة"١، فإن مجانسته لكلمة الدجلة هي التي اضطرته إلى كلمة الرجلة، وهي جمع رجل، وهو جمع شاذ، لكنه عدل إليه من أجل جناسه، ومثل ذلك أيضًا قوله: "فأخذه الجف، وملكته

стр. 256

الأكف"١، والجف: "العدد الكثير من الناس، ومثله قوله: "الإكراه مرة بالمرة، ومرة بالدرة"٢، والمرة هنا العقل، وقد استخدمها لغرض الجناس بينها وبين الدرة، وعلى هذا النحو كانت تضطره المجانسة أحيانًا إلا ما يركب من لفظه الغريب، وليس ذلك كل ما يلاحظ في جناسه، فإننا نلاحظ عليه أيضًا الإفراط فيه، حتى ليعدل كثيرًا إلى الجناس الناقص من جهة، كما يعدل إلى الجناس المعكوس من جهة أخرى، على نحو ما نرى في مثل قوله: "ولكني أبو العجائب عاينتها وعانيتها، وأم الكبائر قايستها، وقاسيته"٣، فقد قلب عاينتها، فخرجت له عانيتها، وقلب قايستها فخرجت له قاسيتها، ومن ذلك قوله: "بينما أنا أسير في بلاد تميم مرتحلًا نجيبة، وقائدًا جنيبة"٤، فقد قلب نجيبة، فخرجت له جنيبة، ومن ذلك قوله: "أعاني الفقر، وأماني القفر"٥، فقد قلب الفقر، فخرجت له القفر، ومثل ذلك أيضًا قوله: "يزهى بحليته، ويباهي بحليته"٦، فقد قلب حليته فخرجت له لحيته. وما من ريب في أن هذه الجوانب كلها عند البديع، هي التي تجعلنا نزعم أنه كان مقدمة من مقدمات مذهب التصنع، وليس معنى ذلك أنه يخرج عن مذهب التصنيع وإطاره، بل هو أحد أساتذته في عصره، حتى لتشبه المقامة من مقاماته واجهة أحد المساجد المزخرفة لعهده، لكثرة ما شغل فيه بالتنميق والتصنيع والترصيع، وغاية ما في الأمر أنه وجد في هذه المرحلة التي أخذت تتحول فيها صناعة النصر العربي من مذهب التصنيع إلى مذهب التصنع، فتسربت شيات، وسمات من ذلك إلى عمله، وإنها لشيات وسمات تدل على أننا أصبحنا على وشك التلاقي بمذهب التصنع، وكبار أنصاره وأصحابه.

стр. 257

٧- قابوس بن وشمكير وتصنعه: هو، أمير من أمراء الأسرة الزيارية، التي كانت تحكم طبرستان وجرجان، وهما ولايتان تقعان في الجنوب والجنوب الشرقي لبحر طبرستان، أو كما يسمى الآن بحر الحزر، والزياريون ينحدرون من بيت عظيم من بيوت الفرس، إذ يقال: إنهم ينتسبون إلى ملك ساساني هو قباذ١، وقد ولي قابوس الحكم عام ٣٦٧هـ٢، ولقبه خليفة بغداد -على عادته في تلقيب حكام الولايات الفارسية ألقابًا مختلفة- بلقب شمس المعالي٣، واستهدف في أوائل حكمه لغارات كثيرة، من بني بويه، وما زالوا به حتى فر من إمارته عام ٣٧١ هـ إلى السامانيين، حيث عاش مكرمًا حتى عام ٣٨٨، وهو العام الذي توفي فيه فخر الدولة البويهي، وفيه استرد ملكه٤، على أن جنده وقواده حاصروه في أواخر حياته، لما كان فيه من بطش شديد، واضطروه إلى التنازل عن ملكه لابنه منوجهر، يقول العتبي: "قد كان قابوس على ما خص به من المناقب، والرأي البصير بالعواقب، والمجد المنيف على النجم الثاقب، مر السياسة، لا تستساغ كأسه، ولا تؤمن بحال سطوته وبأسه، يقابل زلة القدم بإراقة الدم.. وما زالت هذه حاله حتى استوحشت النفوس منه، وتآمر أعيان العسكر على خلعه"٥، فخلعوه، واضطر ابنه أن ينزل على إرادتهم، وأن يخلع أباه، بل لقد حبسه في إحدى القلاع بجرجان، واستمر بها حتى اغتيل عام ٤٠٣هـ٦. وكان قابوس واسع المروءة، عالي النفس، بعيد الهمة، لا يحب الملق

стр. 258

ولا المداهنة، حتى قالوا: إنه كان يأبى أن يستمع إلى مدائح الشعراء له، مع عطفه عليهم، وبذله لهم الجوائز والمكافآت١، وقد زاره البيروني وقدم له كتابه "الآثار الباقية"، كما قدم له الثعالبي "كتابي المبهج" و"التمثل والمحاضرة". ومعنى ذلك أنه كان يشجع الأدباء والعلماء، وكان أديبًا ممتازًا نال حظًا واسعًا من ثقافة عصره، وخاصة الفسلفة وعلم الفلك والنجوم٢، يقول الثعالبي: "جمع الله له إلى عزة الملك بسطه العلم"٣، ويقول العتبي: "لم يسمع في شيوخ الملوك بأبرع منه في الآداب والحكم"٤، وقد مدحه أحد الشعرء مستغلًا لقبه "شمس الدولة"، فقال٥: لله شمسان تذكير لخيرهما ... وللمؤنثة النقصان ملتزم أزرى بتلك سنًا من غير معرفة ... فيها وزين هذا العلم والكرم يا أيها الملك الميمون طائره ... وخير من في الورى يمشي به القدم لو كنت من قبل ترعانا وتكنفنا ... لما تهدي إلينا الشيب والهرم واشتهر قابوس ببيانه وفصاحته، يقول الثعالبي: "إني أتوج هذا الكتاب بلمع من ثمار بلاغته"٦، ويقول العتبي: "إن رسائله موجودة في البلاد، عند الأفراد لكني أكتفي منها بلمعة من بوارق بيانه، وزهرة من حدائق إحسانه"٧، وقد جمع اليزدادي في عصر قريب من عصر قابوس هذه الرسائل، وسماها كمال البلاغة، فاستخرج منها أربعة عشر نوعًا في طريقة التسجيع، واستخدام القرائن واللوازم المتصلة بالسجعات، وإن نظرة في هذا الكتاب تجعل القارش يحس مدى التعقيدات، التي كان يتخذها قابوس في حرفته، ولسنا ندري من أين جاءته هذه التعقيدات، إلا أن يكون للفراغ الذي

стр. 259

أصابه، وهو معزول عن حكمة أثر في ذلك، وهو فراغ طال طولا شديدًا، نحو ثمانية عشر عامًا لم يكن له فيها أي عمل، فماذ يصنع؟ وكيف يمضي أوقات فراغه؟ هل يعمد إلى اللهو؟ كلا فإن العتبي يقول: "إنه فطم نفسه عن رضاع الملاهي"١، إذا فكيف يصنع بهذا الفراغ الهائل الذي امتد أيامًا، بل أسابيع وشهورًا، بل أعوامًا، بل ثمانية عشر عامًا؟ لقد اتجه إلى الأدب يقطع به هذا الفراغ، فهو يتخذه لهوه، أو قل: يتخذه لعبته، وقد تحولت عنده هذه اللعبة إلى ما يشبه لعبة الشطرنج، التي كانت شائعة في عصره. فهو يمضي فيه الساعات الطوال، بل قل: الأشهر الطوال والسنين الطوال، يعبث به ويلعب بأسجاعه، ويحاول أن يصل في أثناء هذا العبث، واللعب إلى ما لم يصل إليه أي كاتب في عصره، أليس هو الأمير ابن الأمراء الذي كان آرباوه يجلسون على أسرة من ذهب٢؟ إنه ليصنع -على طريقة كتاب عصره- فيحسن التصنيع، ولكنه يرى ذلك شيئًا عاديًا بالقياس إليه، وهو لا يعطيه ما يريده من تفوق عليهم، لذك نراه يجنح إلى فنون من التعقيد في أداء تصنيعه، وهي فنون تنتقل به، وبعمله إلى مذهب جديد هو مذهب التصنع، وهو مذهب جره إليه إغرامه بالإغراب في استخدام أدوات التصنيع، واستمع إليه يكتب إلى خاله الإصبهبذ، وهو أحد قائدين أيداه في العودة إلى ملكه، إلا أنه عاد فأخلد في أحد الحصول إلى جانب المجانبة٣، فكتب إليه بهذه الرسالة٤: "الإنسان خلق ألوفًا، وطبع عطوفا، فما للإصبهبذ سيدي لا يحنى عوده، ولا يرجى عوده، ولا يخال لفيئته مخيلة، ولا يحال تنكره بحيلة، أمن صخر تدمر قلبه فليس يلينه العتاب، أم من الحديد جانبه، فلا يميله الإعتاب، أم من صفاقة دهر مجن نبوه، فقد نبا عنه غرب كل حجاج، أم من قساوته مزاج إبائه، فقد أبى على كل علاج، ما هذا الاختيار الذي يعد الوهم فهمًا،

стр. 260

وهذا التمييز الذي يحسب الخير شيرًا؟ وما هذا الرأي الذي يزين له قبح العقوق، ويمقت إليه رعاية الحقوق؟ وما هذا الإعراض الذي صار ضربة لازب، والنيسان الذي أنساه كل واجب؟ أين الطبع الذي هو للصدود صدود، وللتألف ألوف ودود؟ وأين الخلق الذي هو في وجه الدنيا البشاشة والبشر، وفي مبسمها الثنايا الغر؟ وأين الحياء الذي يجلي بمحاسنه الكرم، وتحلى بمحاسنه الشيم؟ كيف يزهد فيمن ملك عنان الدهر فهو طوع قياده، وتبع مراده، ينظر أمره ليمتثل، ويرقب نهيه فيعتزل. وكيف يعرض عمن تعرض رفاهة العيش بإعراضه، وتنقبض الأرزاق بانقباضه، ومن أضاء نجم الإقبال إذا أقبل، وأهل هلال الحد إذا تهلل؟ وكيف يزهى على من تحقر في عينه الدنيا، ويرى تحته السماء العليا، قد ركب عنق الفلك، واستوى على ذات الحبك، فتبرجت له البروج، وتكوكبت لعبادته الكواكب، واستجارت بعزته المجرة، وأثرت بمآثره أوضاح الثريا؟ بل كيف يهون من لو شاء عقد الهواء، وجستم الهباء، وفصل تراكيب السماء، وألف بين الناء والماء، وأكمد ضياء الشمس والقمر، وكفاهما عناء السير والسفر، وسد مناخر الرياح الزعازع، وطبق أجفان البروق اللوامع، وقطع ألسنة الرعود بسيف الوعيد، ونظم صوب الغمام نظم الفريد، ورفع عن الأرض سطورة الزلازل، وقضى بما يراه على القضاء النازل، وعرض الشيطان بمعرض الإنسان، وكحل الحور العين بصور الغيلان، وأنبت العشب على البحار، وألبس الليل ضوء النهار؟ ولم لا يعلم أن مهاجرة من هذه قدرته ضلال، ومباينة من هذه صفته خبال، وأن من له هذه المعجزات يشترى رضاه بالنفس والحياة، ومن أتى بهذه الآيات يبتغي هواه بالصوم والصلاة؟ ... وليس إلحاحي على سيدي مستعيدًا وصاله، ومستصلحًا خصاله، وعدى عليه هذه العجائب، ووثوبي لاستمالة من جانب إلى جانب؛ لأني كنت ممن يرغب في راغب عن وصلته، أو ينزع إلى نازع عن خلته، أو يؤثل حالًا عند من ينحت أثلته، أو يقبل بوجهه على من لا يجعله قبلته، فإنى لو عملت أن الأرض لا تسف تراب قدمي لجنبتها جنبي، وأن السماء لا تتوق إلى تقبيل

стр. 261

هامتي لقلبت عن ذكرها قلبي، لكني أكره أن يعرى نحره من قلائد الحمد، ويجتنب جبينه إكليل المجد.. ولا يعجبني أن يكسو ضوء مكارمه كلف الخمول، ويأذن لطوالع معاليه بالأفول، فإن فضل سيدي الحمود على الوقود، والعدم على الوجود، ونزل من شاهق إلى خفض، ومن حالق إلى أرض وهاجر بهجره، وأصر على صرمه، ومال إلى الملال، ولم يصل نار الوصال، حللت عنه معقود خنصري، وشغلت عن الشغل به خاطري، بل محوت ذكره عن صفحة فؤادي، واعتددت وده فيما سال به الوادي: ففي الناس إن رثت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحول" وأنت ترى شيات التصنع واضحة في هذه الرسالة، لا بما يعمد إليه قابوس من مبالغات وصور غريبة فحسب، بل بما يعمد إليه من استخدام الجناس استخدامًا معقدًا، وإنه لتقعيد يبدو في جميع جوانب الرسالة، وانظر إليه في مستهلها يجانس بين عوجه، وعوده، وهو جناس نراه في جميع رسائله، إذ يعمد إلى المغايرة في بعض الحركات، أو بعض الحروف، فاذا هو يقع على مثل هذا الجناس الذي يمكن أن نسميه جناس الخط، وقد يكون لجمال خطه أثر فيه، يقول العتبي: "أما خطه فسمه إن شئت وشيًا محبوكًا، أو تبرًا مسبوكًا، أو درًا مفصلًا، أو سحرًا محصلًا، وكان إسماعيل بن عباد "الصاحب"، إذا قرأ خطه يقول: هذا خط قابوس، أم جناح طاووس"١. وأفرط في استخدام هذا الجناس الخطي، إذ تعود أن يعيد الكلمة، التي كتبها بشكل جميل مرة أخرى مع إعطائها حركة جديدة، أو مع تبديل بعض حروفها، فإذا هو يكثر من هذا الجناس في رسائله إكثارًا، واستمر في قراءة الرسالة، فسترى هذه السجعة، "ولا يخال لفيئته مخيلة، ولا يحال تنكره بحيلة". وواضح أنه جانس هنا جناسًا خطيًا بين يخال، ويحال كما جانس نفس الجناس بين مخيلة ومحيلة، وليس ذلك كل ما عني به، فقد عني بشيء.

стр. 262

آخر لعله أكثر من ذلك تعقيدًا، وهو أنه جانس بين أول كلمة في السجعة الأولى، وآخرها أي بين يخال ومخيلة، وكذلك صنع بالسجعة الثانية إذ جانس بين يحال وبحيلة، وإن في ذلك ما يجعلنا نخس أن يصعب على نفسه الممرات، التي يسلكها إلى نهاية قرائنه وأسجاعه، فهو يبدأ عبارته بكلمة، ثم يطلب الطجناس بينها، وبين آخر كلمة فيها، وهو يتخذ ذلك مصرًا عليه، إذ نراه يعدل إليه مرارًا في هذه الرسالة، وفي رسائله الأخرى، وتأمل هذه السجعة الطويلة في الرسالة: "أم من صفاقة الدهر مجن نبوه، فقد نبا عنه غرب كل حجاج، أم من قساوته مزاج إبائه، فقد أبى على كل علاج"، فإنك تراه يسجع العبارتين تسجيعًا داخليًا، فإذا هما تنحلان إلى أربع سجعات لا إلى سجعتين كما يبدو في الظاهر، ولكن ليس هذا ما يلفتنا عند قابوس، إنما يلفتنا أنه أنهى السجعة الداخلية الأولى بكلمة اشتق منها أخرى في مطلع الجملة التالية لها، وكذلك صنع السجعة الداخلية الثانية، أرأيت إلى الممرات كيف تعقد، وتصعب بطرق شتى؟ واستمر في الرسالة فستراه يأتي بطريقة ثالثة؛ إذ يجانس ببين كلمة في داخل العبارة، وبين نهايتها كقوله: "أضاء نجم الإقبال إذا أقبل، وأهل هلال المجد إذا تهلل"، ولا تظن أن هذه طرفة بل هي عقدة، فقد أصبح الفن في رأي قابوس عقدًا خالصة، وهو لذلك يعقد عباراته هذا التعقيد، الذي يصعب فيه الممرات إليها على نحو ما مر أمثلة، وكما نرى في هذه العبارات بالرسالة نفسها "تبرجت له الروج، وتكوكبت لعبادته الكواكب، واستجارت بعزته المجرة، وأثرت بمآثره أوضاح الثريا"، وما من ريب في أن هذه الجناسات تحمل أوسع سمات للتصنع، إذ نراه يلزق الجناس بكلامه تلزيقًا، وإن الإنسان ليشعر، كأنما فقد الجناس بهجته القديمة من الزخزف والتصنيع، فقد تحول إلى صورة جديدة؛ لأنها لا تحوي حسنًا ولا جمالًا، وهل هناك حسن أو جمال في قوله: "كنت ممن يرغب في راغب عن وصلته، أو ينزع إلى نازع عن خلته"، أو قوله: "يؤثل حالا عند من ينحت أثلته،

стр. 263

أو يقبل بوجهه على من لا يجعله قبلته"، أو قوله: "هاجر يهجره، وأصر على صرمه، ومال إلى الملال، ولم يصل نار الوصال". وما نار الوصال هذه التي يريده أن يصلاها؟ إنها صورة غريبة، بل هي صورة شاذة نابية، ولكن قابوس لا يعني بما فيها من شذوذ، ونبو ما دامت تحقق ما يريد من جناس بين كلمة الوصال وكلمة أخرى، إلا فلتكن هذه الكلمة أي لفظة، ولتحو أي صورة، فإن ذلك لا يهم قابوس، ما دام يحقق له غاياته من جناساته. وأكبر الظن أننا لا نبعد -بعد ذلك- إذا قلنا: إن صناعة قابوس كانت تقوم على التصنع، وما يطوى فيه من تعقيد وتعمل، إذ نراه يتعمل في حركات الكلمة، أو في حروفها ليحدث بعض جناسات بينها وبين غيرها، ثم هو لا يكتفي بذلك إذ نراه يعدل إلى تصعيب ممراته ليحدث جناساته اللفظية المقعدة، وكأنما كانت غاياته دائمًا هي التعصيب والتعقيد، وإنه ليركب إليهما طرقًا وعرة.

стр. 264

٨- ذيوع التصنع وانتشاره: رأينا زخرف الجنتاس عند قابوس يتعقد تعقدًا شديدًا، ومن قبله رأينا الخوارزمي، وبديع الزمان يعقدان في فنهما ألوانًا من التعقيد، مما دفعنا إلى القول بأن عناصر من التصنع، أخذت تتسرب إلى آثار أصحاب مذهب التصنيع، وإن الإنسان ليخيل إليه، كأن كل شيء في الفن يريد أن يتعقد، ويتصعب، وليس هذا شيئًا غريبًا في تاريخ الحضارات، ولا في تاريخ الآداب في الأمم المختلفة، بل هو الشيء الطبيعي، إذ نرى الأمم حينما ترقى عقليا وحضاريًا تتحول من الأحوال الطبيعية في التعبير إلى أحوال جديدة، كلها تعقيد وتصعيب في الأداء والأسلوب، وقد حدث ذلك قديمًا عند اليوانان في القرنين الرابع، والخامس

стр. 265

للميلاد، إذ نرى شعراء الإسكندرية يحولون نماذجهم إلى مجاميع من التعقيدات، وكذلك كان الشأن عند العرب في أواخر القرن الرابع للهجرة، إذ نراهم ينالون قبل هذا التاريخ كل ما كانوا يصبون إليه من ترف عقلي وحضاري، حتى إذا بشموا رأيناهم يتحولون إلى تعقيدات مختلفة في حياتهم من جهة، وفي أدبهم من جهة أخرى، ولعل من أروع ما يصور ذلك الجانب في حياتهم ما يروى عن الوزير المهلبي، المتوفى عام ٣٥٢هـ، من أنه كان "إذا أراد أكل شيء بملعقة كالأرز، واللبن وقف من جانبه الأيمن غلام معه نحو ثلاثين ملعقة زجاجًا مجرودًا، فيأخذ منه ملعقة يأكل بها من ذلك اللون لقمة واحدة، ثم يدفعها إلى غلام آخر قام في الجانب الأيسر، ثم يأخذ أخرى فيفعل بها فعل الأولى، حتى ينال الكفاية، لئلًا يعيد الملعقة إلى فيه دفعة ثانية"١، وحقًا إن الوزير المهلبي سبق ظهور مذهب التصنع في النثر بنحو نصف قرن، ولكنه على كل حال يرمز إلى لهذا الميل الجديد في الحضارة العربية، وأنها أخذت تتعقد على نحو تعقيد المهلبي لوسيلة طعامه، فإذا هو لا يأكل بمعلقة واحدة، وإنما يأكل بملاعق مختلفة! وهذا التعقيد في الحضارة العربية أخذ يتسرب إلى الكتابة الفنية أول الأمر في شيء من الاستحياء، فإن الخوارزمي يفزع إلى مبالغاته، وتهويلاته كما يفزع إلى الإفراط في استخدام ألوان البديع، علة يشفي غلة من غلل التعقيد. ثم يأتي من بعده بديع الزمان، فيتقدم خطوات في هذه الطريق، فإذا هو يعقد بعض وسائل التصنيع، وخاصة وسيلة الجناس، وإنه ليلجأ إلى وسيلة جديدة غير مفهومة هي اللفظ الغريب، وهو لا يكتفي بذلك، بل نراه يعمد إلى ما سماه الخوارزمي شعبذة، إذ كان يحاول أن يكتب كتابًا يقرأ من آخره إلى أوله، أو كتابًا لا يوجد فيه حرف منفصل مثل الراء، أو كتابًا خاليًا من الألف واللام، أو خاليًا من الحروف العواطل، أو أول سطوره كله ميم وآخرها جيم، إلى غير ذلك من ألاعيب كان يسوقها ليدل على مهارته، ومع ذلك فقد كان

стр. 266

بديع الزمان من أصحاب مذهب التصنيع، إذ كان يعمد إلى هذه الجوانب في القلة، ولم يكن يعممها في آثاره، بل هي تظهر في حين إلى حين، دالة على أننا أصبحنا داخل مرحلة التحول إلى المذهب الجديد، مذهب التصنع والتعقيد. ونحن لا نترك البديع إلى قابوس، حتى نجده يخطو خطوة جديدة نحو مذهب التصنع، إذ نراه يعمد إلى التعقيد في كل ما يكتب، وقد اختار زخرف الجناس ليحدث فيه كل ما يستطيعه من هذا التعقيد، وما يطوي فيه من تصعيب، كان التصعيب شيء يقصد لذاته، وهذا هو الذي دفعنا إلى أن نسلكه في أصحاب التصنع، إذ كان يعنى في فنه بالتعقيد عناية جعلت هذا الفن أشبه ما يكون بالتمارين الهندسية، وإنها لتمارين يجد فيها كل ما يريد من متعة بالفن، فالفن عنده ليس إلا التصعيب والتعقيد، وقد أخذ هذا الذوق ينتشر في الفن منذ قابوس ورسائله، بل نحن نغلو إذا نسبنا إلى قابوس ابتكاره، فقد كان شعورًا عامًا في الحضارة العربية نفسها والحياة الفنية معها، وآية ذلك أننا لا نكاد نعثر على مجموعة من رسائل كاتب في هذا العصر، حتى نجد بها شيات من هذا التصنع، وقد استمر ذلك دأب الكتاب، حتى نفذ من بينهم بديع الزمان إلى كثير من سمات المذهب، ثم جاء قابوس فأضاف سمات أخرى، كما أضاف غيرهما من الكتاب بعض شارات وشيات، ومن يرجع إلى اليتيمة يجد صناعة الألغاز تدخل في النثر الكتابي١، وهي ضرب من ضروب التعقيد؛ كما يجد أداءة الجناس التي أخذت تتعقد تخصص له بعض الكتب، تتحدث عن أنواعها وأجناسها٢، وأيضًا فإنهم كانوا يكثرون من ترصيع رسائلهم بالشعر، والأمثال والغريب؛ وكل ذلك كان دليلًا على وشك جموج الحياة الفنية في النثر العربي، وأنه أصبح لا مفر من أن يصل إلى حال غريبة من التعقيد. ونحن لا نترك القرن الرابع قرن بديع الزمان، وقابوس وأضرابهما إلى القرن الخامس، حتى نجد هذا المذهب يعم في جميع كتابات الأدباء، فقد أصبح

стр. 267

هو البدع الجديد الذي يسعى إليه الكتاب، كي يطرفوا قراءهم بما يستحدثون من عقده، وقد بدأ هذا السعي أبو العلاء المعري بدءًا عنيفًا في آثاره، إذ كان يفهم الفن على أنه عقد خالصة، ثم جاء من بعده الحريري والحصكفي، فأضافا إلى ورق اللعب في قصة هذه العقد أوراقًا، وأدخلًا في أشكالها الهندسية أشكالًا، وسنفسر ذلك في الفصل التالي تفسيرًا دقيقًا.

стр. 268

الفصل الثالث: التصنع والتعقيد ١- أبو العلاء: حياته، وذكاؤه، وثقافته هو، أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي، المعروف باسم المعري والملقب بأبي العلاء، وقد ولد في "معرة النعمان" سنة ثلاثة وستين وثلثمائة١، والمعرة مدينة كبيرة بين حلب وحماة، وهو ينحدر من أسرة اشتهرت بالعلم، والشعر والقضاء، عرض ياقوت٢ وابن العديم٣ لهذه الأسرة، وتحدثا عن هذه الجوانب فيها، ويقول الرواة: إنه لم يبلغ الرابعة من عمره، حتى اعتل علة الجدري التي فقد فيها بصره، وقد ذكره ذلك في إحدى رسائله٤، كما ذكر أنه لا يعرف من الألوان إلا الأحمر؛ لأنه ألبس في الجدري ثوبا مصبوغًا بالعصفر٥. وقد أقبل أبو العلاء منذ نشأته على التعلم، والإلمام بالمعارف المختلفة، وقد أشاد ابن العديم بهذه الناحية فيه٦، ويقول القفطي: "لما كبر أبو العلاء، ووصل إلى سن الطلب أخذ العربية عن قوم من بلده كبني كوثر، أو من يجري مجراهم من أصحاب ابن خاليوه وطبقته، وقيد اللغة عن أصحاب ابن خالويه أيضًا، وطمحت نفسه إلى الاستكثار من ذلك، فرحل إلى طرابلس الشام، وكانت بها خزائن كتب قد وقفها ذوو اليسار من أهله، فاجتاز باللاذقية، ونزل دير الفاروس، وكان به راهب يشدو شيئًا من علوم الأوائل، فسمع منه أبو العلاء كلامًا من أقوال الفلاسفة حصل به شكوك، فعلق بخاطره ما حصل به بعض

стр. 269

الانحلال ... حتى فاه به في أول عمره، وأودعه أشعارًا له ثم ارعوى، ورجع واستغفر واعتذر! "١، وتصوير القفطي لشكوك أبي العلاء في باكورة حياته، وتعليله لها بلقائه لراهب دير الفاروس، يغلب أن يكون قد أملاه عليه الخيال. وقد رحل أبو العلاء أيضًا إلى بغداد، وكانت سنه إذ ذاك نحو سبعة وثلاثين؛ ولم يرحل إليها طلبا للدرس على بعض الأساتذة هناك، وإنما رحل إليها طلبًا للاطلاع على بعض الكتب؛ وصرح بذلك في إحدى رسائله، إذ يقول: "منذ فارقت العشرين من العمر، ما حدثت نفسي باجتداء علم من عراق ولا شآم.... والذي أقدمني تلك البلاد -يريد العراق- مكان دار الكتب فيها"٢، ومدح أبو العلاء بغداد بكثرة ما فيها من علم، إذ يقول في إحدى رسائله: "وجدت العلم ببغداد أكثر من الحصى عند جمرة العقبة"٣، ويظهر أنه لم يطل مقامه بها، فقد رجع منها بعد قليل إلى موطنه، حيث اعتزل الناس عزلته المعروفة، التي استمرت نحو خمسين عامًا، وأخذ نفسه في هذه العزلة بقوانين صارمة في حياته، إذ عاش معيشة نباتية تعتمد على تحريم أكل اللحم والسمك وما يشتق منهما، ورد العرب هذه النباتية فيه إلى مذهب البراهمة! ٤، ومهما يكن مرجعها، فإنها تدل عى أنه كان يأخذ نفسه بحياة زاهدة، أما ما يزعمه ناصر خسرو، من أنه كان واسع الثراء عنده كثير من العبيد٥، فلا يقوم عليه دليل؛ لأنه يخالف كل ما جاء عنه، يقول القفطي: "كأن لأبي العلاء وقف يشاركه فيه غيره من قومه، وكانت له نفس تشرف عن تحمل المنن، فمشى حاله في قدر الموجود، فاقتضى ذلك خشن الملبوس والمأكل، والزهد في ملاذ الدنيا، وكان الذي يحصل له في السنة مقدار ثلاثين دينارًا، قدر منها لمن يخدمه النصف، وأبقى النصف الآخر لمؤونته، فكان أكله العدس، إذا أكل مطبوخًا، وحلاوته التين، ولباسه خشن الثياب من القطن،

стр. 270

وفرشه من لباد في الشتاء، وحصيره من البردي في الصيف، وترك ما سوى ذلك"١، ويقول أبو العلاء في إحدى رسائله إلى داعي الدعاة: "إن الذي لي في السنة نيف وعشرون دينارًا، فإذا أخذ خادمي بعض ما يجب، بقي لي ما لا يعجب، فاقتصرت على فول وبلسن، وما لا يعذب على الألسن"٢، وكل ذلك ينقض كلام ناصر خسرو، كما ينقض ما زعمه نيكلسون من أن تلامذته الكثيرين الذين اجتذبتهم شهرته، كانوا يمدونه بشيء من المال٣. ظل أبو العلاء من عام ٤٠٠هـ إلى عام ٤٤٩، يأخذ نفسه بهذه الحياة الزاهدة الخشنة، على أن هذا لا يهمنا إنما يهمنا ما اتصف به من ذكاء، وثقافة كان لهما أثرهما في صناعته لنثره، أما ذكاؤه فإنهم يقولون: "إنه كان آية في الذكاء المفرط، عجبًا في الحافظة"٤، ويزعمون أنه استمع إلى حديث بالأذربية٥، وآخر بالفارسية فحفظهما٦، ويقولون: إنه كان يحفظ المحكم والمخصص٧، وإنه "لما ذهب إلى بغداد طلب أن تعرض عليه الكتب، التي في خزائنها، فأدخل إليها، وجعل لا يقرأ عليه كتاب إلا حفظ منه جميع ما يقرأ عليه"٨، ويبالغ الرواة في وصف ذكائه، فيقولون: إنه كان يلعب بالنرد والشطرنج٩، وما من ريب في أن أبا العلاء كان ذكيًا ذكاء شديدًا، كما قوى الحافظة قوة شديدة أيضًا، وقد كان -إلى ذلك- مثقفًا ثقافة واسعة جدًا، ومن يرجع إلى اللزوميات، والفصول والغايات يجد أبا العلاء يستغل هذه الثقافة استغلالًا واسعا، ففي كل جانب من الكتابين إشارات إلى معتقدات عصره، ومعارفه وكل ما اتصل به من ثقافة؟. على أن هناك جانبا في هذه الثقافة، هو الذي ينبغي أن نقف عنده؛ لأنه أثر في كتبه ونثره آثارًا خاصة، وهو جانب اللغة والتثقف

стр. 271

بها أوسع ما يمكن من التثقيف، يقول تلميذه التبريزي: "ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة، ولم يعرفها المعري"١، ويقول ابن فضل الله العمري: "كان أبو العلاء مطلعًا على العلوم لا يخلو في علم من الأخذ بطرف، متبحرًا في اللغة، متسع النطاق في العربية"٢، ويقول البغدادي، إنه "كان عالمًا باللغة حافظًا لها"٣، ويقول ابن الجوزي: إنه "سمع اللغة، وأملى فيها كتبًا، وله بها معرفة تامة"٤، ويقول الذهبي: إنه "كان عجبًا في الاطلاع الباهر على اللغة، وشواهدها "٥، ويقول له داعي الدعاة في إحدى رسائله: "إنه جعل مواده كلها منصبة إلى أحكام اللغة العربية والتقعر فيها، واستيفاء أقسام ألفاظها ومعانيها"٦، وهذه كلها نصوص تشهد بثقافته الواسعة في اللغة، إذ لم تكن هناك شاذة، إلا وهو يعرفها ويعرف شواهدها من الشعر العربي قديمه وحديثه. وأكبر الظن أن هذا الجانب في أبي العلاء، هو الذي جعل التلاميذ يقبلون عليه من جميع الآفاق٧، وقد عقد لهم ابن العديم فصلا ذكر فيه مشاهيرهم٨، ويقول ابن فضل الله العمري: "أخذ عن أبي العلاء خلق لا يعلمهم إلا الله ، كلهم قضاة وأئمة وخطباء، وأهل تبحر وديانات ... وكان له أربعة من الكتاب المجودين يكتبون عنه ما يكتبه إلى الناس، وما يمليه من النظم والنثر، والتصانيف، والإجازات والسماع لمن يسمع منه ويستجيزه، وغير هؤلاء من الكتاب الذين يغيبون ويحضرون، منهم جماعة من بني أبي هاشم"٩. ويظهر أن هؤلاء الكتاب لم يكونوا يتقاضون شيئًا على كتابتهم، فأبو العلاء يقول عن أحدهم إنه "أفنى فيه زمنه، ولم يأخذ عما صنع ثمنه"١٠. وعلى هذا النحو كان أبو العلاء يملأ فراغه الطويل في عزلته، التي امتدت نحو خمسين عامًا بالبحث، والدرس مع تلاميذه كما كان يملؤه بكتابة آثار فنية من شعر ونثر، وقد ذهب يغرب في هذه الكتابة أوسع ما يكون الإغراب، بل لقد ذب يعقد فيها أوسع ما يكون التعقيد، وكأنه كان يتخذ التعقيد غاية في نفسه ولنفسه، فهو يسرف أشد ما يكون الإسراف، وسنقف لتفسير ذلك في آثاره النثرية تفسيرًا واضحًا.

стр. 272

٢- أبو العلاء وتعقيده: تناول أبو العلاء كتابة النثر من الأدباء، والكتب الذين سبقوه وعاصروه، فعقدها تعقيدًا شديدًا، وهو تعقيد أتاحه له فراغه الطويل، الذي أمضاه في عزلته عن الناس، وربما كان لضيقه بالحياة وبرمه بها أثر في هذا التعقيد، فقد انقلب هذا الضيق من حياته إلى فنه، فإذا هو يعقده على الناس، حتى ينفس بتعقيده عن ضيقه، وأيضًا فإن فقده لبصره، وإحساسه العميق بهذا الجانب جعله يطلب التفوق على معاصريه، وقد ذهب يحاول هذا التفوف عن طريق تعقيد فنه تعقيدًا لم يكن يستطيعه إلا صانع ماهر، انبسط له ما انبسط لأبي العلاء من الزمن الطويل، إذ أقام في عزلته أو في محسبه نحو خمسين عامًا، فماذ يصنع في هذا الحبس الطويل، وكيف يمضي فراغه فيه؟ لا بد أن يفزع إلى ضروب من العبث في فنه، وإنها لضروب تؤديه إلى تعقيد هذا الفن عقدًا مختلفة، وهي عقد يلتمسها تارة في استخدامه الغريب، وأوابد الكلام والأمثال، والإشارات التاريخية، وتارة أخرى يلتمسها في تصعيب ممراته إلى أسجاعه، إذ نراه يعنى بالتزام ما لا يلزم فيها، فإذا هو يبني أسجاعه لا على حرف واحد، بل على حرفين أو أكثر، وهو لا يكتفي بذلك، بل نراه يعدل في أحوال كثيرة إلى المجانسة، وهو يستعين على هذه المجانسة باللفظ الغريب، الذي كان يشغف به شغفًا شديدًا، بحيث لا نغلو إذا قلنا: إن أهم ما يميز أبا العلاء في جميع نماذجه النثرية، أنه كان يطلب الغريب من حيث هو، كأن الإعراب زينة ينبغي أن يتحلى

стр. 273

بها جيد أعماله، واقرأ هذه الرسالة التي كتب بها إلى عبد السلام بن الحسين، صاحب خزانة الكتب ببغداد بعد رجوعه منها١: "أطال الهل بقاء سيدي الشيخ إلى أن تنقل عريًا، وتنطق العرب بمكبر الثريا٢، وأدام عزه إلى أن يصبح إراب٣، وهو باز في الجو أو غراب، كم أكتب فلا يصل، وأنا من ذلك متنصل: يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا وحبذا نفحات من يمانية ... تأتيك من قبل الريان أحيانا ما عنيت بالريان، إلا منزله حيث كان، ولا بساكنه، إلا شخصه حيث حل من أماكنه ... وأسفى لفراق سيدي الشيخ -أدام الله عزه- أسف ساق حر، ساقه الطرب إلى الحر، توارى بالوريقة، من حر الوديقة، كأنه قينة وراء ستر، أو كبير حجب من الهتر، في عنقه طوق، كرب يفصمه الشوق، لو قدر لانتزعه باليد من المقلد، أسفًا على إلف غادره للكمد٤.. أي حلف أرسله فهلك نوح٥، فالحمائم عليه تنوح، يسمعك بالفناء، أصناف الغناء، ويظهر في الغصون، خبي الوجد المصون، إن سلك طريقة الغريض، ترك المشتاق بالجريض، ويجيء بالبدي؛ إن جاء بلحن معبدي٦ يدعو نوادب، إلى الكلف أو ادب، ويحهن ثاكلات، لسن على الأول بمتكلات، شجب قعيدهن إثر ود٧، فورثن بكاءه جدًا بعد جد، عمرك لقد أسفرن، والعيون

стр. 274

ما زرفن، لا أدري والأمر أدب، أغناء ذلك أم ندب، كل خضباء١ كخطيب في الغصن الرطيب، قد التثمت بقار، في المناقر، ووطئت في الدم بالقدم، وأضرم نارها الفؤاد، فالقلادة حمم، والثوب رماد، بل أسف ورقاء لاح لهال نجم الخرقاء، وكانت يمانية الدار، فهبط بها بعض الأقدار، أرضًا تهمة، لامرذة ولا مرهمة، فلما بصرت بسهيل، ذكرها أيام أهيل، عهدتهم في بلاد القرظ٢، كلهم بها ليس بفظ، فضاق بغرامها الجيد، فهي تهتف وتجيد تخفف بخروج الأصوات، ما تجده من كرب الأموات، ظنت أن لا مناص، من ضنك الأقفاص، فهي تود أن الله مسخها زرقاء نهار مترنمة، أو ورقاء٣ يل مهينمة، لتفوز بالخلاص، من بعض الخصاص، ومستقري معمرة النعمان والفتنة عندنا صماء، طعان بالمران، ورماء إنما يجيء الضيف وقد سل السيف، ولو قدرت لم أقدح إلا بمرخ"٤، ولا سكنت بلدًا غير الكرخ، ولكن نضوى٥ معقول، فرحم الله لبيدًا حيث يقول: لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل٦ وأنا أهدي إلى سيدي الشيخ -جمل الله الدنيا ببقائه- وإلى جماعة أصدقائه، وغلمانه سلامًا يؤنس موحش الإمرات، ويتصل من الشام إلى الصراة إذا مر بموقدي نار غضوية حسبوا غضاها٧ قطرًا، لتركه الهواء عطرًا"؟

стр. 275

وأنت ترى هذه الرسالة، وقد غلا فيها أبو العلاء في استخدام اللفظ الغريب، وكان يفزع دائمًا إلى ذلك في آثاره، ورسائله، كأن اللفظ الغريب من حيث هو غاية ينبغي أن يطلبها الكاتب في نماذجه، وأعماله، وإن أبا العلاء ليبلغ من ذلك في بعض آثاره أن تصبح، وكأنها متن من المتون اللغوية، فهي تجمع كل ما يستطيعه من ألفاظ لغوية غريبة مغرقة في الإغراب، وإنه ليطلب أبعد الكلمات إغرابًا مما عثر عليه في الشعر القديم؛ وليس يهمه بعد ذلك أن تكون الكلمة سجلت في المعاجم اللغوية، بل إن عدم تسجيلها يدفعه إلى أن يسجلها هو في أعماله، ومن هناك كانت قراءة هذه الأعمال من أصعب الأشياء، وخاصة، حين تريد أن تقف وقوفًا دقيقًا على معانيه، ولعله من أجل ذلك عني بشرح آثاره، وتفسيرها من لزوميات وغير لزوميات في الشعر، ومن رسالة الغفران إلى الفصول والغايات في النثر، وإذا فالإغراب هو العقدة الأولى في آثار أبي العلاء. وحقًا إنه تتخذ السجع والبديع في عمله عن نحو ما مر بنا عند ابن العميد وتلامذته، ولكنه يعقدهما جميعًا لا بالتزام حرفين، أو أكثر في أواخر سجعاته، فهذا شيء محتمل، إنما بهذا اللفظ الغريب. أرأيت إلى ما أصاب النثر العربي عند أبي العلاء، لقد أصبح يقصد به إحداث طرائف لغوية، وهي طرائف لا تعتمد على زخرف ولا على تنميق، فهذا عهد مضى وانقضى، إنما تعتمد على الإبهام والغموض، أو بعبارة أخرى على الإغراب؛ وهذه العقد اللغوية التي يذيعها أبو العلاء في أعماله، وليس معنى ذلك أنه لم يكن يعتمد على أصول فن التصنيع، بل لقد كان يعتمد عليها كما نرى في هذه الرسالة، ولكنا نحس أن تلك الأصول فارقت صورتها القديمة، إذا تحولت إلى صورة جديدة من الإبعاد في اللفظ الغريب، وما من ريب في أن هذا كان تحولًا من مذهب التصنيع، إلى مذهب جديد هو مذهب التصنع، إذ نرى الكاتب يتعمد أن يخرج أساليبه موشاة بطرائف جديدة لا صلة بينها، وبين التنميق والتصنيع، وإنها لطرائف يؤصلها أبو العلاء على استخدام أكثر ما يمكن من الألفاظ الغريبة المهجورة، كما يؤصلها على اللف والدوران وبسط الأساليب,

стр. 276

حتى تتسع لأكثر ما يمكن من هذه الألفاظ، وماذا في رسالة أبي العلاء التي قرأناها الآن من معان، سوى أنه أراد أن يصف شوقه إلى صاحبه، فذهب يبالغ ويلف ويدور على هذا النحو، فإذا هو يصور أسفه على فراقه بأسف ساق حر ينوح على إلف غادره، وإنه ليطيل في هذا المعنى ويبعد، حتى يأتي بكل ما يستطيع من لفظ غريب. وإذا كانت هذه الطرفة من إغراب اللفظ لا تروقك عند أبي العلاء، فلا تظن أنه لا يستطيع أن يأتيك بطرفة أخرى، فهو صاحب الطرف الحديثة في فن النثر، يأتي باللفظ الغريب، ويأتي بما يشبه هذا اللفظ أحيانًا أخرى، لكن أي شيء يشبه ذلك اللفظ؟ لقد فكر أبو العلاء وقدر، فإذا هو يقع على طرفة جديدة لم يسبقه أحد إليها، أو على الأقل لم يتصنع لها أحد، كما تصنع هو لها في آثاره، ونقصد طرفة المصطلحات العلمية، وخاصة مصطلحات علوم اللغة، فقد أكثر من تصنعه لها في أعماله من رسائل وغير رسائل، واسمتع إليه يقول في إحدى رسائله١: "حرس الله سيدنا حتى تدغم الطاء في الهاء، فتلك حراسة بغير انتهاء، وذلك أن هذين ضدان، وعلى التضاد متباعدان، رخو وشديد، وهاو وذو تصعيد، وهما في الجهر والهمس، بمنزلة غد وأمس، وجعل الله رتبته التي كالفعل والمبتدأ، نظير الفعل فإنها لا تنخفض أبدًا، فقد جعلني إن حضرت عرف شاني، وإن غبت لا يجهل مكاني، كيا في النداء، والمحذوف من الابتداء إذ قلت: زيد أقبل، والإبل والإبل، بعد ما كنت كهاء الوقف، إن ألقيت فبواجب، وإن ذكرت فغير لازب، إني وإن غدوت في زمن كثير الدد "الهلو واللعب"، كهاء العدد لزمت المذكر، فأتت بالمنكر؛ مع ألف يراني في الأًل، كألف الوصل، يذكرني لغير الثناء، ويطرحني عند الاستغناء، وحال كالهمزة تبدل العين، وتجعل بين بين، وتكون تارة حرف لين، وتارة مثل الصامت الرصين،

стр. 277

فهي لا تثبت على طريقة، ولا تدرك لها صورة في الحقيقة، ونوائب ألحقت الكبير بالصغير، كأنها ترخيم التصيغير، ردت المستحلس إلى حليس، وقابوس إلى قبيس، لأمد صوتي بتلك الآلاء؛ مد الكوفي صوته في هؤلاء، وأخفف عن سيدنا الرئيس الحبر، تخفيف المدني ما قدر عليه من النبر، إن كاتبت فلا ملتمس جواب، وإن أسهبت في الشكر فلا طالب ثواب، حسبي ما لدي من أياديه، وما غمر من فضل السيد الأكبر أبيه، أدام الله لهما القدرة ما دام الضرب الأول من الطويل صحيحًا، والمنسرح خفيفًا سريحًا، وقبض الله يمين عدوهما عن كل معن "معروف"، قبض العروض من أول وزن". وإن الإنسان ليذهل حين يقرأ هذه الصورة من الصياغة عند أبي العلاء، كأنهما ضاقت جميع صور التعبير عن أن تؤدي المعاني التي تجول في نفسه، فهو يبحث عنها في طوايا علوم النحو، والتجويد والقراءات، والعروض على هذا النمط من التعقيد الجديد، الذي يضيفه إلى آثاره، وينثره في جميع أطرافها نثرًا، وقد كنا نفهم -إلى حد ما- أن يتصنع أبو العلاء في أعماله للفظ الغريب، فاللفظ الغريب يدخل على كل حال في نطاق التعبير الأدبي، أما الآن فقد خرج عن هذا النطاق إلى نطاق جديد لا جمال فيه، ولا فن إلا إذا كنا من ذوق أبي العلاء، وكنا نريد أن نتعب الناس في فهم ما نقول، ولن نتعبهم هذه المرة عن طريق كثرة رجوعهم إلى المعاجم اللغوية، بل سنتعبهم عن طريق رجوعهم إلى المصطلحات الخاصة بالعلوم العربية، كي يفهموا ما يقرءون. وما للقراء، وهذا العناء كله؟ إنهم يريدون أن يصلوا إلى المعاني التي يقرءونها في صورة سريعة، أو على الأقل لا تبعد بهم كل هذا البعد، ولا تغرب بهم كل هذا الإغراب، ولكن أبا العلاء لا يفكر في شيء من ذلك كله، فقد جاء في مرحلة جديدة من مراحل النثر العربي، وهي مرحلة كانت تفترق افتراقًا شديدًا مما سبقها من مراحل، إذ كان أصحابها ما يزالون يصعبون نثرهم ضروبًا من التصعيب، وقد ذهب أبو العلاء في آثاره يعرض عليهم بعض ما استطاع أن يصل إليه من هذه الضروب، كي يفظر بتفوقه عليهم، واستعلاء آثاره على آثارهم، وأنه ليهدف إلى ذلك عن طريق اللفظ الغريب من جهة، وحشد المصطلحات العلمية من جهة أخرى.

стр. 278

٣- التعقيد في رسالة الغفران: ونحن نقف قليلًا عند رسالة مهمة لأبي العلاء، وهي رسالة الغفران التي تمتد إلى نحو مائتي صحيفة من القطع الكبير، وقد كتبها إلى علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح ردًا على رسالة كتبها إليه، ويظهر أن أبا العلاء كان يعجب بابن القارح، وأنه كان ينفق وهواه في بعض الآراء، التي تتصل بالأديان والنحل، إذ امتلأت الرسالة بسخرية لاذعة من المعتقدات، حتى قال الذهبي: إن بها مزدكة واستخفافًا١، ولسنا نستطيع أن نزعم ما زعمه الذهبي من أن أبا العلاء كان مزدكيًا على مذهب مزدك، وأكبر الظن أن الذهبي لم يحقق هذه الكلمة حين أضافها إلى أبي العلاء، إنما أراد بها أن يصفه بالزندقة لما في رسالته من تهكم على بعض المعتقدات، ولما فيها أيضًا من دفاع واضح عن الشعراء الذين عرفوا بالزندقة، إذ يزعم أبو العلاء دائمًا أن الله غفر لهم، وسميت الرسالة باسم رسالة الغفران من أجل ذلك. والرسالة تنقسم إلى قسمين عامين: قسم يعتبر مقدمة، وفيه نجد أبا العلاء يستطرد من وصفه لكلمات ابن القارح في رسالته إليه بأنها تشبه أشجار الجنة إلى وصف الجنة نفسها، وما بها من نعيم، في أثناء ذلك يعرض لندماء ابن القارح من علماء اللغة، ويتراءى له أن يجعله يتنزه في الجنة، قيلقي طائفة من شعراء الجاهلية، ثم يعن له أن يرجع به إلى يوم الموقف، فيرده إليه ليصف ما هنالك من أهوال، ويمر به على الصراط، حتى يصل إلى الجنة فيحاور رضوان محاروة

стр. 279

طريفة، إذ يسأله: هل معك من جواز؟ فيقول: لا، فيقول رضوان: لا سبيل لك أن الدخول بغير جواز، ويرى ابن القارح إبراهيم بن محمد صلوات الله عليه، فيتشبث به وهو يدخل الجنة، فيجذبه معه، ويدخل ابن القارح الجنة، ويلتقي مرة أخرى بالشعراء ويحاورهم ويشترك معهم في مأدبة وغناء وقصف، ثم يركب بعض دواب الجنة، ويسير فيصل إلى مدائن غريبة، ويطلع فيرى طائفة من الجن، فيسألهم عن الأشعار التي تنسب في العربية إليهم، ثم يرخي من عنان دابته حتى يصل إلى أقصى الجنة، حيث يلتقي بالحطيئة والخنساء، وهي تنظر إلى أخيها صخر في الجحيم، وينظر كما تنظر الخنساء، فيجد إبليس وبشارًا، وبعض شعراء الجاهلية، ويحاورهم جميعًا ثم يعود، فيلتقي ببعض الحيات التي ظلمت في الدنيا، ثم كوفئت في الآخرة بدخول الفردوس، ويمر في جنة الرجاز، وأخيرًا يقبل على كأس من كؤوس الجنة، التي لا تنزف عقلًا. وهذا هو القسم الأول من الرسالة، وهو يعطيها، لونًا مدرسيًا، إذ قصد فيه أبو العلاء -من خلال حوار ابن القارح مع الشعراء- أن يظهر علمه بأشعارهم، وما فيها من مسائل عويصة في لفظها ونحوها ووزنها، وينتقل من هذا القسم إلى القسم الثاني، وهو خاص بالرد على سؤال ابن القارح عن الزنادقة والزندقة، وتعرض في أثناء هذا القسم لكثير من النحل في عصره، ومن ثم كان هذا القسم في الرسالة ذا قيمة خاصة، على أن أهمية الرسالة إنما ترجع إلى القسم الأول منها، إذ قرنها الباحثون بسبه إلى "الكوميديا الإلهية" لدانتي١، محاولين النفوذ إلى بيان تأثره بها ومدى هذا التأثر، وهو تأثر تقوم عليه أدلة كثيرة، وبذلك لم يصنع أبو العلاء للعرب "كوميديا إلهية" فحسب، بل أثر بها أيضًا أثرًا عميقًا في الآداب العالمية، ولسنا نريد الآن أن نتحدث عن هذا الجانب في رسالته، إنما نريد أن نتحدث عنه صياغته فيها وطريقته في التعبير، ولعل من المهم أن نعرف أن أبا العلاء لم يجئ في هذه

стр. 280

الرسالة بصياغة جديدة غير الصياغة التي رأيناها آنفًا، ونراه يعني فيها بالتزام ما لا يلزم في قرائن سجعه، كما يعني اللفظ الغريب، وإنه ليعني عناية خاصة بالجناس، ولكن دائمًا في ثنايا ألفاظه الغريبة، بل المهجورة أحيانًا، وهو يحشد مع ذلك كثيرًا من الإشارات التاريخية، واستمع إليه يصف أنهار الجنة، فيقول: "إنها الراح الدائمة، لا الذميمة ولا الذائمة"، ويستطرد من ذلك إلى وصف الشعراء للخمر، ثم يقول١: "كم على تلك الأنهار من آنية زبرجد محفور، وياقوت خلق على خلق الفور "الظباء" من أصفر، وأحمر وأزرق، يخال إن لمس أحرق، كما قال الصنوبري: تخليه ساطعًا وهجه ... فتأبى الدنو إلى وهجه وفي تلك الأنهار أوزان على هيئة الطير السابحة، والغانية عن الماء السائحة، فمنها ما هو على صور الكراكي، وأخر تشاكل المكاكي، وعلى خلق طواويس وبط، فبعض في الجارية وبعض في الشط، ينبع من أفواهها شراب، كأنه من الرقة سراب، لوجرع جرعة منه الحكمي "أبو نواس" لحكم بأنه الفوز القدمي، وشهد له كل وصاف للخمر، من محدث في الزمن وعتيق في الأمر، أن أصناف الأشربة المنسوبة إلى الدار الفانية، كخمرعانة وأذرعات، وهي مظنة للنعات وغزة وبيت راس، والفلسطية ذوات الأحراس، وما جلب من بصرى في الوسوق، تبغى به المرابحة عند سوق، وما ذخره ابن بجرة بوج "الطائف"، واعتمد به أوقات الحج، قبل أن تحرم على الناس القهوات، وتحظر لخوف الله الشهوات، قال أبو ذؤيب: ولو أن ما عند ابن بجرة عندها ... من الخمر لم تبلل لهاتي بناطل٢ وما اعتصر بصرخد، أو أرض شام، لكل ملك غير عبام "أحمق"،

стр. 281

وما تردد ذكره من كميت بابل وصريفين، واتخذ للأشراف المنيفين، وما عمل من أجناس المسكرات، مفوقات للشارب، وموكرات "مثقلات"، كالجعة والبتع والمزر، والسكركة ذات الوزر١، وما ولد من النخيل، لكريم يغترف أو بخيل، وما صنع في أيام آدم وشيث، إلى يوم المبعث من معجل أو مكيث.... ويعارض تلك المدامة أنهار من عسل مصفى، ما كسبته النحل الغادية إلى الأنوار، ولا هو في موم "شمع" متوار، ولكن قال له العزيز القادر كن فكان، وبكرمه أعطى الإمكان، واهًا لذلك عسلًا لم يكن بالنار مبسلًا، لو جعله الشارب المحرور غذاءه طول الأبد، ما قدر له عارض موم "الجدري" ولا لبس ثوب المحموم ... فليت شعري عن النمر بن تولب العكلي، هو يقدر له أن يذوق ذلك الأري، فيعلم أن شهد الفانية إذا قيس إليه وجد يشاكه الشرى٢، وهو لما وصف أم حصن، وما رزقته في الدعة والمن، ذكر حواري بسمن وعسلًا مصفى، فرحمه الخالق متوفى، فقد كان أسلم وروى حديثًا منفردًا، وحسبنا بن للكلم مسردًا، قال المسكين النمر: ألم بصحبتي وهم هجوع ... خيال طارق من أم حصن لها من تشتهي عسلًا مصفى ... إذا شاءت وحواري بسمن وهو أدام الهل تمكينه يعرف حكاية خلف الأحمر مع أصاحبه في هذين البيتين، ومعناها أنه قال لهم: لو كان موضع أم حصن أم حفص ما كان يقول في البيت الثاني؟ فسكتوا، فقال حواري بلمص يعني الفالوذج". وهنا نجد أبا العلاء يغير قافية البيت الأول من أم حصن إلى أم جزء، ويأتي بقافية في البيت الثاني على نسقها، ثم يستمر فيصنع ذلك بكلمات أخرى على سائر حروف المعجم عدا حرف الطاء، وما من شك في أن هذا التصنيع يدل على حال هي حال الاستطراد، وهي تعم في الرسالة كلها، وكان يريد

стр. 282

بها أن يدل على مقدرته في رواية الشعر الغريب، وما يتصل به من أصحابه، وإنه ليقف عند كثير من صعوباته، وكما كان يعني بالوقوف عند الشعر الغريب، كان هو نفسه يلتزم الإغراب في كثير من ألفاظ رسالته على عادته في كل ما يكتب، وهو يضيف إلى ذلك حقًا زخرف السجع، كما يضيف زخرف البديع، وخاصة زخرف الجناس، ولكن الإنسان يحس كأن هذه الزخارف، تأتي عنده تابعة للفظ الغريب فهو الأساس، أو هو الخيط الذي تنسج عليه هذه الزخارف، أو هذا الوشي، وما يطوي فيه من تنميق، وقد عبر هو عن ذلك خير تعبير إذ يقول في إحدى رسائله: "قد كان فيمن مضى قوم جعلوا الرسائل، كالوسائل، تزينوا بالسجع، تزين المحول بالرجع، ما رقوا في درجته، ولا وضعوا قدمًا على محجته، لكنهم يعاينوا، فما تباينوا، وتناضلوا، فلم يتفاضلوا، ولو طمعوا في الوصول، إلى مثل هذه الفصول، لاختاروا الرتب "الشدة" على الرتب، ورضوا اعتساف السبيل، وارتعاء الوبيل"١، فانظر أين يضع أبو العلاء سا بقيه من أصحاب مذهب التصنيع! هو يعترف لهم بالسجع، فذلك شيء لا يستطيع أن يدفعه، ولكنه يدعي عليهم بعد ذلك أنهم قصروا عن معرفة طرقه الصحيحة؛ لأنهم لم يرقوا في درجة مذهبه، ولا وضوعوا قدمًا على محجته، وحقًا ما يقوله أبو العلاء، من أنهم لو طلب إليهم أن يكتبوا على نسق كتابته، لاختاروا عليها شظف العيش، واعتساف السبيل وارتعاء الوبيل؛ لأنهم كانوا يفهمون الفن في صورة أخرى تباين الصورة، التي علقت بنفس أبي العلاء. إن الفن كان عندهم زخرفًا وتصنيعًا، أما عند أبي العلاء، فقد تقدم الزمن وتطور الفن، وأصبح الفنان يأبى أن يخرج نثره في زخرف، وزينة فقط، بل لا بد أن يخرجه في كلف وعقد، ولا بد له أن يبلغ من ذلك كل مبلغ ممكن، ومن اجل ذلك كان طبيعيًا أن يلوم أبو العلاء الكتاب الذين سبقوه في فن الكتابة؛ لأنهم لم يكونوا من مذهبه ولا من ذوقه، لم يكونوا يعقدون فهم على هذا النحو الذي

стр. 283

تبدو فيه الآثار الفنية، وكأنها متون صعبة يراد بها إلى إظهار المهارة اللغوية، وإنها لمهارة يبث أبو العلاء بين طياتها كثيرًا من الأمثال والإشارات التاريخية والأدبية، حتى ليضطر أثناء ذلك إلى كثير من الاستطراد في كتاباته، بل لقد اضطر إلى شيء أهم من ذلك لم نتعوده من قبل، وهو شرحه لكثير من آثاره النثرية، وما من شك في أنه عمد إلى هذا الشرح؛ لأنه يعرف أن آثاره لا تفهم إلا مع التفسير البين لكثرة ما يحشد فيها من ألفاظ عويصة. ومهما يكن، فإن اللغة هي أهم الجوانب التي استمد منها أبو العلاء أكثر عقده في صناعة نثره، وقد أضاف إليها عقدًا أخرى اتصل بها من كثرة الأمثال والإشارات التاريخية، والاستشهاد بالشعر الغريب خاصة، وإذا نظرت بعد ذلك في سجعه برسالة الغفران، وجدته يلتزم في أكثر جوانبه أن تكون نهاية السجعة لا حرفًا بل حرفين أو أكثر، كما يلتزم -غالبًا- الجناس في عباراته، ولكنا نحن إزاء استخدامه لهذا اللون من ألوان البديع، أنه فارق بعض ألوانه البهيجة التي كنا نعرفها عند أصحاب مذهب التصنيع، وما ذلك إلا؛ لأن أبا العلاء يعتمد في جناسه كثيرًا على الإغراب في الألفاظ، ومن ثم كنا نشعر إزاء كثير من جناساته، أنها جناسات لغوية أكثر منها فنية، فهي إلى اللغة والإغراب اللغوي أقرب منها إلى الفن الخالص، والحق أنا أبا العلاء عمد في فنه إلى التعقيد من حيث هو، ولذلك إذا ذهبنا إلى أنه زعيم مذهب التصنع لعصره، لم نكن مبالغين، ولا مغالين.

стр. 284

٤- التعقيد في الفصول والغايات: لعل أهم كتاب عقده أبو العلاء، وصعبه هو كتاب الفصول والغايات، وهو كتاب قصد به إلى تمجيد الله١، ومع ذلك فقد كان سببًا في حملة شعواء عليه، إذ ذهب خصومه إلى أنه ألفه معارضة للقرآن، ويظهر أنهم واجهوا أبا العلاء بهذه التهمة منذ أخرج الكتاب، يقول ناصر خسرو الذي زار المعرة عام ٤٣٨هـ: "وضع أبو العلاء كتابصا سماه الفصول والغايات ذكر به كليمات مرموزة، وأمثالا في لفظ فصيح عجيب بحيث لا يقف الناس إلا على قليل منه ويفهمه من يقرؤه عليه، وقد اتهموه بقولهم: إنك وضعت هذا الكتاب معارضة للقرآن"٢، وقد استمرت هذه التهمة عالقة بأذهان الناس، يقول الباخرزي: "أبو العلاء ضرير، ما له في أنواع الأدب ضريب، وإنما تحدثت الألسن بإساءته لكتابه، الذي زعموا أنه عارض به القرآن، وعنونه بالفصول والغايات في محاذاة السور والآيات، وأظهر من نفسه تلك الجناية، وجذ تلك الهوسات كما يجذ العير الصليانة"٣، ويقول ابن الجوزي: "رأيت للمعري كتابًا سماه الفصول والغايات، يعارض به السور والآيات، وهو كلام في نهاية الركة"٤. وإذا فتهمة أبي العلاء بأنه عارض القرآن بكتاب الفصول والغايات، تهمة قديمة وجدت في عصره، واستمرت من بعده، وقد أضاف الرواة إلى هذه التهمة أن بعض الأدباء قال له: إن كتاب الفصول والغايات جيد، إلا أنه ليس عليه طلاوة القرآن، فقال: حتى تصقله الألسن في المحاريب أربعمائة سنة، وعند ذلك انظروا كيف يكون٥، وأكثر الظن أن هذه الرواية لفقت على أبي العلاء، كما لفقت عليه فكرة معارضة القرآن بالكتاب، ولعل مما يشهد لذلك أن نجد تلميذه ابن سنان الخفاجي يردها ردًا عنيفًا إذ يقول: "وهذا الكتاب إذا تأمله العاقل علم أنه بعيد عن المعارضة، وهو بمعزل عن التشبيه بنظم القرآن العزيز والمناقضة"٦، ومن يرجع إلى الكتاب يرفض رفضًا باتًا، ما ادعاه خصومه عليه فيه من هذه المعارضة المزعومة، إذ كله تسبيح وتمجيد في الله، وانظر إليه يقول: "علم ربنا

стр. 285

ما علم، أني ألفت الكم، آمل رضا المسلم، وأتقي سخطه المؤلم، فهب لي ما أبلغ به رضاك من الكلم والمعاني الغراب"١، وتسيطر على الكتاب كله روح التقوى، والزهد، والخوف العظيم من ربه، وقد انتشرت هذه الروح في جميع صفحات الكتاب، كقوله في بعض الفصول: "إن كان الدمع يطفئ غضبك فهب لي عينين، كأنهما غمامتا شتى تبلان الصباح والمساء"٢، ويقول في مكان آخر: ليت أعظمي تحولت عيدان أراك يتفلفل بها المتعبدون لله بالعشي، والأبكار، وليت أدمي جعل منه ذات طراق يمسح عليها المسافرون في سبيل الله أوقات الصلوات، أو صنع منه شعيب يحمل فيها الماء، حتى تعد في الشنان الباليات، وليت شعري عشب عبث به ركاب الناسكين، على أصل بذلك إلى الفلاح٣، وانظر إليه يقول في موضوع آخر٤: "لو نقلت مياه اللجج على منكبي في قداف، وأفرغته على مناكب الجبال وجررت كثبان الأرض، وصرائمها في جر أو مشآة، فألقيتها في الخضر الدائمات، حفدًا لله كنت أحد العجزة المقصرين٥، ولو أذن لي وأيدت، فابتنيت مراهص من الثرى الأسفل إلى الثريا وحضار، ومن الوتد المتخذ من عود، إلى ساحة وتد السعود٦، لم أؤد ما يوجبه جلال الله، فكيف وأنا أقصر الصلاة، وأداني بين الركعات". وأنت تحس هنا بروح رجل مؤمن مبالغ في إيمانه يخاف ربه ويخشاه، وإنه لتيصور نفسه يأتي بالمعجزات في طاعة الله، فلا ترفعه هذه المعجزات -إن استطاع أن يقوم بها- عن الشعور بأنه أحد العجزة المقصرين، وإنه ليحس
следующие страницы →