الشرق وحجته العلمية في ذلك أن الغناء الإفرنجي غني بما فيه من طباق بين عدة أصوات.
"ف": ونحن إذا صرفنا النظر عن الغرائز المستقرة في العقل والتي يصدر عنها الفن الخاص بكل أمة وبحثنا الموسيقى من وجهة علمية استقرائية نجد أن الموسيقى العربية أصدق تعبيرًا للطبيعة وأدق تصويرًا للمشاعر بعديد نغماتها في الصوت المنفرد. فإن الموسيقى العربية تمثل في نغماتها السبع الأساسية ألوان الطيف يتفرع منها ما يزيد على السبعين نغمة تخضع مرنة ناعمة للعاطفة فتظهر خفاياها كصورة اختطفت عن الأصل بجميع أنوارها وظلالها.
إن الموسيقى الغربية رست على الطباق أو المطاوعة فكان لا بد لها من كبت النيران الدقيقة المتمردة على الطباق ومن الاكتفاء بنغمات معدودات هي محل ثروتها. أما الموسيقى العربية فإنها هتاف عميق من النفس منفردة تجاه الوحدة المتجلية في مستلهمات الشرق دينا وفنا. فهي وإن نقصها الطباق لعدم ملاءمته لحريتها ودقة نبراتها لا تزال في دور انحطاطها اليوم، أغنى بأوزانها ونغماتها من الموسيقى الغربية الغنية بالصخب والفقيرة بالتنوع المنفرد.
يمكنني أن أؤكد أن الفن الغربي على ما بذل فيه من جهود لا يرتكز على أساس من الموسيقى الطبيعية التي تتجلى بكل روعتها في الإنشاد العربي المفرد. ولو أن رجال الفن عندنا أدركوا هذه الحقيقة وانصرفوا إلى شرقية موسيقانا على أساسها دون أن يستهويهم ما يتوهمونه رائعا في الموسيقى الغربية لكانوا ينتزعون من الطبيعة أروع موسيقاها ولكن أكثرهم كمن لديه ثروة يطبق خزانته عليها ليذهب مستجديا من الغرب كسرات تتخمه ولا تسد جوعه.
стр. 107
هل يظن الناظر الكريم أن تجربة التقليد شيء جديد لم يتضح لنا زيفه بعد. أفلا ترى في كل بلد من هذا الشرق العربي عددا من المتفرنسين والمتألمنين والمتأكلزين والمتروسين إلخ خرجوا عن الثقافة العربية وامتنع عليهم أن يتصفوا بالثقافات التي استهوتهم فأصبحوا لا الغرب يعرفهم ولا الشرق يعترف بانتمائهم إليه. وهناك ظاهرة غريبة نشأت من هذا التقليد وهي النعرة التي استحكمت بين هؤلاء المقلدين وهم أبناء البلد الواحد، فإنك لن تجد متفرنسًا يمكنه الاتفاق مع متألمن أو سواه من المستغربين.
ثم وصف مثل هؤلاء المستغربين فقال: إنما هو شخصية تائهة فقدت ذاتها ولقد يلمع مثل هذا الإنسان بالظفر والمجد ولكن أنوار السعادة تبقى منطفئة في عينيه.
ثم قال: إن كل أمة تحيا على غير ما تسوقها فطرتها إليها فهي أمة باكية بدموع صامتة هي أمة مستضعفة مستعبدة لا معنى لحياتها، وإذا كانت مدنية الغرب الحديثة ترى أن الارتقاء يقوم على العلم وحده، على الاستقرار دونا الاستلهام فإن للشرق العربي المتحفز للوثوب دستورا هو: اعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا واعمل لدنياك كأنك لا تموت أبدًا١.
٣- آراء فيلكس فارس؛ أمة لها كيانها ومقدراتها:
لخص فيلكس فارس آراءه فقال:
إن العرب عندما رقوا العلوم ونشروها وأوجدوا أهمها إنما عملوا بعقليتهم الشرقية العربية. وإننا لسنا بحاجة لتقليد الغربيين في أسلوب تفكيرهم لتجاربهم في مضمار العلوم. ومن العرب اليوم في أوربا وأميركا ومصر وسائر الأقطار العربية علماء في كل فن يفتخر العالم بأسره؛ غربه
стр. 108
وشرقه بسمة اطلاعهم وعبقريتهم وما بلغ هؤلاء الأعلام مقامهم إلا بعقليتهم العربية.
إن العلوم الرياضية مشاع بين البشر جميعهم فليس على الأرض سلالة خصها الله بالعلم دون سواها.
إن لكل شعب فطرته وهي ميزة خاصة في الذوق واختصاص في فهم الحياة والتمتع بها، وإن كل أمة تستبدل ثقافة غريبة بثقافتها إنما تؤلم فطرتها وتموت شخصيتها.
إن الأخذ بالعلم عن أي شعب لا يستلزم مطلقا اقتباس طرق حياته في الأسرة والمجتمع وتقليد ذوقه وسكناته وحركاته فإن العرب عندما احتضنوا العلوم الاستقرائية عن اليونان لم يأخذوا الفطرة اليونانية ولا ذوقها ولا معتقداتها كما أن أوربا عندما تلقت هذه العلوم عن العرب لم تتعرب بل بقي فيها كل شعب محتفظا بثقافته. هذا فضلا عن أن في الغرب ثقافات قد يراها من يحدجها من بعيد على شيء من التقارب غير أن من يدرسها عن كثب ليدهشه ما بينها من فروق تتناول صميم الذوق والعقيدة والشعور. فأي الثقافات يشار على الشرق بأن يتبع.
٤- بين الغرب والشرق:
جملة آراء إسماعيل أدهم في ثقافة الشرق وثقافة الغرب:
لكل شعب في العالم تراثه التقليدي الذي خرج به من ماضيه والذي يحف به حاضره ومصر لم تخرج عن كونها مجتمعًا استوحى روح الشرق عصورًا متطاولة.
الثقافة التي كونتها مصر بما ورثته عن أسلافها الفراعنة في أصول الفن
стр. 109
الفرعوني القديم، تمثل وحدة الحياة المعاشية في مصر إلى عهد الفراعنة إلى يومنا هذا.
أما الثقافة العقلية فهي فرعونية تكيفت تبعًا لها الثقافة العربية تكيفا يتلاءم وما تحتاج إليه الثقافة الفرعونية في عهد الحكم الروماني من ملابسات لتجازي فن الحياة في ذلك العصر، ومن هنا قامت أو قل استمدت اللغة العربية في مصر قدرتها على صوغ المعاني بما يتكافأ ومحيط مصر فكانت اللغة العامية في مصر وهي في الحقيقة الفرعونية الآخذة بأسباب التعرب.
لمصر ثقافتها التقليدية التي تباين ثقافة السوريين التقليدية أو ثقافة اللبنانيين التقليدية وما ينجح لمصر قد لا ينجح لغيرها.
لا أجد التفرقة بين العلم الوضعي والثقافة اعتباريا لأن الأولى نتيجة الثانية إن ثقافة اليوم من حيث إنها تتبع العلم لا يمكن تخليصها من آثار العلم والثقافة الأدبية يغزوها العلم بمنهجه الصارم ومنطقه فمن الخطأ أن نفرق بين الثقافة من حيث إنها نتيجة معاشية وأسلوب في الحياة وبين العلم ومنطقه وهو أداة اليوم للعيش والحياة.
إن الفرق بين الشرق والغرب ينحصر في هذا وحده:
الغرب يقيم الحياة على أساس إنساني ويترك للعلم أن ينظم الصلات بين البشر، والشرق يقيم الحياة على أساس غيبي ويترك للغيبيات تنظيم الصلات بين البشر والغرب يقيم حياته على أساس من التفكير في إيجاد التكافؤ بين حاجاته ومحيطه مستخدمًا في ذلك العلم.
والشرق يقيم حياته على أساس من التواكل:
قول مناظري: وما اخترع الغرب المنطق ولا أوجد التفكير العلمي. فذلك مجانب للحقائق المعروفة في التاريخ، من أن الإغريق هم أول من عرفوا المنطق وأوجدوا البحث وعنهم أخذ العالم المنطق.
стр. 110
هناك فرق أساسي في منطق التفكير بين الشرقي والغربي، وهذا الفرق ينحصر في الشرقي يبدأ بحثه من الوحدة المتجلية حوله فينتهي للخالق ومنه للطبيعة. بعكس الطبيعي الذي يبدأ بحثه من التغاير الذي يكتنفه فينتهي للطبيعة ومنها للخالق.
هذا الفرق المشهور في أن الشرقي يبدأ من عالم الغيب لينتهي للعالم المنظور بعكس الغربي الذي يبدأ من العالم المنظور لينتهي لعالم الغيب كان سببا لظهور اللاهوت عند الشرقيين والفلسفة عند الغربيين.
هذا التباين في نوع التفكير ذهب بالعقل الشرقي إلى الاعتقاد بأن العالم حادث، وأن الخالق مطلق التصرف في الكون منفصل عنه ومدبر له، وأنه السبب لكل ما يحدث والعلة الأولى والأخيرة لكل ما يكون وما سيكون.
بينما البحث على التغاير المشهود في السكون يدفع بالأخذ بأساليب الاستقراء والمشاهدة إلى جانب أسلوب الاستنتاج والنظر، وهذا كله ينتهي بالإنسان كما انتهى بمفكري الغرب إلى أن لكل حادثة سببا في الكون وأن للعالم وحدته وانسجامه.
والإنسان من حيث هو كائن في العالم المنظور فهو في نظر الشرق خاضع لإرادة عليا هي إرادة الخالق الحر، فهو الذي يقضي فيكون ويقدر فيحدث. وهذه فكرة القضاء والقدر عند الشرقيين.
أما نظر الغربي فالإنسان وإن كان يتبع في تصرفاته وسلوكه نواميس الحياة ويخضع لها. فإن في قدرة الإنسان تغيير المقدر له عن طريق معرفة النواميس المتحكمة في وجود العمل على إيجاد الملائمة بين حاجات الإنسان في الحياة ومطالبه في الوجود.
وخلاصة القول أن في الشرق استسلاما محضًا للغيب وفي الغرب نضالا محضًا مع قوى الغيب؟
стр. 111
الفرق بين منطق الغرب الإثباتي وروح الشرق الغيبي:
أن المنطق الغربي ينظر للحياة الإنسانية كما هي وعن طريق العقل وحده يحاول معرفة حقيقته وتنظيم الصلات بين أفراد المجموع البشري. بعكس الذهن الشرقي الذي يدخل عنصرا غيبيا في الحياة الإنسانية وعن طريق هذا العنصر الغيبي يحاول تفسير الحياة وتنظيم الصلات الإنسانية وإقامة العلاقات بين أفراد الهيئة الإنسانية.
الثقافة الغربية إنسانية، بعكس الثقافة الشرقية التي وقفت عند حدود المرحلة الثانية حيث يمتزج فيها العالم المنظور بعالم ما وراء المنظور.
مما يجدر ذكره أن العرب حين اقتبسوا من تراث اليونان ما يعززون به تفكيرهم العلمي لم تستهوهم الثقافة اليونانية ولا حضارتهم الأدبية إذ أحسوا ما بين الحضارة التي كانت تتمخض في شعورهم وتقديرهم للحياة وبين حضارة اليونان الاجتماعية عن مهاو سحقية فأعرضوا عن شعرهم وموسيقاهم ونظم اجتماعهم.
إن ثقافة العرب ذاتية وإن الثقافة موضوعية عند اليونان. لهذا لا نجد في الشعر العربي شعرًا قصصيًا ولا شعرًا تمثيليًا ولا شعرًا تصويريًا، لأن القصص والتمثيل والتصوير يستلزم الانسحاب من أفاق الذات إلى رحاب الموضوعية وليس هذا في مكنة الذهنية العربية.
قامت المدنية الرومانية على تراث الإغريق، غير أن المسيحية سرعان ما غزت روما وهبت عليها حاملة معها نزعات المنطق الآسيوي والروح الشرقية إلا أن الحضارة الرومانية ابتلعت المسيحية وامتصتها، وكان هذا الابتلاع والامتصاص بعض الخلاص لمنطق الغرب من روح النسك الآسيوية ثم طغت موجة العرب على الغرب، غير أن الغربيين نجحوا في وقف الموجة العربية
стр. 112
عندما تفاقم أمرها وكان نجاح شار مارتل عن العرب على نهر اللوار كنجاح الإغريق على الفرس في إنقاذ العقلية الغربية من طغيان روح النسك الآسيوية.
٥- رد فيلكس فارس على إسماعيل أدهم:
إن مصر١ لن تكون فرعونية في القرن العشرين إلا إذا تراجع الزمان القهقري طاويا معه كلمة الله التي جعلت قوم فرعون حديثا في تاريخ الشعوب.
أما أن تكون مصر ذات ثقافة خاصة تتميز بها عن سائر الأقطار العربية فذلك ما ننكره. لأن لشعوب سائر الأقطار العربية كلها جدودًا عاصروا الفرعونية وتركوا في التاريخ ذكرى حضارات لم يبق منها سوى أعمدة محطمة وهياكل متداعية.
إن في كل قطر من الأقطار العربية من المميزات الإقليمية ما لا ينكره أحد ولكنها أضعف من أن تسلخ هذه الشعوب عن ثقافة عامة شاملة لها في اللغة والموسيقى ونظام الأسرة وروح التشريع. وهذه المميزات العامة هي ما تقوم الحضارة الأدبية عليه في كل الأمم.
ليست اللغة العامة في مصر إلا كسائر اللغات العامية في الأقطار لغة أخذتها عصور الانحطاط، فإنك لو أغضيت عن اللهجات في كيفية الإلقاء، فإنك لا تجد إلا كلمات معدودات يختلف فيها النطق بين مصر وسوريا وبغداد.
أراد مناظري أن يجعل العلم والثقافة شيئا واحدًا فهو يقول بانبثاق الثقافة من العلوم الأصلية، ونحن لا نعلم ما هي العلاقة بين علم طبقات الأرض مثلا والمبادئ الأدبية التي يقوم عليها المجتمع.
стр. 113
يقول المناظر: إن الفلسفة الإسلامية روحها يونانية ومتعلقها يوناني، لأن الفارابي وابن سينا وسواهما علقوا إرادة الخالق بقوانين الكون، ونرى أن فلسفة المفكرين ليست إسلامية ولا مسيحية.
إن المناظر يجد قصورا في عدم مجاراة العرب لليونان في آدابهم التي جعلت على قولي في رحاب الموضوعية خارجة عن رحاب الذات، ويذهب إلى القول بأن التحليل ليس من مكنة الذهنية العربية.
لا يا مناظري، إن الأديب العربي قد استوعب في ذهنيته كل ما جال في خاطره وفي الآفاق حوله.
إن الآداب صورة لثقافة الشعب وحياته، وقد أخذ أجدادنا العلوم عن اليونان لأن العلم مشاع كما سلمت، فهل كان حضارتنا الأدبية يونانية لتكون آدابه يونانية.
٦- بين الشرق والغرب، فيلكس فارس ١:
إن حضارة الأقوام التي ترغب إلينا أن نقتبسها إنما بنيت في تاريخها القديم كما بنيت في تاريخها الحديث على الاعتقاد بحياة أخرى.
أما حضارة أوربا الحديثة فقد قامت على ما نعلم بتعاليم عيسى وإذا كان قد بقي فيها شيء من الرحمة فهي من آثار موعظة هذا الناصري على جبل من جبال الشرق. وإذا كان قد هب فيها بعد انتصار شار مارثل من دعوا إلى إصلاح المسيحية فما كان صوت هؤلاء المصلحين إلا صدى للصوت الذي دوى في صحراء العرب منذ ثلاثة عشر قرنا.
إن الدكتور أدهم يريد أن يميز بين عقلية الشرقي وعقلية الغربي فيقول
стр. 114
إن الأولى مستسلمة "محضًا" للقضاء والقدر تخضع للغيب والثانية تناضل نضالا "محضا" ضد الغيب.
أما أن يكون الشرقي هذا المستسلم الضعيف فمما يكذبه التاريخ، تاريخ المسيحية وتاريخ الإسلام على السواء؛ فما كان المسيحيون الأولون ليتجنبوا حتى بين أشداق الأسود، وما كان المسلمون إلا مجاهدين بالجهادين، توكلوا فما تواكلوا، وسلموا أمرهم لله فما استسلموا لزعازع الحياة بل أرغموها ليسيطروا
عليها بمكارم الأخلاق.
أما قول الناظر بأن العقلية الغربية تناضل ضد الغيب فقول فيه جنوح في التعبير، ولا نعتقد أن الدكتور أدهم يقصد الغيب بل أسرار المادة وما يكمن فيها من تفاعل لأن الغرب إنما هو من هذه الإنسانية التي وحدت قواها فوقفت واجمة أمام نظام الكون وسر الحياة والموت.
ليس هناك عقلان، عقل للغرب، وعقل للشرق في ميادين الاستقراء غير أن هناك فطرة أو ثقافة تختلف بين شعب وشعب. وقد أراد المناظر أن ينكر استقلال الثقافة الأدبية عن العلم الوضعي فأسماها روحا كأن يمحو أثرها باستبدال أممها.
لتكن الثقافة روحا كما يريد الدكتور أدهم، فلماذا يطلب أن يلفظ أبناء الشرق روحهم لتتقمص روح الغرب حضارتهم.
أليس من غرائب المنطق أن يقول المناظر بفرعونية مصر وبتمردها على العروبة نفيا وثلاثة عشر قرنا ثم يطلب منها أن تتفرنج بين عشية وضحاها.
ما هي الفائدة التي يرجوها المناظر لمصر إذا أنكرت إيمانها وفسدت لغتها وتغنت على الأنغام الإفرنجية التي تتنافر مع ذوقها وحتى مع مخارج ألفاظها.
стр. 115
لا يظنن مفكر أننا نقصد بالحضارة العربية هذه الحالة الراهنة التي أوصلتنا إليها قرون من الولايات والعبودية وأرهقتها حتى تنكر لنا أنفسنا. لقد طغت على مجتمعنا في معتقداته، وفي نظم أسرته وفي آدابه وفي حكوماته دخيلات من متخلفات جميع العصور وجميع الأمم.
إنني مازلت معتقدًا منذ قدر لي أن أعتلي المنابر أن هذه البلاد العربية مستودع لأشرف الثقافات ومكمن لأسمى المواهب، فالأقوام المنتشرة في جزيرة العرب وفلسطين وسوريا ولبنان ووادي الفرات ووادي النيل وعلى الشوطئ الشرقية للبحر المتوسط وشواطئ البحر الأحمر تدفعها حضارات الغرب والعالم الجديد بطابع التواكل والخمول.
٧- بين الغرب والشرق، الدكتور إسماعيل أحمد أدهم:
قلت١ للأستاذ فيلكس فارس: إن لكل أمة في العالم روحها التي تحتضن تراثها التقليدي، وعن طريق تحليل تراث مصر التقليدي انتهينا إلى أنها فرعونية آخذة بأسباب العربية لتجاري فن الحياة في ذلك العصر الذي طغت فيه العربية على كل شيء: وكانت مركزا للجذب الاجتماعي في الشرق الأدنى.
وبينما الفروق الأساسية بين ما سميناه ذهنية للغرب وذهنية للشرق، وقلنا أن نزعة الذهن الغربي يقينية ونزعة العقلية الشرقية غيبية واستدللنا على هذه الحقيقة من حقائق التاريخ.
ولهذا قلنا أنه من الصعوبة بمكان أن تأخذ مصر الثقافة العربية وهي محتفظة بثقافتها التقليدية وأساسها الإيمان بالغيب.
стр. 116
يقول الأديب النابغة فيلكس فارس: الثقافة راسخة في الفطرة والفطرة في الفرد كما هي في الأمم ميزة خاصة في الذوق واختصاص في فهم الحياة والتمتع بها، فإذا كان العقل رائدًا لبلوغ الحاجة فليست الفطرة إلا القوة المتمتعة في الإنسان بتلك الحاجة بعد بلوغه إياها.
ونحن نفرق بين الثقافة والفطرة، بين تراث الشعب الذي يخرج به من ماضيه انسلالا على مدى الدهور والأعوام وبين الفطرة من حيث هي روح الأمة التي تحتضن تراثها. فتراث مصر الفرعونية التي أسلمته لمصر الإسلامية فاختلطت نتيجة لذلك الفرعونية والعربية فكان من ذلك ما سعيناه لمصر من ثقافة تقليدية شيء والروح المصرية شيء آخر إلا أن هذا لا يمنع من أن ترسخ الثقافة التقليدية وتصبح وكأنها من صميم فطرة الشعب. وانسلاخ الشعب عن ثقافته التقليدية، وإن كان لها رجة في صميم الفطرة والروح، إلا أنها لا تعني انسلاخ الشعب من روحه وفطرته. وما ثقافة الشعب وتراثه إلا أثر وقوع الفطرة والروح تحت تأثير ظروف ومؤثرات تجد طريقها للمحيط الاجتماعي والبيئة الطبيعية للشعب وبيان ذلك أن الروح المصرية تحتفظ بذاتيتها منصبة في قوالب شتى، فهي في قالب في العصر الفرعوني وهي في قالب في العصر الإسلامي، وجماع هذه القوالب المختلفة يكافئ الحالات المتابينة التي يتضمنها المحيط اجتماعيا وطبيعيا، وإنكار هذا معناه أن الروح المصرية تغيرت من العصر الفرعوني إلى صورة أخرى في العصر الإسلامي فما الذي يمنع أن تتغير إلى صورة أخرى في العصر الحديث.
وإذا يكون من الممكن لمصر أن تتجرد من ثقافتها التقليدية وتستبدل مثلا بدينها آخر وبلغتها لغة أخرى كما حدث ذلك في عهد الفتح العربي ومع ذلك تحتفظ بروحها وفطرتها لأن ما ستأخذه الروح من القوالب سيكون من
стр. 117
طريق الوقوع تحت تأثير عوامل ومؤثرات وجدت طريقها للمحيط الاجتماعي والطبيعي.
على هذا الوجه فقط يمكن تعليل تفسير القالب للروح المصرية والذي تكون نتيجة لوقوع الروح المصرية تحت تأثير الثقافة العربية. وعندما يقوم أنصار الثقافة الغربية بدعوة إلى مدينة الغرب يثور عليهم أنصار الثقافة العربية قائلين إن معنى ذلك ضياع الروح المصرية والقومية، مع أن الروح شيء ثابت والثقافة شيء عرضي يتقوم بالروح وفطرة الشعب.
٨- الغرب والشرق ١:
يرى الأستاذ فيلكس فارس رجحانا لطابع الشرق الغيبي على قالب ثقافة الغرب الإثباتية. ومرد هذا الرجحان اعتقاده بقانون الرجعى وبأن لهذا الشرق من كيانه نافذة يتطلع منها إلى الحياة، هي نافذة فطرته الموروثة فمنها يستقبل النور.
وفطرة الشرق الموروثة على زعمه قائمة على الإيمان بالعنف ونحن نرى ما يعبر عنه بالفطرة الموروثة هو التراث الشعبي لهذا والثقافة التقليدية له، وهو شيء كما قلنا غير فطرة الشرق وروحه لأن الفطرة شيء مجرد يظهر في تاريخ الشعب وفي ثقافاته المتعاقبة.
إذًا من الخطأ من الناحية العلمية أن فطرة شعوب الشرق هي الحالة الغيبية والصحيح أن يقول أن طابع ثقافة الشرق التقليدية هو غيبي.
حين أراد المناظر الفاضل أن يرد على القول بوجود أصل فرعوني في
стр. 118
ثقافة مصر التقليدية تعسف إلى حد أن خرج على الأوليات المعروفة من حقائق اجتماع وعلم تكون الشعوب.
كما هنالك تقاليد بقيت من العهد الفرعوني وتسربت إلى الدين الإسلامي في مصر ولونته بلون محلي. أما أن الدين يعمل على اقتلاعها لخير المجتمع وسلامته فليس ذلك من شأن الباحث السوي.
قلنا: إن لمصر ثقافتها التقليدية التي تميزت بها عن جيرانها من بلدان الشرق العربي، غير أن المناظر وإن اعترف معنا بأن للمميزات الإقليمية أثرًا على ثقافة الأمم اعتبر أن لكل أمم الشرق العربي ثقافة عامة شاملة.
غير أن هذا الاعتراض في غير محله لأن اعتباره أن لأمم الشرق العربي ثقافة عامة شاملة إن كانت صحيحة إلى حد ما فهذه تتلون وتأخذ طابعا من كل بلد من بلدان الشرق العربي، فمظهرها في سوريا غير مظهرها في العراق، وهي في العراق غيرها في مصر، وفي مصر غيرها في الحجاز.
وهم المناظر الفاضل أننا نهزل حين قلنا أن العامية في مصر هي العربية الآخذة بأسباب الفرعونية، إننا نعني بالفرعونية وحدة عقلية أو معاشية متمشية في ثقافة المصريين التقليدية حتى العهد الفرعوني، فإذا قلنا أن العامية هي العربية الآخذة بأسباب الفرعونية فإنما نعني أنها تأخذ طابعا مصريا خاصا بها.
سيأتي ذلك اليوم قريبا وسنقول العقلية اليقينية في الشرق والمنطق الإثباتي في العالم العربي نتيجة لتغلب الاتجاه الغربي على هذا الشرق بحكم كون الغرب مركز الجذب الاجتماعي في عصرنا، إذًا فلسنا نحن في حاجة إلى الانتقال إلى الغرب لاكتساب عقلية يقينية كما يقول المناظر إنما كل ما نحن في حاجة إليه أن نقوي الاتجاه نحو الغرب فتكون العقلية اليقينية أخذت بطريقها إلى الشرق.
стр. 119
٩- الرد الختامي لفيلكس فارس:
درج١ الكتاب على تقرير عقلية للشرق وأخرى للغرب، ذهب بعضهم إلى أبعد من هذا مقررًا طبيعة كل من هاتين العقلين، وأن الواحدة منهما لا تقبل إلا المظهر الفلاني ولا تتلون إلا بلون خاص. وهم بقياسهم المظاهر الفكرية لهذه العقليات قد طبقوا هذا القياس نفسه على الشعوب فناضلت بسبب ذلك.
وعنده أن عقلية العرب العلمية ترجع للغرب لأنهم أخذوا أصولها عن فلاسفة اليونان. أما روحانيتهم فهي للشرق لأن الشرق منبع الأديان وكل ما فيها روحاني الطبيعة والمظهر.
وسبب هذا التباين الذي اعتبره أساسيا أن العقلية الشرقية ابتدأت بالاعتقاد بالخالق ثم انتهت بالطبيعة والعقلية الغربية بدأت بالطبيعة وانتهت إلى الخالق.
وانتهى٢ الكاتب إلى أن الجانب العلمي من الثقافة الإسلامية نتيجة الأخذ بأساليب الفكر اليوناني ولماذا لا يكون هذا الجانب نتجية للأخذ بأساليب الدين الإسلامي وتعاليمه.
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ .
"ثم عرض آيات القرآن التي لم تدخل عن طريق العاطفة بل عن طريق العقل" ألا تعتبر هذه الدعوة أساسا علميا لأن استعمال العقل في التفكير في مخلوقات الله هو الأسلوب العلمي بعينه.
стр. 120
أفيكون اليونان أصحاب الفضل في ذلك فيأخذ عنهم فلاسفة المسلمين هذا الجانب العلمي أم يكون الدين الإسلامي هو الأصل الأول.
يقول أدهم: "إن شارل مارتل أنقذ العقلية الغربية من العقلية الشرقية حين كانت تغزو أوربا على يد العرب".
ولو قال هذا الكلام أحد من الغرب لعذرناه فطبيعة الإنسان كثيرًا ما تغالط نفسها فتنكر الفضل على مستحقه.
حقيقة صد شار مارتل تيار العرب. ماذا منع عن أوربا؟ منع روح النسك، والعرب لم يعرفوا بذلك لا في الشرق ولا في الغرب؛ أم أنه صد عن أوربا سبعة قرون من ينابيع الفكر والعلم والثقافة؟ وهذا ما أقر به علماء الغرب ومؤرخوهم قبل أن ينكره أحد من الشرق والغرب.
سلوا مؤرخي النهضة الأوروبية واستفتوا عن أثر الأندلس في تلك النهضة، ألم تكن جامعاتها وحلقاتها قبلة للطلاب من كل ركن من أوربا، فلماذا تأثروا بالعلم ولم يتأثروا بالنسك؟ أفيكون مارتل بعد هذا قد أنقذ العقلية الجرمانية؟ وهي كما يعلمها طلبة التاريخ من العقلية الشرقية يأتي بها العرب أم يكون مارتل قد أنقذ الجهل من العلم قرونًا١.
стр. 121
لا يتنيون وسكسونيون: بين العقاد وطه حسين
...
لاتينيون وسكسونيون: بين العقاد وطه حسين
هذه معركة تمثل صراع الثقافتين الفرنسية والإنجليزية في مصر. قامت بين زعيمي المدرستين في مصر. بدأت عندما أصدر أنطون الجميل كتابه عن "شوقي" فنقده "العقاد" في النقد على طريقة الصالونات ولا تتحدث عن العيوب والأخطار إلا في إيماء وتورية ولباقة وإن النقد اللاتيني يؤثر الظواهر ويبيع النكت على حين يعنى النقاد السكسونيين ببساطة الطبيعة بالرجل ومن حيث هو رجل. ورد الدكتور طه فقال: إن العقاد أراد أن يرضي أنطون الجميل ويهاجم شوقي والمعروف أن العقاد له رأي في شوقي وشعره فقال هذا الكلام وأن الثقافة اللاتينية براء مما اتهمها به وأن العقاد ظلم الثقافة اللاتينية والنقد اللاتيني ولا شك أن هذه المعركة تمثل بوضوح صراع الثقافتين الفرنسية والإنجليزية في مصر.
١- العقاد: شوقي أو أسلوبان في النقد ١:
لا بأس أن نطلق حكمًا عامًا على مدرستين كبيرتين ضمن مدارس النقد الأدبي الحديث في البلاد العربية وهما مدرسة اللاتين وشعارها عندنا "الأناقة" ومدرسة السكسون وشعارها عندنا "البساطة" أو "الفطرة".
ولكل منها أنصار وأتباع بين كتاب العربية يمثلونها من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
تقرأ الناقد الفرنسي فكأنما تتخيل أمامك ظريفا باريسيا يقدم رجلا من معارفه إلى الصالون أو جماعة من جماعات الأندية، فهو في وصفه لهم يعرفهم قيمته "العرفية" ولا يعنى كثيرًا بتعريف قيمته المعنية أو هو يعرفهم قيمته على حساب الأوضاع والمراسيم الجارية ولا يلتفت إلى ما وراء ذلك من القيم الخفية التي لا يعنى بها في المجالس والعلاقات الاجتماعية.
стр. 122
وقد يومئ إلى عيب من عيوبه لتكون الغمزة نكتة مستملحة أو معرضا للباقة والتعبير والتورية البليغة أو ليكون الدفاع عنها براعة في المحاماة والتخريج.
وإنك لتقرأ الناقد السكسوني فكأنما تتخيل أمامك دليلا يرشدك إلى رجل يعنيك أن تعامله وتطلع على جميع شأنه أو يرشدك إليه وهو على سجيته كما يكون الإنسان في قافلة للسفر أو بين خاصة أهله أو منفردًا بنفسه. ثم يأبى بعد ذلك خصاله الإنسانية التي تنطوي على مظاهره وشاراته.
وقس على ذلك أبطال الفريقين في القصص والروايات، فبطل الرواية الفرنسية دائما عضو في مجمع تعرفه بهذه الشارة قبل أن تعرفه بصفة أخرى وبطل الرواية السكسونية هو دئما "رجل" قبل كل شيء أو امرأة قبل كل شيء، رجل تعرفه بطبائعه وأخلاقه قل أن تعرفه بوظائفه وشاراته.
عنت لي هذه الخواطر وأنا أقرأ الرسالة الطريفة التي دبجها الكاتب الألماني الأستاذ أنطون الجميل عن "شوقي شاعر الأمراء".
فالأستاذ الجميل يقدم لنا الشاعر في هذه الرسالة كما يقدم الظريف الباريسي صاحبه إلى جماعة الصالون. مجاملة اجتماعية في كل سطر من السطور، فإن كان لا بد من غمزة فهي الغمزة التي تعود في ثنايا الكلام نكتة مستملحة.
ولم يعن الكاتب الأريب بدرس شوقي عنايته بعرض القواعد والشارات التي تتصل بشوقي ومقاصد شعره. فشوقي في هذه الرسالة موضوع تدور حوله القواعد والآراء وليس بإنسان مقصود لذاته من وراء النقد والعرف والمصطلحات.
وفي الرسالة ولا ريب ملاحظات صائبة وآراء رفيعة وإشارات عن
стр. 123
ذوق ومعرفة وأقوال يتفق عليها القراء ولكنها لا تتعدى كلها باب الصالون إلى ساحة الفطرة المطلقة، فالرسالة تعرفنا شوقي في حلة المساء أو في لباس السواريه، أما شوقي الذي خلقه الله فربما زادنا جهلا به أن ننظر إلى تمثاله في كلام الأستاذ الجميل.
٢- "طه حسين" لاتينيون وسكسونيون ١:
أراد العقاد أن ينقد كتاب الأستاذ أنطون الجميل في شوقي شاعر الأمراء. ولم أكن أشك في أن الأستاذ سيشتد على الكتاب ومؤلفه وعلى شوقي أيضًا فمذهب الأستاذ في الأدب العصري معروف، وأقل ما يوصف به أنه بعيد كل البعد عن الإعجاب بشعر شوقي وعن الإقرار للذين يعجبون بهذا الشعر.
وقد أشارك الأستاذ في كثير جدًا من أرائه في شوقي والمعجبين به ولكن الشيء الذي أخالف فيه الأستاذ أشد الخلاف. والذي أكتب من أجله هذا الفصل هو المقدمة التي بسطها بين يدي فصله. وعرض فيها لما أسماه نقد اللاتينين ونقد السكسونيين.
وأحب ألا يغضب الأستاذ العقاد إذا اصطنعت الصراحة في بسط رأيي في هذا الفصل فلعله يوافقني على أنه في حقيقة الأمر غير راض عن الكتاب ولا مؤمن ولكنه أراد أن يكون ناقدًا مجاملا لبقا فاستعار من اللاتينيين ما يعيبهم به من المحاملة واللباقة في النقد. لم يرد أن يصارح الأستاذ أنطون الجميل بأن كتابه لا يرضيه من كل وجه لأنه حريص على مقدار ولو محدود
стр. 124
من المجاملة بين الزملاء، ولم يرد أن يعيد على الناس حديثه في شوقي وشعره لأن شوقي قد مات منذ وقت قصير والنظم الاجتماعية تقضي بشيء من المجاملة للموتى. وللذين رزءوا فيه أشهرًا على أقل تقدير. لم يرد هذا ولا ذاك، ولم يكن يستطيع أن يهمل كتاب الأستاذ أنطون الجميل فضلا عن أن يقرظه تقريظًا خالصًا؛ لأن في هذا أو ذاك ظلما لرأيه وكتمانا لما يعتقد أنه الحق فسلك في نقده هذه الطريقة الغربية التي لا تخلو من التواء. أعتذر للأستاذ أنطون الجميل بثقافته اللاتينية وأخذه المذهب اللاتيني في النقد بما تورط فيه خطأ بين وحكم غير مستقيم على شعر شوقي. ولست أدري أظفر الأستاذ العقاد بإرضاء الأستاذ الجميل أم لم يظفر. أوفق إلى مجاملة شوقي والذين رزئوا فيه أم أخطأه هذا التوفيق.
لست أدري. ولكني أعلم علم اليقين أنه ظلم الثقافة اللاتينية وظلم النقد اللاتيني وظلم قراءه جميعا. وأن إرضاء الأستاذ أنطون الجميل أو مجاملته أهون على الأستاذ العقاد نفسه من ظلم العلم والأدب والقراء جميعا.
فزعم أولا أن للاتينيين مذهبا في النقد, وأن للسكسونيين مذهبا آخر وأن هذين المذهبين يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف. وزعم بعد ذلك أن أخص ما يمتاز به المذهب اللاتيني "الأناقة" وأخص ما يمتاز به المذهب السكسوني "البساطة" أو "الفطرة" وفسر هذا بأنك إذا قرأت الناقد الفرنسي رأيت رجلا أنيقا لبقا يقدم في أحد الصالونات كاتبه الذي ينقده على الأوضاع الاجتماعية المألوفة مجالا وتكلفا. وقد يومئ إيماء خفيفا إلى بعض العيوب.
ولكن على سبيل النكتة أو على سبيل الحيلة في التماس الدفاع عن هذا الكتاب الذي ينقده أو الرجل الذي يقدمه إلى الصالون.
أما الناقد السكسوني فهو لا يحفل بالأوضاع الاجتماعية. وإنما يهجم
стр. 125
بك فورًا على الحياة الفردية، على الحقيقة الإنسانية، على الرجل من حيث هو رجل لا من حيث هو فرد في جماعة. ومعنى أن نقد اللاتيني سطحي مخالف لأصول العلم وأن نقد السكسونيين هو النقد العلمي الصحيح الذي تجد فيه الفائدة وتجد فيه العناء.
وأنا أحب أن يعذرني الأستاذ العقاد إذا قلت له في صراحة أني كنت أنتظر منه كل شيء إلا التورط في هذا الخطأ الصارخ والظلم البين، فليس من الحق بوجه من الوجوه أن الاختلاف بين النقاد اللاتينيين والسكسونيين عظيم إلى هذا الحد الذي يصوره الأستاذ. فليس هناك نقد لاتيني ونقد سكسوني وإنما هناك نقد فحسب، قد يعتمد على هذا الذوق الفني العالي الذي أحدثته الثقافة اليونانية واللاتينية، وورثته عنها الأمم الحديثة على اختلاف أجناسها وبيئاتها. فكل النقاد من الفرنسيين والإيطاليين والألمانيين والإنجليز قد قرءوا آيات البيان اليوناني واللاتيني وذاقوا آيات الفن اليوناني والروماني لأنفسهم أو كونت لهم هذه القراءة ذوقا عاما مشتركا بينهم جميعا يختلف في ظاهره ولكنه لا يختلف في جوهره لأن الجوهر واحد مستمد من هوميروس وبندار وسوفوكل وأرستوفان وأفلاطون.
عسير جدا أن يقال إذًا: إن هناك نقدًا لاتينيا ونقدًا سكسونيا وأن النقدين يختلفان في الجوهر والطبيعة، ثم أعتذر إلى الأستاذ بعد هذا من أني لا أستطيع ولا أظن أن أحدا يستطيع أن يقره على رأيه في النقد اللاتيني بل أنا لا أقضي العجب من تورط الأستاذ في إعلان هذا الرأي الغريب، فليس من الحق أن هذا النقد يعتمد على الأوضاع الاجتماعية ويهمل الإنسان من حيث هو إنسان.
стр. 126
هذا كلام لا يمكن أن يقبل. ألم يقرأ سانت بوف. أن قراءة فصل واحد لهذا الكاتب الذي ملأ الدنيا نقدًا لأنه أنفق في النقد صفوة حياته يقنع الأستاذ ومن هو أقل من الأستاذ إلماما بالأدب والنقد بأن سانت بوف كان أبعد الناس عن أن يكون رجلا من رجال الصالونات يقدم الكتاب والشعراء إلى الناس في أناقة ولباقة وظروف ومجاملة.
أنا أحب ألا يظن الأستاذ العقاد أني أدافع هنا عن الثقافة اللاتينية على حساب الثقافات الأخرى، فأنا من أشد الناس إكبارًا للثقافة السكسونية وإعجابا بما عرفت منها ولكني كنت وسأظل من أقل الناس حديثًا عنها وحكما عليها.
والحق الذي لا غبار عليه في هذه المسألة هو أن الأستاذ العقاد تعجل وجامل فأخطأ الصواب وأقام أحسن دليل على أن التعميم في الأحكام على الشعوب مزلة للأقدام وسبيل إلى الظلم.
٣- العقاد: نعم؛ لاتينيون وسكسونيون
أتاح لنا الدكتور طه حسين فرصة أخرى لسوق الأمثلة الظاهرة والمحسوسة على الفرق بين الثقافة اللاتينية والثقافة السكسونية على الإجمال، وهذا المثل الجديد وهو الدكتور طه حسين نفسه سامحه الله.
فقد أقول اليوم في ثقة أن الدكتور لو كان يدرس الأدب السكسوني كما يدرس الأدب اللاتيني لكتب مقاله "لاتينيون وسكسونيون" بأسلوب غير أسلوبه هناك.
فالدكتور ما كان ليستطيع أن يزيد حرفا وحدًا على ذلك المقال لو أنني
стр. 127
قلت: إن الثقافة اللاتينية خلاصة كل مزية وأن الثقافة السكسونية جامعة لكل المزايا أو لو أنني قلت أن الأمة اللاتينية أدبت وعقمت فما أنتجت ناقدًا يؤخذ برأيه في نقد الكتاب والشعراء، وأن الأمم السكسونية استأثرت بالعبقرية الأدبية فما نبغ في غيرها ناقد ولا شاعر ولا أديب. لأن الدكتور يسألني عن سانت بيف وأضرابه من نقاد فرنسا، ما رأيي فيهم وما حكمي على طريقهم. ويستكثر على أن أجرد اللاتينية من ملكات الثقافة وفيهم أمثال هؤلاء الأعلام.
فالدكتور يقول "للأستاذ أن يدرس على مهل وفي أناة وروية من شاء من النقاد المحدثين في أي أمة من الأمم الأوروبية فسيرى أن هؤلاء النقاد جميعًا يتفقون في أن نقدهم يقوم على هذين الأصلين اللذين أشرت إليهما وأنا أستعير عبارته فأقول: إن على الدكتور أن يدرس على مهل وفي أناة وروية سانت بيف وتين وفاجيه وأناتول فرانس ولامثيه، فسيرى أن هؤلاء النقاد يؤيدون رأيي وينقضون ما قرره.
أليس معنى هذا أن القواعد والمراسيم الاجتماعية تغلب على عبقرية اللاتين وأن بساطة الحياة العادية من أكلاف المراسيم تغلب على عبقرية السكسون، وأنه أي النقد اللاتيني إذا التفت إلى "الخصائص الإنسانية الحية" فإنما يلتفت إليها تبعا لتلك القواعد والمراسم الاجتماعية.
ونحن لم نعمد إلى هذه التفرقة كما ظن صديقنا ابتغاء المجاملة للأستاذ الجميل فقد سبقه إلى مثل هذه التفرقة في فصل استكتبتنا إياه شركة لاروس قبل ثلاث سنوات ونشرته في كراستها التي تجمعها عن الشعوب الشرقية والغربية، فهنالك قسمنا أدباءنا إلى دارسين للثقافة اللاتينية ودارسين للثقافة
стр. 128
للثقافة السكسونية وقلنا أن الأولين يكثر بينهم مؤرخو الأدب والشارحين وأن الآخرين يكثر بينهم الأدباء والشعراء.
وصفوة القول أن الدكتور طه أتاح لنا مثلا جديدًا يضاف إلى الأمثلة التي أجملناها هناك ولا ريب مزاج لاتيني ومزاج سكسوني وما دام للجنسين مزاجان فهما في النقد والشعر مختلفان. وهناك إذن لاتينيون وسكسونيون يظهرون مختلفين في كل فروع الآداب والفنون.
٤- "طه حسين" لاتينيون وسكسونيون:
لم أكن أحب أن تنتقل المناقشة بين الأستاذ العقاد وبيني من نقد اللاتينيين ونقد السكسونيين إلى الثقافة اللاتينية والثقافة السكسونية. ما كنت أحب أن أجاري الأستاذ العقاد في المفاضلة بين هاتين الثقافتين. ذلك أني أحب الثقافتين جميعًا وأوثرهما جميعًا وأريد أن أتثقف بهما جميعًا بل أريد أن أتثقف بكل ثقافة أستطيع أن أصل إليها أو أن أظفر منها بحظ سواء كان ذلك عن طريق القراءة في النصوص الأولى أو من طريق القراءة في التراجم.
وليس الدفاع عن الثقافة اللاتينية تعصبا لثقافتهم اللاتينية أو تنكرا لثقافة السكسونيين، وإنما هو العلم ينبغي أن يقر الأشياء في نصابها وليس من الحق بحال من الأحوال أن نقد اللاتينيين كله أو أكثره أو نصفه أو من الحق بحال من الأحوال أن نقدًا جديا يقصد إلى طبيعة الكاتب أو الشاعر في بساطتها ويقصد إلى الرجل من حيث هو رجل وقد يضطلع في ذلك التأنق والظرف ولكن ذلك ليس عيبا له ولا غاضا منه وإنما يعيبه ذلك ويغض منه لو لم يكن في النقد اللاتيني إلا تأنق وظرف، فأما وفيه بحث وتحقيق فأما وفيه التماس لطبيعة الكاتب
стр. 129
والشاعر في بساطتها؛ فقد يكون التألق والظروف شيئا لا بأس به ولا معنى للزهد منه.
وعجيب جدًا من الأستاذ العقاد أن يكره الاعتراف بأن النقد الحديث كله يقوم رغم تطوره واختلاف المذاهب الحديثة فيه على الثقافة الأدبية اليونانية واللاتينية. فإن العقل الأوروبي كله مهما تكن بيئته ومهما تكن جنسية أصحابه ومهما يكن حظه من التطور وليد العقل اليوناني الروماني سواء رضينا أم كرهنا.
من الذي يستطيع أن يوافق الأستاذ العقاد على أن النقد لا يمكن أن يكون علما يذكر قبل أن يوجد علم النفس الحديث، أما أنا فلا أعرف أن النقد علم وأحب له أن يكون علما، وإنما أرى أن يكون النقد مزاجا من العلم والفن وهو على هذا النحو قد وجد منذ عهد بعيد.
أريد أن أعاتب الأستاذ العقاد عتابا رقيقا، فقد زعم الأستاذ أن سانت بوف لا يشهد لمذهبي في نقد اللاتينيين. وإنما يشهد لمذهب الأستاذ لأن ما في سانت بوف من مزايا راجع إلى تأثره بالثقافة السكسونية والدم السكسوني ذلك أن أم سانت من أصل إنجليزي، وأنه كان يؤثر الشعر الإنجليزي على الشعر الفرنسي في بعض الفصول.
أما أن سانت بوف كان يؤثر الشعر الإنجليزي على الشعر الفرنسي فذلك شيء مشكوك فيه جدًا لأن سانت بوف لم يكن يؤثر شيئًا أو قل كان يؤثر كل شيء أو قل إن أردت التحقق أن أخص ما يمتاز به هذا الناقد العظيم أنه كان شاكا مسرفا في الشك يقر اليوم شيئا ويعدل عنه غدا ويجوز أن يرجع إليه بعد غد فحب سانت بوف لشعر الإنجليز إن صح، لا يجعله
стр. 130
مدينا بأدبه للإنجليز وأن يكون تأثير الثقافة الإنجليزية في سانت بوف أكبر من تأثير الثقافة الفرنسية فيه.
أما أن أم الناقد العظيم كانت من أصل إنجليزي فالأستاذ يبالغ في نتيجته فقد كانت أم سانت بوف نصف إنجليزية، ذلك أن أباها كان بحارًا فرنسيا وأن أمها كانت إنجليزية.
من ١ العقاد إلى طه:
ألا شعر الدكتور أن دينه للأدب السكسوني أكبر من دينه لأدب اللاتينيين في كتابه "في الصيف" وفي كتاب الأيام. أليس الدكتور متأثرًا بجيتي حتى في فلسفة ليبنتز التي أشار إليها وحتى في التفاته الخاص إلى شغف ابنة نكنيسه ستراسبورج التي كان لها في حياة جيتي أثر بليغ؛ أليست طريقة الفصول الخطابية هي طريقة الرسائل الفرترية.
فهل ترى الدكتور على استعداد لأن يرد إلى السكسون ما أخذه منهم هنا مكتفيا بما أخذه من اللاتينيين، إنه ليخسر ولا يربح هذه الصفة بلا مراء.
стр. 131
النزعة اليونانية بين زكي مبارك وطه حسين:
حمل الدكتور طه حسين لواء الدعوة إلى "النزعة اليونانية" وقال: إن الناس في الشرق والغرب وفي جميع الأجيال مدينون لثقافة اليونان. وقال فيما قال: "إن عقلية مصر عقلية يونانية". وقال عام ١٩٢٥ في مقال بعنوان "بين الشرق والغرب": نعتقد ونظن أن غيرنا من مؤرخي الفلسفة المحدثين يعتقد أيضا أنه لم يكن للشرق في تكوين الفلسفة اليونانية والعقل اليوناني والسياسة اليونانية تأثيرًا يذكر وإنما كان تأثير الشرق في اليونان تأثيرًا عمليا ماديا ليس غير ... "، وهو بهذا ينكر فضل الأثر المصري القديم ويجعل الثقافة العربية تابعة لثقافة اليونان متأثرة بها وقد أورد طه حسين هذا الرأي في كتابه "قادة الفكر" ١٩٢٦ ثم عاد وردده في مقالاته بالهلال "مجلد ٣٩" ثم توسع فيه في كتابه مستقبل الثقافة.
وقد لقي هذا الرأي معارضة من كثير من الكتاب أمثال شكيب أرسلان وزكي مبارك.
طه حسين بين الشرق والغرب:
مجلد ٣٣ الهلال:
يجب أن نلاحظ أن العقل الإنساني ظهر في العصر القديم بمظهرين مختلفين أحدهما يوناني خالص هو الذي انتصر وهو الذي يسيطر على الحياة الإنسانية إلى اليوم وإلى آخر الدهر، والآخر شرقي انهزم مرات أمام المظهر اليوناني وهو الآن يلقي السلاح ويسلم للمظهر اليوناني تسليمًا تامًا.
بينما نجد العقل اليوناني يسلك في فهم الطبيعة وتفسيرها هذا المسلك الفلسفي الخصيب الذي نشأ عنه فلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس ثم فلسفة ديكارت وكانت وكونت وهيجل وسبنسر نجد العقل الشرقي يذهب مذهبا دينيا خالصا في فهم الطبيعة وتفسيرها فلم يستطع العقل الشرقي أن يظهر شخصية فلسفية قوية في فهم العالم وتفسيره وإنما خضع للكهان في عصوره الأولى وللديانات السماوية في عصوره الراقية.
стр. 132
وهناك شيء آخر نجده عند اليونان ولا نجده في الشرق، وهو هذا التطور السياسي الخصب الذي أحدث النظم السياسية المختلفة في المدن اليونانية من ملكية وجمهورية وأرستقراطية وديمقراطية معتدلة أو متطرفة والذي لا يزال أثره قويا في أوربا إلى اليوم، وإلى آخر الدهر والذي أخذ الشرق يتأثر في نظمه السياسية أيضا، وبينما كانت المدن اليونانية تخضع لهذا التطور الغريب الذي حقق حرية الأفراد والجماعات والذي انتصر حتى أصبح المثل الأعلى للحياة الحديثة في الشرق والغرب، وكان الشرق خاضعًا لنظام سياسي واحد لم يتغير ولم يتبدل هو نظام الملكية المطلقة المستبدة التي تفقد فيه الجماعات والأفراد كل حظ من الحرية.
٢- طه حسين: في العقل العربي الحديث ١:
الشيء الذي لا أشك فيه وما أظن أحدًا يشك فيه هو أن لونا من ألوان العقل قد ظهر في عصر من عصور التاريخ القديم في بلاد اليونان وتجاوز حدود هذه البلاد في بعض الأوقات حتى كان الإسكندر المقدوني فخرج بهذا العقل فاتحا للشرق القريب والبعيد، محاولا أن يقره فيه ويبسط سلطانه عليه، ونجح الإسكندر نجاحا عظيما في مهمته هذه بالقياس إلى الشرق القريب بنوع خاص وقد استطاع العقل اليوناني أن يستقر في هذا الشرق ويمازج نفوس أهله حتى يصبح جزءًا منها. ومنذ ذلك الوقت أصبح هذا العقل مقياس الحضارة في أي أمة من الأمم الشرقية القريبة كما أصبح مقياس الحضارة في الأمم الغربية نفسها، فالأمة متحضرة راقية إذا أخذت بتراث العقل اليوناني وشاركت فيه وأضافت إليه. والأمة غير متحضرة أو غير مشاركة في الحضارة الإنسانية الممتازة
стр. 133
إذا أعرضت عن هذا التراث فلم تأخذ به ولم تلتفت إليه ولم تجعله أصلا من أصول حياتها المقومة لها. وما من شك في أن هذا العقل قد كان مقياسًا لحضارة الأمة العربية بعد أن هديت إلى الإسلام وقال التاريخ: إنها بلغت أرقى ما استطاعت أن تبلغ من الحضارة الراقية المزدهرة أيام بني العباس حين عرفت فلسفة اليونان وعلمهم وفنهم الرفيع وفنونهم التطبيقية أيضًا. وحين شاركت في هذا كله فنمته وأضافت إليه.
ثم قال التاريخ: إنها أخذت تخلص من هذا الجمود والهمود وتسترد حظها في الحياة والنشاط ونباهة الذكر في هذا العصر الحديث لأنها اتصلت بهذا التراث العقلي القديم الذي أهدته إلى أوروبا وأعرضت عنه وقتا ما.
سألت نفسي إذن عن نشأة العقل العربي الإسلامي الذي ملأ الأرض في بعض عصور التاريخ علما وأدبا وفلسفة وفنا فرأيت، وأظن أن المثقفين كلهم يرون كما رأيت. إن هذا العقل إنما نشأ ونما وأنتج حين اتصلت الأمة العربية بعد الفتح بالأمم الأجنبية الأخرى وحين أعطتها وأخذت منها. أعطتها دينا ولغة وأدبا؛ وأخذت منها علما وفلسفة وفنا وسياسة وإدارة وتدبيرًا. ونشأ عن هذا الأخذ والعطاء مزاج خاص، هو هذا العقل العربي الذي نراه فيما نقرأ من آثار أدبائنا وعلمائنا وفلاسفتنا.
مهما يكن من شيء فالعقل العربي الإسلامي إنما نما وأثمر وأنتج حين اتصل بالعقل اليواناني بل حين امتزج بل حين أساغه وتمثله وجعله مقوما لنفسه ومشخصا لحياته.
стр. 134
رد الدكتور زكي مبارك ١:
-١-
ساير الدكتور طه الباحثين الأوربيين في القول بأن الثقافة اليونانية هي مصدر الثقافة الإنسانية وأن الناس في الشرق والغرب وفي جميع الأجيال مدينون لثقافة اليونان.
والحق أن للدكتور عذرًا في هذه المسيارة فقد قرأ كتبا ترى هذا الرأي، ولو أنه تريث لعرف أن هنالك كتبًا أجدر من تلك الكتب بالتلخيص. وهي التي ترى أن المعارف اليونانية منقولة من المعارف المصرية، وأن فلاسفة اليونان لم يكونوا إلا تلاميذ لفلاسفة مصر القدماء.
وأنا لا أسوق هذه المؤاخذة تعصبا لبلادي، فاليونانيون أنفسهم يعترفون بأنهم تلاميذ المصريين وكانت زيارة مصر واجبة على كل يوناني يريد التفقه في أسرار الوجود، أستاذية مصر الفرعونية الوثنية ليست أسطورة من الأساطير بل هي حقيقة من الحقائق وإن أراد الدكتور طه أن يساجلني فأنا حاضر للسجال وقد سجل في كتابه مستقبل الثقافة: إن عقلية مصر عقلية يونانية وإنه لا بد من أن تعود مصر إلى احتضان فلسفة اليونان.
والواقع أن إيمان الدكتور طه حسين بهذا الرأي يرجع إلى تاريخ قديم ففي نوفمبر ١٩١٩ قدم ثروت باشا الدكتور طه حسين إلى الجمهور في قاعة المحاضرات بالجامعة المصرية فألقى المحاضرة الأولى وقال في هذه المحاضرة: "إنه
стр. 135
عزم على إحياء التراث اليوناني لأنه يؤمن إيمانا جازما بأن مرجع الفكر في الشرق والغرب إلى القدماء من مفكري اليونان".
زعموا أن الدكتور يعترف بظهور الحضارة الشرقية القديمة التي لا تزال تبهرنا حتى الآن قبل أن تكون الحضارة اليونانية شيئا مذكورًا، وزعموا أن الدكتور لا ينكر أن الأمة اليونانية من غير شك تأثرت بالحضارات الشرقية المختلفة وأخذت عن الساميين في آسيا وعن المصريين في أفريقيا أشياء كثيرة مختلفة.
يقول الدكتور: "نعتقد ونظن أن غيرنا من مؤرخي الفلسفة المحدثين يعتقد أنه لم يكن للشرق في تكوين الفلسفة اليونانية والعقل اليوناني والسياسة اليونانية تأثير يذكر إنما كان تأثير الشرق في اليونان تأثيرًا ماديًا علميا ليس غير.
فقد أخذ اليونان الشرقيين أشياء كثيرة ولكنها عملية مادية، أخذوا عنهم شيئا من الموسيقى وتعلموا منهم فنونا عملية كالحساب والهندسة ولكنهم لم يأخذوا عنهم شيئا عقليا يذكر "ص٤٦، ٤٧" وإن قيادة الفكر اليوناني كان قوامها الشعر والفلسفة.
نقول: كيف عرف اليونان الفلسفة؟
هل عرف اليونان الفلسفة والشعر عفوا؟ أم أنهم نقلوها من الأمم التي استعمروها؟ فإنه لما ضاقت الأرض اليونانية بأهلها ذرعا لم يجد اليونان أمامهم إلا الهجرة أو الاستعمار فانتشروا في مختلف أقطارها كآسيا وأفريقيا وإيطاليا وصقلية وإسبانيا وفرنسا.
ولا أخال الدكتور يناقضنا إذا قلنا: إن جميع الأقطار العربية التي
стр. 136
استعمرها اليونان في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وصقلية في تلك العصور لم يكن بها حضارة أو مدنية. وإنما كان الجهل فيها طبقات بعضها فوق بعض.
ونريد أن نصل من هذا إلى حقيقة واضحة هي أن اليونان لم يأخذوا عن أهل هذه الأقطار الغربية شيئا من الحضارة أو المدنية.
والذي لا شك فيه أن العقل اليوناني ارتقى وتطور عندما عرف اليونان الهجرة والحروب والاستعمار، والحقيقة المرة التي يجب أن يعترف بها الدكتور هو أنه لو لم يكن الشرق وحضارته وفنونه لما ارتقى العقل اليوناني ولما انتقلت منارة الفكر من الشعر إلى الفلسفة.
قال الدكتور: إن اليونان لم يأخذوا عن الشرقيين إلا أشياء عملية مادية ليس غير، أخذوا عنهم شيئا من الموسيقى ونقلوا عنهم فنونا عملية كالحساب والهندسة.
أما نحن فنجاهر بأن الدكتور أخطأ في زعمه.
فما معنى أن اليونان أخذوا عن مصر فنًا عمليًا الموسيقا. أليست الموسيقا فنا من الفنون الجميلة.
ويقول الدكتور: فلئن كان البابليون قد رصدوا النجوم ووصلوا من ذلك إلى نتائج قيمة في علم الفلك فهم لم يضعوا علم الفلك وإنما هذا العلم يوناني لم ينشأ عن النتائج البابلية وإنما نشأ عن البحث اليوناني "ص٤٧".
والحقيقة أن البابليين عرفوا علم الفلك قبل أن يعرف اليونان هذا العلم وماهيته. وعلم الفلك الذي توصل إليه البابليون هو الذي ندرسه اليوم في جوهره وأصوله.
стр. 137
ينكر الدكتور نبوغ الشرقي من الناحية الفلسفية إنكارًا باتا بكل ما في الكلمة من معنى، ولا أدري هل سبب هذا هو أن الدكتور غير ملم بالأصول الفلسفية الحقة أم هو ملم بها غير أنه لم يقو بعد على تحليل هذه الأصول تحليلا صحيحا وتفهمها فهما جيدًا.
ونظرة بسيطة إلى الشرق قبل أن يولد سقراط وأفلاطون، بل قبل أن يعرف شيء عن اليونان جميعها نجد فن التحنيط ولا أراني محتاجا إلى أن أقول لم حنط القدماء في مصر جثث موتاهم؟
فهل هناك شك أن هذه العقيدة التي كان يؤمن بها المصريون القدماء وهي خلود النفس نتيجة بحث فلسفي قيم. الحق أن الفلسفة ظهرت في مصر قبل ظهورها في بلاد اليونان بمئات السنين غير أن سوء الحظ الذي يصادفنا اليوم. هو الذي أخفى هذه الحقيقة.
-٢-
تساءل زكي مبارك١: ما الموجب لإثارة هذه المشكلة؟ وأجاب:
الموجب هو إصرار الدكتور طه على القول بأن مرجع الفكر في الشرق والغرب إلى القدماء من مفكري اليونان وحرصه على إثبات هذا القول في الكتاب المقرر لمسابقة الأدب العربي، وكان قبل ذلك مقررا للمطالعة في المدارس الثانوية.
يضاف إلى هذا أن الدكتور طه. "جعل" القيمة الفعلية من حظ الغرب وجعل البوارق الخيالية من حظ الشرق وانتهى إلى النص بأن الغرب وطن الفلاسفة وأن الشرق وطن الأنبياء.
стр. 138
ما حظ الدكتور طه في أن يقرر أن العقل الشرقي انهزم أمام العقل اليوناني مرات في التاريخ القديم وأنه ألقى السلاح في التاريخ الحديث.
ما الغرض من الإصرار على أن العقل الشرقي يذهب في فهم الطبيعة وتفسيرها مذهبًا دينيا قانعًا بدليل أنه خضع للكهان في عصوره الأولى، وخضع للديانات السماوية في صوره الراقية.
لا بد من نقض هذه الآراء قبل أن يفتتن بها التلاميذ لأنها مسجلة في كتاب رقم عليه اسم وزارة المعارف العمومية.
الكهان:
والظاهر أن الدكتور طه يتوهم أن الكهانة ظاهرة شرقية لا غربية وذلك توهم طريف لأن الدكتور طه نفسه يشهد بأن سقراط قد استلهم الكهان مع أنه في زعم الدكتور طه أول محرر للعقل الإنساني من أغلال الأضاليل، وأقول بعبارة صريحة أن الكهانة لم تصر مهنة مقدسة إلا في عهود الوثنية اليونانية فقد كانت لها معابد وكان لمعابدها سدنة وأمناء وكان المصير لكل معضلة فردية قومية رهينا برأي "الصوت المتنكر" في زوايا الظلام المنشور فوق معابد اليونان.
أما كهان الشرق فقد كان مركزهم في المجتمع أيسر وأخف، لأن الشرق سبق الغرب إلى استحياء العقل، وهل يستطيع مكابر أن ينكر فضل الشرق في السبق إلى رفع القواعد عن الحضارة الإنسانية.
تفرد الشرق بالأنبياء:
وأقول إن النبوات في الشرق دانت الإنسانية بديون يراها الحاضر وذكرها التاريخ.
стр. 139
إن الشرق لن يتخلى عن السيطرة الروحية وإن عجز عن السيطرة المدنية ولن يوهن من قوة الشرق أن يقرأ أبناؤه كلاما منقولا عن أحد الأجانب ولو كان الناقل طه حسين.
-٣-
وقال الدكتور زكي مبارك١ تحت عنوان "نزعة تمجيد اليونان" إن العرب لا يزالون أقوياء يخشى شرهم، وذكرياتهم الأدبية والعلمية والتشريعية مقرونة بالإسلام وكل إحياء لذكريات العرب خليق بأن يثير الزهو والكبرياء في نفوس الأمم الإسلامية وهم يعرفون ما صنعت تلك الأمم في الأيام الخوالي، وأثار العرب ترجع في صميمها إلى التشريع وهو من المعاني الجافة التي لا يقبل عليها غير أهل الجد من كبار الباحثين، ولا كذلك أثار اليونان فإن معظمها يرجع في جوهره إلى الأدب الصريح الذي يهيج الأهواء ويثير الشهوات حتى ليمكن أن يقال أن جميع الشهوات واللذات الجنسية أخذها الأوربيون عن اليونان، ولذلك يمجد الغرب ذكريات اليونان ولا يمجد ذكريات العرب.
ويقول زكي مبارك٢: يرى الدكتور طه أن الأدب الذي يحتل المركز الأول في الآداب القديمة هو الأدب اليوناني ثم يجيء الأدب العربي.
كتب مأمون حلمي عبد اللطيف يقول:
إذا كان كل هذا حق فمن هو الفيلسوف الأول الفرعوني الذي أثبت خلود النفس قبل أن تولد الأمة اليونانية، أم سقراط الذي جاء لنفس هذه النظرية قبل الميلاد بأقل من أربعة قرون.
стр. 140
ويقول مبارك، إن من المجاملة المخدرة أن يعلن الدكتور طه أن الأدب العربي أقوى من الأدب الفارسي واللاتيني.
وإذا كان الأدب اليوناني في المكان الأول فإن الأدب العربي في المكان الأول أيضًا، الأدب اليوناني له المكان الأول من الناحية القصصية والتمثيلية وأنه في هذا الباب يمتاز امتيازًا صريحا لا يقبل الجدل ولا النزاع.
والأدب العربي له المكان الأول من الناحية الدينية، فإن البلاغة الدينية باب مهم من أبواب البلاغات في الأدب القديم والحديث، فقد شغل ثلاثمائة مليون في العالم شغلا موصولا بأروع أثر في البلاغة الدينية ممثلا في القرآن وعندنا أدب الصوفية.
أيستطيع باحث أن يزعم أن اليونان عندهم هذا الصفاء في الجوانب الروحية أما الأدب العربي فقد سكت عنه الأوربيون عامدين، لأنه يمثل الحضارة الإسلامية وهي حضارة كانت تبغي أوربا هدمها منذ أزمان، ولأنه من جهة ثانية مصبوغ في أكثر موضوعاته بصبغة الجد الرصين، وأوربا فتنت بما في الأدب اليوناني من نزق وطيش وخلاعة ومجون، بدليل أن أكبر شاعر شرقي راج أدبه في أوربا هو عمر بن الخيام لأنه شاعر اللذة والقلق والارتياب ويضاف إلى هذا أن يقظة أوربا الحديثة اتفق وجودها في أزمان كانت فيها الأمة العربية منحدرة إلى مهاوي الضعف والخمول فلم تستطع أن تقدم أدبها إلى العالم القديم تقديما حسنا بقدر ما كان له من روعة وجمال.
"رأي رشيد رضا":
وفيما يتصل بالنزعة اليونانية ما كتبه إبراهيم المصري في تفضيل الشعر
стр. 141
اليوناني على الشعر العربي وقد كتب رشيد رضا١ في الرد عليه. قال:
أما شعر الإغريق الذي يفضله المجدد إبراهيم المعري على الشعر العربي وينبغي على العرب نبذهم له وترك الاقتباس من معانيه كما اقتبسوا من فنون اليونان وفلسفتها فقد كنا نجهله قبل أن يترجم لنا سليمان أفندي البستاني "الإلياذة" وكنا نبيح لأنفسنا الحكم عليه، فلما أطلعنا على "الإلياذة" وهي أعلى شعر الإغريق ومفخرتهم التاريخية حكمنا بأن أجدادنا لم ينبذوا شعرهم وراء ظهورهم، إلا لأنهم وجدوه دون الشعر العربي في حكمه وسائر معانيه وأنه على ذلك محشو بالخرافات الوثنية التي طهر الله عقولهم ومخيلاتهم منها بالإسلام.
стр. 142
" كتابة السيرة" بين التاريخ والأسطورة:
بين هيكل وطه:
بدأ تحول في التفكير العربي المعاصر في مصر بعد عام ١٩٣١ حيث قام الدكتور هيكل بكتابة فصول عن حياة الرسول تحت عنوان "حياة محمد" مترجمة عن كتاب لمؤلف فرنسي هو إميل در منجم ولم تلبث أن صدرت مجلة الرسالة وبها فصول للدكتور طه تحت عنوان "على هامش السيرة" ثم صدرت هذه الفصول في كتاب بهذا العنوان ولقد أثارت كتابة طه حسين عن الإسلام والسيرة ثائرة المجددين والمحافظين على السواء.
وكان الرأي أن طه حسين أراد أن يتعلق الجماهير بعد أن اتصل بالوفد وترك حزب الأحرار الدستوريين ومن قبله حزب الاتحاد الذي أنشأه الملك فؤاد.
وقال آخرون: إنه أراد أن يسلك إلى دعوة "التغريب" سبيلا جديدًا مختلفًا عن سبيل "الشعر الجاهلي" ولكنه يهدف إلى نفس الغرض.
وكان كتاب هامش السيرة موضع سجال وجدل، نورد هنا منها رأيين: رأي هيكل ورأي لعوض محمد:
وجملة ما قيل: أن طه حسين بهذا الكتاب قد تحول من النقد الأدبي إلى إحياء الأساطير.
طه حسين: مقدمة هامش السيرة
أنا أعلم أن قوما سيضيقون بهذا الكتاب لأنهم محدثون يكبرون العقل، ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنون إلا إليه. وهم لذلك يضيفون بكثير من الأخبار والأحاديث التي لا يسيغها العقل ولا يرضاها، وهم يشكون ويحلون في الشكوى حين يرون كلف الشعب بهذه الأخبار، هؤلاء يضيقون بهذا الكتاب بعض الشيء لأنهم سيقرءون فيه طائفة من هذه الأخبار والأحاديث التي نصبوا أنفسهم لحربها ومحوها من نفوس الناس، وأحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملكات أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضا من العقل.
стр. 143
وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل ولم يرضها المنطق ولم تستقر لها أساليب التفكير العلمي فإن في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم خيالهم وميلهم إلى السذاجة واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها ما يحبب إليهم هذه الأخبار، ويرغبهم فيها ويدفعهم إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على الناس حين تشق عليهم الحياة.
أحب أن يعلم الناس أني وسعت على نفسي في القصص، ومنحتها من الحرية في رواية الأخبار واختراع الحديث ما لم أجد به بأسًا، إلا حين تتصل الأحاديث والأخبار بشخص النبي أو بنحو من الدين.
هيكل: ملحق السياسة ١
طه، إنما سلك في هامش السيرة طريق كتاب الغرب ممن يتحدثون عن الأساطير القديمة وينشرونها ويزينونها، وطه إنما قصد إلى إحياء أدب الأساطير حين أملى هذا الكتاب أو حين دفع إلى ذلك دفعًا وأكره عليه إكراهًا إذ رأى نفسه يقرأ السيرة فتملأ بها نفسه ويفيض بها قلبه وينطلق بها لسانه.
وهذه الفصول لم تكتب لذلك للعلماء، للمؤرخين، ولم يرد المؤلف بها إلى العلم ولا قصد بها إلى التاريخ. إنما أراد إحياء الأدب القديم وإحياء ذكر العرب الأولين ولئن لم يطمئن العقل إلى أخبارهم وأحاديثهم، ولم يرضها المنطق:
وهي إن تكن أساطير يضيق بها العقل ويأباها المنطق فليس العقل في الأدب كل شيء. وليس العقل في الحياة كل شيء. ذلك كله يقوله طه في
стр. 144
مقدمة هذا الكتاب وهو يشير إلى أنه وضعه نموذجا للشباب في استغلال الحياة العربية الأولى واتخاذها موضوعا خصبا للإنتاج في الأدب الإنشائي الخالص.
ولعل طه قد رأى واجبا أن يقدم لكتابه بهذا التحديد للغاية منه لسببين: أولهما: ما ذكر هو في المقدمة من أن قوما سيضيقون بكتابه لأنهم يكبرون العقل ولا يثقون إلا به ولا يطمئنون إلا إليه.
والسبب الآخر: لم يذكره هو المقدمة لأنه سبب يتعلق بشخصه فهو إلى حين وضع كتابه هذا كان من أولئك الذين يكبرون العقل ولا يثقون إلا به، فهذا الكتاب تطور عظيم في نفسية طه وفي نظرته للحياة. تطور صارخ، صارخ يكفي لتبيينه أن نقرأ معا مقدمتين: مقدمة "على هامش السيرة" ومقدمة "في الأدب الجاهلي".
ولا تقل: إن المقارنة غير ممكنة بين كتاب "في الأدب الجاهلي" وهو كتاب يقصد به إلى غرض التحقيق العلمي الدقيق وكتاب "على هامش السيرة" وهو كتاب في الأدب الإنشائي لم يكتب للعلم ولا للتاريخ، فقد مر طه في فترة ما بين ظهور هذين الكتابين بانتقال من العلم إلى الأدب، كان مظهره كتابها: الأيام وفي الصيف.
وهو في هذه الفترة قد كتب مقالات أدبية كثيرة نشرتها السياسة ونشرتها الرسالة ونشرتها الكواكب وما أنتج طه من ذلك لا اتصال بينه وبين الأساطير مما ربع طه في تدوينه وتزيينه في "على هامش السيرة" ولا دلالة فيه على ميله إلى هذا النوع من الأدب.
ثم إن بين "في الأدب الجاهلي" و"على هامش السيرة" موضعا للمقارنة
стр. 145
فكلاهما يتحدث عن العصر الجاهلي الذي سبق مولد النبي ﵇ والذي عاصر هذا المولد، والكتاب الأول يهدم ما جاءت به الأساطير عن الجاهلية بل يهدم الكثير مما ينسب للجاهلية من شعر ونثر ويراه من وضع المتأخرين لأغراض دينية أو مخالفة للدين. والكتاب الأخير يجلو هذه الأساطير وينمقها. ويرى في ذلك غذاء لما سوى العقل من ملكات الناس.
وطه يذكر أنه دفع لإحياء هذه الأساطير دفعا لم يكن له إلى الإذعان منه بد ومعنى ذلك أن هذه الخطوة من خطوات تطور النفس خطوة طبيعية كان محالا مغالبتها أو التغلب عليها.
ويجب أن نذكره أن هذا الدافع قد بلغ من القوة ما لا يستطيع أحد من الناس مقاومته، فهو كما رأيت قد خطأ في هذا الكتاب من تحقيق العلم الذي ظل عاكفا من قبل عليه سنين إلى أدب الأسطورة الميثولوجية في حياة العرب وفي سيرة النبي وهو إذ خطا هذه الخطوة يعلم أن كثيرًا من هذه الأساطير التي روي إنما هي بعض الإسرائيليات، التي روج اليهود بعد عصر النبي متأثرين بحقدهم على محمد لأنه حاربهم وأجلى الأكثرين منهم عن بلاد العرب ومهد بذلك لإجلاء البقية الباقية بعد زمن قصير من وفاته، متأثرين بحفيظتهم على المسلمين حفيظة جعلتهم يروجون الألوف من الأحاديث المكذوبة على النبي ومن القصص التي تنافي تعاليمه منافاة صريحة، فما عسى يكون هذا الدافع القوي الذي دفع طه إلى هذا التطور فيم يجد بدا من الإذعان ومن صياغة هذه الأساطير في الصورة البديعة الرائعة التي تنفس فيها كتابه الأخير.
وقال الدكتور هيكل: إن الأطور التي مر بها طه في حياته هي التي