هذا يدل على ضيق الخيال لديهم: لأن الأساطير والخرافات إنما هي نتيجة سعة الخيال ونتيجة الخبرة والبحث وحب الاطلاع وكل ذلك يظهر أثره في بلاغات الأمم من نظم ونثر كما هي الحال عند الأمم الأوروبية كاليونان وغيرهم. وقالوا: سعة الخيال، ولا يقصدون بالخيال ما نقصده نحن من المجاز والتشبيه وإنما يقصدون سعة الخيال في تصور الحقائق وفي إدراك الموضوعات المختلفة".
إن الدكتور أحمد ضيف لم يبتكر هذا الكلام ولكنه راعى الأمانة العلمية فذكر مصدره من كلام المستشرقين، أما الأستاذ أحمد أمين فقد انتهب ما نقله الدكتور أحمد ضيف عن المستشرقين ثم ادعى أنه من مبتكراته.
١٠- يقول أحمد أمين: إن الأدب العربي على اختلاف عصوره ليس فيه إلا كاتب واحد يهتم بتحليل المعاني هو ابن خلدون ولا شك أن إعجاب أحمد أمين بابن خلدون يرجع إلى الدكتور طه حسين شغل به.
إن بعد الدكتور طه حسين عن مصر في أيام الصيف عرض الأستاذ أحمد أمين للمعاطب, فلو أن الدكتور طه بقي في مصر لكان من الجائز أن يعلن إعجابه بكاتب آخر غير ابن خلدون.
فهل نرجو أن يتلطف الدكتور طه حسين فيقول: إنه لا يعقل ألا ينبغ في الأدب العربي غير كاتب واحد في ذلك الأمد الطويل الذي سيطر فيه على أقطار آسيوية وأفريقية وأوروبية.
إن الدكتور طه لو قال هذه الكلمة وهي حق لسرت عدواها إلى الأستاذ أحمد أمين فاندفع يثني على الأدب العربي بما هو أهله. لكان من الممكن أن يصرخ بأن الأدب العربي نبغ فيه من الكتاب عشرات أو مئات.
ولكن الدكتور طه يترفق بأصدقائه أشد الترفق ويحرص على ستر ما يقعون فيه من أوهام وأضاليل، وقد يقدمهم إلى الجمهور في جلبة وضوضاء.
فكيف ينتظر أن يقول في الأدب العربي كلمة حق تشجع رجل مثلي على
стр. 247
مهاجمة رجل يستبيح في الغض من أدب العرب ما لا يباح. إن الدكتور طه حسين هو المسئول عن أحمد أمين فهو الذي قال: "إن أحمد أمين لم يكن يعرف نفسه فهديناه إليها" ومعنى هذا أن أحمد أمين لم يكن يعرف أنه أديب قبل أن يدله الدكتور طه على الكنز المدفون في صدره.
مقال الختام:
هل١ أستطيع أن أحدث القارئ مرة عن بعض مكاره النقد الأدبي.
ليتني أعرف من أغروني بسلوك هذا الطريق المحفوف بالمخاوف والمعاطب والحتوف، كنت تبت ونجاني الله من مهلكات هذا الطريق الوعر الشائك فكيف رجعت إليه بعد أن عرفت وجه الخلاص!
كنت يومئذ مدرسا بكلية الآداب وأخرج الأستاذ أحمد أمين الجزء الثالث من ضحى الإسلام، وقد سرق من الأستاذ إبراهيم مصطفى مسألة متصلة بتاريخ النحو وسرق مني مسألة متصلة بتاريخ التشريع الإسلامي.
فصاح إبراهيم:
إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فكيف يسرقها مني، إنه لطماع!
وجلست أنا وإبراهيم نتشاكى في غرفة أساتذة اللغة العربية، وانتقلنا من التشاكي إلى التباكي فهتفت: سأنتقم لي ولك يا إبراهيم.
منذ أشهر نشر الأستاذ أحمد أمين مقالته الأولى فيما سماه جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي فلم تعجبني؛ لأني رأيتها من الحديث المعاد، ثم لقيني مصادفة في "المترو" بعد ظهور مقالته الثانية فسألني عما أراه من الأفكار التي أودعها مقالتيه، فقلت له: لم يعجبني غير نقد الشاهد الذي
стр. 248
أوردته في كلام ابن قتيبة، أما سائر أفكارك فتحتاج إلى تحقيق، فقال أنا أدعو القراء إلى مناقشة تلك الأفكار.
فهل كان يدعوني إلى أن أساجله الحديث!
كانت الصداقة بيني وبين الأستاذ أحمد أمين قد بلغت أقصى حدود المتانة والصدق، وما كان ينتظر أن يرى مني غير ما يحب, وكنت والله خليقا بالتجاوز عن سيئاته ولو لم يسرف في الإساءة إلى ماضي اللغة العربية في وقت يحرص فيه العرب على تفهيم أبنائهم أن أجدادهم كانوا من أصحاب المنازل الرفيعة في العلوم والآداب والفنون، وأنهم كانوا في ماضيهم من أقطاب الزمان.
وكذلك وقعت الواقعة وكان ما عرفه القراء من تمزيق الأوهام التي اعتز بها ذلك الصديق، إن الفخر بغيض ممقوت وقد عابه علي الأصدقاء قبل الأعداء, ولكن ماذا أصنع وأنا أشهد آرائي تنتهب بلا تحرز ولا ترفق وبها يرد على خصومي حين يشتجر القتال.
اهتم الأستاذ أحمد أمين بالنص على أن الشعر العربي كان في أغلب أحواله أدب معدة لا أدب روح وحجته في ذلك أن التكسب بالشعر كان عادة غالبة على أكثر الشعراء، وقد طنطن بهذه المسألة وأخذ يعيدها في كل مكان وهذا الكلام وارد في البدائع جـ١ ص ٩٩.
عاب أحمد أمين على العرب أن يلتزموا افتتاح القصائد بالتشبيب وأن يتصلوا بهذه العادة من جيل إلى جيل في حين أن الشاعر قد لا يكون مشبوب العاطفة في كل حين. هذا الكلام مسروق من مقال أرسلته من باريس سنة ١٩٣١.
اهتم الأستاذ أحمد أمين بتوكيد القول بأن نزعة القرآن روحية لا حسية فنال بذلك ثناء الأستاذ محمود علي قراعة الذي عد كلامه من المبتكرات فهل يعلم أن هذا الكلام مسروق من قول صاحب "التصوف الإسلامي" جـ٢ ص٧.
إن الفخر بغيض ممقوت وقد عابه علي الأصدقاء قبل الأعداء, ولكن ماذا
стр. 249
أصنع وأنا أشهد آرائي تنتهب بلا تحرز ولا ترفق وبها يرد على خصومي حين يشتجر القتال، وكأنها مما ابتكرت من أفكارهم الثواقب وألسنتهم النواطق.
يقول أحمد أمين وطه حسين: إن الأدب يجب أن يرفع نفسية الأمة ويدلها على مواطن الضعف والقوة لتواجه الحياة عن هدى وبصيرة فهل أستطيع أن أقول أن هذه الآراء منهوبة من قول صاحب رسالة اللغة والدين والتقاليد ص٤٦، ٤٧. أما بعد فقد أنهيت القول من محاسبة الأستاذ أحمد أمين بعد أن أرقت جفونه خمسة أشهر كانت عنده كألف سنة مما تعدون.
انتهيت من محاسبة أحمد أمين الباحث أما أحمد أمين الصديق فله في قلبي أكرم منزلة وأرفع مكان، ولن يراني إلى حيث يحب في حدود المنطق والعقل، فما أرضى له أن يكون من الساخرين بالأدب العربي وماضي الأمة العربية.
وسأبدأه بالتحية حيث ثقفته فلا يروعني وجها أراه أهلا للكرامة والحب وسلام عليه من الصديق الذي لا يغدر ولا يخون.
هجوم من عبد المتعال الصعيدي على زكي مبارك ١:
إن الدكتور زكي مبارك يجب أن يكون آخر من يدافع عن الشعر الجاهلي فهو وأستاذه الدكتور طه حسين لا يؤمنان بصحة ذلك الأدب، فقد ألف الدكتور طه كتابه في الشعر الجاهلي وكان أكبر جناية على أدب الجاهلية. إذ أنكر فيه صحة هذا الأدب وقلد هذا الرأي أعداء الأدب العربي من المستشرقين.
فلم يكن الدكتور زكي مبارك إلا أن احتفل بظهور ذلك الكتاب وعده فتحا جديدا في الأدب العربي "مقال جريدة البلاغ الأسبوعي ٣ ديسمبر ١٩٢٦" وقال عنه: إنه "آثار ما خمد من القرائح وأيقظ ما هجع من العقول".
والفرق كبير بين رأي طه حسين في الأدب الجاهلي ورأيي ورأي أحمد أمين فيه فطه حسين يرمي إلى الهدم والطعن في ثقة السلف ونحن نرمي إلى
стр. 250
الإصلاح ومن الغريب أن زكي مبارك يؤمن بالإصلاح ويدعو إليه في كتابه أحمد أمين النثر الفني ولكنه ينسى ذلك في حب التغلب على الأستاذ.
عبد الوهاب عزام يناقش أحمد أمين١:
بينا أنا في بغداد لقيني أحد الأدباء العراقيين يسألني: أقرأت مقال الأستاذ أحمد أمين عن الأدب الجاهلي. فقلت لا. فأنكر ما ضمن المقال من آراء وأخذ على الأستاذ الكاتب أنه ذهب هذا المذهب في بحثه, قلت: سأقرأه لأرى.
جادلت الأستاذ منذ سنين على صفحات الرسالة في موضوع التجديد في الأدب وهو متصل بموضوع اليوم. كلاهما نتاج آراء اعتقدها الأستاذ في أدبنا القديم وأبادر إلى حمد أستاذنا في اجتهاده في تناول مسائل كثيرة من مسائلنا الأدبية والاجتماعية فما الأستاذ في هذا إلا مفكر مجتهد مخلص. له الحمد إن أصاب أو أخطأ.
ثم قدم لبحثه بمقدمات أربع:
١- إن معيشة العرب في جاهليتهم وهي المعيشة التي يصورها الأدب الجاهلي لم تزل بظهور الإسلام ولم تنقطع بانقطاع الجاهلية الدينية بل هي مستمرة منذ العصر الذي نسميه الجاهلية إلى يومنا هذا.
٢- هذه البداوة المتصلة بنا ليست سرًا ينبغي الابتعاد عنه ولا أمرًا يجوز جهله أو إغفاله فهي ممتزجة بتاريخنا، وهي طور من أطوار الجماعات الإنسانية أقرب إلى الفطرة وأحفظ للإنسان في كثير من أحوال جسمه ونفسه.
٣- الأمة الغربية تشمل البادين والحاضرين. ولا تجعلها البداوة والحضارة واختلاف درجاتهما أمما مختلفة.
٤- الأدب العربي هو أدب الأمة العربية كلها ينبغي أن يصور حياة هذه الأمة: حاضرتها وباديتها على اختلاف التصوير باختلاف البيئات والحالات.
стр. 251
٥- إن اللغات على تطورها مع الأمة تحفظ في ألفاظها ومجازاتها وأمثالها كثيرا من تاريخ الأمة. وكما تتطور الأمة فتتقدم ولا يمنعها التقدم أن تحتفظ بما يربطها من سنن وعادات كذلك تتطور لغتها ولا يضيرها الاحتفاظ بكلمات وجمل وكنايات هي من تاريخها. آخذ على الأستاذ الغلو في الدعوى والإغراق في تصويرها. ومما يتصل بهذا الغلو أنه جعل رأي طائفة من الأدباء في عصر ما رأي أهل العصر كلهم وعمم الدعوة حيث يقتضي الدليل التخصيص.
حينما تكلم عن الأدب العربي نظر إلى الشعر وحده وأغفل النثر.
وعرض لرأي أحمد أمين الخاص بالتزام شعراء العربية في العصور الإسلامية طريقة الجاهليين في الأوزان والقوافي وبين أنهم اخترعوا نظاما للتقفية لم يؤثر عن الجاهلية واخترعوا أوزانا على قدر ما أحسوا من حاجة.
ثم عرض لرأي أحمد أمين في التزام شعراء العربية موضوعات الشعر الجاهلي وخالفه, ودلل على أن الشعر العربي لم يحجم عن موضوع ما، وأدخل في أحوال المعيشة وحادثات الحياة من شعر أمم كثيرة.
وعرض لرأي الأستاذ في الشعراء حيث قال: إنهم لم يمسوا عواطفهم وحالاتهم الاجتماعية وإن شعراء الأقطار العربية: العراق والشام ومصر والأندلس لم يعنوا بمناظر بلادهم الطبيعية وأحداثهم الاجتماعية.
ويرى عزام أن الشعر العربي شارك بيان وجدان الإنسان وآلامه وآماله، وأن الشعر الذي يصف بيئة إقليم أو حادثة بعينها فهو كثير في دواوين شعراء العربية، وأن الشعراء العرب لم يقفوا في الشعر على موضوعات قليلة يقبلوا فيها الجاهليين. وذكر طرفا من تصوير شعراء مصر التي عاشوا فيها وبين أن شعراء العراق والشام صوروا بيئاتهم وأمعنوا في الصورة، وعرض زكي مبارك لنقد الدكتور عبد الوهاب عزام لأحمد أمين فقال:
قال أحمد أمين: "إن علماء العرب رفعوا من فن كل شيء جاهلي وغلوا
стр. 252
في تقديره فالماء الحقير في مستنقع جاهلي خير من دجلة والفرات والنيل وكل أنهار الدنيا. والجاريتان اللتان غنتا للنعمان كان صوتهما وغناؤهما خيرا من كل صوت، وكل غناء، ودوسر كتيبة النعمان بن المنذر أقوى جيش عرفه التاريخ، وأيام العرب في الجاهلية ووقائعه الحربية لا يعادلها أي يوم من أيام المسلمين وجبلا علي خير جبال الدنيا, وحاتم الطائي لا يساوي كرمه كرم, حتى الرزائل لا يصح أن يساوى برزائلهم رذيلة, فليس أبخل من مادر ولا أشأم من البسوس ولا أشرف من شظاط".
"قال الدكتور عزام في نقد هذا الكلام الأجوف؛ قال: إنه يقوم على أساس المبالغة والإغراق. وهناك كلمة طواها الدكتور عزام وهي كلمة "الافتراء" فقد افترى أحمد أمين على علماء العرب حين زعم أنهم لا يرون أن أي يوم من أيام المسلمين يعادل أي يوم من أيام الجاهلية ونحن نتحداه أن يثبت أنه رأى شواهد هذا الرأي في أي مكان من كتب الأدب والتاريخ نتحداه، فينطق إن كان على يقين" ... ما رأيك إذا صارحتك بأن كلامك هذا هو الحجة عليك. ألم تقل: إن العرب لم يحسوا الطبيعة في بلادهم.
موقف أحمد أمين:
أردت أن يتحرر الأدب من قيوده التي تنقله وأن يكون الحكم في أدبنا أذواقنا لا أذواق غيرنا وأدبنا معتمدا على شيئين. خير ما في الماضي مما يتناسب وحاضرنا ويبعث على تحقيق أملنا في مستقبلنا ودراسة حاضرنا واستقامة أدبنا. لا أن نعيش في أدبنا على الماضي وحده.
ولا يتم شيء بعد ذلك إذا نظرنا إلى الخلف فقط وإلى الخلف دائما.
ولا يكون شيء من ذلك إلا إذا كسرنا عمود الشعر الذي وضعه الأدب الجاهلي، إنما يكون ذلك يوم نزن الأدب العربي ككل أدب بموازينه الصحيحة من غير عصبية ونصرح بالنقص من غير خجل, ونبني الجديد في غير هوادة ونكسر القديم في غير رفق.
стр. 253
الفصل الثالث: مذهبان في الأدب:
ترجع المعركة بين الرافعي والعقاد إلى أيام الكتابة في مجلة "البيان" ١٩١١، ١٩١٢, ثم امتدت خلال حياة الرافعي حتى توفي ١٩٣٧ على النحو الذي تكشف عنه وقائع المعارك كما أوردناها، ثم بدأت المعركة بين أنصار الرافعي وأنصار العقاد بعد وفاته، اشترك فيها من جانب الرافعي الأساتذة: سعيد العريان ومحمود شاكر, ومن جانب العقاد: سيد قطب, وحسم المعركة الأستاذ الغمراوي.
معركة بين أنصار الرافعي وأنصار العقاد:
واستمرت المعركة ثمانية شهور من "٢٥ أبريل إلى ١٤ نوفمبر ١٩٢٨".
وقد صور سعيد العريان موقف الرافعي من الحياة الفكرية في عصره فقال: "إنه هو الذي ألب على نفسه هذه العداوات حيا وميتا".
"لقد كان ناقدًا عنيفًا حديد اللسان لا يعرف المداراة ولا يصطنع الأدب في نضال خصومه، وكان فيه غيرة واعتداد بالنفس، وكان فيه حرص على اللغة من جهة الحرص على الدين؛ إذ لا يزال منها شيء قائم كالإحساس.
والبناء لا منفعة بقيامهما إنها منفعتهما معا وكان يؤمن بأنك لن تجد ذا خلة خبيثة لهذا الدين إلا وجدت لها مثلها في اللغة١".
стр. 254
ولقد جرد أنصار العقاد "الرافعي" من النفس والإنسانية والعقيدة الأدبية وقال محمد أحمد الغمراوي: "لو غير صاحب تلك المقالات خطر له في الرافعي مثل هذا الرأي المسرف من أنه ليس للرافعي إنسانية ولا طبع ولا نفس ولا ذوق ولا ذهن ولا حياة إلى آخر ما شاءت له بغضاؤه أن ينفي عن الرافعي، لو غيره خطر له هذا في الرافعي لوقف من هذا الخاطر موقف المتهم على أقل تقدير، إذ غير معقول أن يبلغ الرافعي ﵀ ما بلغ من حسن السمعة وبعد الصيت في عالم الأدب العربي ثم لا يكون له من كل تلك الصفات حظ يفسر ما نال من صيت حسن وتقدير كبير", وهذه هي فصول المعركة:
بين الرافعي والعقاد:
١- سيد قطب:
قرأت كل ما كتبه الأستاذ سعيد العريان عن مصطفى الرافعي، قرأته تحت تأثير عامل نفسي خاص، ذلك أنه كان لي رأي في المرحوم صادق الرافعي، لعل فيه شيئا من القسوة، ولما كنت على ثقة أن هذا الرأي لم يتدخل في تكوينه عندي أي عامل خارجي وإنما كان نتيجة لعدم التجاوب بين آثاره الأدبية وبيني، فقد كنت في حاجة لأن أسمع من أصدقاء الرافعي ما عساه يخفف شدة هذا الحكم، ويكشف لي عن بعض حياة الرجل الذي اشتركت في تكوين أدبه, فلعل فيها تفسيرًا وتبريرًا لما كنت أراه فيه مما يستدعي قسوة الحكم وشدة النفور.
والقصة بين الرافعي وبين أنني قرأت له أول ما قرأت كتابه: "حديث القمر" فأحسست بالبغضاء له، أجل بالبغضاء, فهي أصدق كلمة تعبر عن ذلك الإحساس الذي خالجني إذ ذاك، ولم تكن ثارت بين العقاد وبيني إذ ذاك خصومة, ولم أكن سمعت شيئا عنه من العقاد أو سواه, مما قد يكون
стр. 255
سببا في هذه البغضاء. ولو خالجني هذا الشعور بعد خصومته للعقاد لوجدت بعض التفسير، فأنا لا أنكر أنني شديد الغيرة على هذا الرجل. شديد التعصب له, وذلك ينتجه فهم صحيح لأدبه واقتناع عميق بفطرته، لا يؤثر فيه أن تجف العلاقات الشخصية بيني وبينه في بعض الأحيان,
ولقد كنت أكره نفسي بعد ذلك على مطالعة الرافعي فتزداد كراهية لهذا اللون من الأدب، دون أن أجد التعليل، ذلك أنني كنت إلى هذا الوقت أديبا يتذوق فحسب، لا ناقدًا يستطيع التعليل ويصبر على التحليل, والرجل قد مات فما تحسن القسوة عليه, ولكن لا يصح أن يكون الموت معطلا للنقد, ولهذا سأتحدث عنه كما لو كان حيا؛ لأن الذي يعنيني هو إنتاجه الأدبي.
كنت أشك في "إنسانية هذا الرجل، قبل أن أشك في قيمة أدبه، وكنت أزعم لبعض إخواني أنه خواء من "النفس" وأن ذلك سبب كراهيتي له، ولو أني لم أره مرة واحدة ولم أجلس إليه.
ولذلك كان همي أن أبحث فيما كتب الأستاذ العريان عن حياته لا عن أدبه, وكان يهمني أن أعثر في ثنايا هذه الحياة على نفس وعلى إنسانية.
ولهذا اعتبطت، إن لم أقل دهشت، حينما رأيت الأستاذ سعيدا يذكر للرافعي "حبا" وحدثنا عن مظاهر هذا الحب وخطواته, ذلك أن خيالي المنبعث من قراءتي للرافعي لم يكن يطوع لي أن ألمح إمكان وجود هذه العاطفة في حياته؛ فالحب يتطلب قلبا، وكنت أزعم أن ليس للرجل قلب والحب يقتضي إنسانية وكنت أفتقدها فيه.
ولقد ظللت هكذا حتى استطعت أن أكون ناقدا، لا يكتفي بالتذوق والاستحسان أو الاستهجان ولكن يعلل ما يحس ويحلله فماذا كانت النتيجة؟
لقد عدلت حكمي قليلا, وخفت حدته، ولم أعد أستشعر البغض والكراهية للرجل وأدبه. ولكن بقي الأساس سليما.
стр. 256
كنت أنكر عليه الإنسانية فأصبحت أنكر عليه الطبع, وكنت لا أجد عنده "الأدب الفني" فأصبحت لا أجد عنده "الأدب النفسي" الرافعي أديب معجب، في أدبه طلاوة وقوة، ولكنه بعد أدب الذهن لا أدب الطبع فيه اللمحات الذهنية الخاطفة، واللفتات العقلية القوية التي تلوح للكثيرين أدبا مغريا عميقا لذيذا، ولكن الذي ينقصها أنه ليس وراءها ذخيرة نفسية ولا طبيعية حية.
لم تكن تعني الرجل في أدبه الحقيقة الأزلية البسيطة بقدر ما يعنيه أن يصور الحقيقة الوقتية محكمة النسج رائعة المظهر، تشبع الذهن ويستطيبها ولكنها لا تلمس القلب أو يستسيغها.
وكثيرا ما يختلط أدب الذهن وأدب الطبع إذا كان مع ذكاء وقوة وما من شك أن الرافعي كان ذكيا قوي الذهن ولكنه كان مغلفا من ناحية الطبع والأريحية.
وبعد فما كان يمكن أن يتفق العقاد والرافعي في شيء فلكل منهما نهج لا يلتقي مع الآخر في شيء.
العقاد أديب الطبع القوي والفطرة السليمة والرافعي أديب الذهن الوضاء والذكاء اللماع. والعقاد متفتح النفس ريان القلب والرافعي مغلق من هذه الناحية متفتح العقل وحده للفتات والومضات.
والطاقة العامة لكل منهما في ناحيته متفاوتة بعد ذلك؛ فطاقة العقاد النفسية أقوى من طاقة الرافعي الذهنية وعالم العقاد والحياة في نظره أشمل وأرحب بكثير من العالم الذي يعيش فيه الرافعي ويبصر الدنيا على ضوئه.
وفيما كتبه الأستاذ سعيد عن العقاد كثير من الجهل بطبيعة العقاد ودوافعه في الحياة وعوامل الكتابة في نفسه والأستاذ معذور في هذا لأنه لم يختلط بالعقاد أولا. ولأن نفسه لم تتفتح لأدب العقاد فتفهمه ثانيا. ولقد كان يعيش
стр. 257
في بيئة الرافعي وجوه ويلوح لي من كتابته أن ذلك يلائم جوه الخاص ويناسب بيئته الروحية. وأول ما يخطئ في اعتقاده أن طعن العقاد على الرافعي من ناحيته الوطنية في رده على نقد وحي الأربعين كان حيلة أملتها البراعة السياسية فإذا اتهم العقاد الرافعي بأن نقده لوحي الأربعين منشؤه ضغينة شخصية وإيحاء سياسي كما فعل فإنما هو معتقد هذا في صميم نفسه وما يعنيه ما ينال الرافعي من الناحية السياسية قدر ما يعنيه كشفه من الناحية النفسية.
كتب الرافعي عن وحي الأربعين كلاما يعترف الأستاذ ببواعثه الأصلية والعقاد يعرف هذا ويعتقد في صفات الرجل النفسية وفي نصيبه من الطبع السليم والفهم المتفتح أشد مما أعتقد أنا ودواعيه لذلك الاعتقاد كثيرة ومفهومة. فإذا كتب يصور الرافعي كما هو في خيال العقاد وكما هو في الحقيقة فليس الذنب ذنب العقاد في قسوته فإنما هو يصور حقيقة أو على الأقل ما يعتقده أنه حقيقة.
"رأيه في لقب أمير الشعراء":
رأيي أن هذا اللقب غير لائق بالعقاد لأن المسافة بينه وبين شعراء العربية في هذا العصر أوسع من المسافة بين السوقة والأمراء، قد يكون هناك من يتقاربون مع العقاد. ولكن ليس هناك شعراء في لغة العرب يتقاربون مع العقاد، الفرق هائل جدا وأكبر مما يتصوره الأكثرون بين طاقة هذا الشعر والطاقات الأخرى.
٢- محمود محمد شاكر:
يعلم الأستاذ قطب أني إذا أحببت لا أغلو, ولا أتجاوز حد الحب الذي يصل القلب بالقلب فهذا أخلق الحب أن يخلو من سوء العصبية وفساد الهوى،
стр. 258
فلا يجدني أرفع الرافعي عن الخطأ، ولا أجله عن الضعف ولا أنزهه عما هو من عمل كل إنسان حي ناطق يأمل ويشتهي.
ولقد عرفنا الرافعي زمنا -طال أو قصر- فأحببناه ومنحناه من أنفسنا ومنحنا من ذات نفسه, ورضيناه أبا وأخا وصديقا وأستاذًا ومؤدبا فلم نجد إلا حسن الظن به في كل أبوته وإخائه وصداقته وأستاذيته, ولقد مات الرافعي الكاتب الأديب وهو على عهدنا به إنسانا نحبه ولا ننزهه, ثم جاء الأستاذ سيد قطب بحسن أدبه يقول في الرجل غير ما عهدناه، يؤول كلامه ويأخذ منه ويدع ويتفلسف ويحلل ويزعم القدرة على التولج في طويات القلوب وغيب النفوس فيكشف أسرارها ويميل اللثام عما استودعت من خبيئاتها, ثم هو في ذلك لا يتورع ولا يحتاط, ولا يرعى زمام الموت ولا يوجب حق الحي.
هذا الذي ترك الدنيا بالأمس وحيدًا, وخلف من ورائه صغارًا وكبارًا من أبنائه وحفدته وأصحابه واللائذين به, ثم يراهم والدمع يأخذهم بين الذكرى المؤلمة والألم البالغ، ولو فعل لعرف كيف أخطأ ومن أين أساء ولوجده لزاما عليه أن يقدر عاطفة الحي إن لم يعظم حرمة الموت.
جعل١ الأستاذ يستثير دفائن الإحن والأحقاد التي كانت بين الرافعي والعقاد ليتخذ منها دليله الذي يفزع إليه في أحكامه على الرافعي, لا بل على قلب الرافعي ونفسه وإيمانه بعمله وعقيدته فيه, ثم لم يرض بذلك حتى نفح منها من روح الحياة ما جعلها مما يكتب الأطياء عن الأطياء للإيلام والإثارة لا للجرح والتعديل والنقد. وكأن الفتوة عادت جذعة بين الرافعي نفسه وبين العقاد وإلا فما الذي رمى في صدر الأستاذ بهذه الغضبة الجائحة من أجل العقاد!
стр. 259
حقيقة لا بد من تقريرها عن الرافعي والعقاد:
ذلك أن الرافعي ﵀ لو كان يرى العقاد ليس بشيء البتة وأن أدبه كله ساقط ذاهب السقوط, وأن مما كان يكتب ليغيظ به العقاد من جراء العداوة التي ضربت بينهما لما حمل الرافعي عناء الكتابة في نقد العقاد وتزييف أدبه وإبطال أصل الشعر في شعره.
ولو كان العقاد يرى في الرافعي بعض رأيه الذي كتب لما تكلف الرد على الرافعي ولا التعرض له. فالرافعي والعاقد أديبان قد أحكما أصول صناعتهما كل في ناحيته وغرضه وافينا الليالي والأيام والسنين في ممارسة ما هو فيه وإليه, وكلاهما يعلم عن عمل صاحبه مثل ما يعلم عنه ولا يظن بأحدهما أنه يجهل قيمة الآخر. فلما كانت العداوة بأسبابها بينهما بدأت قوة تعارض قوة ورأي يصارع رأيا وكان في كليهما طبيعة من العنف والمرام والحدة، ولمع العقاد بإرسال العبارة حين يغضب على هينها صريحة لا صنعة فيها, وأغرى الرافعي بالسخرية والمبالغة في تصوير ما نصب لسخره وتهكمه على طريقة من الفن، فمن ثم ظهرت العداوة بينهما في النقد وفي أذيالها أذى كثير وغباره ملأه القواذع والقوارض من اللفظ.
وعلى جنباته صور ينشئها أحدهما لصاحبه للكيد والغيظ والحفيظة ولا يرد بها إلا ذلك.
وخليق بنا وبآدابنا أن نطوي الآن سيئة رجلين قد تفارط أحدهما في غيب الله وبقي الآخر.
الكلمة الأولى أنها تدور رحاها عن نفي الإنسانية عن ذلك الإنسان رحمة الله عليه وخلوه من النفس, وفقدانه الطبع, وفقره إلى الأدب النفسي وما إلى ذلك من لفظ ضل عنه معناه وتهافت عليه حده.
стр. 260
وإن كان -رحمة الله عليه- ذكيا قوي الذهن، ولكنه كان مغلقا من نتحية الطبع والأريحية، وأن أدبه كان أدب الذهن لا أدب الطبع فيه اللمحات الذهنية الخاطفة واللقطات العقلية القوية, ولكن الذي ينقصها أنه ليس وراءها ذخيرة نفسية ولا طبيعية حية.
في القبول والإنكار, ولكني نقدت ما فيها من نقص الحيوية واستغلاق الطبع وأتيت على هذا بالأمثلة التي تثبت موت هذه الطريقة وعجزها عن مسايرة الحياة وهذا هو مناط الحكم.
أما قول أحدهم بأني رفعت صاحبي ولم يقل هو في صاحبه بعض ما قلت فلكأننا في معرض مفاخرة على طريقة القدماء لا يهم فيها الواقع والصدق وإنما يهم الفخر والنخع.
٥- علي الطنطاوي ١:
إنما المناظر والناقد من أتقن وسائل النقد واستكمل أدواته. وسبيل الأستاذ قطب إذا أراد نقد الرافعي ﵁ أن يدرس كتبه كلها ويحكم عليه حكما عاما ويبحث في أسلوبه وفي ألوان أدبه ويشرح مزاياه وعيوبه لا أن يأخذ كلمة من هنا وبيتا من هنا.
لقد تعلمت وعلمت تلاميذي أن النقد يستند إلى دعامتين: دعامة في اللغة وعلومها يعرف بها خطأ الكلام من صوابه، ودعامة من الذوق يعرف بها جماله من قبحه. أي أن النقد علم حين يدور على الخطأ والصواب وفن حين يبحث في الجمال. أما فن النقد فلا يمكن الجدال فيه لأن أداته الذوق، والذوق شيء شخصي ومداره على الجمال، والجمال لا ينبع من قاعدة ولا يعرف له مقياس.
стр. 261
٦- إسماعيل مظهر:
تاريخ١ الصراع الأدبي في مصر وتاريخ الصراع السياسي يتلخصان في معارك تقوم بين أشخاص، ولقد أدركت هذه الظاهرة النقد أيضا؛ فتاريخ النقد في مصر عبارة عن موازنة بين كاتبين أو شاعرين يحاول الناقد أن يعلي أحدهما على الآخر.
أما مذاهب الأدب ومذاهب النقد فهذه لا قيمة لها في نظر الأديب, ولا في تقدير الناقد.
أفهم أن يقوم الصراع الأدبي بين مذهبين يمثلهما كتاب أو شعراء يعتنقون في الأدب مذهبا محدود المرامي بين الغايات, وأفهم أن يقوم النقد على فكرة منطقية يقتنع الناقد بصلاحيتها وحقها في البقاء فيمضي في نقد الكاتب أو الشاعر انتصارا لتلك الفكرة, وأفهم فوق هذا كله أن يقتتل كاتبان ولكن انتصار المذهبين يعتنق كل كاتب مذهبا منهما والغلبة للأصلح بين المذهبين.
وما أبرئ نفسي فإن عدم قدرتي على فهم هذه الأشياء قوة لم أشهدها في نفسي إلا منذ عهد قريب، وما بعثها إلا ذلك الصراع الذي قام على صفحات الرسالة بين أنصار صديقي الأستاذ العقاد وصديقي المرحوم الأستاذ الرافعي, صديقان مات أحدهما وأدعو الله أن يمد في عمر الآخر. سكت أحدهما وطواه الزمن, وصمت الآخر على ما كان بينه وبين الأديب الراحل تجلة للموت ودفعا لحزازات ما أجدر الموت أن يكون ماحيا لآثارها وذكرياتها.
صمت صاحب الحق وتكلم غيره احتسابا, وحاشايا أن أقول هنا: لوجه الله؛ لأن الله لا يأمر أن تنبش الحزازات وتحتفر الضغائن.
стр. 262
٧- سيد قطب "رد على إسماعيل مظهر":
إن الذي لا يفهم ولا يستطيع أن يفهمه يوما من الأيام أن يكون رجل كالأستاذ إسماعيل مظهر أو أقل منه درجات، يقرأ ما كتبناه ثم لا يتبين منه أننا ننقد مذهبا معينا في الأدب ونعتنق مذهبا بينا منه كذلك وأن الكاتب الذي ننتصر له يمثل مذهب بيننا يدعو إليه منذ خمس وعشرين سنة وما يزال يشرحه ويقرره ويعود إليه في نثره وشعره وأنا من أخلص تلاميذ مدرسة هذا الكاتب لطريقته وأشد الناس فهما لها واقتناعا بها ونسجا على منوالها.
ويتحدث الأستاذ عن الشذوذ ونصرة كاتب على كاتب فإن شاء أن يعرف الشذوذ حقا فنحن محدثوه عنه.
إنه يا سيدي في تقديم هذه السوأة الأدبية الخلقية الإنسانية المسماة "على السفود" في تقديمها ذاته. وفي طريقة تقديمها, وفي نشرها، دون تأذ ولا تألم. ولا خشية على آداب الحديث في الأمة ولا آداب الطريق, ودعك من آداب النقد ودون رحمة بأسماع الناس وأبصارهم وآنافهم.
وإذا شاء الأستاذ أن يعرف نوع هذا الشذوذ فليعلم أن هذه "السوأة" التي كشف عنها من قدمتها للناس لم يستطع أشد تلاميذ الرافعي إخلاصا أن يبلعها. ولقد حاول أن ينحيها في خفة عن أعين النظارة وهو يزن حسنات الرافعي, ويدغم وزن سيئاته، حتى لا تهبط هذه السوأة بالكفة إلى الحضيض لو هي لامست الميزان.
قال الأستاذ سعيد العريان إنه قرأ "على السفود" فعابه على الرافعي وأنزله
стр. 263
غير ما كان ينزله من نفسه وإذا قال الأستاذ سعيد مثل وهو يدغم الكلام ويدحرجه ليبعد بهذه السوأة عن الأنظار فالذين لم يصابوا بداء العدالة التاريخية يستطيعون أن يعرفوا مقدار شنعها.
ولولا أنني أكرم أسماع القراء وآدابهم وإنسانيتهم من التدهور أو التأذي والتأنف لنقف لهم شيئا من "على السفود" الذي لا يعتبر تقديمه ونشره شذوذا ولا مناصرة لأديب على أديب، وإنما يعتبر نصرة لمذهب بين على مذهب بين في الآداب والآراء.
٨- إسماعيل مظهر:
إن١ انفعال سيد قطب فيما كتب لم يكن ليعجل لعقله محلا من الأثر في صوغ المعاني التي أرادها فأخذ يرمي الجمل والكلم ذات اليمين وذات الشمال شأن الثائر؛ لا شأن الناقد ثم خانته ثورته وخذله انفعاله فاستيقظ عقله الباطن استيقاظة الحقيقة فرجع إلى قوله "أنا" كأنما طبيعته لم تقو على احتمال تلك الثورة ولم تستطع مقاومة ذلك الانفعال فتبدت في ثوب ذي ألوان.
إذن٢ فالأديب سيد قطب أشد الناس فهما لأدب الأستاذ العقاد وليس ذلك فقط فهو أيضا أشد الناس اقتناعا بطريقته، وليس هذا ولا ذاك فقط بل هو فوق هذا وفوق ذاك أقدر الناس على النسج على منوال الأستاذ العقاد وأن يكون الأديب سيد قطب أديب طبعة ثانية فهو باعترافه أديب غير أنه عبارة عن نسخة من أديب آخر، أديب شخصيته صورة من شخصية أديب آخر,
стр. 264
وأدبه لوحة من أدب شخص آخر، أديب أسلوبه كالطبعة التي يتركها في الرمل قدم أديب آخر. أديب نفسيته وطبعه وذاتيته كالصورة الموهومة التي تلتقطها الصورة الضوئية وتطبعها على الورق المعروف، ولكنها صورة وهمية.
هذه الصورة الوهمية قد أفرغ عليها صفات وحلاها بفضائل، لا أنكر أنه نسبها إلى العقاد لتكون نسبتها إليه منصرفة بالتبعية إلى الطبيعة الثانية من الأستاذ العقاد وتلك الطبعة هي الأديب سيد قطب.
٩- سيد قطب:
"عرض١ بعض جمل من كتاب على السفود ورد عليها فيما يتعلق بحديث العقاد عن رأي شو بنهور في الجمال".
قال في مقدمتها: "سيعرف الناس كيف يكون الإنسان سيئ الفهم -يقصد الرافعي- قاصر الاطلاع، ثم يناقش العلماء النيري البصيرة المطلعين -يقصد العقاد- ولا يكلف نفسه الاطلاع على أصل المسائل التي يناقش فيها, ويجد من الجرأة في نفسه أن يقول لم يطلع على هذا الموضوع ولكنه يجزم بأنه كيت وكيت أما الذي اطلع فهو جاهل.
"ثم ينقل كلام الرافعي في العقاد"٢.
"على مثل تلك الطريقة من الغباوة سوء الفهم وقبح الاجتراء والغرور والحماقة، نجد كل ما يولده العقاد أو أكثره ثم يزين له لؤم نفسه وعمى بصيرته أنه هو وحده الذي يهدي إلى سرائر الأشياء ويلهم حقائق المعاني.
стр. 265
ثم يقول قطب: "ولولا أننا نسمو بآدابنا وآداب المجتمع لرددنا هذه الكلمات إلى من يستحقها بعد هذا البيان من الرجلين.
رأي سعيد العريان في كتاب "على السفود":
"الحق الذي أعتقده أن هذا الكتاب -على ما فيه- نموذجا في النقد يدل على نفاذ الفكر ودقة النظر وسعة الإحاطة وقوة البصر بالعربية وأساليبها.
ولكن فيه مع ذلك شيئا خلقيا بأن يطمس كل ما فيه من معالم الجمال فلا يبدو منه إلا أذم الصور وأقبح الألوان. بما فيه من هجر القول ومر الهجاء.
وإننا لنريد للناقدين في العربية أن يكونوا أصح أدبا وأعف لسانا من ذاك وإنها لخسارة أن ترى التمثال الفني البديع مغمورا في الوحل فلا تصل إليه إلا أن تخوض له الحمأة المنتنة وإنها الخسارة على العربية أن ترى هذا الفن البديع في النقد يكتنفه هذا الكلام النازل من هجر القول ومر الهجاء. "الرسالة ٢٧ يونيه ١٩٣٨".
١٠- علي الطنطاوي:
ما هكذا١ يكون النقد ولا هكذا تكون المناقشة.
إني سقت رأيا إن كان خطأ عدت إلى الصواب الذي تكشفه لي فيه، وإن كان صوابا وجب أن تعود أنت إليه فتبين خطأه من صوابه.
وعد عن هذا الأسلوب, أسلوب التعريض والسخرية، واعلم أني إن
стр. 266
حططت عليك ساخرا ومعرضا لم أدعك حتى تلتصق بالأرض, وأنا من أقدر الناس على ذلك, ولكن ذلك شيء يأباه الخلق الكريم وتأباه الرسالة. ولقد كانت لي في هذا الميدان جولات، صرعت فيها كثيرًا من الكتاب المدعين المستكبرين, ثم أقلعت عنها واستغفرت الله.
قال لصاحب الرسالة:
لماذا تنشر الرسالة هذه المقالات للأستاذ قطب؟ الحقيقة والحقيقة لا ظل لها في هذه المقالات. أم من أجل الأستاذ العقاد؟
وفيها من الإيذاء للعقاد مثل ما فيها من المس بالرافعي أم بغضا بالرافعي وصاحب الرسالة صديقه الحميم, وهو شريكه في التلبس بجريمة البلاغة والحرص على البيان المشرق الذي يسوء هؤلاء المجددين, أم لماذا؟ إننا لم نفد من هذه المقالات إلا فائدة واحدة، هي أننا عرفنا أن الجديد إن كان كما يصوره سيد قطب فهو أهون شيء وأبعد عن الحق، وأنا راضون لقديمنا مطمئون إلى "رجعيتنا".
"كلمة الرسالة":
وقالت الرسالة: إن من مبادئها أن تكون صورة صادقة لأدب العصر فلا تسجل مذهبا دون مذهب ولا تتوخى أسلوبا دون أسلوب. ومعارك النقد ظاهرة مألوفة عفت الرسالة عنها حينا ثم رأت أن تسجل هذه المعركة؛ لأن أدب الرافعي وأدب العقاد يمثلان وجهتي الثقافة في أقطار العروبة ومن حسن القول أن يتكلم الناظر في الأدب بلسان الأدب وأن يعتقد أن أدب الرجل شيء آخر غير شخصه فلا ينبغي أن يدخل الناقد في حسابه الحياة والموت، ولا الصداقة والعداوة.
стр. 267
١١- سعيد العريان ١:
لقد كانت بين الرافعي والعقاد عداوة وشحناء سارت مسير المثل بين أدباء الجيل فهل كان من الحتم تبعًا لذلك أن يكون سعيد العريان وسيد قطب عدوين؛ لأن أولهما يؤرخ للرافعي والثاني يجري في غبار العقاد.
ولكن سيد قطب يرشح ليكون في غد شيئا له في الأدب خطر ومقدار.
وما يرى نفسه بالغا هذه المنزلة إلا أن يجري على نهج صاحبه ويتأثر بخطاه. فكان أول سعيه إلى غايته أن احتقب كنانته وخرج إلى الطريق يرمي الناس باليمين والشمال, لا يعنيه أن يصيب ولا من يصيب, ولو كان أحرص الناس عليه وأرأفهم به.
لقد ظل المرحوم الرافعي دائبا على تجديد الآداب العربية سبعة وثلاثين سنة, يتردد اسمه في المحافل والنوادي ومجامع الأدب فليس بين قراء العربية أحد لا يعرفه. وسيد قطب واحد من قرائها الأخصائيين في اللغة كما قد يعرف القراء, ولكنه مع ذلك لم يشرع قلمه ليجرد الرافعي من النفس ومن الإنسانية ومن العقيدة وليزيف أدبه ويكشف عيبه إلى حين غيبه التراب وآن أوان ذكراه.
هذه هي عربيتنا نحن أنصار المذهب القديم فبأي عربية فهمها الناقد المجدد الأخصائي في اللغة وفي أساليب البيان.
١٢- سيد قطب "الرد على إسماعيل مظهر":
أنت يا سيدي٢ لم تفهم الكلام ومن هنا كان تفسيرك للجملة التي أقول
стр. 268
فيها: "وإننا من أخلص تلاميذ مدرسة هذا الكاتب لطريقته, وأكثر الناس فهما لها واقتناعا بها ونسجا على منوالها".
ففهمتَ منها أن الذي يقول ذلك يكون "طبعة ثانية" للعقاد وهنا كلام نقوله للناس وكلام نقوله لك:
إن الإخلاص لطريقة في الأدب والاقتناع بمذهب خاص والنسج على منوال مدرسة معينة لا يعني تقليد شخص معين، فقد ينشأ إمام وينشئ له مدرسة ويكون لهذه المدرسة تلاميذ، ثم يكون لكل تلميذ من هؤلاء طابعه الشخصي ومميزاته الذاتية. ولا سيما إذا كانت هذه المدرسة هي مدرسة العقاد التي تقوم على أساسها الدعوة إلى أدب "الشخصية" وتنكر التقليد وتشتط في إنكاره.
أما كلمتنا لك فنحن نسلم أننا "طبعة ثانية" من العقاد فماذا تكون أنت؟ إننا نقول لك: كن أنت -إن استطعت- طبعة ثانية من العقاد أو أي فنان سواء, أو كن على حد تعبيرك المؤدب الطبعة التي تتركها في الرمل قدم العقاد تكن خيرًا مما أنت الآن عشرات المرات.
إنك تحقد على العقاد حقدًا دفينا لا سبب له إذ ليس بينكما منافسة، لا منافسة على أدب ولا موهبة فنية, وإنك لهذا ترحب بشتائم الرافعي له وتطبعها وتروج لها وتسميها علوا عن الشخصيات.
١٣- محمد أحمد الغمراوي:
مسألة١ القديم والجديد عمرها لا يزيد على ثلاثين عاما أثارها من الناس
стр. 269
نفر تثقفوا ثقافة غربية من غير أن يكون لأحدهم من الثقافة الإسلامية نصيب مذكور, والغرب والشرق على طرفي نقيض, لا يلتقيان, كما يقول ريارد كيلنج إن كان من الممكن أن يلتقيا في العلم الذي هو معجزة الغرب والذي هو جزء من الإسلام الذي يدين به الشرق. لكن الذين أثاروا مسألة القديم والجديد لم يكونوا يعرفون. ولعل أنصارهم لا يزالون يجهلون أن العلم الذي يظهر به الغرب هو في الإسلام جزء من الدين، وأن المدنية الغربية ليس فيها ما يستحق أن يطلب ويؤخذ إلا ذلك العلم الطبيعي الذي اهتدى إليه الغرب بالعقل والتجربة والذي يمثل فطرة الله التي فطر عليها الأشياء. أما فطرة الله التي فطر الناس عليها فتلك يمثلها الإسلام عن يقين. فكأن الغرب والشرق قد اقتسما علم الفطرة؛ علمها الغرب في الماديات بالعلم والتجربة, وعلمها الشرق في الروحانيات والاجتماعيات بالدين والوحي فكان الشرق مخطئا حين لا يأخذ بعلم الغرب وكان الغرب ضالا حين يخالف الإسلام.
علم الغرب الطبيعي ودين الشرق الإسلامي, هذا هو سبيل التمدن الصحيح لمن يريد أن يكون مجددا مصلحا؛ يجدد للشرق شبابه ومجده من غير أن يعرضه لشر ما يهدد الغرب من أخطار.
لكن دعاة التجديد الذين جاءا بعدهما "بعد جمال الدين ومحمد عبده" ولم يكن لهما مثل علمهما ضلوا سبيل الدعوة. وصدقوا الغرب في ظنه الذي ظن بالإسلام من أنه كان سبب تأخر الشرق. ولما لم يطيقوا أن يهاجموا الإسلام مواجهة فيدعو الناس صراحة إلى نبذه, إلى مهاجمته مداورة بدعوة الناس إلى قبول كل ما عليه الغرب إن كانوا يريدون أن يكون لهم ما للغربيين من قوة وحياة. وزعموا للناس أن المدنية الغربية كل لا يتجزأ فإما أن تؤخذ
стр. 270
كلها أو تترك كلها، إما أن تؤخذ باجتماعياتها وأدبياتها وعلمياتها، وأما ألا يؤخذ فيها شيء.
ونجحت حركة اللالتفاف التي قام بها دعاة الغرب ضد سلطان الإسلام في نفوس من أصغى إليهم من الناس، حين ألجئوهم إلى أن أصابتهم فتنة ذلك التجديد كمن أحاط به العدو لا بد له من الموت أو التسليم.
ومن هنا كان ما أصاب أولئك المجددون من نجاح, وما يهدد الإسلام في بلاده وفي نفوس أهله من خطر، ومن هنا أيضا هب لدرء هذا الخطر فريق من المجاهدين المحتسبين الذين آتاهم الله فقها في الدين وقوة في الجنان وبسطة في البيان وفي طليعة هؤلاء كان الرافعي رحمة الله عليه.
فالمسألة بين القديم والجديد كما يسمونها ليست مسألة اختيار بين أدب وأدب وطريقة وطريقة ولكنها في صميمها مسألة اختيار بين دين ودين.
فالذين يسمون أنفسهم أنصار التجديد يؤمنون بالغرب كله، ويريدون أن يحملوا الناس على دينهم هذا.
وكل خلاف بين أنصار القديم وأنصار الجديد منشؤه هذا ومرده إلى هذا. هؤلاء مثلا، يريدون متابعة الغرب في السفور والاختلاط، وأولئك يرون السفور والاختلاط مفسدة ثم أنصار الجديد يضيقون ذرعا بالقيود الأخلاقية التي قيد الدين بها الناس فيما يعملون ويقولون, يريدون أن يتحللوا منها فيزعموا للناس أن هذه الأخلاق وقيودها إن هي إلا عرف وتقاليد، وإن التقيد بالعرف والتقاليد في الفن والأدب يعوق الفن ويحول دون ترقي الأدب فيجب إذن إطلاق الفن وتحرير الأدب من تلك القيود ومن هنا نشأ خلاف
стр. 271
آخر بين الفريقين, نقل العراك بينهما من ميدان الاجتماع إلى ميدان الأدب فأنصار الجديد يدعون إلى الفن العادي والأدب المكشوف ويدعون للفن والأدب حرية في القول والعقل.
واتسع الخلاف وتشعب بين الفريقين بمضي أنصار الدين الجديد في توهية السد الإسلامي الذي يجدونه قائما في وجوههم أينما يلتفتوا فيزعمون للناس من طرف خفي أن القرآن من صنع عبقري لا من صنع الله، وأنه آية فنية، لكن آية فنية إنسانية لا معجزة إلهية. وإذن فينبغي أن يخضع له كل عمل إنساني من النقد والفحص والبحث العلمي فيما يزعمون ويهب لدرء هذا الإفك العظيم كل كريم ويقاتلونهم على إعجاز القرآن وحرمته وتقديسه ويدعونهم إلى خطة إنصاف ليس من إنصاف بعده.
إن من أشد من يؤسف له أن يفترق قوة أولى القوة في الشرق هكذا فرقتين إحداهما تهدم والأخرى تدفعها عن الهدم فيشغل الفريقان جميعا عن التجديد والبناء وعدوهما واقف لهما بالمرصاد.
١٤- سيد قطب: "في الرد على سعيد العريان":
"لعل القسوة ليست في الحكم الذي أصدرته ولكنها في وضع الرافعي مقابلا العقاد والجميع بينها في عنوان, فمن هنا بدأ مطالبة الرافعي بأدب الطبع وأدب النفس؛ لأن المقابل له فياض بهذا النوع، مبرز فيه، بل هو ميزته ورمز فنه، وقد كان من جراء مطالبة الرافعي بهذا اللون الرفيع من الفن الأدبي ظهور خوائه وإنكار أدبه، فهذه هي القسوة ومتى أعفينا الرافعي من أدب النفس والطبع فقد نجده بعد ذلك شيئا من التعبير, وفي الأخذ بطريقة خاصة في هذا التعبير".
стр. 272
لقد قرأت كل ما كتبه الرافعي في هذا الباب "الغزل" فإذا هو خواء مقفر من كل عاطفة وإحساس فإذا أنا عرضته فإنما أعرض قطعة من صحاري النفوس ليس فيها ندى ولا حياة -ولن يضير القراء معي- إذا أنا صبرت على قطع هذا القفار الموحش المتشابه الأرجاء.
والثاني: وقد اخترته أن أعرض غزل العقاد فأشكف عن هذا العالم الحي المائج المضطرب بشتى الانفعالات والاتجاهات.
إن العقاد والرافعي مختلفان متناقضان, ولقد شاءت الظروف أن يكون العنوان بين العقاد والرافعي, فتوجد رابطة بين اسمي هذين الرجلين لا وجود لها في أدبهما ولا اتجاههما ولا في شيء مما يصح فيه التشابه والارتباط.
والواقع؛ لقد كان هذا الجمع بينهما ظلم لكليهما، فأما العقاد فمظلوم -ولا شك- أن يقرن اسمه إلى اسم الرافعي، وبينهما هذه الهوة السحيقة الفاصلة، والهوة إلى تفصل بين الصورة الفنية ترمز إلى معنى وتكاد تجيش بالحياة وتهمس بالنطق والتعبير وبين النقوش التي نراها على أبواب المساجد ونوافذها خطوط متعرجة أو مستقيمة ودوائر ومثلثات ومربعات كلها من عمل المسطرة والبركار, ولا شيء وراءها غير المهارة في اللعب والتزويق.
١٥- محمد أحمد الغمراوي:
١- العقاد: أديب الطبع القوي الفطرة السليمة والرافعي أديب الذهن والوضاء والذكاء اللماع والعقاد متفتح النفس ريان القلب. والرافعي مغلق هذه الناحية متفتح العقل وحده للفتات والومضات.
٢- كنت أنكر عليه الإنسانية فأصبحت أنكر عليه الطبع، وكنت لا أجد عند الأدب النفسي فأصبحت لا أجد عنده الأدب النفسي.
стр. 273
هكذا حكم سيد قطب بين الأديبين الكبيرين، والحكم لا يعطي للعقاد شيئا من الفتح العقلي ولو للفتات والومضات. فقد سوى بين الاثنين تسوية تكاد تكون تامة أو بالأحرى جعل المزايا الأدبية قسمة بينهما عن سواء تقريبا. أخرج العقاد من دائرة الذهن والعقل كما أخرج الرافعي من دائرة النفس والقلب، وخص أحدهما بما نفى عن الآخر. فإذا شك أنصار العقاد في أن هذا مفهوم حكم صاحبهم على صاحبه ومنطوقه فليقرءوا مقدمة الحكم إذا شاءوا:
"وبعد فما كان يمكن أن يتفق العقاد والرافعي في شيء, فلكل منهما نهج لا يلتقي مع الآخر في شيء" إذ لو كان العقاد يشرك الرافعي في أدب الذهن لاتفق الاثنان في شيء. والتقى الأديبان على شيء. أما وهما لا يتفقان ولا يلتقيان في شيء في حكم هذا الحكم المجدد فما أثبته للرافعي من أدب الذهن الوضاء والذكاء اللماع لا بد أن يكون نفاه عن العقاد إن كان يعرف ما المنطق وما التفكير, ليس عن ذلك محيص.
والرافعي كذلك مظلوم -ولا شك- أن يقرن اسمه إلى اسم العقاد فيطالبه النقاد حينئذ بالحياة والحركة والعمق, أو يطالبونه برأي معين في مسائل الحياة الكبرى وفي نواحي الإحساس والشعور. والرجل في عالم آخر غير هذا كله؛ عالم الأخشاب المنقوشة والشرفات المزركشة.
"لقد أخذ يردد نغمه العوام في الموتى والأحياء ويعتمد على شعور هؤلاء العوام في تقدير موقفي وأنا أتحدث عن العقاد الحي. وموقفهم وهم ينافحونه عن الرافعي الذي مات.
"فأنا في دفاعي عن العقاد أمجد وأشرف من دفاعهم عن الرافعي, فماذا يكلفهم الدفاع عن الرافعي؟ إنه لا يكلفهم شيئا, بل على العكس يكسبهم
стр. 274
حسن الأحدوثة لدفاعهم عن رجل ميت, ويكسبهم سمعة الدفاع عن الدين, ويكسبهم محبة الأسلوبيين والعاجزين عن التحليق في الأجواء الفنية العالية.
أما الدفاع عن العقاد فيكلفني التعرض لغضب الكثيرين من ذوي النفوذ. لأن العقاد رجل لم يبق له قول الحق صديقا وكثير ممن يظهرون صداقته يكونون له غير ذلك لأنهم ينفسون عليه شموخه واعتداده بنفسه وتعاليه على الضرورات.
١٦- سعيد العريان:
الجديد والقديم حديث طويل في تاريخ الرافعي فهو قد وقف نفسه على الدفاع عن الدين والحفاظ على لغة القرآن. ذلك مذهب درج عليه وأعانته عليه نشأته وتدينه, فهو إنما يحرص على اللغة من جهة الحرص على الدين. إذ لا يزال منهما شيء قائم كالأساس والبناء، لا منفعة فيهما معا إلا بقيامهما معا".
فما نعرفه ناقدًا عنيفا إلا حين يتناول الجديد والقديم وإذا نحن تدبرنا ما أسلفناه من تلخيص رأيه في الجديد والقديم ومن مقدار حماسته في الذود عن الدين والعربية عرفنا لماذا يؤثر الرافعي ذلك الأسلوب العنيف في مهاجمة خصومه والطعن عليهم إذ هو لا يعتبر حينئذ إلا شيئا واحدا هو الدفاع عن الدين وتراث السلف مؤمنا بأنك "لن تجد ذا دخلة خبيثة لهذا الدين إلا وجدت له مثلها في اللغة".
وقد تعجب أشد العجب أن ترى الرافعي ينسى حين يجرد قلمه للنقد كل اعتبار مما يقوم به الصلات بين الناس ولكنه هو يعتذر من ذلك بقوله إنما تعمل على إسقاط فكرة خطرة، إذا هي قامت اليوم بفلان الذي نعرفه فقد
стр. 275
تكون غدا فيمن لا نعرفه، ونحن نرد على هذا وعلى هذا برد سواء لا جهلنا من نجهله بلطف منه ولا معرفتنا من نعرفه تبالغ فيه. فإن كان في أسلوبنا من الشدة والعنف أو القول المؤلم أو التهكم فما ذلك أردنا ولكنا كالذي يصف الرجل الضال ليمنع المهتدي أن يضل، فما به زجر الأول بل عظة الثاني.
٧- محمد أحمد الغمراوي ١:
جرى الناس على رد التفاصيل في الأدب إلى أصلين: اللفظ والمعنى, وبدءوا في ذلك وأعادوا وأسرفوا في الاختلاف بينهم. أي هذين الأصلين يقدم على الآخر في تقديم أديب على أديب واختلافهم في هذا شيء عجيب. فإن اللفظ والمعنى ركنان متلازمان لا ينبغي التقصير في أدبهما للأديب المكتمل.
إن امتلاك ناصية اللغة أمر لا بد منه لكل أديب يريد أن يبلغ في الأدب مرتبة الخلود وليس معنى هذا أن امتلاك ناحية اللغة وحدة كاف للخلود. فليس في الأدب مكانة لخلود المعنى الخسيس في اللفظ الأنيق.
وإذا تساءل متساءل: أي الأديبين أدل على امتلاك لناصية اللغة واقتدار على التفنن والتصرف في التعبير بها أدب الرافعي أم أدب العقاد؟ كان الجواب الذي يسرع إلى الإنسان في غير تكلف ولا تحيز؛ أدب الرافعي؛ كان أملك لناصية اللغة من شك أو أكثر افتنانا فيها وتصرفا بها. ولا نظن أن العقاديين يمارون في هذا فأكبر ما ادعاه العقاد مفتونهم به هو الأسلوب الفخم والتعبير الجيد غير بعيدين عن شعر العقاد.
بقيت ناحية المعنى ولم تر أحدا ظلم في معانيه مثل ما ظلم الرافعي ومعاني الرافعي يكثر من بينها الطريق كثرة تدعو إلى العجب, كثرة لا تظن أحدا من المحدثين يفضله فيها أو يزحمه.
стр. 276
ثم قال: فالمسألة في الأدب ليست مسألة لفظ ومعنى فقط ولكنها في صميمها مسألة روح. فريق يريد أن يجعل روح الأدب روحا شهوانيًا بحتا وفريق يريد أن يحيا الحياة الفاضلة في حدودها الواسعة. إن أدب الفريق الأول هو ما يسمونه بالأدب الجديد ويمثله العقاد. وأدب الفريق الثاني هو ما يسمونه بالأدب القديم ويمثله الرافعي.
الرافعي يتفوق على العقاد في التعبير وفي الخيال وكلاهما يحتفل بالمعنى أكبر احتفال، غير أن الرافعي عنده نور يهدي به ليس عند العقاد، فكان لذلك أقل من العقاد عابا وأكثر صوابا.
إنما الخلاف الأساسي بينهما في الروح. هما من حيث الروح مختلفان كل الاختلاف وعندك الحكم بين الروحين معيار صدق لا يخطئ هو معيار الدين ومعيار الخلق الفاضل، وإذا قيمت الأديبين بأحد هذين المعيارين لم يبق عندك شك في أيهما أولى بالإكبار وأصلح للبقاء.
стр. 277
الفصل الرابع: بين النقد الذاتي والموضوعي
بين أحمد أمين وطه حسين ١:
هذه معركة داخل جبهت المدرسة الحديثة، بين رجلين عرفا بالسير في الطريق الواحد، كان أحمد أمين قاضيا واختاره طه حسين ليعمل أستاذا في كلية الآداب بعد أن دافع عنه في لجنة الإسلام" يختص كل منهما بجانب منه ثم مضى أحمد أمين فأتم الدراسة وتوقف طه العبادي وعلى الرغم من هذه الصداقة والارتباط في اتجاهات الفكر والثقافة والجامعة فإن أحمد أمين حين عرض للنقد الأدبي لم يتراجع عن أن يعلن رأيه صريحا في موقف الأدباء الذين برزوا بعد وقد جرى في هذا الشأن سجال بين أحمد أمين وطه حسن أصر فيه أحمد أمين على رأيه في أن كتاب هذه الفترة كانوا متحمسين مندفعين أول الأمر حتى إذا تحققت لهم الشهرة والمكانة عادوا إلى شيء كثيرا من الاعتدال وهذه هي المعركة.
هذه معركة: ١- أحمد أمين:
"حدث في تاريخ مصر الحديث أن جماعة تسلحوا بالشجاعة فأظهروا آراءهم في صراحة تامة ولم يبالوا الرأي العام سواء في ذلك بحوثهم أو نقدهم، وكانت هذه البذرة الأولى للشجاعة الأدبية في مصر فألفوا كتبا عبروا فيها عن آرائهم في جلاء ووضوح، وكتبوا مقالات تعبر عما يختلج في نفوسهم وإن لم تكن على هوى الجمهور، ونقدوا أدب الأدباء وإن بلغوا القمة في نظر الناس، فكان صراع بين القديم والحديث وبين التفكير الحر والتقاليد وبين الأدب الناشئ والأدب الموروث. ولكن هذا الصراع انتهى بغلبة الجامدين. ونال الأحرار من العسف والعنت فوق ما ظنوا.
وشعر القائمون بهذه الحركة الجديدة أنهم أصيبوا في سمعتهم ثم رأوا أن
стр. 278
أتباعهم تخلوا عنهم في وقت الضيق، ومن عطف عليهم فعطف أفلاطوني، عطف يتبخر، وكان الرأي العام قويا مسلحا فتغلب وانتقم وأصبحت له السلطة التامة، وانهزم أمامه فريق المفكرين الصرحاء هزيمة منكرة. ولم تكن له أمثلة كثيرة في تاريخه القريب فاضطر إلى التسليم، وتعود المجاراة بدل المقاومة، والمداراة مكان الصراحة. فلم يعد هناك معسكران ولم يعد صراع وإنما هو معسكر واحد ولا قتال، وتعلم الجيل اللاحق مع الجيل السابق فاختط خطته ونهج منهجه وأخذ الدرس عن أخيه الأكبر ففضل السلامة. وبذلك اختنق النقد الأدبي في مهده وأصبح الأدب مدرسة واحدة يختلف أفرادها اختلافا طفيفا، في العرض لا في الجوهر. ولا أمل في عودة النقد الصريح إلا ببذرة جديدة وروح جديد على شرط أن تكون البذرة صلبة تتحمل حوادث الدهر وعوادي الأيام.
ويتصل بهذا أن الأدباء عندنا صنفان: صنف نضج وتكون واستوى على عرش الأدب, وهؤلاء هم القادة، وهم أفراد معدودون تسالموا وتهادنوا وحرمنا ما بينهم من خصومة أدبية وعلمية، وصنف ناشئ في طور التكوين وهو يخشى أن يتعرض لمن استوى على العرش فيبطش به بطشة جبارة تقضي عليه، فلما جامل الكبراء بعضهم بعضا، وخاف الناشئون من الكبراء ضاع النقد بين هؤلاء وهؤلاء".
٢- طه حسين ١:
فأنت ترى أن جماعة النقاد الذين كانت إليهم قيادة الرأي الأدبي أو قيادة الحياة العقلية منذ حين قد اصطنعوا الشجاعة أول أمرهم. وآثروا الصراحة
стр. 279
أو كانت الصراحة لهم خلقا، فكتبوا كما كانوا يرون، وأخذوا بحظوظهم الطبيعية من الحرية، فلم يحفلوا بالجمهور ولم يخافوا الرأي العام. ولم يحسبوا لمقاومة المحافظين حسابا. ونشأ عن شجاعتهم تلك وعن صراحتهم هذه أن بعثوا في الحياة العقلية نشاطا لم تألفه مصر، فكان الصراع العنيف بين القديم والجديد، وكان الخصام الشديد بين الحرية والرجعية.
وكذلك ترى بعد ذلك أن هؤلاء الكتاب قد أوذوا في مناصبهم وفي أنفسهم وفي سمعتهم وفي أرزاقهم فلم يثبتوا للأذى، ولم يمضوا في المقاومة، ولم يعنهم أتباعهم وأولياؤهم على الثبات، وإنما عطفوا عليهم عطفا أفلاطونيا, فلانوا ودانوا وجاروا وداروا, وآثروا العافية ومضوا مع الجمهور إلى حيث أراد الجمهور. ونشأ الجيل الجديد فاقتدى بإخوته الكبار وسار سيرتهم وأصبح النقد مصانعة ومتابعة وأصبح الأدب تملقا وتقليدًا.
وهذا أيها الأخ العزيز هو الذي أخالفك فيه أشد الخلاف وأنكره عليك أعظم الإنكار يدفعني إلى ذلك أمران: أحدهما أن رأيك بعيد كل البعد عن أن يصور الحق. والثاني أن رأيك يمسني وأؤكد لك أنه يحفظني كل الإحفاظ ويؤذيني كل الإيذاء. ولعله يحفظني ويؤذيني أكثر مما أحفظني وآذاني كل ما لقيت من ألوان المشقة والإعنات.
فهل من الحق أن هؤلاء الكتاب الذين نشير إليهم قد أدركهم الضعف والوهن فمالئوا الجمهور وصانعوا السلطان، وآثروا العافية في أنفسهم وأموالهم ومناصبهم؟ ومتى كان هذا، أحين عصفت العواصف بمصر فأفسدت أمرها السياسي والعقلي وألغت نظامها الحر وفرضت عليها نظاما آخر مصنوعا ألغيت فيه كرامة الأفراد والجماعات.
стр. 280
تعال أيها الأخ العزيز نبحث معا عن هؤلاء الكتاب أين كانوا في ذلك الوقت؟ وماذا صنعوا؟ وإلى أي حد جاروا وداروا وآثروا العافية؟ لست في حاجة أن أسميهم فأنت تعرفهم كما يعرفهم الناس جميعا. لم يكن لأكثرهم منصب من المناصب، فلما عصفت العاصفة أقصيت عن هذا المنصب فأدركت الزملاء ووقفت معهم حيث كانوا يقفون، ومضينا جميعا إلى حيث كان يحب أن نمضي واحتملنا جميعا ما كان ينبغي أن نحتمل من الأثقال. فكنا أيها الأخ العزيز ألسنة الساسة وسيوف القادة والسفراء بينهم وبين الشعب, وكنا سياطا في أيدي الشعب يمزق بها جلود الظالمين تمزيقا.
وكنتم تعجبون منا بذلك وتحمدونه لنا وتؤيدوننا فيه, وكنتم تقومون على الشاطئ وتروننا ونحن نغالب الأمواج ونقاوم العواصف نظهر عليها حينا وتظهر علينا أحيانا فكان بعض الناس يصفق لنا إذا خلا إلى نفسه لا إذا رآه الناس ويعطف علينا إذا لم يحس السلطان منه هذا العطف ولست أزعم أني قد استأثرت بهذا الفضل فقد كان نصيبي منه أقل من نصيب كثير من الزملاء. لم أدخل السجن وقد دخله منهم من دخله.
أترى أن مواقفنا تلك كانت مواقف المنهزمين؟ إننا شغلنا عن النقد الأدبي بأنفسنا وأموالنا وإيثارنا للعافية ومجاراتنا للسلطان.
والغريب أن أريك هذا في إخوانك الكتاب يظهر أنه قد أعجبك حتى ألهاك عن حقائق ما كان ينبغي أن تلهو عنها. فهؤلاء الكتاب المنهزمون في رأيك لم تشغلهم هذه السياسة العنيفة المنكرة عن الأدب ولا عن النقد.
وإنك لتعلم أنهم جميعا كانوا يخاصمون في السياسة وجه النهار، ثم يفرغون
стр. 281
لأدبهم آخر، وكلهم قد أنتج في الأدب أثناء المحنة وفي الأدب الخاص الذي لا يتصل بالسياسة ولا يمت إليها بسبب, ومن منهم اتخذ السجن وسيلة إلى هذا الإنتاج.
وبعد فليس السبيل على الذين أدوا واجبهم الأدبي كما استطاعوا وما زالوا يؤدونه كما يستطيعون، وإنما السبيل على الذين يتاح لهم الهدوء ويستمتعون بالبال الرضي والحياة المستقيمة المطمئنة ثم لا ينقدون لأنهم لا يقرءون، أولا ينقدون لأنهم يقرءون ويشفقون إن أعلنوا آراءهم أن يتنكر لهم الناس وأن يسلقهم أصحاب الكتب بألسنة حداد.
٣- أحمد أمين:
شرحت وجهة نظري في بعض وجوه العيب في النقد العربي من ناحيتهم العامة. فإن١ أراد أخي طه أن يحورها من عمومها إلى شخصياتها وينقل المسألة من النقد الأدبي إلى النقد السياسي ويجعل الأمر يدور حول أنا وأنت ونقدت ولم تنقد، وكتبت ولم تكتب، وبئست ونعمت، وشقيت وسعدت لم أجاره في ذلك، ووقفت حيث أنا إلا أن يعود إلى أساس النظرية ويقرع حجة بحجة وبرهانا ببرهان فإني إذن أساجله القول حتى ينجلي الحق ويظهر الصواب.
٢- إني أقارن٢ بين النقد من نحو عشرين عاما والنقد الآن فأجده ليس خاضعا لسنة النشوء والارتقاء. بل لسنة التدهور والانحطاط حتى وصل إلى حالة من العجز يرثى لها.
стр. 282
فقد كان الكتاب إذا ظهر هبت الصحف والمجلات لعرضه ونقده فاللغوي ينقد نقدًا لغويا والمؤرخ ينقده نقدا تاريخيا والأديب ينقده نقدًا أدبيا وتثور معركة حامية بين أنصار الكتاب وأعداء الكتاب.
ولست أنسى ما كان يقوم به الأستاذ إبراهيم اليازجي في نقده لمجاني والأدب وأقرب الموارد كما لست أنسى ما نقد به كتاب التمدن الإسلامي وكان شوقي أو حافظ يقول القصيدة فيقوم ناقد معترض يبين معايبها، ومادح مقرظ يبين محاسنها ومن هذا وذاك يستفيد الأديب ويرقى الأدب.
وكان يؤلف الكتاب الذي مثل كتاب الإسلام وأصول الحكم فتنشب معارك حامية وينقسم المفكرون إلى معسكرين.
تعال فانظر معي الآن إلى ما وصلنا إليه. لقد كثرت الكتب يخرجها المؤلفون وأصبح الإنتاج الأدبي أضعاف ما كان. ولكن من الغريب أن تحدث هذه الظاهرة وهي رقي الأدب وانحطاط النقد.
ولكن ما هي علامات هذه الظاهرة في الأدب العربي؟
أهمها أن النقد الصريح الصحيح يحتاج إلى شجاعة أدبية قوية من الناقد ورحابة صدر من المنقود وقد حدث في تاريخ مصر الحديث أن جماعة تسلحوا بالشجاعة الأدبية في مصر فألفوا كتبا عبروا فيها أن آرائهم في جلاء ووضوح وكتبوا مقالات تعبر عما يختلج في نفوسهم وإن لم تكن على هوى الجمهور، ونقدوا أدب الأدباء وإن بلغوا القمة في نظر الناس فكان صراع بين القديم والحديث وبين التفكير الحر والتقاليد ولكن هذا الصراع انتهى بهزيمة هذه الطليعة من المعسكرين وتعرضوا للخطر في
стр. 283
مناصبهم وأرزاقهم. ونالوا من العسف والعتب ما ليس في طاقتهم. وهذا يحدث مثله في كل أمة من الأمم الأوروبية ولكن كان هناك فرق كبير بيننا وبينهم. ذلك أن أصحاب الرأي الجديد في البلاد الراقية إذا أوذوا في العصر الحديث رأينا من مقلديهم وأتباعهم في الرأي من يمدونهم بالمال والمعونة.
أما في مصر فقد شعر القائمون بهذه الحركة الجديدة أنهم أصيبوا في سمعتهم وفي منصبهم وفي مالهم ثم رأوا أن أتباعهم تخلوا عنهم في أوقات الضيق ومن عطف عليهم منهم فعطف أفلاطوني، عطف يتبخر، عطف لا يمكن أن يتحول إلى مال أو مجهود.
وكان الرأي العام قويا مسلحا فتغلب وانتقم وأصبحت له السلطة التامة. وانهزم أمامه فريق المعسكرين الصرحاء هزيمة منكرة. ولم تعد له أمثلة كثيرة في تاريخه القريب فاضطر إلى التسليم بل وفي بعض الأحيان رجع عن رأيه إلى آرائهم، وعن منهجه إلى منهجهم وتعود المجاراة بدل المقاومة، والمداراة مكان الصراحة فلم يعد هناك معسكران ولم يعد صراع. وإنما هو واحد ولا قتال.
وتعلم الجيل اللاحق من الجيل السابق فاختط خطته ونهج منهجه وأخذ الدرس عن أخيه الأكبر ففضل السلامة وبذلك اختنق النقد الأدبي في مهده وأصبح الأدب مدرسة واحدة يختلف أفرادها اختلافا طفيفا في العرض لا في الجوهر لا مدارس متعددة تتناحر وتتعاون وتتعادى وتتصادق.
ولا أمل في عودة النقد الصريح إلا ببذرة جديدة وروح جديد.
ولعل من أسباب ضعف النقد "السياسة" قاتلها الله فقد تدخلت فنصرت
стр. 284
الجمهور على القادة، وعاونت الرأي العام على المفكرين وما كان الجمهور والرأي العام ينتصران هذا النصر لو وقفت السياسة على الحياد ولو فعلت لكانت الحرب سجالا ولظل المعسكران في قتال.
ثم إن السياسة دخلت في الأدب ولونت الأدب بلونه السياسي ولم يستطع الناس التفرقة بين موازين الأدب وموازين السياسة فأفسد ذلك الأدب والنقد معا.
стр. 285
الفصل الخامس: الأدب بين التجديد والانحراف
بين زكي مبارك وزكي أبو شادي:
هذه واحدة من معارك الفكر بين التجديد والانحراف، في فترة غلبت فيها نزعة "التغريب" واتخذت سبلا غاية في الدقة واللباقة لتصل إلى إذاعة الآراء المنحرفة. فلقد كان الكتاب يتناولون موضوعات خطيرة بأسلوب غاية في النقاء والاعتدال ثم إذا بهم يزجون بين أحشاء هذه الأبحاث عبارات قليلة لها بريق ومظهر واجتمال وآخر ليثيروا البلبلة وكانت كل عناصر "التغريب" تكمن في إذاعة الآراء حول بعث فرعونية مصر وأصلها المسيحي السابق للإسلام، ومهاجمة الأزهر وعلماء الأزهر باسم مهاجمة الكنائس والمساجد معها، ومهاجمة الإسلام باسم مهاجمة الأديان جميعها. وإذاعة آراء "فرويد" لأنه يدعو إلى فرض الرأي الذي يقول بأن الجنس هو الدافع الأول للحياة ومقاومة الدعوة إلى القومية العربية بإذاعة آراء الإقليمية والتجزئة.
ولقد وقف الدكتور زكي مبارك من صديقه الدكتور زكي أبو شادي موقفا حاسما وعاه أبو شادي فتكلم عن حرية الفكر ونقل أصول كلماته المسمومة التي دسها في مقالاته وفصوله ليبين أنها جرت مجرى السياق وأنها لم تكن تستهدف غرضا معينا.
وهذه هي المعركة:
١- الدكتور زكي مبارك:
قرأت مقال الدكتور أبي شادي "عن فرويد" فلم يرضني وقرأت له مباحثات عن الدولة والدين فلم ترضني "نشرها الدكتور أبو شادي في مجلة أدبي" وما أحب للدكتور أبي شادي أن يتورط في مسائل تفسح المجال أمام الدساسين وما أحب له أن يفتح أعيننا على مأساة جديدة في عالم الأخلاق