وما تردد ذكره من كميت بابل وصريفين، واتخذ للأشراف المنيفين، وما عمل من أجناس المسكرات، مفوقات للشارب، وموكرات "مثقلات"، كالجعة والبتع والمزر، والسكركة ذات الوزر١، وما ولد من النخيل، لكريم يغترف أو بخيل، وما صنع في أيام آدم وشيث، إلى يوم المبعث من معجل أو مكيث....
ويعارض تلك المدامة أنهار من عسل مصفى، ما كسبته النحل الغادية إلى الأنوار، ولا هو في موم "شمع" متوار، ولكن قال له العزيز القادر كن فكان، وبكرمه أعطى الإمكان، واهًا لذلك عسلًا لم يكن بالنار مبسلًا، لو جعله الشارب المحرور غذاءه طول الأبد، ما قدر له عارض موم "الجدري" ولا لبس ثوب المحموم ... فليت شعري عن النمر بن تولب العكلي، هو يقدر له أن يذوق ذلك الأري، فيعلم أن شهد الفانية إذا قيس إليه وجد يشاكه الشرى٢، وهو لما وصف أم حصن، وما رزقته في الدعة والمن، ذكر حواري بسمن وعسلًا مصفى، فرحمه الخالق متوفى، فقد كان أسلم وروى حديثًا منفردًا، وحسبنا بن للكلم مسردًا، قال المسكين النمر:
ألم بصحبتي وهم هجوع ... خيال طارق من أم حصن
لها من تشتهي عسلًا مصفى ... إذا شاءت وحواري بسمن
وهو أدام الهل تمكينه يعرف حكاية خلف الأحمر مع أصاحبه في هذين البيتين، ومعناها أنه قال لهم: لو كان موضع أم حصن أم حفص ما كان يقول في البيت الثاني؟ فسكتوا، فقال حواري بلمص يعني الفالوذج".
وهنا نجد أبا العلاء يغير قافية البيت الأول من أم حصن إلى أم جزء، ويأتي بقافية في البيت الثاني على نسقها، ثم يستمر فيصنع ذلك بكلمات أخرى على سائر حروف المعجم عدا حرف الطاء، وما من شك في أن هذا التصنيع يدل على حال هي حال الاستطراد، وهي تعم في الرسالة كلها، وكان يريد
стр. 282
بها أن يدل على مقدرته في رواية الشعر الغريب، وما يتصل به من أصحابه، وإنه ليقف عند كثير من صعوباته، وكما كان يعني بالوقوف عند الشعر الغريب، كان هو نفسه يلتزم الإغراب في كثير من ألفاظ رسالته على عادته في كل ما يكتب، وهو يضيف إلى ذلك حقًا زخرف السجع، كما يضيف زخرف البديع، وخاصة زخرف الجناس، ولكن الإنسان يحس كأن هذه الزخارف، تأتي عنده تابعة للفظ الغريب فهو الأساس، أو هو الخيط الذي تنسج عليه هذه الزخارف، أو هذا الوشي، وما يطوي فيه من تنميق، وقد عبر هو عن ذلك خير تعبير إذ يقول في إحدى رسائله: "قد كان فيمن مضى قوم جعلوا الرسائل، كالوسائل، تزينوا بالسجع، تزين المحول بالرجع، ما رقوا في درجته، ولا وضعوا قدمًا على محجته، لكنهم يعاينوا، فما تباينوا، وتناضلوا، فلم يتفاضلوا، ولو طمعوا في الوصول، إلى مثل هذه الفصول، لاختاروا الرتب "الشدة" على الرتب، ورضوا اعتساف السبيل، وارتعاء الوبيل"١، فانظر أين يضع أبو العلاء سا بقيه من أصحاب مذهب التصنيع! هو يعترف لهم بالسجع، فذلك شيء لا يستطيع أن يدفعه، ولكنه يدعي عليهم بعد ذلك أنهم قصروا عن معرفة طرقه الصحيحة؛ لأنهم لم يرقوا في درجة مذهبه، ولا وضوعوا قدمًا على محجته، وحقًا ما يقوله أبو العلاء، من أنهم لو طلب إليهم أن يكتبوا على نسق كتابته، لاختاروا عليها شظف العيش، واعتساف السبيل وارتعاء الوبيل؛ لأنهم كانوا يفهمون الفن في صورة أخرى تباين الصورة، التي علقت بنفس أبي العلاء.
إن الفن كان عندهم زخرفًا وتصنيعًا، أما عند أبي العلاء، فقد تقدم الزمن وتطور الفن، وأصبح الفنان يأبى أن يخرج نثره في زخرف، وزينة فقط، بل لا بد أن يخرجه في كلف وعقد، ولا بد له أن يبلغ من ذلك كل مبلغ ممكن، ومن اجل ذلك كان طبيعيًا أن يلوم أبو العلاء الكتاب الذين سبقوه في فن الكتابة؛ لأنهم لم يكونوا من مذهبه ولا من ذوقه، لم يكونوا يعقدون فهم على هذا النحو الذي
стр. 283
تبدو فيه الآثار الفنية، وكأنها متون صعبة يراد بها إلى إظهار المهارة اللغوية، وإنها لمهارة يبث أبو العلاء بين طياتها كثيرًا من الأمثال والإشارات التاريخية والأدبية، حتى ليضطر أثناء ذلك إلى كثير من الاستطراد في كتاباته، بل لقد اضطر إلى شيء أهم من ذلك لم نتعوده من قبل، وهو شرحه لكثير من آثاره النثرية، وما من شك في أنه عمد إلى هذا الشرح؛ لأنه يعرف أن آثاره لا تفهم إلا مع التفسير البين لكثرة ما يحشد فيها من ألفاظ عويصة.
ومهما يكن، فإن اللغة هي أهم الجوانب التي استمد منها أبو العلاء أكثر عقده في صناعة نثره، وقد أضاف إليها عقدًا أخرى اتصل بها من كثرة الأمثال والإشارات التاريخية، والاستشهاد بالشعر الغريب خاصة، وإذا نظرت بعد ذلك في سجعه برسالة الغفران، وجدته يلتزم في أكثر جوانبه أن تكون نهاية السجعة لا حرفًا بل حرفين أو أكثر، كما يلتزم -غالبًا- الجناس في عباراته، ولكنا نحن إزاء استخدامه لهذا اللون من ألوان البديع، أنه فارق بعض ألوانه البهيجة التي كنا نعرفها عند أصحاب مذهب التصنيع، وما ذلك إلا؛ لأن أبا العلاء يعتمد في جناسه كثيرًا على الإغراب في الألفاظ، ومن ثم كنا نشعر إزاء كثير من جناساته، أنها جناسات لغوية أكثر منها فنية، فهي إلى اللغة والإغراب اللغوي أقرب منها إلى الفن الخالص، والحق أنا أبا العلاء عمد في فنه إلى التعقيد من حيث هو، ولذلك إذا ذهبنا إلى أنه زعيم مذهب التصنع لعصره، لم نكن مبالغين، ولا مغالين.
стр. 284
٤- التعقيد في الفصول والغايات:
لعل أهم كتاب عقده أبو العلاء، وصعبه هو كتاب الفصول والغايات، وهو كتاب قصد به إلى تمجيد الله١، ومع ذلك فقد كان سببًا في حملة شعواء عليه، إذ ذهب خصومه إلى أنه ألفه معارضة للقرآن، ويظهر أنهم واجهوا أبا العلاء بهذه التهمة منذ أخرج الكتاب، يقول ناصر خسرو الذي زار المعرة عام ٤٣٨هـ: "وضع أبو العلاء كتابصا سماه الفصول والغايات ذكر به كليمات مرموزة، وأمثالا في لفظ فصيح عجيب بحيث لا يقف الناس إلا على قليل منه ويفهمه من يقرؤه عليه، وقد اتهموه بقولهم: إنك وضعت هذا الكتاب معارضة للقرآن"٢، وقد استمرت هذه التهمة عالقة بأذهان الناس، يقول الباخرزي: "أبو العلاء ضرير، ما له في أنواع الأدب ضريب، وإنما تحدثت الألسن بإساءته لكتابه، الذي زعموا أنه عارض به القرآن، وعنونه بالفصول والغايات في محاذاة السور والآيات، وأظهر من نفسه تلك الجناية، وجذ تلك الهوسات كما يجذ العير الصليانة"٣، ويقول ابن الجوزي: "رأيت للمعري كتابًا سماه الفصول والغايات، يعارض به السور والآيات، وهو كلام في نهاية الركة"٤.
وإذا فتهمة أبي العلاء بأنه عارض القرآن بكتاب الفصول والغايات، تهمة قديمة وجدت في عصره، واستمرت من بعده، وقد أضاف الرواة إلى هذه التهمة أن بعض الأدباء قال له: إن كتاب الفصول والغايات جيد، إلا أنه ليس عليه طلاوة القرآن، فقال: حتى تصقله الألسن في المحاريب أربعمائة سنة، وعند ذلك انظروا كيف يكون٥، وأكثر الظن أن هذه الرواية لفقت على أبي العلاء، كما لفقت عليه فكرة معارضة القرآن بالكتاب، ولعل مما يشهد لذلك أن نجد تلميذه ابن سنان الخفاجي يردها ردًا عنيفًا إذ يقول: "وهذا الكتاب إذا تأمله العاقل علم أنه بعيد عن المعارضة، وهو بمعزل عن التشبيه بنظم القرآن العزيز والمناقضة"٦، ومن يرجع إلى الكتاب يرفض رفضًا باتًا، ما ادعاه خصومه عليه فيه من هذه المعارضة المزعومة، إذ كله تسبيح وتمجيد في الله، وانظر إليه يقول: "علم ربنا
стр. 285
ما علم، أني ألفت الكم، آمل رضا المسلم، وأتقي سخطه المؤلم، فهب لي ما أبلغ به رضاك من الكلم والمعاني الغراب"١، وتسيطر على الكتاب كله روح التقوى، والزهد، والخوف العظيم من ربه، وقد انتشرت هذه الروح في جميع صفحات الكتاب، كقوله في بعض الفصول: "إن كان الدمع يطفئ غضبك فهب لي عينين، كأنهما غمامتا شتى تبلان الصباح والمساء"٢، ويقول في مكان آخر: ليت أعظمي تحولت عيدان أراك يتفلفل بها المتعبدون لله بالعشي، والأبكار، وليت أدمي جعل منه ذات طراق يمسح عليها المسافرون في سبيل الله أوقات الصلوات، أو صنع منه شعيب يحمل فيها الماء، حتى تعد في الشنان الباليات، وليت شعري عشب عبث به ركاب الناسكين، على أصل بذلك إلى الفلاح٣، وانظر إليه يقول في موضوع آخر٤:
"لو نقلت مياه اللجج على منكبي في قداف، وأفرغته على مناكب الجبال وجررت كثبان الأرض، وصرائمها في جر أو مشآة، فألقيتها في الخضر الدائمات، حفدًا لله كنت أحد العجزة المقصرين٥، ولو أذن لي وأيدت، فابتنيت مراهص من الثرى الأسفل إلى الثريا وحضار، ومن الوتد المتخذ من عود، إلى ساحة وتد السعود٦، لم أؤد ما يوجبه جلال الله، فكيف وأنا أقصر الصلاة، وأداني بين الركعات".
وأنت تحس هنا بروح رجل مؤمن مبالغ في إيمانه يخاف ربه ويخشاه، وإنه لتيصور نفسه يأتي بالمعجزات في طاعة الله، فلا ترفعه هذه المعجزات -إن استطاع أن يقوم بها- عن الشعور بأنه أحد العجزة المقصرين، وإنه ليحس
стр. 286
إحساسًا عميقًا بأنه مهما صنع من آيات، فلن يؤدي ما يوجبه جلال الله، وعلى هذا النحو يمضي أبو العلاء في كتابه يستشعر العجز، والضعف أمام ربه معددًا لنعمه ومآثره، مصورًا لإرادته وقدرته، وقد جعله هذا الجانب يقف عند طائفة من المستحيلات في وقائعنا المادية، فيظهر كيف أن قدرة الله التي تسع كل شيء، تستطيع أن تحولها من باب المستحيلات إلى باب الممكنات، كقوله في بعض فصوله١:
"يقدر ربنا أن يجعل الإنسان ينظر بقدمه، ويسمع الأصوات بيده، وتكون بنانه مجاري دمعه، ويجد الطعم بأذنه، ويشم الروائح بمنكبه، ويمشي إلى الغرض على هامته، وأن يقرن بين النير وسنير، حتى يريا كفرسي رهان، وينزل الوعل الزعل من النيق، ومجاوره السوذنيق٢، حتى يشد فيه الغرض، وتكرب عليه الأرض، وذلك من القدرة يسير، سبحانك ملك الملوك، وعظيم الضعفاء".
ونرى من ذلك أن الفصول، والغايات لم يقصد بها إلى إلحاد ولا إلى زندقة، ولا إلى معارضة للقرآن ومناقضة، ومن أين تأتيها هذا، وهي تنساق كلها في التمجيد والتحميد، والثناء على الله، ولعله من أجل ذلك قال ابن سنان الخفاجي:
إن العاقل إذا تأملها علم أنها بعيدة عن المعارضة، وقد يكون السبب في أن الناس واجهوا أبا العلاء بهذه التهمة، أنهم رأوه يسمى كتابه باسم "الفصول والغايات في محاذاة السور والآيات"، فظنوا أنه يقصد بذلك إلى المعارضة في الأسلوب، وهو إنما يقصد إلى أن هذه الفصول محاذية للقرآن من حيث ما فيها من تسبيح، وحمد وتمجيد وثناء على الله ، وقد يكون من أسباب هذه التهمة، ما في الكتاب من بعض أقسام تشبه أقسام القرآن٣، كقوله في بعض فصوله٤:
стр. 287
"أقسم بخالق الخيل، والعيس الواجفة بالرحيل، تطلب مواطن حليل١، والريح الهابة بليل بين الشرط ومطابع سهيل، إن الكافر لطويل الويل، وإن العمر لمكفوف الذيل، شعر النابغة وهذيل، وغناء الطائر على الغيل، شهادة بالعظمة لمقيم الميل، فانعش سائلك بالنيل، وليكن لفظك بغير هيل٢، وإياك ومدارج السيل، وعليك التوبة من قبيل، تنج، وما إخالك بناج".
ومع ذلك فلم تأت هذه الصورة من الأقسام في الكتاب كثيرًا، ولعل مما يتصل بها ما يلاحظ على لكتاب أحيانًا من النسج على أساليب مشبهة للقرآن الكريم، وقد لاحظ القدماء ذلك في قوله٣:
"أذلت العائذة أباها، وأصاب الوحدة ورباها، والله بكرمه اجتباها، أولاها الشرف بما حباها، أرسل الشمال وصباها، ولا يخفا عقباها".
وربما كان من الأساليب التي تدخل في ذلك، ما يلاحظ عليه أحيانًا من استخدام صورة الفواصل في بعض جوانب من كتابه، كقوله٤:
"إن الله إذا أذن أروى الشعب من القعب، فسبحان مروي الهائمين، والحليب، يطلب من ذوات الصليب، وربك رازق الممترين٥، هل تقدر على التحجيب، لأسد الحجيب، وإذا شاء الله وسمت أنوف الأعزاء. من الرتب، ركوب القتب، والله منعم الحافضين٦، ذهبت شعوب، وفي يدها لعوب، ولك للمنية أكيل، إلا ملك الملوك ومذل المتكبرين. يذهب الحلب، ويبقى القلب، وكل محدث من الذاهبين٧، يقع الشبب في السبب، وكذلك
стр. 288
غاية المطلقين، شكا الطلب، داء في الخلب، وربك شافي المشتفين١، قد تقف الطراب، على رءوس الظراب ترمق آثار المتحملين٢، ولو شاء الله جعل جناحًا كالحضر، وأبا مهدية مثل قباث"٣.
ولكن هل ظهور هذه الأساليب، وما يطوي فيها من صور مشبهة لعبض صورة القرآن الكريم في أساليبه، تجعلنا ننطلق إلى اتهام أبي العلاء بمعارضة القرآن الكريم، أو ينبغي أن نتريث وأن لا نحكم هذا الحكم إلا إذا دعمناه بأدلة أشد من ذلك وضوحًا؟ والحق أن تهمة أبي العلاء لا تثبت بمثل هذه الصورة، وخاصة أن أبا العلاء لم يشعها في فصوله وغاياته، بل لقد جاء بها في القليل النادر جدًا، ومن يدري؟ ربما قلد أبو العلاء أساليب القرآن الكريم في بعض جوانب من كتابه، ولكنه لم يرد تقليده إلى المعارضة والتحدي، وإنما أراد مطلق التقليد الخالي من أي غرض من أغراض الإلحاد، وقد يكون من الأدلة على ذلك أن الكتاب كله ينساق في موجة عظيمة من تحميد الله وتمجيده، وأيضا فإننا إذا تركنا هذه الجوانب القليلة في الكتاب، ونظرنا في أساليبه نظرة عامة، وجدنا أبا العلاء يختار لنفسه فيه أسلوبًا معقدًا تعقيدًا شديدًا، وهو تعقيد يقوم على استخدام اللفظ الغريب، وما يطوي فيه من أمثال، وكلمات رمزية، وإن ذلك ليباعد الكتاب جملة عن أسلوب الذكر الحكيم، ويجعله أسلوبا من طراز آخر هو طراز مذهب التصنع، وما انتهى إليه هذا المذهب عند أبي العلاء من عقد، وكلف كثيرة.
ولعل أول ما يلاحظ من عقد أبي العلاء، وكلفه في هذا الكتاب أنه قسمه على حروف المعجم عدا حرف الألف، فخرج له من ذلك ثمانية وعشرون فصلًا، وجعل كل فصل كالهمزة مثلًا ينقسم إلى فقرات، وكل فقرة تختتم
стр. 289
بغاية هي الفصل، الهمزة غاياته كلها الهمزة، وأبو العلاء لا يكتفي بذلك، بل يلتزم حرفًا قبل جميع غاياته هو الألف، ولا تظن أنه يصنع هنا ما صنعه في ديوان اللزوميات من التزام حرف قبل الروي، وتوحيده في المقطوعة التي ينظمها، فهناك كان يستطيع أن يغير الحرف كما يريد، أما هنا فهو يعينه بحرف الألف، ففصل الهمزة مثلًا تختتم فقراته كلها بجملة فيها ألف وهمزة، وكذلك فصل الباء والتاء والثاء وهلم جرًا، وانظر في الفقرة السابقة التي عرضناها عليك، فغايتها قباث، وهي مختومة بثاء بعد الألف، وكذلك جميع فقرات فصل الثاء تختتم على هذا النحو، فإذا رجعت إلى الكتاب وجدتها تتوالى هكذا: وراث، أحداث، حثاث، جثجاث ... ويستمر على هذا النمط حتى يختتم الفصل.
وليست هذه العقدة هي كل ما فزع إليه أبو العلاء في فصوله وغاياته، فهناك عقد كثيرة كان يلجأ إليها، لعل من أهمها أنه كان يلتزم داخل فقره كثيرًا أن تتوالى السجعات، وقد اشتركت نهايتها في حرفين أو أكثر، على أن هذه العقدة سبق أن لاحظناها عنده في رسالة الغفران، وربما كانت أهم عقدة استمد منها أبو العلاء كل ما يريد من تعقيد في أسلوبه، وتصعيب هي عقدة اللغة، ولعل القارئ لاحظ ذلك في ما رويناه حتى الآن من الكتاب، ولذلك عمدنا في الهوامش إلى تفسير بعض الألفاظ، وحقًا ما قاله ناصر خسرو من أن هذا الكتاب أودع كلمات مرموزة، وأمثالًا وأنه لا يفهمه إلا من قرأه على أبي العلاء نفسه، وقد قالوا: إنه فسره بكتاب يسمى السادن١، ومن يرجع إلى القسم الذي نشر من الكتاب يجد أنه يصحب بتفسير، فالفقرة تكتب ثم يلحقها التفسير، فإذا انتهى التفسير جاءت كلمة "رجع" للدلالة على الرجوع إلى أصل الكتاب وفقره، وأكبر الظن أن هذا التفسير من صنع أبي العلاء، وقد يكون هو نفسه كتاب السادن الذي شرح به الكتاب، ألحقه به أحد تلاميذه، أو ألحقه به شخص متأخر.
стр. 290
هذا الزخرف قبله، ولكن الإنسان يحس عند أبي العلاء، أنه فارق طاقته القديمة من الحلية والزينة إلى طاقة جدية من الإغراب، والتعمق في تصعيب الأداء، وإنه ليلتزم ذلك دائمًا في كل ما يكتب، وهل هناك أثر نثري لأبي العلاء لم يبنه على اللفظ الغريب، وهذا الجناس المعقد، وما يطوي فيهما من التزام حرفين في روي سجعه غالبًا، ثم يأتي بعد ذلك ما يستخدمه من أمثال، وما يحشده من إشارات تاريخية، وهذا كله كان يلتزمه في آثاره، بحيث لا تكاد تخلو صحيفة من أعماله، إلا وقد انبسطت عليها عقد اللفظ الغريب، أو قل اللفظ المهجور، كما انسبطت عليها زخارف الجناس المعقد، وما يندمج في هذا الجناس من أمثال وإشارات.
وبجانب هذه العقد الدائمة التي ينمق بها فنه تنميقًا نجده يقترح عقدًا أخرى لم يكن يستعملها دائمًا، ولكنه كان يستعملها على كل حال، وقد عرضنا لها في بيان تعقيده لرسائله، ونقصد ما كان يتصنع له في كتاباته من ذكره لمصطلحات العلوم بطرق وصور مختلفة، وقد غالى في هذا الجانب في أثناء صناعته للفصول والغايات غلوًا بعيدًا، إذ نراه يحاول أن يرد كثيرًا من أفكاره إلى علل أصحاب النحو والعروض ومصطلحاتهما، كأنما أعياه التفكير المستقيم الصحيح، فهو يفزع إلى النحو والصرف، وما يتصل بهما يحاول أن يفسر آراءه، ومشاكله كقوله١:
"لا أختار شبه الظالمين، فإن الشيئين يتشابهان، فينقلهما التشابه إلى الاتفاق كإن المكسورة المشددة أشبهت الأفعال، فجاء بعدها اسمان آخرهما كالفاعل وأولهما كالمفعول، وكذلك ما قاربهما من الأدوات، لا تجعلني رب معتلا كواو يقوم، ولا مبدلًا كواو موقن تبدل من الياء، ولا أحب أن أكون زائدًا مع الاستغناء كواو جدول وعجوز، فأما واو عمرو فأعوذ بك رب الأشياء، إنما هي صورة لا جرس لها، ولا غناء مشبهها لا يحسب من النسمات".
وبين أن هذه الفقرة لا يستطيع تان يفهمها، إلا من درس النحو الاشتقاق
стр. 291
وعرف ما يقوله النحويون عن إن، وأنها تشبه الأفعال لبنائها من ثلاثة أحرف، ثم ما يقولونه في الصرف عن الإعلال والإبدال، وما يقولونه، عن وزن الأسماء وحروف الزيادة، وكأنما سدت أمامه جميع طرق التعبير، فهو يلجأ إلى هذه الأشياء يحاول أن يفتح بها الأبواب المنسدة، وأنها لتنفتح على هذه الكلف، التي لم يكن يعرفها النثر على هذا النحو قبل أبي العلاء، ولكن ما لأبي العلاء والكتاب من قبله؟ إنه يريد أن يتفوق عليهم، وهو يجد هذا التفوق في مثل هذه الصور، التي لم يكن يلجأ إليها الكتاب السباقون، لأنهم كانوا يفهمون الفن في كتابتهم بصورة أخرى، كانوا يفهمونه على أنه تنميق وزخرف، أما عند أبي العلاء، فقد تطور الزمن وأصبح الفن يفهم على أنه قبل كل شيء عقد وكلف، واستمع إليه يقول في فقرة أخرى١:
"ألتفت إلى ذنوبي فأجدها متتابعة كحركات الفاصلة الكبرى، واستقبل جرائم تترى، طوالًا كقصائد الكميت الأسدي، مختلفة النظم كقصيدتي عبيد وعدي، وأجدني ركيكًا في الدين، ركاكة أشعار المولدين سبقتهم الفصاحة، وسبقوا أهل الصنعة! وأعمالي في الخير قصار، كثلاثة أوزان رفضها المتجزلون في قديم الأزمان، ولا بد للوتد من حذ، والسبب من جذ٢، ورب فرح، طوى طي المنسرح٣، فارحمني رب إذ صرت في الحافرة، كالمتقارب وحيدًا في الدائرة، وهجرني العالم هجر النون العجمات"٤.
أرأيت كيف ينجح أبو العلاء إلى علم العروض يستمد من مصطلحاته، ما يغرب به على الناس في نسيج فصوله وغاياته؟! ولا يكتفي بذلك، بل نراه
стр. 292
يشير إلى قصائد الكميت وما اشتهرت به من طول، كما يشير إلى قصيدين لعبيد وعدي عرفنا باضطراب الوزن، وهما على الترتيب "أقفر من أهله ملحوب" و"قد حان أن تصحو لو تقصر"، كما يشير إلى الأوزان الثلاثة التي استحدثها الشعراء، ولم يستخدمها القدماء وهي المجتث والمقتضب والمضارع، أما الدائرة التي يشير إليها، فهي إحدى دوائر الخليل واضع علم العروض، إذ جعل كل مجموعة من أوزان الشعر في دائرة، وأفراد المتقارب بدائرة على حدة. ولكن أين نحن الآن؟ لقد فارق النثر طبيعته، وأصبحنا نقرأ في الصحيفة منه بل في الفقرة، فإذا بنا نضطر إلى أن نعرض لأشياء لا تتصل بدوائر الفن من حيث هو، وإنما تتصل بعلوم اللغة، وهذا هو معنى ما نذهب إليه من أن أبا العلاء عقد لغته في نثره تعقيدًا شديدًا، فقد أخذ النثر يستحيل عنده إلى هذه الصورة المعقدة الملتوية، فإذا صاحبه يلجأ إلى مصطلحات من العلوم يسلكها في عمله، وإنا لنعجب الآن كيف غلا أبو العلاء في تعقيد فنه كل هذا الغلو، ولكن هذا العجب يزيله من نفوسنا، أن نعرف أن الفن في النثر العربي تطور أخيرًا إلى هذه الصور من التصعيب في الأداء، وكأنما جفت المنابع التي تؤهل له صورة صحيحة من الزخرف، إذ انتقل إلى هذه الصورة المعقدة من استخدام مصطلحات العلوم، فإن تركها أبو العلاء فإلى الألفاظ المهجورة، والأمثال والإشارات المرموزة.
ويستخدم أبو العلاء الجناس، ولكنا نحس عنده أنه فارق صورته القديمة إلى صورة هندسية جديدة، إذ أصبح عقدًا خالصة، أو ما يشبه العقد الخالصة، لا لسبب إلا؛ لأنه كان يطلبه دائمًا في اللفظ الغريب المتعمق في الإغراب، كأنما الإغراب شيء يقصد لذاته، واسمتع إلى هذه الفقرة القصيرة١.
"بل يا جفن، وابل يا جسم، وأبلي يا نفس، يبل من المرض الدين، ليس يبل عند الله أبل، فاطو صديقك على بلته ولا تثقن بلابس حبلات".
هل يقع في ذهنك أنك تقرأ الآن نثرًا كالنثر المألوف لك؟ طبعًا لا، فإن
стр. 293
هذا نثر جديد من صنع أبي العلاء، وإن الإنسان ليحس إزاءه، كأنه يقرأ مادة من مواد لسان العرب، قد مثل لها ابن منظور بأمثلة مختلفة باختلاف استخدام الكلمة، ولكن فكر قليلًا فسترى أن أبا العلاء لم يعمد إلى هذا اللعب إلا؛ لأنه يريد أن يعرض عليك أوسع صور للجناس في هذه العبارات، وإنه ليذهب بعيدًا في الإتيان بجناساته، إذ يبدأ بكلمة "بل"، وهي من وبل يبل أي يسقط ويهطل، ثم يثني بكلمة "ابل"، وهي بلي يبلى، ويثلث بكلمة "وأبلى"، وهي من أبل الوحش إذ اجتزأ بالكلأ عن الماء يريد: "امتنعي عن المحارم أيتها النفس، ويستمر أبو العلاء، فيأتي بكلمة "يبل"، وهي بمعنى يبرأ ويصح، ثم يأتي بكلمة "يبل"، وهي يظفر، أما الأبل فهو الخبيث، وأما قوله:
"اطو صديقك على بلته"، فمثل يضرب في السقاء يطوى وهو مبتل، فإن بلله أبقى له، وقد ختم الفقرة بكلمة "حبلات"، وهي ضرب من الحلي، وواضح ما في ذلك كله من العنت في الإغراب، والتعقيد الشديد.
والحق أن أبا العلاء يعتبر في نثره مرحلة قائمة بنفسها في تاريخ لغتنا العربية، فقد أخذ هذه اللغة من أيدي سابقيه، فلم يقف بها عند الصورة التي تركوها، بل خرج بها إلى مذهب التصنع الجديد، ولكنه حين خرج إلى هذا المذهب أوغل فيه إيغالًا لم يوغله أحد من قبله، بحيث يمكن أن يقال: إن المذهب ابتدأ به وانتهى بها أيضًا، فقد عقد لغة نثره تعقيدًا لم يقع في وهم أحد لا من سابقيه، ولا من معاصريه، حتى لتتحول جوانب من أعماله إلى ما يشبه الألغاز والأحاجي، وما من شك في أن معرفته الواسعة باللغة، وألفاظها المستعملة والمهجورة ساعدته على كل ما يطمح إليه في هذا الصدد، وإنها لمساعدة تخرج بجوانب كثيرة من آثاره إلى ما يشبه المعاجم، فهي متون لغوية قبل أن تكون متونًا أدبية أريد بها إلى اللغة قبل أن يراد بها إلى الفن، وذهب أبو العلاء يعقد هذه المتون، ويصعبها بلك ما يستطيع من أدوات ووسائل، وهل هناك أداة أو وسيلة لا يحسنها أبو العلاء؟ إن اللغة مسخرة له، وهذه ألفاظها المهجورة يستطيع أن يتخذ منها ما يريد من مواد لبناء نماذجه، وإنه ليغرب في هذه المواد ما شاء له هواه حتى يقع
стр. 294
على كل ما يمكن من طرائف الفن في رأيه، أو قل طرائف التعقيد والتصعيب، وهل هناك طرفة من كلفة، أو عقدة لا توجد في عمله؟ أتريد الجناس المعقد أو تريد الأمثال المبهمة، أو تريد الإشارات المرموزة، أو تريد مصطلحات العلوم؟ إن كل ذلك تجده مجموعا في عمله، على نحو لم نألفه من قبله ولا من بعده، فقد عجز من جاءوا بعد أبي العلاء عن أن يحملوا عنه مذهب التصنع، كما تركه في هذه العقد، والمنحنيات الكثيرة، وسنقف عند كاتبين جاءا على أثره، وهما الحريري والحصكفي لنتبين صورة المذهب بعد أبي العلاء تبينًا دقيقًا.
стр. 295
٥- الحريري وتعقيده:
هو، القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري، ولد بضاحية من ضواحي البصرة تسمى المشان١ عام ٤٤٦هـ، وتوفي في عام ٥١٦هـ٢، ولما شب ذهب إلى البصرة حيث "سمع الحديث، وقرأ الأدب واللغة"٣. وسرعان ما أصبح بفضل فطنته، وذكائه صاحب الخبر في ديوانه الخلافة، وهي وظيفة تشبه وظيفة "مصلحة الاستعلامات" في العصر الحديث٤، واستمرت هذه الوظيفة في أولاءده إلى آخر المقتفوي نحو سنة ٥٥٦هـ، إذ زار العماد الأصبهاني البصرة، ورأى أولاده يقومون عليها٥، وكان الحريري يسكن في البصرة بمحلة بن حرام٦، وكان قبيحًا دميم الحلقة قذرا في لبسته، وهيئته مبتلى بنتف لحيته٧. ومن الطرف التي تروى بصدد ذلك "أن رجلا قصده ليقرأ
стр. 296
عليه، فاستدل على مسجده الذي يقرأ فيه، فلما أراد الدخول، رأى شخصًا دميم الخلقة، فاحتقره، وقال: لعله ليس هو هذا، فرجع، ثم قال في نفسه: لعله يكون هذا ثم استبعد أن يكون هو، والشيخ يلحظه، فلما تكرر هذا منه، تفرس الشيخ فيه ذلك، فلما كان في المرة الأخيرة، قال له: ارحل، فأنا من تطلب أكبر من قرد محنك"١، وربما كان هذا القبح هو الذي ولد فيه ميله إلى الدعابة في أعماله، وآثاره.
وكان مما خفف قبح الحريرة، أنه كان ذكيًا ذكاء شديدًا يقول ابن الجوزي: "إنه فاق أهل زمانه بالذكاء والفطنة"٢، ويقول العماد الأصبهاني: "طلعت ذكاء ذكائه في المغرب والمشرق، وامتلأ ببضائع فوائده، ونواصع فرائده حقائب المشئم والمعرق"٣، ويقول ياقوت: "كان غاية في الذكاء والفطنة"٤، واستغل هذا الذكاء في جانبين، أما الجانب الأول، فالأدب شعره ونثره، وقد ترك في هذا الجانب مجموعة من الشعر، كما ترك مجموعة من الرسائل، وأيضًا فإنه ترك أهم مجوعة ألفت في المقامات، وأما الجانب الثاني فهو جانب التأليف في النحو، إذ نراه يترك -كما يقول ياقوت- كتاب "ملحة الإعراب"، وهي قصيدة في النحو، كما يترك كتاب شرح ملحة الإعراب، وأيضًا فله كتاب "درة الغواص في أوهام الخواص"، وهو معروف.
على أن الحريري إنما اشتهر بجانبه الأول، إذ يعتبر أهم كاتب ظهر في المشرق بعد أبي العلاء، وقد نال شهرة مدوية في عصره وبعد عصره، لما كان يقوم به من عناية بآثاره عناية تحيلها إلى ضروب خالصة من الزخرف، والوشي الأنيق حتي ليقول العماد الأصبهاني: إن "وشي بلاغة الحريري ذهبي الطراز، سحباني الإعجاز قسي الإسهاب والإيجاز، ومتى قد رقس على ترصيع كلمه، وتصريع حكمه، حريري الوشي، عراقي الوشم، لؤلؤي النظم، كلامه يتيمة
стр. 297
البحر، وتميمة النحر"١، ولكن لا تظن من وصف العماد أن الحريري كان من ذوق أصحاب التصنيع، فقد انتهى هعذا المذهب في المشرق، وانتهى أنصاره وحل محله مذهب جديد هو مذهب التصنع، وهو مذهب كان يعتمد على التلفيق، والتعقيد، وإحالة الزخرف القديم إلى أشكال هندسية جديدة، وقد تشبث أصحابه بزخرف الجناس، واستخرجوا منه كل ما يمكن من عبث، وعقد على صور مختلفة.
والحريري لم يكن يشذ على هذا المذهب الجديد، بل كان ينساق فيه، وفيما اقترحه أبو العلاء من تصعيب، وعرف القدماء ذلك، فقالوا: إنه يستعير منه بعض صوره٢، ولكن ليس هذا هو الجانب المهم، فقد استعار منه كثيرًا من عقده التي بثها في أعماله وخاصة عقدة الجناس، إذ ذهب يستعين بها في تعقيد فنه تعقيدًا شديدًا، وإن من يرجع إلى ما اقتبسه العماد الأصبهاني في خريدته، وياقوت في معجمه من رسائله يجد ظاهرة التعقيد واضحة فيها، وقد رويا له جميعًا رسالتين غريبتين بنهاهما جميعًا على حرف واحد، أما الأولى فبناها على حرف السين، ولذلك سميت بالرسالة السينية، أما الثانية فبناها على حرف الشين، ولذلك سميت بالرسالة الشينية، وكتب الأولى على لسان بعض أصدقائه يعاب صديقًا له أخل به في دعوة دعا إليها، وهو يستهلها على هذا النمط٣.
"باسم القدوس أستفتح، وبإسعاده أستنجح، سجية سيدنا سيف السلطان سدة سيدنا الإسفهسلار، السيد النفيس سيد الرؤساء حرست نفسه، واستنارت شمسه وبسق غرسه، واتسق أنسه، استمالة الجليس، ومساهمة الأنيس، ومواساة السحيق والنسيب، ومساعدة الكسير والسليب، والسيادة تستدعي استدامة السنن، والاستحفاظ بالرسم الحسن، وسمعت بالأمس
стр. 298
تدارس الألسن سلافة خندريسه، في سلسال كئوسه، ومحاسن مجلس مسرته، وإحسان سمعة سيادته، فاستسلفت الاستدعاء، وتوسمت السراء، وسوفت نفسي بالاحتساء، ومؤانسة الجلساء، وجلست أستقري السبل، وأستطلع الرسل، وأستبعد تناسي اسمي، وأسامر الوساوس لاستحالة رسمي١ ... وحسبنا السلام وسلامه على رسول الإسلام".
أرأيت إلى هذه المقدرة الجديدة عند الحريري؟ لقد حكاها العماد في شيء من الدهشة، والإعجاب وحق له فقد كان ذلك ذوق عصره، بل لقد كان ذوق الكتاب منذ أبي العلاء، فهم يبحثون عن كل صعوبة في الأداء يجتذبونها إلى آثارهم، ونماذجهم كي يدلوا على مهارتهم وبلاغتهم، ولكن أي مهارة، وبلاغة هذه؟ لقد أصبحت النماذج الأدبية أشبه ما تكون بعمل عمال المطابع، إذ يرصون الكلمات بعضها بجانب بعض، فتتكون صناديق من الكلمات، ولكن لا يتكون شعور ولا إحساس، وأي إحساس وشعور في مثل هذه الرسالة، التي شغل فيها الحريري بأن يجمع ألفاظًا من ذوات السين، ويرصها على هذا النمط، فإذا بنا نقرأ سينيات، لا أفكارًا ولا شعورًا، وإنما كلمات بنيت بناء من حرف السين! وما من ريب في أنه كان يريد بذلك، أن يدل على مدى تفوقه على معاصريه في استخدام طرق مذهب التصنعه، وإنه ليبحث عن طرق جديدة، فإذا هو يهتدي بعد البحث إلى هذه الفكرة البديعة، وهي أن يؤلف رسالة سينية، وأخرى شينية ليثبت مقدرته وبراعته، وانظر إليه كيف يسوق رسالته الشينية، التي كتب بها إلى طلحة بن محمد النعماني الشاعر لما قصده في البصرة يمدحه، ويشكره، ويتأسف على فراقه٢:
"شغفي بالشيخ شمس الشعراء ريش معاشه، وفشا رياشه٣ وأشرق شهابه، واعشوشبت شعابه٤، يشاكل شغف المنتشي بالنشوة، والمرتشي بالرشوة، والشادن
ونحن لا نشك في أن الحريري استحوذ على إعجاب معاصريه بهذه الطرفة الغريبة، كما استحوذ على هذا الإعجاب بطرفته السابقة، وهل يستطيع أحد أن يجري على هذه السنة الحريرية، فإذا هو يؤلف رسالة من حرف واحد؟
وإن نفسه ليمتد على هذا النحو الذي نجده في تلك الرسالة الشينية، وليس كل ما في هذه الرسالة من تعقيد، هو هذا الإغراب في بنائها على حرف واحد، فهناك عقد أخرى خلف هذه العقدة، لا بد أن القارئ لاحظها، ولعل في رأس هذه العقد التزامه ما لا يلزم في نهاية أسجاعه، إذ كان يتقيد غالبًا بحرفين أو أكثر، وأيضًا فإنه عنى بالجناس على جميع صوره، إذ نراه يحشد جناس الاشتقاق بكثرة، كما يحشد الجناس الناقص بوفرة، وإنه ليعدل في أثناء ذلك إلى ضروب من اللفظ الغريب، كما نرى في الكلمات التي ختم بها الرسالة: يشرخ ويحوش ويقنفش، ومعانيها على الترتيب: يعلو ويظفر ويجمع.
وأكبر الظن أننا قد تعرفنا الآن على فن الحريري، وهو فن يندمج في مذهب التصنع، وما اقترحه له أبو العلاء من عقد مختلفة، وإن الحريري ليحاول أن يأتي ببعض عقد جديدة، فإذا هو يقع على هذه الفكرة، وهي أن يبني كلمات رسالته من حرف واحد، ولكن لا تظن أن هذا هو كل ما عند الحريري، فإن رسائله لم تستوعب جميع ألوان مهارته في هذا الجانب، إنما الذي استوعب مهارته حقًا هو مقاماته.
стр. 301
٦- التعقيد في مقامات الحريري:
تعد مقامات الحريري أهم نموذج أدبي ظهر في العصر العباسي بعد نمادج أبي العلاء، وقد أخذ الناس يشيدون بها منذ ظهورها، وعبروا عن هذه الإشادة، بعبارات مختلفة، لعل من أطرفها ما جاء عن الزمخشري، وكان يعيش في عصر الحريري تقريبًا، إذ يقول١:
стр. 302
أقسم بالله وآياته ... ومشعر الحج وميقاته
إن الحريري حري بأن ... نكتب بالتبر مقاماته
أما ياقوت، فيقول: إن الحريري "أبر بكتاب المقامات على الأوائل، وأعجز الأواخر"١، ويقول أيضًا: لقد وافق كتاب المقامات "للحريري" من السعد ما لم يوافق مثله كتاب؛ فإنه جمع بين حقيقة الجودة والبلاغة، واتسعت له الألفاظ وانقادت له البراعة ... حتى لو ادعى بها الإعجاز لما وجد من يدفع في صدره، ولا من يرد قوله ولا يأتي بما يقاربها فضلًا عن أن يأتي بمثلها، وقد رزقت -مع ذلك- من الشهرة وبعد الصيت، والاتفاق على استحسانها من الموافق والمخالف ما استحقت وأكثر "٢، ويقول ابن خلكان: إن الحريري "رزق الحظوة التامة بعمل المقامات"٣، وبينما يشيد هؤلاء بعمل الحريري في مقاماته نجد آخرين يحطون من هذا العمل، وعلى رأسهم ابن الطقطقي؛ إذ زعم أن المقامات البديعية، والحريرية تصغر الهمة؛ لأنها بنيت على السؤال والاستجداء والتحيل القبيح٤، والطريف أن الحريري أشار في مقدمة مقاماته إلى أن سيغض منها بعض الناس، إذ يقول: "إني وإن أغمض لي الفطن المتغابي، ونصح عني المحب المحابي، لا أكاد أخلص من غمر جاهل، أو ذي غمر "حقد" متجاهل، يضع معنى لهذا الوضع، ويندد بأنه من مناهي الشرع، ومن نقد الأشياء بعين المعقول، وأنعم النظر في مباني الأصول، نظم هذه المقامات، في سلك الإفادات، وسلكها مسلك الموضوعات، عن العجماوات والجمادات، ولم يسمع بمن نبا سمعه عن تلك الحكايات"٥، واوضح أن الحريري يحتج على صواب عمله بكتاب كليلة ودمنة، وأمثاله من القصص التي بنيت على الحيوان، فإن أحدًا لم يذمها لما فيها من حكم وآداب، ولكن هل يفهم من ذلك أنه قصد إلى بث
стр. 303
معان أخلاقية في مقاماته؟ إن من يقرأها قلما يرى شيئًا من ذلك، إلا في المقامة الدمشقية والمقامة الساوية، ويظهر أنه كان مشغولًا عن هذه المعاني بتدبيج أساليبه، وتحبيرها.
وتبلغ عدة مقاماته خمسين، وهي كمقامات البديع، كلها حكايات درامية تفيض بالحركة التمثيلية، وإن كان الحريري لم يقصد بها إلى القصص من حيث هو، وإنما قصد بها إلى تعليم الناشئة الأساليب الأدبية، وقد بناها على الرواية إذ يروي الحارث بن همام أحاديثها، ويقول ابن خكان: إنه عنى بهذا الحارث نفسه أخذًا
من قوله ﷺ : "كلكم حارث وكلكم همام"، والحارث: الكاسب، والهمام: كثير الاهتمام١، أما الأديب المتسول الذي تروى عنه المقامات، والذي يقابل عند الحريري أبا الفتح الإسكندري عند بديع الزمان، فهو أبو زيد السروجي، وهو من أهل الكدية الذين احترفوا التسول متخذين وسيلتهم إلى ذلك الحلب بصوغ اللسان، وسحر البيان، وصور الحريري في المقامة الساسانية دواعي هذا التسول، ودوافعه، ويزعم ياقوت٢ وكذلك ابن خلكان٣ أن شخصيتة أبي زيد شخصية حقيقة، ولكن الباحثين المحدثين يتهمون ذلك ويردونه٤؛ لأنه لا مبرر له، وما أبو زيد إلا كأبي الفتح الإسكندري صاحب بديع الزمان، بل كأي بطل لقصة أخرى، ليس من الضروري أن يكونوا معبرًا عن حقيقة خلفه.
والمعروف أن الحريري استهل كتابة مقاماته بالمقامة الثامنة والأربعين، وهي المسماة باسم المقامة الحرامية، ثم أخذ في كتابة بقية المقامات٥، وقد بدأ في هذا العمل عام ٤٩٥هـ، انتهى منه عام ٥٠٤هـ٦، وأقر في مقدمتها بأن الذي أشار عليه بكتابتها شخص "إشارته حكم، وطاعته غنم"٧، وهو
стр. 304
السياسي الفارسي المشهور أنو شروان بن خالد١، الذي كان وزيرًا تحت إمرة الخليفة المسترشد بالله، والسلطان مسعود السلجوقي٢، ورأى ابن خلكان على نسخة من المقامات، كتبها الحريري نفسه أنه صنفها لوزير آخر للمسترشد يسمى ابن صدقة٣، فشك في الرواية الأولى، التي تذهب إلى أن أنوشروان بن خالد هو الذي أشار عليه بها، ولكن من يدري؟ ربما كانت المسألة لا تزيد على أن الحريري كتب نسخة، وأهداها إلى ابن صدقة! ويقال: إن الحريري كتب خطه على سبعمائة نسخة من مقاماته قرئت عليه٤، وأكبر الظن أن اهتمامه بها على هذا النحو، هو الذي حال بينها وبين البتر والحذف، والتغيير، ولذلك كانت مقاماته من هذه الوجهة، أتم وأطرف من مقامات البديع التي تبدو مبتورة في كثيرة من الأحيان.
ولعل أهم جانب تفترق به مقامات الحريري من مقامات بديع الزمان، هو أنها كتبت في ظلال مذهب التصنع وعقده، بينما كتبت مقامات البديع في ظلال مذهب التصنيع وزخرفه، وليس معن ذلك أن الحريري لم يبن مقاماته على السجع، ولا على وشي البديع، بل لقد بناها على أساس هذه المواد، ولكنه أخرجها في صورة جديدة هي صورة مذهب التصنع، وما يمتاز به من تصعيب الأداء، إما بجلب أشياء غريبة عن دوائر الفن من حيث هو، وإما بتعقيد ما يندمج في هذه الدوائر من جناس، وغير جناس، وإما باستحداث طرق جديدة كالطريقة التي قابلتنا في رسائله، إذ وجدناه يبني بعضها على حرف واحد، ومن يرجع إلى مقدمة مقامات الحريري يجده يقول فيها: إنها تحتوي على "ما وشحتها به من الآيات، ومحاسن الكنايات، ورصعته فيها من الأمثال العربية، واللطائف الأدبية، والأحاجي النحوية، والفتاوى اللغوية، والرسائل المبتكرة، والخطب المحبرة"٥. وهذا نفسه الذي يجعلنا نقول: إن الحريري عقد أسلوب الكتابة
стр. 305
في مقاماته، فهو يعترف منذ السطور الأولى فيها بأنه سيوشحها بالآيات القرآنية، وكان هذا التوشيح إحدى سمات أصحاب التصنع، وهو لا شك مقصد جميل في ذاته، ولكنه يقترن بأشياء أخرى تتصل بتصعيب الأداء وتعقيده، ولعل أول ما يلاحظ من ذلك هو الكنايات، التي يشير إليها الحريري، وإنها لتحيل كثيرًا من جوانب مقاماته إلى ما يشبه الألغاز، وارجع إلى المقامة التاسعة عشرة الملقبة بالمقامة النصيبية تجده يكثر من الكنايات على النحو مبعد في الإغراب، إذ يكنى عن الموت بأبي يحيى، وعن الجوع بأبي عمرة، وعن الخوان بأبي جامع، وعن الخبز الحواري بأبي نعيم، وعن الجدي بأبي حبيب، وعن الخل بأبي ثقيف، وعن الملح بأبي عون، وعن البقل بأبي جميل، وعن السكباج بأم القرى، وعن الهريسة بأم جابر، وعن الفالوذج بأبي العلاء، وعن الطست والإبريق بالمرجفين، وهو حقًا لا يكثر في مقاماته الأخرى من هذه الكنايات، ولكنها على كل حال موجودة في جوانب كثيرة منها، وهو كما يوشح مقاماته بهذه الكنايات، كي يعقد أسلوبها، نراه يرصعها -كما يقول في المقدمة- بالأمثال على نحو ما نجد في المقامة الوبرية، وقد قال: إنه وضع في المقامة الحجرية بضعة عشر مثلًا١، وكما عني بالأمثال عني بالحكم على نحو ما نجد في المقامة القهقرية، أما الأحاجي النحوية، فقد خصص لها المقامة المسماة بالمقامة النحوية، إذ عرض فيها طائفة من أحاجي النحو ومشاكله، وكما عني بأن يخصص للنحو مقامة، كذلك عني بأن يخصص للفقه مقامة سماها المقامة الطيبية ذكره فيها مائة مسألة فقهية.
أرأيت كيف تطور الفن في النثر العربي، وأنه أصبح يعتمد على أشياء لم نكن نألفها عند التاب قديمًا؟ فإذا الحريري يسلكط في مقاماته مسائل النحو والفقه، كما يسلك فيها الكنايات والأمثال، وكل ذلك ليقدم لمعاصريه طرائفه الجديدة، وهو لا يقف عند ذلك، إذ نراه يعمد -كما يقول في مقدمته- إلى
стр. 306
الفتاوى اللغوية من ذكر بعض الاشتقاقات والأبنية الغريبة، ولعل ذلك ما جعل ابن خلكان يقول: إنها "اشتملت على كثير من كلام العرب من لغاتها"١، وشكا الشريشي شارحها في مقدمته من هذا الجانب فيها وصعوبته، وما من ريب في أن ذلك يدلنا على أن الحريري كان يبحث عن وسائل جديدة، يوشى بها عمله، ولكنه حين اتجه هذا الاتجاه ضل سبيله، فوقع في هذه الطرق الغريبة من التصنع لشوارد اللغة، أو شوارد الأمثال، أو مسائل النحو، أو مسائل الفقه أو غرائب الكنايات، كأن اللغة العربية قد أجدبت، ولم تعد تستطيع أن تقدم من زخارف التعبير سو هذه الطرق الملتوية المعقدة، التي لا تتصل بالفن ولا بأي زخرف من زخارفه، إلا إذا جلعنا التعقيد من حيث هو زخرفًا وفنا يقصد لذاته.
ويشير الحريري -في مقدمة مقاماته- إلى رسائل مبتكرة وخطب محبرة، وإذا ذهبنا نبحث عن هذه الرسائل، والخطب لنرى ما فيه من طرافة يدل بها الحريري، وجدنا هذه الطرافة تستقر في صور معقدة بل قل: في صور ملتوية، إذ مضى يؤلف رسالة على هذا النمط٢:
"أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته يلب٣، وقر به تحف، ونأيه تلف، وخلته نسب، وقطيعته نصب، وغربه ذلق٤، وشهبه تأتلق، وظلفه٥ زان، وقويم نهجه بان، وذهنه قلب وجرب، ونعته شرق وغرب ... معاظم شرفه تأتلف، وشؤبوب حبائه يكف٦، ونائل يديه فاض، وشح قلبه غاض، وخلف٧ سخائه، يحتلب، وذهب عيابه يحترب٨، من لف لفه فلج وغلب، وتاجر بابه جلب وخلب".
والرسالة تمضي على هذا النحو الذي نرى فيه كل كلمة تتألف من حروف
стр. 307
منقوطة، وغير منقوطة بحيث لا تتوالى بل دائمًا تتفاصل هذا التفاصل، الذي يجعل الطرف ينتقل بين حرف منقوط، وغير منقوط، أرأيت إلى هذا البدع الجديد بدع الحريري؟ وإنه لبدع يبرهن به على مقدرته، ومهارته في صوغ الكلام، ولكن أي صوغ؟ طبعًا هذا الصوغ المعقد في الأداء، فإذا هو لا يستقيم في كتابته، بل يعوج هذا الاعوجاج الذي يتيح له مثل هذه الصعوبات والتعقيدات، وقد ألف خطبة -في المقامة المسماة بالواسطية- من كلمات لا تشتمل على أي حرف منقوط، وقدمها بقوله: إنها "لم تفتق رتق سمع، ولا خطب بمثلها في جمع"، وليست هذه هي كل طرائف الحريري، فقد كان ما يزال يبحث عن طرائف جديدة، يظهر بها مهارته في تعقيد أدائه بالقياس إلى من سبقوه وعاصروه، وذهب يحاول غريبة، هي أن يأتي بالجملة ثم يعكسها في الجملة التالية، وسمي ذلك في المقامة المغربية ما لا يستحيل بالانعكاس، ومثل له بقوله:
"لم أخا مل، كبر جاء أجر ربك من يرب١ إذا برينم، سكت كل من نم لك تكس٢، بكل مؤمل إذا لم وملك بذل".؟
وهذه آخر صورة، وصل إليها التعقيد عند الحريري، فقد ذهب يقلب تعبيراته هذا القلب لتطرد له صورة من الألفاظ المتعاكسة في عباراته، وكأن ذلك هو ما يحرص عليه الفن في أساليبه! ولكن أي أساليب؟ أنها طبعًا أساليب التصنع، وما يطوى فيه من تعقيد، وتصعيب في طرق الأداء على هذه الهيئة، فإذا الكاتب يفر من الأداء المستقيم إلى الأداء الملتوي، لا ليدل على شيء سوى مهارته في اللعب والعبث بالألفاظ، وأنه لعبث ينتهي به إلى هذه الصورة الهندسية، التي لا تحوي فنا ولا جمالًا، وإنما تحوي تعقيدًا، كأنما التعقيد غاية ينبغي أن يطلبها الكاتب في آثاره وأعماله، ونحن في الواقع نبحث عبثًا إذا حاولنا أن نجد كاتبًا مهمًا بعد أبي العلاء، لا يركب مثل هذه الطرق الملتوية في تعبيره الفني، إذ كانت هي المقاييس التي تقاس بها مقدرة الكاتب وبراعته، وليس معنى ذلك
стр. 308
أننا ننكر جمال مقامات الحريري، وتوفيقه في كثير من جوانبها، وإنما نريد أن نلاحظ هذه الملاحظة، وهي أن خير نموذج أدبي قدمته لنا العصور التالية بعد أبي العلاء، لم يستطع صاحبه أن ينفذ به إلى إعجاب الناس من حوله دون أن يضع لهم فيه ضروبًا من التعقيد، والتصعيب في الأداء بجانب ما فيه من سجع رشيق وترصيع وبديع، فقد مسح عليه لا بالتزامه ما لا يلزم في نهاية سجعاته، بل باستخدامه الواسع للكنايات، والأمثال، والمسائل النحوية، والفقهية والشعبذة برسالة رقطاء، وخطبة من ذوات الحروف المهملة، وما يتصل بذلك من استخدام ما لا يستحيل بالانعكاس، فإن هذه الجوانب كلها سقطت إلى عمله عن طريق مذهب التصنع، الذي كان يعجب به وبأصحابه، ومن الخطأ أن نبحث في هذه العصور عن كاتب لا يستخدم مثل هذه العقد والطرق الملتوية في فنه، فقد كان ذلك الذوق العام للناس، وكان الكاتب ما يزال يحتال على إرضاء هذا الذوق بصور وطرق مختلفة، وما من شك في أن الحريري كان يعرف ذلك معرفة دقيقة، ومن أجله ذهب يغرب على الناس في مقاماته بهذه المواد التي قدمناها حتى يظفر بإعجابهم، وقد استمرت به رغبته تلك، حتى استطاع أن يستحدث هذه الطرفة الغريبة، طرفة ما لا يستحيل بالانعكاس، وهي طرفة تعبر أبلغ تعبير، عما انتهى إليه الفن لعصر الحريري من تصعيب وتعقيد.
стр. 309
٧- الحصكفي وتعقيده:
وإذا كنا قد القينا في القرن الخامس بالحريري، فإننا نلتقي في القرن السادس بالحصكفي، وهو يحيى بن سلامة خطيب ميافارقين "نشأ بحصن "كسيفا"، وقدم بغداد، واشتغل بالأدب على الخطيب، أبي زكريا البريزي، وأتقنه حتى مهر فيه ... ثم رحل عن بغداد راجعًا إلى بلاده، ونزل ميافارقين واستوطنها، وتولى بها الخطابة ... وكان يتشيع، وهو في شعره ظاهر، وتوفي سنة ٥٥١هـ، وكانت ولادته في حدود سنة ستين وأربعمائة"١، وتلمذة الحصكفي للتبريزي، تجعلنا نلاحظ أنه اتصل بمدرسة أبي العلاء، فقد كان التبريزي تلميذًا لأبي العلاء، وعنه لقف الأدب الحصكفي، ومعنى ذلك أنه تلميذ غير مباشر لأبي العلاء، ولذلك لم يكن غريبًا أن يتأثر به في كل ما كتب، فهو يستن بسننه، إذ يعني بتعقيد آثاره، وهو تعقيد كان يعتبر الدليل الأول في تلك العصور على مهارة الكاتب، وبلاغته.
ومن يقرأ ما كتبه العماد الأصبهاني عنه في الخريدة، يجده يشيد به وبطريقته الفنية إشادة عظيمة، إذ يقول في مقدمة ترجمته: "علامة الزمان في علمه، ومعري العصر في نثره ونظمه، بل فضل المعري بفضله وفهمه، وبذ الحريري برقة طبعه، وقوة سجعه، وجودة شعره، وغزارة أدبه، وانفراده، بأسلوبه في الشعر ومذهبه. له الترصيع البديع، والتجنيس النفيس، والتطبيق والتحقيق، واللفظ الجزل الدقيق، والمعنى السهل العميق، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم، والمذهب المذهب، والقول المهذب، والفهم الشهم، والفكر البكر، والقافية الشافية، كأنها العافية، والمعيشة الصافية، والروي الروي، والزند الوري والخاطر الجري، الجامع في الوزن، بين در الحزن ودر المزن، تود الشعرى لو أنها شعار شعره، والنثرة أنها نثار نثره، والزهرة أنها كوكب سمائه، والمشتري أنه مشتري ثنائه، غنيت الغانيات عن قلائدهن بفرائده، وأحبت الخصور أن توشح عوض مناطقها بدر منطقه، وحسدت عيون الغواني عيون معانيه، غبطت أحداق الحسان أحداث محاسنه، وحدائق قوافيه ما فارق ميافارقين، بل كان منزله محط رحال المسترشدين"٢، وفي دار الكتب قطعة مخطوطة من نثر الحصكفي وشعره، ومن ينظر فيها يحس العلاقة الوثيقة بينه، وبين أبي العلاء، ويهمنا هنا أن نعرض لنثره وهو ينساق جملة في جريقة أبي العلاء، وحتى ما عند أبي العلاء من تشاؤم نجده عند الحصكفي، وقد أهل له تشيعه، كما أهلت له
стр. 310
وظيفة الخطابة، وما تجر إليه من وعظ ديني، ومع ذلك فله شعر في الخمر، وربما صنعه من باب التقليد، ومن شعره الطريف قصيدة كتب به إلى كمال الدين الشهرزوري بالموصل، بدأها بقوله:
أداروا الهوى صرفا فغادرهم صرعى ... فلما صحوا من سكرهم شربوا الدمعا
وأول رسالة تلقانا من مجموعة الحصكفي، المخطوطة رسالة سماها الكدرية أرسلها إلى أصدقائه بآمد، وقد كتبها على لسان قطاتين تتناجيان، وفيها إغراب أبي العلاء وبعد إشارته، وله رسالة طويلة كتبها على لسان قصار، وصياد لمداعبة بعض أصدقائه، ويقول العماد: إنها "مقامة مصنوعة مجنسة"١. ولعل أهم ما يلاحظ في كتابة الحصكفي أنها مليئة بالجناس، وهو لا يكتفي بالجناس الطبيعي، بل يجنح إلى الجناس الصناعي الملفق الذي تستخدم فيه الصور المعقدة، واستمع إليه في إحدى رسائله٢:
"النفس بعقود التذرع حالية، ولقعود التعذر حايلة، ومن الودائع المعجزة مالية، وإلى الدواعي المزعجة مايلة، وفي بحار الحمدراسية، وإلى رحاب المدح سارية، تجمح إلى مواصلة القمر، وتحجم عن مصاولة القرم، لتكف بأظفار الأمل، وتفك من أظفار الألم، فهل كامل يعني، ومالك يعين، ومقتصد يدني ومتصدق يدين، فالرغبة إلى الشهب، من الغربة في الشبه، رغبة من قصد بالإلهام، مواقع السحاب إلهام".
أرأيت إلى هذه العبارات، التي تتتابع في إحدى رسائل الحصكفي على هذا النحو، فإذا كل كلمة في السجعة الأولى تعود في السجعة الثانية، ولكن مع شيء من القلب، والعكس في هيئتها وصورتها، فإذا "عقود" في السجعة الأولى تصبح "قعود" في السجعة الثانية، وإذا "التذرع" تصبح "التعذر"، و"حالية" تصبح "حايلة"، وهكذا السجعات التالية تشتق كل كلمة في العبارة التالية من
стр. 311
كلمة في العبارة السابقة، وهذه هي مهارة الحصكفي، التي أشاد بها العماد الأصبهاني، فهو يستطيع أن يعقد كتابته على هذا النحو، فإذا هي تتحول إلى لعب، وهي لعب كانت تستهوي الأدباء في عصر الحصكفي استهواء شديدًا، ولعل ذلك ما جعله يكثر من الجناسات على اختلاف ألوانها في كتبه، كقوله من رسالة أخرى١:
"فآنس أجمالًا تزم، وأحمالا تضم، وأحوالا تهول، وأهوالا تحول، وأوجالا تصول، وأصوالا تجول، وسمع تنادر القطان بمفارقة الأوطان، وتثويب الداع، بوشك الوداع، وللحداة زجل، وعلى القوم عجل، وقد بنيت القباب، وحثت الركاب، وفي الخدور أشباه البدور، وتحت الأكلة، أمثال الأهلة، وأيدي النوى لاعبة، وغربانه ناعبة، والحي قد طرق، والصواع قد سرق، وضمن مؤذن العير، لمن جاء به حمل بعير؛ يا له من عامري، يئس من عام ري".
وأنت ترى في هذه القطعة ضروب الجناس المختلفة من ناقص، ومعكوس ومقطوع، وموصول، وكل ذلك كان يأتي به الحصكفي ليثبت تفوقه، ومهارته، وأنه يستطيع أن يستخرد كل ما يمكن من عقد التصنع وصعوباته، وكان الناس من حوله يعجبون بهذا التصنع إعجابًا شديدًا، ويظهر أنه كان يتأثر بالحريري كما كان يتأثر بالمعري، إذ نراه يقلده في صنع رسالة سينية٢ كسينيته، التي مرت بنا، وأيضًا فإنه صنع رسالة ألفها من الحروف المهملة٣ على نحو ما أشرنا إليه عند الحريري في خطبته، التي ألفها من حروف غير منقوطة، وليس ذلك كل ما نلاحظ عند الحصكفي من تأثر بالحريري، فإن في رسالته رسالة فقهية٤، قلد فيها المقامة الفقهية عند الحريري، وهي التي تسمى المقامة الطبية، وبجانب ذلك نجده يؤلف مقامة كبيرة، وقد افتخر بأنه ذكر فيها مائة وأربعين كلمة غريبة٥، وما من ريب في أن ذلك كله يدل على مدى ما كان يحاوله الحصكفي من تعقيد في رسائله وآثاره، هو تعقيد دفعه إلى أن يجمع كل هذه الظروف في أعماله، حتى يقع من معاصريه موقعًا بديعًا.
стр. 312
٨- التعقيد ظاهرة عامة:
رأينا الحريري، والحصكفي يعقدان كتابتهما ما استطاعا من تعقيد، ولم يكن هذا دأبهما وحدهما، بل كان دأب جميع الكتاب الذين خلفوا أبا العلاء في المشرق، إذ انتهت الأعمال الأدبية إلى بث صور التعقيد، التي اقترحها.
ولم يعد هناك إلا أن يضيف الكتاب صورًا مماثلة علها تثبت تفوقهم، ومهارتهم، ونحن نقف عند صدر رسالة، كتب بها أديب من غزنة أشاد به ياقوت في معجمة، وهو عطاء بن يعقوب بن ناكل، وكان ينظم بالفارسية والعربية، ويقول ياقوت في وصف بلاغته: "تشرئب إلى قلائده أجياد الأنام، وتتباهى برسائله مواقع الأقلام، ولم يزل منذ شب إلى أن اشتعل الشيب برأسه، ورسب قذى العمر في آخر كأسه، بين اقتباس يصطاد به وحوش الشوارد، وإقباس ينثر منه لآلئ القلائد ... وقد سافر كلامه من غزنة إلى العراق، ومن ثم إلى سائر الآفاق.. وكيف لا وما من كلمة من كلماته، إلا وحقها أن تملك بالأنفس وتقتني، وتباع بالأنفس وتشترى"١. ويستطرد ياقوت من ذلك إلى إعطاء نموذج من نثره، فإذا هو صدر كتاب صدر منه إلى بعض الصدور، وهو يمضي على هذا النمط"٢:
"أطال الله بقاء الشيخ في عز مرفوع كاسم كان، وأخواتها إلى فلك الأفلاك، منصوب كاسم إن وذواتها إلى سمك السماك موصوف بصفة النماء، موصول بصلة البقاء، مقصور على قضية المراد، ممدود إلى يوم التناد، معرف به مضاف
стр. 313
إليه، مفعول له موقوف عليه، صحيح سالم من حروف العلة، غير معتل ولا مهموز همز المذلة، يثنى ويجمع دائمًا جميع السلامة والكثرة، لا جمع التكسير والقلة، ساكن لا تغيره يد الحركة مبني على اليمن والبركة، مضاعف مكرر على تناوب الأحوال، وزائد غير ناقص على تعاقب الأحوال. مبتدأ به خبره الزيادة، فاعل مفعوله الكرامة، مستقبله خير من ماضيه حالًا، وغده أكثر من يومه وأمسه جلالًا، له الاسم المتمكن من إعراب الأماني، والفعل المضارع للسيف اليماني، لازم لربعه لا يتعدى، ولا ينصرف عنه إلى العدا، ولا يدخله الكسر والتنوين أبدًا، يقرأ باب التعجب من يراه منصوبا على الحال أعلى ذراه، متحركًا بالدولة والتمكين، منصرفًا إلى ربوة ذات قرار ومعين".
وفي هذه القطعة ما يدل دلالة واضحة، على مدى ما وصل إليه الكتاب من تعقيد لكتابتهم بمصطلحات العلوم، يدخلونها في آثارهم على نحو ما أدخل عطاء بن يعقوب مصطلحات النحو في هذه القطعة، وكانوا إذا تركوا مثل هذه العقد، التي يستعيرونها من العلوم، ذهبوا يعقدون وسائل الفن القديمة على نحو ما رأينا من تعقيد الجناس عند الحصكفي، وقد عمت هذه الروح في العراق وخراسان والشام، وكما عمت في هذه الأقاليم، عمت في الأقاليم الأخرى، فقد روى ياقوت رسالة كان يرويها الحافظ، السلفي، المشهور عن أديب يمني، هو ابن قم الزبيدي، المتوفى عام ٥٨١هـ، وكان من المبرزين في النظم والنثر والكتابة١، والرسالة تمضي على هذا النحو٢:
"كتب عبد حضرة السلطان الأجل، ومولاي ربيع المجدبين وقريع المتأدبين، جلوة الملتبس، وجذوة المقتبس، شهاب المجد الثاقب، ونقيب ذوي الرشد والمناقب، أطال الله بقاءه، وأدام علوه وارتقاءه، ما قدمت العارية للمستعير، ولزمت الياء للتصغير، وجعل رتبته عالية المقام، كحرف الاستفهام، وكالمبتدأ إن تأخر في البنية، فإنه مقدم في النية، ولا زالت حضرته من الحادثات حمى، وللوفود
стр. 314
مزدحمًا وملتزمًا، حتى يكون في العلا، بمنزلة حرف الاستعلا، وهو من حروف اللين في حصون، وما جاورها من الإمالة مصون، ولا زال عدوه كالألف، حالها، يختلف، تسقط في صلة الكلام، ولا سيما مع اللام، فإنه -أدام الله علوه- أحسن إلى ابتداء، ونشر علي من فضله رداء أراد أن يخفى، وكيف يخفى؟ لأن من شرف الإحسان، سقوط ذكره عن اللسان، كالمفعول رفع رفع الفاعل والكامل، لما حذف من الكلام ذكر الفاعل....".
وواضح ما في هذه القطعة من رسالة ابن قم من تعمل لإدخال النحو ومصطلحاته في أساليب الرسائل وألفاظها، فإذا هي تغدو، وكأنها متن من متون النحو لا نموذج من نماذج الفن، وإذا كان ابن قم يتعمل هذا التعمل في كتابته باليمن، فإن كتاب الأقاليم الأخري أيضًا، كانوا يأتون بمثل هذه الصعوبات، والعقد في كتابتهم، وقد يتخففون من مصطلحات العلوم، ولكنهم يفرطون في استحدام الوسائل الأخرى من الأمثال واللفظ الغريب، أو من تعقيد السجع والجناس، وسنتعقب في القسم التالي من هذا الكتاب المذاهب الفنية في الأندلس، ومصر، وسيرى القارئ أنه منذ القرن الخامس الهجري، أخذ الكتاب في هذين الإقليمين يصدرون في أعمالهم عن هذا الذوق العام، الذي نشره المشرق ذوق التصنع والتعقيد، إذا اندفع الكتاب في هذه الموجة من القرن الخامس للهجرة إلى العصر الحديث، وكأنما أجدب معين الفكر العربي، أو قل: لقد أجدب معين الحضارة العربية، فلم يعد يظهر من جديد إلا هذه الضروب من التعقيد والتصعيب، وإن الإ نسان ليشعر كأن الحياة العربية، قد أصيبت بعطل شديد، وإنه عطل يتسع فإذا مصانع النثر لا تستطيع أن تخرد ضربًا جديدًا أو مذهبا حديثًا، إلا هذه الطرق الملتوية المحملة بالتصنع لمصطلحات العلوم، والتكلف لأشياء شاذة كالأمثال، والإشارات التاريخية والأدبية، وهذا كله كان يأتي تابعًا لأسجاع معقدة، سيطر عليها الجناس المعكوس، وما يطوى فيه من تصعيب في طرق الأداء، وقد جمدت العصور التالية عند هذا الأسلوب، ولم تستطع أن تنحرف عنه إلى منهج جديد، أو أسلوب حديث.
стр. 315
الكتاب الثالث: المذاهب الفنية في الأندلس ومصر
الفصل الأول: الأندلس والمذاهب الفنية
١- الأندلس:
تقع الأندلس في الطرف الجنوبي الغربي من أوربًا، وهي تؤلف شبه جزيرة كبيرة تفصلها عن بلاد الغال، في الشمال سلسلة جبال البرانس، كما يفصلها عن أفريقيا في الجنوب زقاق ضيق هو مضيق جبل طارق، بينما يقع في غربيها هذا المحيط الواسع، الذي كان في العصور القديمة والوسطى يشبه صحراء مائية لا نهاية لها، ونقصد المحيط الأطلسي، الذي سماه العرب باسم بحر الظلمات، أما في شرقيها، فيقع بحر الروم الذي كان صلتها بالمدنيات الفينيقية، واليونانية والرومانية ثم العربية، وقد سكن الأندلس -أول الأمر- أقوام من البسك والسلت والجلالقة، وأتى عليها حين من الدهر، وهي منعزلة عن الحضارات القديمة، ولكن سرعان ما أتاها قبس من هذه الحضارات، عن طريق الفينيقيين، واليونانيين الذين استعمروا بعض جهاتها، ولما نشب الصراع بين روما وقرطاجنة الفينيقية، وانتصرت الأولى على الأخيرة استولت على ممتلكاتها، وضمت الأندلس -فيما ضمت- بين جناحيها وسمتها إسبانيا اسمها المعروف الآن، ومنذ ذلك الوقت أصبحت إسبانيا ولاية رومانية، ونشرت روما بها المسيحية، كما نشرت بها لغتها اللاتينية، وكان ذلك سبببًا في أن ساهمت الأندلس -من بعض الوجوه- في التراث اللاتيني، القديم، غير أن موجات القبائل الجرمانية لم تلبث أن اندفعت إلى الأندلس، إذ أغار عليها قبائل القندال، وأسسوا بها دولة أقاموها على نهر الوادي الكبير سموها باسم دولة القندال، ومن اسم هذه الدولة اشتقت كلمة القندالس، التي حورها العرب إلى كملة أندلس، وأطلقوها على تلك البلاد
стр. 316
جميعًا، وأقبلت بعد القندال موجة جديدة جرمانية هي موجة القوط، وتم لها الغلب على الموجة القديمة موجة القندال، وحكمت البلاد من القرن الخامس الميلادي، حتى فتحها موسى بن نصير في أواخر القرن السابع "عام ٩٢هـ".
وكان جيش موسى مؤلفًا من العرب والبربر، إلا أن البربر كانوا أكثر نفرًا، ولما سمع العرب، والبربر جميعًا بخصب الأندلس، وما فيها من كنوز، ومعادن أكثروا من الرحلة إليها، وقد رحلوا ومعهم خصوماتهم التي نعرفها بين القيسية واليمنية، وأضافوا إليها خصومات أخرى، كانت تنشأ دائمًا بين العرب والبربر، وليست هذه الخصومات هي كل ما في الأندلس، فقد كانت هناك خصومات أخرى دائمة بين الجيوش النازحة من العرب، والبربر وبين سكان البلد الأصليين، ومن المعروف أن العرب تسامحوا في إسبانيا مع سكانها، وكان من نتيجة هذا التسامح أن ظل للمسيحيين هناك نظام خاص في تقاضيهم ومعاملاتهم، وبذلك كان لهم برزوهم في الهيئة الاجتماعية، بل لقد كانت بعض البلاد -وخاصة الشمالية- مسيحية خاصلة، مما ساعد على قيام الفتن الدائمة بين المسيحيين والمسلمين، وكان كثير من الشبان المسيحيين يستشهدون في سبيل دينهم بصور فدائية مختلفة، كأن يذهبوا إلى المسجد الجامع، فيسبوا الدين الإسلامي!
وقد عرض "دوزي" في كتابه "تاريخ مسلمي إسبانيا" لهذه الظاهرة.
وقد كانت الأندلس في العهد الأموي يحكمها ولاة مختلفون، حتى إذا قامت الدولة العباسية، رأينا عبد الرحمن الداخل يفر إليه، ويؤسس بها دولة أموية تعتبر امتدادًا لدولة الأمويين في المشرق، تلك الدولة التي قوضها العباسيون، وقد سمى أبو جعفر المنصور عبد الرحمن باسم صقر قريش، وهو جدير بهذه التسمية، فقد استطاع أن يقيم لنفسه هناك دولة استمرت في أبنائه، وأحفاده من عام ١٣٨هـ إلى عام ٤٢٢هـ، وكان عهد عبد الرحمن الناصر "٣٠٠-٣٥٠هـ"، من أزهى عهود هذه الدولة، وكذلك عهد ابنه الحكم "٣٥٠-٣٦٦هـ"، وعهد الوزير المشهور: المنصور بن أبي عامر المتوفى عام ٣٩٢هـ، ولكنا لا نترك هذه العهود كلها إلى القرن الخامس، حتى تضعف الدولة وتختل،
стр. 317
فيقوم نظام جديد هو نظام ملوك الطوائف، وفيه تنقسم الأندلس الكبيرة إلى أندلسيات صغيرة، ففي كل بلد كبير تظهر دولة مثل دولة المعتمد بن عباد في إشبيلية، وابن الأفطس في بطليوس، وذي النون بطليطلة، وقد أدى ضغط المسيحيين في الشمال على هذه الأندلسيات، أو هذه الدويلات أن تفزع إلى دولة المرابطين في المغرب، فتلبيها وتحتل البلاد للدفاع عن المسلمين هناك، ثم تدخل الأندلس في حوزة دول الموحدين، ويظهر بنو هود في أوائل القرن السابع الهجري، ثم بنو الأحمر ملوك غرناطة، وتستمر هذه الدولة الصغيرة في معارك مع المسيحيين، حتى تخر جميع الأعلام التي تبقت للعرب في الدروب الباقية من الأندلس، ويضطر من بقي إلى مغادرة البلاد بعد هذه الحقب المتطاولة، التي قضاها العرب هناك، حيث أقاموا حضارة عظيمة لا تزال آثارها في مباني غرناطة، وغيرها من المدن الكبيرة.
стр. 318
٢- شخصية الأندلس:
تبدو الأندلس من الوجهة الجغرافية وحدة متجانسة، ولكن من ينعم النظر يجد أن هذه الوحدة تطوي في داخلها وحدات متباينة، لكل وحدة مشخصاتها الجغرافية المستقلة: هناك وحدة على ساحل بحر الروم تتأثر بجوه ومناخه، وأخرى على ساحل المحيط تتأثر بجو ومناخ آخر، وثالثة تتوسط الوحدتين، وهي هضبة مرتفعة تتخللها سلاسل من الجبال، كما تتخللها طائفة من الأنهار يصب بعضها في المحيط، وبعضها في البحر المتوسط، وهذه الشخصية الجغرافية للأندلس كان لها تأثير واضح في شخصيتها السياسية، فإن انقسام البلاد على هذا النحو إلى وحدات متباينة أنتج فيها -مع مرور الزمن- فكرة الاستقلال المحلي، فكل إقليم يحس أنه مباين للآخر، وأنه في حاجة إلى الاستقلال السياسي على نحو ما هو مستقل استقلالا جغرافيًا، وساعد على نمو هذا الشعور في نفوس
стр. 319
الأندلسيين أنهم كانوا من أجناس مختلفة، ففيهم بسك وسلت وجلالقة، وقندال وقوط وفينيقيون، ورومانيون وعرب وبربر، وهذا الخليط المتباين من شأنه أن لا يمتزج وأن يظل فيل خلل يدعوا الناس للثورة والفتن وسفك الدماء، ويكاد الإنسان يؤمن بأنه لم تخل بقعة في الأندلس في أثناء الحكم العربي من دم مسفوح.
وليس كل ما يميز الحكم العربي في الأندلس كثرة الفتن والثورات، فهناك مميزات أخرى طريفة، لعل من أهمها قوة رجال الدين، إذ كانوا يقومون من الأمراء مقام المعارضة، وكانوا كثيرًا ما ينقدون ما يقررونه هم، ومجلس وزرائهم من ضرائب فادحة، وكانوا يستشارون في شئون الحكم عامة، فإذا جاء أمير وحاول أن يقلل من نفوذهم ثاروا عليه على نحم ما كان من ثورتهم عام ٢٠٦ على الحكم الأول، ولما ثار رجال الدين حينئذ ثار معهم أهل قرطبة.
ومعنى ذلك أن الشعب في الأندلس، كان يحاول أن يدافع عن حقوقه، وأن يعلن هذه الحقوق في شكل ثورة إن لم يستجب إليها الحكام استجابة سليمة، وأوضح ذلك صاحب نفح الطيب، إذ يقول: "الأغلب عند الأندلسيين إقامة الحدود، وإنكار التهاون بتعطيلها، وقيام العامة في ذلك وإنكاره إن تهاون فيه أصحاب السلطان، وقد يلج السلطان في شيء من ذلك ولا ينكره، فيدخلون عليه قصره المشيد، ولا يعبأون بخيله ورجله حتى يخرجوه من بلدهم، وهذا كثير في أخبارهم، وأما الرجم بالحرج للقضاة، والولاة للأعمال إذا لم يعدلوا فكل يوم"١.
وبجانب ذلك نجد للأندلس العربية شخصية اجتماعية تميزها -إلى حد ما - عن شخصية المشرق، ويبدو ذلك في جانبين، أما أولهما فكثرة الغناء والجوقات التي أهلت لظهور الموشحات والأزجال هناك، وأما ثانيهما فمساهمة المرأة في الحياة الأدبية مساهمة، تجعلنا نذكر سيدات فرنسا من صواحب المنتديات "الصالونات" في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكلنا نعرف أخبار ولادة بنت المستكفي مع ابن زيدون، وغيره من أدباء الأندلس، على أن هذا ليس معناه
стр. 320
انفصال الأندلس انفصالًا تامًا من المشرق في حياتها الاجتماعية، فقد كانت تتصل بها، وكانت تأخذ منه كثيرًا حتى في غنائها، إذ نجد زرياب تلميذ إسحاق الموصلي يبدأ حركة الغناء هناك، ويقولون: إنه نقل إلى الأندلسيين -مع غنائه- كثيرًا من آداب المشارقة في طعامهم، وثيابهم وأدوات زينهم١، ومما لا ريب فيه أن ذلك يوضح صلة ما بين الأندلسيين والمشارقة، ولكن على كل حال كانت لهم حياتهم الاجتماعية الخاصة.
وإذا كانت الشخصية الاجتماعية للأندلس تتميز من الشخصية الاجتماعية المشرق، فإن شخصيها العلمية على الضد من ذلك، إذ كان الأندلسيون يعتمدون في هذا الجانب اعتمادًا شديدًا على ما يأتيهم من المشرق، ونحن نعرف أن الكثرة من أهل الأندلس في القرون الأولى للفتح العربي، كانوا نصارى، وكانوا يتكلمون اللاتينية العامية في حياتهم اليومية، ويصطنعون اللاتينية الممتازة في كتاباتهم، وخاصة في وما يتصل بها، ولكن هذه اللاتينية الممتازة، لم يتسرب منها شيء واضح للغة العربية في الأندلس، على أننا لا نصل إلى القرن الرابع، حتى نجد أهل الأندلس يهجرون اللاتينية، ويتخذون اللغة العربية مكانها، حتى في طقوسهم الدينية٢، ومهما يكن فإن عرب الأندلس لم يفيدوا شيئًا واضحًا في حياتهم العلمية، عن طريق الأندلس نفسها بل جل ما أفادوه أتاهم من المشرق، إذ نقلوا الثروة العلمية المشرقية إلى بلادهم بكل ما فيها من فقه، ودين ولغة ونحو، وفلسفة وطب، وساعدهم في ذلك الخلفاء الأمويون، وعلى رأسهم عبد الرحمن الناصر، وابنه الحكم الذي يقال: أنه كان يمتلك مكتبة تضم مائة ألف مجلد.
ولما سمع المشارقة بتشجيع الدولة الأموية في الأندلس للعم، أخذوا يفدون هناك زرافات ووحدانا ابتغاء المجد والشهرة العلمية، وكان الأندلسيون أنفسهم يستبقون الرحلة إلى المشرق للتزود من ثقافته، ومنابعه العقلية، وعقد صاحب