من مكرمات الأستاذ لطفي جمعه فقد هداه القلب الطيب إلى أنني رجل ينهاه الأدب والذوق عن الاستخفاف بأقدار الزملاء.
كانت المناظرة لا تحمل المعنى العلمي لها، وهي أن يحمل جانبا من الجانبين يعني أنه من أنصار هذا الرأي، وإنما الأمر أن يأخذ كل مناظر نصيبه من المناظرة ليعرض المتناظرين للجمهور، ولا يعني هذا الإيمان بالرأي ولذلك نعجب كيف قوبل زكي مبارك بالرزاية حينما تقدم لهذه المناظرة وأنه سمع من الذين حاوروه في المناظرة قول أحدهم إنه لا يستبيح ما لا يباح في تحقير الرأي الذي ارتضاه وهناك من أعلن عجبه أن يكون من موظفي وزارة المعارف من يحمل على الدعوة إلى الفوضى.
ويميل الأستاذ لطفي جمعه على أذني وهو يقول:
أهنئك على أن عرضت سمعتك للأراجيف في سبيل الحق. فأبتسم وأنتظر أن يصنع ما صنعت ليظفر بتهنئتي وينهض الخصم الشريف فيسلك في تحقيري جميع المسالك ويدعي أني فوضوي وأثيم وينهى الجمهور عن الانخداع بآرائي ويعلن عجبه من أن يكون لي كتاب اسمه التصوف الإسلامي في مجلدين كبيرين مع إني من أنصار الفوضى الاجتماعية ويقضي في تحامله ساعة وبعض ساعة وأنا مطرق أكاد أذوب من الخجل والحياء.
وأعود إلى نفسي فأندم على تعريض سمعتي لهذا الضيم البغيض، وأعرف أني أخطأت في قبول المناظرة مع الخصم الشريف، وأعاهد الله على اعتزال الناس إلى يوم الممات، ومن الذي يغريني بصحبة بني آدم ولم ألق منهم غير شجا الحلوق وقذى العيون.
وقد أقمت داري على حدود الصحراء لآنس بظلمات الليل ولأنسى إنني موصول الأواصر بهذا الخلق ولأناجي موات البادية حين أشاء.
стр. 177
لطفي جمعة الرجل الفاضل الذي أثنيت عليه في خطبتي أيقضي في شتمي ساعة بعض ساعة. تلك إحدى الأعاجيب إن كان الفكر في زماننا من الأعاجيب، أين أنا من دهري وزماني؟ أمثلي يشتم جهرة في كلية الآداب وقد حملت على كاهلي أحجار الأساس؟ هو ذلك وعلى نفسي أنا الجاني فقد عرضت سمعتي للجدل الذي يسمونه مناظرات. وينتهي الأستاذ لطفي جمعة من خطبته بعد أن مزق آرائي كل ممزق وبعد أن شفى صدره مني وقد كانت بيني وبينه ثارات وضغائن وحقود١.
موضوع المحاضرة:
في بلادنا تصطرع جميع المذاهب والعقائد وفي بلادنا تقتتل جميع العادات والتقاليد وفي بلادنا يلتقي البحران: بحر المدينة الشرقية وبحر المدينة الغربية وفي بلادنا يجتمع الضب والحوت، وتمتزج أنغام المؤذنين بأصوات النواقيس.
عندنا برج بابل المشهور في التاريخ. بل عندنا برجان هما: الأزهر والجامعة المصرية يتجه أحدهما إلى الشرق فيكون خلف الضفة الشرقية للنيل ويتجه ثانيهما إلى الغرب فيكون حول الضفة الغربية.
فالأديب المصري يغرب إن شاء فيرى القاهرة في ثياب أليس ومرجريت ويشرق إن شاء الله فيراها في عباءة ليلى وظمياء.
وبفضل هذه البلبلة بين الحضارة والبداوة نهضت قواعد الأدب الحديث.
٢- النهضة الحقيقية للأدب الحديث ترجع إلى عهد مشئوم هو النزاع بين الرجلين العظيمين: عدلي يكن وسعد زغلول ففي هذا العصر صارت الكتابة والخطابة عنصرين أساسيين في تكوين الأدب المصري الحديث
стр. 178
وبفضل النزاع بين عدلي وسعد خلقت جرائد ومجلات وأندية صار لها في نهضة الأدب مكان ملحوظ وبفضله استطعنا أن نذيع في الشرق فنا جديدًا هو الأدب السياسي وهو فن كان انقرض بانقراض النضال بين أشياع بني أمية وأتباع بني العباس، وإليكم هذه النكتة؛ كان شاع أني أخاصم الدكتور طه حسين فكتبت في الهجوم عليه مقالات كان لها وقع حسن أو سيئ عند قراء اللغة العربية.
وكان بيني وبين الدكتور طه ود وثيق ولكن رعاية هذا الود لم تنفع الأدب لأن كل ما يصدر عنه كان يقع في نفسي موقع القبول، فلما ثار علي وغضبت عليه أتيت في مصاولته بالأعجايب، واطلع الأستاذ محمود بسيوني على تلك المقالات فانزعج أشد الانزعاج وسعى للصلح بيني وبين الدكتور طه في حفل مشهور حضره العمداء وكبار الأساتذة بكليات الجامعة المصرية فهل تعرفون نتيجة هذا الصلح المشئوم أو الميمون؛ تلفت الناس متوجعين لضياع فرصة ثمينة هي فرصة الجدل حول المذاهب الأدبية، فهل فيكم من يتفضل بالسعاية بيني وبين الدكتور طه لأرجع إلى مصاولته من جديد؟
٣- لو سلم المجتمع من الاضطرابات لأغلقت المحاكم ولم يبق أمام الأستاذ لطفي جمعة إلا الفرار إلى الريف ليأخذ قوته مما تخرج الأرض بجهاد الفأس والمحراث.
стр. 179
الأدب المكشوف: بين توفيق دياب وسلامة موسى
سلامة موسى ١:
كان "الأدب المكشوف" من الموضوعات التي كثر حولها الجدل وتشعب القول. وقد جرت مساجلة بين سلامة موسى وتوفيق دياب في ٩ ديسمبر ١٩٢٧ عن الأدب المكشوف والأدب المستور ثم لم تلبث جريدة السياسة أن فتحت مجال المناقشة وكان السؤال هو: هل يضيرنا أن يسمي كتابنا الأشياء بأسمائها وأن يكتبوا أو يعربوا لقارئاتهم، وقرائهم ما تنطوي عليه مخادع الزوجين أو الخليلين من أسرار طالما ظلت مكتومة؟ أم هل تقول بأن المتعمق في وصف التفاصيل مضعف لأخلاق الناشئين والناشئات، شديد الإثارة للشهوات وإذن يجب أن تقمع الأقلام بعض الشيء فلا تخوض في هذه الأمور إلا على حذر واستحياء.
وقد دافع سلامة موسى عن الحرية المطلقة في الأدب وعدم التقيد أصلا بالأخلاق بينما قمع توفيق دياب من جهة النظر الأخرى ودخل المعركة كثيرون من بعد واستمرت سنوات طويلة.
موضوع الأدب هو موضوع الطبيعة البشرية في حقيقتها والتسامي بهذه الطبيعة إلى ما هو أرقى منها مما يبصره الأديب بما يشبه بصيرة النبي. فالعلم يقرر الواقع. ولكن الأدب يسمو بالواقع إلى ما هو أرقى منه. فاعلم كالصورة الفوتوغرافية والأدب كرسم اليد.
فإذا عالج الأديب موضوع الحب فهو لا يقنع بما هو مألوف من العلاقات الجنسية بل يسمو بها إلى ما هو أرقى من المألوف، فإذا احتاج في ذلك إلى صراحة تامة فيجب أن يمنح هذا الحق أن للأديب قيدًا وحدًا فقط يتقيد به هو إخلاصه في عمله وله الحق ما دام مخلصًا في أن ينال الحرية في أن يبحث بصراحة كاملة جميع مسائل الجنس كما يبحث العالم مسائل الغازات السامة مثلا.
стр. 180
وليس في الأدب كله ضرر نشأ من الصراحة يساوي أو يقرب من الضرر الذي نشأ من الغازات السامة.
قد يقال: إننا يجب أن نراعي الأخلاق ونحتشم في وصف العلاقات الجنسية فإذا فعلنا ذلك هل نمتنع من قراءة "ثورة الملائكة" التي وضعها أناتول فرائس أو "الجريمة والعقاب" لدستوفسكي وفيها أوصاف بالغة الدعارة.
إن الأديب الذي يعالج العلاقة الجنسية قد يصارح القارئ أو المشاهد بأشياء كثيرة، ولكن لإخلاصه وأن بصيرته تنزع إلى السمو لا يستثير في القارئ شيئا من شهوات الدنيا.
إن الذي يثبته علم النفس الحديث أن الصراحة الوقوف في وجه الغريزة الجنسية, والكلام عنها كل هذا لا يضر بل يفيد، إن الذي يضر ويؤذي هو مجابهة الموضوع والابتعاد عنه بتاتا بالقول والعمل.
وهنا نرى مهمة الأديب الصريح إذا عالج موضوع الشهوة الجنسية أمكنه أن يفتح أمام الشباب باب التسامي، أي أن ينقل حبه للمرأة إلى حب للفنون الجميلة عندئذ تستحيل هذه الشهوة البهيمية إلى العمل للشرف والقوة والمجد.
وليس للأدب علاقة بالأخلاق.
إن ستر الحقائق يجعلها أجذب للنفس من ظهورها، وإبعاد المسائل الجنسية عن الأدب أو عدم المصارحة في الكلام فيها يجعل الذهن أعلق بها ويفتح الطريق للكاتب المنحط الذي يلجأ إلى الرجس.
الأدب السافر يجعلهم يمسون الحياة كما هي في الحقيقة والواقع فلا يحدث الانحراف الذي تجلبه المجانبة.
стр. 181
إن الأدب كالعلم يجب أن يبقى حرًا، ثم إن علم النفس الحديث يبين لنا أن المصارحة في المسائل الجنيسة خير من المواربة وأن معظم الأمراض الجنسية تنشأ من المجانبة والابتعاد.
٢- توفيق دياب: الأدب المستور ١
إن وظيفة الآداب والعلوم والفنون مهما اختلفت موضوعاتها وظيفة سامية أو يجب أن تكون سامية. ذلك أن وجهة الإنسانية هي الرقي في جميع بواطن النفس وظواهرها.
وعندي وعند كثير ممن هم أجل منا مقاما في عالم التفكير وتصوير قيم الأشياء وغاياتها أن كل علوم الناس وآدابهم وفنونهم يجب أن تكون خداما وأعوانا لمثال الإنسانية المنشود، فأما أن يشذ الأدب عن سائر عناصر الثقافة وعوامل التهذيب فيجعل همه مصروفا إلى مجرد "الوقائع الحادثة" مهما تكن تلك الوقائع مزرية بالغاية الإنسانية العليا مغرية باللذائذ الدنيا، فذلك ما نخالف فيه أخانا الناقد والآخذين أخذه.
وتشمل اللذائذ الدنيا كل شهوات البدن إذا خرج بها صاحبها على حرمة الأفراد أو الجماعة أو وقف عليها من فكره وجهوده ما قد يشل معه مواهبه العليا، ونحن نزعم أن كثيرًا جدا من مادة الأدب الحديث منصرف إلى تلك الشهوات، دافعا إليها دفعًا شديدًا وكيف يتفق "الخيال المهذب الراقي" وتلك العريانة المستهترة التي لا تدع للخيال الراقي مجالا.
لو وضعنا كل شيء يقع وضعًا فنيًا لاستحالت كتب الأدب وأثار رجاله
стр. 182
أو كثير منها إلى حانات معنوية ومواخير مبتذلة له مقرها رءوس الكتاب والقارئين وأشخاصها أولئك "الأبطال" الذين يصورهم لنا "الفن الأمين" غارقين إلى الأذقان في لجج الشهوات ممعنين فيها إمعان من لا يرى في الحياة متاعا يعلو متاع الحيوان.
إن القطيعة التي يزعمها بعض الباحثين من الأدب القومي والخلق الإجماعي قطيعة وهمية لا أساس لها من الواقع إذ الواقع، أن التفاعل بين الأدب والأخلاق متواصل لا ينقطع.
٣- حافط محمود؛ الأدب المكشوف:
إن الأدب الصحيح ليست مهمته أن يصف لنا "ما تنطوي عليه مخادع الزوجين أو الخليلين من أسرار، وليست مهمته أن يبلغنا ملابسات العاشقين ومداعباتهم.
إن وظيفة الأدب في الحياة وظيفة فنية قوامها أن يصور لنا الوقائع الحادثة والحقائق الزمنية إلى جانب دخائل النفس تصويرًا صادقًا لا يداخله غلو في شيء ولا إغراق في شيء.
فالمقصود من الأدب ليس الحكمة أو الموعظة، وإنما هو أن يعطينا صورة لأنفسنا ويترك للتاريخ صورة من حياتنا، فإذا اعتبرنا ما تنطوي عليه مخادع الزوجين أو الخليلين صورة من التفسير الإنساني صحت علينا الأمانة الفنية أن نذكرها على ما هي عليه من واقع لا تغيير ولا تغرير فيه.
أما أن يكون التفضيل في هذه المواضيع مما يضعف المقاومة ويحلل المناعة بين الفتيان والفتيات فهذا شيء ليس متصلا بالأدب إنما هو موضوع الخلق الاجتماعي في الأمة.
стр. 183
٤- عزيز طلحة ١:
نشأ هذا النوع من الأدب نشأة سهلة لم يكلف الذين ولغوا فيه عناء ولا جهدًا فليس هو الأدب الذي يستدعي بحثا أو تمحيصا، وليس هو الأدب الذي يتصل بالدراسات النفسية بسبب, ويكفي أن ننزل عن شيء من الأخلاق, ويكفي أن نستبيح شيئا من المجون والاستهتار ليخرج الناس أسلوبًا جديدًا ينفر منه الذوق وتمجه النفس.
وإذا أنت حاولت إقناع أصحاب الأدب الرخيص بأنهم حين ينشرون مثل هذا العبث في مختلف البيئات يمنون على الأدب أولا وعلى النواميس الاجتماعية يزعمون أنك قديم, وأنك ما دمت قديما أو من أنصار القديم فأنت عدو لكل جديد.
٥- إبراهيم المصري:
أغلب الجمهور عندنا نظرًا لاجتيازها فترة الانتقال الحاضرة يعتقد أن المقصود بالأدب المكشوف: هو أدب التبذل والتهتك وتصوير المحرمات المنسية والميول المنحرفة المخزية وأن كل من يعالج هذا الأدب إنما يرمي إلى نشر الإباحية الممقوتة وأن من واجب الحكومات والمصلحين وقادة الرأي الحكام محاربة هذا الأدب وأصحابه حرصًا على أخلاق الأمة.
وليس شك أن من حق الأدب الصحيح على الأدباء المصريين٢ المثقفين ألا يقفوا سكوتًا حيال خلط كهذا. وألا يسمحوا -وهم الذين يتولون جهود الجبابرة في تعديل القيم الأدبية وتقويمها- بأن تظهر في الجو الفكري في
стр. 184
مصر خرافة مرعبة تحمل اسم الأدب المكشوف وهي في الواقع ليست من حقيقة هذا الأدب في شيء.
والغريب أن الأدب المكشوف اسم غير معروف في أوربا حيث ابتدع هذا الأدب وإنما هو اسم ابتكرناه نحن وخلعنا عليه ثوبا صارخا مما جعل المحافظين التقليديين يرون فيه الشيء الكثير من معنى التحدي.
وما نسميه نحن أدبا مكشوفا يسميه الغربيون "ناتوراليزم" أو "رياليزم" أي رسم الطبيعة كما هي.
أما أدب التهتك والتبذل فلا يعتبر هناك أدبا يطلق عليه اسم "بورنوجرافي" للتفرقة بينه وبين الأدب الصحيح.
والباتوراليزم أو ما يسمى عندنا بالأدب المكشوف مذهب يعترف بحرية الكاتب في أن يقول كل شيء ويرسم كل شيء وينقد كل شيء في حدود أدب القول ما دام حسن النية رائدة وتصوير الحقيقة البريئة غرضه الأول والأخير.
وهذا الأدب يتيح للقصص بصفة عامة أن يصور أخفى الغرائز البشرية ويحدثنا عن أطوارها وتقلباتها وتفاعلها وما يتولد عنها من أعراض تصطبغ بها الشخصية الإنسانية في فترة من فترات حياتها.
وإذن فالمقصود بهذا الأدب ليس ترويج الإباحة الممقوتة ولا نشر التبذل والتهتك بل دراسة الإنسان والكشف عن ميوله الدفينة ونزعاته الغربية التي تسيطر تمام السيطرة على معظم اتجاهات عقله وقلبه.
ومن الميسور جدًا أن نفرق بين الأدب الصحيح الذي يرسم الأعراض
стр. 185
النفسية الغريبة ليهتدي إلى حقيقة الإنسان وبين الأدب الزائف الذي يروج للتهتك ويتاجر بالشهوات ويعمل على هدم الأخلاق.
ومن مميزات الأدب الأول أنه لا يبالغ في وصف تلك الأعراض الجسمية والنفسية الغريبة ولا يخلع عليها حللا خيالية رائعة تستهوي القارئ وتفسده، ولا يلتذ رسم الدقائق والتفاصيل الجنسية بل يعالجها في أدب جم وحيدة تامة. ويقررها تقريرا هادئا، لا يؤثر في أعصاب القارئ ولا تشوبه النية الخبيثة التي تخرج بالحقيقة عن محيط الأدب وتهوي إلى درك التبذل.
عباس محمود العقاد ١:
معظم الأدب الأوروبي الذي تم بعد الحرب العالمية أدب ضرورة كثيفة وخضوع أعمى للحاجة العاجلة وليس بأدب حرية وتمرد على قيود الضرورة فقد أطلقت الحرب عشرات الملايين من الجنود عاشوا في الخنادق معيشة الهمج الذين يواجهون ضرورة الجسم في كل ساعة من الساعات وتعودوا نسيان التهذيب في الشعور والذوق والكلام.
فإذا انطلق هذا الجيل المصاب في دمائه وصبره وعزيمته يريد أن يفرض على الدنيا تلك الآفات والنقائض فليس هذا دعوة إلى التجديد وليست دعوة لورنس ولا اشتداد دعوة السريالية إلا من آثار النكسة وبقايا الخضوع.
стр. 186
إبراهيم عبد القادر المازني ١:
النزوع الملحوظ في أدب القصة الأوروبية إلى تناول المسائل الجنسية بلغة صريحة -أو إلى الأدب المكشوف- كما يقولون شبيه بالنزوع إلى العري بل الحركتان فرعان من أصل واحد، وهي في الغرب متسايرتان بخطى متقاربة وقد لا يكون ثم بأس في الفشو في نهاية الأمر. ولكن اليأس يكون من التجرد في جماعة كاسية، ومن الأدب المكشوف لأذهان ألفت الاستتار، وعلى أني لا أرى مزية للكشف لا تنال بالتحفظ بل إني لأرى على الإنسان خسارة لا تعوض.
إن الإنسان عرف الثياب فهو يستر بها جسمه ولو ظل عاريا كغيره من الحيوان لما كان للمسائل الجنسية وذكرها -أو حتى رؤيتها- أي تأثير في نفسه. فإنا نرى الحيوانات عارية ولا تخجل ونشهد تنزيها فلا تتحرك لذلك شهواتنا، وكان يمكن أن يكون هذا نظر الإنسان إلى الإنسان لو ظل عاريا، ولكنه استتر فكان من فضل الثياب أن صرفت ذهنه إلى حد كبير، عن جسمه وشهواته إلى ما هو أسمى وأعلى وإن جعلت ما في الثياب شيئا يستحيى منه ولا يذكره إلا بعبارة مستورة مثله، وصحيح أن الثياب أغرت بالتطلع والكشف ولكنها حجبت، فوجهت النفوس والعقول وجهات أخرى. وكان من فضلها هذا الرقي ولا فرق عندي بين أن تصف المسائل الجنسية -شاذة كانت أو غير شاذة- وصفا صريحا في قصد وأن تعري إنسانا في الطريق وتنزع عنه ثيابه.
وإذا كان أحد يرى فرقا فإني لا أراه، وما دام الإنسان يلبس الثياب
стр. 187
ويستتر بها فلا بد أن يتوخى في كتابته الكبح والضغط، والثياب جمال مزيد، وقد التمسها الإنسان أول ما التمسها للزينة لا للمنفعة والجسم الإنساني في الثوب المناسب أجمل منه وهو عريان. وأفتن أيضًا. وكذلك الكتابة الصريحة أقل جمالا وفتنة من اللغة المستورة. ومزية التحفظ في الكتابة أنه يجعلها أقوى وأفعل وآنس وآسى وهو بعد ذلك آمن لأنه لا يهيج شهوة ولا يشغل الذهن بما هو أسمى وأروع.
стр. 188
التراث الشرقي؛ يكفي أو لا يكفي؟: بين عبد الرحمن الرافعي وعباس محمود العقاد
"هل يكفي التراث الشرقي لنضج الحياة العقلية عند الشرقيين؟ ":
هذه مساجلة هادئة بين عبد الرحمن الرافعي وعباس محمود العقاد حول "كفاية" التراث الشرقي لنضج الحياة العقلية عند الشرقيين. أخذ فيها الرافعي جانب قصور التراث الشرقي وضرورة الترجمة وأخذ العقاد جانب كفاية التراث الشرقي.
عبد الرحمن الرافعي ١:
التراث الشرقي في العلوم والآداب والفنون، هو ولا شك تراث مجيد ولكنه مع ذلك لا يكفي لنضج الحياة العقلية الحديثة عند الشرقيين, بل يجب لكي يصل هذا النضج إلى مداه من التقدم أن يجمع إلى التراث الشرقي خير ما أنتجته وتنتجه القرائح والعقل البشري في الغرب ولا غضاضة علينا في ذلك؛ فإن الأمم الأوروبية نفسها وهي التي تم نضج الحياة العقلية فيها، لا تفتأ كل منها تقتبس عن أية أمة أخرى في الغرب أن الشرق ما يظهر فيها من مستحدثات التجارب والاكتشافات والمذاهب العلمية. ولذلك قالوا: إن العلم لا وطن له وإن كان العالم له وطنه.
ومما لا شك فيه أنه منذ الفتح العثماني لمصر سنة ١٥١٧ قد وقفت حركة التقدم تماما فكسرت العلوم وانحط الأدب وجهدت القرائح وتراجعت العقول وانقضت نحو ثلاثة قرون والشرق في تأخر من الناحية العلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. بينما الغرب قد أخذ بأسباب الحياة والنهوض فسبق الشرق عدة قرون من النضج العقلي، فبديهي أنه عندما ابتدأ الشرق يستفيق
стр. 189
من سباته العميق في نهاية القرن الثامن عشر كان لا بد أن يقتبس من الغرب ما سبقه إليه في خلال القرون المتعاقبة.
ولم يتردد الغرب حين بدأ عهده بالبعث والنهوض أن يقتبس عن التراث الشرقي حضارته وعلومه فقد نقل علماؤه فلسفة ابن رشد ودرسوها وكانت ينبوعا لليقظة العلمية في الغرب.
فمن الواجب إذن على الأمم الشرقية إلى جانب إحياء التراث الشرقي القديم أن يقتبس عن الغرب تراثه الجديد. وتأخذ عنه محاسنه ومزاياه، لو أن حركة التقدم قد تابعت سيرها في الشرق ولم يقفها ذلك التأخر الذي أصابه خلال قرون عديدة لزاد من غير شك تراثه في العلوم والآداب ولما سبقه الغرب في هذا المضمار.
هناك وجهات نظر ثلاث لا تزال النهضة العلمية والعقلية في الشرق مترددة حائرة بينها: "إحداها" ترمي إلى الاقتصار على التراث الشرقي القديم وإحيائه، وقصر الحياة العقلية على حدوده ومقتضياته، وهذه الوجهة لا تكفي فيما أعتقد لاستكمال أسباب النهضة والحياة في العصر الحديث.
"والثانية" إطراح التراث الشرقي جانبا وقطع صلاتنا بالماضي واقتباس الحضارة الأوروبية والعقلية الأوروبية كما هي بما لها وما عليها وهذه أيضا وجهة خاطئة تنتهي بنا إلى اقتباس العيوب دون المزايا وتؤدي إلى نوع من التبعية العقلية والثقافية لأوربا تتطور مع الزمن إلى تبعية سياسية وقومية. والوجهة "الثالثة" هي إحياء التراث الشرقي مع اقتباس خير ما أنتجه وينتجه التراث الغربي من الناحية العلمية والأدبية. وهي في اعتقادي الطريقة الوسط التي تكفل لنا نهضة صحيحة في الحياة العقلية والفكرية.
وصفوة القول أن التراث الشرقي يحتوي ولا شك على كنوز من العلم
стр. 190
والحكمة والأدب ولكننا في حاجة أيضا إلى كنوز التراث الغربي الحديث لكي يتم لنا النضج والكمال في حياتنا العقلية.
عباس محمود العقاد ١:
هل يستطيع أحد أن يقول بأن الشرق خلا من العقول الناضجة في العصور القديمة؟ هل خلا الشرق من الحياة العقلية الناضجة يوم أن كان التراث الشرقي هو التراث الذي لا تراث غيره؟
فإذا كنا لا نرى أحدًا يستطيع أن يزعم ذلك فقد حكمنا بأن التراث الشرقي كاف لنضج الحياة العقلية، لأننا إذا أنكرنا هذه الحقيقة وجب أن نقول أن الشرق خلا من العقول الناضجة قديما وحديثًا وهذا ما لم يقل به أحد من الشرقيين ولا من الغربيين.
الواقع: أن الشرقيين لا يمكن أن تنضج لهم حياة عقلية في غير تراثهم الذي ينتمي إليهم ويصطبغ بصبغتهم.
فغير ممكن أن تجعل العلم الطبيعي تراثا شرقيا أو غربيا بأية صفة من الصفات وغير ممكن كذلك أن تجعل العلم الرياضي تراثًا ينسب إلى الشرقيين أو إلى الغربيين، فلم يبق إذن إلا التراث الخاص بالشرقيين الذي لا يشاركهم في خصائصه مشارك من العالمين، وهو التراث المشتمل على ما لهم من أشعار ومواعظ وأمثال وحكايات وآداب وقواعد سلوك، وفي طليعته روح العقائد الدينية والحكمة النفسية والفكرية وما يصاحب ذلك من فقه وشريعة ودين.
وقد يسأل السائل في هذا المعرض: وما الرأي في الأشعار والأمثال والحكايات التي تنقل من الغربيين وهي تراث غربي لا نزاع فيه.
стр. 191
فجوابنا على هذا السؤال أن التراث الغربي ينتقل إلى الشرقيين ينقسم إلى قسمين: القسم الذي يمكن أن يمتزج بحياتهم وهو من نوع تلك الحياة فلا يلبث أن يدخل في الشرق متى يصطبغ بصبغته ويجري على سنته.
والقسم الآخر من التراث الغربي الذي ينتقل إلى الشرق، هو القسم الذي لا يمتزج بحياة الشرقيين ولا يدخل لهم في عقل ولا روح، وهذا غريب عنهم وهم غريبون عنه, وحكمهم فيه حكم المتفرج العابر الذي يمر به وكلاهما باق حيث كان، هؤلاء شرقيون وذلك تراث غربي لا يدخل في عوامل النضج العقلي أو في عوامل التكوين سواء رجعنا فيها إلى الأفراد أو إلى الشعوب.
ومعنى هذا: أن الحياة العقلية إذا نضجت بين الشرقيين فهي شرقية لاحقة بالتراث الشرقي أيا كان المصدر الذي جاءت منه أو حملت عنوانه، ولا يصح أن تنسب إلى غير الشرق إلا كما يصح أن تنسب دماؤنا إلى أستراليا وأمريكا؛ لأننا نأكل القمح الأسترالي والفاكهة الأمريكية في بعض الأوقات, وعلى أية حال ليس لنا مناص من إحدى اثنتين: إما أن نقرر أن الشرق خلا من الحياة العقلية الناضجة في جميع العصور وهو مخالف للمعقول ومخالف لإجماع الآراء، وإما أن نقرر أن الشرق قد عرف الحياة العقلية الناضجة ولو في عصر واحد من عصوره وهذا في بابه مرادف لقولنا: إن التراث الشرقي كان لنضج الحياة العقلية بين الشرقيين.
стр. 192
ثقافة دار العلوم: بين أحمد أمين ومهدي علام
مرت فترة على الثقافة العربية في مصر، قام فيها صراع عنيف بين الأزهر والجامعة وبين دار العلوم والقضاء الشرعي، وبين دار العلوم والجامعة، وكان أحمد أمين من خريجي القضاء الشرعي ثم عمل بالجامعة فهاجم الأزهر ودار العلوم في العدد الأول من مجلة الرسالة في مقال له بعنوان حلقة مفقودة. وقد رد عليه الدكتور مهدي علام فيما يتعلق بثقافة أبناء دار العلوم في مقال بالعدد الأول من مجلة دار العلوم.
أحمد أمين ١ حلقة مفقودة:
في مصر حلقة مفقودة لا نكاد نشعر بوجودها في البيئات العلمية مع أنها ركن من أقوى الأركان نبني عليها نهضتنا وفقدانها سببًا من أسباب فقرنا في الإنتاج والقيم والغذاء الصالح.
تلك الحلقة هي طائفة من العلماء جمعوا بين الثقافة الدينية الإسلامية العميقة وبين الثقافة الأوروبية العلمية الدقيقة، وهؤلاء يعوزنا الكثير منهم ولا يتسنى لنا أن ننهض إلا بهم ولا نسلك الطريق إلا على ضوءهم.
إن أكثر من عندنا قوم تثقفوا ثقافة عربية إسلامية بحتة وهم جاهلون كل الجهل بما يجري في العصر الحديث من آراء ونظيرات في العلم والأدب والفلسفة وطائفة أخرى تثقفت ثقافة أجنبية بتة يعرفون آخر ما وصلت إليه نظريات العلم في الطبيعة والكيمياء والرياضة ولكنهم يجهلون الثقافة العربية الإسلامية كل الجهل.
هاتان الطائفتان عندنا يمثل الأول خريجو الأزهر ودار العلوم ومدرسة القضاء ويمثل الأخرى نوابغ خريجي المدارس العصرية والثقافات الأوروبية.
стр. 193
ذلك أن الأولين إذا أنتجوا نعيب إنتاجهم أنهم لم يستطيعوا أن يفهموا روح العصر ولا لغة العصر ولا أسلوب العصر، وإنما التزموا التعبير القديم في الكتابة والنمط في التأليف وتحجر أمثلتهم ومل الناس بلاغاتهم وعمادها رأيت أسدًا في الحمام وعضت على العناب بالبرد.
ومل الناس نحوه ومداره ضرب زيد عمرا ورأيت زيدا حسنا وجهه، أما الآخرون فضعف ثقافتهم العربية الإسلامية، فلما أرادوا أن يخرجوا شيئا لقومهم وأمتهم أعجزهم الأسلوب والروح الإسلامي، فلم يستطيعوا التأليف ولا الترجمة وحاولوا ذلك مرارا فلم يفهم الناس ما يريدون، والذي جر إلى فقدان هذه الحلقة أن التعليم عندنا سار في خطين متوازيين لم يلتقيا، فالتعليم العربي الإسلامي سار في خط والتعليم المدني الحديث سار في خط آخر، ولم تكن هناك محاولات جدية لتلاقي الخطين أو ربط بعضهم ببعض وقد كان إخواننا الهنود أسبق منا إلى إيجاد هذه الحلقة والانتفاع بها.
ولكن الهنود يعرضون وآسفاه "إنتاجهم" باللغة الإنجليزية فلا يغذون جمهورنا ولا يسدون حاجة العالم العربي.
محمد مهدي علام ١؛ الحلقة المفقودة:
شاء صديقنا الكاتب أن يختص أبناء دار العلوم بالنصيب الأوفى من سهام جعبته, فكتب ردًا على تلك المقالة ... ولكني رأيت أن الأستاذ أحمد أمين أكرم علينا من تنازله على صفحات الجرائد التي لا يقتصر قراؤها على خاصة القوم.
стр. 194
يدعي صديقنا المفضال أن رجال "دار العلوم" لا يمثلون إلا الثقافة الإسلامية وحدها وأنهم لا يزالون حيث كانت مصر قبل اتصالها بأوربا "إذا أنتجوا نعيب إنتاجهم أنهم لم يستطيعوا أن يفهموا روح العصر ولا لغة العصر ولا أسلوب العصر وإنما التزموا التعبير القديم في الكتابة والنمط القديم في التأليف، وتحجرت أمثلتهم ومل الناس بلاغتهم وعمادها رأيت أسدا في الحمام وعضت على العناب بالبرد وعشرة أمثلة عن هذا الطراز.
ومل الناس نحوهم ومداره ضرب زيد عمرا ورأيت زيدًا حسنا وجهه. وسئم الناس منطقهم وكله الإنسان حيوان وكل حيوان يموت فالإنسان يموت وهذا حجر وكل حجر جماد فهذا جماد".
ويخيل إلى قارئ هذه المقالة أن كاتبها لا يعيش على أرض مصر ولا يتصل بعالم العلم والأدب فيها، ولا بالثروة التأليفية التي نهضت في هذا العصر، أو أنه يعرف كل ذلك ولكنه لسبب ما لا يريد أن يعترف به.
"ثم عدد مؤلفات أبناء دار العلوم".
هل نسي الأستاذ أن الأزهر يوم أراد الإصلاح الجديد لم يجد أمامه إلا رجال دار العلوم يستنجد بهم ليقوموا بهذا العمل النبيل فيكونوا رسل الثقافة الحديثة إلى المعهد العتيد، بل هل نسي السيد أن كلية الآداب بالجامعة المصرية التي يعتز صاحب الحلقة المفقودة المزعومة بأستاذيته فيها، لا يقوم عبء التدريس في قسم اللغة العربية فيها والنهضة بها إلا على شيوخ دار العلوم فإذا استثنى الأستاذ نفسه وزميلا فاضلا آخر لم يجد الجامعة إلا إخواننا الفضلاء: إبراهيم مصطفى وطه أحمد إبراهيم وعبد الوهاب حمودة وأحمد الشايب وعبد العزيز أحمد.
стр. 195
على أنني أشعر بميل ملح لأن أسر في آذان الأستاذ كلمة بيني وبينه: هو أن يحدثني عن الأساتذة الذين كان لهم فضل تثقيفه في مدرسة القضاء الشعري وفي الجامعة المصرية القديمة فهل يسمح له أدبه المعروف بأن ينكر ما تركه في نفسه من أثر كل من أساتذته: عاطف بركات ومحمد الخضري، وعبد الحكيم بن محمد وحسن منصور ومحمد المهدي وحفني ناصف وغيرهم.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
على أنني أريد أن أجاري الأستاذ، جدلا، في أن طلبة دار العلوم -أو على الأصح خريجها- لا يمثلون الحلقة المفقودة الموهومة. فهل لي أن أطمع في أنصافه بالاعتراف بأن خريجي دار العلوم عشرات قد تمموا دراساتهم العالية في جامعات إنجلترا وفرنسا وألمانيا، وأن من الإسراف في الطعن والتجريح أن يدعي مدع أنه حتى هؤلاء لا يمثلون ما يسميه الأستاذ "الحلقة المفقودة" في أمة أنا وهو نعلم عدد المتعلمين فيها.
وثم غلط آخر وقع فيه صديقنا النابه. وأرجح الظن أن الذي أوقعه فيه هو خطؤه الأول في الحكم علينا -لأسباب نحرص أنفسنا على اعتقاد أننا نجهلها- ذلك أنه ادعى أن "إخواننا الهنود أسبق منا إلى إيجاد هذه الحلقة والانتفاع بها". فإن ما فرغ من أطرائه إخواننا الهنود على إيجاد "الحلقة المفقودة" عندهم حتى سطر بقلمه ما ينقض ذلك ... ويهدم كل ادعاء بأن حلقة مفقودة قد وجدت في الهند، ويسمع إليه القارئ حين يقول: "ولكن الهنود يعرضون وآسفاه ذلك باللغة الإنجليزية" مرحى مرحى! فهل يرى الأستاذ أن تأليف الهنود في الشريعة والتاريخ الإسلامي باللغة الإنجليزية يصل السلسلة المقطوعة بحلقة أو يقيم على الهوة السحيقة بين الشرق والغرب قنطرة.
стр. 196
وهل يعد ذلك إيجادًا للحلقة المفقودة.
إن الحلقة المفقودة لا تتحقق في أمة من الأمم إلا بما اشترطه الأستاذ أحمد أمين في مستهل مقاله من أن يكون التأليف بلغة الأمة وبلغتها العصرية. أرأيت يا صديقي أنك تكيل في المقالة الواحدة بكيلين فتعد اللغة الوطنية أساسًا في الحلقة المفقودة المصرية ولا يقيم لها وزنًا في الحلقة المفقودة الهندية.
стр. 197
الباب الرابع: معارك الأسلوب والمضمون
الأسلوب والمضمون: بين الرافعي وسلامة موسى وطه حسين
...
الباب الأول: معارك الأسلوب والمضمون
الأسلوب والمضمون؛ بين الرافعي وسلامة موسى وطه حسين:
كانت معركة "المضمون" في الأدب من أبرز معارك الأدب بين معسكر المحافظين والمجددين، وقد تمثلت هذه المعركة في عدة مساجلات، بدأت بهذه المساجلة عام ١٩٢٥ في الهلال عندما كتب سلامة موسى عن أديب الفقاقيع يقصد أدب مصطفى صادق الرافعي. وقد دخل الرافعي المعركة وأعلن وجهة نظر، ثم كتب طه مهاجما للرافعي ولكن الرافعي لم يلبث أن تحول عن أسلوبه التقليدي إلى أسلوب وسط فيه محاسن الأسلوب القديم مع العناية بالمضمون.
أدب الفقاقيع؛ سلامة موسى ١:
أدباء الصنعة يكتبون وكل همهم محصور في تأليف استعارة خلابة أو مجاز جميل أو كتابة بارعة أو غير ذلك من الفقاقيع، فإذا أراد أحدهم أن يؤلف كتابا أو يضع مقالة لم يعن أقل عناية بالموضوع الذي يكتب فيه، وإنما يعمد إلى الفقاقيع فيؤلف منها عبارات خلابة فيتوبل بها إنشاءه أو يرصها رصًا أو كثيرا ما يعجز أمثاله عن تأليف عبارة من إنشائهم الخاص.
وهكذا يعيش كتاب الصنعة هذه الأيام بما خلفه لهم الأقدمون يتداولون الصيغ القديمة في الأداء ويجترونها اجترارًا كما تجتر البهيمة طعامها طوال حياتهم أو يقضون وقتهم في العبث واللهو بتأليف السجعات والاستعارات والتشبيهات، ولست أنكر أن لهذه الأشياء جمالا، ولكنه جمال الفقاقيع والزبد الذي يذهب جفاء عندما تسطو عليه أشعة الشمس أو تهفوا به الريح.
كتاب الصنعة يكرهون الفلسفة والعلوم. وقد قالها أحدهم "المنفلوطي"
стр. 198
وربما كان أقلهم صنعة "ما دخلت الفلسفة أيا كان نوعها على عمل من أعمال الفطرة إلا أفسدته".
وهذه نزعة خطيرة نطلب أن يعمد رجال الذهن في جميع البلاد العربية إلى وقفها بكل الوسائل. يجب أن نحبب تلاميذنا في الفلسفة والعلوم ونكرههم في فقاقيع الاستعارات والكتابات.
وهذا كاتب يضع كتابا على الحب والجمال "يقصد كتاب مصطفى صادق الرافعي. السحاب الأحمر" ويبدأ الفصل الأول منه بوصف فقاعة هي نضاب قلم مصنوع من زجاج ويحتوي على مداد أحمر ويباع بالقاهرة بنصف قرش فيكتب عن هذا النضاب عدة صفحات ويستوحي منه التأملات والخواطر في الحب والجمال. فهو كاتب صنعة لا يبالي إلا برنين ألفاظه وخلابة استعاراته وهذا لعمري هو اللهو واللعب. فإن للأدب غاية وغايته هي صلاح الناس وهديهم وكشف حقائق هذا الكون والتمتع بجمال هذه الحقائق.
٢- المذهب القديم والمذهب الجديد؛ سلامة موسى ١:
في مصر وسوريا طبقة من الأدباء لها عيون ممن خلف رؤوسها فإذا نظرت لم تر سوى الماضي ثم هي مع ذلك لا ترى كل الماضي وهي لو استطاعت أن تفعل ذلك لكان لها من ذلك بصيرة بالحاضر والمستقبل. وأجل لو كانت هذه الطبقة تنظر إلى الماضي خلال تلسكوب العلوم الحديثة لاستطاعت أن تقرأ لغة الطبيعة وتدرك أن روح العالم هي روح نشوء وتطور.
تقول هذه الطبقة: إن الأديب لا مندوحة له إذا أراد أن يكون أديبًا
стр. 199
حصيفًا أن يقلد العرب ويحتذي كتابهم في أساليبهم ومراميهم. ومن هذه الطبقة بل وفي رأسها نضع الأستاذ مصطفى صادق الرافعي والأستاذ الأمير شكيب أرسلان.
ومن المستطاع أن يحلل الإنسان هذه "الوطنية الأدبية" وأن يردها إلى أصولها في ذلك العقل الباطن الذي يخلط بين الدين والقومية والأدب العربي، فالخروج عن المألوف في الأدب العربي يوهم أفراد هذه الطبقة بالخروج على الدين والقومية العربية.
الصنعة دون الفن، وأن الفن هو الجوهر وهي الغرض. ونحن الآن بقوة ما ورثناه عن العرب كثيرًا ما نعنى بالصنعة ونهمل الفن فنتعلق بالقشور ونترك اللب.
الرافعي "١" يدافع عن المذهب القديم ويقول بأفضلية الأساليب العربية القديمة على أساليبنا الراهنة "٢" هو أيضا يجيد الصنعة أيما إجادة ولكنه لا يعنى بالفن فإذا كتب اتسقت عباراته وانتظمت ألفاظه فأتى بالعجب ولكن الحقيقة "أي الجمال" لا تشغله في نظمه أو نثره "٣" هو لا يكاد يؤمن بالعلم بل لا تجد له أثرًا في جميع كتاباته.
٣- دفاع ١ عن المذهب القديم في الأدب؛ الرافعي:
زعم الأستاذ المفكر سلامة موسى أن ما نقول به من اقتداء العرب في أساليبهم والارتياض بكلامهم والحرص على لغتهم وأن يكون الكاتب في هذه اللغة حسن البيان رشيق العرض رائع الخلابة يثبت في ألفاظه وينظر في أعطاف كلامه ويفتن في أساليبه، كل هذا وما إليه من مذهب قديم
стр. 200
و"وطنية أدبية" ترجع العلة فيها إلى ذلك العقل الباطن الذي يخلط بين الدين والقومية والأدب العربي. ثم قال: إن أهل المذهب القديم يهملون العلم لأن العلوم تتعارض ومعتقدات العرب.
والظاهر أنه يعنى بالعرب المسلمين لا غيرهم.
فالمذهب القديم إذن هو أن تكون اللغة لا تزال لغة العرب في أصولها وفروعها وأن تكون هذه الأسفار القديمة التي تحويها لا تزال حية تنزل من كل زمن منزلة أمة من العرب العظماء، وأن يكون الدين العربي لا يزال هو كأنما نزل به الوحي أمس، لا يفتننا فيه علم ولا رأي، وأن يأتي الحرص على اللغة من جهة الحرص على الدين إذ لا يزال منها شيء كالأساس والبناء لا منفعة فيها معا إلا بقيامها معا.
العلة في الحقيقة لا ترجع إلى مذهب قديم أو جديد بل إلى الضعف في لغة والقوة في أخرى وأن صاحب المذهب الجديد.. آخذ بالحزم في واحدة وبالتضييع في الثانية وأكثر من الإقبال على شيء دون الآخر فتعلق به وأمضى أمره عليه وحسنت نيته فيه واستمكنت فصارت إلى نوع من المعصية للأدب الأجنبي وأهله.
فلما تعطل الزمن وأصبح الأدب صحفيًا، وآلت العربية وآدابها إلى لفيفة في أوراق مدرسية وانزوى ذلك العلم المستطيل واستحكمت المكاتب له كالقبور المملوءة بالتوابيت، وفشت العصبية بيننا للأجنبي. رجع الأمر على مقدار ذلك في صغر الشأن وضعف المنزلة واحتاج أهل هذا القليل من العربية إلى أن يعتبروه كلا بنفسه لا جزءًا من كله فكان لذلك مذهبًا. وكان مذهبا جديدًا.
стр. 201
فإنك واجد في أهل سنة ١٩٢٣ "يقصد جبران خليل جبران" من يقول في هذه اللغة "لك مذهبك ولي مذهبي ولك لغتك ولي لغتي" فمتى كنت صاحب اللغة وواصفها ومنزل أصولها ومخرج فروعها وضابط قواعدها ومطلق شواذها. من سلم لك بهذا يسلم لك حق التصرف "كما يتصرف المالك في ملكه" وحتى يكون لك من هذا حق الإيجاد ومن الإيجاد ما تسميه أنت مذهبك ولغتك ... لأهون عليك أن تولد ولادة جديدة فيكون لك عمر جديد تبتدئ فيه الأدب على حقه من قوة التحصيل وتستأنف دراسة اللغة بما يجعلك شيئا فيها -من أن تلد مذهبا جديدًا أو تبتدع لغة تسميها لغتك- فإنك عمر واحد بين ملايين من الأعمار في عصور متطاولة وأن ما تحدثه إلى خطأ لا يبقى على أنه صواب ولا ينفي أبدًا إلا كما ينفي العلة على أنها علة فلا يقاس عليها أمر الصحيح ولا يحكم بها فيمن لم يعتل.
إن أعادوا بالمذهب الجديد أن يكتب الكاتب في العربية منصرفا إلى المعنى تاركا اللغة وشأنها متعسفا فيها، آخذا ما يتفق كما يتفق وما يجري على قلمه يجري. إن أرادوا بهذا وأشباهه المذهب الأدبي الجديد قلنا لا ثم لا ثم لا؛ ثلاث مرات. ثم أي خير لأدبنا وعلومنا وكتبنا أن نحرص على الأصل الصحيح القوي الذي في أيدينا ونحتمل فيه ضعف الضعفاء ونصبر على مدافعتهم عن إفساده حتى ينشأ جيل أقوى من جيل وتخرج أمة خيرًا من أمة، أم ندع الإصلاح للفساد ونتراخى في القوة حتى تحول ضعفا.
إن هذه العربية لغة دين قائم على أصل خالد هو القرآن الكريم وقد أجمع الأولون والآخرون على إعجازه بفصحاته إلا من لا حفل به من زنديق يتجاهل أو جاهل يتزندق.
стр. 202
ثم إن فصاحة القرآن يجب أن تبقى مفهومة ولا يدنو الفهم منها إلا بالمران والمزاولة ودرس الأساليب الفصحى والاحتذاء عليها.
٤- الخصومة بين القديم والجديد في الأدب؛ طه حسين:
الحق أن ميدان هذه الخصومة أوسع من مجلة الهلال وأن أبطال هذه الخصومة أكثر من الأستاذين سلامة موسى ومصطفى الرافعي. إن مصدر هذه الخصومة إنما هي صحيفة الأدب في السياسة حول رسالة "أسلوب في العتب" ذهب فيها الرافعي مذهب المتكلفين من بعض الكتاب القدماء ثم إن المعركة تحولت إلى معارك ثلاث:
١- بين طه حسين والرافعي: السياسة.
٢- بين السكاكيني وشكيب أرسلان: السياسة.
٣- بين الرافعي وسلامة موسى: الهلال.
للأستاذ الرافعي في فصله هذا آراء محتاجة إلى شيء من المناقشة. ومنها ما كان يحتاج إلى شيء من المراجعة قبل أن ينشر ويعلن إلى الناس، انظر إليه مثلا يزعم أن المذهب الجديد في الأدب ليس في حقيقة الأمر إلا نتيجة لضعف في اللغة والأدب العربي وقوة في اللغة والأدب الأجنبي. وأن الذين يزعمون أنهم من أنصار المذهب الجديد إنما هم قوم ضيعوا حظهم من لغة العرب وآدابهم وأخذوا بنصيب موفور في لغات الإفرنج وآدابهم.
نعتقد أن الأستاذ الرافعي يسرف في هذا الحكم. ولعل مصدر إسرافه في هذا الحكم، إن صحت نظريته أنه أخطأ فهم ما يكتب أنصار المذاهب
стр. 203
الغربية وهو إنما أخطأ الفهم؛ لأنه أخطأ الذوق، أو هو إنما أخطأ الذوق؛ لأنه أخطأ الفهم.
ولكن الأستاذ الرافعي معذور على كل حال فما كان له أن يحكم فيحسن الحكم دون أن يفهم ويذوق وهو قد يخطئه الفهم والذوق أحيانا فتخطئه الإصابة في الحكم.
ونظن أن للأستاذ الرافعي حظًا من الإنصاف وأنه يرى هنا أن بعض أنصار المذهب الجديد أو الذين يسمون أنصار المذهب الجديد قد أخذوا من اللغة العربية وآدابها بحظ لا بأس به وإن قوتهم في اللغة الأجنبية وآدابها لم تحملهم على أن يضيعوا حظهم في اللغة العربية وآدابها.
إذن فانتصار هؤلاء لمذهب جديد ليس ضعفا وليس اعتذارًا لأنفسهم وليس تعصبًا للأدب الأجنبي الذي تفوقوا فيه.
نسمح لأنفسنا بأن نزعم أن لنا في هذه اللغة التي نتكلمها ونتخذها أداة للفهم والإفهام حظًا يجعلها ملكا لنا ويجعل من الحق علينا أن نضيف إليها ونزيد فيها كلما دعت إلى ذلك الحاجة، أو قضت ضرورة الفهم والإفهام أو كلما دعا إليه الظرف الفني لا يقيدنا في ذلك إلا قواعد اللغة العامة التي تفسد اللغة إذا تجاوزناها.
ولولا هذا ولولا أن اللغة ملك لأبنائها يضيفون إليها، ويدخلون فيها لما نمت اللغة وعاشت، ولما استطاعت أن تفي بحاجات أهلها التي تتجدد وتتنوع.
والرافعي ... يسرف في سوء الظن بأوربا وأمريكا وفي سوء الحكم
стр. 204
عليهما ولعل مصدر ذلك أنه لا يقرأ لغة أوربا وأمريكا ولا يفهمها ولا يذوقها فهو يخطئ في الحكم على أوربا وأمريكا.
والرافعي كغيره من أنصار المذهب القديم مشفق كل الإشفاق على القرآن الكريم وعلى الإسلام أن يصيبهما من المذهب الجديد شر أو ينالهما ضيم ... نهون على الأستاذ ونهدئ من روعه فليس هناك ما يدعو إلى هذا الإشفاق.
стр. 205
أسلوب الكتابة: معركبة بين شكيب أرسلان وخليل سكاكيني
...
أسلوب الكتابة؛ معركة بين شكيب أرسلان وخليل سكاكيني:
هذه معركة أخرى بين شكيب أرسلان وخليل سكاكيني، تمثل وجهتي نظر مختلفتين، شكيب أرسلان يؤمن بالأسلوب البليغ ويرى خليل سكاكيني أن المعنى يمكن أن يؤدى بالأسلوب البسيط التلغرافي، متأثرا في ذلك بآراء سلامة موسى في مصر، خليل سكاكيني من كتاب فلسطين. والأمير شكيب أرسلان كاتب العرب اللبناني الأصل المغترب المقيم في سويسرا إذ ذاك يحمل لواء حماية اللغة العربية ويقاوم مع مصطفى صادق الرافعي في مصر كل نزعة إلى مهاجمة اللغة العربية إيمانا منه أن هذا الهجوم موجه إلى القيم والأمجاد والتراث العربي كله.
لغة الجرائد، خليل سكاكيني ١:
لعل القارئ الكريم يذكر أن علامتنا المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي صاحب مجلة الضياء كان أول من تصدى للتنبيه على هذا النوع من الغلط فأنشأ لذلك الفصول الطوال في مجلته في لغة الجرائد وفصولا أخرى في أغلاط العرب وأغلاط المولدين مما يجدر بكل أديب الرجوع إليه والاستبصار به.
ومن العجيب أن نرى الأغلاط التي نبه عليها لا تزال متفشية إلى اليوم "أورد نماذج من هذه العبارات".
يقولون أن اللغة مرآة الأمة وسجل تاريخها وصورة أحوالها في كل أدوارها بحيث أن من تفقد ألفاظها وتدبر معانيها واستقصى تاريخها وجد فيها آثارا تدل على ماضي الأمة وتطورها من حال إلى حال كما تدل الأحافير والعاديات على حالة الأمم الغابرة، ولكنا ما لنا لا نزال نستعمل لغة البداوة وقد انفسخ بيننا وبينها الأمد وانقطعت كل صلة، وإذا تفقد الناس في
стр. 206
المستقبل البعيد لغة هذا العصر أفلا يقولون أننا كنا في الجيل العشرين: عصر السيارات والترام والطيارات بدوا رحلا رافقنا الوحش في سكنى مراتعها وخالفناها بتقويض وتطنيب كما يقول المتنبي.
لا تكون لغة أمة حية إلا إذا انطبقت على حياة تلك الأمة التي تستعملها وما استعمال لغة البداوة في عصر الحضارة إلا من قبيل إنزال الشيء في غير محله.
٢- تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها؛ خليل سكاكيني ١:
كان الناس قبل هذه النهضة الأخيرة: لو سار السوري في مصر أو المصري في سوريا لا يسير إلا بترجمان.
مما أولع به أصحاب المذهب القديم إلى يومنا هذا تكرار الكلام في غير مواطن الكدار والإسراف في استعمال الترادفات على غير حاجة إليها ولا فادئة منها، فهم لا يأتون بكلمة إلا اتبعوها بمرادفاتها.
بل أستأذن القارئ الكريم في تقديم مثل على ذلك من رسالة أمامي لكاتب كبير قال: "يا إخواننا! إن الصارخة القوية والنعرة الجنسية قد بدأت في الأقوام ونشأت مع الأمم مذ الكيان ومنذ وجد الاجتماع البشري وتساكن الإنسان مع الإنسان. وأن هذه النعرة الجنسية والحمية القومية، وإن عم أمرها جميع الأمم ولم يخل منها عرب ولا عجم، فقد اختص منها العرب بالشقص الأغر والحظ الأكمل" وهذه العبارة لشكيب أرسلان.
وسبب ذلك هو إما قلة البضاعة أو نزارة المادة الفكرية وأصحاب هذا
стр. 207
المذهب يحسبون أن اللغة هي كل شيء فإذا حمل أحدهم على ظهر قلبه مقامات الحريري وديوان الحماسة والمعلقات والمفضليات فقد صار كاتبًا تحريرا، أو يكون ذلك متابعة لما ورد في بعض أقوال العرب ومن التكرار لضرورة أو تقليدًا لأحمد فارس الشدياق في كتابه "الساق" ولكن أحمد فارس لم يأت بالمترادفات لأنه لا يذهب إلى هذا النوع من الكتابة وإنما أراد أن يضع كتابا في المترادفات ككتاب الألفاظ الكتابية لعبد الرحمن بن عيسى الهمذاني. فبدلا من أن يسرد المترادفات لغير مناسبة ألقى بها في سياق كلام على اعتقاد منه أن ذلك أشوق للقارئ ... ومهما يكن السبب فإن هذا النوع من الكتابة غير طبيعي أو غير عربي, أو على الأقل لا يستمرئه ذوق هذا العصر.
٢- رد شكيب أرسلان على خليل سكاكيني ١:
ظاهر أن هذا الكاتب الأديب يقصدني في تعريضه لاستشهاده ببعض جمل من نداء كان الوفد السوري وجهه إلى الأمة العربية مراعيًا حالة من يخاطبهم وضرورة تمكين المعاني من نفوسهم وتحريك عواطف حميتهم.
وقد كنت فكرت في أن أترك هذا الكتاب وشأنه وأن أعرض عنه وأتجاهل ابتعاده تاركا للغة العربية ونظمها ونثرها ومتونها وأصولها ترد عليه وتقنعه بخطئه ولولا أنني رأيته -وأرجو منه أن لا يؤاخذني على هذا القول- واضعا نفسه موضع أستاذ اللغة وشيخ الصناعة والجهبذ الذي لا يقبل هذا ويزيف ذاك والقاضي الفيصل الذي يحكم ولا معقب لحكمه ماضيا في غلوائه مسرورًا بآرائه راضيًا عن أبحاثه، فحرصت على أن أبين له مناهج
стр. 208
اللغة في باب الإيجاز والمساواة والإطناب ومقام كل منه ليعلم أن مقام منشورنا هو مقام إطناب كما لا يخفى على كل من شدا شيئًا من الأدب أو طالع شيئا من آثار هذه الأمة.
أما الأساليب فهناك مذهبان مذهب قديم ومذهب جديد. وأنا لا أعلم مذاهب جديدة إلا في العلم والفن أما في الأدب واللغة فلا أعرف إلا مذهبًا واحدًا هو مذهب العرب وهو الذي يريد أن يسميه بالمذهب القديم. وهو الذي يجتهد كل كاتب في العربية أن يحتذي مثاله ويقرب منه ما استطاع لأنه هو المثل الأعلى والغاية القصوى، وقصارى الأديب العربي اليوم أن يتمكن من إفراغ الموضوع العصري في قالب عربي بحت لا يخرج باللغة عن أسلوبها ولا يهجن لهجتها ولا يجعلها لغة ثانية إذا كان التباعد عن الفصاحة والحرمان من حظها هما على مقدار التجانف عن أسلوب العرب عندما كانوا عربا لم تخامر لغتهم المعجم. ولم تفسد منهم السليقة.
أما المذهب الجديد الذي أشار إليه في الأدب فلا تعلمه في المذاهب ولا وصل إلينا خبره. فحبذا لو أتانا صاحبنا بتعريف المذهب الجديد هذا ودلنا على أمثلة منه وكتب مؤلفا فيه.
إنني إريد أن أنزه صاحب مقالة التطور في اللغة عن أن يكون مقصده الانتقاد لأجل الانتقاد ولإثبات فضله وإظهار طوله على غيره.
"ثم استشهد الأمير شكيب بأسانيد مختلفة من الإطناب في اللغة العربية".
٣- من خليل سكاكيني إلى شكيب أرسلان ١:
стр. 209
إن الأمير لم يغضب لأن انتقادي المذهب القديم جاء مباينا لوجه الصواب. إنما غضب لأني استشهدت بأقواله، ولم أستشهد بها إلا أني اخترت أن أستشهد بأقوال كاتب كبير يوثق به ... تركته ولم أترك أحدًا من المتقدمين والمتأخرين إلا انتقدته، لكان الخطب عنده هينا ولكان انتقادي حينئذ في محله. ولكفى نفسه مئونة هذا الرد الطويل العريض الذي أرجو أن "لا يتعجل في الغضب علي إذا قلت: إن هذا الرد من أوله إلى آخره جاء دليلا جديدا على أن الأمير من أصحاب المذهب القديم، وأنه لا يزال مولعًا بالمترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة منها.
ثم قال للأمير: إن مقاله كله مترادفات. ثم قال: أما كان الأولى بأدبه وعلمه أن يلزم نفسه قاعدة "خير الكلام ما قل ودل" ولكنه يظهر أنه لم يراع هذه القاعدة لا في منشوره الذي طبعت منه ألوف ألوف من النسخ ليوزع على ملايين وملايين من الأمة العربية في المدر والوبر".
إذا كان لكل مقام مقال فما باله أعزه الله يجعل المقال الواحد لكل مقام. ولست أظن أن كاتبا كبيرًا مثله يتعذر عليه أن يتنكب هذا الأسلوب من الكتابة لولا أنه ألفه واتخذه مذهبا في كل ما يكتب سواء أكان منشورا تقرؤه الأمة العربية جمعا أو ... فصار إذا أمسك القلم انهالت عليه المترادفات كأنه يتناولها من حبل ذراعه فلا يتركها حتى تجيء على آخرها. وليس هذا أسلوب الأمير، ولكنه أسلوب قديم أكل الدهر عليه وشرب ولعله يتصل بعصر الكهان وليس الأمير فيه إلا مقلدا.
انتقدت الأمير على إكثاره من المترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة منها فقال: إن منشوري للعامة. يا سيدي الأمير. تفهم منشورك. أكثرت
стр. 210
فيه من المرادفات أم أقللت. إذا أردت أن تخاطب الجمهور فلا أخالك تنكر علي أنه يجب أن تخاطبه بلغ مفهومة تتجنب فيها مثل قولك: "الشقص الأغر" إلا إذا كان قصدك أن تنومه لا أن تفهمه.
٤- ولكل دولة رجال ١ "رد الأمير شكيب":
كنا نظن أننا بعد الإتيان بنصوص علماء الأدب وشواهد فحول البلاغة مثل الجاحظ والبديع الهمذاني وابن خلدون، وأمثالهم نأمن المغالات والمكابرة ويقع التسلم بأن المترادف مألوف في لغة القوم قد يأتي في الأحايين لتمكين المعنى في نفس السامع. إن للإطناب مقامات وللإيجاز مقامات وإن وضع الواحد منها موضع الآخر مخل بالفصاحة التي هي المطابقة لمقتضى الحال إلى غير ذلك.
لا بل والله كنت غافلا عن أنك صاحب مذهب. ولم يخطر ببالي أن أسلوب الجاحظ صار قديما باليا وأن مثلي ومثلك صرنا مجددين في اللغة.
وإذا كان لهؤلاء مذهب فلست أنت بالذي يقدر أن يأتي بنقيضه. فأربع على ظلعك ولا تركب في غير سرجك.
وتحرير القصد أنك أنت تنكر المترادف مطلقا وأنا أقول بل له مواضع.
٥- رد خليل سكاكيني ٢:
وتحرير القصد أني قلت: إن الإطناب ومنه تكرار الكلام بلفظه أو بمرادفه مواطن وشرائط مضى عليها البيانيون، وأن الأمير يكثر من المرادفات اقتضاها المقام أو لم يقتضها، فأنت ترى أن الجدل أصبح عقيما.
стр. 211
إن الأمير أعزه الله وإن تكلف الدفاع عن مذهبه في الكتابة جهد ما يستطيعه كاتب كبير مثله لم يسعه الا أن ينكب في ردة هذا الأخير عن مذهبه الذي ألفه وألفناه منه، إذ لم يأت منه بالمترادفات ليكيلها كيلا، اقتضاها المقام أو لم يقتضها.
ولا شك أن تنكيه عن مذهبه اعتراف منه أنه مذهب بال وأنه ليس طبيعيا ولا عربيا ولا يستمرئه ذوق ذلك العصر.
لست يا سيدي صاحب المذهب الجديد في الكتابة ولكني من دعاته، فإذا كان لك شيء فدونك ففنده ولا شأن لك مع أصحابه ودعائه، إلا إذا كنت أرستقراطي المذهب في الكتابة كما أنت أرستقراطي المذهب في الاجتماع فلا يجوز في عرفك أن يكون الكتاب من غير الأمراء.
٦- العربي شرط لازم في القديم والحديث؛ رد الأمير شكيب ١:
أنا لم أقل في وقت من الأوقات: إنه لا يوجد أسلوب جديد، إنه يحرم على الناس التجدد وإنه إن جاز في شيء فلا يجوز في البيان وإنما قلت: إن لكل لغة أسلوبا أصليا أو نصابا معروفا وليس هذا خاصا بالعرب وحدهم، إن اللغة العربية يمكنها أن تسع المعاني الجديدة ومن المواضيع العصرية ما يعين للكاتب ويتوخاه المؤلف مع رعاية ديباجتها الأصلية التي إن خرج البيان عنها كان عند العرب مستهجنا.
وقلت في موضوع التجدد: إن العقل البشري هو بنفسه لا يتغير بل المعلومات هي التي تتغير.
стр. 212
إذن لست ممن يعترضون على أولئك الذين يريدون "أن يأخذوا بحظهم من الحياة ويريدون أن يفهموا الناس ويفهمهم الناس ويعيشون مع الجيل الذي هم فيه دون أن يقطعوا الصلة بينهم وبين الأجيال الماضية.
كلا لأني من هؤلاء القوم أنفسهم، لي ماض يشهد لي بذلك و٣٨ سنة في عالم المطبوعات من أهرام ومؤيد ومقتطف ومقتبس وجرائد ومجلات عديدة عشت فيها مع الجيل الذي أنا فيه واجتهدت أن أفهم الناس وأن يفهمني الناس ولكن حرصت على أن يبقى أسلوبي عربيا وأن أقتدي بنغمة السلف في دولة فصاحتهم.
إن شكيب أرسلان لم يقل أصلا ولا في موضع من المواضع إن الإطناب خصلة من خصال اللغة العربية، ملازمة لها ولا بد منها. لا، بل شكيب أرسلان كرر عدة مرات من قبل ومن بعد: أن كلا من الإطناب والإيجاز والمساوة له مقام إن عدل به إلى غيره أخل ذلك بالفصاحة.
٧- رد السكاكيني على الأمير ١:
مر زمن غير قصير على اللغة العربية انصرفت عناية الكثيرين من أدبائها وعلمائها إلى الصناعة اللفظية من ذلك أنهم كانوا يطنبون حيث لا يجوز إطناب ويكثرون من المترادفات اقتضاها المقام أو لم يقتضها.
وقد سرت عدوى هذا المرض إلى عصرنا هذا فلم يسلم منها أحد من أكبر كاتب مثل الأمير شكيب إلى كاتب هذه السطور. ولم تخف وطأة هذا المرض إلا من عهد قريب، فأخذ كثير من الكتاب أصحاب المذهب
стр. 213
الجديد يميلون إلى الإيجاز، ولا يطنبون إلا إذا اقتضى المقام الإطناب، إن لكل لغة أسلوب أصلي أو نصاب معروف لا بد من المحافظة عليه كما يقول الأمير شكيب، فالمذهب القديم خروج على ذلك النصاب والمعروف والمذهب الجديد رجوع إليه، والخلاف بيني وبين الأمير ليس على هذا "النصاب المعروف" ولكن على أسلوبه، فهو يقول: إن أسلوبه ينطبق على النصاب المعروف في اللغة وأنا أنكر عليه ذلك١.
стр. 214
أساليب الكتابة؛ بين شكيب أرسلان ومحمد كرد علي:
هذه مساجلة أخرى حول أساليب الكتابة بين أدباء الشام، بدأها محمد كرد علي في نقد كتاب "قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث" لجمال الدين١ القاسمي وهاجم طريقة المؤلف وأنحى باللائمة على الكتاب الذين قدموا كتابه وهم ثلاثة من بينهم شكيب أرسلان، وقال: إن هذه المقدمات لم يخرج الكلام في بعضها عن الدعاية والتمجيد، في حين أن الكتاب لم يأت بجديد وأن المؤلف "قتصر على نقل كلام غيره من أول الكتاب إلى آخره" وقال: "كأن هذا السفر كان مجموعة من مفكرات يريد واضعها أن يضع كتابا في هذا الفن ويقتبس أقوال المؤلفين الذين درجوا. وقال: إن القاسمي جرى على طريقة الأقدمين في الجمع والنقل "فاكتفى في أكثر تآليفه ببسط آراء غيره".
وقال: إن طريقة التأليف اليوم هي الإنجاز من دون إشلاء بالمعاني، وبأسلوب سهل صائغ خال من الخطابيات والسجع".
ولما كان الأمير شكيب أرسلان أحد كتاب هذه المقدمات فقد دخل في سجال مع محمد كرد علي حول الأسلوب العربي وتطوره على هذا النحو:
١- من شكيب أرسلان إلى كرد علي:
إنني في كتابتي عن الشيخ جمال القاسمي ﵀ لم أدخل في علم الحديث دخول من تصدى لترجيح أو تجريح وخاض في الحديث خوض من يعلمه، بل بقيت واقفًا على الشاطئ على حين أن محمدًا الكرد علي دخل في الموضوع وحكم فيه حكمه. وهو مع ذلك يقول: إنني أنا وإياه لسنا من هذا العلم في ورد ولا صدر. فإذا كان الأمر كذلك فما كان أحراه بأن يترك انتقاد كتاب مؤلف في الحديث الشريف وقد أطنب في وصفه مثل الأستاذ السيد رشيد رضا ﵀ الذي إذا تكلم في هذا الفن يقال: القول ما قالت خذام.
стр. 215
كان أكثر كلامي في محاسن الأستاذ جمال القاسمي تغمده الله برحمته، فإن كنت لست من علماء الحديث فإني لست جاهلا معرفة الرجال ولا مسلوبا مزية التمييز بينهم ولولا حسن فراستي ما كان الأستاذ كرد علي عظيما في عيني وقد اخترته لإخائي منذ اثنين وأربعين سنة.
أما السجع وما أدراك ما السجع، فالكلام العربي ينقسم إلى مرسل ومسجع، وموزون ومقفى. ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة مقام يجيء فيه أكثر من غيره والمرسل هو الكلام المعتاد الطبيعي الذي به أكثر تفاهم الناطقين بالضاد والموزون المقفى هو الشعر الذي لا رونق للغات بدونه.
والسجع وسط بين المرسل والموزون، وله وقع في النفوس لا جدال فيه ويكفيه من الشرف أن كتاب الله أنزل بهذه الطريقة. وأنه نهج البلاغة وكثير من كلام أفصح العرب هو من النوع المسجع.
فإن كانت اللغات الأوروبية ليس فيها سجع إلا من ندر فليس هذا بحجة على اللغة العربية فلكل لغة خواص تمتاز هي بها، وقد خلق الله الناس أذواقا مختلفة وجعل لكل أناس مشربهم والعرب غير العجم والشرق غير الغرب.
إن هناك غمزا بالسجع. وليس الأخ "كرد علي" وحده الذي بدأ بهذا الغمز، بل إن أحد الأصحاب أطلعني على كتاب للدكتور زكي مبارك لمحت فيه كلامًا يشبه أن يكون استصغارًا للسجع أو استكبارًا لإتيانه، وهذا باب جديد عجيب إذا أردنا أن ندخل فيه يطول بنا الأمر.
ولم نعلم أحدًا عاب السجع من حيث هو، وإنما يعاب السجع بالنسبة إلى المقام الذي يستعمله فيه الكاتب. أي إنه لما كان السجع تقييدا بفواصل