اليوناني على الشعر العربي وقد كتب رشيد رضا١ في الرد عليه. قال:
أما شعر الإغريق الذي يفضله المجدد إبراهيم المعري على الشعر العربي وينبغي على العرب نبذهم له وترك الاقتباس من معانيه كما اقتبسوا من فنون اليونان وفلسفتها فقد كنا نجهله قبل أن يترجم لنا سليمان أفندي البستاني "الإلياذة" وكنا نبيح لأنفسنا الحكم عليه، فلما أطلعنا على "الإلياذة" وهي أعلى شعر الإغريق ومفخرتهم التاريخية حكمنا بأن أجدادنا لم ينبذوا شعرهم وراء ظهورهم، إلا لأنهم وجدوه دون الشعر العربي في حكمه وسائر معانيه وأنه على ذلك محشو بالخرافات الوثنية التي طهر الله عقولهم ومخيلاتهم منها بالإسلام.
стр. 142
" كتابة السيرة" بين التاريخ والأسطورة:
بين هيكل وطه:
بدأ تحول في التفكير العربي المعاصر في مصر بعد عام ١٩٣١ حيث قام الدكتور هيكل بكتابة فصول عن حياة الرسول تحت عنوان "حياة محمد" مترجمة عن كتاب لمؤلف فرنسي هو إميل در منجم ولم تلبث أن صدرت مجلة الرسالة وبها فصول للدكتور طه تحت عنوان "على هامش السيرة" ثم صدرت هذه الفصول في كتاب بهذا العنوان ولقد أثارت كتابة طه حسين عن الإسلام والسيرة ثائرة المجددين والمحافظين على السواء.
وكان الرأي أن طه حسين أراد أن يتعلق الجماهير بعد أن اتصل بالوفد وترك حزب الأحرار الدستوريين ومن قبله حزب الاتحاد الذي أنشأه الملك فؤاد.
وقال آخرون: إنه أراد أن يسلك إلى دعوة "التغريب" سبيلا جديدًا مختلفًا عن سبيل "الشعر الجاهلي" ولكنه يهدف إلى نفس الغرض.
وكان كتاب هامش السيرة موضع سجال وجدل، نورد هنا منها رأيين: رأي هيكل ورأي لعوض محمد:
وجملة ما قيل: أن طه حسين بهذا الكتاب قد تحول من النقد الأدبي إلى إحياء الأساطير.
طه حسين: مقدمة هامش السيرة
أنا أعلم أن قوما سيضيقون بهذا الكتاب لأنهم محدثون يكبرون العقل، ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنون إلا إليه. وهم لذلك يضيفون بكثير من الأخبار والأحاديث التي لا يسيغها العقل ولا يرضاها، وهم يشكون ويحلون في الشكوى حين يرون كلف الشعب بهذه الأخبار، هؤلاء يضيقون بهذا الكتاب بعض الشيء لأنهم سيقرءون فيه طائفة من هذه الأخبار والأحاديث التي نصبوا أنفسهم لحربها ومحوها من نفوس الناس، وأحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملكات أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضا من العقل.
стр. 143
وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل ولم يرضها المنطق ولم تستقر لها أساليب التفكير العلمي فإن في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم خيالهم وميلهم إلى السذاجة واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها ما يحبب إليهم هذه الأخبار، ويرغبهم فيها ويدفعهم إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على الناس حين تشق عليهم الحياة.
أحب أن يعلم الناس أني وسعت على نفسي في القصص، ومنحتها من الحرية في رواية الأخبار واختراع الحديث ما لم أجد به بأسًا، إلا حين تتصل الأحاديث والأخبار بشخص النبي أو بنحو من الدين.
هيكل: ملحق السياسة ١
طه، إنما سلك في هامش السيرة طريق كتاب الغرب ممن يتحدثون عن الأساطير القديمة وينشرونها ويزينونها، وطه إنما قصد إلى إحياء أدب الأساطير حين أملى هذا الكتاب أو حين دفع إلى ذلك دفعًا وأكره عليه إكراهًا إذ رأى نفسه يقرأ السيرة فتملأ بها نفسه ويفيض بها قلبه وينطلق بها لسانه.
وهذه الفصول لم تكتب لذلك للعلماء، للمؤرخين، ولم يرد المؤلف بها إلى العلم ولا قصد بها إلى التاريخ. إنما أراد إحياء الأدب القديم وإحياء ذكر العرب الأولين ولئن لم يطمئن العقل إلى أخبارهم وأحاديثهم، ولم يرضها المنطق:
وهي إن تكن أساطير يضيق بها العقل ويأباها المنطق فليس العقل في الأدب كل شيء. وليس العقل في الحياة كل شيء. ذلك كله يقوله طه في
стр. 144
مقدمة هذا الكتاب وهو يشير إلى أنه وضعه نموذجا للشباب في استغلال الحياة العربية الأولى واتخاذها موضوعا خصبا للإنتاج في الأدب الإنشائي الخالص.
ولعل طه قد رأى واجبا أن يقدم لكتابه بهذا التحديد للغاية منه لسببين: أولهما: ما ذكر هو في المقدمة من أن قوما سيضيقون بكتابه لأنهم يكبرون العقل ولا يثقون إلا به ولا يطمئنون إلا إليه.
والسبب الآخر: لم يذكره هو المقدمة لأنه سبب يتعلق بشخصه فهو إلى حين وضع كتابه هذا كان من أولئك الذين يكبرون العقل ولا يثقون إلا به، فهذا الكتاب تطور عظيم في نفسية طه وفي نظرته للحياة. تطور صارخ، صارخ يكفي لتبيينه أن نقرأ معا مقدمتين: مقدمة "على هامش السيرة" ومقدمة "في الأدب الجاهلي".
ولا تقل: إن المقارنة غير ممكنة بين كتاب "في الأدب الجاهلي" وهو كتاب يقصد به إلى غرض التحقيق العلمي الدقيق وكتاب "على هامش السيرة" وهو كتاب في الأدب الإنشائي لم يكتب للعلم ولا للتاريخ، فقد مر طه في فترة ما بين ظهور هذين الكتابين بانتقال من العلم إلى الأدب، كان مظهره كتابها: الأيام وفي الصيف.
وهو في هذه الفترة قد كتب مقالات أدبية كثيرة نشرتها السياسة ونشرتها الرسالة ونشرتها الكواكب وما أنتج طه من ذلك لا اتصال بينه وبين الأساطير مما ربع طه في تدوينه وتزيينه في "على هامش السيرة" ولا دلالة فيه على ميله إلى هذا النوع من الأدب.
ثم إن بين "في الأدب الجاهلي" و"على هامش السيرة" موضعا للمقارنة
стр. 145
فكلاهما يتحدث عن العصر الجاهلي الذي سبق مولد النبي ﵇ والذي عاصر هذا المولد، والكتاب الأول يهدم ما جاءت به الأساطير عن الجاهلية بل يهدم الكثير مما ينسب للجاهلية من شعر ونثر ويراه من وضع المتأخرين لأغراض دينية أو مخالفة للدين. والكتاب الأخير يجلو هذه الأساطير وينمقها. ويرى في ذلك غذاء لما سوى العقل من ملكات الناس.
وطه يذكر أنه دفع لإحياء هذه الأساطير دفعا لم يكن له إلى الإذعان منه بد ومعنى ذلك أن هذه الخطوة من خطوات تطور النفس خطوة طبيعية كان محالا مغالبتها أو التغلب عليها.
ويجب أن نذكره أن هذا الدافع قد بلغ من القوة ما لا يستطيع أحد من الناس مقاومته، فهو كما رأيت قد خطأ في هذا الكتاب من تحقيق العلم الذي ظل عاكفا من قبل عليه سنين إلى أدب الأسطورة الميثولوجية في حياة العرب وفي سيرة النبي وهو إذ خطا هذه الخطوة يعلم أن كثيرًا من هذه الأساطير التي روي إنما هي بعض الإسرائيليات، التي روج اليهود بعد عصر النبي متأثرين بحقدهم على محمد لأنه حاربهم وأجلى الأكثرين منهم عن بلاد العرب ومهد بذلك لإجلاء البقية الباقية بعد زمن قصير من وفاته، متأثرين بحفيظتهم على المسلمين حفيظة جعلتهم يروجون الألوف من الأحاديث المكذوبة على النبي ومن القصص التي تنافي تعاليمه منافاة صريحة، فما عسى يكون هذا الدافع القوي الذي دفع طه إلى هذا التطور فيم يجد بدا من الإذعان ومن صياغة هذه الأساطير في الصورة البديعة الرائعة التي تنفس فيها كتابه الأخير.
وقال الدكتور هيكل: إن الأطور التي مر بها طه في حياته هي التي
стр. 146
انتهت حتمًا إلى إخراج هذا الكتاب، فهو قد روى لنا في كتاب الأيام الشيء الكثير عن طفولته وبدء صباه وكيف كان في تلك الأثناء متأثرا بظروفه وبيئته يخاف الأشباح ويتوهمها ويرسم منها في خياله عند وفاة أخيه ولمناسبات أخرى فنونا من الصور، ثم بدأ بعد ذلك يدرس في الأزهر ويقرأ سيرة النبي ﵇. ويقرأ في كثير من الكتب أساطير من الإسرائيليات التي لم يزف التحقيق في ذلك الزمن.
فلما بدأت ملكات الحكم تنمو وتتجه إلى ناحية التمام العقلي عنده وبدأ يستمع إلى الأدب وإلى العلوم الحديثة، بدأت تتكون ذاتيته وتنضج نضجا سريعا ملحا، وأول مظهر لتكوين الذاتية ظهور ملكة النقد.
وقد ظهرت في طه أول شبابه عاصفة لا يراها شيء ولا يثبت أمامها شيء وقد تناولت هذه الملكة ما وعى واستظهر في الأزهر فكان ذلك سبب خلافه مع شيوخه خلافا انتهى إلى ترك الأزهر والانتماء إلى الجامعة المصرية الوليدة إذ ذاك، وفي الجامعة وجد الطريقة العلمية في البحث؛ الطريقة التي أرضت عنده وترضي عند كل إنسان ملكة النقد إلى غاية ما تريد هذه الملكة من الرضى.
في ظل هذه الطريقة العلمية سقطت عن جوانب طه العقلية أكداس مما تعلم من قبل ولكن أين سقطت، في طوايا نفسه وفي البعيد العميق من خبايا ذاكرته.
"ثم صور" كيف أثار كتابه في الشعر الجاهلي اللائمة، مما دعاه إلى أن ينقطع إلى نفسه يقلب ويمتحن أركانها ويمتحن، ليرى آخر الأمر أن الناس ينئون بالحقيقة العلمية ويأبون حمل أمانتها ثم يقلب طه في نفسه
стр. 147
ويقلب ويمتحن أركانها ويهز جوانبها هزًا عنيفا حتى تختلط تلك الصور المختلفة المتباينة ليخرج منها مزاج كانت "الأيام" مقدمة البشرى به ثم كان هامش السيرة ثمرته الأولى.
وقال هيكل: إن أدب الأسطورة هو أخصب ألوان الأدب، ويزيدها خصبا أن الكاتب والقارئ يعرفان جميعا أن المادة التي يعالجان هي من نوع الأسطورة لا جناح عليهم إذا هم أطلقوا للخيال فيها العنان فابتدعوا من خيالهم ما يزيد هذه الأساطير رقة وعذوبة ولا تحول بينهم وبين الأخذ بقول بعضهم "أعذب الأدب أكذبه" أي حائل. ولذلك أستميح طه العذر إن خالفته في اتخاذ النبي وعصره مادة لأدب الأسطورة.
وأشار إلى ما اتصل بسيرة النبي ساعة مولده وما روي عما حدث له من إسرائيليات روجت بعد النبي ثم قال: لهذا وما إليه يجب في رأيي أن لا يتخذ مادة لأدب الأسطورة، فإنما، يتخذ من التاريخ وأقاصيصه مادة لهذا الأدب ما اندثر أو ما هو في حكم المندثر، وما لا يترك صدقه أو كذبه في حياة النفوس والعقائد أثرًا ما. والنبي وسيرته وعصره تتصل بحياة ملايين المسلمين جميعًا، بل هي فلذة من هذه الحياة ومن أعز فلذاتها عليها وأكبرها أثرا في توجيهها. وطه يعلم أكثر مما أعلم أن هذه الإسرائيليات إنما أريد به إقامة أساطير مثولوجية إسلامية لإفساد العقول والقلوب من سواد العشب ولتشكيك المستنيرين ودفع الريبة إلى نفوسهم في شأن الإسلام ونبيه. وقد كانت هذه غاية الأساطير التي وضعت عن الأديان الأخرى. ومن أجل ذلك ارتفعت صيحة المصلحين الدينيين في مختلف العصور لتطهير العقائد من هذه الأوهام.
ثم قال هيكل: من أجل ذلك أود أن يفصل طه فيما قد يكتب من بعد من فصول تجري مجرى "على هامش السيرة" بين ما يتصل بالعقائد وما لا يتصل بها.
стр. 148
العودة إلى إرضاء الجماهير، هامش السيرة:
الدكتور محمد عوض محمد، الرسالة ١٨ ديسمبر ١٩٣٣.
ثبت لدي ما كنت أتوهمه من أمره وما أكاد أثبته. إن ثقافة الدكتور الحقيقة هي ثقافة أزهرية متينة قوية الأسس ضخمة الدعائم وطيدة الأركان وأن ليست ثقافة الغربيين التي نسمع عنها الشيء الكثير إلا رواء وطلاء أن تبهر العين منظرة فإنه لا يذهب إلى غور بعيد. وقديما قال نابليون في الروس. إنك إذا حككت الروسي بدأ لك التتري. وفي وسعنا أن نقول إذا حككت طه حسين برفق بدا لك الأزهري القح الصميم بكل ما تحمله هذه الكلمة من فضل وعلم.
وقد استطاع طه حسين -على غير عمد- أن يصرف الناس عن حقيقة أمره بحديثه عن اليونان والرومان والسكسون واللاتين. وأثارته هذه الزوابع التي برع في إثارتها أثناء كلامه عن أشخاص مثل ديكارت وبودلير وعن التجديد فلعل أصدقاء طه حسين أن يحمدوا للشخص الضعيف كاتب هذه السطور أن كشف لهم عن أمر صديقهم ما خفي عليهم هذه السنين.
стр. 149
كتابة التاريخ: بين رفيق العظم وطه حسين
أثار "طه حسين" جدلا طويلا حول طريقة كتابة التاريخ عندما اعتمد على كتاب "الأغاني" في تصوير الحياة العقلية للقرن الثاني الهجري مما أدى إلى إسباغ صورة الخلاعة والمجون على هذا العصر، وقد نظر طه حسين إلى هذا العصر ممثلا في أبي نواس وأضرابه من الشعراء فحكم على العصر كله بأنه عصر شك ومجون قال: "إن هذا العصر الذي انحلت الدولة الأموية وقامت فيه الدولة العباسية قد كان عصر شك ومجون"١.
قال ص٥٠: "إن هؤلاء الشعراء كانوا يمثلون عصرهم حقا وكانوا أشد تمثيلا وأصدق لحياته تصويرا من الفقهاء والمحدثين وأصحاب الكلام. وأن هؤلاء العلماء على ارتفاع أقدارهم لم يأمنوا أن يكون من بينهم من شك كما شك الشعراء ولها كما لها الشعراء".
وقد وجد هذا من الرأي للدكتور طه هجومًا وسجالا عنيفين: وأبرز من تناول هذا رفيق العظم وإبراهيم المازني:
١- من رفيق العظم إلى طه حسين ٢:
مما يلفت النظر ويستدعي التمحيص والحذر من ذلك الحديث حكمكم أن أبا نواس ومن في طبقته أو على شاكلته من الشعراءكانوا مثلا صادقا للعصر الذي عاشوا فيه. وأن الرشيد والمأمون ذهبا من الشك والاستماع باللذائذ في ذلك العصر مذهب أبي نواس وأضرابه من شعراء المجون. وقد سردتم طائفة من الشعر والأخبار المنسوبة إليهم واستنتجتم منها ذلك الحكم الذي يحتاج إلى تمحيص كثير.
إن الحقائق التاريخية ولا سيما في تاريخ الإسلام شبه الدر الملقى بين
стр. 150
أشواك يحتاج ممن يريد استخراجه من تلك الأشواك إلى أناه ورويه ونظر في وجه السلامة من أذى الشوك. ولا نريد أن نذهب بعيدا في مذاهب الشك التي ذهب إليها الأستاذ وإنما يكفي أن ننبهه بما نقول وهو العليم بما عاناه رواة الحديث ونقلة الأخبار النبوية في تمحيص تلك الأخبار وتنظيفها من شوائب الوضع المكذوب.
نقرأ في كتب التاريخ أخبارا نسبها شيع العباسيين إلى خلفاء بني أمية وأخبار نسبها شيع آل علي إلى خفاء بني العباس هي أحط ما ينسب إلى خلفاء أو ملوك أو سمهم ما شئت، كانوا في مثل مرتبتهم من العزة والمنعة وبسطة الجاه والملك. وكان من المحال أن يكونوا من انحطاط الأخلاق والسيرة في المنزلة التي أنزلهم إليها الوضاعون ويدوم لهم طويلا ذلك الملك العريض والشهرة الذائعة في التاريخ.
الحقيقة التي ينبغي أن تقال أن التنازع السياسي بين الشيع الإسلامية أدخل في روايات بعض الإخباريين شوائب في التاريخ الإسلامي ليست منه في شيء فإنما هي من وضع المتزلفين لبيوت الإمارة والملك أو المتشيعين لبعض المذاهب السياسية أو الدينية.
ولا أظنني مخطئا إذا قلت أن ما نقل من هذا القبيل عن أبي نواس وأضرابه من شعراء ذلك العصر، ويسميه الدكتور طه حسين عصر الشك والمجون ويتخذه دليلا على حكمه على أهل ذلك العصر إنما هو تلفيق قصصي يراد به أحد أمرين: إما تشويه سمعة بعض الخلفاء العباسيين كالرشيد والمأمون. وإما سد نهمات العامة إلى أمثال تلك القصص المخزية والروايات الملفقة. على أنه لو صح شيء منه لما كان لنا أن نتخذه دليلا على شيوع
стр. 151
الفحش والفجور والشك بين أهل ذلك العصر لأنه مجون لا يجوز أن يتعدى الماجن مهما تكال إلى النيل من سواه باسم المجون.
على أني أعتقد كما قلت أن ما نسب إلى أولئك الشعراء كأبي نواس وبشار ومن في طبقتهما محل للشك ولا سيما إذا صح أن شعر أبي نواس لم يجمع في كتاب "ديوان" على حدة في حياته, إنما جمعه رواة القصص وأخبار شعراء المجون وتناقلوه بعد وفاته بزمن قريب أو بعيد.
إن أكثر ما نقل عن أبي نواس وأضرابه من شعراء المجون إنما هي روايات قصصية بعدية عن الصحة وأنه لا يصح أن تتخذ دليلا على حالة الأمة الروحية والخلقية في ذلك العصر وفوق كل ذي علم عليم.
"رد طه حسين" ١:
لا يزال العالم الجليل وكثير من العلماء المعروفين في الشرق يسبغون على التاريخ الإسلامي صفة من الجلال والتقديس الديني تحول يبن العقل وبين النظر إليه نظرًا يعتمد على النقد والبحث العلمي الصحيح. فهم يؤمنون بمجد القدماء من العرب وجلال خطرهم وتقديس مكانتهم.
أنا أزعم أن القرن الثاني للهجرة كان عصر شك ومجون وأزعم أن كل شيء في هذا العصر يؤيدني في هذا الرأي.
أنا أزعم -وأعتقد أني قادر على إثبات ما أزعم- أن القرن الثاني للهجرة قد كان عصر لهو ولعب، وقد كان عصر شك ومجون. وأزعم أن كل شيء في هذا العصر يؤيدني في هذا الرأي، وحسبي أن ألفت الأستاذ
стр. 152
رفيق بك إلى أن هذا القرن قد بدأ بخلافة الوليد بن يزيد وختم بخلافة الأمين ابن الرشيد وأحب أن يقارن بين هذين الخليفتين ثم ألفت الأستاذ إلى بشار ومطيع, وأبي النواس والرقاشي والعباس بن الأحنف وسلم بن الوليد وحماد عجرد ويحيى بن زياد وابن المقفع وإبان بن عبد الحميد وغيرهم من الشعراء والكتاب والمفكرين ولا أريد أن أذكر الفقهاء وأصحاب الكلام مخافة أن يغضب المتحرجون.
٣- نزعة الإباحية في كتاب طه حسين ١:
رد إبراهيم عبد القادر المازني:
لقد لفتني من الدكتور في كتابيه حديث الأربعاء وهو مما وضع "قصص تمثيلية" وهي ملخصة، أن له ولعا بتعقيب الزناة والفساق والفجور والزناة. وقد ينكر القارئ أن أدخل القصص التمثيلية في هذا الحساب. ويقول إنها ليست له وإن كان ما له فيها أنه ساق خلاصة وجيزة لها، وهو اعتراض مدفوع لأن الاختيار بدل على عقل المرأ ويشي بهواه، كالابتكار سواء بسواء، وإنما يختار المرء ما يوافقه ويرضاه ويحمله عليه اتجاه فكره حتى لا يسعه أن يتخطاه، ولست بمازح حين أنبه إلى ذلك وها هو حديث الأربعاء: ماذا فيه؟ فيه كلام كثير عن العصر العباسي وللعصر العباسي وجوه شتى، وفي وسعك أن تكتب عنه من عدة وجهات. وأن تتناول فلسفته أو علمه أو شعره وجده أو هزله. ولكن الدكتور طه يدع كل جانب سوى الهزل والمجون ويروح يزعم أنه عصر مجون ودعارة وإباحة متغلغلة إلى كل فرع من فروع الحياة فلماذا؟ بل قل لماذا لا يرى في غير الماجنين والخليعيين صورة
стр. 153
منه؟ ولست أفتري عليه فإنه القائل في الصفحة السابعة والعشرين من كتابه "أدرس هذا العصر درسًا جيدًا وأقرأ بنوع خاص شعر الشعراء وما كان يجري في مجامعهم من حديث تدهشك ظاهرة غريبة هي ظاهرة الإباحة والإسراف في حرية الفكر وكثرة الازدراء لكل قديم سواء أكان هذا القديم دينًا أم خلقًا أم سياسة أم أدبا. فقد ظهرت الزندقة وانتشرت انتشارًا فاحشًا اضطر الخلفاء من بني عباس إلى أن يبطشوا بالشعراء والكتاب لأنهم اتهموا بالزندقة، وظهر ازدراء الأدب القديم والعادات العربية القديمة والسياسة العربية القديمة، بل ظهر ازدراء الأمة العربية نفسها وتفضيل الأمة الفارسية عليها، وكانت مجالس الشعراء والكتاب والوزراء مظهرًا لهذا كله. وليس يعنينا أن تكون النهضة السياسية الفارسية، وحرصها على الانتقام من العرب والاستئثار دونهم بالسلطان مصدر هذا التغيير وإنما الذي يعنينا أن هذا التغيير قد وجد وقوي حتى ظهر في الشعر ظهورًا جعل إنكاره مستحيلا.
ولم يكف الدكتور طه أن يعمد إلى طائفة معينة من شعراء العباسيين وأن يرسم من سيرتهم صورة يزعمها صورة العصر بل هو ينكر أن غير هؤلاء من العلماء أو الشعراء يمثل العصر العباسي واقرأ له قوله في ص٥٠ من هذا الكتاب "فقد بينا في هذا الحديث أن هؤلاء الشعراء كانوا يمثلون عصرهم حقا وكانوا أشد تمثيلا وأصدق لحياته تصويرًا من الفقهاء والمحدثين وأصحاب الكلام وأن هؤلاء العلماء على ارتفاع أقدارهم العلمية ومنازلهم الاجتماعية والسياسية وعلى أن كثيرًا منهم كان ورعا مخلصا طيب السيرة لم يأمنوا أن يكون من بينهم من شك كما شك الشعراء ولها كما لها الشعراء واستمتع بلذات الحياة "في سر" كما استمتع بها الشعراء في جهرهم.
стр. 154
وهل يقف الدكتور هنا ويقنع بهذا القدر؟ كلا يا سيدي! بل يجري إلى آخر الشوط ويقول في الصفحة ٣٩ من كتابه "خسرت الأخلاق من هذا التطور وربح الأدب فلم يعرف العرب عصرًا كثر فيه المجون وأتقن الشعراء التصرف في فنونه وألوانه كهذا العصر، ثم كان من كثرة المجون أو أصح كان من فساد الخلق في هذا العصر والعصور التي وليته أن ظهر فن جديد في الغزل لم يكن معروفا في الجاهلية ولا في صدر الإسلام ولا في أيام بني أمية وإنما هو أثر من آثار الحضارة العباسية، وهو أثر أنشأته هذه الحضارة الفارسية عندما خالطت العرب أو عندما انتقل العرب إليها فاستقل سلطانهم في بغداد وهذا الفن الجديد أو الغزل بالغلمان الذي سنحدثك عن خصائصه في غير هذا الفصل".
وإذا سمعت رجلا يقول: إن الأخلاق فسدت وخسرت وأن الأدب ريح من وراء ذلك أفلا ينهض لك العذر إذا قلت: إنه ينفح عن هذا الفساد ويسوغ هذه الخسارة؟ نعم بلا ريب. وأنت تحس من كلامه الرضى والارتياح.
ومن الذي لا يشعر بذلك حين يقرأ قوله في عقب ما سقنا لك "إنما الذي يعنينا الآن أن هؤلاء الناس الذين وصفنا لك ما وصلوا إليه من شك في كل شيء وإسراف في المجون واللهو كانوا يجتمعون ويجتمعون كثيرًا أكثر مما كان يجتمع أسلافهم وكانت اجتماعاتهم ناعمة غضة فيها اللهو وفيها الترف. كانوا لا يجتمعون إلا على لذة، إلا على كأس تدار أو إثم يقترف، وكانت اللذة والآثام حديثهم إذا اجتمعوا، يتحدثون فيها شعرًا ونثرًا، وكان الدين واللغة والفلسفة حديثهم أيضًا. ولم تكن اجتماعاتهم تخلو دائما من النساء، فقد كان الإماء الظريفات يأخذون منها بنصيب عظيم. وكانوا يجتمعون في الحانات والأديرة وفي بيوت الأمراء والوزراء فيلذون ويتحدثون.
стр. 155
فأنت تستطيع أن تتنبأ بمقدار ما كان لأحاديثهم هذه من أثر عظيم في الأدب العربي والعقل العربي. كانت هذه الأحاديث عذبة غير متكلفة ولا ثقيلة الروح. كانت تصدر عنهم عفوًا فتمثل عقولهم وشعورهم وقوة حرصهم على اللذات وشدة شغفهم بالجديد أحسن تمثيل". هـ ص٤٠.
ثم مضى يورد سير أبي نواس ومن إليه من مثل الوليد بن يزيد ومطيع بن إياس وحماد عجرد والحسين بن الضحاك وواليه ابن الحباب وإبان بن مروان ابن أبي حفصة ويقول في بيان الحكم عن ذلك إنه لا يريد أن يكتفي بالقول "بأن القرن الثاني للهجرة على كثرة من عاش فيه من الفقهاء والزهاد وأصحاب الشك والمشغوفين بالجد إنما كان عصر شك ومجون وعصر افتنان وإلحاد عن الأخلاق المألوفة والعادات الموروثة والدين أيضًا.
وليس عندي شك في أن هذا العصر لم يكن عصر إيمان ويقين في جملته وإنما كان عصر شك واستخفاف وعصر مجون واستهتار باللذات". هـ ص١٨٤.
يقول المازني: إنه ما من عصر يمكن أن يكون له جانب واحد كما يريد أن صور لنا العصر العباسي وأنه لم يخل زمن قديم أو حديث من مثل ما يصف الدكتور.
٢-القصص المترجمة:
وبعد ذلك نعود ما كنا فيه وننتقل إلى قصص الدكتور ولنبدأ بقوله عنها: "فإني أعترف بأني لا أتخير هذا القصص عفوًا وإنما أتخير منها بنوع خاص ما من شأنه أن يهز العاطفة أو يلذ العقل أو يدعو إلى العناية والتفكير" فليس في الأمر مجال للتأول والتمهل والإحالة على الاتفاق والمصادفات فإن العمد هنا معترف به:
стр. 156
ويقول الدكتور: إنه إنما كتبها وجمعها ونشرها لأنه يريد أن يطلع قراء اللغة العربية "على نحو من أنحاء الأدب الغربي، ولأنه يرغب أن يكون بهذه القصص وما فيها من الآراء الفلسفية والمذاهب المختلفة أثر في نفوس الأدباء والذين يمنون منهم بالتمثيل العربي.
وللقارئ أن يسأل: لماذا يؤثر الدكتور "نحوا" آخر من أنحاء الأدب الغربي وليس هذا كل ما فيه ولا هو خيره. لماذا عني على وجه الخصوص بقصص الزناة والزواني وبحكايات الجهاد -كما يقول هو- "بين العواطف والشعور من جهة وبين العقل من جهة أخرى. بين العواطف والشعور الفردية من ناحية وبين القانون والأوضاع الاجتماعية من ناحية أخرى. بين العواطف وبين الواجب. وبين العقل وبين الدين، ثم بين القانون وبين الدين أيضا"؟
ألا ترى أن صنيعه في اختيار هذه القصص كصنيعه في اختيار من كتب عنهم من العباسيين؟ فكما أنه ترك أبا تمام والبحتري والشريف ومهيارًا والمتنبي والمعري في فحولة شعراء العرب وفضلائهم ووقع على أهل المجون والخلاعة والاستهتاك، كذلك لم ينتق من كنوز الأدب الغربي إلا هذه القصص الحافلة بضروب "الآثام والمنكرات".
ونحسب الآن أن نزعة الدكتور قد صارت ملموسة باليد فهل لها تعليل؟ هل في وسع الكاتب منا أن يبين لماذا كان الأمر كذلك والحال على ما وصفنا للقراء، نعم والعلة ظاهرة والكلام حاضر١.
стр. 157
معركة الترجمة: بين منصور فهمي وطه حسين
هذه إحدى المعارك الأدبية المبكرة، جرت عام ١٩٢١ حينما عرض الدكتور منصور فهمي في جريدة الأهرام لقصة "سيرانو دي برجراك" التي عربها مصطفى لطفي المنفلوطي فأعلن إعجابه بترجمتها العربية الجميلة.
غير أن الدكتور طه الذي كان قد أوغل قبل ذلك بسنوات في نقد كتاب "النظرات" للمنفلوطي، كتب في الأهرام يرد على منصور فهمي ويعارض رأيه في ترجمة القصة الفرنسية ويرى أسلوب المنفلوطي بالاتهامات.
ثم دارت مساجلة بين منصور فهمي وطه حسين حول الأسلوب والمضمون وطريقة الترجمة وتعد هذه المساجلة من أولى معارك الترجمة من الأدب الأوروبي.
١- رواية١ الشاعر "سيرانو دي برجراك" منصور فهمي:
قل للذين لا تذهب أنظارهم إلى ما وراء الأدب العربي أن لغيرنا من الأمم أدبا بليغا راقيا نكسب من حسنه لأدبنا إذا ما أردنا أن نأخذ عن حسناته، قل للذين قصروا تشبيهاتهم على التشبيهات العربية والكنايات.
وقيدوا عواطفهم بالأساليب العربية أن لغيرنا أساليب من ذهب وعواطف من رقة وصفاء ويحق علينا أن نتبادل معهم عواطفنا ونزوج أساليبنا من أساليبهم حتى تتجدد اللغة وتنمو وتكثر العواطف في قلوبنا وتنتشر.
ثم قال: إن المعرب اقتحم سبيلا وعرًا في قصة سيرانو إذ في بلاغة الأصل الفرنسية وصناعاتها اللفظية واصطلاحاتها ما ليس في الطاقة نقله.
على أنه لا ينبغي أن تكون صعوبة النقل عقبة في سبيل التعريب وربما تجمد الجرأة في اقتحام الصعاب ولا سيما وقد أنعم الله على المنفلوطي بقلم بليغ وأدب موفور، فلو أن تعريبه لا يؤدي لنا صورة كاملة من تلك البلاغة
стр. 158
الفرنسية الفائقة إلا أنه يؤدي لنا صورة حية بقلم عربي مبين وتؤدي بعض أجزائها على أحسن مثال في البلاغ.
٢- طه حسين ١:
بيني وبين المنفلوطي خصومة أدبية قديمة كونت لي فيه رأيا قديمًا لم أوفق بعد إلى أن أتحول عنها، وهذه الخصومة نفسها هي التي حملتني على أن لا أعرض لكتاب "الشاعر" بخير ولا بشر مع أن لي فيه رأيا قبل ظهوره.
منعتني هذه الخصومة من أن أعرض لهذا الكتاب بخير أو شر، فأنا أعلم أن النقد لم يصل بعد في مصر من الحرية إلى حيث يمكن أن يتناسى فيه الأحقاد والثارات.
قال: إن مؤلف سيرانو قد وضع قصة تمثيلية شعرية أو جمال هذه القصة رهين بالشعر من جهة، وبالأسلوب التمثيلي من جهة أخرى ثم بالبلاغة الفرنسية نفسها.
فإلى أي حد يباح للمترجم أن يحول قصة من التمثيل إلى الفن القصصي الخالص، أليس هذا مسخا للكتاب، وجناية على المؤلف.
لا أطالب المنفلوطي بأن يترجم الكتاب شعرًا كما ألف شعرًا فقد لا يكون ذلك ميسورًا، ولكني لا أستطيع أن أتجاوز عن تحويل التمثيل إلى قصص فهذا مسخ لا يرضاه إلا الذين لا يقدورن الفن قدره.
إن لكل لغة جمالا ليس إلى نقله إلى لغة أخرى من سبيل، فمن المستحيل أن يتذوق هذا الجمال في لغة غير اللغة الفرنسية، ومع ذلك
стр. 159
فقد يتجاوز للمترجم عن هذا التصور فهو غير مكلف أن يحقق المستحيل.
إلى أي حد يباح للمترجم أن يتصرف فيما يترجمه بالمسخ والتشويه. أي الأمرين أجدر بالغبن؛ أن نترجم قصصا فيه من القصور المحقق في نقل أخص ما يميزها من الجمال أو أن نترك هذه القصة في لغتها حتى لا تمسخ ولا تشوه وحتى لا ينقص من قدرة المؤلف ونبوغه في صورة أقل ما توصف به أنها لا تطابق بعد الأصل ولا تدل عليه.
٣- منصور فهمي ١:
كلانا متفق على أن لا نطالب المنفلوطي بأن يترجم الكتاب شعرًا كما ألف شعرًا فقد لا يكون ذلك ميسورًا نتفق في ذلك كله، فأين الخلاف؟
إن الخلاف الذي أظنه ينشأ بيننا قد يكون في سؤالين وجهتهما إلي:
إلى أي حد يباح للمترجم أن يتصرف فيما يترجمه بالمسخ والتشويه؟ وجوابي البسيط أني لا أبيح قط للمترجم أن يتصرف فيما يترجمه بمسخ أو تشويه، أما بعد هذا فاسمح لي أن أسالك:
أي الأمرين أجد بالغبن أن تترجم قصة فنية مع القصور عن نقل أخص ما يميزها من الجمال أو أن تترك هذه القصة في لغتها حتى لا تمسخ ولا تشوه؟
أرى خيرًا أن تنقل لنا القصة في جمال الأصل من أن يحجب عنا كل هذا الجمال، خير لنا أن تكون عندنا فكرة صغيرة من أدب جديد من أن يهمل هذا الأدب, ولو لم يكن ذلك لما نقل الفرنجة في لغاتهم القرآن الكريم، ولما قرئت في لغاتنا التوراة والأناجيل, ولما قرأنا بالعربية شعر
стр. 160
"هوميروس" وما ترجم من أدب اليونان وكلنا يعلم أن جمال الأصل فوق جمال المنقول.
أضف إلى ذلك أن الدافع الأول للنقل من لغة إلى لغة قد يكون في جمال الموضوع وليس في تفاصيله، وقد يكون في المعاني وليس في ثيابها من الأساليب دعني أسالك إلى أي حد يباح لنا أن نبخل في تقريظ كاتب جد وكد في سبيل الأدب ونأبى عليه حقه.
٤- رد طه حسين ١:
تسألني أين يقع المسخ والتشويه فيما فعل المنفلوطي؟ وتعلن أنك لا تفهم كيف يكون تحويل قصة تمثيلية إلى حكاية قصصية مسخًا وتشويهًا؟
إن للتمثيل جمالا لا يشتمل عليه القصص وإن مصدر هذا الجمال هو أسلوب الحوار.
ما رأيك فيمن يترجم لك "الجمهورية" مهملا أسلوب الحوار ويصوغها في قالب نثري عادي ككتب ابن سينا وأرسطاطاليس.
ما أظن أن التاريخ الأدبي سطر تحويل قصة تمثيلية إلى حكاية قصصية قبل المنفلوطي ولكنه سطر تحويل القصص إلى تمثيل إلا شيئا لا يؤبه به.
يخيل إلي أن استشهادك بنقل القرآن ليس بمقنع. فالقرآن لم ينقل من حيث هو أثر فني فحسب، وإنما نقل لأنه كتاب دين ولأن نقله أمر لا بد منه، فأما كتاب سيرانو فأثر فني، وآية من آيات الجمال ليس غير.
стр. 161
وكتاب المنفلوطي مع ما فيه من التشويه والمسخ لم ينقل عن الأصل وإنما نقل عن ترجمة, وعن ترجمة عربية فيا لضيعة الوقت ويا للحرص على الشهرة وبعد الصيت.
أحب أن لا تكون مقالاتك مشجعة للمفسدين الفنيين على إفسادهم وللأدعياء في الأدب على أن يسرفوا في ادعائهم ويخيل إلي أن أحسن أثر للفلسفة إنما هو تقدير الأشياء وإقرار الأمور في نصابها.
٥- رد منصور فهمي حول قصة سيرانو:
إنك مهما تشددت في النقد فلا تجد ما يبرر لك ذكر المنفلوطي مع الأدعياء وإني مهما تساهلت في الفن، فلا أستكثر وصف الكاتب الأديب عندما أذكر المنفلوطي.
إنك تجد جريمة تريد أهل القانون أن يلتفتوا إليها إذ تحول قصة سيرانو من قالبها التمثيلي إلى صورة قصصية، وإنك تجد غريبا ومضيعة للوقت أن تصيب الرواية في الشكل القصصي بعد أن ترجمت في شكلها التمثيلي الأصيل.
وإنك في الوقت نفسه تقول: إن قراءة الموضوع أسهل على الناس في تركيبه القصصي منه في تركيبه التمثيلي، فهلا ترى أن المنفلوطي وقد حافظ على الأصل أدى خدمة للجمهور إذ سهل عليهم قراءة هذا الموضوع الجميل، أم ترى أن يسهل الأدب والفن والعلم على العامة إثما، ليس له في ساحة غفرانك نصيب.
لا أخالك تقول بذلك وأنت تعلم أن أكبر العلماء وأحرصهم على لغة الفن والعلم يغشون جامعات الشعب فيلقون فيها نتائج أبحاثهم العويصة سهلة
стр. 162
حلوة المذاق ويقيدون نتائج كدهم في كتب مبسطة ليسهلوا تناول العلم والفن على من لا يألف من الناس لغة العلوم والفنون حتى ولو فرطوا في مصطلح العلم ووقائعه.
فإذا كنت ترى بدعة تحويل الرواية التي نحن بصددها إلى قصة، فتلك بدعة صالحة لا يستهجنها الذوق السليم ويستحق المبتدع عليها كل الحمد والثناء.
زد على ذلك أن لكل لغة أسلوبا فيه رواؤها وبهاؤها فإذا كان أسلوب المحاورة والتمثيل يتمشى مع بهاء اليونانية والفرنسية فإن العربية يتمشى مع روائها أسلوب القصص، على ذلك لم يكن المنفلوطي ليمسخ الفن أو يشوهه كما تقول بل حرص عليه إذ يحول الفن الغربي إلى فن عربي صميم.
أدعوك بالوداع ... على أني عندما أذكر نقدك على المنفلوطي أدعوك بالتحامل القاسي.
стр. 163
آداب الساندويتش: بين الزيات والمازني والعقاد
هذه مساجلة هادئة حول الأدب، دور من أدوار تحوله؛ عندما انتشرت ظاهرة الأدب السريع الصحفي، الذي لا يرعي قواعد النحو ولا أصول اللغة، وهي صيحة تصور مدى الخطر الذي تعرض له الأدب في هذه الفترة، وقد أثار المناقشة أحمد حسن الزيات واشترك فيها إبراهيم عبد القادر المازني وعباس محمود العقاد وتوحي هذه المساجلة بالنذر التي قلت بعد الحرب العالمية الثانية حين استفحلت نزعة أدب الساندويتش, وتورط فيها كثير من كبار الكتاب وحملت لواءها صحافة ذات اتجاه واضح.
١- أدب الساندويتش ١: أحمد حسن الزيات
أريد الأدب الذي تتأدبه ناشئة اليوم. والثقافة الأدبية اليوم لا تختلف في سرعتها وتفاهتها وفسادها عن هذا النوع الجديد من الأكل، فهي نتاف من الكتب ولقفات من الصحف وخطفات من الأحاديث ومطالعات في القهوة أو الترام. يلفظ الكلام فيها النظر الخاطف. كما يلفظ الحب الطائر الفزع ثم نتاج مختصر معتسر كجنين الحامل أسقطته قبل التمام. وصراخ مزعج في أدنى هذا السقط ليستهل وهو مضغة من اللحم المسيخ لا تشعر ولا تنبض.
يقول أنصار الساندويتش في الأدب: إن قواعد اللغة قيود لا توافق حرية العصر، وأساليب البلاغة عوائق لا تجاري قراءة السرعة وبدائع الفن شواغل لا تساعد وفرة الإنتاج، والحق الصريح أن آكلي السندويتش أعجلتهم محافز العمل ومشاغل الرزق عن النعيم الآمن والجمام الخصب والبيت المطمئن فجعلوا صعلكة المطاعم نظاما وفلسفة.
آثار هذا الموضوع في ذهني طائفة من الرسائل النقدية تلقيتها من أقطار
стр. 164
العربية تستنكر بعض ما تظهر المطابع المصرية من لغو الكهول وعبث الشباب وتشدد النكير على بعض الأحاديث الأدبية التي تبثها الإذاعة اللاسلكية. والواقع الأليم أن الذين درسوا لغتهم وفقهوها من الأدباء النابهين نفر قليل. فإذا استثنيت هؤلاء الستة أو السبعة وهم من الكهول الراحلين وجدت طبقة الأدباء كطبقات الصناع والزراع والتجار يأخذون الأمور بالتقليد والمحاكاة لا بالدروس والمعاناة.
وكما تجد من هؤلاء من ينشئ المتجر ثم يكله إلى أجنبي ينظمه ويرتبه تجد في أولئك من يؤلف الكتاب ثم يدفعه إلى نحوي يعربه ويهذبه.
٢- رد إبراهيم عبد القادر المازني:
نفى١ صديقي الأستاذ الزيات -صاحب الرسالة- على أدباء هذا الجيل الجديد جهلهم بلغتهم وتقصيرهم في تحصيل آدابها.
وهذا صحيح ... وأحسبني من الستة أو السبعة الذين أشار إليهم الأستاذ. وأني لمن الكهول فقد جاوزت الأربعين وقاربت الخمسين.
عرفنا القراءة والاطلاع ونحن تلاميذ في المدارس الثانوية "وبعد أن تحدث المازني عن جهده في صرف كل مليم على شراء الكتب" قال: ومن العناء الذي تكلفته أني اشتريت الأغاني الذي طبعه "الساسي" اشتريته ورقا على عادتي فكنت أراجع الأبيات التي ترد فيه، في دواوين الشعراء أو كتب الأدب الأخرى فأصلحها أو أتمم القصيدة، أنسخ ذلك في ورقة وألصقها في الكتاب. وكلما فرغت من جزء جلدته وقد أصبح ضعف ما كان، وهذا هو
стр. 165
الكتاب الوحيد الذي بعته بأضعاف ثمنه فقد اشتريته بمائة قرش وخمسة قروش. فلما بعت مكتبتي عام ١٩١٧ أو ١٩١٨، لا أذكر، ابتاعه مني وراق بخمسين وسبعمائة قرش، وقد ندمت على بيعه فما أستطيع اليوم أن أصنع الآن ما صنعته قديمًا.
وأنا مع ذلك أقل الثلاثة -العقاد وشكري- اطلاعا وصبرًا على التحصيل، وأدع للقارئ أن يتصور مبلغ شرههما العقلي، ولا خوف من المبالغة هنا، فإن كل ظني دون الحقيقة التي أعرفها عنهما. وأنا أجتر كالخروف ولكنهما يقضمان قضم الأسود ويهضمان كالنعامة، فليتني مثلهما.
٣- السندويتش والمائدة: عباس محمود العقاد
أدب١ السندويتش هو أدب الفاقة والعجلة، وأدب المائدة واليسار والوقار كما سماها الكاتب البليغ الأستاذ الزيات وأصاب في التسمية لأنها تسمية وتوصيف وتعليل في وقت واحد.
وقد ختم الأستاذ مقاله سائلا: ليت شعري إذا خلت أمكنة هؤلاء النفر -أدباء الكهول- الذين نبغوا بالاستعداد والاجتهاد، كيف يكون حال الأدب الرفيع في مصر؟ يذهبون وبطئان ما يعوضون على رأي الأستاذ أحمد أمين. أم يذهبون وسرعان ما يخلفون على رأي الأستاذ العقاد؟
وفي جواب هذا السؤال أيضًا لست من المتشائمين لأن الجواب يعضه من سر المستقبل، وبعضه من حقائق الماضي.
قبل ربع قرن من الزمان كان أناس غير قليلين يسألون كما يسأل الأستاذ
стр. 166
الزيات اليوم ترى من يرفع لواء الأدب بعد أعلامه البارزين في هذه الآونة! ترى هل ينطوي اللواء بعدهم أو تهيئ له الأيام أكفاء تنشره كما نشروه وتعزه كما أعزوه.
ولم يكن اسم واحد من الأسماء الستة أو السبعة الذين أشار إليهم الاستاذ الزيات معروفا تلك المعرفة التي تغني عن إجابة السؤال. وربما كانوا مجهولين كل الجهل في غير مجال الأصحاب أو مجال المتطلعين المتسمعين إلى أبعد الأصداء.
فإذا سألنا في معرفة الجيلين مثل هذا السؤال ورأينا البوادر تملي علينا مثل ذلك من الجواب. فليس من اللازم أن تصدق البوادر وأن ينقضي خمس وعشرون سنة أخرى دون أن يخلف السابقين عوض من اللاحقين.
وإنا لنذكر اليوم الستة أو السبعة القائمين بأمانة الأدب وننسى الستين أو السبعين الذين كانوا يهزلون. كما يهزل البعض الناشئين في أيامنا.
ويتبلغون بالقليل من زاد الاطلاع كما يتبلغ أدباء الساندويتش بيننا. نسينا أولئك الستين أو السبعين لأن الزمان قد نسيهم وعفى على أسمائهم وآثارهم.
ولكنهم كانوا في أيامهم يحجبون ويشبهون الشخوص على الأنظار ويبعثون اليأس ويثبطون الرجاء.
وفي العالم كله نوازع شتى تنزع بالناس الآن إلى الأدب الرخيص أو أدب الساندويتش أو أدب الفاقة والعجلة ... ثم قال: تلك النوازع من بلاد العالم كله على اختلاف النظم الاجتماعية خليقة أن تنصر أدب الفاقة والعجلة وتنحي على أدب اليسار والوقار. ولكنا نرجع إلى العصور الغابرة فلا يصادفنا عصر منها إلا كانت فيه نوازع كهذه النوزاع في نصرة الأدب المبذول وخذلان الأدب الكريم العزيز.
стр. 167
أما في مصر؛ فأدب الجد والأمانة والرصانة والترفع عن القشور إنما يقوم على كواهل أصحابه ولا يقوم على كواهل القراء. وكل ما تملك من عزاء أن الجد والهزل في هذا الباب يتساويان فليس بيننا كاتب هازل يعيش بهزله، وليس بيننا كاتب جاد يعيش بجده.
أما عندنا فحين ظهر بيننا من ينعتون أنفسهم بمدرسة الشباب لم يكن معهم شيء جديد، ولا دليل على الحداثة غير شهادة الميلاد، وراحوا في دعوتهم يميعون تميع الذي يربت على عطفيه ويتحبب إلى نفسه ويفرط في تدليل سنة كأنه يتقدم في سوق الرقيق لا في ميدان الفكر وحلبة الصراع.
стр. 168
أدبنا: هل يمثلها؟ بين أحمد أمين وأمين الخولي
...
أدبنا: هل يمثلنا؟ بين أحمد أمين وأمين الخولي:
هذه مناقشة بين أحمد أمين وأمين الخولي حول أدبنا؛ هل يمثلنا؟ أو لا يمثلنا؟ بدأها أحمد أمين فألقى نظرة متشائمة على الأدب ورأى أن أدبنا لم يصل بعد إلى القدرة على تمثيل كل جوانب حياتنا، بينما قال أمين الخولي: إن أدبنا يمثلنا وإنه في "تقلقله" ليس إلا صورة صادقة كل الصدق لحياتنا الاجتماعية.
١- أدبنا الآن لا يمثلنا. أحمد أمين:
في رأيي أن الأدب العربي بحالته التي هو عليها الآن لا يصلح أن يكون غذاء كافيا للجيل الحاضر سواء في ذلك الأدب القديم والأدب الحديث والأدبين معًا.
قد يكون الأدب الإنجليزي قديمه وحديثه صالحًا للإنجليز في الوقت الحاضر وقد يكون الأدب الفرنسي والألماني كذلك. أما الأدب العربي فليس صالحًا للأمم العربية.
ذلك؛ لأن الأدب إنما يعد صالحًا للأمة إذا كان مظهرها تاما شاملا صادقا لحياتها الاجتماعية على اختلاف أشكالها في جدها وهزلها وفي صبا أفرادها وكهولتهم وشيوختهم، في آلامها وآمالها، في حياتها اليومية. في البيت والمصنع والمسجد ودور اللهو والتمثيل والموسيقى، في حياتها السياسية وحياتها الاقتصادية. وعلى الجملة في كل شيء فيها. فإذا استطاع أدب الأمة أن يملأ هذا الفراغ عد أدبًا صالحًا كافيًا وإلا لم يكف وحده فلننظر في ضوء هذه النظرية إلى الأدب العربي. فماذا نجد؟ نجد أن الأمم العربية من مصريين وشاميين وعراقيين وغيرهم بين أدبين: أدب عربي قديم وأدب عربي حديث.
стр. 169
فأما الأدب العربي القديم فلا يمثل إلا أجياله ولا يمثل جيلنا وهو صورة للحياة الاجتماعية التي نشأ فيها، وليس صورة لحياتنا.
وهذا النوع من الأدب العربي القديم لا يصلح أن يمثلنا ولا يسمى أدبًا لنا بالمعنى الدقيق للكلمة ولا يقول به عاقل.
ولست أشك أن قسما منه صالح لكل زمان ومكان، كالحكم والمواعظ وتمثل العواطف العامة المشتركة بين الناس كلهم كالسرور والحزن والوفاء والغدر.
والنتيجة لهذا كله أن الأدب القديم ثقافة الخاصة لا ثقافة العامة. وثقافة العدد القليل لا الجم الغفير، وليس يكفي ذلك وحده في أداء رسالة الأدب العامة إذ هو لا يؤدي رسالته حتى يجد الناس فيه عامتهم وخاصتهم التعبير الفني عن مشاعرهم.
أما الأدب الحديث العربي فهو كذلك لا يكفي لغداء الجيل الجديد لأنه لم يملأ حياتنا، وإن شئت فاستعرض كل شئون الحياة تجده لم يحقق رسالة، فإن أحببت أن تضع في يد أطفالك في سنهم المختلفة كتبا في القصص أو في الثقافة العامة لم تجد إلا القليل الذي لا يكفي على حين تدخل المكتبة الأوروبية فيملأك العجب والإعجاب من وفرة الكتب للأطفال على اختلاف أنواعها ومما حليت به من الصور الجذابة والأسلوب المشوق البديع.
والواقع أن أدب كل أمة يجب أن يساير نهضتها، وأدبنا الآن لا يمثلنا وهو وراء نهضتنا ويجب أن يكون أمامها وهو كالثوب القصير للرجل الطويل. أو كالثوب المرقع للرجل الغني أو كالثوب البدوي للمرأة المتحضرة.
стр. 170
وأهم علاج هذا النقص عناية العالم العربي بإيجاد طائفة تثقفت ثقافة عربية واسعة، وثقافة غربية واسعة، ثم تتولى بعد الإنتاج.
٢- أدبنا الآن يمثلنا؛ أمين الخولي:
إن أدبنا يمثلنا في هذا العصر تمام التمثيل. وليس يثبت ذلك إلا أن ننظر لحياتنا. ونتفق على من نحن الآن! ولسنا إلا شرقيين قد ورثنا حضارة لها مزاجها وكيانها. ثم طلعت علينا حضارة غربية لها مزاج آخر وكيان آخر.
وهاجمتنا محاولات لإحياء قديم أسبق من الحضارتين تثير عصبيتنا لمجد شاده الفراعين، فنحن بين هذا وذاك أشتات بدد، يذهب كل فريق إلى ناحية ويلوذ بزاوية أو يقوم فريق وسطا بين هذا وذاك، ومظاهر هذا التقسيم واضحة في حياتنا فلا أقول لك مثلا: إن في مصر دراين للآثار مصرية وعربية ودراستين للآثار: مصرية وإسلامية، ولكن أقول لك: إن لدراسة الأدب في مصر معاهد ثلاثة: كلية الآداب تجنح للثقافة الحديثة الغربية، والأزهر بكلية اللغة العربية يحتفظ بالشرقية جاهدا، ودار العلوم تميل إلى هنا حينا وتصعد عن هناك حينا.
وانظر مع ذلك في صنوف التعليم عندنا تجد المثقفين قد وردوا مناهل العلم في جامعات الغرب وتعرفوا إلى الحضارة النشطة القوية العاملة وتذوقوا أو حاولوا تذوق صنوف الفنون المبدعة في مثلها السامية، وإلى جانب هؤلاء متعلمون قد عكفوا على القديم ليس غير، فهم يحرمون الفنون ويودون بجدع الأنف لو مزقوا الصور وحطموا التماثيل، يعدون المتحف المصري دارًا للأصنام وبقية من جاهلية وثنية ثم هناك آخرون قد مروا بمدارسنا المدنية وقطعوا مراحل التعليم فيها فتنسموا ريح تلك الحضارة الحديثة واتصلوا بتلك الفنون اتصالا تاما.
стр. 171
وآخرون قد أصابوا حظا من ذلك يختلف قلة وكثرة، وضيقا وسعة وإلى هؤلاء وأولئك ترى ناسا توسطوا بين هذه الأطراف ونالوا نصيبا من كل جانب يتحدثون إلى أهل القديم فيفهمونهم ويجدون من قديم اصطلاحهم وموروث علمهم بما يرضي ويطمئن، فلعل أصدق ما يقال في وصف أدبنا الآن: إنه يمثل مصرية قد ائتلف عنصراها. والتقى وفاق طرفاها. وقد طاب منها الأصلان وكرم العنصران؛ من فرعونية قادت الإنسانية وأسست المدنية وعربية شاركت في تمدين الدنيا وحملت مشعل الهدى, فنحن منهما بين أصلين كريمين.
ففي الحق إن أدبنا في عربيته وغربيته وقدمه وحداثته، ثم في تململه وتقلقله ليس إلا صورة صادقة كل الصدق لحياتنا الاجتماعية التي لا يترجم لها عنوان موحد ولا تبرز لها صورة مكتملة.
стр. 172
غاية الأدب: ما هي؟ بين زكي مبارك وسلامة موسى
كانت حملة سلامة موسى على الأدب العربي مثارًا لمعارك متعددة، كان أبرزها معركته مع زكي مبارك، يرى سلامة موسى أن غاية الأدب هي توجيه الحياة الاجتماعية وأن الأدب الحديث أنفع من الأدب القديم، ويرى زكي مبارك أن الأدب وثيقة تسجل فيها مظاهر الحياة الاجتماعية وقد تصير "دستورا تخضع له هذه الحياة".
١- الآداب الباقية: رد زكي مبارك على سلامة موسى ١
كنت بينت للخصم الشريف سلامة موسى وجه الخطأ فيما ذهب إليه من الدعوة إلى الإقلال من العناية بالأدب العربي، وكانت حجتي أنه يعنى بالأدب الفرعوني مع أنه أدب موغل في القدم، وأن الأستاذ عبد القادر حمزة يبذل جهودًا عنيفة في شرح الأساطير الفرعونية، ولم يقل أحد أنه يضيع وقته فيما لا يفيد، فكيف يلام رجل مثلي إلى قصر عمره على درس الأدب العربي مع أنه أدب حي لا يزال يسيطر على أذواق الناس في المشرق والمغرب، وهو فوق ذلك يفسر غوامض النفس العربية التي تلقت الإسلام ونشرته في العالمين.
وأعود فأقرر أن لدراسة الأدب العربي غايات أخرى غير تلك الغايات الدينية وأبدأ فأنقض حجة سلامة موسى إذ يرى أن غاية الأدب هي توجيه الحياة الاجتماعية وأن الأدب الحديث أنفع دائما من الأدب القديم.
وعندي أن الأدب كما يكون ضربا من الإصلاح يكون نوعا من الوصف وهو وثيقة تسجل فيها مظاهر الحياة الاجتماعية، وقد يصير دستورًا تخضع له الحياة الاجتماعية. فإن كنت في ريب من ذلك فراجع كتب الأدب في القديم والحديث تراها سجلات دونت فيها أزمات القلوب والنفوس والعقول.
стр. 173
والكتاب الاجتماعيون يعيشون في عالم الواقع كما يعيش رجال القوانين، ولذلك نراهم يهتمون بشئون لا يلتفت إليها أحد من الشعراء، والأستاذ سلامة موسى كاتب اجتماعي وليس بأديب واللغة عنده ليست إلا أداة تفاهم وكل تأنق في العبارة يبدو لعينيه وكأنه لغو وإسراف. والأدب القديم لا يمكن أن يحتل رأسًا مثل رأس الأستاذ سلامة موسى.
أما الأديب -وارحمتاه للأديب- فهو إنسان لا يعرف غير عالم المعاني وليس للدنيا في نفسه حدود ولا تواريخ فهو يلتمس الحكمة حيث وقعت، الحكمة الجميلة التي تحمل طابع الحق والخير والجمال.
الذي يهمني أن أقرر أن الأديب لا يشوقه غير المعاني، وهو من أجل ذلك لا يتقيد بالحدود التاريخية والجغرافية وهو لا يعنى بالمشاكل إلا من الوجهة الإنسانية. أما الأوضاع الاجتماعية فموقفه منها موقف الوصاف الذي يشرح المحاسن والعيوب.
وهذا لا يمنع أن يكون الأديب من أهل الكفاح، وهو حين يكافح يصبح قوة خطرة في الحياة الاجتماعية لأنه يحلق دائما في الأجواء العالية ولا يقنع بالقليل.
٢- قد يكون سلامة موسى في دينه أصدق مني في ديني والله أعلم بالسرائر، ولكن من المؤكد أني أصدق منه في الوطنية، فأنا أحرص على اللغة العربية والإسلام خدمة لوطني. وأنا أغض النظر عن هفوات كبيرة لرجال الدين لأنهم على أي حال من الشواهد على أن وطني له سلطة روحية، وقد تطوع المسلمون في مصر لمعاونة الأحباش أيام محنتهم بعدوان الطليان بغرض وطني هو الشعور بأن الكنيسة القبطية لها سلطات روحية على عقائد الأحباش.
стр. 174
فهل يغار الأستاذ سلامة موسى على الأزهر الشريف كما أغار على الكنيسة القبطية.
وهل من الكثير أن يكون منا عشرة أو عشرون أو ثلاثون يقضون أعمارهم في دراسة ماضي اللغة العربية، وهي اللغة القومية في مصر منذ ثلاثة عشر قرنا وهل تعاب فرنسا وإنجلترا وإيطاليا بأن فيها مئات من الباحثين لا يهتمون بغير درس الذخائر في الأدب القديم عند اليونان والرومان.
وفي العرب: نصارى ويهود ومسلمون لأن العروبة هي مصدر هذه الديانات الثلاثة، ولو كان سلامة موسى من أرباب المآرب المادية لعذرناه وقلنا: إنه رجل ينتفع من مؤازرة خصوم العروبة والإسلام، ولكن سلامة موسى رجل عفيف القلب والجيب ولن يترك لأطفاله غير ما ورث من أبويه الكريمين فكيف يستبيح لنفسه أن يسيء إلى سمعة مصر العربية الإسلامية بلا جزاء.
٣- إن اهتمام الأستاذ سلامة موسى بالكلام عن الحرمان وتفاوت الطبقات فتات خطفه من موائد الأجانب الذين كتبوا في الاشتراكية فليس فيه أصالة فكرية أما أعمالنا فنحن في درس أسرار اللغة العربية فهي الأساس لزعامة مصر في الشرق فمؤلفاتنا في الأدب هي المظهر لمجد مصر.
إن تجني سلامة موسى على مؤرخي الأدب العربي بغير حق دليل على أنه جاهل وجهول وجهالة ومجهال.
إنه يعادي لغة العرب لسبب بسيط وهو أنها لغة القرآن المجيد.
стр. 175
متى يزدهر الأدب؟ معركة بين لطفي جمعة وزكي مبارك:
هذه مناظرة وقعت بين لطفي جمعة وزكي مبارك في مارس سنة ١٩٤٠ في مدرج كلية الآداب بالجامعة، وصور هذه المناظرة زكي مبارك بقلمه فرسم صورة الأساليب التي تتبع في إعداد المساجلات وما يدور وراء كواليسها. وكيف يحرز أحد المتساجلين النصر.
موضوع المناظرة: يزدهر الأدب في عصور الفوضى الاجتماعية، أيد الرأي زكي مبارك وعارضه لطفي جمعه.
١- سألني فريق١ من أعضاء كلية الآداب أن أشترك في مناظرات هذا الموسم وعرضوا علي طوائف من الموضوعات لم يرقني منها غير موضوع "يزدهر الأدب في عصور الفوضى الأخلاقية".
ولكني اقترحت أن يعدل فتوضع كلمة "الفوضى الاجتماعية" مكان الفوضى الأخلاقية، ومضت أيام وأسابيع والاتحاد مشغول بالبحث عمن يناظرني من أساتذة كلية الآداب ثم علمت أن الأساتذة لم يرقهم أن يناظروا "المشاغب الأكبر" على حد تعبير الدكتور هيكل باشا، وهل من العقل أن يتقدم أحد الأساتذة لمناظرتي وقد شاع وذاع إني أكبر المشاغبين.
هي تهمة ظالمة ولكنها حقت علي وسأقضي بقية العمر في الدفاع عن نفسي ولكن بلا نفع ولا عناء لأن الناس عندنا يؤذيهم أن يصححوا رأيهم في رجل ظلموه بلا بينة ولا برهان.
وأخيرًا ظفر اتحاد الكلية برجل يناظرني. ولكن أي رجل؛ كاتب مشهور لي معه وقائع في بعض الجرائد والمجلات، فقلت في نفسي، هي مكرمة
стр. 176
من مكرمات الأستاذ لطفي جمعه فقد هداه القلب الطيب إلى أنني رجل ينهاه الأدب والذوق عن الاستخفاف بأقدار الزملاء.
كانت المناظرة لا تحمل المعنى العلمي لها، وهي أن يحمل جانبا من الجانبين يعني أنه من أنصار هذا الرأي، وإنما الأمر أن يأخذ كل مناظر نصيبه من المناظرة ليعرض المتناظرين للجمهور، ولا يعني هذا الإيمان بالرأي ولذلك نعجب كيف قوبل زكي مبارك بالرزاية حينما تقدم لهذه المناظرة وأنه سمع من الذين حاوروه في المناظرة قول أحدهم إنه لا يستبيح ما لا يباح في تحقير الرأي الذي ارتضاه وهناك من أعلن عجبه أن يكون من موظفي وزارة المعارف من يحمل على الدعوة إلى الفوضى.
ويميل الأستاذ لطفي جمعه على أذني وهو يقول:
أهنئك على أن عرضت سمعتك للأراجيف في سبيل الحق. فأبتسم وأنتظر أن يصنع ما صنعت ليظفر بتهنئتي وينهض الخصم الشريف فيسلك في تحقيري جميع المسالك ويدعي أني فوضوي وأثيم وينهى الجمهور عن الانخداع بآرائي ويعلن عجبه من أن يكون لي كتاب اسمه التصوف الإسلامي في مجلدين كبيرين مع إني من أنصار الفوضى الاجتماعية ويقضي في تحامله ساعة وبعض ساعة وأنا مطرق أكاد أذوب من الخجل والحياء.
وأعود إلى نفسي فأندم على تعريض سمعتي لهذا الضيم البغيض، وأعرف أني أخطأت في قبول المناظرة مع الخصم الشريف، وأعاهد الله على اعتزال الناس إلى يوم الممات، ومن الذي يغريني بصحبة بني آدم ولم ألق منهم غير شجا الحلوق وقذى العيون.
وقد أقمت داري على حدود الصحراء لآنس بظلمات الليل ولأنسى إنني موصول الأواصر بهذا الخلق ولأناجي موات البادية حين أشاء.
стр. 177
لطفي جمعة الرجل الفاضل الذي أثنيت عليه في خطبتي أيقضي في شتمي ساعة بعض ساعة. تلك إحدى الأعاجيب إن كان الفكر في زماننا من الأعاجيب، أين أنا من دهري وزماني؟ أمثلي يشتم جهرة في كلية الآداب وقد حملت على كاهلي أحجار الأساس؟ هو ذلك وعلى نفسي أنا الجاني فقد عرضت سمعتي للجدل الذي يسمونه مناظرات. وينتهي الأستاذ لطفي جمعة من خطبته بعد أن مزق آرائي كل ممزق وبعد أن شفى صدره مني وقد كانت بيني وبينه ثارات وضغائن وحقود١.
موضوع المحاضرة:
في بلادنا تصطرع جميع المذاهب والعقائد وفي بلادنا تقتتل جميع العادات والتقاليد وفي بلادنا يلتقي البحران: بحر المدينة الشرقية وبحر المدينة الغربية وفي بلادنا يجتمع الضب والحوت، وتمتزج أنغام المؤذنين بأصوات النواقيس.
عندنا برج بابل المشهور في التاريخ. بل عندنا برجان هما: الأزهر والجامعة المصرية يتجه أحدهما إلى الشرق فيكون خلف الضفة الشرقية للنيل ويتجه ثانيهما إلى الغرب فيكون حول الضفة الغربية.
فالأديب المصري يغرب إن شاء فيرى القاهرة في ثياب أليس ومرجريت ويشرق إن شاء الله فيراها في عباءة ليلى وظمياء.
وبفضل هذه البلبلة بين الحضارة والبداوة نهضت قواعد الأدب الحديث.
٢- النهضة الحقيقية للأدب الحديث ترجع إلى عهد مشئوم هو النزاع بين الرجلين العظيمين: عدلي يكن وسعد زغلول ففي هذا العصر صارت الكتابة والخطابة عنصرين أساسيين في تكوين الأدب المصري الحديث
стр. 178
وبفضل النزاع بين عدلي وسعد خلقت جرائد ومجلات وأندية صار لها في نهضة الأدب مكان ملحوظ وبفضله استطعنا أن نذيع في الشرق فنا جديدًا هو الأدب السياسي وهو فن كان انقرض بانقراض النضال بين أشياع بني أمية وأتباع بني العباس، وإليكم هذه النكتة؛ كان شاع أني أخاصم الدكتور طه حسين فكتبت في الهجوم عليه مقالات كان لها وقع حسن أو سيئ عند قراء اللغة العربية.
وكان بيني وبين الدكتور طه ود وثيق ولكن رعاية هذا الود لم تنفع الأدب لأن كل ما يصدر عنه كان يقع في نفسي موقع القبول، فلما ثار علي وغضبت عليه أتيت في مصاولته بالأعجايب، واطلع الأستاذ محمود بسيوني على تلك المقالات فانزعج أشد الانزعاج وسعى للصلح بيني وبين الدكتور طه في حفل مشهور حضره العمداء وكبار الأساتذة بكليات الجامعة المصرية فهل تعرفون نتيجة هذا الصلح المشئوم أو الميمون؛ تلفت الناس متوجعين لضياع فرصة ثمينة هي فرصة الجدل حول المذاهب الأدبية، فهل فيكم من يتفضل بالسعاية بيني وبين الدكتور طه لأرجع إلى مصاولته من جديد؟
٣- لو سلم المجتمع من الاضطرابات لأغلقت المحاكم ولم يبق أمام الأستاذ لطفي جمعة إلا الفرار إلى الريف ليأخذ قوته مما تخرج الأرض بجهاد الفأس والمحراث.
стр. 179
الأدب المكشوف: بين توفيق دياب وسلامة موسى
سلامة موسى ١:
كان "الأدب المكشوف" من الموضوعات التي كثر حولها الجدل وتشعب القول. وقد جرت مساجلة بين سلامة موسى وتوفيق دياب في ٩ ديسمبر ١٩٢٧ عن الأدب المكشوف والأدب المستور ثم لم تلبث جريدة السياسة أن فتحت مجال المناقشة وكان السؤال هو: هل يضيرنا أن يسمي كتابنا الأشياء بأسمائها وأن يكتبوا أو يعربوا لقارئاتهم، وقرائهم ما تنطوي عليه مخادع الزوجين أو الخليلين من أسرار طالما ظلت مكتومة؟ أم هل تقول بأن المتعمق في وصف التفاصيل مضعف لأخلاق الناشئين والناشئات، شديد الإثارة للشهوات وإذن يجب أن تقمع الأقلام بعض الشيء فلا تخوض في هذه الأمور إلا على حذر واستحياء.
وقد دافع سلامة موسى عن الحرية المطلقة في الأدب وعدم التقيد أصلا بالأخلاق بينما قمع توفيق دياب من جهة النظر الأخرى ودخل المعركة كثيرون من بعد واستمرت سنوات طويلة.
موضوع الأدب هو موضوع الطبيعة البشرية في حقيقتها والتسامي بهذه الطبيعة إلى ما هو أرقى منها مما يبصره الأديب بما يشبه بصيرة النبي. فالعلم يقرر الواقع. ولكن الأدب يسمو بالواقع إلى ما هو أرقى منه. فاعلم كالصورة الفوتوغرافية والأدب كرسم اليد.
فإذا عالج الأديب موضوع الحب فهو لا يقنع بما هو مألوف من العلاقات الجنسية بل يسمو بها إلى ما هو أرقى من المألوف، فإذا احتاج في ذلك إلى صراحة تامة فيجب أن يمنح هذا الحق أن للأديب قيدًا وحدًا فقط يتقيد به هو إخلاصه في عمله وله الحق ما دام مخلصًا في أن ينال الحرية في أن يبحث بصراحة كاملة جميع مسائل الجنس كما يبحث العالم مسائل الغازات السامة مثلا.
стр. 180
وليس في الأدب كله ضرر نشأ من الصراحة يساوي أو يقرب من الضرر الذي نشأ من الغازات السامة.
قد يقال: إننا يجب أن نراعي الأخلاق ونحتشم في وصف العلاقات الجنسية فإذا فعلنا ذلك هل نمتنع من قراءة "ثورة الملائكة" التي وضعها أناتول فرائس أو "الجريمة والعقاب" لدستوفسكي وفيها أوصاف بالغة الدعارة.
إن الأديب الذي يعالج العلاقة الجنسية قد يصارح القارئ أو المشاهد بأشياء كثيرة، ولكن لإخلاصه وأن بصيرته تنزع إلى السمو لا يستثير في القارئ شيئا من شهوات الدنيا.
إن الذي يثبته علم النفس الحديث أن الصراحة الوقوف في وجه الغريزة الجنسية, والكلام عنها كل هذا لا يضر بل يفيد، إن الذي يضر ويؤذي هو مجابهة الموضوع والابتعاد عنه بتاتا بالقول والعمل.
وهنا نرى مهمة الأديب الصريح إذا عالج موضوع الشهوة الجنسية أمكنه أن يفتح أمام الشباب باب التسامي، أي أن ينقل حبه للمرأة إلى حب للفنون الجميلة عندئذ تستحيل هذه الشهوة البهيمية إلى العمل للشرف والقوة والمجد.
وليس للأدب علاقة بالأخلاق.
إن ستر الحقائق يجعلها أجذب للنفس من ظهورها، وإبعاد المسائل الجنسية عن الأدب أو عدم المصارحة في الكلام فيها يجعل الذهن أعلق بها ويفتح الطريق للكاتب المنحط الذي يلجأ إلى الرجس.
الأدب السافر يجعلهم يمسون الحياة كما هي في الحقيقة والواقع فلا يحدث الانحراف الذي تجلبه المجانبة.