إن الأمير أعزه الله وإن تكلف الدفاع عن مذهبه في الكتابة جهد ما يستطيعه كاتب كبير مثله لم يسعه الا أن ينكب في ردة هذا الأخير عن مذهبه الذي ألفه وألفناه منه، إذ لم يأت منه بالمترادفات ليكيلها كيلا، اقتضاها المقام أو لم يقتضها.
ولا شك أن تنكيه عن مذهبه اعتراف منه أنه مذهب بال وأنه ليس طبيعيا ولا عربيا ولا يستمرئه ذوق ذلك العصر.
لست يا سيدي صاحب المذهب الجديد في الكتابة ولكني من دعاته، فإذا كان لك شيء فدونك ففنده ولا شأن لك مع أصحابه ودعائه، إلا إذا كنت أرستقراطي المذهب في الكتابة كما أنت أرستقراطي المذهب في الاجتماع فلا يجوز في عرفك أن يكون الكتاب من غير الأمراء.
٦- العربي شرط لازم في القديم والحديث؛ رد الأمير شكيب ١:
أنا لم أقل في وقت من الأوقات: إنه لا يوجد أسلوب جديد، إنه يحرم على الناس التجدد وإنه إن جاز في شيء فلا يجوز في البيان وإنما قلت: إن لكل لغة أسلوبا أصليا أو نصابا معروفا وليس هذا خاصا بالعرب وحدهم، إن اللغة العربية يمكنها أن تسع المعاني الجديدة ومن المواضيع العصرية ما يعين للكاتب ويتوخاه المؤلف مع رعاية ديباجتها الأصلية التي إن خرج البيان عنها كان عند العرب مستهجنا.
وقلت في موضوع التجدد: إن العقل البشري هو بنفسه لا يتغير بل المعلومات هي التي تتغير.
стр. 212
إذن لست ممن يعترضون على أولئك الذين يريدون "أن يأخذوا بحظهم من الحياة ويريدون أن يفهموا الناس ويفهمهم الناس ويعيشون مع الجيل الذي هم فيه دون أن يقطعوا الصلة بينهم وبين الأجيال الماضية.
كلا لأني من هؤلاء القوم أنفسهم، لي ماض يشهد لي بذلك و٣٨ سنة في عالم المطبوعات من أهرام ومؤيد ومقتطف ومقتبس وجرائد ومجلات عديدة عشت فيها مع الجيل الذي أنا فيه واجتهدت أن أفهم الناس وأن يفهمني الناس ولكن حرصت على أن يبقى أسلوبي عربيا وأن أقتدي بنغمة السلف في دولة فصاحتهم.
إن شكيب أرسلان لم يقل أصلا ولا في موضع من المواضع إن الإطناب خصلة من خصال اللغة العربية، ملازمة لها ولا بد منها. لا، بل شكيب أرسلان كرر عدة مرات من قبل ومن بعد: أن كلا من الإطناب والإيجاز والمساوة له مقام إن عدل به إلى غيره أخل ذلك بالفصاحة.
٧- رد السكاكيني على الأمير ١:
مر زمن غير قصير على اللغة العربية انصرفت عناية الكثيرين من أدبائها وعلمائها إلى الصناعة اللفظية من ذلك أنهم كانوا يطنبون حيث لا يجوز إطناب ويكثرون من المترادفات اقتضاها المقام أو لم يقتضها.
وقد سرت عدوى هذا المرض إلى عصرنا هذا فلم يسلم منها أحد من أكبر كاتب مثل الأمير شكيب إلى كاتب هذه السطور. ولم تخف وطأة هذا المرض إلا من عهد قريب، فأخذ كثير من الكتاب أصحاب المذهب
стр. 213
الجديد يميلون إلى الإيجاز، ولا يطنبون إلا إذا اقتضى المقام الإطناب، إن لكل لغة أسلوب أصلي أو نصاب معروف لا بد من المحافظة عليه كما يقول الأمير شكيب، فالمذهب القديم خروج على ذلك النصاب والمعروف والمذهب الجديد رجوع إليه، والخلاف بيني وبين الأمير ليس على هذا "النصاب المعروف" ولكن على أسلوبه، فهو يقول: إن أسلوبه ينطبق على النصاب المعروف في اللغة وأنا أنكر عليه ذلك١.
стр. 214
أساليب الكتابة؛ بين شكيب أرسلان ومحمد كرد علي:
هذه مساجلة أخرى حول أساليب الكتابة بين أدباء الشام، بدأها محمد كرد علي في نقد كتاب "قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث" لجمال الدين١ القاسمي وهاجم طريقة المؤلف وأنحى باللائمة على الكتاب الذين قدموا كتابه وهم ثلاثة من بينهم شكيب أرسلان، وقال: إن هذه المقدمات لم يخرج الكلام في بعضها عن الدعاية والتمجيد، في حين أن الكتاب لم يأت بجديد وأن المؤلف "قتصر على نقل كلام غيره من أول الكتاب إلى آخره" وقال: "كأن هذا السفر كان مجموعة من مفكرات يريد واضعها أن يضع كتابا في هذا الفن ويقتبس أقوال المؤلفين الذين درجوا. وقال: إن القاسمي جرى على طريقة الأقدمين في الجمع والنقل "فاكتفى في أكثر تآليفه ببسط آراء غيره".
وقال: إن طريقة التأليف اليوم هي الإنجاز من دون إشلاء بالمعاني، وبأسلوب سهل صائغ خال من الخطابيات والسجع".
ولما كان الأمير شكيب أرسلان أحد كتاب هذه المقدمات فقد دخل في سجال مع محمد كرد علي حول الأسلوب العربي وتطوره على هذا النحو:
١- من شكيب أرسلان إلى كرد علي:
إنني في كتابتي عن الشيخ جمال القاسمي ﵀ لم أدخل في علم الحديث دخول من تصدى لترجيح أو تجريح وخاض في الحديث خوض من يعلمه، بل بقيت واقفًا على الشاطئ على حين أن محمدًا الكرد علي دخل في الموضوع وحكم فيه حكمه. وهو مع ذلك يقول: إنني أنا وإياه لسنا من هذا العلم في ورد ولا صدر. فإذا كان الأمر كذلك فما كان أحراه بأن يترك انتقاد كتاب مؤلف في الحديث الشريف وقد أطنب في وصفه مثل الأستاذ السيد رشيد رضا ﵀ الذي إذا تكلم في هذا الفن يقال: القول ما قالت خذام.
стр. 215
كان أكثر كلامي في محاسن الأستاذ جمال القاسمي تغمده الله برحمته، فإن كنت لست من علماء الحديث فإني لست جاهلا معرفة الرجال ولا مسلوبا مزية التمييز بينهم ولولا حسن فراستي ما كان الأستاذ كرد علي عظيما في عيني وقد اخترته لإخائي منذ اثنين وأربعين سنة.
أما السجع وما أدراك ما السجع، فالكلام العربي ينقسم إلى مرسل ومسجع، وموزون ومقفى. ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة مقام يجيء فيه أكثر من غيره والمرسل هو الكلام المعتاد الطبيعي الذي به أكثر تفاهم الناطقين بالضاد والموزون المقفى هو الشعر الذي لا رونق للغات بدونه.
والسجع وسط بين المرسل والموزون، وله وقع في النفوس لا جدال فيه ويكفيه من الشرف أن كتاب الله أنزل بهذه الطريقة. وأنه نهج البلاغة وكثير من كلام أفصح العرب هو من النوع المسجع.
فإن كانت اللغات الأوروبية ليس فيها سجع إلا من ندر فليس هذا بحجة على اللغة العربية فلكل لغة خواص تمتاز هي بها، وقد خلق الله الناس أذواقا مختلفة وجعل لكل أناس مشربهم والعرب غير العجم والشرق غير الغرب.
إن هناك غمزا بالسجع. وليس الأخ "كرد علي" وحده الذي بدأ بهذا الغمز، بل إن أحد الأصحاب أطلعني على كتاب للدكتور زكي مبارك لمحت فيه كلامًا يشبه أن يكون استصغارًا للسجع أو استكبارًا لإتيانه، وهذا باب جديد عجيب إذا أردنا أن ندخل فيه يطول بنا الأمر.
ولم نعلم أحدًا عاب السجع من حيث هو، وإنما يعاب السجع بالنسبة إلى المقام الذي يستعمله فيه الكاتب. أي إنه لما كان السجع تقييدا بفواصل
стр. 216
كما هو الشعر تقييد بقواف فلم يكن السجع مستحسنا في المواطن التي يجب أن ينطلق منها عقال القلم تأدية المعاني على وجهها. أما في المواطن التي هي أقرب إلى الشعر منها إلى المباحث العلمية الصرفة فليس السجع بالذي يعد سبة على العربية. بل هو من محاسن هذه اللغة. وإن كان يجب حذفه من هذه اللغة من أجل كونه طريقة قديمة، ومن أجل أنه عبارة عن زينة كلامية فإن هذا يؤدي بنا إلى اقتراح حذف الشعر.
وأن العرب قد اصطلحوا على السجع في أسماء الكتب ولم يخطئوا في ذلك لأن الكلام المسجع أعلق في الذهن من غيره١.
من محمد كرد علي إلى شكيب أرسلان ٢:
نعم، شق علي يا أخي أن تلقي دلوك في الدلاء، وأن تكتب مقدمة "قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث" بهذا اللسان الذي ما عهده فيك من تأدبوا بأدبك وأكبروا عظمة بيانك. بالأمس كتبت مقدمة النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي فمن منا لم يعجب بما كتبت وحبرت وإن كنت قد أطلت وتوسعت.
واليوم تكتب ما تكتب لقواعد التحديث في فن لست منه ولا أنا في العير ولا في النفير وجئت تغالي بكتاب ليس فيه من حديثه ولا أسلوبه أسلوب المؤلفين.
أنا أجلك عن الدخول في هذا المأزق، لأنك في غنية عنه ولست بحمد الله محتاجًا إلى مصانعة الناس ولا نضبت أمامك الموضوعات، وتحتاج لمعالجتها
стр. 217
لتورثك شهرة وحسن ذكر، وما أخالك إلا كتبت ما طلب منك في غير وقت نشاطك. وليس لك من القول ما تقول فتبدع على عادتك، ومهما كانت منزلة الكتاب وكاتبه من نفسك. ما أرى لقلمك أن يجري إلا فيما يصلح إن ينسب إلى إحسانه. وحملة الأقلام مسئولون إذا اقتصروا مع المؤلفين والطابعين على مقارضة الثناء.
ولم يتعاودوهم بالنقد الصحيح، والإفراط في التقريظ شيمة المتأخرين من أهل عصور الانحطاط الأدبي في العرب. والنقد المفيد عادة نقاد الإفرنج في زماننا. ومن الأمانة للعلم والأدب أن يدل كل كاتب على مواطن الخطل في كلامه. وإلا أن تغشه وتغش قراءه فتجسم ما صغر حجمه في العيان ولا يشول مهما نفخناه في الميزان، ثم عرض نموذجا لما قال في مقدمته وقال:
بأبي أنت وأمي يا شكيب! هلا هذا بيانك الذي عرفته وعرفه فيك قومك أنا لا أطلب غير حكمك. فلا أحتكم إلا إليك! أهذا كلام ترضاه لنفسك في كتاب يبقى ... وما هذا القلق في المعاني والمباني؟
وحديث السجع ... أنت عرفت رأيي فيه ولعلك تذكر أني كنت لفت نظرك إلى ما أسميت به كتاب رحلتك إلى الحجاز "الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أسمى مطاف" وقلت لك يومئذ مهما بلغ من ثقوب ذهنه لا يدرك لأول وهلة معنى هذا العنوان المسجوع إلا بكثير من إجهاد الفكر.
وهكذا كدت باستمساكك السجع في بعض المقامات والغلو في تقريظ من ترى تقريظه أن تنسينا حسناتك علينا في كلامك المرسل الكثير وأنا على ما تعلم من أحرص الناس على تخليده وتأييده.
стр. 218
بحقك هل رأيت لأحد من بلغاء القرون الأولى سجعا في شيء من أسماء كتبهم، وهذا الجاحظ وابن المقفع. وهذه أسماء كتبهما ورسائلهما. هل وجدت لهم سجعا تتقزز منه كصاحبك أبي إسحاق الصحابي الذي أفسد اللغة على علو مكانته في الأدب بما سجع ورصع؟
وأظنك موافقي على رأيي في أن التسجيع أضعف ملكات المؤلفين من عهد ابن العميد إلى زمن أستاذنا الشيخ محمد عبده الذي قضى بقوة حكومته على استعمال السجع في الصحف والرسائل الرسمية، فعد عمله هذا أكبر حسنة من حسناته ولولا عمله ما دخلت اللغة في هذا الأسلوب الممتع الذي نقرؤه للمنشئين والمؤلفين، ونرجو أن تعود به اللغة إلى رونقها السالف من الرشاقة والجزالة.
ولو كنت على مقربة منك ما تركتك تقول في مقدمة الديوان الذي نشرته بآخره ودعوته "روض الشقيق في الجذل الرقيق" ما قلته في فاتحته:
الذي لا أجد لشعره وصفا في عرضه عن الأنظار، ولا لديوان حليه أجمل نشره في الأقطار، وخير وصف الحسناء جلاؤها والجواد عينه تغني عن الفرار ولعمري ولو وصفته بأزهار الربيع وأنواع البديع وشققت في تحليته أصناف الأساجيع وكان هو في الواقع دون ما أصف ما أغنيته فتيلا ولا رفعته عن درجته كثيرًا ولا قليلا.
ولو كنت مكانك لقلت وما باليت: "الذي لا أجد لشعره وصفًا أوفى من عرضه على الأنظار. ولو وصفته بأزهار الربيع وكان في الواقع دون
стр. 219
ما أصف لما أغنيته فتيلا. لو قدمته للقراء فرديه معطالا. وكان هو في نفسه درًا نظيما لما خفي أمره".
أليس هذا الإيجاز أوقع في النفس وأجمل في أداء المعنى وأدعى إلى الإفهام من إسجاع تثقل على الطباع، ونحن إنما نكتب لنفهم لا لنعجم ونبهم.
стр. 220
الباب الخامس: معارك النقد
الفصل الأول: أسلوب طه حسين ؛ معركة بين المازني وطه حسين
عندما أصدر عزيز أباظة ديوانه "أنات حائرة" كتب الدكتور طه حسين مقدمة الديوان فنشر المازني مقالا في البلاغ هاجم فيه هذه المقدمة وقال: إن الدكتور طه حسين قد خسره الأدب ولم تربحه الحكومة وقد أثارت هذه "المقدمة" ثائرة الدكتور طه. الذي وجه خطابا إلى رئيس تحرير البلاغ ضمنه نوعا جديدا من الهجاء اصطنع فيه أسلوب الرمز والإيماء واعتذر عن ذلك بأنه لا يتحدث إلى القارئ بقدر ما يتحدث إلى المازني نفسه.
غير أن الدكتور زكي مبارك لم يدع هذا الكلام ينشر في الصحف دون أن ينقله إلى مجلة الرسالة ويفسره، ويكشف رموز الهجاء التي ضمنها طه حسين مقاله.
والمعتقد أن هذه المعركة ليست شيئا قائما بذاته وإنما هي متصلة بمعارك سابقة أغضى الدكتور عنها في حينها ثم انتهز هذه الفرصة فانتقم من المازني. من هذا ما تجده في معركة لقمة العيش بين الدكتور مبارك وبين الدكتور طه. ومنها ما أورده الدكتور طه من نقود متعددة لكتابيه حديث الأربعاء والشعر الجاهلي مما أوردنا نموذجا منه في معركة "كتابة التاريخ" وفي هذه المعركة.
إبراهيم عبد القادر والمازني ١:
وتوكلت على الله وقرأت التصدير الذي كتبه الدكتور طه حسين له، فقلت لنفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا طه حسين يخسره الأدب ولا تكسبه الحكومة، فما خلق لها، بل للأدب؛ وإنه ليضع نفسه في هذا المناصب التي تشغله وتستنفد جهده ووقته، فإذا كتب جاء بماذا؟ بمثل هذا الكلام الذي لا محصول وراءه ولا أعرف له رأسا من ذنب، فلماذا لا يستقيل ويريح نفسه من هذا العناء الباطل ويتفرغ للأدب؟ فماذا يفتنه من هذا العرض الزائل والذي أهمل أو ترك أبقى، كيف يستطيع بالله أن يواظب على التحصيل وتغذية
стр. 221
عقله ونفسه -وهو ما لا غنى بأديب عنه- وكيف يتسنى له التجويد حين يكتب وهو مشغول في ليلة ونهاره بهذا الذي لا آخر له من شئون الوظيفة. واللجان وما إليها.
حملت على طه لأني لم أفهم تصديره لا لأنه غير مفهوم أو لا يفهم، بل لأني كنت ذاهلا شارد اللب، وآية ذلك أني لم أعرف من هذا التصدير أن الكتاب شعر لا نثر، وإن كان قد ذكر هذا في غير موضع.
ورجعت إلى الكتاب بعد أيام فأدهشني أنه شعر، أنه فوق هذا جيد عامر.
طه حسين ١:
أراد الأستاذ المازني أن يثني على ديوان شاعرنا المدير أو مديرنا الشاعر الأستاذ عزيز أباظة فلم يستطع أن يصل إلى غرضه دون أن يقدم بين يدي مقالة برثاء لي وإشفاق علي؛ لأن الأدب قد خسرني وأن الحكومة لم تكسبني ولأني كتبت في تصدير هذا الديوان كلاما لا محصول وراءه ولا يعرف له رأس من ذنب.
أنا أستأذنك في أن أشكر للأستاذ رثاءه لي وإشفاقه علي، فذلك أقل ما ينتظر من أديب مثلي لا يكتب إلا ما وراءه محصول وما يتبين رأسه من ذنبه وأريد أن أؤكد أني آسف أشد الأسف؛ لأن الأستاذ عزيز أباظة لم يطلب إليه هو كتابة هذا التصدير، إذن لكان له المحصول كل المحصول ولكان له رأس كقمة الجبل وذنب كالذي خوف به المنجمون المعتصم حين هم بفتح عمورية.
وآسف أشد الأسف؛ لأن الحكومة لم تكل إلى الأستاذ عملي في وزارة المعارف وفي جامعة فاروق، إذن لكسبته الحكومة والأدب جميعا والأستاذ
стр. 222
المازني يعرف أن لأبي العلاء قصة مع الشريف المرتضى، وأظنه يأذن لي في أن أسرق من هذه القصة شيئا فالسرقة في الأدب مباحة ولا سيما حين تكون في العلن لا في السر. وهي حينئذ أشبه بالسطو. ولست أسرق من قصة أبي العلاء أو لست أسطو منها إلا بمقدار. فأنا أرجو أن يقرأ الأستاذ سورة الفلق وأن يقرأ مطولة لبيد ومطولة طرفة وعينية سويد بن أبي كاهل التي مطلعها:
بسطت رابعة الحبل لنا ... فبسطنا الحبل منها ما اتسع
ورائية الأخطل التي مطلعها:
ألا يا سلمي يا هند هند بني بدر ... وإن كان حيانا عدي آخر الدهر
ولامية المتنبي التي مطلعها:
بقائي شاء ليس هم ارتحالا ... وحسني الصبر زمو لا الجمالا
وسيقول القراء: إني ألغزت هذا الكلام، ولكني أعتذر إليهم فإني لا أكتب لهم وإنما أكتب للأستاذ المازني. وأنا أسلك في ذلك طريقة الأستاذ نفسه فمن المحقق أنهم لم يفهموا عنه ما قاله أمس لأنهم لم يقرءوا التصدير الذي لا محصول وراءه والذي لا رأس له ولا ذنب ولأن أكثرهم لن يقرأه لأن الكتاب ليس معروضا للناس، وأحبب إليّ بأن أستقيل وأفرغ للأدب ولكني أود أن أستيقن قبل ذلك بأن الحكومة ستضع الأستاذ المازني مكاني لنرى أيكتب كلامًا كالذي أكتبه أم يكتب كلاما خيرًا منه.
стр. 223
زكي مبارك ١:
مناوشة عنيفة ثارت بين الدكتور طه والأستاذ المازني على صفحات جريدة البلاغ وهي مناوشة تمثل التجني والتظالم على أعنف ما يكون، بغى الرجل على الرجل، وسنقف من المناوشة موقف القاضي العادل فقد ساءنا أن يتقارض هذان الرجلان الظلم والعدوان بلا ترفق ولا استبقاء بعد أن ظلا صديقين حينا من الزمان وأصل القصة أن عزيز أباظة مدير البحيرة أصدر مجموعة شعرية سماها "أنات حائرة" مع تصدير بقلم الدكتور طه حسين.
فلما بدا للأستاذ إبراهيم المازني أن يتحدث عن تلك المجموعة بدأ بالهجوم على صاحب التصدير فغضب الدكتور طه وكتب ردا أراد به دفع العدوان بما هو أقصى من العدوان ثم قال إنه سيفسر للقارئ هذه الرموز.
ولخص زكي مبارك كلمة المازني في عناصر أربع:
١- إن الدكتور طه خسره الأدب ولم تكسبه الحكومة ومعنى ذلك أنه يتولى عملا لم يخلق له. وسنرى كيف أن الدكتور طه ثار على هذه العبارة وعدها تحديا لقدرته في الأعمال الحكومية.
٢- إن الدكتور طه يضيع نفسه في مناصب تشغله وتستنفذ جهده ووقته فغذا كتب جاء بكلام لا محصول من ورائه ولا يعرف له رأس من ذنب.
٣- إن الأفضل للدكتور طه أن يستقيل ويريح نفسه من العناء الباطل "وهو عمله في الحكومة" ويتفرغ للأدب.
стр. 224
٤- إنه لا يمكن للدكتور طه أن يزود نفسه بالتحصيل، أو يتفرغ للتجويد حين يكتب، وهو مشغول ليله ونهاره بأعمال كل واحد منها كاف للإرهاق.
ونسارع فنذكر أن الإشارة إلى سورة الفلق منصب على آية: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ .
وإن الإشارة إلى مطولة "لبيد" تتجه إلى هذين البيتين:
فاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها
وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظها قسامها
وأنه يريد من مقولة "طرفة" هذين البيتين:
فلو كنت وغلا في الرجال لضرني ... عداوة ذي الأصحاب والمتوحد
ولكن نفى عني الأعادي جرأتي ... عليهم وإقدامي وصدقي ومحتدي
ومن عينية "سويد" أشار الدكتور طه إلى هذين البيتين:
رب من أنضجت غيظا قلبه ... قد تمنى لي موتا لم يطع
وتراني كالشجا في حلقه ... عسرًا مخرجه ما ينتزع
وأراد من رائية "الأخطل" هذين البيتين:
стр. 225
تنق بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تربش ولا تبري
ضفادع في ظلمات ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
ومن لامية "المتنبي"أراد هذين البيتين:
أرى المتشاعرين غرو بذمي ... ومن ذا يحمل الداء العضالا
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرًا به الماء الذلالا
وما أردت تبليغ هذه التعاريض إلى الأستاذ المازني وإنما أردت منفعة القراء والشر يتسم بالخير في بعض الأحايين.
غمزات الدكتور طه:
١- كان يستطيع أن يقول أن "يستعير" قصة أبي العلاء مع الشريف و"يستعير" هو اللفظية المطلوبة في هذا الموقع. ولكنه قال أنه "يسرق١" ليندد بالأستاذ المازني ولم يكتف بذلك بل جعل سرقته علنية، وهي "حينئذ أشبه بالسطو" كما قال.
٢- صور الأستاذ المازني بصورة الحاسد لمن كتب تصدير الديوان.
стр. 226
٣- صوره بصورة من يعجز عن عمل المستشار الفني لوزارة المعارف ويعجز عن إدارة جامعة فاروق.
وقد فصلنا الخصومة بين الرجلين بوضوح ولم يبق إلا أن نكف شر الأستاذ المازني عن الدكتور طه. وشر الدكتور طه عن الأستاذ المازني؛ لأننا نكره أن تختل الموازين في هذه البلاد.
ولم ينس الدكتور زكي مبارك أن يهاجم الدكتور طه بعد أن أشاد بقدرته على إدارة الأعمال الحكومية فقال:
أما قول الأستاذ المازني بأن شواغل الدكتور طه تصرفه عن تزويد عقله بالمطالعات والمراجعات فهو قول صحيح. ولكنه لا يؤذي الدكتور طه في شيء لأن الدكتور طه قد اختار بنفسه أن يكون من رجال الدولة لا من رجال الأدب وهو لن يزاحم أحدًا من الباحثين ولن يقول إنه أوحد الناس في جميع الفنون فما يجوز لمن يكون في مثل حصافته أن يتناسى أن الأستاذية في الأدب توجب الانقطاع إلى الأدب. وتفرض الخلوة إلى النفس ساعات من كل يوم وذلك لا يتيسر لمن تكون الأعمال الإدارية عناءه بالنهار وهمه بالليل.
стр. 227
٢- رأي المازني في أسلوب طه حسين:
إذا أردنا أن نعرف لماذا هاجم طه حسين المازني على هذا النحو، علينا أن نرجع إلى ما قبل ذلك بعشرين سنة منذ ما هاجم المازني أسلوب طه حسين في حديث الأربعاء فقال:
والآن ما رأينا في أسلوب صديقنا الدكتور طه حسين.
الحق أن هذا موضوع يدق فيه الكلام.
تناولت القلم فكتب به الشيطان ما يأتي:
الدكتور طه حسين رجل أنيس المحضر زكي الفؤاد جريء القلب تعجبك منه صراحته ويعلق بقلبك إخلاصه ووفاؤه. ويثقل عليك أحيانا اعتداده بنفسه.
ولما كان قد ألف أن يملي كتبه ورسائله ومقالاته فإن كتبه وحديثه حين يجد في مستوى واحد، كائنا ما كان ذلك المستوى، فلست تفقد في أحاديثه ما تجده في كتابته من الخصائص والشيات ويندر في غيره مثل ذلك.
ومن شأن الإملاء أن يحول دون مط الكلام وأن يجعل الجمل قصيرة فلا تطول مسافة ما بين أولها وآخرها. وأن يغري بالتكرير والإعادة إلى حد ما، إذن أنا أخرجها من عالم الكتابة. نعم ولن أراها إلا خطبًا مدونة.
وقد صدق في قوله "إني ما كتبت فصلا إلا وأنا أعلم أنه شديد النقص يحتاج إلى استئناف العناية به والنظر فيه وأنا أقدر أن سيتاح لي من الوقت وفراغ البال ما يمكنني من استئناف تلك العناية وهذا النظر حتى إذا فرغت منه ونشرته السياسة وعرضت لغيره في مثل هذه الحالة العقلية التي عرضت له
стр. 228
فيها معتزما أن أستأنف العناية به والنظر فيه مستحييا أن أقدمه إلى الناس على ما فيه من نقص وحاجة إلى الإصلاح. والأيام تمضي والظروف تتعاقب مختلفة متباينة أشد الاختلاف وأعظم التباين ولكنها كانت تحول دائما بيني وبين ما كنت أريد من تجديد العناية واستئناف النظر".
ولا شك أن أظهر عيب في مقالات الدكتور هو التكرار والحشو وما إليهما من سبيل وعندنا أن علة ذلك ليست فقط إنه يملي ولا يراجع بل الأمر يرجع في اعتقادنا إلى سببين جوهريين:
أولهما: إن ما أصيب في حياته من فقد بصره كان له تأثير لا يستطيع أن نقدر كل مداه في الأسلوب الذي يتناول به موضوعاته. وليس يخفى أن المرء إذا حيل بينه وبين المرئيات ضعف أثرها في نفسه ولم تعد الكلمة الواحدة تغني عن إحضار الصورة المقصودة إلى ذهنه بالسرعة والقوة الكافيتين، فلا يسمعه فيما يعتقد إلا الإسهاب ومحاولة الإحاطة ومعالجة الاستقصاء والتصفية.
وثاني هذين السببين: أنه أستاذ مدرس وقد طال عهده بذلك والتعليم مهنة تعود المشتغل بها التبسط في الإيضاح والإطناب في الشرح والتكرير أيضا وعبارة أخرى تضطر المدرس إلى تجنب التعمق والغوص، وأن يكتفي ما وسعه الاكتفاء بما لا عسر في فهمه ولا عناء في تلقيه وتلك آفة التدريس.
٢- هل١ زادت معارفنا به قليلا أو كثيرًا؟ "يقصد كتاب حديث الأربعاء" أكنا نكون أجهل مما نحن الآن لو لم يكتبه. وأذكر أن الأدب العربي ليس إلا بعض الأدب العالمي، وأن الدكتور لم يتناول في كتابه سوى
стр. 229
جانب واحد من فترة من عصر من عصور الأدب العربي. وأعني بذلك أن الدكتور لم يزدنا علما بالعصر العباسي ولم يضف إلى ما نعرفه عنه جديدًا فلو لم يكتب هذه المقالات لما فاتنا شيء يذكر من هذه الناحية. ولكن هذه المقالات كشفت عن جانب من جوانب نفسه هو، لم يكن يتأنى لنا العلم به والاطلاع عليه ولو فقدنا هذه المقالات، وهذا هو الذي ربحناه. والواقع أننا جميعا نترجم لنفوسنا ونحدث الناس عنها ونكشف لهم عن دخائله حين نكتب مؤرخين أو مترجمين أو ناقدين أو غير ذلك.
٣- ألف١ الدكتور كتابا ودفعه إلى الناس وقال لهم في تواضع كله كبر: هذا ما رضيت لكم. وما هو بسفر أو كتاب كما أتصور السفر والكتاب، وإنما هي مباحث متفرقة "لست تجد فيها الفكرة الواضحة القوية المتحدة التي يعبر عنها المؤلفون حين يؤلفون كتبهم"، وبالغ في هذا التواضع المقلوب فأعلن إلى الناس أنه لم يعن بهذه المباحث العناية التي تليق بكتاب يعده صاحبه ليكون كتابا حقًا، كأنما أراد أن يقول لقراء الصحف السيارة وهم جمهور القراء في مصر: لستم أهل للعناية. كلا يا سيدي. ولكم وددت أنا -المازني- حين قرأت هذه المقدمة التي صدر بها الدكتور كتابه وقبل أن يصل حائك الأقدار ما بين أسبابي وأسبابه أن أعلمه احترام القراء.
ولقد سمعت الدكتور مرة يقول وقد عرض ذكر أسلوبه ما معناه أنه لا يطمع من الشهرة في أكثر ما وفق إليه من كثرة المقلدين الذين يقتاسون به وعندي أن الأساليب التي سهل محاكاتها هي أحلى الأساليب من المياسم الشخصية والميزات الخاصة التي يختلف بها كل كاتب عن كاتب.
стр. 230
-٢-
الفصل الثاني: مقومات الأدب العربي
معركة بين زكي مبارك وأحمد أمين:
كتب أحمد أمين مجموعة مقالات في مجلة الثقافة تحت عنوان "جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي" ٩ و٢٣ مايو ١٩٣٩ و٤ يونيه ١٩٣٩ و٤ و١٥ أغسطس ١٩٣٩ ثم كتب تحت عنوان "أدب الروح وأدب المعدة" مقالا في ٦ يونيه ١٩٣٩.
وفي ١٢ يونيه ١٩٣٩ فاجئت مجلة الرسالة قرائها باستهلال لسلسلة من المقالات العنيفة في الرد على أحمد أمين بقلم الدكتور زكي مبارك تحت عنوان "جناية أحمد أمين على الأدب العربي" وقد اتصلت هذه المقالات حتى ١٣ نوفمبر ١٩٣٩ أي أنها استمرت ستة شهور وبلغت ٢٢ مقالة.
ولم يشترك أحمد أمين في المعركة على نحو سافر مما يمكن معه أنه يطلق على هذا السجال اسم معركة وأن اشترك فيها بعض الباحثين أمثال عبد الوهاب عزام وعبد المتعال الصعيدي.
ولا شك أن هذه المعركة تمثل جانبا هاما من جوانب حياتنا الفكرية ذلك هو اختلاف المدرسة الحديثة على نفسها ووقوف أحمد أمين الأزهري الذي لم يدرس في الجامعات الأوروبية موقف التطرف في ترديد آراء المستشرقين ودعاة التغريب بينما وقف زكي مبارك خريج السربون موقف الاعتدال والدفاع عن تراثنا ومقدراتنا ويمكن القول أن زكي مبارك بالرغم من عنفه كان يصدر عن نفس نقية من الخصومة الشخصية. قال:
"أقسم أني أهجم على هذا الرجل وأنا كاره لما أصنع، فأحمد أمين رجل محترم وقد وصل بكفاحه إلى منزلة عالية في الحياة وأنا قد ضيعت جميع أصدقائي بفضل جرائر النقد الأدبي. وكنت أحب أن أداوي ما جرح قلمي لأنجو من الدسائس التي تعترضني في جميع الميادين".
ثم يقول: "إن أحمد أمين لم يوجه إلي أية إساءة، وربما جاز أن يقال: إنه لم يؤذ أحدًا من معاصريه، ولكن أحمد أمين الذي كف شره عن الأفراد وجه شره إلى التاريخ، فهو يدرس ماضي اللغة العربية بلا تحرز ولا رفق ولو تركناه شهرين اثنين يؤرخ الأدب على هواه لجعل الأمة العربية أضحوكة بين العالمين".
стр. 231
ويصور صلة أحمد أمين بطه حسين فيقول: إن الدكتور طه هو المسئول عن أحمد أمين فهو الذي قال: "إن أحمد أمين لم يكن يعرف نفسه فهديناه إليها". ومعنى ذلك أن أحمد أمين لم يكن يعرف أنه أديب قبل أن يدله الدكتور طه على الكنز المدفون في صدره، إن أحمد أمين لم يكن أديبا وإنما قال له طه حسين كن أديبا فلم يكن.
ويقول في موضع آخر: "كان أحمد أمين مشدود البصر إلى رجل واحد هو طه حسين، كان يكتب وهو يراه أمامه لأنه كان يعرف عداوته له فيخشى صولته.
ويقول: إن أحمد أمين شغل نفسه بالنص على أن العرب في جاهليتهم "لم تكن لهم وثنية تبدع الأساطير على نحو ما كان الحال عند اليونان وذلك يشهد بأن الجاهليين لم يكونوا من أهل الخيال".
هل يعرف القراء من أين أخذ "أحمد أمين" هذا الرأي. أخذه من قول الدكتور أحمد ضيف: "وقد قال بعض المشتشرقين مثل رينان ومن جرى على مذهبه: إن العرب ككل الأمم السامية ليس لها أساطير في شعرها وفي عقائدها".
ثم قال: "ولو كان أحمد أمين يعرف أن في مصر رجالا يسايرون الحياة الأدبية مسايرة تمكنهم من رد كل كلام إلى مصادره الظاهرة والخفية لتهيب عواقب السطو على آراء من سبقوه في القديم والحديث" وقد ردد مرات أن آراء الدكتور ضيف التي أذاعها ١٩١٨ عاد أحمد أمين إلى ترديدها ١٩٣٨.
ويرد على قول أحمد أمين: إن أدب المقامات "أدب معدة"، أن احتقار
стр. 232
المعدة لا يقوم على أساس من الواقع ولا من المنطق وإنما هو مجاراة للعوام الذين يصعب عليهم أن يدركوا أن النفس تتبع الجسم في الصحة والمرض والقوة والضعف والنشاط والخمول، ويعسر عليهم أن يفهموا أن الإنسان يرى المعنويات والمحسوسات بأشكال مختلفة في وجوه متباينة تبعا لاختلاف الذوق والحس والمزاج".
ولم يلبث زكي مبارك بعد أن أنهى مقالاته الاثنين والعشرين أن عاد إلى مصالحة أحمد أمين "الرسالة عدد ٣٢٦، ١١ ديسمبر ١٩٣٩" فقال:
ولم يبق شك في أن الأستاذ أحمد أمين غضبان بسبب المقالات التي تجاوزت العشرين والتي حرضت عليه من خاصموه في مجلة المكشوف وأغرت بعض أنصاره في العراق وأخرجته عن وقاره فشتمنا في مجلة الثقافة بأبيات جاهلية سامحه الله وعفا عنه وأقول اليوم إني استوحشت بما صنعت والاعتراف يهدم الاقتراف.
وليس من الكثير أن أرجو عفوه، فقد عفا أخ له من قبل.
والأستاذ أحمد أمين يعرف أني رجل ممتحن بعداوات الرجال. وقد عانيت من ذلك مصاعب ولو صادفت رجلا غيري لدحرته في أقصر وقت. فمن حقي عليه وهو صديقي وجاري وكان زميلي في الجامعة المصرية أن يتجاوز عن سيئاتي إنه -ولله المثل الأعلى- غفور رحيم.
وهذه مقتبسات من هذه المساجلة:
جناية أحمد أمين على الأدب العربي ١:
لصديقي الأستاذ أحمد أمين مؤلفات جيدة على أساس المنطق والعقل
стр. 233
وهو من كبار الباحثين من العصر الحديث ولكنه على أدبه وفضله لا يحسن إلا حين يصطحب الروية ويطيل الطواف بالموضوع الواحد عاما أو عامين وذلك سر تفوقه فيما نشر من البحوث والتصانيف.
أحمد أمين باحث كبير بلا جدال ولكنه ليس بكاتب ولا أديب أن كان من أساتذة الأدب بالجامعة المصرية. ولم يستطع أحمد أمين على كثرة ما كتب وصنف أن ينقل القارئ من ضلال إلى هدى أو من هدى إلى ضلال. وإنما كانت مؤلفاته وبحوثه ضربا من التقرير الذي يخاطب الأذهان ويعجز عن مخاطبة العقول والقلوب.
وحياة أحمد أمين تؤيد ما نقول؛ فهو رجل لا يعرف الخلوة إلى الفكر والقلم، ولا يتسع وقته لدرس ما في الوجود وما في الأخلاق من مشكلات ومعضلات. وإنما يقرأ ويسمع ويعلق على ما يقرأ ويسمع، بدون أن يتغلغل إلى أسرار المجتمع أو سرائر القلوب.
الحظر كل الحظر أن ينصب هذا الرجل نفسه حاكما بأمره في مصير الآداب العربية وهو لم يستطع إلى اليوم أن يقيم الدليل على أنه يتذوق المعاني والأساليب.
والحظر كل الحظر أن يتوهم أحمد أمين أنه قادر على زعزعة ما أقامته الأيام من الحقائق الأدبية، الحقائق التي ساد بها العرب في أزمان طوال.
وكان لها سلطان مهيب في أقطار الشرق وأقطار الغرب.
ولكن ما الذي نقل ذلك الرجل الفاضل من حال إلى أحوال وحوله من الروية إلى الارتجال.
стр. 234
لقد أصبح الرجل صحفيا، وكان أستاذًا، ولكنه لم يراع أدب الصحافة، لأن الصحافة تقف عن المشاهدات وهو يهيم بأودية الفروض.
ابتدأ الرجل مقالاته في مجلة الثقافة بتلخيص بعض الكتب الأدبية فكان من الصحفيين الأدباء ثم رأيناه يتحول فجأة فيلخص الأدب العربي في جميع صوره تلخيصًا يقوم على أساس الخطأ والاعتساف، ويعوزه تحرير الحجة وتصحيح الدليل، فهل يظن أنه سينجو من عواقب ما يصنع؟
هل يتوهم أن التجني على الأدب العربي سيمر بلا اعتراض ولا تعقيب، فما رأيه إذا أقنعناه بأن للأدب العربي أنصارًا يغارون عليه أشد الغيرة ويقفون لخصومه بالمرصاد.
٢- أنا١ أؤمن بأن الأدب العربي أدب أصيل وأعتقد أن من الواجب أن ندعو جميع أبناء العروبة إلى الاعتزاز بذلك الأدب الأصيل لأنه يستحق ذلك لقيمته الذاتية ولأن الإيمان بأصالته يزيد في قوتنا المعنوية ويرفع أنفسنا حين ننظر فنرى أن أسلافنا كانوا من المبتكرين في عالم الفكر والبيان.
وقد درج الأستاذ أحمد أمين في الأيام الأخيرة على الغض من قيمة الأدب العربي وكان من السهل أن نتركه يقول ما يشاء لو كان من عامة الأدباء. ولكنه اليوم رجل مسئول، لأنه من أساتذة الأدب بالجامعة المصرية ولأغلاطه سناد من تلك الأستاذية، فهو يقدر زعزعة الثقة الأدبية في أنفس طلبة الجامعة حين يريد.
فإن بدا لهذا الصديق أن يغضب من هجومنا عليه فأمامه الخلاص:
стр. 235
وهو الانسحاب من ميدن الدراسات الأدبية إلى أن يعرف أن الأديب لا يؤرخ على طريقة الارتجال.
ولعل هذا الصديق يرجع إلى نفسه فيذكر أنه لم يخلق ليكون أديبا وأنه لم يفكر في دراسة الأدب دراسة جدية إلا بعد أن جاوز الأربعين. لو رجع هذا الصديق إلى نفسه لعرف أنه لا يجيد إلا حين يشغل وقته بتلخيص المذاهب الفقهية والكلامية. ولو شئت لكررت ما قلت من أن موقفه في جميع أبحاثه موقف "المقرر" ولم يستطع مرة أن يكون من المبتكرين في الدراسات الفقهية والكلامية وإذا كان هذا حاله في الفقه والتوحيد فكيف يكون حاله في الأدب, والأدب يرتكز على الحاسة الفنية. وهي حاسة لم توهب لهذا الرجل قبل اليوم ولن توهب له بعد اليوم لأنها من الهبات التي لا تنال بالدرس والتحصيل.
أحمد أمين ليس بكاتب ولا أديب وإن سود الملايين من الصفحات.
أيهدم ماضينا الأدبي بمحاولة رجل محروم من الذوق الأدبي، هذا الرجل ينظر إلى الأدب وإلى الوجود نظرة عامية، فهو يقسم الأدب إلى قسمين: أدب معدة وأدب روح. والسخرية من المعدة لا تقع إلا من رجل يفكر كما يفكر الأطفال فالمعدة التي يحتقرها هذا الرجل العامي هي سر الوجود، وعن قوة المعدة تنشأ قوة الروح.
إن المباعدة بين المعدة والروح عقيدة هندية الأصل وتلك المباعدة هي التي قضت بأن يعيش الهنود فقراء ولو احترم الهندي معدته كما يحترم الإنجليزي معدته لما استطاع الإنجليز أن يكونوا سادة الهنود.
لقد فكرت كثيرا قبل أن أقدم على هذه الحملة الأدبية وصح عندي بعد
стр. 236
الروية أن الغض من قيمة الأدب العربي هو عدوان على كرامة الأمة العربية، فأنا أستهدف لعداوة هذا الرجل وعداوة أصدقائه في سبيل المبدأ والعقيدة.
والهجوم على هذا الرجل قد ينفعه أجزل النفع فينقله من حال إلى أحوال ويحبب إليه التروي والتثبت ويصرفه عن التحامل البغيض على الأدب العربي.
وإنما يصل إليه الخطأ من طريقين: الأول عدم تمكنه من تاريخ الأدب العربي والثاني عدم تعمقه في درس السرائر النفسية والوجدانية.
وأحدد الغرض من هذه الحملة فأقول: تورط أحمد أمين في أحكام جائزة وهو يلخص تاريخ الأدب بطريقة صحفية.
٣- إن١ هذا الرجل يحكم على الأدب العربي أحكاما تشهد بأن طريقته في فهم الأدب والحياة طريقة عامية، فكيف يكون حاله إذا صححنا بعض ما وقع من أغلاط؟ أيرجع إلى الحق؟ أيوجه إلينا كلمة ثناء؟ هنا تعرف قيمة الأخلاق في نفس الرجل الذي ألف أول ما ألف في الأخلاق وأقسم أني أهجم على الرجل وأنا كاره لما أصنع فأحمد أمين رجل محترم، وقد وصل بكفاحه إلى منزلة عالية في الحياة الأدبية وأنا قد ضيعت جميع أصدقائي بفضل جرائر النقد الأدبي، وكنت أحب أن أداوي ما جرح قلمي فأنجو من الدسائس التي تعترضني في جميع الميادين, ولكن كيف أسامح رجلا يحاول أن يلطخ ماضينا الأدبي بالسواد. يرى هذا الرجل أن "المديح
стр. 237
والهجاء" هي أظهر الفنون في الأدب العربي وبذلك يكون الأدب العربي في أغلب أحواله أدب معدة لا أدب روح١.
ولو كان هذه الرجل يدقق لعرف أن المديح والهجاء هي السجل الصحيح للأخلاق العربية فمن المديح نعرف كيف كان العرب يتمثلون المناقب ومن الهجاء نعرف كيف كانوا يتصورون المثالب, ومن المحاسن والعيوب يعرف الباحث صور المتسع في الحياة العربية والإسلامية.
ولو ضاعت قصائد المديح والهجاء لضاع بضياعها أعظم ثروة يستعين بها علماء النفس لفهم تطورات الأفكار والأذواق فيما سلف من عهود التاريخ.
حتى قال: أريد أن أنزه تاريخ العربي عن وصمة المعدة والمعدة ليست وصمة إلا في ذهن الأستاذ أحمد أمين.
أحمد أمين يقول:
نرى في العصر العباسي طغيان أدب المعدة على أدب الروح. هذا
стр. 238
البارودي اختار لثلاثين شاعرًا من خيرة شعراء الدولة العباسية. وكانت مختاراته في أربعة أجزاء كبار، فكان ما اختاره من المديح ٢٤٨١٥ بيتا ومن الأدب ١٩٦٧ بيتا ومن الغزل ٤٦١٦ بيتا ومن الهجاء ١٢٢٩ بيتا ومن الوصف ٣٩٩٣ ومن الزهد ٤٧٣ بيتا ونظرة واحدة إلى هذا الإحصاء تدهشنا أشد الدهش إذ تبين لنا طغيان أدب المعدة -وهو المديح والهجاء- على أدب الروح طغيانا كبيرًا، هذا هو أحمد أمين الذي يدرس الأدب بالإحصاء والذي يقيس الدواوين الشعرية بالمتر والباع والذراع.
لو كان أحمد أمين يدقق لعرف أن طغيان المديح على الزهد كان من علائم الحيوية في العصر العباسي، فهو الشاهد على أن العرب كانت حياتهم تتزاحم بالأخطار الدنيوية وهو الشاهد على أنهم كانوا أهل نجدة وأريحية, وهو الدليل على أنهم كانوا يحيون حياة تفيض بمعاني الأفراح والأحزان وتتسم بعلائم القوة والكفاح.
٤- يعلن١ الأستاذ أنه يحتقر المعدة ليصح له التطاول على ماضي الأدب العربي، واحتقار المعدة لا يقوم على أساس من الواقع ولا من المنطق وإنما هو مجاراة للعوام الذين يصعب عليهم أن يدركوا أن النفس تتبع الجسم والصحة والمرض والقوة والضعف.
والواقع أننا عبيد لحواسنا وأعصابنا، وأن جمهورنا مدين في تكوين ذوقه وعقله إلى ما يأكل وما يشرب.
يقول أحمد أمين:
"ثم انظر بعد إلى الفن المبتكر في العصر العباسي. وهو فن المقامات
стр. 239
فقد ابتدعها بديع الزمان الهمذاني فلم يجعل محورها حبا ولا غرامًا كما يفعل الروائيون ولم يجعل محورها شيئا يتصل بأدب الروح ولكنها كلها "أدب معدة"، فأبو الفتح الإسكندري بطل المقامات كلها، رجل مكر واحتيال يصطنع جميع المهن لابتزاز الأموال، تراه مرة قرادًا يسلي الناس ويضحكهم ومرة واعظا مزيفا يعظ وينصح ثم تتكشف حيله فإذا هو مهرج.
وجاء الحريري فجعل مكان أبي الفتح الإسكندري أبا زيد السروجي وهو كصاحبه دناءة نفس وخساسة حرفة".
أبهذه الجرأة يحكم أحمد أمين على فن المقامات.
يلاحظ أولا أن أحمد أمين لم يفهم أغراض الحريري وبديع الزمان فهو يتوهم أنهما يحاولان إغراء الجماهير بالإقبال على ما في تلك المقامات من شمائل وخصال بينما الغرض من تعلم المقامات عند بديع الزمان هو نقد الحياة الاجتماعية والأدبية في القرن الرابع.
وغفل أحمد أمين أن للفن غاية أخرى؛ وهي النظرية التي تقول بأن للفن والأدب غاية أصيلة هي الصدق في وصف ما ترى العيون وما تحس القلوب وما تدرك العقول.
ثم يقول: هل يطلب من الكاتب ألا يغفل وصف الطفيليين لئلا يقال: إن أدبه أدب معدة.
أتحبون أن تعرفوا من أين وصل الخطأ إلى الأستاذ أحمد أمين!
وصل إليه الخطأ من التلمذة للأستاذ الكبير طه حسين؛ فقد حكم الدكتور طه بأن العصر العباسي عصر شك ومجون لأن فيه عصابة
стр. 240
مشهورة بالزيع والفسق وهي جماعة أبي نواس ومطيع بن أياس, مع أن العصر المدني عرف أمثال هذين الرجلين هو نفس العصر الذي نبغ فيه كبار الفقهاء والنساك والزهاد. وهو الذي بلغ فيه الفكر العربي غاية الغايات في فهم أصول الفلسفة وأصول الأخلاق.
٥- عرض١ زكي مبارك لما ورد في كتاب أحمد الشايب "الأسلوب" الذي قرر فيه بأن أحمد أمين له أسلوب له مزايا وخصائص.
وتساءل: هل لأحمد أمين أسلوب حتى يخلق لأسلوبه مزايا وخصائص؟ ثم قال: إن الدكتور طه وقف في قصر الزعفران سنة ١٩٢٧ ألقى كلمة في مهرجان شوقي فقال: إن الجامعة لا تؤرخ الأحياء، ثم هو الذي ارتضى لنفسه أن يدرس أسلوب أحمد أمين بكلية الآداب.
ثم قال: أتريدون الحق؟ إن أحمد أمين لم يكن له أسلوب يدرس في كلية الآداب إلا لأنه أستاذ في كلية الآداب, وإلا فكيف غابت قيمة أسلوبه عن أساتذة الأزهر ودار العلوم؟
إن الرجل لا يكون له أسلوب إلا يوم يصح أنه يحس الثورة على ما يكره والأنس بما يحب، فعندئذ تعرف نفسه معنى الانطباعات الذاتية ويعبر عن روحه وعقله وقلبه بأسلوب خاص.
لقد اشتغل أحمد أمين بالقضاء الشرعي بضع سنين فهل قرأتم له مقالا أو قصة تدل على أنه توجع مرة واحدة لآلام الإنسانية.
لقد عاش أحمد أمين بالواحات فهل سمعتم قبل أن تسمعوا مني أنه قد عاش بالواحات.
стр. 241
ولكن أحمد أمين لم يكن أديبا، وإنما كان موظفا مخلصا لواجب الوظيفة لا يرى ما عداها من الشئون ثم قال طه حسين: كن أديبا فكان.
إن هذا الرجل أراد أن يؤرخ العصر العباسي من الوجهة الأدبية فجعله عصر معدة لا عصر روح وشاء له أدبه أن يختص البصرة بحكم من أحكامه القاسية فزعم أنها "نقابة الطفيليين" فهل خطر في بال هذا الباحث المفضال أن البصرة عرفت أكرم أنواع نكران الذات حين كانت مبدأ لإخوان الصفا.
لو أن أحمد أمين كان يدقق لعرف أن البصريين لم يصلوا إلى ذلك إلا لقوة الروح فكيف شاء له هواه أن يجعلهم أصحاب معدات! لو أن معدتي كانت كما أحب من القوة والعافية لأكلت لحم الأستاذ أحمد أمين وأرحت الدنيا من أحكامه الجائرة في الأدب والتاريخ.
ولكن الدهر حكم بأن أكون من أصحاب الأرواح فلم يبق لي في محاسبته غير شيطنة الروح وفي الأرواح شياطين.
٦- يشهد١ الأستاذ "أحمد أمين" على نفسه فيقول:
"أين الشعر العراقي الذي تجد فيه الشعراء يتغنون بمناظر العراق الطبيعية ويضعون فيه أحداثهم الاجتماعية. وأين الشعر الشامي أو المصري أو الأندلسي الذي يشيد بذكر مناظر الطبيعة وأحوال الاجتماع للشام ومصر والأندلس, إنك تقرأ الشعر العربي فلا تعرف إن كان هذا الشعر مصري أو عراقي أو شامي إلا من ترجمة حياة الشاعر, أما القالب كله فشيء واحد،
стр. 242
والموضوع كله واحد مديح أو رثاء أو هجاء أو نحو ذلك مما قال الجاهليون".
يعتقد أحمد أمين أن شعراء العراق لم يصفوا مناظر بلادهم الطبيعية ولم يصفوا أحداثهم الاجتماعية ولو أنه كان اطلع على الشعر العراقي في عهوده الماضية وهي التي تعنيه لعرف أن شعراء العراق لم يفرطوا في الحديث عن أنهارهم وبساتينهم ولم يتركوا صغيرة ولا كبيرة من شئون المجتمع إلا أفردوها بحديث خاص.
الشعراء المصريون في نظر أحمد أمين لم يكونوا إلا مقلدين لشعراء الشام والعراق.
ولأحمد أمين في هذا الحكم الجائر عذر معقول، لأنه لم يدرس الشعر المصري دراسة تمكنه من الحكم له أو عليه، فلو كان من المطلعين لعرف أن الشعراء المصريين وصفوا بلادهم وتحدثوا عنها بأقوى العواطف وتغنوا بمحاسن بلادهم أجمل غناء.
٧- لقد١ كان ناس يتوهمون أننا حاربنا الدكتور طه حسين لأغراض شخصية وكان الدكتور طه يلوز بهذا التوهم فلم يرد علينا غير ثلاث مرات أو أربع مرات بأسلوب واضح صريح. ثم شاء له الحذر والاحتراس أن يوهم قراءه وسامعيه بأننا نحاربه لغرض خاص ثم درات الأيام واعترف الدكتور طه علانية أمام جمهور من أقطاب الرجال بأن زكي مبارك من "أصحاب العقائد" في حياته الأدبية ويجب أن ينظر المنصف إلى مصاولاته في النقد الأدبي بعين الرفق.
стр. 243
فكيف جاز للأستاذ أحمد أمين أن يهرب من الرد علينا بحجة أننا نشتمه ونؤذيه بغير سبب معقول؟ وكيف جاز له أن يظن أني تآمرت مع صاحب الرسالة عليه؟ مع أن مقالاتي في الرسالة قد تنتهي بخصومة بيني وبين الزيات؛ لأن الزيات قد حذف من مقالاتي فقرات كثيرة رعاية لصديقه العزيز أحمد أمين.
أتريدون الحق أيها القراء:
الحق أني في غربة موحشة بين إخوان هذا الزمان فالأستاذ أحمد أمين كان ينتظر أن أمتشق قلمي لتزكية أحكامه الخواطئ على الأدب العربي والأستاذ الزيات كان ينتظر أن أرد على أحمد أمين بأسلوب رقيق شفاف يحاكي نسائم الأصائل والعشيات على ضفاف النيل.
الله يشهد أني متوجع لما صنعت بالأستاذ أحمد أمين وهو رجل له ماض في خدمة الدراسات الإسلامية وله مواقف في مؤازرتي سأذكرها وإن طال الزمان ولكنه في الأعوام الأخيرة أصيب بمرض عضال هو السخرية من ماضي الأمة العربية وأغرم بضرب من الحذلقة لا يقره غير الأصحاب المتطفلين الذين لا يهمهم غير الاقتراب من روحه اللطيف.
أحمد أمين رجل فاضل وإن تردى في هاوية العماية والجهل حين حكم بأن آباء العرب كانوا أصحاب معدات لا أصحاب أرواح.
يقول أحمد أمين: إن الأدب يخدم النقد أكثر ما يخدم التقريظ وهذا حق ولكن هل يدرك المراد من النقد.
النقد هو في الأصل تمييز الزائف من الصحيح فيدخل فيه اللوم ويدخل فيه الثناء. ولكن أحمد أمين يتوهم أن النقد مقصور على التجريح.
стр. 244
ويرى الكلمة الطيبة بابا من التقريظ وهو عنده معيب، ونحن نقول بلا تردد: إن الأدب العربي أدب أصيل والزائف منه لا يقام له وزن بجانب الأدب الصحيح، فكيف انحرف بصره عن المحاسن ولم يشهد إلا العيوب وهل في الأدب حسن وقبح. الأدب جده جد وهزله جد، ولا يعاب عليه إلا ما غلب عليه التكلف والافتعال.
ولو رزقني الله الشجاعة لقلت: إن هذا الرجل يتجنى على الأدب العربي لأنه لم يعرفه معرفة صحيحة، ولو قد عرفه حق معرفة لأدرك أنه خليق بأن تبذل في سبيله نفائس الأعمال من أحرار الرجال.
يعز علي أن أراه يحبط أعماله بمقالات خطيرة لم تكن ثمرة لسهر الليل وأقذاء العيون تحت أضواء المصابيح. وإنما كانت ثمرة لنزوة وقتية أراد بها أن يخلق حركة في بعض المجلات، والمجد كالرزق بعضه حرام وبعضه حلال.
٨- نحن أمام فتنة جديدة؛ هي فتنة القول بأن الأدب العربي لا يصلح لتربية الأذواق في الجيل الجديد، وهذه الفتنة ليست من مخترعات أحمد أمين فقد نجمت قرونها منذ أكثر من خمسين سنة حين أراد المستعمرون والمبشرون أن يوهموا أبناء الأمم العربية بأن الصلة بين ماضيهم وحاضرهم لم يبق لها مكان، وأن المصلحة تقتضي بأن يوضع الأدب القديم في المتاحف وألا يدرسه غير المختصين على نحو ما يصنع الأوروبيون في الآداب اليونانية واللاتينية ثم تقبل كل أمة على لغتها المحلية فتجعلها لغة التخاطب والتأليف، وبذلك تكون اللغة الفصيحة أما واحدة للغات الشعوب العربية. كما صارت اللاتينية أما واحدة للغات الشعوب اللاتينية. وقد صرح بذلك المسيو ماسينون في خطبة
стр. 245
ألقاها في بيروت سنة ١٩٣١ ونقدتها يومذاك بمقال أرسلته إلى البلاغ من باريس.
والحق أن الفتنة التي أذاعها المستعمرون والمبشرون كانت فتنة براقة جذابة تزيغ البصائر والعقول وقد انخدع بها من انخدع من الأعوام الماضية فكانت المفاضلة بين الفصيحة والعامية من المشكلات التي تقام لها المناظرات في المعاهد والأندية الأدبية وقد وصل صدى هذه الفتنة إلى المجمع اللغوي بالقاهرة فانقسم الأعضاء إلى فريقين: فريق يقول بدراسة اللهجات المحلية وفريق يقول بأن الأفضل إنفاق المال في إحياء الأدب القديم، وقامت بسبب هذه المشكلة مساجلات فوق صفحات الجرائد بين الدكتور منصور فهمي والدكتور طه حسين والظاهر أن الأستاذ أحمد أمين من أنصار القول بإحياء اللهجات المحلية فهو يدرس على صفحات مجلة الراديو المصري ألفاظ اللهجة المصرية باهتمام يدل على تأصل تلك الفتنة في نفسه الواعية.
٩- الدكتور١ طه قد زعم أن أحمد أمين لم يكن يعرف نفسه فهداه إليها وأنا أيضا أزعم أن أحمد أمين لم يكن يعرف نفسه وسأهديه إليها وفرق بين الهدايتين، شغل الأستاذ أحمد أمين نفسه بالنص على أن العرب في جاهليتهم لم تكن لهم وثنية تبدع الأساطير على نحو ما كان الحال عند اليونان، وذلك يشهد بأن الجاهليين لم يكونوا من أهل الخيال.
أخذ هذا من الدكتور أحمد ضيف.
"وقد قال بعض المستشرقين مثل رينان ومن جرى على مذهبه: إن العرب ككل الأمم السامية ليس لها أساطير في شعرها ولا في عقائدها, وإن
стр. 246
هذا يدل على ضيق الخيال لديهم: لأن الأساطير والخرافات إنما هي نتيجة سعة الخيال ونتيجة الخبرة والبحث وحب الاطلاع وكل ذلك يظهر أثره في بلاغات الأمم من نظم ونثر كما هي الحال عند الأمم الأوروبية كاليونان وغيرهم. وقالوا: سعة الخيال، ولا يقصدون بالخيال ما نقصده نحن من المجاز والتشبيه وإنما يقصدون سعة الخيال في تصور الحقائق وفي إدراك الموضوعات المختلفة".
إن الدكتور أحمد ضيف لم يبتكر هذا الكلام ولكنه راعى الأمانة العلمية فذكر مصدره من كلام المستشرقين، أما الأستاذ أحمد أمين فقد انتهب ما نقله الدكتور أحمد ضيف عن المستشرقين ثم ادعى أنه من مبتكراته.
١٠- يقول أحمد أمين: إن الأدب العربي على اختلاف عصوره ليس فيه إلا كاتب واحد يهتم بتحليل المعاني هو ابن خلدون ولا شك أن إعجاب أحمد أمين بابن خلدون يرجع إلى الدكتور طه حسين شغل به.
إن بعد الدكتور طه حسين عن مصر في أيام الصيف عرض الأستاذ أحمد أمين للمعاطب, فلو أن الدكتور طه بقي في مصر لكان من الجائز أن يعلن إعجابه بكاتب آخر غير ابن خلدون.
فهل نرجو أن يتلطف الدكتور طه حسين فيقول: إنه لا يعقل ألا ينبغ في الأدب العربي غير كاتب واحد في ذلك الأمد الطويل الذي سيطر فيه على أقطار آسيوية وأفريقية وأوروبية.
إن الدكتور طه لو قال هذه الكلمة وهي حق لسرت عدواها إلى الأستاذ أحمد أمين فاندفع يثني على الأدب العربي بما هو أهله. لكان من الممكن أن يصرخ بأن الأدب العربي نبغ فيه من الكتاب عشرات أو مئات.
ولكن الدكتور طه يترفق بأصدقائه أشد الترفق ويحرص على ستر ما يقعون فيه من أوهام وأضاليل، وقد يقدمهم إلى الجمهور في جلبة وضوضاء.
فكيف ينتظر أن يقول في الأدب العربي كلمة حق تشجع رجل مثلي على
стр. 247
مهاجمة رجل يستبيح في الغض من أدب العرب ما لا يباح. إن الدكتور طه حسين هو المسئول عن أحمد أمين فهو الذي قال: "إن أحمد أمين لم يكن يعرف نفسه فهديناه إليها" ومعنى هذا أن أحمد أمين لم يكن يعرف أنه أديب قبل أن يدله الدكتور طه على الكنز المدفون في صدره.
مقال الختام:
هل١ أستطيع أن أحدث القارئ مرة عن بعض مكاره النقد الأدبي.
ليتني أعرف من أغروني بسلوك هذا الطريق المحفوف بالمخاوف والمعاطب والحتوف، كنت تبت ونجاني الله من مهلكات هذا الطريق الوعر الشائك فكيف رجعت إليه بعد أن عرفت وجه الخلاص!
كنت يومئذ مدرسا بكلية الآداب وأخرج الأستاذ أحمد أمين الجزء الثالث من ضحى الإسلام، وقد سرق من الأستاذ إبراهيم مصطفى مسألة متصلة بتاريخ النحو وسرق مني مسألة متصلة بتاريخ التشريع الإسلامي.
فصاح إبراهيم:
إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فكيف يسرقها مني، إنه لطماع!
وجلست أنا وإبراهيم نتشاكى في غرفة أساتذة اللغة العربية، وانتقلنا من التشاكي إلى التباكي فهتفت: سأنتقم لي ولك يا إبراهيم.
منذ أشهر نشر الأستاذ أحمد أمين مقالته الأولى فيما سماه جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي فلم تعجبني؛ لأني رأيتها من الحديث المعاد، ثم لقيني مصادفة في "المترو" بعد ظهور مقالته الثانية فسألني عما أراه من الأفكار التي أودعها مقالتيه، فقلت له: لم يعجبني غير نقد الشاهد الذي
стр. 248
أوردته في كلام ابن قتيبة، أما سائر أفكارك فتحتاج إلى تحقيق، فقال أنا أدعو القراء إلى مناقشة تلك الأفكار.
فهل كان يدعوني إلى أن أساجله الحديث!
كانت الصداقة بيني وبين الأستاذ أحمد أمين قد بلغت أقصى حدود المتانة والصدق، وما كان ينتظر أن يرى مني غير ما يحب, وكنت والله خليقا بالتجاوز عن سيئاته ولو لم يسرف في الإساءة إلى ماضي اللغة العربية في وقت يحرص فيه العرب على تفهيم أبنائهم أن أجدادهم كانوا من أصحاب المنازل الرفيعة في العلوم والآداب والفنون، وأنهم كانوا في ماضيهم من أقطاب الزمان.
وكذلك وقعت الواقعة وكان ما عرفه القراء من تمزيق الأوهام التي اعتز بها ذلك الصديق، إن الفخر بغيض ممقوت وقد عابه علي الأصدقاء قبل الأعداء, ولكن ماذا أصنع وأنا أشهد آرائي تنتهب بلا تحرز ولا ترفق وبها يرد على خصومي حين يشتجر القتال.
اهتم الأستاذ أحمد أمين بالنص على أن الشعر العربي كان في أغلب أحواله أدب معدة لا أدب روح وحجته في ذلك أن التكسب بالشعر كان عادة غالبة على أكثر الشعراء، وقد طنطن بهذه المسألة وأخذ يعيدها في كل مكان وهذا الكلام وارد في البدائع جـ١ ص ٩٩.
عاب أحمد أمين على العرب أن يلتزموا افتتاح القصائد بالتشبيب وأن يتصلوا بهذه العادة من جيل إلى جيل في حين أن الشاعر قد لا يكون مشبوب العاطفة في كل حين. هذا الكلام مسروق من مقال أرسلته من باريس سنة ١٩٣١.
اهتم الأستاذ أحمد أمين بتوكيد القول بأن نزعة القرآن روحية لا حسية فنال بذلك ثناء الأستاذ محمود علي قراعة الذي عد كلامه من المبتكرات فهل يعلم أن هذا الكلام مسروق من قول صاحب "التصوف الإسلامي" جـ٢ ص٧.
إن الفخر بغيض ممقوت وقد عابه علي الأصدقاء قبل الأعداء, ولكن ماذا
стр. 249
أصنع وأنا أشهد آرائي تنتهب بلا تحرز ولا ترفق وبها يرد على خصومي حين يشتجر القتال، وكأنها مما ابتكرت من أفكارهم الثواقب وألسنتهم النواطق.
يقول أحمد أمين وطه حسين: إن الأدب يجب أن يرفع نفسية الأمة ويدلها على مواطن الضعف والقوة لتواجه الحياة عن هدى وبصيرة فهل أستطيع أن أقول أن هذه الآراء منهوبة من قول صاحب رسالة اللغة والدين والتقاليد ص٤٦، ٤٧. أما بعد فقد أنهيت القول من محاسبة الأستاذ أحمد أمين بعد أن أرقت جفونه خمسة أشهر كانت عنده كألف سنة مما تعدون.
انتهيت من محاسبة أحمد أمين الباحث أما أحمد أمين الصديق فله في قلبي أكرم منزلة وأرفع مكان، ولن يراني إلى حيث يحب في حدود المنطق والعقل، فما أرضى له أن يكون من الساخرين بالأدب العربي وماضي الأمة العربية.
وسأبدأه بالتحية حيث ثقفته فلا يروعني وجها أراه أهلا للكرامة والحب وسلام عليه من الصديق الذي لا يغدر ولا يخون.
هجوم من عبد المتعال الصعيدي على زكي مبارك ١:
إن الدكتور زكي مبارك يجب أن يكون آخر من يدافع عن الشعر الجاهلي فهو وأستاذه الدكتور طه حسين لا يؤمنان بصحة ذلك الأدب، فقد ألف الدكتور طه كتابه في الشعر الجاهلي وكان أكبر جناية على أدب الجاهلية. إذ أنكر فيه صحة هذا الأدب وقلد هذا الرأي أعداء الأدب العربي من المستشرقين.
فلم يكن الدكتور زكي مبارك إلا أن احتفل بظهور ذلك الكتاب وعده فتحا جديدا في الأدب العربي "مقال جريدة البلاغ الأسبوعي ٣ ديسمبر ١٩٢٦" وقال عنه: إنه "آثار ما خمد من القرائح وأيقظ ما هجع من العقول".
والفرق كبير بين رأي طه حسين في الأدب الجاهلي ورأيي ورأي أحمد أمين فيه فطه حسين يرمي إلى الهدم والطعن في ثقة السلف ونحن نرمي إلى
стр. 250
الإصلاح ومن الغريب أن زكي مبارك يؤمن بالإصلاح ويدعو إليه في كتابه أحمد أمين النثر الفني ولكنه ينسى ذلك في حب التغلب على الأستاذ.
عبد الوهاب عزام يناقش أحمد أمين١:
بينا أنا في بغداد لقيني أحد الأدباء العراقيين يسألني: أقرأت مقال الأستاذ أحمد أمين عن الأدب الجاهلي. فقلت لا. فأنكر ما ضمن المقال من آراء وأخذ على الأستاذ الكاتب أنه ذهب هذا المذهب في بحثه, قلت: سأقرأه لأرى.
جادلت الأستاذ منذ سنين على صفحات الرسالة في موضوع التجديد في الأدب وهو متصل بموضوع اليوم. كلاهما نتاج آراء اعتقدها الأستاذ في أدبنا القديم وأبادر إلى حمد أستاذنا في اجتهاده في تناول مسائل كثيرة من مسائلنا الأدبية والاجتماعية فما الأستاذ في هذا إلا مفكر مجتهد مخلص. له الحمد إن أصاب أو أخطأ.
ثم قدم لبحثه بمقدمات أربع:
١- إن معيشة العرب في جاهليتهم وهي المعيشة التي يصورها الأدب الجاهلي لم تزل بظهور الإسلام ولم تنقطع بانقطاع الجاهلية الدينية بل هي مستمرة منذ العصر الذي نسميه الجاهلية إلى يومنا هذا.
٢- هذه البداوة المتصلة بنا ليست سرًا ينبغي الابتعاد عنه ولا أمرًا يجوز جهله أو إغفاله فهي ممتزجة بتاريخنا، وهي طور من أطوار الجماعات الإنسانية أقرب إلى الفطرة وأحفظ للإنسان في كثير من أحوال جسمه ونفسه.
٣- الأمة الغربية تشمل البادين والحاضرين. ولا تجعلها البداوة والحضارة واختلاف درجاتهما أمما مختلفة.
٤- الأدب العربي هو أدب الأمة العربية كلها ينبغي أن يصور حياة هذه الأمة: حاضرتها وباديتها على اختلاف التصوير باختلاف البيئات والحالات.