والعراق، ونحن نقف عند هذا الكاتب وقفة قصيرة، لنطلع على ما كانت تخرجه مصر في عهده من نماذج الكتابة الفنية.
ابن عبد كان:
هو، أحمد بن محمد بن مودود١، وقد نال شهرة واسعة في عصره وبعد عصره، ولكن كتاب التراجم لم يهتموا به، وأغلب الظن أن ابن طولون اصطحبه معه من بغداد، فاسمه يدل على أنه فارسي، إذ الألف والنون تأتي في الفارسية القديمة للنسبة، بينما تأتي الكاف للتصغير، وإذًا فعبد كان تقابل في العربية عبيدي، وقد أحضره ابن طولون إلى مصر وبقي به حتى وفاته، ويظهر أنه توفي بعد سيده، إذ تتفق المصادر القديمة، على أن إسحاق بن نصير تولى ديوان الرسائل من بعده لخمارويه بن أحمد بن طولون٢، وعرف ابن عبد كان بجودة أدبه وفنه، قال صاحب الفهرست: "كان بليغًا مترسلًا فصيحًا، وله ديوان رسائل كبير"٣، ويقول ياقوت: "كان بليغًا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن عبد كان على المكاتبات، والرسائل منذ أيام أحمد بن طولون، ومكاتباته وأجوبته موجودة"٤، وقد أشاد به صاحب صبح الأعشى في غير موضع من كتابه، ومما قال فيه: إن أهل بغداد كانوا يحسدون أهل مصر على طبطب المحرر وابن عبد كان، ويقولون: "بمصر كاتب ومحرر ليس لأمير المؤمنين بمدينة السلام مثلهما"٥. ومر بنا في غير هذا الموضع أن الصاحب بن عباد، سأل رجلًا من أهل الشام: رسائل من تقرأ عندكم؟ فقال: رسائل ابن عبد كان، قالي: ومن؟ قال: رسائل الصابي، وفي اقتران ابن عبد كان، وهو من كتاب القرن الثالث، بالصابي، وهو من كتاب القرن الرابع قرن
стр. 352
التصنيع ما يجعلنا نقف -من بعض الوجوه- على مبلغ مكانته الأدبية، على أن للمسألة وجهًا آخر، وهو أن الناس في النصف الثاني من القرن الرابع، كانوا يعتدون بابن عبد كان، ورسائله مع أننا نعرف أنهم لم يكونوا لغير السجع والبديع في تلك العصور، وفي ذلك ما يجعلنا نحسن شيئًا من الصلة بين آثار ابن عبد كان، وآثار أصحاب التصنيع من أمثال الصابي، والمسألة لا تحتاج كل هذا الاستنتاج، فإن من يرجع إلى رسالته، التي كتبها عن ابن طولون إلى ابنه العباس، وكان قد شغب عليه بالإسكندرية أثناء رحلة له بالشام، وهي الرسالة التي احتفظت له به المصادر القديمة، يجده فيها يعني بالسجع عناية شديدة، وحقًا قد يتخفف منه، ولكنه يلتزمه في أكثر جوانب الرسالة، مما يجعلنا نؤمن بأنه كان يعتمد عليه اعتمادًا دقيقًا في صنع رسائله، وانظر إليه كيف يستهل تلك الرسالة١:
"من أحمد بن طولون، مولى أمير المؤمنين إلى الظالم لنفسه، العاصي لربه، الملم بذنبه، المفسد لكسبه، العادي لطوره، الجاهل لقدره، الناكص على عقبه، المركوس في فتنته، المبخوس من حظ دنيا وآخرته، سلام على كل منيب ومستجيب، نائب من قريب، قبل الأخذ بالكظم، وحلول الفوت والندم.. أما بعد فإن مثلك مثل البقرة تثير المدية بقرنيها، والنحلة يكون حتفها في جناحيها، وسلتعم هبلتك الهوابل -أيها الأحمق الجاهل، الذي ثنى على الغي عطفه، واغتر بضجاج المواكب خلفه- أي مورد هلكة بإذن الله، توردت إذ على الله تمردت وشردت، فإن ﵎ قد ضرب لك في كتابه مثلًا: ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ، وإنا كنا نقربك إلينا، وننسبك إلى بيوتنا، طمعًا في إنابتك، وتأميلًا لفيئك، فلما طال في الغي انهماكك، وفي غمرة الجهل ارتباكك، ولم نر الموعظة تلين
стр. 353
كبدك، ولا التذكير يقيم أودك، لم تكن لهذه النسبة أهلًا، ولا لإضافتك إلينا موضعًا ومحلًا.. واعلم أن البلاء -بإذن الله- قد أظلك، والمكروه -إن شاء الله - قد أحاط بك، والعساكر -بحمد الله- قد أتتك كالسيل في الليل، تؤذنك بحرب وويل، فإنا نقسم، ونرجو أن لا نجور ونظلم، أن لا نثني عنك عنانًا، ولا نؤثر على شأنك شأنًا، فلا تتوقل ذروة جبل، ولا تلج بطن واد إلا تبعناك بحول الله وقوته فيهما، وطلبناك حيث أممت منهما، منفقين فيك كل ما خطير، ومستصغرين بسببك كل خطب جليل، حتى تستمر من طعم العيش ما استحليت، وتستدفع من البلايا ما استدعيت، حين لا دافع بحول الله عنك، ولا مزحزح لنا عن ساحتك، وتعرف من قدر الرخاء ما جهلت، وتود أنك هبلت، ولم تكن بالمعصية عجلت، ولا رأي من أضلك من غواتك قبلت، فحينئذ يتفرى لك الليل عن صبحه، ويسفر لك الحق عن محضه، فتنظر بعينين لا غشاوة عليهما، وتسمع بأذنين لا وقر فيهما، وتعلم أنك كنت متمسكًا بحبائل غرور، متماديًا في مقابح أمور، من عقوق لا ينام طالبه، وبغي لا ينجو هاربه، وغدر لا ينتعش صريعه، وكفران لا يودى قتيله، وتقف على سوء رويتك، وعظم جريرتك، في تركك قبول الأمان إذ هو لك مبذول، وأنت عليه محمول، وإن السيف عنك مغمود، وباب التوبة إليك مفتوح، وتتلهف والتلهف غير نافعك، إلا أن تكون أجبت إليه مسرعًا، وانقدت إليه منتصحًا".
وأنت ترى ابن عبد كان في هذه القطعة، يعني بموازنة عباراته موازنة تخرج به إلى السجع، فإن تركه فإلى الازدواج، وهذا يدل على أنه كانت تتأصل عنده رغبة في إحكام عباراته، وتنسيقها تنسيقًا بديعًا، وهو تنسيق كان يعتمد دائمًا على الملاءمات الصوتية، وكأنما كان أساس الكابة الفنية في رأي ابن عبد كان، هو الموسيقي وإحسانها، وقد طبعت هذه الموسيقى أسلوبه بطابع خاص من الترادف، حتى يلاحم بين أصواته من جهة، وحتى يحدث ما يريد من سجع وازدواج من جهة أخرى، وليس ذلك كل ما يميز صناعة ابن عبد كان، فهناك
стр. 354
جانب تظهر بعض شياته في تلك القطعة، وهو جانب التصوير، والحق أن ابن عبد كان من أهم الكتاب الذين ظهروا في القرن الثالث لا في مصر وحدها، بل أيضًا في بغداد نفسها، وهو حقًا ليس مصريًا وإنها هو بغدادي، ولكن مصر هي التي ظفرت به، وقد استطاع أن يحقق لها كثيرًا من أحلامها في منافستها لبغداد على عهد ابن طولون، وليس كل ما يذكر لابن عبد كان في هذا الباب هو صورة كتابته، وما بها من فن وجمال، بل إن هناك وجهًا آخر لعمله، وهو أنه وضع الكتاب في مصر رسوم الكتب، وبماذا تنتهي وكيف تعنون١. على أنه ينبغي أن نلاحظ أن ظهوره بمصر كان طفرة، وربما كان اعتباره تتميما لحلقة بغدادية أدق من اعتباره ابتداء لحلقة مصرية، فإن مصر تراجعت بعده، فلم تستطع أن تخرج كاتبًا ممتازًا في عصر الولاة بعد الطولونيين ولا في عصر الإخشيديين، وكأنها أبقت الكاتب الممتاز لعصر الفاطميين.
стр. 355
٤- الفاطميون، ونهضة النثر المصري:
ما نكاد نشرف على النصف الثاني من القرن الرابع، حتى تبدأ مصر صفحة جديدة، وهي صفحة زاهية من جميع جوانبها السياسة، والاجتماعية والفنية، فقد دخلها الفاطميون فاتحين عام ٣٥٤هـ، وأسسوا فيها إمبراطورية عظيمة دانت لها شعوب أفريقيا الشمالية، وبلاد الشام والعرب وخطب باسمهم في العراق وبغداد نفسها١، وحتى بلوخستان كانت تخضع لهم، فابن حوقل يقول: إن أهلها كانوا يرسلون للخليفة الفاطمي بأموال، وذخائر كثيرة٢، ويقول ناصر خسرو الذي زار مصر عام ٤٣٩ للهجرة: إنه رأى بالقاهرة طائفة من أبناء الملوك والأمراء
стр. 356
الذين جاءوا من أطراف العالم مثل أبناء ملوك جورجيا، وملوك الديلم، وأبناء خاقان تركستان١، وأكبر الظن أن هؤلاء الأبناء، كانوا بعوثًا لبلادهم تريد أن تنهل من منابع الثقافة الشيعية بمصر، وكل ذلك يؤكد عظم المكانة التي احتلتها مصر في العصر الفاطمي، وهي مكانة أهل لها نظام الدعاة الذي أقاموه، فقد كان لهم دعاة منبثون في كل صقع، وفي كل ناحية يدعون لهم، يقول المعز في كتابه أرسله إلى أحد قواد القرامطة: "ما من جزيرة في الأرض، ولا إقليم إلا ولنا فيه حجج ودعاة يدعون إلينا: يدلون علينا، ويأخذون بيعتنا، ويذكرون رجعتنا، وينشرون علمنا، وينذرون بأسنا، ويبشرون بأيامنا، بتصاريف اللغات، واختلاف الألسن"٢.
استطاع الفاطميون أن يرتفعوا بالقاهرة في عصرهم إلى مرتبة لا تقل عن مرتبة بغداد في أيام مجدها الأولى، فقد بنوا فيها القصور الفخمة، والمساجد الضخمة وزركشوا هذه القصور، والمساجد بضروب مختلفة من الزخرف لا نبعد إذا قلنا: إنها كانت منتزعة من حياتهم، التي كانت تقوم على التأنق، وهو تأنق ساعد عليه ثراء مصر، الذي يبالغ المؤخون في وصفه، ولعل مما يدل عليه من بعض الوجوه، ما يقوله ابن ميسر من أن خراج دمياط، وتنيس والأشمونين كان يزيد على مائتي ألف دينار في العام٣، ويقول ناصر خسرو: إنه رأى بالقاهرة رباطًا يحصل منه كل شهر ألف دينار، وأن بالقاهرة مائتي رباط أكبر منه أو مثله٤، ويظهر أن هذا الثراء كان يعم الشعب وخلفاءه ووزراءه، يقول ناصر خسرو: "رأيت في مدينة مصر نصرانيًا من سراتها قيل: أن مراكبه وأمواله وأملاكه لا يمكن أن تعد، محدث في سنه ما إن كان النيل ناقصًا وكانت الغلة عزيزة، فأرسل الوزير إلى هذا النصراني، وقال: ليست السنة رخاء،
стр. 357
والسلطان مشفق على الرعية، فأعط ما استطعت من الغلة إما نقدًا وإما قرضًا، قال النصراني: أسعد الله السلطان الوزير، إن لدي من الغلة ما يمكنني من إطعام أهل مصر الخبزست سنوات، وكل ما يستطيع الحكم يدرك، كم ينبغي أن يكون لهذا الثري لتبلغ غلته هذا المقدار، وأي سلام كانت فيه الرعية، وأي عدل كان للسلطان بحيث يكون شعور الناس، وأموالهم بهذا القدر"١.
ويتكلم ناصر خسرو عن قصر الخليفة، فيقول: إن قصره به نحو ثلاثين ألفًا من الخدم والجواري، وإنه رأى يوم فتح الخليج -وكان أحد الأعياد في العصر الفاطمي- سرادقًا نصب للسلطان على رأس الخليج، وكان هذا السرادق من الديباج الرومي، موشي كله بالذهب، ومكلل بالجوهر، وهو من الكبر بحيث يتسع ظله لمائة فارس، وأمام هذا السرادق خيمة من أبي قلمون، وسرادق آخر كبير، ويسير في ركاب السلطان عشرة آلاف فارس، على خيولهم سروج مذهبه، وأطواق وألجمة مرصعة، وجميع لبد السروج من الديباج الرومي، وأبي قلمون، وكذلك كانت تسير إبل كثيرة عليها هوادج مزينة، وبغال عمارياتها "هوادجها" مرصعة بالذهب، والجوهر وموشاة باللؤلؤ٢، ويستطرد ناصر خسروا إلى وصف مائدة رآها للمستنصر يوم العيد فيقول: إنه رأى في هذه المائدة شجرة أعدت للزينة تشبه شجرة الترنج، كل غصونها وأوراقها، وثمارها مصنوعة من السكر، ومن تحتها ألف صورة وتمثال مصنوعة كلها من السكر أيضًا٣، ومن يرجع إلى ما روي عن ثورة الأتراك في عصر المستنصر، أثناء المجاعة العامة بمصر يرى مبلغ ما كان في دور الفاطميين من بذخ، وترف يقصر عنهما الوصف، فقد هجم الأتراك في ثورتهم على قصر المستنصر، ونهبوا ما فيه من مجاميع التحف والطرف وباعوه بأبخس الأثمان، فمن ذلك سبحة من الأحجار الكريمة، قومت بثمانين ألف دينار، وصندوق من الجوهر قوم بثلاثمائة ألف دينار، وأربع عشرة كيلة من
стр. 358
الجواهر، وكثير من أواني الذهب والفضة، وأربعمائة صندوق من القطع الذهبية، وحصيرة منسوجة بالذهب زنتها ثمانية عشر رطلًا وشطرنج رقعته، من الحرير، وقطعة من الذهب والفضة والعاج والأبنوس المحلي بالأحجار الكريمة، وطاووس من الذهب رصع بالجواهر، وكانت عيناه ياقوتتين وريشه من الزجاج المموه بالذهب، وديك من الذهب مرصع باللؤلؤ، ومنضدة قوائمها من العقيق ... ومضرب للخليفة الظاهر كان منسوجًا بالذهب، ومضرب آخر للوزير اليازوري كلفه ثلاثين ألف دينار، إذ اشتغل في صنعه مائة وخمسون فنانًا مدة تسع سنوات، وما لا يحصى من الطيب والعطور والثياب١، وبجانب ذلك نجد المقريزي، يقول: إن بنتًا للمعز تركت بعد موتها ألف ألف دينار وسبعمائة ألف٢، ويقول صاحب النجوم الزاهرة: إن ابنة للحاكم تركت نيفًا وثمانين زيرًا صينيًا مملوءة مسكًا، ووجد لها جوهر نفيس من جملته قطعة ياقوت زنتها عشرة مثاقيل، وكان إقطاعها في السنة خمسين ألف دينار٣، وإذا تركنا قصر الخلفاء إلى الوزراء، وجدنا ابن منجب يقول: إن إقطاع يعقوب بن كلس أول وزرائهم، كان مائة ألف دينار في العام، وقد خلف بعد موته من الجواهر ما قيمته أربعمائة ألف دينار، ومن البز "الثياب والسلاح" ما قيمته خمسمائة ألف دينار٤، وقد ترك الأفضل بن بدر الجمالي، الذي قتله الخليفة الآمر ستمائة ألف ألف دينار عينًا ومائتين وخمسين إردبًا دراهم نقد مصر وخمسة وسبعين ألف ثوب أطلس٥، وهذه كلها صور تشبه أن تكون أقاصيص، ولذلك اتهمها بعض الباحثين، ولكن اتهامه لا دليل عليه، فقد أجمع المؤرخون على صدقها وتوثيقها.
ونحن إنما سقنا هذا الوصف الطويل لثراء الفاطميين، لننفذ منه إلى أنهم أوتوا مادة كفيلة بإحداث نهضة واسعة في مصر سواء في عقلها، أو في أدبها وفنها.
стр. 359
أما من حيث العقل، وما يصل به من الحركات العلمية، فإن مصر شهدت في العصر الفاطمي نهضة علمية واسعة، إذ شجع الفاطميون على الدراسة والثقافة، وأكبر الدلالة على ذلك، أنهم عملوا على تأسيس أكبر جامعة في الشرق، وهي جامعة الأزهر، ذلك المسجد الذي بناه جوهر الصقلي، وسماه بالأزهر تيمنًا باسم فاطمة الزهراء، ويرجع الفضل في تحويل هذا المسجد إلى دار كبيرة للدرس، والتثقيف إلى وزير الفاطميين، الأول يعقوب بن كلس، فهو الذي حوله إلى جامعة تدرس فيها العلوم الدينية والمدنية١، وكان بيته يعتبر ناديًا "صالونًا" كبيرًا في عصره، فقد "رتب لنفسه مجلسًا في كل ليلة جمعة، يقرأ فيه مصنفاته على الناس، ويحضره القضاء، والفقهاء والقراء والنحاة ... وأصحاب الحديث، فإذا فرغ من مجلسه قام الشعراء ينشدونه المدائح، وكان في داره قوم يكتبون القرآن الكريم، وآخرون يكتبون كتب الحديث، والفقه، والأدب حتى الطب"٢، وتبع الوزارء يعقوب بن كلس، يعنون بتشجيع الحركة العلمية، وبني الحاكم دارًا عظيمة للكتب سماها دار العلم "وحمل إليها الكتب من خزائن القصور المعمورة، ودخل سائر الناس إليها يقرءون، وينسخون وأقيم لها خزانون وبوابون، ورتب فيها قوم يدرسون للناس العلوم"٣.
ولعل من الطريف أن الفاطميين -مع أنهم كانوا مقيدين بنحلة خاصة، فيها تحجر عقلي واسع- كانوا في الوقت نفسه يدعون لدراسة الفلسفة، والتعمق فيها، حتى ليقول المقريزي: "إن من جملة المعرفة عندهم أن الفلاسفة أنبياء حكمة الخاصة"٤، ولعل سبب دعوتهم إلى التفلسف، أنهم كانوا يؤولون الديانات والشرائع تأويلًا يؤدي إلى تبديلها، فاحتاجوا إلى اللسان الجدل المزود بالفسلفة حتى يحسن ذلك، ومهما يكن، فإن مصر ظفرت في العصر الفاطمي نهضة عليمة واسعة، ولعل مما يدل على ذلك ما رواه المقدسي، الذي رواها في أواخر
стр. 360
القرن الرابع للهجرة من أنه رأى في المسجد الجامع بها مائة مجلس وعشرة١، ويقول ناصر خسرو: إن من رآهم في مسجد الفسطاط، لا يقلون في أي وقت عن خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء، والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود٢.
وهذه النهضة العلمية كان يؤازرها نهضة أدبية واسعة أيضًا، فقد كان الفاطميون يرون من الضروري لدعوتهم أن يكون حولهم مجموعة نفيسة من الشعراء، والكتاب تنافح عن مذهبهم، وقد أتوا من المغرب، وفي ركابهم ابن هانئ الأندلسي يريدون أن يفخروا به، ويشعره على المشرق، كما قال المعز أول خلفائهم بمصر٣، وهو فخر لم يقفوا به عند ابن هانئ، فقد عرفوا كيف يذيعون في مصر نشاطًا واسعًا في الشعر، وصنعه بفضل جوائزهم ومكافآتهم، وقد خصص العماد الأصبهاني مجلدًا كبيرًا في خريدته، وصف فيه آثار الشعراء الفاطميين، وما كان من نماذجهم، وبإزاء هؤلاء الشعراء، وجدت طوائف من الكتاب الممتازين استخدمهم الفاطميون في دواوينهم، وعني الفاطميون بديوان الرسائل خاصة وسموها ديوان الإنشاء٤، وتكثر الإشارة في الكتب التاريخية، عمن كتبوا في هذا الديوان، وهناك نص طويل تتناقله هذه الكتب، يصف سلسل رؤساء الكتاب في ديوان الإنشاء الفاطمي، نجده في صبح الأعشى، وفي النجوم الزاهرة وحسن المحاضرة، وجاء في الكتاب الأول على هذ النحو: "لما ولي الفاطميون الديار المصرية صرفوا مزيد عنايتهم لديوان الإنشاء وكتابه، فارتفع بهم قدره، وشاع في الآفاق ذكره، وولي ديوان الإنشاء عنهم جماعة من أفاضل الكتاب وبلغائهم، ما بين مسلم وذمي، فكتب للعزيز بالله ابن المعز أبو المنصور ابن نسطوروس النصراني، ثم كتب بعده لابنه الحاكم، ومات في أيامه، فكتب للحاكم القاضي أبو الطاهر النهوكي، ثم كتب بعده لابنه الظاهر، وكتب للمستنصر القاضي ولي الدين بن خيران
стр. 361
ثم ولي الدولة موسى بن الحسن قبل انتقاله إلى الوزارة، وأبو سعيد العميدي، وكتب للآمر والحافظ الشيخ الأجل، أبو الحسن علي بن أبي أسامة الحلبي إلى أن توفي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، فكتب ولده الأجل أبو المكاروم إلى أن توفي في أيام الحافظ، وكان يكتب بين يديهما الشيخ الأمين تاج الرياسة، أبو القاسم علي بن سليمان بن منجب، المعروف بابن الصيرفي، والقاضي كافي الكفاة محمود بن القاضي، الموفق أسعد بن قادوس، وابن أبي الدم اليهودي، ثم كتب بعد الشيخ أبي المكارم بن أبي أسامة المتقدم ذكره، القاضي الموفق بن الحلال أيام الحافظ، وإلى آخر أيام العاضد، وبه تخرج القاضي الفاضل البيساني، ثم أشرك العاضد مع الموفق ابن الخلال في ديوان الإنشاء، القاضي جلال الملك محمودًا الأنصاري "وهو ابن قادوس السابق"، ثم كتب القاضي الفاضل بين يدي الموفق بن الخلال قرب وفاته في سنة ست وستين وخمسمائة في وزارة الملك الناصر، صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكتب في إنشائه عدة سجلات ومكاتبات عن العائد آخر خلفائهم"١، وهذا النص الطويل له طرافته من حيث، إنه يذكر أن الفاطميين لم يفرقوا بين مسلم، وذمي في وظائف ديوان الإنشاء، وما من ريب في أن ذلك يدل على أنهم، كانوا يطلبون لهذا الديوان من تفوق في تحبير الكلام، وصوغه دون تفريف بن من هو من دينهم، ومن هو من غير دينهم، ومن هو من نحلتهم، ومن هو من غير نحلتهم، فالبليغ التام يتولى هذا الديوان بغض النظر عن دينه ومذهبه، فالبلاغة هي مقياسه، وهي موضع تقديمه، ولعل مما يدل على مدى تقدير الفاطميين للكاتب الممتاز في تلك العهود، ما يرويه ياقوت عنهم من أنهم جعلوا راتب صاحب ديوان الإنشاء ثلاثة آلاف دينار في الشهر، غير رسوم يتناولها عن السجلات، والعهود وكتب التلقيدات٢، وبينما يروي ناصر خسرو، أن راتب قاضي القضاة كان ألف دينار فقط"٣.
على أنه ينبغي أن نلاحظ، أن النص الطويل السابق لكتاب دواوين الإنشاء
стр. 362
في العصر الفاطمي إنما عرض لرؤسائهم فقط، ومن يرجع إلى كتب التراجم ليبحث هؤلاء الرؤساء يجدها لا تهتم بهم في الغالب، وخاصة بالمتقدمين منهم، وكتب القلقشندي بتفصيل، وإسهاب عن دواوين الإنشاء في مصر، ومع ذلك لم يعرف تعريفًا واضحًا بهؤلاء الكتاب، وأيضًا فإنه لم يعن بحكاية آثارهم إذا نحن استثنينا قطعًا منثورة فيه عن ابن الصيرفي، وابن قادوس، والموفق ابن الخلال١، ومع ذلك فإن ما رواه عن هؤلاء الثلاثة، لا يفسر فنهم تفسيرًا كاملًا، وهل نستطيع أن نحكم برسائل عارضة على فن كاتب، إن لم تكن تلك الرسائل من أمهات رسائله، ويتصل بذلك أن هؤلاء الثلاثة جميعًا، إنما كانوا في أواخر العصر الفاطمي، فما شأن سابقيهم؟ وأي آثار تركوها؟ والحق أن المؤرخين خاصموا كتاب الفاطميين، ولم يصفوهم وصفًا واضحًا، بسبب ما كانت عليه دولتهم من تشيع، وكان ينبغي أن يفصل هؤلاء المؤرخون بين بغضم للفاطميين، وتشيعهم وبين تقديرهم لآثار من نشأوا في ظلال دواوينهم، وإن الإنسان ليعجب حقًا، إذ يرى نهضة الكتابة في العصر الفاطمي، لا تكاد تبين إلا من خلال السطور، ومن أجل ذلك لم يتبين مؤرخو الأدب مدى ما كان في هذا العصر من حركة أدبية مزدهرة! وإن من يقرأ في معجم الأدباء لياقوت، يجده يذكر أن ابن خيران، المتوفى عام ٤٣٢هـ، أرسل بمجموع رسائله إلى بغداد، ليعرض على الشريف المرتضى، كي يودعه في دار العلم هناك٢. ويذكر عن العميدي، الذي رأس ديوان الإنشاء بعد أن خيران أنه له كتابًا في تنقيح البلاغة يقع في عشر مجلدات، وأن له كتابًا يسمى الإرشاد إلى حل المنظوم والهداية إلى نظم المنثور، وكتابا آخر يسمى انتزاعات القرآن، وإن في هذين الكتابين، ما يدل على ميل العميد إلى نثر الشعر في رسائله، واقتباسه الكثير من القرآن الكريم، وهما صفتان استمرتا في النثر المصري من بعده، روى له ياقوت
стр. 363
شعرًا واضحًا فيه أثر الجناس١، ولسنا ندري هل كان يستخدمه في نثره أو لم يكن يستخدمه، لهذه السدود التي أقامها المؤرخون بينننا، وبين آثار العصر الفاطمي، وأيضًا ليس لدينا نصوص واضحة، عمن ولوا الديوان بعده في عصر المستنصر، فقد توفي العميد عام ٤٣٣هـ، وخلفه أبو الطاهر النهركي، وليس تحت أيدينا له رسائل نتعرف منها على فنه، إنما الذي تحت أيدينا حقًا هو مجموعة من رسائل كاتب آخر لعهد المستنصر، ولم يكن من رؤساء ديوان الإنشاء، ولكنه كان من كتابه الكثيرين، وهو ابن الشخباء المتوفى عام ٣٨٢ هـ، وربما كان أهم كاتب فاطمي احتفظت لنا المصادر بصورة واضحة من عمله، ونستمر بعد ابن الشخباء، فنلتقي بابن الصيرفي الذي خدم في الديوان من عام ٤٨٥هـ إلى عام ٥٣١هـ، ويقول ياقوت: إن له رسائل تزيد على أربع مجلدات، ولكن هذه المجلدات فقدت، وما بقي من نثره لا يصوره تصويرًا واضحًا، وكذلك الشأن في ابن قادوس، الذي خدم من بعده في ديوان الإنشاء على الرغم من أن القاضي الفاضل، كان يسميه صاحب البلاغتين، ولعل ما رواه صبح الأعشى عن الموفق بن الخلال، يفصح بعض الشيء عن فنه، ففي رسالة له تصنع واضح لاصطلاحات النحو، إذ يقول في بعض جوانبها٢:
"وراقب الله فيما ألقاه إليك، فقد فوض إليك مقاليد البسط والقبض، والرفع والخفض، والولاية والعزل، والقطع والوصل، والتولية والتصريف، والصرف والإمضاء والوقف، والغض والتنبيه، والإخمال والتنويه، والإعزاز والإذلال، والإساة والإجمال، والإبداء والإعادة، والنقص والزيادة، والإنعام والإرغام، وكل ما تحدثه تصاريف الأيام".
وإن مما لا شك فيه أن كتابة الرسائل بلغت في العصر الفاطمي مبلغًا عظيمًا من الرقي والاكتمال، بدت لها أوائل هذه العصر نزعة إلى السجع، فإن من يرجع إلى الكتاب، الذي كتبه المعز لأحد قواد القرامطة -وهو كتاب
стр. 364
طويل -يجد أكثره بني على السجع"١، وقد روى صاحب صبح الأعشى عن العزيز نزار كتابًا فيه سجع كثير٢، وإذا تركنا القرن الرابع إلى القرن الخامس، وجدنا صاحب النجوم الزاهرة يروي كتابًا صدر عن الخلافة الفاطمية، بني كله على السجع مع أنه طويل٣. ونستمر حتى نلتقي بابن الشخباء، ثم ابن الصيرفي، ثم ابن قادوس والموفق بن الخلال، وكل هؤلاء بنيت كتابتهم على السجع والتصنع فيه ضروبًا من التصنع، وربما كان ابن الشخباء كاتب عصر المستنصر خير من يعبر عن ازدهار النهضة الفنية للنثر الفاطمي، فقد بقيت لنا من أعماله طائفة صالحة تفسر طابع فنه، بل طابع عسره في الكتابة، ولذلك سنقف عنده وقفة قصيرة.
ابن أبي الشخباء:
هو، الحسن بن عبد الصمد بن أبي الشخباء العسقلاني "من البلغاء الأفراد، وأبهر نجوم تلك البلاد، طلوعًا من ثنايا الأدب، واجتناء لخبايا لسان العرب، فقد كاشف حقائقها، واستخرج دقائقها، وأحرز مسبوقها وسابقها، وكانت وفاته ﵀ مقتولًا بخزانة البنود -وهي سجن بمصر- سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة"٤، ويقول ياقوت: كان ابن الشخباء "يلقب بالمجيد ذي الفضيلتين "الشعر والنثر"، أحد البلغاء، الفصحاء، الشعراء، له رسائل مدونة مشهورة، قيل: إن القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني منها استمد، وبه اعتد ... كتب في ديوان الرسائل للمستنصر صاحب مصر؛ لأن في رسائله جوابات إلى البساسيري إلا أن أكثر رسائله إخوانيات، وما كتبه عن نفسه إلى أصدقائه ووزراء أمراء زمانه"٥، وذكره العماد الأصبهاني في الخريدة، فقال: "المجيد كنعته قادر على ابتداع الكلام
стр. 365
ونحته، له الخطب البديعة، والملح الصنعية"١، ويقول عنه ابن خلكان: "الشيخ المجيد أبو علي الحسين بن عبد الصمد بن الشخباء العسقلاني، صاحب الخطب المشهورة والرسائل المحبرة، كان في فرسان النثر، وله فيه اليد الطولى"، ويقال: "إن القاضي الفاضل ﵀ كان جل اعتماده على حفظ كلامه، وأنه كان يستحضر أكثره"٢. وواضح من هذه النصوص أن من كتبوا، عن ابن أبي الشخباء أشادوا ببلاغته، كما أشاروا إلى القاضي الفاضل، كان يحتذى على أمثلته، وينهل من معين صياغته، ولو بقيت رسائل إلى عصرنا لأمكن تتبع هذا الحكم، وبيان الصلة بين الأديبين الكبيرين: أديب العصر الفاطمي وأديب العصر الأيوبي، ولكن رسائله فقدت، ومع ذلك بقيت منها بقية في الذخيرة لابن بسام، ومعجم الأدباء لياقوت، وهي حقًا تؤكد الصلة بين عملي الرجلين، وانظر إلى ابن الشخباء يقول من رسالة، يهنئ فيها بهزيمة أتسز بن أوق الغزي الذي خرج في الشام، وقد كتب بها سنة تسع وستين وأربعمائة٣:
"قد ارتفع الخلاف بين الكافة أن الله ذخر للدولة الفاطمية -ثبت الله أركانها- من الحضرة العلية المنصورة الجيوشية -خلد الله سلطانها- من حمى سوادها، ونصر أعلامها، وضم نشرها، وحفظ سريرها ومنبرها، بعد أن كان الأعداء -الذين ارتضعوا در إنعامها، وتوسموا بشرف أيامها، فطردت يد الاصطناع إملاقهم، وأثقلت قلائد الإحسان أعناقهم -خفروا ذمم الولاء، وكفروا سوابغ الآلاء، ففجأتهم الحوادث من كل طريق، ونعب بهم غراب الشتات، والتفريق واستباحتهم يد الشدائد، وأتى الله بنيانهم من القواعد، ولم تزل النفوس منذ طرق "أتسز" اللعين هذه البلاد، وأنجم فيها أنجم الفساد، وتعدى حدود الله وكلماته، وتعرض لمساخطته، ونقماته، عالمة بأن إملاء الحضرة العلية -مد الله ظلها على الكافة-لم يكن عن استعمال رخصة في هذه الحال، ولا سكون إلى عوارض من الإغفال والإهمال، بل هو
стр. 366
أمر ركب فيه متن التدبير، وجرت بمثله المقادير، واتبع فيه قوله تعالى: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ ، في حين خدعته المطامع المردية، إلى الأعمال القاهرة، مؤملا انفصام عروة الله المتينة، وأفول ما توقد من شجرة مباركة زيتونة ... والله المحمود على منح من هذه النعمة، والمسئول أن يشد ببقاء الحضرة العلية قواعد الإسلام، ويسم بمحامدها أغفال الأيام، ويستخدم لها السيوف والأقلام، حتى لا يبقى على وجه الأرض مفحص قطاة، إلا وقد دوخها سنابك خيولها، ولا مسقط نواة إلا وقد ركزت فيه صدور رماحها ونصولها، فقد دفعت ... خطبًا جسيمًا، واستحلقت من السياسة أمرًا عقيمًا، وأعادت شمل الأمة ملمومًا نظيمًا، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وكان فضل الله عظيمًا".
وأنت ترى من هذه القطعة أن ابن الشخباء، يعنى بالتشخيص، والتصوير كما يعنى بالاقتباس من القرآن الكريم، وهذان عنصران أساسيان في فن القاضي الفاضل، وهو كما يعنى بذلك يعنى أيضًا بأن يضم كل لفظة إلى أختها، وكل صورة إلى شاكلتها، فإذا ذكر مفحص القطاة مثلًا ذكر السنابك والخيول، وإذا ذكر مسقط النواة ركز فيه الرماح والنصول، وسنرى القاضي الفاضل يبالغ في استخدام هذا العنصر من مراعاة النظير، وليس ذلك كل ما نجده عند ابن الشخباء من عنصر استمد منها القاضي الفاضل، فهناك عناصر أخرى، منها تصنعه لمصطلحات العلم، كقوله في مطلع رسالة لبعض الوزراء، وقد بلغه أن شخصًا هجاه عنده: "لو لم تقض الشريعة -أطال الله بقاء سيدنا- برفض المقالة، عارية من البرهان والدلالة، لكان ذلك في الغريزة راتًبا، وفي حكم العقول واجبًا"١، فقد تصنع هنا لذكر المقالة والبرهان، والواجب وحكم العقول والدلالة، وكل ذلك يسوقه في خفة تجعلنا لا نلحظه، ومن أمثلة ذلك أيضًا، أنه استهل رسالة للأفضل بن بدر الجمالي، بقوله: "خلد الله أيام الحضرة الأفضلية ما فضلت الأسماء حروفًا، وتقدمت واو العطف معطوفًا، ولزمت
стр. 367
الأفعال اشتقاقًا وتصريفًا"١، وكما كان ابن الشخباء يتصنع لمصطلحات العلم، كذلك كان يتصع للإتيان بجناس متكلف، شبيه بجناسات أصحاب التصنع، كقوله من رسالة إلى من يسمى صارم الدولة بن معروف٢:
"جاءته مناقب الحضرة العلية فتم بها مناقب تميم، وحكم لآل القعقاع أمر حكيم، ونصر لواء بني نصر، وأبدرت أهلة بني بدر، ونبه منبه هوازن، وظهرت مزينة ومازن، وضحك لعبس عابس الدهر، وراحت الكملة كاملة الفخر، وزادت مغايظ الأزد، وقشرت قشير عن بلوغ المجد، وأغمدت سيوف بني غامد، وصارت همدان كالجمر الهامد، ومذحج كالعنس مذللة، وحمير بالراية الحمراء متظللة، وطوت طيئ عملها استخذاء وغضت جفنة جفونها استيحاء، فحرس الله محاسن الحضرة السامية، التي جباه الأنام بها موسومة، وتمم نعمها التي هي بينها، وبين الناس مقسومة".
أرأيت إلى هذه المبالغة في استخدام الجناس، والاحتيال عليه بذكر هذه القبائل الكثيرة؟ وأكبر الظن أن القارئ، قد أحس هنا روح أصحاب التصنع، ولكن لا تظن أن ابن الشخباء، كان يعمم لك في رسائله، بل هو يظهر فيه من حين إلى حين، وهذه سنة الكتاب في الأقاليم المختلفة، فهم لا يستمرون عند مذهب معين من مذاهب المشرق، بل هم دائمًا يتقلبون بين المذاهب، والأذواق المختلفة، فبينما ترى الكاتب يكتب رسالة من ذوق أصحاب التصنع، إذا هو يكتب أخرى من ذوق أصحاب التصنيع، أو من ذوق أصحاب الصنعة، وهذا هو معنى ما نذهب إليه من أن الأقاليم العربية، لم تستحدث مذهبًا جديدًا في تاريخ الأدب العربي لا نثره ولا شعره، فقد وقفت عند صورة المذاهب الثلاثة من الصنعة، والتصنيع والتصنع، وكل ما أضافته إلى هذه المذاهب هو التنقل بينتها في غير نظام، وهذه الظاهرة كما تتصل بابن الشخباء، تتصل بجميع كتاب العصر الفاطمي المتأخر، فليس بينهم من استطاع أن يبتكر مذهبًا جديدًا أو طريقة جديدة إنما، دائمًا الجمود عند المذاهب المسبوقة، والطرق الموروثة.
стр. 368
ومهما يكن، فقد كان ابن الشخباء من كبار الكتاب في العصر الفاطمي، وهو من هذه الناحية يعتبر سجلًا طريفًا لتطور الكتابة في هذا العصر، فإن ما بقي من كتبه، ورسائله يدل على خطأ من يذهبون إلى أن القاضي الفاضل، هو أول كاتب كبير يظهر في مصر، ويبالغ بعض مؤرخي الأدب في ذلك، فينسبون إليه ما يسمى طريقة القاضي الفاضل، وحقًا إن القاضي الفاضل كان أكبر شخصية ظهرت في الكتابة بعد العصر الفاطمي، ولكن ينبغي أن لا نبالغ في ذلك مبالغة تؤدينا إلى أن نرى العصر الفاطمي بالتأخر في الكتابة، فإن القاضي الفاضل نفسه تخرج في هذا العصر، ولو لم يأت أسد الدين شيركوه، وابن أخيه صلاح الدين إلى مصر لكان القاضي الفاضل من كتاب العصر الفاطمي، بل لقد تم تكون القاضي الفاضل في هذا العصر نفسه، وكان من كتاب دواوينه، بل لقد كان يقلد تقليدًا في هذا العصر نفسه، وكان من كتاب دواوينه، بل لقد كان يقلد تقليدًا شديدًا آثار كتابه من أمثال ابن الشخباء وغيره، وسنرى أنه لا يكاد يأتي بجديد في استخدام العناصر الفنية، بالقياس إلى صناعة ابن الشخباء، إنما كل ما هنالك أنه اتسع بها ووسع طاقتها، واستطاع أن ينفذ بها إلى كل ما أراد من تجويد وتحبير.
стр. 369
٥- الأيوبيون، ونهضة النثر في عصرهم:
لا نكاد نتقدم في النصف الثاني من القرن السادس الهجري، حتى يقوم الخلاف العنيف بين شاور وضرغام وزيري العاضد، وسرعان ما تتأجج نيران الحروب بينهما، فيستعين شاور بنور الدين صاحب حلب، وهو أكبر شخصية حينئذ كانت تعني بحرب الصليبيين، ودفع موجاتهم إلى البحر المتوسط وما وراءه، وحدث أن ضرغامًا استعان بهم ضد خصمه، فخشي نور الدين أن يستولي الصليبيون على مصر، وأن يندفعوا منها إلى الاستيلاء على العالم العربي، لذلك أرسل إلى شاور بنجدة كبيرة، على رأسها أحد قواده، وهو أسد الدين
стр. 370
شيركوه، وجاء أسد الدين إلى مصر، ومعه ابن أخيه صلاح الدين، فهزم الصليبيين، ورد الأمر إلى شاور إلا أنه قتل، فحل محله أسد الدين في وزارة العاضد، ولكن الموت عاجله، حينئذ نرى صلاح الدين يتولى الوزارة مكان عمه، وينبهم الموقف فالخليفة شيعي، ووزيرها سني، وهو يتبعه من جهة، كما يتبع نور الدين من جهة أخرى، ويرسل نور الدين إلى صلاح الدين أن ينقل الخطبة في المسجد الجامع إلى الخليفة العباسي، ويقضي على نظام الحكم الشيعي، فيصدع صلاح الدين بالأمر، وينفذ مشيئة نور الدين، ثم تخدم الظروف صلاح الدين، فإذا نور الدين يتوفى بعد قليل، فيستقل هو بمصر، بل نراه يذهب إلى الشام، فيستولي على ممتلكات نور الدين، حتى يوحد العالم الإسلامي أمام الصليبيين، ويستمر فيستولي على أجزاء من الموصل، كما يستولي على بلاد العرب، ويؤسس في مصر دولة عظيمة هي الدولة الأيوبية، التي كان أصحابها يلقبون أنفسهم بالملوك.
كانت الدولة الأيوبية دولة سنية، لذلك أخذت تناهض التشيع الفاطمي، ومظاهره في مصر، واتخذت لذلك طريقة منظمة هي إنشاء المدارس، والمعاهد السنية، وقد بدأ صلاح الدين هذه الحركة، فأنشأ طائفة من المدارس كي يدعم الدعوة السنية، يقول ابن خلكان: "لما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية، لم يكن بها شيء من المدارس، فإن الدولة المصرية، كان مذهبها مذهب الإمامية، فلم يكونوا يقولون بهذه الأشياء، فعمل في القرافة الصغرى المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي ﵁، وبنى مدرسة بالقاهرة في جوار المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي ﵄، وجعل عليها وقفًا كبيرًا، وجعل دار سعيد السعداء خادم الفاطميين خانقاه، ووقف عليها وقفًا طويلًا، وجعل دار عباس المذكور في ترجمة الظافر العبيدي، والعادل ابن السلار مدرسة للحنفية، وعليها وقف جيد كبير أيضًا، والمدرسة التي بمصر المعروفة بزين التجار وقفًا على الشافعية، وقفها جيد أيضًا"١، وكما عني صلاح الدين بمحاربة التشيع في مصر، عني أيضًا بمحاربة التفلسف عناية
стр. 371
شديدة، يقول القاضي ابن شداد في سيرته: "كان مبغضًا لكتب الفلاسفة أرباب المنطق ومن يعاند الشريعة، ولما بلغه عن السهروردي ما بلغه أمر ولده الملك الظاهر بقتله"١، وأكبر الظن أن لصلاح الدين يدًا في ضعف الحركة الفلسفية بمصر منذ عصره، فقد تبعه العلماء يعنون بالدراسات الدينية، والتاريخية واللغوية، مهملين للدرسات الفلسفية، واستمر ذلك طوال العصر الأيوبي وعصر المماليك أيضًا، يقول بهاء الدين السبكي، وهو من علماء عصر المماليك: "إن أهل مصر صرفوا همهم إلى علوم اللغة، والنحو والفقه، والحديث وتفسير القرآن بخلاف أهل المشرق، الذين استوفوا هممهم الشامخة في تحصيل العلوم العقيلة والمنطق"٢، ومعنى ذلك أن مصر استمرت مطبوعة بالطابع، الذي كان أراده لها صلاح الدين، حتى عصر المماليك وبعد عصرهم أيضا، وكأنما إعجاب المصريين بصلاح الدين، وحروبه الصليبية جعلهم يقتدون بسيرته في حياته العقلية.
ومن يرجع إلى سيرة مدلوك الدولة الأيوبية بعد صلاح الدين، يجدهم يهتمون اهتمامًا بالغًا بالدراسات السنية، وخاصة دراسة الحديث، ومما يروى بصدد ذلك أن ابنه العزيز الذي خلفه على مصر، سمع الحديث من الحافظ السلفي، والفقيه أبي طاهر بن عوف الزهري، وأبي محمد بن بري النحوي وغيرهم٣، وكان عمه العادل الذي ولي مصر بعده معنيًا بأرباب السنة، صنف له فخر لدين الرازي كتاب تأسيس التقديس، وذكر اسمه في خطبته، وسيره إليه من بلاد خراسان٤، وكان الكامل ابنه يحب العلماء، والأماثل ويلقي عليهم المشكلات٥، وكان محبًا للحديث وأهله، حريصًا على حفظه ونقله، وللعلم عنده شرف، خرج له أبو القاسم بن الصفراوي أربعين حديثًا، وسمعها جماعة ويقولون: إن ابن بري وغيره أجازوا له رواية الحديث٦، وقد بنى مدرسة عرفت باسم دار الحديث الكاملية، وهي ثاني دارع عملت للحديث، أما أول
стр. 372
دار فهي الدار التي أسسها نور الدين بدمشق١، نستمر حتى نلتقي بالملك الصالح، نجم الدين أيوب فنراه يبني المدرسة الصالحية، وكانت تدرس فيها المذاهب الأربعة٢، وما من ريب أن في ذلك كله يدل عن أن الأيوبيين بعثوا في مصر اهتمامًا واسعًا بالدراسات الدينية.
وإذ تركنا الدرسات الدينية إلى الكتابة الأدبية، وجدنا الأيوبيين يجنون في عصرهم ثمار النهضة الفنية، التي رأيناها في العصر الفاطمي، وقد ظفروا فيما ظفروا من هذه الثمار بالقاضي الفاضل، أحد كتاب دواوين العصر الفاطمي، وقربه منه صلاح الدين، واتخذه وزيره وكاتبه، وكنا أبلغ كتاب عصره، فدفع الصعر الأيوبي كله من ورائه في دوائر نماذجه، وما أتاحه لهذه النماذج من صفات أدبيه، وأعانته في ذلك شخصية كبيرة أتت من المشرق، هي شخصية عماد الدين الأصبهاني، الذي نشأ بأصبهان، ثم قدم بغداد وتخرج في المدرسة النظامية، ولما تخرج فيها خدم الوزير، يحيى بن هبيرة ببغداد، ثم انتقل إلى دمشق وسلطانها يومئذ نور الدين، فألحقه بديوان الإنشاء، وتعرف أثناء ذلك بصلاح الدين، وقامت بينهما مودة وثيقة، ولما أنشأ نور الدين المدرسة النورية في دمشق أسندها إليه، واستمر في هذا العمل حتى توفي نور الدين، فانتقل إلى صلاح الدين وتعلق به، ومدحه كثيرًا كما مدح القاضي الفاضل، رجاء أن ينظمه في سلك سلطانه، وعمل القاضي الفاضل على ذلك، فقربه من صلاح الدين، وأصبح الكاتب الثاني في الدولة الصلاحية بعد القاضي الفاضل، وكان العماد أديبًا كبيرًا، وله ديوان شعر ورسائل كثيرة، كما أن له الكتاب المشهور: "الفيح القسي في الفتح القدسي"، يصف فيه فتح بيت المقدس على يد صلاح الدين، وأيضًا له الخريدة، وهو ينهج في كتاباته نهج أصحاب التصنع في عصره، وقد كان القاضي الفاضل يذهب غالبًا هذا المذهب مستنا في ذلك بكتاب العصر الفاطمي، وعلى رأسهم ابن الشخباء، فتآلف الكاتبان فنيًا كما تآلفا اجتماعيًا، ولعل مما يثبت عناية بالتصنيع ما يروى من أن
стр. 373
العماد لقي القاضي الفاضل يومًا وهو راكب على فرس، فقال له: سر فلا كبا بك الفرس، فقال له القاضي الفاضل توًّا: دام علا العماد١، وأكبر الظن أن القارئ لا يزال يذكر ما مر بنا عند الحريري، مما كان يسميه "ما لا يستحيل بالانعكاس"، وكان الحريري يأتي به ليدل على مقدرته البالغة، وها نحن الآن في مصر بعد الحريري بنحو نصف قرن، نقرأ في آثار مشاهير الكتاب، فإذا هم يتجهون نفس الوجهة من الإطراف بغرائب العبارات، وهو إطراف لا يأتي من المعنى، وإنما يأتي من الشكل الخارجي، إذ يستطيع الأديب أن يستخدم عقدة من عقد التعبير، وهو غالبًا لا يأتي بعقد جديدة، وإنما يستخدم بعض العقد السابقة، فإذا القاضي والعماد جميعًا يعمدان في جملتين إلى استخدام "ما لا يستحيل بالانكاس"، فيهما حتى يدلًا على مقدرتهما وبراعتهما، وأنهما يستطيعان أن يأتيا بعبارات تقرأ طردًا وعكسًا، والغريب أن العماد مع أنه جاء من المشرق موطن التصنع، لم يستطع أن يتفوق على القاضي الفاضل، الذي تخرج في ديوان الفاطميين، وهذا نفسه دليل واضح على أن هذا الديوان ارتقت فيه الكتابة في العصر المتأخر رقيًا، لا يقل عن رقيها في المشرق.
ومهما يكن فإن القاضي الفاضل كان أستاذ عصره غير منازع، وشهد له ابن خلكان بذلك، إذ وازن بين كتبه في فتح بيت المقدس وما كتبه العماد وغيره، فقال: "إنه رئيس هذا الفن، وإذا شرع في شيء من هذا الباب، لا يستطيع أحد أن يجاريه ولا يباريه"٢، ومن أجل ذلك سنقف عنده لنتبين نهضة الكتابة الفنية في العصر الأيوبي، وما امتازت به من خصائص أدبية، وهي خصائص استمرت تخضع لها الأجيال التالية خضوعًا شديدًا.
القاضي الفاضل:
هو، عبد الرحيم البيساني، ولد في عسقلان، فهو عسقلاني الأصل كابن الشخباء؛ وولي أبوه قضاه بيسان من قبل الفاطميين، فنسب هو إليها، ولما
стр. 374
شب أرسل إلى ديوان الإنشاء في القاهرة لتخرج فيه، فحضرر إلى مصر في عهد الحافظ١ "٥٢٤-٥٤٤هـ"، وتتلمذ على أشهر الكتاب، وكان الموفق ابن الخلال حينئذ رئيس ديوان الإنشاء، وكان معه ابن قادوس الأديب المشهور، فلزمهما، ويقول الرواة: إنه لم مثل بين يدي الموفق سأله: ماذا أعددت لفن الكتابة؟ فأجابه: إني أحفظ القرآن الكريم وديوان الحماسة، فأمره أن يحل شعر الحماسة كله ٢، ثم ما زال به يدربه على الكتابة حتى نبغ فيها، ولكنه لم يستمر مع الموفق، بل ذهب إلى قاضي الإسكندرية المسمى بابن حديد، فكتب عنه كتبًا حبرها تحبيرًا ممتازًا، ويقال إن الوزير: العادل ابن رزيك "٥٥٦-٥٥٨هـ" اطلع على بعضها: فأعجب بها، وطلبه ليسلكه في كتاب ديوانه، فعاد إلى القاهرة، ومكث في ديوان الإنشاء حتى وفد أسد الدين شيركوه، فقربه منه واتخذه كاتبه، ولما توفي استخدمه صلاح الدين. ويظهر أنه أخلص لهذه الأسرة منذ قدومها، فإننا نجد صلاح الدين يتخذه وزيره، ومشيره كما يتخذه كاتبه، وروي عنه أنه قال: "والله ما ملكت البلاد بسيوفكم ولا برماحكم، ولكن بقلم القاضي الفاضل"، ويقول ابن فضل الله العمري: "كان القاضي الفاضل هو الدولة الصلاحية كان كاتبها ووزيرها، وصاحبها ومشيرها، والحاكم في كلها، والمجهز لبعوثها، ومع هذا كله كان لا يزال منكدًا مبتلى بضنا قلبه وجسمه، ومرض همه وسقمه ...
ولهذا كان لا يتكلف مع السلطان سفرًا في كل مرة، وكان العماد ينوب عنه"٣، وذكر القاضي نفسه علته في أحد خطاباته فقال: "والمملوك في حال تسطير هذه الخدمة جامع بين مرضى قلب وجسد، ووجع أطراف وعليل كبد"٤، وكنا كان القاضي عليلا كان -على ما يظهر- تزور عنه العين،
стр. 375
قال الأسعد: بن مماني: "كان القاضي الفاضل دميم الخلقة، وكان له حدبة ظاهرة خلف ظهره وكان يسترها بالطيلسان، حتى لا تظهر للناس"١.
وهذا الرجل العليل القبيح بلغ من فن الكتابة، وتجويده ما لم يبلغه أحد في عصره، يقول العماد الأصبهاني في حقه: "رب القلم والبيان، واللسن واللسان، والقريحة الوقادة والبصيرة النقادة، والبديهة المعجزة، والبديعة المطرزة، والفضل الذي ما سمع في الأوائل، ممن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره، أو جرى في مضماره، فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع، ورسخت بها الصنائع، يخترع الأفكار، ويفترع الأبكار، ويطلع الأنوار، ويبدع الأزهار"٢.
ويقول النويري: "إلى القاضي الفاضل انتهت صناعة الإنشاء ووقفت، وبفضله أقرت أبناء البيان واعترفت، من بحر علمه رويت ذوو الفضائل واغترفت، وأمام فضله ألقت البلاغة عصاها، وبين يديه استقرت به نواها، فهو كاتب الشرق والغرب في زمانه وعصره، وناشر ألوية الفضل في مصره وغيره مصره، ورافع علم البيان لا محالة، والفاضل بغير إطالة"٣، وقد أشاد به وبفنه كل من تعرضوا لترجمته، كما أشار كثير منهم -وعلى رأسهم العماد الأصبهاني- إلى أنه صاحب طريقة، أو كما يقول العماد: شريعة جديدة، ولكن ينبغي أن لا نظن من ذلك أن القاضي الفاضل ابتكر مذهبًا جديدًا، في تاريخ النثر العربي، إنما كل ما هناك أنه قلد أصحاب التصنع فأحسن التقليد، ومن المهم أن نعرف أن الكتاب في الأقالبيم المختلفة، منذ القرن السادس أخذوا يغمرون بذوق التصنع في الكثير الأكثر، وقلما تركوا هذا الذوق إلى ذوق التصنيع، وبدأت هذه المرجة في مصر لا بالقاضي الفاضل، ولكن بابن الشخباء الذي عرضنا له في العصر الفاطمي، والقاضي الفاضل نفسه حين كان يكتب في العصر الفاطمي، كان يكت بهذا الذوق، وانظر إليه يستهل رسالة كتب بها عن العاضد آخر الخلفاء الفاطميين٤:
стр. 376
"كتابنا -أطال الله بقاء المليك- عن مودة ظاهرة الأسباب، متظاهرة الأنساب، ضافية جلباب الشباب، وعوائد عوراف لا يتنكر معروفها، ووفود فوائد لا يتصدع تأليفها، ومساعي مساعد لا ينقض معروفها، ولا ينقض مسوفها١، وسعادة بالخلافة التي عذق٢، به أمرها، وأوضح سرها، وملأ سرائرها وسريرها، وأطلع شمسها وقمرها".
وهذه الصورة من التعبير، وما يطوى فيها من تشخيص وجناس، وإمعان في هذا الجناس هي الصورة العامة لكتابة القاضي الفاضل؛ ومن يرجع إلى بقية هذه الرسالة في صبح الأعشى، يجد فيها ما اشتهر به من اقتباسه لآي الذكر الحكيم، كما يجد اهتمامه البالغ بالتنظير، بحيث لا نغلوا إذا قلنا: إن فن القاضي الفاضل استوى له نهائيًا في العصر الفاطمي، ونحن نعرض على القارئ قطعًا من رسالة تعبر أشهر ما دبجه -وهي رسالته عن صلاح الدين إلى الخليفة ببغداد، يزف إليه البشرى بفتح بيت المقدس- حتى يطلع على خصائصه الأدبية في أروع أثر أدبي عني به وبتدبيجه، وهو يستهلها على هذا النمط٣:
أدام الله الديوان العزيز النبوي الناصري، ولا زال مظافر الحد بكل جاحد غني التوفيق، عن رأي كل رائد، موقوف المساعي على اقتناء مطلقات المحامد، مستيقظ النصر والسيف في جفنه راقد، وارد الجود والسحاب على الأرض غير وارد، متعدد مساعي الفضل وإن كان لا يلقى إلا بشكر واحد، ماضي حكم القوم بعزم لا يمضي إلا بنسل غوي وريش راشد، ولا زالت غيوث فضله إلى الأولياء أنواء إلى المرابع، وأنوارًا إلى المساجد، وبعوث رعبه إلى الأعداء خيلًا إلى المراقب، وخيالا إلى المراقد".
وأنت ترى القاضي الفاضل في هذه القطعة الصغيرة عني -كما عني في مستهل الرسالة العاضدية- بألوان البديع وخاصة لون الجناس، وذهب يطيل في عباراته، حتى يحقق ما يريد من جناس وتنظير وتشخيص، وما من شك في
стр. 377
أننا نحس في كل ذلك ذوق أصحاب التصنع، إذ نراه يحاول أن يمرن أسلوبه على أن يحمل أوسع ما يمكن، من جناسات منقوصة، وغير منقوصة، واستمر في الرسالة، فستراه يقول عن صلاح الدين، وفتحه لبيت المقدس إنه:
"فاز من بين المقدس بذكر لا يزال الليل به سميرًا، والنهار به بصيرًا والشرق يهتدي بأنواره، بل إن أبدي نورًا من ذاته هتف به الغرب بأن واره؛ فإنه نور لا تكنه أغساق السدف، وذكر لا تواريه أوراق الصحف، وكتاب الخادم هذا، وقد أظفر الله بالعدو الذي تشظت قناته شفقًا، وطارت فرقه فرقًا....
وعثرت قدمه وكانت الأرض لها حليفة، وغضت عينه وكانت عيون السيوف دونها كسيفة، ونام جفن سيفه، وكانت يقظته تريق نطف الكرى من الجفون، وجدعت أنوف رماحه وطالما كانت شامخة بالمنى أو راعفة بالمنون، وأضحت الأرض المقدسة الطاهرة وكانت الطامث، والرب المعبود الواحد، وكان عندهم الثالث، فبيوت الشرك مهدومة، ونيوب الفكر مهتومة، وقد ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وبدل الله مكان السيئة الحسنة، ونقل بيت عبادته من أصحاب المشأمة إلى أصحاب الميمنة".
وواضح أن سمات القاضي الفاضل، التي رأيناها منذ مطلع الرسالة لا تزال هي نفسها، فهو يعمم في جميع جوانبها ميله الشديد إلى التشخيص، كما يعمم ميله إلى ألوان البديع وخاصة لون الجناس، وكان ما يزال يستخدمه في جميع أشكاله من تامة وغير تامة، واستهدفت في أثناء ذلك؛ لأن يوري بين كلمة "بأنواره" وكلمة "بأن واره"، وقاده استهدافه لهذا النوع من الجناس إلى أن يستخدم التورية كثيرًا في نثره، وقد نسب القدماء إليه استخدامه هذا اللون لأول مرة في تاريخ أدب مصر الإسلامية١، ولكن من يقرأ شعر الشريف العقيلي في المغرب٢، والخريدة٣ يجد أن هذا اللون عرف في مصر منذ أوائل القرن
стр. 378
الخامس، وكل ما يمكن أن يضاف إلى القاضي الفاضل، أنه ربما كان من أوائل من نقلوه من الشعر إلى النثر، ومهما يكن فقد كان القاضي الفاضل، يعنى بأن تضم كتبه عناصر مذهب التصنع، وخاصة عنصر الجناس والتشخيص، وتضمين الشعر ثم عنصر الاقتباس من آي القرآن الكريم، على نحو ما نجد في القطعة السابقة، إذ نظم في عبارته قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ ، وكذلك قال: "وبدل الله مكان السيئة الحسنة" وقال: "من أصحاب المشأمة إلى أصحاب الميمنة"، وفي هاتين العبارتين ألفاظ من القرآن الكريم. ومع ذلك فعناصره الفنية التي يستخدمها لم نتبينها كلها حتى الآن، فهناك عنصر مهم كان يستخدمه في كتابته، وهو عنصر التصنع لمصطلحات العلوم، واستمر في الرسالة الآنفة فستراه يقول:
"كان يبدل المذابح منائر والكنائس مساجد، ويبوئ بعد أهل الصلبان أهل القرآن للذب عن دين الله مقاعد، ويقر عينه وعيون أهل الإسلام أن تعلق النصر منه، ومن عساكره بجار ومجرور، وأن ظفر بكل سور ما كان يخاف زلزاله، وزياله إلى يوم النفخ في الصور".
ولا شك أن القارئ قد لاحظ ما نريد أن نشير إليه، وهو أن القاضي الفاضل تصنع هنا لذكر الجار والمجرور، وراعى النظير، فذكر كلمة "تعلق" وكل ذلك ليستتم ما يدل به على براعته في فنه، وهو حقًا لم يكن يكثير من التصنع لمصطلحات العلوم، ولكنه يظهر على كل حال في رسائله، واستمع إليه يقول من رسائله أخرى١:
"سلام الله الأطيب، وبركاته التي يستدرها الحضر والغيب، وزكواته التي ترفع أولياءه إلى الدرج، ونعمه التي لم تجعل على أهل طاعته في الدين من حرج، على مولانا سيد الخلق، وساد الخرق، ومسدد أهل الحق، وواحد الدهر الذي لا يثنى، وإليه القلوب تشنى، ولا يقبل الله جميعًا لا يكون لولاته
стр. 379
جمع سلامة لا جمع تكسير، ولا استقبال قبلة ممن لا تكون بحته في قلبه تقيم، واسمه في عمله إلى الله يسير".
وقد بدت هنا رغبة القاضي في التصنع لمصطلحات النحو، بأكثر مما بدت في رسالة فتح القدس، فهناك كان يتخفف، أما هنا فإنه يطيل في تصنعه لمصطلحات النحو، إطالة تجعل الإنسان يلاحظها، إذ نراه يذكر الواحد والمثنى ثم الجمع، ولا يكتفي بذلك، بل يقف ليذكر جمع السلام وجمع التكسير، وأكبر الظن أن فن القاضي الفاضل قد أتضح لنا الآن، فهو لا يعدو في عناصره الأساسية، ما سبق أن رأيناه عند ابن الشخباء، وهذا نفسه هو ما يجعلنا نؤمن بأن القاضي الفاضل، لم يأت بطريقة جديدة تخالف الطرق الموروثة، بل لقد كان يعيش -كغيره من أدباء عصره- في الإطار الفني العام لمذاهب المشرق، وكان يعجب خاصة بمذهب التصنع، وما وصل إليه ابن الشخباء مواطنه في استخدامه، فذهب يتعلق بطرائفه من مصطلحات العلوم، والمصطلحات الأخرى من التشخيص، ومراعاة النظير وألوان البديع من طباق وغيره، وتعلق بالجناس خاصة على سنة أصحاب التصنع، فاستخرد منه غرائب كثيرة، كقوله في إحدى رسائله١:
"الحمد لله الذي صدقه وعده، وأورثه الأرض وحده، وجدد علاه، وأعلى جده، وأسعد نجمه، وأنجم سعده، ووعده نجحه، وأنجح وعده، وأورده وصفه، وأصفى ورده".
وفي هذه القطعة ما يدل على مدى احتفال القاضي الفاضل باستخراج كل ما يمكن من أشكال الجناس الهندسية، ولعل القارئ يلاظ أنه تفد عليه الآن صور الجناس المعقدة، التي مرت بنا عند الحريري، والحصكفي خاصة، إذ كان يعجب بهذا الضرب من الجناس المقلوب، ونما هذا الذوق في الأقاليم المختلفة، وكان القاضي الفاضل داعيته في مصر، إذ كان ينحو بأسلوبه
стр. 380
جملة نحو أصحاب التصنع، وليس معنى ذلك أن أسلوبه كان ضعيفًا، أو رديئًا فقد كان لديه من البراعة الفنية، ما جعله ينهض بصعوبات التصنع دون أن يستشعر الإنسان ما فيها من أثقال، ولكنا لا نستمر بعده، حتى نحس أنها أصبحت أثقالًا غليظة، وقد ذكرنا أنه عني في كتابته بالتورية، وساق صاحب خزانة الأدب من أمثلتها قوله١:
"في يوم شديد المطر والبرد، والخادم في رأس جبل يتلقى الرحمة غضة قبل أن يبتذلها الناس، ويصافح الرياح عاصفة قبل أن تقتسهما الأنفاس"، ويتلقى الرعد بالرعدة، وإذا السماء انشقت استصحاها المملوك بالسجدة".
فقد ورى تورية واضحة في كلمتي "وإذا السماء انشقت" و"السجدة"، ولكن يظهر أن القاضي لم يكن يكثير من ذلك في رسائله، ونحن لا نستيطع أن نزعم بأن هذا العمل مذهب جديد للقاضي الفاضل، فهو ليس أكثر من لون من ألوان البديع، وجده مستخدمًا قبله عند الشعراء الفاطميين، فأدخله في نثره، ومن يدري؟ ربما سبق بمن استخدمه قبله من الكتاب في العصر الفاطمي نفسه. ومهما يكن فإن القاضي الفاضل، كان أبلغ كتاب العصر الأيوبي، وقد ظلت المصطلحات، التي يستخدمها في فنه أساسية عند جميع الكتاب المصريين من بعده، حتى ليقول النويري: إن كل فاضل بعد الفاضل فضلة"٢، ولم يكن هذا إحساس النويري وحده، بل كان إحساس جميع الكتاب بعده، فقد اتخذوا آثاره مثلهم الأعلى الذي يتحذونه ويقلدونه، ومن أجل ذلك كنا لا نخطئ إذا قلنا: إن العصور التي تلته في مصر، كان أصحابها يصوغون دائمًا على مثاله، وينسجون على منواله.
стр. 381
المماليك وإمتداد النهضة في عهدهم
...
٦- مماليك، وامتداد النهضة في عهدهم:
تطلق كملة مماليك على ضرب من الرقيق، كان يؤسر في الحروب أو يباع في الأسواق، وأول من استخدم هؤلاء المماليك في شئون الحكم والسياسة المعتصم الخليفة العباسي، فقد جلب منهم جماعة كبيرة استخدمها في حروبه، وكان يجلبهم من شباب أواسط آسيا الأشداء، ونحن نعرف قصة هؤلاء المماليك الأتراك في الدولة العباسية، إذ سرعان ما انتقل إليهم تصريف الأمور، وأصبحوا هم الحاكمين بأمرهم، أما الخليفة فكان يحكم حكمًا اسميًا، وكان صلاح الدين ومولاه نور الدين، يستعينان في حروبهما ضد الصليبيين بقبيل من هؤلاء الأتراك: ولما جاء الصالح أيوب جمع حوله جيشًا كبيرًا منهم، وبنى لهم قلعة في جزيرة الروضة، لذلك سموا المماليك البحرية، وسرعان ما أصبحوا هم المتحكمين في كل أمور الدولة، كما أصبح لهم سلطان كبير، فقتلوا "توران شاه" آخر الملوك الأيوبيين، وولوا عليهم "شجرة الدر" زوج أبيه، فتزوجها أيبك التركماني، وأدار هو دفة الأمور بنفسه، ولكنها اختلفت معه فقتلته، فتولى ابنه، وفي عهده قتلها المماليك انتقامًا، ثم عزل، وتولى الحكم من بعده قطز، وفي عهده قتلها المماليك انتقامًا، ثم عزل، وتولى الحكم من بعده قطز، وفي عهده هزمت جيوشه، وعلى رأسها الظاهر بيبرس جيوش هولاكو التتري، وكان ذلك سببًا في التماع اسم الظاهر، فولي الحكم، وفي عهده انتقلت الخلافة العباسية من بغداد إلى القاهرة عام ٦٥٦ للهجرة، وخلفه سلاطين أشهرهم قلاوون وابنه الناصر، ويظل الحكم في تلك الأسرة، حتى يسلبه منها برقوق زعيم المماليك الجراكسة، الذين جلبهم آل قلاوون وأسكنوهم بروج القلعة، ولذلك سموا المماليك البرجية، ويخلف برقوق سلاطين مختلفون، منهم السلطان "شيخ" الملقب بالمؤيد، وما تزال مصر في أيدي المماليك البرجية، حتى يفتحها العثمانيون في عام ٩٢٣ للهجرة.
стр. 382
وكانت مصر في عهد المماليك، تعتبر زعيمة العالم الإسلامي، إذ وقفت دون موجه التتار، التي اكتسحت شرق هذا العالم حتى الشام، كما وقفت دون موجة الصليبيين وردتهم عن بلاد الإسلام، وقد انتقل إليها الخليفة العباسي، وفي هذا الانتقال ما يرمز إلى أهميتها في تلك العصور، إذ أصبحت موئل الإسلام من طرف، كما أصبحت موئل العلم والأدب من طرف آخر، فقد هاجر إليها العلماء، والأدباء من كل صوب، حتى ينعموا بما فيها من حياة آمنة مرفهة، ويظهر أن مصر كانت على جانب عظيم من الرخا، واليسر في هذا العصر المملوكي، ولذلك كثرت فيها العمارة، حتى قالوا: إنه "بني في أيام الملك الظاهر ما لم يبن في أيام الخلفاء المصريين، ولا ملوك بني أيوب من الأبنية والرباع والخانات، والقواسير والدور والمساجد والحمامات"١، وكذلك اشتهر عصر
الناصر بن قلاوون بكثرة العمائر في مصر والشام، وفي هذا ما يدل -من بعض الوجوه- على ثروة مصر في هذا الحين، ولعل مما يدل على ذلك أيضًا ما يقال من أن الناصر حج ذات مرة، فكانت تمد له مائدة في طريقه وسط حديقة مصنوعة، وعليها الفاكهة والزهور، وكان هذا المنظر يبهر الناس في صحراء بلاد العرب، وقد قالوا: إن إحدى زوجاته أنفقت في حجها مائة ألف دينار، كما قالوا: إنه أنفق في زواج كل بنت من بناته ثمانمائة ألف دينار٢، وما من ريب في أن ذلك يدل بعض الدلالة على ما بلغته في عصر المماليك، من ترف وثراء.
ولعل من الغريب أن المماليك -على الرغم من أنهم كانوا من الرقيق- عنوا بالحركة العلمية، على نحو ما صنع سادتهم من الأيوبيين، فبنوا المدارس وأغدقوا عليها الأموال، وكان أول من استن هذه السنة الظاهر بيبرس، فقد أنشأ مدرسة كبيرة هي المدرسة الظاهرية، وكان لها أربعن إيوانات لتدرس الفقه الشافعي، والحنفي وتدريس الحديث، وقراءات القرآن، كما كان بها مكتبة
стр. 383
تشتمل على أمهات الكتب في سائر العلوم١، وقد احتذى الظاهر المنصور قلاوون، فبنى مدرسة كبيرة سميت المدرسة المنصورية، وكان يدرس فيها الفقه على المذاهب الأربعة، كما كان يدرس فيها التفسير والحديث، وأيضًا كان يدرس فيها الطب٢، ثم جاء الناصر ابن قلاوون، فأنشأ مدرسة عظيمة ورتب فيها دروسًا للمذاهب الأربعة، ويقول المقريزي: إنه أدرك هذه المدرسة٣، وبنى السلطان حسن من بعده مدرسة كبيرة، يقول المقريزي عنها: إنه لا يعرف ببلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين، يحكي هذه المدرسة في كبر قالبها، وحسن هندامها وضخامه شكلها، ويقول: إن العمارة استمرت فيها مدة ثلاث سنين لا تنقطع، وإنه كان يصرف على عمارتها يوميًا عرشون ألف درهم، وكان يدرس فيها الفقه على المذاهب الأربعة٤، ثم جاء المماليك البرجية، وعلى رأسهم برقوق، الذي أنشأ مدرسة لدرس المذاهب الأربعة، ودرس التفسير والحديث، وقراءت القرآن٥، وتبعه الملك المؤيد شيخ فابتنى هو الآخر مدرسة كبيرة٦، وكل ذلك يدل على مبلغ عناية المماليك بالحركة العلمية، وتشجيع العلماء، وقد عرف المؤيد شيخ من بينهم بأنه كان شعرًا وموسيقيًا٧، ويقول السيوطي نقلًا عن ابن حجر: إنه "كان معه إجازة بصحيح البخاري من شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، فكانت لا تفارقه سفرًا ولا حضرًا"٨.
وإذا كان المماليك عنوا بالحركة العلمية، فإنهم عنوا كذلك بالحركة الأدبية، وقد كان لديوان الإنشاء عندهم منزلة كبيرة، وكان لا يوظف فيه إلا من اشتهر بالبلاغة، وأوتي أسرار البيان والفصاحة، وكثيرًا ما ارتقى كاتب
стр. 384
الإنشاء عندهم إلى مرتبة الوزارة، وقد كتبت في هذا العصر أكبر الموسوعات الأدبية من مثل مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، و"صبح الأعشى في صناعة دواوين الإنشاء" للقلقشندي، و"نهاية الأرب" للنويري، و"الخطط" و"السلوك" للمقريزي، ولولا هذه الكتب ما استطعنا اليوم أن نؤرخ للحركات الأدبية في مصر أثناء العصور الوسطى، ويظهر أن القوم اتجهوا هذا الاتجاه في التأليف مخافة ضياغ العلم، إذ فقد كثير من الكتب حتى عصرهم، فرأوا أن يكتبوا موسوعات تغني عن الكتب المختصة بكل عهد وكل عصر، ومن أهم كتب التاريخ الكبيرة في هذه العصر، كتاب النجوم الزاهرة لابن تغري بردي، وعقد الجمان للعيني.
وأكثر كتابات هذا العصر ينتشر فيها السجع، ومن الكتب التاريخية التي بنيت على السجع بناء كتاب "عجائب المقدور في نوائب تيمور" لابن عرب شاه، واستمرت كتابات الرسائل في هذا العصر، مطبوعة بالطابع الذي رأيناه عند القاضي الفاضل، من ميل إلى استخدام ألوان البديع من جناس وطباق، وتصوير ثم الاقتراض من ألفاظ العلوم ومصطلحاتها، ومن أشهر كتاب هذا العصر ابن فضل الله العمري، وابن نباتة، ومحيي الدين بن عبد الظاهر، وهو أشهر الثلاثة، وكتاباتهم جميعًا تمتاز باستخدام فنون البديع وألفاظ العلوم، وعنوا عناية خاصة بلون التورية، كقول ابن نباتة من توقيع لشخص بنظر مدرسة١:
"وكيف لا وهو نعم الناظر والإنسان، وفي مصالح القول، والعمل ذو اليدين واللسان، وذو العزائم الذي تقيدت في حبه الرتب، ومن وجد الإحسان".
فقد ورى في الناظر والإنسان تورية واضحة، ولم يكتف بذلك، بل رأيناه يعمد إلى الاقتضاب في آخر العبارة، أو ما كانوا يسمونه حيئنذ بالاكتفاء، إذ ختم عبارته بقوله: "ومن وجد الإحسان"، وقطع وهو يريد الشطر المشهور، "ومن وجد الإحسان قيدا تقيدًا"، وهذا الاكتفاء إنما جاء من استخدام
стр. 385
أساليب القرآن الكريم؛ لأن فيها حذفًا كثيرًا، فذهبوا يتأثرونها في هذا الجانب، ولا تظن أن الاكتفاء ظهر لأول مرة في تلك العصور، فهو قديم إذ نجده في العصر الفاطمي، عند ابن قادوس١، كما نجده من بعده في العصر الأيوبي٢، ونستمر فنجده في هذا العصر عند ابن نباتة وغيره، وإنه لينبغي أن نقف وقفة قصيرة عند أشهر كتاب هذا العصر، وهو محيي الدين بن عبد الظاهر حتى تتراءى لنا طبيعة الكتابة في العصر المملوكي، وما تتسم به من شارات أدبية فنية.
محيي الدين بن عبد الظاهر:
عاش محيي الدين في القرن السابع الهجري، إذ توفي عام ٦٩٢ للهجرة٣، وقد ولي ديوان الإنشان في عهد بيبرس، وقلاوون وابنه الملك الأشرف خليل٤، وكان له فضل كبير في وضع مصطلحات ديوان الإنشاء لهذه العصور، وقد استمر الكتاب من بعده يلتزمون هذه المصطلحات، وإن في هذا الالتزام ما يدل على قيمته لدى معاصريه، فقد كانوا جميعًا يشيدون به، يقول النويري: "كان محيي الدين أجل كتاب العصر، وفضلاء المصر وأكبار أعيان الدول، والذي افتخر بوجوده أبناء عصره على الأول، له من النظم الفائق ما راق صناعةً وحسنًا، ومن النثر الرائق ما فاق بلاغة ومعنى، فقصائده مدونة مشهورة، ورسائله بأيدي الفضلاء ودفاترهم مسطورة، وكلامه كاد يكون لأهل هذه الصناعة وعليهم حجة، وطريقه في البلاغة أسهل طرق، وفي الفصاحة أوضح محجة"٥، وإذ رجعنا نبحث هذه الطريقة التي يشير إليها النويري، وجدناه هي الطريقة الفاضلية نفسها٦، فمحيي الدين يستخدم البديع، ويتصنع لاصطلاحات العلوم، ويكثر من الاقتباس لآي الذكر الحكيم،
стр. 386
كما يكثر من تضمين الشعر، ونحن نسوق قطعة من كتاب تعزية كتب به عن المنصور قلاوون إلى صاحب اليمن، يخبره بوفاة ابنه علاء الدين علي، وكان قلاوون عهد له في الأمر من بعده، ثم أدركته الوفاة١:
"المملوك يخدم خدمة لا يذود المواصلة بها حادث، ولا يؤخرها عن وقتها أمر كارث، ولا تنقصها عن تحسينها، وترتيبها بواعث الاختلاف ولا اختلاف البواعث، ويطلع العلم الكريم على ورود مثال كريم، يتضمن ما كان حدث من رزء تلافاه الله يتناسيه، وتوافى هو والصبر فتولى التسليم بتبيين عاسيه٢، وتمرين قاسيه، فشكرنا الله على ما أعطى وحمدناه على أخذ، ما قلنا: هذا جزع قد انتبه، إلا قلنا: هذا تثبت قد انتبذ، ولا توهمنا أن فلذة كبد قد اختطفت إلا وشاهدنا حولنا من ذريتنا والحمد لله فلذ، وأحسنا الاحتساب، ودخلت الملائكة علينا من كل باب، ووفانا الله أجر الصابرين بغير حساب..
وبكتاب الله وبسنة نبيه ﷺ عندنا حسن اقتداء، نضرب به عن كل رثاء صفحًا، وما كنا مع الله -والمنة لله- نعطي لمن يؤنب ويؤبن أذنا.
ولنا بحمد الله ذرية درية٣، وعقود ... والشكر لله كلها درية:
إذا سيد منهم خلا قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول
ما منهم إلا من نظر سعده، ومن سعده ينتظر، ومن يحسن أن يكون المبتدأ، وأن تسد حاله بكفالته وكفايته مسد الخبر "والشمس طالعة إن غيب القمر" لا سيما من الدين به، إذ هو صلاحه أعرف، من قيل لبناء ملك هذا عليه قد وهي قيل: هذا خير منه من أعلى بناء سعد أشرف.. والرغبة إلى الله تعالى في أن يجعل تلك المصيبة للرزايا خاتمة، وكما لم يجعلها للظهور قاصمة، فلا يجعلها لعرا الشكر فاصمة، وأن يجعلها بعد حمل هذا الهم
стр. 387
وفصاله على عليه فاطمة، وأن يحبب إلينا كل ما يلهي عن الأمول والأولاد من عزو وجهاد، وأن لا تقصف أرواحنا إلا في فود أو في فؤاد، ولا تجز غير شعور ملوك التتار تتوج بها رءوس الروماح، ويصعد بها على قمم الصعاد١، ولا شغل الله لب المولى بفادحة، ولا خاطرة بسانحة من الحزن ولا بارحة، ولا أسمعه بغير المسرات من هواتف الإبهاج صادحة".
وأكبر الظن أنه قد اتضحت للقارئ طريقة محيي الدين، وهي طريقة تقوم على التصنع، وهو تصنع ينتهي به إلى أن يكثر من الجناس المعكوس، وهو لا يكتفي بهذا الجناس وما فيه من مشقة، بل نراه يذهب مذهبًا بعيدًا في استخدام التورية، وقد كان يستهدف لها في جميع كتاباته، إذ كانت أهم لون شغف به الكتاب في عصره، وكانوا يدلون بها على مهارة الكاتب وبراعته، وقد ورى محيي الدين في هذه القطعة مرتين مرة في قوله: "ومن قيل لبناء مالك هذا عليه وقد وهي، قيل: هذا خير منه ومن أعلى بناء سعد أشرف"، فإن كلمة أشرف هنا لا يريد بها معنى الصفة، وإنما يريد به الإشارة إلى ولي العهد الجديد لقلاوون، بعد وفاة علي الملقب بعلاء الدين، وهو الملك الأشرف خليل، ونستمر فنجده يوري مرة أخرى في قوله: "وأن يجعلها بعد حمل هذا الهم، وفصاله على عليه فاطمة" فقد جاء بفاطمة مع علي وهو يريد هنا الصفة، وواضح أنه ذكر هنا الفصال حين ذكر الحمل كما ذكر فاطمة حين ذكر عليًّا، وهو ما يسمى عند أصحاب البديع بمراعاة النظير، وليس هذا كل ما في القطعة من تصنع، ففيها اقتباس واسع من آي الذكر الحكيم، وفيه أيضًا تضمين للشعر، تارة يضمن بيتًا، وتارة يضمن شطرًا في مثل قوله: "والشمس طالعة إن غيب القمر"، أيضًا في القطعة تصنع للذكر المبتدأ والخبر، أرأيت كيف تؤلف الرسائل عند أشهر كتاب العصر المملوكي؟ إنها تؤلف من ألواب البديع، واصطلاحات العلوم وتضمين الأبيات والأشعار، والاقتباس من آي الذكر
стр. 388
الحكيم، وقد أصبحت هذه الأشياء تلصق إلصاقًا وتلفق تلفيقًا، فليس هناك كاتب ممتاز لهذا العصر، إلا وهو يسعى إلى جلب هذه الفنون في نثره يقتسرها اقتسارًا، وقد يعتسفها اعتسافًا، وانظر كيف يجتلب محيي الدين التورية اجتلابًا في أثناء عهد المنصور قلاوون لابنه الملك الأشرف خليل، إذ يقول١: "كم جلا بهي جبينه من بهيم، وكم غدا الملك بحسن روائه ويمن آرائه يهيم، وكم أبرأ مورده العذب هيم عطاش، ولا ينكر الخليل إذا قيل عنه إبراهيم".
فقد ورى في إبراهيم، وأهل لتوريته بذكر الخليل، وهو لا يريد إبراهيم حقًا إنما يريد أنه "إبراهيم" فسهل الهمزة لتتم له التورية، ومن يرجع إلى رسائله المنثورة في صبح الأعشى، يجد كثيرًا من تورياته، فمن ذلك قوله في كتاب يصف به فتوح قلاوون في الشام٢:
كم شكت منه حماة تنبى بنكرها عن قلة الإنصاف، وكم خافته معرة، وما من معرة خاف، ما زالت أيدي الممالك تمتد إلى الله بالدعاء، تشكو من جور جواره تلك الحصون والصياصي، وتبكي بمد مع نهرها من تأثير آثاره مع عصيانها، وناهيك بمدمع العاصي".
فقد ورى في كلمة معرة، كما ورى في كلمة العاصي، إذ يريد بها النهر المعروف في الشام لا الصفة، ومثل ذلك قوله في كتاب لأحد ملوك الفرنج: "وكيف فارقنا بلادك، وما بقيت فيها ماشية إلا وهي لدينا ماشية، ولا جارية إلا وهي في ملكنا جارية"٣، فقد ورى تورية واضحة في ماشية وجارية، ومن ذلك أنه استهدف للقب قلاوون، وهو المنصور ولقب الخليفة العباسي في عهده، وهو الحاكم فقال في كتاب له: "وكيف لا والمنصور هو الحاكم"٤، ومن ذلك قوله في نسخة توقيع برياسة اليهود٥:
стр. 389
"وليتق الله فيما يذره ويأتيه، ويحسن في اجتلاب القلوب واختلابها تأتيه، وإياه والتيه، حتى لا يقال: كأنه بعد لم يخرج من التيه.. وجماعة القرائين، فانصب لأمرهم من لم يتوله حيةن يتوله ... والجزية فيه لدمائكم وأولادكم عطية، وعلى دفاعها لا دافعها وصمة.. ومن قصد منها خلاصة، فقل له في الملأ ماذا خلاصه".
وواضح أنه ورى في التيه الثانية، فلم يرد بها الصفة، وإنما أشار بها إلى التيه الذي ضل فيه اليهود قديمًا مع موسى، واستمر فورى في توله الثانية كما ورى في كلمة خلاصه الثانية، وهي مركبة من "خلا" وكلمة "صه" بمعنى أسكت، وهذا كله كان يعتبر منتهى ما وصل إليه الفن، في عصر محيي الدين من مهارة وبراعة، وهي براعة لفظية على نحو ما نرى في هذه الأمثلة، وإذا تركت هذه التورية لم تجد إلا صورًا متكلفة، وجناسًا معكوسًا ولن تجد وراء ذلك إلا تكلفًا لمراعاة النظير، وتضمينًا للشعر وآي الذكر الحكيم، وإن سألت عن جديد، فلن تجد إلا التصنع لمصطلحات العلوم، وخاصة علم النحو، كقوله في رسالة لوزير بتقليد الوزارة في أثناء كلامه عما نيط به: "وإليه أمر قوانينها ودواوينها وكتابها وحسابها، وإليه التولية والصرف، وإلى تقدمه البدل، والنعت والتوكيد والعطف"١، ويقول في مطلع إحدى رسائله:
"نحمده على نعمه التي جنمعت إلى الزهر الثمر، وداركت بالبحر وباركت في النهر، وأجملت المبتدأ وأحسنت الخبر"٢. وهناك رسالة ذكرها له القلقشندي، وقد بناها كلها على التصنع لاصطلاحات النحو، وهو يستهلها على هذا النمط٣:
"حرس الله نعمة مولاي! ولا زال كليم السعد من اسمه، وفعله وحرف قلمه يأتلف، ومنادى جوده لا يرخم وأحمد عيشه لا ينصرف ... ولا عدمت نحاة الجود من نواله كل موزون ومعدود، ومن فضله وظله كل مقصود وممدود،
стр. 390
ولا خاطبت الأيام ملتمسه إلا بلام التوكيد، ولا عدوه إلا بلام الجحود، هذه المفاوضة إليه -أعزه الله- تفهمه أنا بلغنا أن فلانًا، أضمر سيدنا له فعلًا غدا به منتصبًا للمكايد، ومعتلا وليس موصولًا كالذي بصلة وعائد، ما ذاك إلا؛ لأن معرفتها دخلت التنكير، وقدر لها من الاحتمالات أسوأ التقدير، ونعوت صحبته تكررت، فجارز قطعها بسب ذلك التكرير ... وكان الظن أن الأشغال التي جمعت له لا تكون جمع تكسير بل جمع سلامة، وآية لا تكلف تعليما على وصول؛ لأنه في الديوان كالحرف لا يخبر به ولا عنه، والحرف ليست له علامة، وحاش الله أن يصبح معرب إحسانه مبنيا".
وتمضي الرسالة على هذا النمط من التصنع لمصطلحات النحو، وكأن الكاتب يريد أن يسلك كل ما يعرف من هذه المصطلحات في كتابه، ونعجب نحن الآن من هذا التصنع الثقيل، ولكنه كان بدعة العصور الوسطى، وإنه ليطوي في داخله مدى ما أصاب الكتابة من جمود، وتبلور في هذه العصور، فإذا الكتاب لا يعنون بأساليبهم إلا هذه العناية، التي تجعلهم يسلكون اصطلاحات العلوم في كتاباتهم، فإن تركوا ذلك فإلى الاقتباس من آي الذرك الحكيم، وتضمين الأشعار والأمثال، وهم دائمًا يوشون كلامهم بفنون البديع، وخاصة فن التورية، ومن العبث أن نبحث بعد ذلك عن شيء طريف، يمكن أن نضيفه إلى عصر المماليك، فقد كان كتابه مقلدين تقليدًا شديدًا لفن القاضي الفاضل، وما سبف أن رأينا عنده من تصنع وتعقيد، ولم يستطيعوا أن يستحدثوا من جديد، سوى أن يغرقوا إلى آذانهم في هذه الأشكال البديعية والعلمية، ومن الحق أن نلاحظ أن البديع، لم يعد يؤدي عندهم معنى التحسين في صورة طبيعية، فقد خرجوا به عن طاقته، التي كنا نألفه وأصبح عندهم تلفيفًا وتلزيقًا، فالكاتب يتصيد في رسالته تورية، أو جناسًا معكوسًا أو اصطلاحًا علميًا، ليدل على مهارته، ومما لا ريب فيه أن ذلك كان يفتن الأدباء حينئذ، وهي فتنة جعلت النثر العربي عملًا لفظيًا يعين فيه بالزخرف والتنميق، لا بالمعاني ولا ما يتصل بالمعاني من فكر دقيق، وهذا كل ما عند القوم: تصنع وتلفيق