← Адаб

Адаб · id 11544

الفن ومذاهبه في النثر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

جميعًا، وأقبلت بعد القندال موجة جديدة جرمانية هي موجة القوط، وتم لها الغلب على الموجة القديمة موجة القندال، وحكمت البلاد من القرن الخامس الميلادي، حتى فتحها موسى بن نصير في أواخر القرن السابع "عام ٩٢هـ". وكان جيش موسى مؤلفًا من العرب والبربر، إلا أن البربر كانوا أكثر نفرًا، ولما سمع العرب، والبربر جميعًا بخصب الأندلس، وما فيها من كنوز، ومعادن أكثروا من الرحلة إليها، وقد رحلوا ومعهم خصوماتهم التي نعرفها بين القيسية واليمنية، وأضافوا إليها خصومات أخرى، كانت تنشأ دائمًا بين العرب والبربر، وليست هذه الخصومات هي كل ما في الأندلس، فقد كانت هناك خصومات أخرى دائمة بين الجيوش النازحة من العرب، والبربر وبين سكان البلد الأصليين، ومن المعروف أن العرب تسامحوا في إسبانيا مع سكانها، وكان من نتيجة هذا التسامح أن ظل للمسيحيين هناك نظام خاص في تقاضيهم ومعاملاتهم، وبذلك كان لهم برزوهم في الهيئة الاجتماعية، بل لقد كانت بعض البلاد -وخاصة الشمالية- مسيحية خاصلة، مما ساعد على قيام الفتن الدائمة بين المسيحيين والمسلمين، وكان كثير من الشبان المسيحيين يستشهدون في سبيل دينهم بصور فدائية مختلفة، كأن يذهبوا إلى المسجد الجامع، فيسبوا الدين الإسلامي! وقد عرض "دوزي" في كتابه "تاريخ مسلمي إسبانيا" لهذه الظاهرة. وقد كانت الأندلس في العهد الأموي يحكمها ولاة مختلفون، حتى إذا قامت الدولة العباسية، رأينا عبد الرحمن الداخل يفر إليه، ويؤسس بها دولة أموية تعتبر امتدادًا لدولة الأمويين في المشرق، تلك الدولة التي قوضها العباسيون، وقد سمى أبو جعفر المنصور عبد الرحمن باسم صقر قريش، وهو جدير بهذه التسمية، فقد استطاع أن يقيم لنفسه هناك دولة استمرت في أبنائه، وأحفاده من عام ١٣٨هـ إلى عام ٤٢٢هـ، وكان عهد عبد الرحمن الناصر "٣٠٠-٣٥٠هـ"، من أزهى عهود هذه الدولة، وكذلك عهد ابنه الحكم "٣٥٠-٣٦٦هـ"، وعهد الوزير المشهور: المنصور بن أبي عامر المتوفى عام ٣٩٢هـ، ولكنا لا نترك هذه العهود كلها إلى القرن الخامس، حتى تضعف الدولة وتختل،

стр. 317

فيقوم نظام جديد هو نظام ملوك الطوائف، وفيه تنقسم الأندلس الكبيرة إلى أندلسيات صغيرة، ففي كل بلد كبير تظهر دولة مثل دولة المعتمد بن عباد في إشبيلية، وابن الأفطس في بطليوس، وذي النون بطليطلة، وقد أدى ضغط المسيحيين في الشمال على هذه الأندلسيات، أو هذه الدويلات أن تفزع إلى دولة المرابطين في المغرب، فتلبيها وتحتل البلاد للدفاع عن المسلمين هناك، ثم تدخل الأندلس في حوزة دول الموحدين، ويظهر بنو هود في أوائل القرن السابع الهجري، ثم بنو الأحمر ملوك غرناطة، وتستمر هذه الدولة الصغيرة في معارك مع المسيحيين، حتى تخر جميع الأعلام التي تبقت للعرب في الدروب الباقية من الأندلس، ويضطر من بقي إلى مغادرة البلاد بعد هذه الحقب المتطاولة، التي قضاها العرب هناك، حيث أقاموا حضارة عظيمة لا تزال آثارها في مباني غرناطة، وغيرها من المدن الكبيرة.

стр. 318

٢- شخصية الأندلس: تبدو الأندلس من الوجهة الجغرافية وحدة متجانسة، ولكن من ينعم النظر يجد أن هذه الوحدة تطوي في داخلها وحدات متباينة، لكل وحدة مشخصاتها الجغرافية المستقلة: هناك وحدة على ساحل بحر الروم تتأثر بجوه ومناخه، وأخرى على ساحل المحيط تتأثر بجو ومناخ آخر، وثالثة تتوسط الوحدتين، وهي هضبة مرتفعة تتخللها سلاسل من الجبال، كما تتخللها طائفة من الأنهار يصب بعضها في المحيط، وبعضها في البحر المتوسط، وهذه الشخصية الجغرافية للأندلس كان لها تأثير واضح في شخصيتها السياسية، فإن انقسام البلاد على هذا النحو إلى وحدات متباينة أنتج فيها -مع مرور الزمن- فكرة الاستقلال المحلي، فكل إقليم يحس أنه مباين للآخر، وأنه في حاجة إلى الاستقلال السياسي على نحو ما هو مستقل استقلالا جغرافيًا، وساعد على نمو هذا الشعور في نفوس

стр. 319

الأندلسيين أنهم كانوا من أجناس مختلفة، ففيهم بسك وسلت وجلالقة، وقندال وقوط وفينيقيون، ورومانيون وعرب وبربر، وهذا الخليط المتباين من شأنه أن لا يمتزج وأن يظل فيل خلل يدعوا الناس للثورة والفتن وسفك الدماء، ويكاد الإنسان يؤمن بأنه لم تخل بقعة في الأندلس في أثناء الحكم العربي من دم مسفوح. وليس كل ما يميز الحكم العربي في الأندلس كثرة الفتن والثورات، فهناك مميزات أخرى طريفة، لعل من أهمها قوة رجال الدين، إذ كانوا يقومون من الأمراء مقام المعارضة، وكانوا كثيرًا ما ينقدون ما يقررونه هم، ومجلس وزرائهم من ضرائب فادحة، وكانوا يستشارون في شئون الحكم عامة، فإذا جاء أمير وحاول أن يقلل من نفوذهم ثاروا عليه على نحم ما كان من ثورتهم عام ٢٠٦ على الحكم الأول، ولما ثار رجال الدين حينئذ ثار معهم أهل قرطبة. ومعنى ذلك أن الشعب في الأندلس، كان يحاول أن يدافع عن حقوقه، وأن يعلن هذه الحقوق في شكل ثورة إن لم يستجب إليها الحكام استجابة سليمة، وأوضح ذلك صاحب نفح الطيب، إذ يقول: "الأغلب عند الأندلسيين إقامة الحدود، وإنكار التهاون بتعطيلها، وقيام العامة في ذلك وإنكاره إن تهاون فيه أصحاب السلطان، وقد يلج السلطان في شيء من ذلك ولا ينكره، فيدخلون عليه قصره المشيد، ولا يعبأون بخيله ورجله حتى يخرجوه من بلدهم، وهذا كثير في أخبارهم، وأما الرجم بالحرج للقضاة، والولاة للأعمال إذا لم يعدلوا فكل يوم"١. وبجانب ذلك نجد للأندلس العربية شخصية اجتماعية تميزها -إلى حد ما - عن شخصية المشرق، ويبدو ذلك في جانبين، أما أولهما فكثرة الغناء والجوقات التي أهلت لظهور الموشحات والأزجال هناك، وأما ثانيهما فمساهمة المرأة في الحياة الأدبية مساهمة، تجعلنا نذكر سيدات فرنسا من صواحب المنتديات "الصالونات" في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكلنا نعرف أخبار ولادة بنت المستكفي مع ابن زيدون، وغيره من أدباء الأندلس، على أن هذا ليس معناه

стр. 320

انفصال الأندلس انفصالًا تامًا من المشرق في حياتها الاجتماعية، فقد كانت تتصل بها، وكانت تأخذ منه كثيرًا حتى في غنائها، إذ نجد زرياب تلميذ إسحاق الموصلي يبدأ حركة الغناء هناك، ويقولون: إنه نقل إلى الأندلسيين -مع غنائه- كثيرًا من آداب المشارقة في طعامهم، وثيابهم وأدوات زينهم١، ومما لا ريب فيه أن ذلك يوضح صلة ما بين الأندلسيين والمشارقة، ولكن على كل حال كانت لهم حياتهم الاجتماعية الخاصة. وإذا كانت الشخصية الاجتماعية للأندلس تتميز من الشخصية الاجتماعية المشرق، فإن شخصيها العلمية على الضد من ذلك، إذ كان الأندلسيون يعتمدون في هذا الجانب اعتمادًا شديدًا على ما يأتيهم من المشرق، ونحن نعرف أن الكثرة من أهل الأندلس في القرون الأولى للفتح العربي، كانوا نصارى، وكانوا يتكلمون اللاتينية العامية في حياتهم اليومية، ويصطنعون اللاتينية الممتازة في كتاباتهم، وخاصة في وما يتصل بها، ولكن هذه اللاتينية الممتازة، لم يتسرب منها شيء واضح للغة العربية في الأندلس، على أننا لا نصل إلى القرن الرابع، حتى نجد أهل الأندلس يهجرون اللاتينية، ويتخذون اللغة العربية مكانها، حتى في طقوسهم الدينية٢، ومهما يكن فإن عرب الأندلس لم يفيدوا شيئًا واضحًا في حياتهم العلمية، عن طريق الأندلس نفسها بل جل ما أفادوه أتاهم من المشرق، إذ نقلوا الثروة العلمية المشرقية إلى بلادهم بكل ما فيها من فقه، ودين ولغة ونحو، وفلسفة وطب، وساعدهم في ذلك الخلفاء الأمويون، وعلى رأسهم عبد الرحمن الناصر، وابنه الحكم الذي يقال: أنه كان يمتلك مكتبة تضم مائة ألف مجلد. ولما سمع المشارقة بتشجيع الدولة الأموية في الأندلس للعم، أخذوا يفدون هناك زرافات ووحدانا ابتغاء المجد والشهرة العلمية، وكان الأندلسيون أنفسهم يستبقون الرحلة إلى المشرق للتزود من ثقافته، ومنابعه العقلية، وعقد صاحب

стр. 321

نفخ الطيب فصولًا طويلة استعرض فيها من رحلوا من الأندس إلى المشرق، ومن المشرق إلى الأندلس، ومن هذه الفصول نتبين الصلة الشديدة بين الجانبين. ومن يتابع الحركة العلمية في الأندلس، يجد أن الأندلس كانت في القرون الأولى للفتح الإسلامي بطيئة في تلقي الحياة العقلية، وعنيت في أول الأمر بالعلوم الدينية واللغوية، أما العلوم الفلسفية، فكانت تنفر منها، لما فيها من زندقة، وكان ملوكهم كثيرًا ما يأمرون بإحراقها إذا وجدوها، "وبذلك تقرب المنصور بن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه"١، ولعل ذلك هو سبب بطء ظهور المتفلسفة هناك، فإن أول فيلسوف أندلسي، هو ابن باجة المتوفى عام ٥٣٣هـ، وكان بطء تناولهم الفلسفة، وما يتصل به من منطق أثر في أن عقولهم لم تصطبغ بالصبغة العلمية، التي تؤهلهم لوضع دراسات نظرية كبيرة، ولعل ذلك نفسه كان أحد الأسباب، التي من أجلها لم تظهر عندهم دراسات أدبية جيدة. وإذا كانت الأندلس لم تتميز في شخصيتها العلمية بصفات واضحة تفصلها من المشرق، بل كانت تؤسس على الأصول المشرقية حركتها العلمية، فإنها كذلك في شخصيتها الأدبية، كانت تؤصل حركتها الفنية على الأصول المشرقية، حتى ليقول صاحب الذخيرة في مقدمته لهذا الكتاب، الذي عني فيه بدراسة أدباء الأندلس في القرن الخامس للهجرة: "إن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون أخبارهم المعتادة رجوع الحديؤث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنمًا، وتلوا ذلك كتابًا محكمًا"، وقد كتب ابن شهيد رسالة التوابع والزوابع وعرض فيها لشياطين الشعراء، والكتاب الذين أجازوه، وكلهم من شعراء المشرق وكتابه٢، وكانوا لا يزالون يرددون، حتى عصر ابن خلدون في القرن

стр. 322

الثامن للهجرة أن "أصول علم الأدب وأركانه أربعة دواوين، وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي"١، وإن الإنسان ليخيل إليه كأنما أحست قوافل العرب في الأندلس، أنها افتقدت حياتها وأصولها جميعًا في أثناء سفرها من المشرق، فرجعت تستعيد هذه الحياة من شعره ونثره، وساع على ذلك كثرة الرحلات العلمية من الأندلس إلى المشرق وبالعكس، كما ساعد عليه رحلتهم السنوية إلى مكة والمدينة للحج، وكل ذلك جعل الأندلس تندمج في الكتلة العربية، إذ كانت طوابع الحياة الأدبية فيها، من الوجهة العامة، هي نفس طوابع المشرق، وإن ظهر اختلاف ففي الفروع لا في الأصول، فإن الأصول كانت أقوى، وأعمق من أن تتأثر بالفوارق الإقليمية.

стр. 323

٣- النثر الأندلسي: رأينا الأندلس تندفع نحو تقليد المشرق في عمله وأدبه، وكان هذا الاندفاع طابع الأقاليم العربية عامة، فهي جميعًا تتجه نحو الأم، نحو بغداد، تتغذى منها، وتستمد صفاتها وخصائصها، ومهما غربت وأبعدت عن بغداد، فالخصائص الكبرى للأدب العربي في كل إقليم من أقاليمه واحدة، وكأنما اللغة العربية لا تعرف الاعتداد بالمكان، ولا تعتد به بل قل هي تعرفه، وتعتد به، ولكنها لا تقيم وزنًا كبيرًا لهذه المعرفة، ولا لهذا الاعتداد، بل إنها لتقسوا على الأقاليم التي تدخلها، فإذا أبناؤها لا يتصلون به إلا اتصالا بعيدًا، أما اتصالهم القريب، فإنما هو بالنماذج الأدبية الممتازة، التي اصطنعتها العربية لنفسها في بغداد

стр. 324

واالمشرق، ومن أجل ذلك كنا لا نجد فروقًا جوهرية بين نماذجها في العراق، وفي بلد كالشام ومصر، وحتى الأندلس لا نحس فيها أننا بدلنا بجو المشرق العام جوًّا يختلف عنه تمام الاختلاف، ونحن لا ننكر أثر الإقليمية من حيث هو، فدائمًا توجد في كل إقليم صفات تميز أدبه بعض التميز من أدب الأقاليم الأخرى، ولكن ينبغي أن لا ننزلق من ذلك إلى القطع بأن الأقايم العربية أوجدت لأنفسها آدابًا متخالفة بتخالفها، فإن ذلك إنما ينزلق إليه من لم يقرأ شيئًا في آداب هذه الأقاليم، فتراه يعتمد في حكمه على الحدس، والتخمين كأننا بإزاء مسألة ميتافيزيقية، أما الذين يكفون عقولهم عن مثل هذه الفروض لاجئين إلى الحقائق الحسية الصحيحة، يستمدون منها أحكامهم، وآراءهم فإنهم يعرفون أن جملة النماذج، التي كونها الأدب العربي في أي إقليم من أقاليمه، لا تخلتف اختلافات واسعة عن النماذج الأساسية لهذا الأدب، التي كونها في المشرق. على أنه ينبغي أن نلاحظ ظاهرتين مهمتين تتصلان بالنثر الأندلسي، أما الظاهرة الأولى، فهي أن هذا النثر لا يظهر فيه كاتب كبير قبل القرن الرابع للهجرة، وذلك لسبب بسيط، وهو أن الشخصية الأدبية للأندلس لم تتكامل إلا في هذا القرن، وكان الناس قبل ذلك يكتبون نثرًا، ولكن أحدًا منهم لم يستطع أن يرتفع بنثره إلى درجة تجعله يقف في صفوف كتاب العصر العباسي الممتازين. والحق أن الأندلس تبدأ نهضتها الأدبية منذ القرن الرابع، وعهد عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم، ذلك العهد الذي ألف فيه كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، وأملي فيه كتاب الأمالي، أملاه أبو علي القالي في قرطبة، ومنذ ذلك العهد المزدهر أخذت الأندلس تشعر بشخصيتها، وتحاول أن تصور هذه الشخصية في آثارها، ونماذجها الأدبية، وهذه هي الظاهرة الأولى، أما الظاهرة الثانية فهي أن الأندلسيين لم يستحدثوا لأنفسهم مذهبًا جديدًا في تاريخ النثر العربي، يمكن أن نضيفه إلى المذاهب الثلاثة السابقة، التي كونها هذا النثر في المشرق، فقد وقفوا عند المحاكاة، وهي محاكاة اضطرتهم إلى ضروب من الخلط، إذ ترى الكاتب الواحد يجمع في نماذجه بين المذاهب الثلاثة، التي رأيناها في المشرق،

стр. 325

فتارة يصنع لنفسه نموذجًا من ذوق أصحاب الصنعة، وتارة يعدل عن ذلك إلى ذوق أصحاب التصنيع، وتارة ثالثة يعدل إلى ذو أصحاب التصنع، وقد فتنت كثرتهم بالسجع، ولكنها لم تفتن بالبديع، الذي كان يصحبه عند أصحاب التصنيع، بل فتنت -إلى حد ما- بالغريب الذي رأيناه عند أصحاب التصنع، كما فتنوا بالأمثال، وربما كان لكتاب الأمالي للقالي أثر مهم في ذلك، فقد بناه صاحبه على هذين الجانبين، ونحن نقف عند أهم كتاب ظهر في العصر الأموي، لنرى ما وصل إليه النثر الأندلسي في هذا العصر من رقي وازدهار، وهو ابن شهيد الكاتب المشهور. ابن شُهَيْد: هو، أحمد بن عبد الملك ... بن شهيد الأشجعي القوطي، ولد بقرطبة عام ٣٨٢هـ، وتوفي عام ٤٢٦هـ١، وهو من بيت أدب ومجد، كان جده وزير عبد الرحمن الناصر٢ وأديبًا من أكبر الأدباء في عصره، وورث عنه حفيده أدبه، كما ورث عنه صلته الحسنة بالأمويين، وإن لم يستوزروه لثقل كان في سمعه. ويظهر أنه ورث عن آبائه مالًا كثيرًا بعثره في اللهو، والخلاعة حتى ليقول أبو حيان: "إن البطالة غلبت عليه، فلم يحفل في آثارهم بضياع دين، ولا مروءة"٣. وهذا الشخص المترف الذي ساق حياته في اللهو، والخلاعة كان مثقفًا ثقافة واسعة بمعارف عصره، فقد ذكر في إحدى رسائله أنه درس ضروب العلم المختلفة من أدب، وخبر وفقه وطب وصنعة وحكمة٤، ويقول ياقوت: "كان له من علم الطب نصيب وافر"٥. على أن الجانب الذي تميز به، إنما هو جانب الأدب، فقد كان شاعرًا كبيرًا كما كان كاتبًا كبيرًا أيضًا، ويدل ما روي عنه من آثار أن نثره كان أكبر من شعره، وقد شهد له النقاد

стр. 326

بمقدرته فيه وتفوقه، كتب عنه الثعالبي فقال: "إن نثره في غاية الملاحة"١، وقال أبو حيان: "كان أبو عامر بن شهيد يبلغ المعنى، ولا يطيل سفر الكلام، وإذا تاملته ولسنه، وكيف يجر في البلاغة رسنه، قلت: عبد الحميد في أوانه، والجاحظ في زمانه ... وكان في تنميق الهزل، والنادرة الحارة أقدر منه على سائر ذلك.. وله رسائل كثيرة في أنواع التعريض والأهزال، قصار وطوال، برز فيها شأوه، وبقاها في الناس خالد بعده"٢. وقدم له صاحب الذخيرة بقوله: "كان أبو عامر شيخ الحضرة العظمى وفتاها، ومبدأ الغاية القصوى ومنتهاها، وينبوع آياتها، ومادة حياتها، وحقيقة ذاتها، وابن ساستها وأساتها، ومعنى أسماته ومسمياتها، نادرة الفلك الدوار، وأعجوبة الليل والنهار، إن هزل فسجع الحمام، أو جد فزئير الأسد الضرغام، نظم كما اتسق الدر على النحور، ونثر كما خلط المسك بالكافور، إلى نوادر كأطراف القنا الأملود، تشق القلوب قبل الجلود، وجواب يجري مجرى النفس، ويسبق رجع الطرف المختلس"٣، ومن قول صاحب المطمح فيه: "عالم بأقسام البلاغة ومعانيها، حائز قصب السبق فيها، لا يشبه أحد من أهل زمانه، ولا ينسق ما نسق من در البيان وجمانه، توغل في شعاب البلاغة وطرقها، وأخذ على متعاطيها ما بين مغربها ومشرقها، لا يقاومه عمرو بن بحر، ولا تراه يغترف إلا من بحر"٤. ونرى من هذه النصوص المختلفة أن النقاد، كانوا يكبرون من شأن ابن شهيد ومنزلته الأدبية، وقد قرنوه إلى الجاحظ لهزل كان فيه، وميل إلى الفكاهة، وأكبر الظن أنه يتأثر في هذا الجانب بديع الزمان، فقد ذكره في رسائله٥، وكتب رسالة في الحلواء ذهب فيها مذهبه في المقامة المضيرية، وحكى في التوابع والزوابع ما وصف به بديع الزمان الماء، ثم أتى بأوصاف أخرى للماء يريد بها أن يثبت براعته٦

стр. 327

وأهم أثر تركه ابن شهيد هو رسالة التوابع والزوابع، والتابع الجن والزوبعة الشيطان، وسماها بهذا الاسم؛ لأنه بناها على شيطان تراءى له في وقت أرتج عليه فيه، وهو ينظم شعرا فأجازه، ولما تعارفا طلب إليه ابن شهيد أن يلقى به شياطين الشعراء والكتاب الذين غبروا، فأجاب طلبته، وحمله على جناحه إلى وادي الجن، حيث التقى بكثير من شياطين الشعراء الجاهليين والإسلاميين والعباسيين، كما التقى بطائفة من شياطين كتاب المشرق، وتدور القصة في الرسالة على أنه يلقى التابع للشاعر المشهور، فينشده شعرًا لصاحبه، ثم ينشده ابن شهيد بعض شعره، فيعجب به، ويجيزه آية على قدرته البلاغية، وكذلك يلقى توابع الكتاب أمثال عبد الحميد، والجاحظ وبديع الزمان، فيعرض عليهم رسالته في وصف البرد والنار والحطب، كما يعرض عليهم رسالته في الحلواء. وايضًا فإنه يعرض عليهم صفته لثعلب ولبرغوث، ويستحسنون ما يعرض ويجيزونه. ووقف تابع الجاحظ عند سجعه، وقال له: إن كلامك نظم لا نثر فزعم أن تلك صفة أهل بلده، وأنهم يعجبون بالسجع وطابعه، وهكذا تنفض جموع الجن، وهي تشهد بأنه شاعر بديع، وكاتب بليغ. والرسالة تفيض بروح الفكاهة، كأن نراه يعرض لبركة ماء بإحدى جوانب وادي الجن، ومن حواليها طائفة من حمر الجن، وبغالها وتتقدم له بغلة شهباء عليها جلها، وبرقعها فتنشده بعض الشعر، وأخيرًا تقول له: "أما تعرفني أبا عامر؟ قلت: لو كانت ثم علامة، فأماطت لثامها فإذا هي بغلة أبي عيسى، والخال على خدها، فتباكينا طويلًا، وأخذنا في ذكر أيامنا". وما من شك في أن هذا الجانب في التوابع والزوابع يكسبها خفة ورشاقة، ومن يرجع إليه يجد ابن شهيد لا يستخدم فيها دائمًا أسلوب السجع، بل تارة يسجع وتارة لا يسجع، وهذا هو معنى قولنا: إن الكاتب الكبير في الأندلس، لم يكن يخضع في صنع نماذجه لمذهب معين من مذاهب المشرق، بل هو -على نحو ما نرى الآن عند ابن شهيد- كان يتقلب بين المذاهب والمناهج المختلفة، ومع ذلك فلا تظن أن ابن شهيد حين يستخدم السجع كان يستخدم البديع، الذي هو الشق الثاني لمذهب التصنيع،

стр. 328

فإنه لم يكن تتصور هذا المذهب بكافة تفاصيله، كما تركه أصحابه، وليس معنى ذلك أنه لم يقرأ لهم ما يفهم به هذا المذهب، بل لقد قرأ لهم كثيرًا، وخاصة الصابي، وبديع الزمان١! وأيضًا ينبغي أن لا تظن أن ابن شهيد لم يخرج في جوانب من رسائله إلى مذهب التصنع، بل خرج إلى هذا المذهب في كثير من جوانبها؛ إذ نراه يعنى باستخدام الغريب، واعترف بذلك في إحدى رسائله٢، وكان إلى ذلك يكثر من الأمثال٣، كما كان يكثر من المبالغات والتهويلات٤، والاقتباس من القرآن الكريم٥، إلا أنه لم يعن بتعقيدات زخارف البديع جملة، بل إن لم يعن بهذه الزخارف نفسها، كما تركها أصحاب مذهب التصنيع، ومع ذلك فقد كان ذوقه أقرب ما يكون إلى ذوقهم، وتطرق من هذا الذوق إلى العناية، بالفكاهة في آثاره على نحو ما نجد عند بديع الزمان في مقاماته، وكما أطرف في رسالة التوابع والزوابع أطرف أيضًا في رسالة أخرى، تسمى حانوت عطار، ويظهر أنه كان يميل إلى الإغراب في الموضوع، ولعل ذلك ما جعله يقف عند وصف ثعلب برغوث، وبعوضة، ومهما يكن فقد كان ابن شهيد أكبر أديب في عصره، ولكنه لم يستطع المخالفة على مذاهب المشرق ومناهجه، بل ذهب يقلد هذه المذاهب، والمناهج في غير نظام، ولا نسق معين.

стр. 329

٤- ملوك الطوائف، ونهضة النثر الأندلسي: إذا تركنا عصر الأمراء الأمويين، وانتقلنا إلى عصر ملوك الطوائف، وجدنا الأندلس تنهض نهضة واسعة في أدبها من شعر ونثر، وكأنما انقسامها إلى وحدات صغيرة أهلا لنشاط أدبي واسع، إذ أصبح لكل وحدة صغيرة، أو بعبارة أخرى، لكل مدينة، حكم مستقل، وسعى كل حاكم -بسبب ما بينه وبين الحكام الآخرين من تنافس- إلى تشجيع الحركة العليمية والأدبية في وطنه، ومقر حكمه وملكه، وبذلك أضفى انقسام الأندلس إلى دويلات على العلم والأدب تقدمًا ورقيًا عظميًا، وإن الأندلس في ذلك لتشبه إيران في القرن الرابع الهجري، حين توزعتها دول وإمارات مختلفة، فقد لاحظنا في غير هذا الموضع أن هذا التوزع، وما صحبه من قيام مدن، ومراكز كثيرة أهل لنهضة أدبية رائعة، وكذلك الشأن في الأندلس في أثناء القرن الخامس للهجرة، فإن انقسامها إلى أندلسيات متعددة، جعل مراكز النشاط الأدبي فيها تتعدد أيضًا، وكان كل حاكم أو أمير يعنى بأن يكون في بلاطه أهم كاتب في إقليمه، ومن ثم أصبحت كل مدينة تشتهر بكاتب مهم، إن لم يكن بطائفة من الكتاب، وتعقب صاحب الذخيرة هذه الظاهرة، فعرض لكتاب كل مدينة عرضًا مفصلًا، ومن يرجع إليه في كتابه المذكور، يلاحظ أن الكتاب كلهم غمرهم ذوق السجع، فهم جميعًا يسجعون، وكان الكتاب في العصر الأموي يتخففون من السجع أحيانًا، كما رأينا عند ابن شهيد، أما في هذا العصر فإنه يلتزمونه التزامًا، بل قد يجد الإنسان في عصر الأمويين كاتبًا لا يسجع مطلقًا، وإنما يزواج مثل ابن برد الأكبر، أما في هذا العصر، فإن الكتاب جميعًا يسجعون، ومن أبرعهم في ذلك ابن برد الأصغر حفيد ابن برد الأكبر، وقد روى له صاحب الذخيرة مجموعة كبيرة، من رسائله، كما روى له مناظره بين السلف والقلم، ومن يقرأ المناظرة والرسائل لا يحس جديدًا، فقد جمدت الأندلس عند صياغة المشارقة، ولم تستطع أن تضيف إليها من جديد، وهل يستطيع الغنسان أن يجد في الذخيرة لهذا العهد اتجاهًا جديدًا، أو لونًا جديدًا؟ إنه ليس هناك إلا التقليد والمحاكاة وأن يحتذى الكاتب على نموذج مشرقي، فإذا هو يصنع رسائل كرسائل المشارقة، أو يصنع مقامة كمقاماتهم على نحو مقامة أبي حفص عمر بن الشهيد، التي رواها صاحب الذخيرة، ونحن نلاحظ عند هؤلاء الكتاب عامة أنهم لم يعنوا بالبديع، لكنهم استمروا -كما رأينا عند ابن شهيد- يعنون بالغريب، وبالأمثال والاقتباس

стр. 330

من القرآن، كما عنوا كثيرًا بحل الشعر وتضمينه، وليس معنى ذلك أنهم عقدوا نثرهم على نحو ما رأينا عند أبي العلاء وأصحابه، فإن حياتهم التي كانت تقوم على الفتن من جهة، وعلى الحروب من المسيحيين من جهة أخرى، لم تتح لهم الفرصة للتأني والتمهل، فلم يطبع أدبهم بطابع التعقيد، وإن كان ذلك يظهر فيه من حين إلى حين، ونحن نقف عند أهم كاتب ظهر في هذا العهد، وهو ابن زيدون، لنطلع على الصورة الفنية للكتابة حينئذ. ابن زيدون: هو، أحمد بن عبد الله ... بن زيدون المخزومي القرطبي١، ولد بقرطبة عام ٣٩٤ للهجرة، وتوفي بإشبيلية عام ٤٦٣ ٢، وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة٣، ولما قامت الفتن في أواخر حكم الأمويين أسهم فيها، إذ كان هواه مع الثائرين، ومن أجل ذلك قربه أبو الحزم جهور أمير قرطبة، إلا أن هذه المكانة لم تدم له طويلًا إذ نسبت إليه مؤامرة على السطان، وتصادف أن كان هناك أديبة شاعرة يتعلق بها ابن زيدون، وهي ولادة بنت المستكفي، ولهما مطارحات ومجالس محفوظة٤، وكان ينافسه فيها ابن عبدوس، فاصطدم كل منهما بالآخر، وكان ابن زيدون كاتبًا، فكتب رسالة هزلية طويلة على لسان ولادة إلى ابن عبدوس، يزعم فيها أنه أرسل لها سيدة تمدحه لها، وتحاول أن تعقد الصلة بينه وبينها، فنهرتها نهرًا شديدًا، ولم تكتف بذلك، بل كتبت له هذه الرسالة، وكلها تهكم به وسخرية، ولم يرد ابن عبدوس على خصمه برسالة أخرى، بل دبر له مؤامرة واسعة النطاق، جعلت أبا الحزم بن جهور يحبسه، وقد كتب إليه ابن زيدون من السجن برسالة طويلة، تسمى الرسالة الجدية يستعطفه بها، وكذلك استعطفه برسائل، وقصائد أخرى إلا أنه لم يرق له، وأخيرًا يعفو عنه مستجيبًا فيه لشفاعة ابن أبي الوليد، ولما ولي بعده سنة ٤٣٥ اتخذه سفيرًا بينه وبين رؤساء الأندلس

стр. 331

غير أن الأمور لم تلبث أن فسدت بينهما، ففر ابن زيدون على وجهه إلى إشبيلية عام ٤٤١ ١، فلقيه أميرها المعتضد لقاء حسنًا، واصطنعه لنفسه، كما اصطنعه ابنه المعتمد من بعده، واستطاع المعتمد بفضل مشورته أن يستولي على قرطبة، وما زال يرعاه خير رعاية، حتى إذا كان عام ٤٦٣ أرسله إلى إشبيلية في مهمة إلا أن القدر عاجله، ويقولون: إن أهل قرطبة حزنوا لوفاته حزنًا شديدًا. وهذا كله يرينا أن حياة ابن زيدون، كانت مليئة بمتاعب ومصاعب جمة، ومع ذلك فهو يوضع على رأس شعراء، وكتاب عصر ملوك الطوائف، يقول صاحب الذخيرة فيه: "كان أبو الوليد زيدون غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم، أحد من جر الأيام جرًا، وفات الأنام طرًا، وصرف السلطان نفعًا وضرًا، ووسع البيان نظمًا ونثرًا، إلى أدب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه، وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر اقترانه، وحظ من النثر غريب المباني شعري الألفاظ والمعاني"٢، ويقول أيضًا: "فأما سعة ذرعه وتدفق طبعه، وغزارة بيانه، ورقة حاشية لسانه، فالصبح الذي لا ينكر ولا يرد، والرمل الذي لا يحصر ولا يعد"٣، ولعل أطرف ما ترك ابن زيدون من آثاره الكتابية، هو الرسالة الجدية ثم الرسالة الهزلية؛ أما الرسالة الجدية التي كتبها في الاستعطاف، فهي تبدأ على هذا النمط: "يا مولاي وسيدي الذي ودادي له، واعتمادي عليه، واعتدادي به، وامتدادي منه، أبقاك الله ماضي حد العزم واري زند الأمل، ثابت عهد النعمة، إن سلبتني -أعزك الله- لباس نعمائك، وعطلتني من حلي إيناسك، وأظمأتني إلى برود إسعافك، ونفضت بي كف حياطتك، وغضضت عني طرف حمايتك: بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ثنائي عليك٤

стр. 332

وأحس الجماد استحمادي إليك، فلا غرو قد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفى به، ويؤتى الحذر من مأمنه١، وتكون منية المتمني في أمنيته، والحين قد يسبق جهد الحريص٢: كل المصائب قد تمر على الفتى ... وتهون غير شماتة الحساد وإني لأتجلد وأرى الشامتين أني لريب الدهر لا أتضعضع٣، فأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها٤، وجبين عضه إكليله ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله، وسمهري عرضه على النار مثقفه، وعبد ذهب به سيده مذهب الذي يقول٥: فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا ... فليقس أحيانًا على من يرحم هذا العتب محمود عواقبه، وهذه النبوة غمرة ثم تنجلي٦، وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل تقشع٧، ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه، أو تأخر -غير ضنين- غناؤه، فأبطأ الدلاء فيضًا أملؤها٨، وأثقل السحائب مشيًا أحفلها، وأنفع الحيا٩ ما صادف جدبًا، وألذ الشراب ما أصاب غليلًا، ومع اليوم غد، ولكل أجل كتاب". وأكبر الظن أن خصائص ابن زيدون اتضحت لنا الآن، فهو يعني عناية شديدة بحل الشعر في كلامه، كما يعني بالأمثال وحشدها، حتى لتغدو

стр. 333

رسالته في حاجة إلى الشرح؛ لأن كثيرًا من عباراتها أمثال مرموزة، وأبيات منثورة وشطور من الشعر مرصوفة، وهذا نفسه هو الذي يجعلنا نقول: إن ذوق ابن زيدون في نثره كان قريبًا من ذوق أصحاب التصنع في المشرق، وحقًا هو لم يستخدم البديع، ولا ما يتصل به من تعقيد بعض زخارفه، ولكنه استخدم لغة بهمة بعض الشيء، وإذا استمررنا معه في الرسالة، وجدناه يلجأ إلى شيء أكثر صعوبة، وهو ذكر كثير من وقائع القرآن الكر يم، وحوادث الإسلام الحنيف. وراع هذا الجانب في الرسالة القدماء؛ لأنهم عثروا به على مادة غنية للشرح والتفسير، واستمع إليه يصور لابن جهور، أنه لم يرتكب جرمًا كبيرًا، فيستهدف لما مضى من جنايات وأحدث في الديانات، وعلى هذا النحو: "قد بلغ السيل الزبى١، ونالني ما حسبي به وكفى، وما أراني إلا أمرت بالسجود لآدم، فأبيت واستكبرت، وقال لي نوح: اركب معنا، فقلت: "سآوي إلى جبل يعصمني من الماء"، وأمرت ببناء الصرح لعلي طلع إلى إله موسى، وعكفت على العجل، واعتديت في السبت، وتعاطيت فعقرت، وشربت من النهر الذي ابتلي به جيوش طالوت، وقدت الفيل لأبرهة، وعاهدت قريشا على ما في الصحيفة، وتأولت في بيعة العقبة، ونفرت إلى العير ببدر، وانخذلت بثلث الناس يوم أحد، وتخلفت عن صلاة العصر في بني قريظة، وجئت بالإفك على عائشة الصديقية، وأنفت من إمارة أسامة، وزعمت أن بيعة أبي بكر كانت فلتة". وترك ابن زيدون هنا السجع؛ لأنه لا يستقيم، وما يريد أن يروى من هذه الأحداث، وهي أحداث لا يفهمها إلا من قرأ سير الأنبياء، والسيرة النبوية خاصة، ولا بد له بعد ذلك أن يقرأ شيئًا عن حياة المسلمين بعد الإسلام، ونحن نراه في الرسالة ينتقل بعد ذلك إلى تملق ابن جهور مع شيء من الزهور والخيلاء، وقد

стр. 334

امتد به نفسه طويلًا، فأكثر من الحكم والأمثال، كما أكثر من تضمين الشعر وجله في نثره، وكذلك أكثر من اقتباس آي الذكر الحكيم، وما من ريب في أن هذه صورة أخرى من صور التصنع، وهي صورة لا تبلغ ما بلغه المذهب في المشرق من تعقيد عند أبي العلاء وأصحابه، ولكنها على كل حال تأخذ من التصنع بأطراف قوية، وتذهب هذا المذهب نفسه الرسالة الهزلية، إذ نراه يسخر من ابن عبدوس متطرقًا في أثناء سخريته إلى ذلك كثير من الأمثال، وحوادث التاريخ وأعلامه، واستطاع في أثناء ذلك أن ينفذ إلى التأثر بالجاحظ في رسالة التربيع والتدوير، وانظر إليه يقول في بعض جوانبها عن السيدة، التي أرسلها ابن عبدوس: إنها زعمت لولادة: "أن بطليموس سوى الاضطرلاب بتدبيرك، وصورة الكرة على تقديرك، وأبقراط علم العلل والأمراض بلطف حسك، وجالينوس عرف طبائع الحشائش بدقة حدسك، وكلاهما قلدك في العلاج، وسألك عن المزاج، واستوصفك تركب الأعضاء، واستشارك في الدواء والداء، وأنك نهجت لأبي معشر طريق القضاء، وأظهرت جابر بن حيان على سر الكيمياء، وأعطيت النظام أصلًا أدرك به الحقائق، وجعلت للكندي رسمًا استخرج به الدقائق، وأن صناعة الألحان اختراعك، وتأليف الأوتار والأنغام توليدك وابتداعك، وأن عبد الحميد بن يحيى باري أقلامك، وسهل بن هارون مدون كلامك، وعمرو بن بحر مستمليك، ومالك بن أنس مستفتيك، وأنك الذي أقام البراهين، ووضع القوانين، وحد الماهية، وبين الكيفية والكمية". والحق أنك مهما قرأت في آثار الأندلسيين، فستراهم يرجعون دائمًا إلى أصول مشرقية يقلدونها، ويستمدون منها، إما في تنسيق الموضوع على نحو ما استفاد ابن زيدون من الجاحظ في رسالته الهزلية، وإما في العناصر التي يؤلفون منها نماذجهم على نحو ما رأيناه في الرسالة الجدية، إذ ذهب يستعين فيها بشعر لأبي ذؤيب، والمتنبي وغيرهما ينثره في أثنائها، وكما ذهب يستعين بأمثال قديمة. وهو ضيف إلى ذلك آيات من القرآن الكريم ألفاظًا يجمل بها عمله، وأيضًا فإنه يتصنع لذكر كثير من حوادث الديانات، وخاصة حوادث الإسلام كما يتصنع لكثير من أعلام التاريخ، وهذا هو الجديد الذي كان يأتي به ابن زيدون لبيان تفوقه وبراعته، وهي أشياء كلها ترد إلى المشرق، وليس للأندلس فيها إلا فضل النموذج، الذي يجمعها بعضها إلى بعض، فإذا هي تستوي في صورة أدبية خاصة، ومع ذلك فليس من شك في أن ابن زيدون يوضع في الطبقة الأولى من كتاب الأندلس، وأدبائها على مر العصور!

стр. 335

٥- جمود النثر الأندلسي: يذهب عصر ملوك الطوائف، وندخل منذ عام ٤٨٤ للهجرة في عصر جديد هو عصر سلطان المغاربة، إذ فزع الأندلسيون في حروبهم مع المسيحيين إلى يوسف بن تاشفين، صاحب دولة المرابطين لينصرهم عليهم، فيذهب إليهم يرد عنهم كيد أعدائهم، ولكنه لا يتركهم، بل يدخلهم في حوزته، واستمرت الأندلس تابعة لدولته، حتى استولت عليها دولة الموحدين، وقد اشتهرت الدولة الأولى دولة المرابطين بالتعصب في مسائل الدين، وأصبح للفقهاء في عصرها شأن كبير، إذ كان لهم أثر واسع في دخول البلاد في هذا الحكم الجديد، وكان المرابطون لذلك يعتدون بهم، فهم عدتهم وعتادهم، ومن أجل ذلك سلموا لهم شئون الدولة، فاضطهدوا المتفلسفة، ورموهم بالزندقة وتعقبوهم في كل مكان. أما دولة الموحدين، فكان حكامها أوسع عقولًا وتفكيرًا، وقد اشتهر من بينهم أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن "٥٥٨-٥٨٠هـ" بمحبة الفلسفة وأصحابها، وممن ظهر في عصر هذه الدولة ابن باجة، وابن رشد وابن طفيل، ونستمر حتى نلتقي في القرن السابع ببني هود، وكذلك ببني الأحمر أصحاب غرناطة. واستطاعت الأندلس أن تتقدم في الحركة العقلية في أثناء تلك العصور،

стр. 336

ولكنها لم تستطع أن تتقدم في الحركة الأدبية، إذ استعلى الفقهاء أول الأمر في الحكومة، وأصبح الحكام يتخذون منهم كتابهم، فطبعوا النثر بطابعهم العلمي الجامد، وكانوا يسجعون في كتابتهم، ويحلون سجعهم بالتصنع لبعض المصطلحات العلمية، التي عرفوها في دراستهم، وهم من هذه الوجهة أقرب إلى ذوق أصحاب التصنع في المشرق من كتاب عصر ملوك الطوائف، ولعل مما يتصل بذلك أنهم تصنعوا في كتابتهم للبديع، وما يتصل به من طباق وجناس، وأخذوا يعممون السجع في الكتابة التاريخية، وخاصة تلك التي تتصل بالترجمة للأدباء، على نحو ما نجد في "الذخيرة" لابن بسام و"قلائد العقيان" و"مطمح الأنفس" لابن خاقان، وقد جنح لسان الدين بن الخطيب، إلى السجع في بعض جوانب من كتبه، وكذلك صنع المقري في "نفح الطيب" و"أزهار الرياض"، وكل هذه الأعمال يحس الإنسان فيها بضروب مختلفة من التلفيق، والتصنع واللف والدوران حول المعاني، والصور التي يجترها الأدباء اجترارًا، وقد سرت حينئذ ظاهرة مهمة، وهي التعبير بالأساليب المحفوظة، التي لا تفصح عن فكرة محدودة، وارجع إلى الذخيرة أو إلى مطمح الأنفس إلى قلائد العقيان، فسترى هناك مقدمات يقدم بها الأدباء لا تعبر عن معان واضحة، وإنما تعبر عن صور جامدة متبلورة، وهذا هو معنى ما نقوله من جمود النثر الأندلسي، وابحث ما شئت في هذه العصور، فلن تجد جديدًا ولا ما يشبه الجديد، إنما تجد أدبًا مكررًا معادًا، قد كررت أساليبه وأعيدت عباراته مئات المرات بل آلاف المرات، ولا جديد فيه إلا ما يتصنع له الكاتب من مصطلح علمي، أو لون بديعي، أو إشارة إلى مثل، أو استخدام لغريب، أو نحو ذلك مما كان يعد آية في هذه العصور على بلاغة الكاتب، ومهارتها الفنية، ونحن نقف قليلًا عند أهم كاتب ظهر في الأندلس لهذه العهود، ونقصد لسان الدين بن الخطيب لتنكشف لنا صورة الكتابة الفنية حينئذ انكشافًا تامًا.

стр. 337

لسان الدين بن الخطيب: هو، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد الغرناطي، ولد عام ٧١٣ للهجرة، وهو من بيت عرف قديما ببني الوزير، وحديثًا ببني الخطيب١، وهو بيت اشتهر بالعلم والفقه والأدب والطب، وقد روى صاحب نفح الطيب لأبيه شعرًا منه قوله٢: الطب والشعر والكتابه ... سماتنا في بني النجابه وقد نسج لسان الدين على منوال أبيه، فكان "نفيس العدوتين، ورئيس الدولتين، بالإطلاع على العلوم العقلية، والإمتاع بالفهوم النقلية"٣، وقد ذكره ابن خلدون، وهو معاصر له فقال: "قرأ وتأدب على مشيخة غرناطة، واختص بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل، وأخذ عنه العلوم الفلسفية، وبرز في الطب، وانتحل الأدب، وأخذ عن أشياخه، وامتلأ حوض السلطان من نظمه ونثره مع انتقاء الجيد منه، ونبغ في الشعر والترسل بحيث لا يجارى فيهما، وامتدح السطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر لعصره، وملأ الدنيا بمدائحه، وانتشرت في الآفاق، فرقاه السلطان إلى خدمته، وأثبته في ديوان الكتابة ببابه مرءوسًا بأبي الحسن بن الجياب شيخ العدوتين في النظم، والنثر وسائر العلوم الأدبية"٤، فلما توفي ابن الجياب ورث رتبته من بعده٥، وثم توفي أبو الحجاج فازدادت منزلته عند ابنه أبي عبد الله إلى أن نشبت ثورة أبعدت السلطان، عن عرشه، وقبض فيها على ابن الخطيب وصودرت أملاكه، ولكنه تخلص من ذلك بشفاعة السلطان أبي سالم المريني، صاحب المغرب ولحق بسيده أبي عبد الله هناك وصحبه في غربته، ولما رجع أبو عبد الله أخيرًا إلى عرشه في غرناطة، استدعاه وألقى إليه بمقاليد الملك والسياسة "وانفرد بالحل

стр. 338

والعقد، وانصرفت إليه الوجوه، وعلقت عليه الآمال، وغشي بابه الخاصة والكافة، وغصت به بطانة السلطان وحاشيته، فتوافقوا على السعاية فيه"١، وأحس لسان الدين بذلك، ففر إلى أبي فارس المريني وكان قد ملك تلمسان فأكرمه٢، إلا أن رجال حاشيته سرعان ما أوغروا صدره عليه، إذ اتهموه بالزندقة، فألقى به في غياهب السجون ودس إليه من قتله عام ٧٧٦، وبذلك انتهت حياته هذه النهاية الدامية. وقد كان لسان الدين أبرع كاتب أخرجته الأندلس في عصورها الأخيرة، حتى قيل: إنه كاتب الأرض إلى يوم العرض، وخصص له المقري مجلدين من نفح الطيب عرض فيهما عرضًا واسعًا لأساتذته، وحياته السياسية والأدبية. وإذا كان السان الدين لم ينجح في حياته السياسية، فقد نحج نجاحًا عظيما في حياته الأدبية، وهي حياة كانت منوعة، إذ لم يقف كتابته عند الرسائل الديوانية أو الشخصية، بل كتب كتبًا كبيرة في التاريخ والتصوف، والموسيقى والفقه والطب، وقد نهج لسان الدين في هذه الكتب نهج السجع، وإن كان لا يلتزمه دائمًا على نحو ما نعرف في كتابه "الإحاطة في أخبار غرناطة"، وهو مطبوع فإنه قلما يسجع فيه، ومن يرجع إلى رسائله يجدها تمتاز بالإطناب المسرف، وما يطوى في هذا الإطناب عادة من لف ودوران يجعلنا نذكر أصحاب التصنع في لمشرق، وإنه ليتسع بإطنابه حتى يفقد قارئه نشاطه؛ لأن منظر المعاني ينبسط أمام بصره انبساطًا يخرجها من حيز التنوع إلى حيز الاستمرار والإملال، وتنبه لذلك بعض السابقين فقال: "هو كاتب مترسل بليغ لولا ما في إنشائه من الإكثار، الذي لا يخلو من عثار، والإطناب، الذي يفضي إلى الاجتناب، والإسهاب، الذي يقد الإهاب"٣، وليست ظاهرة الإطناب هي كل ما اقترضه في سجعه برسائله من أصحاب التصنع من المشارقة، بل تقترن بها ظاهرة أخرى معروفة لديهم، وهي ظاهرة التصنع لمصطلحات العلوم

стр. 339

وخاصة العلوم اللغوية، وحقًا إن ابن الخطيب لا يكثر منها، ولكنها موجودة -على كل حال- في نثره ورسائله، ونحن ننقل إلى القارئ صدر رسالة كتب بها عن سلطانه إلى خليفة الموحدين بالأندلس، وهي رسالة طويلة تقع في نحو عشرين صحيفة من القطع الكبير، وهو يستهلها على هذا النمط١: "الخلافة التي ارتفع عن عقائد فضلها الأصيل القواعد الخلاف، واستقلت مباني فخرها الشائع، وعزها الذائع، على ما أسسه الأخلاف، ووجب لحقها الجازم وفرضها اللازم، الاعتراف، ووسعت الآملين لها الجوانب الرحيبة والأكناف، فامتزاجنا بعلائها المنيف، وولائها الشريف، كما امتزج الماء والسلاف، وثناؤنا على مجدها الكريم، وفضلها العميم، كما تأرجت الرياض الأفواف، لما زارها الغمام الوكاف، ودعاؤنا بطول بقائها، واتصال علائها، يسمو به إلى قرع أبواب السموات العلا الاستشراف، وحرصنا على توفية حقوقها العظيمة وفواضلها العميمة، لا تحصره الحدود، ولا تدركه الأوصاف، وإن عذر في التقصير عن نيل ذلك المرام الكبير، الحق والإنصاف". واستمر لسان الدين في هذه المقدمة طويلًا، ونحن نكتفي بهذه القطعة منها؛ لأننا نستطيع أن نتبين فيها الصفات لبعض مصطلحات العلوم، إذ تصنع لألفاظ القواعد، والمباني والجزم والحدود، وليس ذلك كل ما تميزه في هذه القطعة، فهناك جانب لعله أهم، وأدخل في باب التصنع، وذلك أنه بنى سجعاته في هذه القطعة كلها على الفاء، ولكن تأمل في القطعة، فإنك تراه استخرج من كل سجعة سجعتين داخليتين، وما من شك في أن هذا ضرب جديد من التصعيب، وصل إليه لسان الدين؛ لأنه يريد أن يثبت تفوقه في عصره، فإذا هو لا يسجع سجعًا بسيطًا على طريقة الكتاب الأندلسيين من قبله، وإنما يسجع هذا السجع المركب إن صح هذا التعبير، واستمر معه في الرسالة فستراه يصف حصار

стр. 340

سلطانه لقرطبة على هذا النحو: "ثم تأهبنا لغزو أم القرى الكافرة، وخزائن المزاين الوافرة، وربة الشهرة السافرة والأنباء المسافرة، قرطبة، وما أدراك ما هيه، ذات الأرجاء الحلية الكاسية، والأطواد الراسخة، والمباني المباهية، والزهراء الزاهية، والمحاسن غير المتناهية، حيث هالة بدر السماء، قد استدارت من السور المشيد البناء ونهر المجرة، من نهرها الفياض، المسلول حسامه من غمود الغياض، قد لصق بها جارًا، وذلك الدولاب، المعتدل الانقلاب، قد استقام مدارًا، ورجع الحنين اشتياقًا إلى الحبيب الأول وادكارًا، حيث الطود كالتاج، يزدان بلجين العذب المجاج، فيزرى بتاج كسرى ودارا، حيث قسي الجسور المديرة، كأنها عوج المطي الغريرة، تعبر النهر قطارًا، حيث آثار العامري المجاهد، تعبق بين تلك المعاهد شذى معطارًا، حيث كرائم السحائب، تزور عرائس الرياض الحبائب، فتحمل لها من الدر نثار، حيث شمول الشمال تدار على الأدواح، بالغدو والرواح، فترى الغصون سكارى، وما هي بسكارى، حيث أيدي الافتتاح، تفتض من شقائق البطاح، أبكارًا، حيث ثغور الأقاح الباسم، تقبلها بالسحر زوار النواسم، فتخفق قلوب النجوم الغيارى، حيث المصلى العتيق قد رحب مجالًا وطال منارًا، وأزرى ببلاط الوليد احتقارًا، حيث الظهور المثارة بسلاح الفلاح تجب عن مثل أسنمة المهارى، والطبون كأنها -لتدميث الغمائم- بطون العذارى". وأنت ترى لسان الدين في هذه القطعة، يلتزم لازمة السجع المركب التي لاحظناها في القطعة السابقة، وقد ظهرت هنا عليه آثار التكلف بأوسع مما ظهرت في القطعة السالفة؛ لأنه كان هناك بادئًا للرسالة، أما هنا فقد طال به النفس، فظهرت علامات التعب عليه، وكلمة التعب لا تكفي، فإن ما أداه في هذه القطعة لا تنهض به هذه الكلمة، وإنما تنهض به كلمة أخرى كالتصعيب أو التعقيد، والحق أن لسان الدين كان يسعى حثيثًا في أعماله إلى التمسك بأهداب مذهب التصنع، الذي شاعر في المشرق، وقد ذهب يقترح على الكتاب هذا

стр. 341

السجع المركب ليدل على مبلغ تفننه وجودة ترسله، وإنه ليضيف إلى ذلك تكلفًا واسعًا، لألوان البديع وزخارفه، وخاصة السجع والجناس: وكانت يشغف -كما نرى في هذه القطعة- بالجناس الناقص، ولكن لا تظن أن هذا هو منهج لسان الدين الدائم، فقد كان الكاتب الأندلسي يتنقل بين المفاهيم المختلفة للمشارقة، ومن أجل ذلك كنت ترى عند لسان الدين رسائل كهذه الرسالة تندمج في ذوق أصحاب التصنع، وما تلبث أن ترى له رسائل أخرى تندمج في ذوق أصحاب التصنيع، وقد ينفر من الذوقين جميعًا، كما نرى في كتابه "الإحاطة"، وإذا فابن الخطيب لا يرتبط بمذهب معين من مذاهب المشرق، بل هو يتنقل بين هذه المذاهب، وإن كان أقرب مذهب إلى ذوقه وذوق عصره هو مذهب أصحاب التصنع، ولكن ذلك لا يمنع أن نجد عنده نماذج يحاكي بها أصحاب الصنعة والتصنيع، وهذا شيء لا يختص بلسان الدين ولا بنماذجه، بل هو عام في الأندلس لعصره وقبل عصره، فدائمًا نجد الكاتب الواحد تتوزعه مذاهب المشرق المختلفة، وغاية ما في الأمر أن الأندلسيين، كان يغلب عليهم في العصر الأموي ذوق أصحاب الصنعة، بينما كان يغلب عليهم في عصر ملوك الطوائف ذوق أصحاب التصنيع، أما بعد ذلك فقد غلب عليهم ذوق أصحاب التصنع، ومع ذلك فقد درسنا ابن شيهد، فوجدناه يتوزعه المذهبان الأولان، بينما كان ابن زيدون في عصر ساد فيه ذوق التصنيع، ومع ذلك، فقد رأيناه في بعض رسائله، ينحو نحو أصحاب التصنع من بعض الوجوه، وهذا لسان الدين ذوقه وذوق عصره تصنع، واندمج في التصنع، ومع ذلك فله رسائل تخلو من هذا التصنع، بل قد تخلو من التصنع والتصنيع جميعًا، وهذا نفسه هو ما نريد أن نصل إليه، وهو أن الكتاب في الأندلس، كانوا يخلطون في محاكاة المذاهب المشرقية ونماذجها، فلم يتقيد أحد منهم بمذهب معين من جهة، ولم يدرسوا مذاهب المشرق دراسة علمية منظمة من جهة أخرى، بحيث تتيح لهم هذه الدراسة أن يبتكروا مذهبًا أو يستحدثوا اتجاهًا، فقد كانوا جميعًا يعيشون في إطار المذاهب المشرقية معيشة، تجلعنا نزعم أن أصول هذه المذاهب، كانت أثبت وأروع في تاريخ النثر العربي من أن يصيبها الأقاليم المختلفة بتبديل، أو تغيير.

стр. 342

الفصل الثاني: مصر والمذاهب الفنية ١- مصر: تمتد مصر على ضفاف النيل من مشارف أسوان إلى تخوم بحر الروم، مطلة عليها من الغرب الصحراء الغربية، ومن الشرق الصحراء الشرقية، وقد استطاعت أن تنهض نهضة واسعة في العالم القديم، بل لقد استطاعت أن تلعب أقدم دور في تأسيس الحضارة الإنسانية، وهو دور لا تزال أهراماته وصروح آثاره ماثلة تحت أعيننا تعبر أروع تبعير عن مدى ما بلغته مصر من مدنية، وقد أخذت تنشر هذه المدنية في الأمم المجاورة، متخذة ضمها إلى ممتلكاتها سبيلها إلى ذلك، فضمت في أطوار مختلفة الشام، وأجزاء من بابل وآشور، وتمضي أحقاب متطاولة ولمصر المكانة الأولة بين الأمم القديمة، ثم يدور الزمن دورة، فيعزوها الرعاة الهكسوس، ولكن سرعان ما تعود إلى نفسها فتطردهم منها، وتخرج مرة أخرى إلى آسيا، فتستولي على بعض أجزائها، ولكن الزمن يدور دورة، بل دورات فإذا مصر يغير عليها الحيثيون ثم الأشوريون ثم الفرس، وتستمر تابعة لهم منذ عام ٥٢٥ ق. م، حتى يخرجهم منها الإسكندر المقدوني عام ٣٣٣ ق. م، وبذلك تنتقل إلى حكم الإغريق، ويختط بها الإسكندر مدينة الإسكندرية، كما يختط بها بطليموس أحد قواد الإسكندر، دولة كبيرة استطاعت أن تنهض بها نهضة واسعة، وهي دولة البطالسة التي أقامت في الإسكندرية دارًا كبيرة للكتب، كما أقامت دارًا أخرى سمتها دار المتحف، وكانت جامعة كبيرة أضاءت منها أنوار الثقافة اليونانية، وخاصة بعد أن استولى الرومان على أثينا، فإن كثيرًا من أساتذتها فروا، ومعهم ما تبقى من مصابيح تلك الثقافة إلى

стр. 343

الإسكدرية، وقد رجعت هذه المصابيح تضيء متوهجة بمصر طوال عصر البطالسة، وبعد البطالسة، فإن جامعة الإسكندرية، ظلت قائمة في عهد الرومان الذين استولوا على مصر منذ عام ٣١م، ونحن نعرف أن روما لم تحاول أن تبعث في مصر نهضة ثقافية، إذ كانت تتخذها مخازن لما يلزمها من قمح، وكم أثارت فيها من حروب، وسفكت من دماء وأزهقت من أرواح! وتدور عجلة الزمن دورة، فإذا عمر بن العاص يأتي على جيش عربي كبير عام ٦٤٠م، متخذًا طريقه تلك الدروب، والمسالك التي كانت تشق طور سيناء إلى مصر، ويتعقب الروم في غير موقع، ويستطيع -بما أوتي من قوة- أن يطردهم منها، وبذلك تدخل في مصر عصر جديد هو عصر الإسلام والعروبة؛ وهو عصر امتاز منذ أوائله بالعدل، وأن يكون الناس سواسية أمام حاكمهم، فلا يضطهد أحد في نفسه ولا في ماله ولا في دينه، وقد أخذ المصريون يدخلون في دين الله أفواجًا، وهاجر إليهم كثير من قبائل العرب، ونزلوا ريف مصر، فكان ذلك عاملًا من عوامل الاندماج بين المصريين والعرب، على أنه ينبغي أن لا يفهم من ذلك أن المصرين تقبلوا الحكم العربي، وخضعوا له خضوعًا، بل كانوا كثيرًا ما يثورون١، وخاصة من أجل الضرائب التي كانوا يؤدونها، ولولا أن موجة الإسلام كانت حادة ما استطاع العرب أن يستمروا بمصر، فإن المصريين نزعوا عن دينهم، أو قل نزعت كثرتهم عن دينها إلى الدين الجديد، وحتى من بقي منهم على دينه أخذ يهجر لغته القبطية، وما كان يعرف من اليونانية إلى اللغة العربية بحيث لا نصل إلى القرن الرابع، حتى نجد أسقف أشمون يشكو من انعدام اللسانين، القبطي واليوناني في قبط مصر٢، وما من ريب في أن ذلك يؤكد اندفاع مصر اندفاعًا شديدًا نحو التعريب، واتخاذ العربية لسانًا لها، فقد نزعت عنها ثيابها اللغوية القديمة، واتخذت مكانها ثيابًا عربية جديدة.

стр. 344

٢- شخصية مصر: من يبحث في مختلف عصورها يجدها أشبه ما تكون بمعبد كبير، أغلقت أبوابه على طائفة من الرسوم، والطقوس لا تتغير، ولا تتبدل، بل دائمًا تظل كما هي في كل حكم وفي كل عصر، وهذا المعبد الكبير أتيحت له أسباب طبيعية جعلته يعيش معيشة مستقلة في عاداته وتقاليده، ونقصد بتلك الأسباب ما قام على أسواره من الصحراء الشرقية والغربية، فإنهما عزلتاه عن الاختلاط والانسياج في الأمم الأخرى، وحقًا قد تمر بهذا المعبد العظيم عاصفة هوجاء، فتفتح أبوابه ويدخل جيش فاتح على رأسه قائد مظفر، ولكن سرعان ما يذوب هذا الجيش، ويفنى في أبناء المعبد وطقوسهم وعاداتهم، وفي هذا المعبد يجري نهر النيل نافثًا لعابه من حوض إلى حوض في أوان "يدر حلابه، ويكثر فيه ذبابه"، وحول هذا النهر يعيش المصريون، عن عصر الفراعين إلى العصر الحديث "يحرثون بطون الأرض، ويبذرون بها الحب، يرجون بذلك النماء من الرب"، وقد ظلوا يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام وجيلًا بعد جيل يعملون على وتيرة واحدة، ينقلون الماء من هنا إلى هناك بهذه الأواني من الطوابير، وما يتصلى بها، يبعثون الحياة في وديان مصر، وأحواضها "فبينما مصر لؤلؤة بيضاء، إذا هي عنبرة سوداء، فإذا هي زمردة خضرة، فإذا هي ديباجة رقشاء"، وهكذا مصر دائمًا: كتاب أحكمت سطوره ونقوشه منذ أقدم الأزمنة، وما تزال هذه السطور والنقوش واضحة غير مطموسة، فالناس يعيشون كما كان يعيش آباؤهم، وأسلافهم يربضون في وديان النيل في تلك المياة المشبعة بالطمي، يديرون آلات لا تكاد تخلتف في عن آلات أجدادهم، وإنهم ليحيون بطرق لا تختلف أيضًا كثيرًا عن طرق أسلافهم، ومن ثم كانت مصر بلدًا محافظًا، يحتفظ بشخصيته ومقوماتها على مر العصور، وقد كان لذلك أثر جليل.

стр. 345

في تاريخ مصر، فإنها استطاعت أن تحتمل الفتوح المختلفة، وأن تصمد لها دون أن يطمس شيء مهم من معالمها لما لديها من امتناع عن التحول، وقدرة على الإساغة والهضم، فإذا هي تهضم ما يدخل إليها من عناصر أجنبية، هضمت قديمًا الرعاة الهكسوس، وما دخلها من عناصر الأشوريين، والحيثيين والفرس واليونان والرومان، بل لقد هضمت عناصر العرب أنفهسم مع اتساع تأثيرهم فيها من الوجهتين الدينية واللغوية. وهذه المحافظة في مصر وما يطوي فيها من مقدرة على الاستمرار، ليس معناها أن مصر تستعصي على العناصر الثقافية عند الأمم الأجنبية، فكثيرًا ما تقبلت قديمًا وحديثًا هذه العناصر، وحاولت أن تهضمها، وتعيدها في صورة جديدة تلائمها، ولعل أوضح ما يفسر ذلك ما كان من استقبالها في الإسكندرية للثقافة اليونانية، فقد استطاعت أن تسوعبها، وأن تنفذ من ذلك الاستيعاب إلى مذهب جديد في الفلسفة هو مذهب الأفلاطونية الحديثة، وهو مذهب يعتمد على العناصر اليونانية من جهة، والعناصر المصرية، وما يتصل بها من معتقدات من جهة أخرى، ولم تحاول مصر الاتصال بثقافة اليونان الذين فتحوها فقط، بل نراها تحاول الاتصال بثقافات أخرى لم يكن لأهلها نفوذ سياسي بها، ولعل خير مثال لذلك اتصالها بالثقافة السريانية في أثناء الحكم الروماني، وخاصة فيما يتصل بدارسة الطب، يقول بتلر: "قد كان ثمة اتصال خاص بين لغة السريان ودراسة الطب، وإنه لا يبعد أن أعظم كتب الطبي في القرنين السادس والسابع كانت باللغة السريانية، ولا شك أن تلك اللغة كانت ذائعة بين الناس، وأن آدابها كانت دائمًا تدرس في الإسكندرية، حتى قبل أن تفد جموع العلماء إلى مصر من سوريا عند غزو الفرس لها"١، ومن هذه اللغة ترجم لعمر بن عبد العزيز كتاب أهرون القس في الطب٢، ولم تنس مصر لغتها القبطية، فقد كانت تتخذها في طقوسها الدينية، كما كتبت

стр. 346

بها بعض كتابات تاريخية١. على أنه ينبغي أن نعرف أن جامعة الإسكندرية اليونانية، هجرها أساتذتها إلى مدرسة أنطاكية في عهد عمر بن عبد العزيز، ولذلك لا نسمع بعد عصره عن خليفة، أو أمير يطلب علماء الإسكندرية، على نحو ما طلب خالد بن يزيد بن معاوية جماعة منهم، لترجمة ما عندهم من كتب في الكيمياء٢، ومع ذلك فإغلاق هذه الجامعة إنما اقتصر تأثيره على الجانب الإغريقي، أما الجانب السرياني، وما يتصل به من الطب، فقد استمر في مصر، إذ كان العلماء السريان منبثين في الأديرة، فكان يقصد الطلاب إليهم، وكان الطب يتوارث فيهم، ولذلك ظلت مصر تشتهر بأطبائها، حتى عصر متأخر، وممن اشتهروا فيه سعيد بن توفيل النصراني، طبيب ابن طولوا٣، وسعيد بن البطريق: "وكان طبيبًا نصرانيًا من أطباء فسطاط مصر، وقد عين بطريركًا على الإسكندرية سنة ٣٢٨هـ، وله كتب في الطب والجدل"٤. ومهما يكن فقد استمرت بمصر بقايا من التراث اليوناني، حتى بعد إغلاق جامعة الإسكندرية، إذ ظلت بها رواسب من علم إقليدس في الفلك، ومن علم الكيمياء، ومن الأفلاطونية الحديثة، وما يتصل بها من غنوسطية، ودراسات لاهوتية، وما من ريب في أن الحركة الصوفية، التي ظهرت بمصر في القرن الثالث، وعلى رأسها ذو النون المصري الإخميمي، كانت تتأثر تأثرًا مباشرًا بما بقى من هذه الجامعة، وخاصة إذا عرفنا أن أول انبعاث لهذه الحركة، كان في الإسكندرية عام ٢٠٠هـ٥، وأيضًا فهم يقولون: إن ذا النون المصري، كان عالمًا في الكيمياء، وقد ردوا كثيرًا من آرائه إلى مذهب الأفلاطونية الحديثة، وكما تأثر التصوف بالأفلاطونية، والغنوسطية الإسكندرية تأثر كذلك التشيع بهما في العصر الفاطمي، ولعله من أجل ذلك، كان الفاطميون يدعون إلى التثقف بالثقافة الفلسفية،

стр. 347

إذا كانت هذه الثقافةى فعلًا مؤثرة آثارًا عميقة في عقيدتهم الشيعية. وقد سارعت مصر بعد إسلامها إلى العناية بالدراسات الدينية، من تفسير وحديث، وفقه وقراءات، كما سارعت إلى العناية بالعلوم اللغوية من نحو وعروض ولغة وأدب، فكان منها اللغويون والنحويون، كما كان منها الفقهاء والمحدثون والقراء، وأيضًا كان منها المؤرخون، الذين أرخوا لفتوحها، وكان جامع عمرو بن العاص هو الجامعة الكبرى، التي تدرس فيها العلوم الإسلامية، وهي دراسة كانت تنساق نحو تقليد بغداد في علمها، وما وصلت إليه في الدراسات المختلفة، ومصر من هذه الوجهة تشبه الأندلس تمام الشبه، فكما أن الأندلس قلدت المشرق في علومه الدينية واللغوية، أو قل بعبارة أدق أنها نقلت هذه العلوم منه، كذلك مصر فإنها اعتمدت على النقل أكثر مما اعتمدت على الابتكار، ولم يكن هذا شأنها فقط في العلوم الدينية واللغوية، بل كان شأنها أيضًا في حركتها الأدبية، فإنها كانت تصوغ نماذجها على مثال النماذج البغدادية، إذ كان الأدباء يعجبون في مختلف الأقاليم العربية بهذه النماذج، وهو إعجاب طبع أدبهم من شعر، ونثر بطابع أصيل من التقليد، وسنرى هذا الطابع يستمر في جميع ما أنتجت مصر، من نثر في أثناء عصورها الوسيطة، ومن ثم لم تستطع أن ترفد مجرى النثر العربي العام بجدول جديد تتميز مياهه من مياه المجرى العام، فليس هناك مذهب جديد، وإنما الذي هناك دائًما هو التقليد، والمحاكاة على نحو ما رأينا في الأندلس، وكان ذلك سمة الأقاليم جميعًا، فهي تقرأ نماذج المشرق التي صنعت داخل مذاهب الصنعة، والتصنيع والتصنع، ثم تحاول أن تصوغ نماذج مشابهة لتلك التي تقرؤها، ذاهبة أحيانًا مذهب أهل الصنعة، وأحيانًا أخرى مذهب أهل التصنيع، أو التصنع في غير نسق ولا نظام مطرد، وإن الإنسان ليعجب إذ يرى هذه المذاهب، التي صنعها المشرق تكتسح أمامها جميع الحدود القومية في الأقاليم العريبة، دون أن يعترضها حاجز، أو يقف أمامها عائق، ومن العبث حقًا أن نبحث عن مذهب جديد يحدثه أي إقليم، وكأنما ضاقت أبواب التجديد أمام الأدباء، فهم يولون وجوههم دائمًا شطر بغداد يتعبدون أمثلتها، ويحتذون على ما أخرجته من نماذج في الشعر والنثر.

стр. 348

٣- النثر المصري: إذا أخذنا نبحث عن وثائق الكتابة الأدبية في مصر في أثناء الفترة الأولى، ونقصد فترة الولاة من عمرو بن العاص إلى أحمد بن طولون، لم نكد نتبين شيئًا واضحًا، وليس معنى ذلك أنه لم يكن في مصر كتابة ولا كتاب، فالمقريزي يقول: "لما كانت مصر إمارة كان بها ديوان البريد، ويقال لمتوليه: صاحب البريد.. وهو الذي يطالع بأخبار مصر، كما كان لبعض أمراء مصر كتاب ينشئون عنهم الكتب والرسائل"١. وبجانب ديوان البريد الذي يشير إليه المقريزي كان بمصر ديوان للخراج، وكانوا يكتبون فيه أولًا باليونانية، ثم كتبوا فيه منذ عهد عبد الملك أو ابنه الوليد بالعربية، ومن يستعرض ما جاء في كتاب الوزراء والكتاب للجهيشاري، عن دواوين مصر وكتابها في العصر الأموي، وأوئل العصر العباسي يلاحظ أن الكتاب الرسميين، الذي يتصلون بديوان البريد، وديوان الخراج كانوا غالبًا من غير المصريين، فهو يروي أن عبد العزيز بن مروان والي مصر، كان يكتب له يناس بن خمايا من أهل الرها٢، كما يروي أن سليمان بن عبد الملك، ولي رجلا من موالي معاوية الخراج بمصر٣. هذا في العصر الأموي، أما في العصر العباسي، فيروي الجهشياري أن هارون الرشيد ولى على مصر عمر بن مهران كاتب الخيزران، فأخذ معه رجلًا استكتبه على الديوان٤، وكذلك يروي أن الخصيب استكتب جابر بن داود جد البلاذري

стр. 349

المؤرخ المشهور١، وهو فارسي الأصل، ولما ولي عبد الله بن طاهر مصر في عصر المأمون، اصطحب معه إسحاق بن أبي ربعي ليكون كاتبه، وفيه يقول بعض الشعراء٢: أرى كاتبًا جاه الكتابة بين ... عليه وتأديب العراق منير له حركات قد تشاهد أنه ... عليم بتقسيط الخراج بصير وقد سقنا ذلك لندل على أن مصر لم تستفد كثيرًا في عهد الولاة، من حيث النشاط الأدبي في باب الكتابة الرسمية، إذ كانت تستورد دواوينها من الخارج، ومن أجل ذلك لم يكن لها نشاط واضح في هذا الجانب، إلا ما رواه المقريزي من أنه كان لبعض أمرائها كتاب، ينشئون عنهم بعض الرسائل، ومن هؤلاء الكتاب عبد الله بن صالح، كاتب الليث بن سعد٣، ولعل مما يتصل بذلك ما يقال: من أنه كان لعبد الحميد الكاتب عقب يسكنون مصر، منذ قتل في موقعة الزاب، وكانوا يكتبون لأمرائها٤، على أنه ليس عندنا نصوص لهذه الطائفة من كتاب الأمراء، ولا للطائفة الأخرى من كتاب الولاة، ومن ثم كنا لا نبعد إذا قلنا: إن مصر لم تستولها صورة واضحة من الكتابة الفنية في عصر الولاة، غير أننا لا نصل إلى عصر ابن طولون، الذي استقل بها، وأسس فيها دولة كان لها شأن مهم في القرن الثالث للهجرة، حتى نجد مصر تبدأ عصرًا جديدًا في تاريخ النثر الأدبي، وذلك لسبب بسيط، وهو أن ابن طولون اتخذ لنفسه ديوان رسائل، وبذلك وجدت الوسيلة لنشوء حركة أدبية، تماثل ما نشأن في دمشق، وبغداد حول دواوين الرسائل، يقول صاحب صبح الأعشى: "لم يكن لديوان الإنشاء بالديار المصرية في مدة نواب الخلفاء، صرف عناية تقاصرًا عن التشبه بديوان الخلافة، إذ كانت الخلافة يومئذ في غاية العز ورفعة السلطان، ونيابة مصر بل سائل النيابات مضمحلة في جانبها، والولايات الصادرة

стр. 350

عن النواب في نياياتهم متصاغرة متضائلة بالنسبة إلى ما يصدر من أبواب الخلافة من الولايات، فلذلك لم يقع مما كتب منها ما تتوافر الدواعي على نقله، وتنصرف الهمم لتدوينه، مع تطاول الأيام وتوالي الليالي ... ولما أخذ أحمد بن طولون في تدبير الملك، وإقامة السلطنة بالديار المصرية، وشمخ بها سلطانه، وارتفع بها شأنه، أخذ في ترتيب ديوان الإنشاء "ديون الرسائل" لما يحتاج إليه في المكاتبات والولايات، فاستكتب ابن عبد كان، فأقام منار ديوان الإنشاء ورفع مقداره"١، ولم يكتف ابن طولون بابن عبد كان، فقد جاء بجماعة من كتاب العراق تعاونه مثل أبي عبد الله الواسطي٢، ويعقوب بن إسحاق٣، وأحمد بن أيمن، وكان يكتب في حداثته للعباس بن خالد البرمكي٤، وضم إلى هؤلاء الكتاب آخرين من كتاب مصر، وعلى رأسهم الحسن بن محمد بن أبي المهاجر، وإخوته علي وأبو القاسم وأبو عيسى، وكلهم من عقب عبد الحميد الكاتب٥. وبذلك كله نهض ابن طولون بديوان الرسائل في مصر نهضة عظيمة، وهي نهضة جعلت بعض كتاب العراق، يهاجر إلى مصر طلبًا للتوظف في هذا الديوان، على نحو ما يحدثنا ياقوت عن إسحاق بن نصير٦ الكاتب البغدادي، فقد قدم على ابن عبد كان رئيس الديوان، والتمس منه التصرف ولم يزل معه إلا أن توفي، فاستخلفه مكانه خمارويه، وأجرى عليه أربعمائة دينار في الشهر، ثم رفعها إلى ألف دينار٧، ويذهب عصر الطولونيين، وتدخل مصر مرة أخرى في عصرة الولاة، فيضعف بها ديوان الإنشاء، ويستمر على ضعفه في عصر الإخشيديين، إذ لا نجد لمصر -على عهدهم- كاتبا مشهورًا يمكن أن نقرنه إلى ابن عبد، كان الذي كان يباهي به ابن طولون كُتَّاب بغداد

стр. 351

والعراق، ونحن نقف عند هذا الكاتب وقفة قصيرة، لنطلع على ما كانت تخرجه مصر في عهده من نماذج الكتابة الفنية. ابن عبد كان: هو، أحمد بن محمد بن مودود١، وقد نال شهرة واسعة في عصره وبعد عصره، ولكن كتاب التراجم لم يهتموا به، وأغلب الظن أن ابن طولون اصطحبه معه من بغداد، فاسمه يدل على أنه فارسي، إذ الألف والنون تأتي في الفارسية القديمة للنسبة، بينما تأتي الكاف للتصغير، وإذًا فعبد كان تقابل في العربية عبيدي، وقد أحضره ابن طولون إلى مصر وبقي به حتى وفاته، ويظهر أنه توفي بعد سيده، إذ تتفق المصادر القديمة، على أن إسحاق بن نصير تولى ديوان الرسائل من بعده لخمارويه بن أحمد بن طولون٢، وعرف ابن عبد كان بجودة أدبه وفنه، قال صاحب الفهرست: "كان بليغًا مترسلًا فصيحًا، وله ديوان رسائل كبير"٣، ويقول ياقوت: "كان بليغًا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن عبد كان على المكاتبات، والرسائل منذ أيام أحمد بن طولون، ومكاتباته وأجوبته موجودة"٤، وقد أشاد به صاحب صبح الأعشى في غير موضع من كتابه، ومما قال فيه: إن أهل بغداد كانوا يحسدون أهل مصر على طبطب المحرر وابن عبد كان، ويقولون: "بمصر كاتب ومحرر ليس لأمير المؤمنين بمدينة السلام مثلهما"٥. ومر بنا في غير هذا الموضع أن الصاحب بن عباد، سأل رجلًا من أهل الشام: رسائل من تقرأ عندكم؟ فقال: رسائل ابن عبد كان، قالي: ومن؟ قال: رسائل الصابي، وفي اقتران ابن عبد كان، وهو من كتاب القرن الثالث، بالصابي، وهو من كتاب القرن الرابع قرن

стр. 352

التصنيع ما يجعلنا نقف -من بعض الوجوه- على مبلغ مكانته الأدبية، على أن للمسألة وجهًا آخر، وهو أن الناس في النصف الثاني من القرن الرابع، كانوا يعتدون بابن عبد كان، ورسائله مع أننا نعرف أنهم لم يكونوا لغير السجع والبديع في تلك العصور، وفي ذلك ما يجعلنا نحسن شيئًا من الصلة بين آثار ابن عبد كان، وآثار أصحاب التصنيع من أمثال الصابي، والمسألة لا تحتاج كل هذا الاستنتاج، فإن من يرجع إلى رسالته، التي كتبها عن ابن طولون إلى ابنه العباس، وكان قد شغب عليه بالإسكندرية أثناء رحلة له بالشام، وهي الرسالة التي احتفظت له به المصادر القديمة، يجده فيها يعني بالسجع عناية شديدة، وحقًا قد يتخفف منه، ولكنه يلتزمه في أكثر جوانب الرسالة، مما يجعلنا نؤمن بأنه كان يعتمد عليه اعتمادًا دقيقًا في صنع رسائله، وانظر إليه كيف يستهل تلك الرسالة١: "من أحمد بن طولون، مولى أمير المؤمنين إلى الظالم لنفسه، العاصي لربه، الملم بذنبه، المفسد لكسبه، العادي لطوره، الجاهل لقدره، الناكص على عقبه، المركوس في فتنته، المبخوس من حظ دنيا وآخرته، سلام على كل منيب ومستجيب، نائب من قريب، قبل الأخذ بالكظم، وحلول الفوت والندم.. أما بعد فإن مثلك مثل البقرة تثير المدية بقرنيها، والنحلة يكون حتفها في جناحيها، وسلتعم هبلتك الهوابل -أيها الأحمق الجاهل، الذي ثنى على الغي عطفه، واغتر بضجاج المواكب خلفه- أي مورد هلكة بإذن الله، توردت إذ على الله تمردت وشردت، فإن ﵎ قد ضرب لك في كتابه مثلًا: ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ، وإنا كنا نقربك إلينا، وننسبك إلى بيوتنا، طمعًا في إنابتك، وتأميلًا لفيئك، فلما طال في الغي انهماكك، وفي غمرة الجهل ارتباكك، ولم نر الموعظة تلين

стр. 353

كبدك، ولا التذكير يقيم أودك، لم تكن لهذه النسبة أهلًا، ولا لإضافتك إلينا موضعًا ومحلًا.. واعلم أن البلاء -بإذن الله- قد أظلك، والمكروه -إن شاء الله - قد أحاط بك، والعساكر -بحمد الله- قد أتتك كالسيل في الليل، تؤذنك بحرب وويل، فإنا نقسم، ونرجو أن لا نجور ونظلم، أن لا نثني عنك عنانًا، ولا نؤثر على شأنك شأنًا، فلا تتوقل ذروة جبل، ولا تلج بطن واد إلا تبعناك بحول الله وقوته فيهما، وطلبناك حيث أممت منهما، منفقين فيك كل ما خطير، ومستصغرين بسببك كل خطب جليل، حتى تستمر من طعم العيش ما استحليت، وتستدفع من البلايا ما استدعيت، حين لا دافع بحول الله عنك، ولا مزحزح لنا عن ساحتك، وتعرف من قدر الرخاء ما جهلت، وتود أنك هبلت، ولم تكن بالمعصية عجلت، ولا رأي من أضلك من غواتك قبلت، فحينئذ يتفرى لك الليل عن صبحه، ويسفر لك الحق عن محضه، فتنظر بعينين لا غشاوة عليهما، وتسمع بأذنين لا وقر فيهما، وتعلم أنك كنت متمسكًا بحبائل غرور، متماديًا في مقابح أمور، من عقوق لا ينام طالبه، وبغي لا ينجو هاربه، وغدر لا ينتعش صريعه، وكفران لا يودى قتيله، وتقف على سوء رويتك، وعظم جريرتك، في تركك قبول الأمان إذ هو لك مبذول، وأنت عليه محمول، وإن السيف عنك مغمود، وباب التوبة إليك مفتوح، وتتلهف والتلهف غير نافعك، إلا أن تكون أجبت إليه مسرعًا، وانقدت إليه منتصحًا". وأنت ترى ابن عبد كان في هذه القطعة، يعني بموازنة عباراته موازنة تخرج به إلى السجع، فإن تركه فإلى الازدواج، وهذا يدل على أنه كانت تتأصل عنده رغبة في إحكام عباراته، وتنسيقها تنسيقًا بديعًا، وهو تنسيق كان يعتمد دائمًا على الملاءمات الصوتية، وكأنما كان أساس الكابة الفنية في رأي ابن عبد كان، هو الموسيقي وإحسانها، وقد طبعت هذه الموسيقى أسلوبه بطابع خاص من الترادف، حتى يلاحم بين أصواته من جهة، وحتى يحدث ما يريد من سجع وازدواج من جهة أخرى، وليس ذلك كل ما يميز صناعة ابن عبد كان، فهناك

стр. 354

جانب تظهر بعض شياته في تلك القطعة، وهو جانب التصوير، والحق أن ابن عبد كان من أهم الكتاب الذين ظهروا في القرن الثالث لا في مصر وحدها، بل أيضًا في بغداد نفسها، وهو حقًا ليس مصريًا وإنها هو بغدادي، ولكن مصر هي التي ظفرت به، وقد استطاع أن يحقق لها كثيرًا من أحلامها في منافستها لبغداد على عهد ابن طولون، وليس كل ما يذكر لابن عبد كان في هذا الباب هو صورة كتابته، وما بها من فن وجمال، بل إن هناك وجهًا آخر لعمله، وهو أنه وضع الكتاب في مصر رسوم الكتب، وبماذا تنتهي وكيف تعنون١. على أنه ينبغي أن نلاحظ أن ظهوره بمصر كان طفرة، وربما كان اعتباره تتميما لحلقة بغدادية أدق من اعتباره ابتداء لحلقة مصرية، فإن مصر تراجعت بعده، فلم تستطع أن تخرج كاتبًا ممتازًا في عصر الولاة بعد الطولونيين ولا في عصر الإخشيديين، وكأنها أبقت الكاتب الممتاز لعصر الفاطميين.

стр. 355

٤- الفاطميون، ونهضة النثر المصري: ما نكاد نشرف على النصف الثاني من القرن الرابع، حتى تبدأ مصر صفحة جديدة، وهي صفحة زاهية من جميع جوانبها السياسة، والاجتماعية والفنية، فقد دخلها الفاطميون فاتحين عام ٣٥٤هـ، وأسسوا فيها إمبراطورية عظيمة دانت لها شعوب أفريقيا الشمالية، وبلاد الشام والعرب وخطب باسمهم في العراق وبغداد نفسها١، وحتى بلوخستان كانت تخضع لهم، فابن حوقل يقول: إن أهلها كانوا يرسلون للخليفة الفاطمي بأموال، وذخائر كثيرة٢، ويقول ناصر خسرو الذي زار مصر عام ٤٣٩ للهجرة: إنه رأى بالقاهرة طائفة من أبناء الملوك والأمراء
следующие страницы →