← Адаб

Адаб · id 11546

المعارك الأدبية

أنور الجندي

Полный текст (707 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لأدبهم آخر، وكلهم قد أنتج في الأدب أثناء المحنة وفي الأدب الخاص الذي لا يتصل بالسياسة ولا يمت إليها بسبب, ومن منهم اتخذ السجن وسيلة إلى هذا الإنتاج. وبعد فليس السبيل على الذين أدوا واجبهم الأدبي كما استطاعوا وما زالوا يؤدونه كما يستطيعون، وإنما السبيل على الذين يتاح لهم الهدوء ويستمتعون بالبال الرضي والحياة المستقيمة المطمئنة ثم لا ينقدون لأنهم لا يقرءون، أولا ينقدون لأنهم يقرءون ويشفقون إن أعلنوا آراءهم أن يتنكر لهم الناس وأن يسلقهم أصحاب الكتب بألسنة حداد. ٣- أحمد أمين: شرحت وجهة نظري في بعض وجوه العيب في النقد العربي من ناحيتهم العامة. فإن١ أراد أخي طه أن يحورها من عمومها إلى شخصياتها وينقل المسألة من النقد الأدبي إلى النقد السياسي ويجعل الأمر يدور حول أنا وأنت ونقدت ولم تنقد، وكتبت ولم تكتب، وبئست ونعمت، وشقيت وسعدت لم أجاره في ذلك، ووقفت حيث أنا إلا أن يعود إلى أساس النظرية ويقرع حجة بحجة وبرهانا ببرهان فإني إذن أساجله القول حتى ينجلي الحق ويظهر الصواب. ٢- إني أقارن٢ بين النقد من نحو عشرين عاما والنقد الآن فأجده ليس خاضعا لسنة النشوء والارتقاء. بل لسنة التدهور والانحطاط حتى وصل إلى حالة من العجز يرثى لها.

стр. 282

فقد كان الكتاب إذا ظهر هبت الصحف والمجلات لعرضه ونقده فاللغوي ينقد نقدًا لغويا والمؤرخ ينقده نقدا تاريخيا والأديب ينقده نقدًا أدبيا وتثور معركة حامية بين أنصار الكتاب وأعداء الكتاب. ولست أنسى ما كان يقوم به الأستاذ إبراهيم اليازجي في نقده لمجاني والأدب وأقرب الموارد كما لست أنسى ما نقد به كتاب التمدن الإسلامي وكان شوقي أو حافظ يقول القصيدة فيقوم ناقد معترض يبين معايبها، ومادح مقرظ يبين محاسنها ومن هذا وذاك يستفيد الأديب ويرقى الأدب. وكان يؤلف الكتاب الذي مثل كتاب الإسلام وأصول الحكم فتنشب معارك حامية وينقسم المفكرون إلى معسكرين. تعال فانظر معي الآن إلى ما وصلنا إليه. لقد كثرت الكتب يخرجها المؤلفون وأصبح الإنتاج الأدبي أضعاف ما كان. ولكن من الغريب أن تحدث هذه الظاهرة وهي رقي الأدب وانحطاط النقد. ولكن ما هي علامات هذه الظاهرة في الأدب العربي؟ أهمها أن النقد الصريح الصحيح يحتاج إلى شجاعة أدبية قوية من الناقد ورحابة صدر من المنقود وقد حدث في تاريخ مصر الحديث أن جماعة تسلحوا بالشجاعة الأدبية في مصر فألفوا كتبا عبروا فيها أن آرائهم في جلاء ووضوح وكتبوا مقالات تعبر عما يختلج في نفوسهم وإن لم تكن على هوى الجمهور، ونقدوا أدب الأدباء وإن بلغوا القمة في نظر الناس فكان صراع بين القديم والحديث وبين التفكير الحر والتقاليد ولكن هذا الصراع انتهى بهزيمة هذه الطليعة من المعسكرين وتعرضوا للخطر في

стр. 283

مناصبهم وأرزاقهم. ونالوا من العسف والعتب ما ليس في طاقتهم. وهذا يحدث مثله في كل أمة من الأمم الأوروبية ولكن كان هناك فرق كبير بيننا وبينهم. ذلك أن أصحاب الرأي الجديد في البلاد الراقية إذا أوذوا في العصر الحديث رأينا من مقلديهم وأتباعهم في الرأي من يمدونهم بالمال والمعونة. أما في مصر فقد شعر القائمون بهذه الحركة الجديدة أنهم أصيبوا في سمعتهم وفي منصبهم وفي مالهم ثم رأوا أن أتباعهم تخلوا عنهم في أوقات الضيق ومن عطف عليهم منهم فعطف أفلاطوني، عطف يتبخر، عطف لا يمكن أن يتحول إلى مال أو مجهود. وكان الرأي العام قويا مسلحا فتغلب وانتقم وأصبحت له السلطة التامة. وانهزم أمامه فريق المعسكرين الصرحاء هزيمة منكرة. ولم تعد له أمثلة كثيرة في تاريخه القريب فاضطر إلى التسليم بل وفي بعض الأحيان رجع عن رأيه إلى آرائهم، وعن منهجه إلى منهجهم وتعود المجاراة بدل المقاومة، والمداراة مكان الصراحة فلم يعد هناك معسكران ولم يعد صراع. وإنما هو واحد ولا قتال. وتعلم الجيل اللاحق من الجيل السابق فاختط خطته ونهج منهجه وأخذ الدرس عن أخيه الأكبر ففضل السلامة وبذلك اختنق النقد الأدبي في مهده وأصبح الأدب مدرسة واحدة يختلف أفرادها اختلافا طفيفا في العرض لا في الجوهر لا مدارس متعددة تتناحر وتتعاون وتتعادى وتتصادق. ولا أمل في عودة النقد الصريح إلا ببذرة جديدة وروح جديد. ولعل من أسباب ضعف النقد "السياسة" قاتلها الله فقد تدخلت فنصرت

стр. 284

الجمهور على القادة، وعاونت الرأي العام على المفكرين وما كان الجمهور والرأي العام ينتصران هذا النصر لو وقفت السياسة على الحياد ولو فعلت لكانت الحرب سجالا ولظل المعسكران في قتال. ثم إن السياسة دخلت في الأدب ولونت الأدب بلونه السياسي ولم يستطع الناس التفرقة بين موازين الأدب وموازين السياسة فأفسد ذلك الأدب والنقد معا.

стр. 285

الفصل الخامس: الأدب بين التجديد والانحراف بين زكي مبارك وزكي أبو شادي: هذه واحدة من معارك الفكر بين التجديد والانحراف، في فترة غلبت فيها نزعة "التغريب" واتخذت سبلا غاية في الدقة واللباقة لتصل إلى إذاعة الآراء المنحرفة. فلقد كان الكتاب يتناولون موضوعات خطيرة بأسلوب غاية في النقاء والاعتدال ثم إذا بهم يزجون بين أحشاء هذه الأبحاث عبارات قليلة لها بريق ومظهر واجتمال وآخر ليثيروا البلبلة وكانت كل عناصر "التغريب" تكمن في إذاعة الآراء حول بعث فرعونية مصر وأصلها المسيحي السابق للإسلام، ومهاجمة الأزهر وعلماء الأزهر باسم مهاجمة الكنائس والمساجد معها، ومهاجمة الإسلام باسم مهاجمة الأديان جميعها. وإذاعة آراء "فرويد" لأنه يدعو إلى فرض الرأي الذي يقول بأن الجنس هو الدافع الأول للحياة ومقاومة الدعوة إلى القومية العربية بإذاعة آراء الإقليمية والتجزئة. ولقد وقف الدكتور زكي مبارك من صديقه الدكتور زكي أبو شادي موقفا حاسما وعاه أبو شادي فتكلم عن حرية الفكر ونقل أصول كلماته المسمومة التي دسها في مقالاته وفصوله ليبين أنها جرت مجرى السياق وأنها لم تكن تستهدف غرضا معينا. وهذه هي المعركة: ١- الدكتور زكي مبارك: قرأت مقال الدكتور أبي شادي "عن فرويد" فلم يرضني وقرأت له مباحثات عن الدولة والدين فلم ترضني "نشرها الدكتور أبو شادي في مجلة أدبي" وما أحب للدكتور أبي شادي أن يتورط في مسائل تفسح المجال أمام الدساسين وما أحب له أن يفتح أعيننا على مأساة جديدة في عالم الأخلاق

стр. 286

سأحاسب الدكتور أبا شادي على مقاله بأقسى ما يكون من العنف ولكن على شرط يتيح له الدفاع عن نفسه في حدود المنطق. لقد عرفت وعرف الجمهور أن فريقا من خصومك شكوك إلى النيابة العمومية وقال بعض المطلعين أن مشيخة الأزهر اهتمت بدرس ما نشرته في مجلتك. أأنت الذي قلت في مجلتك "إن جميع أبناء مصر أقباط صميمون أغلبيتهم أسلمت بحكم الفتح العربي"؟ أأنت الذي قلت ذلك؟ إن كنت قلته فأين الدليل؟ أين دراستك التاريخية؟ أين اطلاعك على تفاصيل ما ظفرت به مصر بفضل الإسلام؟ أين ما روى التاريخ حين حدثنا أن والي مصر كتب إلى عمر بن عبد العزيز يخبره أن حالة مصر في خطر لأن الأقباط سارعوا إلى الإسلام؟ فقال: "إن رسول الله بعث هاديا، ولم يبعث جابيا" لنفرض جدلا أن أكثر الأقباط أسلموا بحكم الفتح العربي. فهل من الذوق أن تقول ذلك وأنت رجل مسلم اسمه أحمد، إن هذه سقطة ذوقية يجب أن تستغفر منها الذوق إن لم تستغفر الحق، ومن موجبات الأسى أن هذه السقطة الذوقية، تردى منها من قبلك رجل مسلم اسمه طه حسين في مقال كتبه في جريدة كوكب الشرق ولكنه حوسب على ذلك حسابا عسيرًا وهدده أهل سوريا بإحراق ما يوجد من مؤلفاته في مكاتب دمشق. أأنت الذي قلت في مجلتك بوجوب هدم الأزهر وهدم الكنيسة ليحيا المصريون حياة مدنية؟

стр. 287

أأنت قلت ذلك؟ وقد نقل ما كتبته في مجلتك إلى المجلة الجديدة "مجلة سلامة موسى هداه الله" وسلامة يسره أن ينشر في مجلته ما خططته، بقلمك في مجلتك وليس عنده ما يمنع من هدم الأزهر وهدم الكنيسة تأسيا يقول الشاعر: اقتلوني ومالكا ... واقتلوا مالكا معي ولكن أتعرف ما يكون لو هدمت الكنيسة وهدم الأزهر في يوم واحد أتعرف النتيجة أيها المسلم الذي اسمه أحمد والذي يرتفع نسبه إلى الحسين، تكون النتيجة أن يهدم الأزهر ثم لا يبنى أبدًا لا قدر الله ولا سمح، أما الكنيسة فتهدم، ثم تبنى من جديد على قواعد أمتن وأرسخ. من أين جاءكم هذا التسامح يا أبناء اليوم؟ من أين جائتكم هذه الغفلة يا شعراء الجيل؟ أنت تشير بهدم الأزهر يا أبا شادي؛ ولم ذلك؟ أتستكثر أن يقوم أولئك المشايخ بنشر الثقافة الإسلامية والثقافة العربية ويرفعوا رأس مصر في العالمين١. أمن القليل في مجد مصر أن يذكر اسمها في كل لحظة بين أهل الشرق والغرب بفضل الأزهر الشريف؟ سيطول بلاؤك يا أبا شادي حين تذهب الثقافة الأزهرية إلى من يستند الأدب الحق حين ينقرض هذا النوع من التثقيف.

стр. 288

والأزهر مدرسة. ومن مجد الإسلام أنه يرى الدرس أفضل من العبادة لأن الإسلام منذ نشأ يحمل طابع المدنية، ويجعل المساجد معاهد للدرس والتثقيف. وليس في الدنيا كلها أمة متدينة دعت إلى العلم كما دعت إليه الأمة الإسلامية والمسلمون هم وحدهم الذين لا يفرقون بين المدنية والدين. ٢- "قال زكي أبو شادي عن فرويد إنه الرسول الجديد": وهاجمه زكي مبارك وقال: إن الجزء الأعظم من فلسفة فرويد تنتهي إلى غاية واحدة هي أن الناس جميعا متأثرون بالغريزة الجنسية في جميع المعاملات أما الأنبياء فهم ميادين أخرى، الأنبياء يفهمون أن الناس لا يعيشون للجسد وبالجسد إلا وهم حيوانات. ليست النيابة العمومية التي تملك تقويمك وإنما يملك تقويمك من يفهم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

стр. 289

٢- زكي أبو شادي: كتب١ زكي مبارك مقالا في البلاغ خصه بما سماه "الدمامة الخلقية البشعة" التي تتمثل في كيد الأدباء بعضهم لبعض. وقد أضحكني أن واحدا من أولئك المساكين الكائدين أضاع معظم الساعات التي ينفقها عادة في دعايته لنفسه يستعدي على النيابة ومشيخة الأزهر وغيرهما فليفهم هذا القزم وأمثاله أن كاتب هذه السطور بعد معالجته الأدب زهاء ثلاثين عاما ليس في حاجة إلى من يفهمه ما هي أحكام القانون في الكتابة ولا ما هو واجب الأدباء في احترام عقائد الناس ولا ما هو مبلغ سياج الحرية الفكرية التي يحميها الدستور. إن المقال الذي أشار إليه صديقي نشر في مجلة المهذب. وقد أعيد نشره بعد ذلك بزمن طويل في مجلة "أدبي" لأني اعتدت أن أجمع فيها شعري وبحوثي. وبديهي أننا لو أخذنا نحاسب جميع الكتابات الأدبية والفلسفية والكتابات العلمية على أساس ذلك التخريج العجيب لا ينتهي الأمر بالطعن فيها جميعا وعلى الأخص الكتابات الصوفية، وأن ما ذكرته عن فرويد ونتائج أبحاثه التي تعارض الدين على الأقل في ظاهر الأمر لا علاج لها سوى قيام المتنورين من علماء الدين "ولا أعني بذلك علماء الإسلام وحدهم" للرد النابه عليها بدل العادة القديمة في طلب مصادرة كل ما لا يرضيهم.

стр. 290

ليس لمشيخة الأزهر ولا لغير الأزهر ذرة من الحق في محاسبتي على مذهبي الديني وتفصيل عقيدتي. فليس الذي يلخص آراء فرويد ونتائجها في نزاهة كما يراها العلماء الأوربيون مع الحرص على الإشارة إلى اختلاف أصحاب الأديان، مثل هذا الرجل لا يجوز أن تقام له محكمة تفتيش إسلامية سنة ١٩٣٦ إذ لا محل لقيامها من الناحية الدستورية ولا من ناحية الإسلام نفسه الذي سامح في أزهر عصوره حتى مع العقائد المخالفة له نهاية التسامح. أما هذه الوصاية الممقوتة على آراء الناس التي يتهافت عليها طائفة بين شيوخ الأزهر فأمر لا يليق لا بكرامة الإسلام ولا بكرامة الأزهر. وإذا سكت عنه مؤلف أو أكثر بين الحسرة والألم فلن يسكت عنه كاتب هذه السطور بقية حياته التي وهبها لتحرير الفكر والوطن لا لعبودية الجمود والرجعية. ولا يفوتني أن أذكر أن بين الأزهر وكاتب هذه السطور خصومة قديمة ترجع إلى اعتبارات نقدية فلو تقرر أن يكون الأزهر حكما قانونيا لوجب حتما رده. ٣- لا يجوز حمل تعابيري الشعرية في مقال عن "فرويد" على المحمل الذي ذهب إليه إذ ليس من المعقول أخذ هذه التعابير على حرفيتها ولولا الجو الذي خلقه حب الكيد لي لما رأى أحد فيها شيئا. وهذا الجو نفسه مسئول عن نظرات صديقي الدكتور إلى فقرات أخرى من كتابتي بحيث أخرجتها تماما عن دائرة تفكيري.

стр. 291

إن قولي "لا أؤمن بقيام وحدة وطنية سليمة إلا إذا توافرت عوامل الاندماج في الأمة ومن حسن حظ الأمة المصرية أنه من الناحية الوطنية لا توجد فيها أكثرية وأقلية؛ لأن جميع أبناء مصر أقباط صميمون أغلبيتهم أسلمت بحكم الفتح العربي وأقليتهم بقيت على مسيحيتها التي كانت حنيئذ دين الشعب المصري" إن هذا القول لا يتعارض بتاتا والروح النقية التي أبداها عمر بن عبد العزيز. وليس هو مذكورا في معرض بيان أسباب إسلام المسيحيين المصريين إذ أن هذا خارج عن موضوعي وليس فيه أي انتقاض للإسلام إذ لولا الفتح العربي لما عرف أقباط مصر شيئا عنه وتهيئوا للدخول في الإسلام حتما نظرًا للعصبية الدينية الهائلة من النصارى حينئذ، وإنما سقت هذا القول إشارة إلى أن أصل المسلمين والمسيحيين واحد بالدليل العلمي الذي أثبته الدكتور محمد شرف بك في فحص دمائهم وهو أن الجميع أقباط ومن شعوب البحر الأبيض المتوسط. ٤- لا أعرف إني قلت بهدم الأزهر وهدم الكنيسة ليحيا المصريون حياة مدنية إنما هذا ما قلته بالحرف الواحد. "وإننا نغتبط بكل حركة إصلاحية يستفيد منها الأزهر والكنيسة القبطية ولكن عنايتنا بكليهما يجب أن تكون محدودة ويجب أن توجه العناية الكبرى إلى تهذيب الروح المدنية في الشعب. ٥- إني أتمنى على صديقي الدكتور زكي مبارك أن يبقى حسن ظنه في كاملا ثم يراجع كتاباتي فسيجد لها معان جد مختلفة عما ساقته إليه حماسته الدينية في الجو الشاذ الذي خلقه الكائدون. والمضحك المحزن أني بالرغم من اعتدال أسلوبي وعفة قلمي وحرصي

стр. 292

على نزاهة القصد يعاب على ما تعرضه ثقافتي من تلخيصات فلسفية أدبية لقرائي كأنما الواجب أن أحتفظ بمعارفي لنفسي وأحتقر أبناء المصريين الذين يجهلون اللغات الأوروبية. ٦- إن لغتنا الشرعية محرومة من مئات التصانيف الذائعة في شتى اللغات الحية والميتة في نفس بلادنا، لا لسبب سوى أن حركة النقل إلى اللغة العربية غير مشجعة ولا تنال التصفيق والتعطيل والتزمير إلا النقل من الكتب القديمة من أساسات التثبيط المقاد والتقليدية العنيفة التي يبديها بعض الجامدين. وما دامت هذه الحالة المخزية فليست لها أي معنى سوى أنها سترتد بفكرنا إلى حياة القرون الوسطى وسيكون للأهواء لا للقوانين العليا الحكم في تكييف الثقافة والأفكار. إن الأيدي المصرية المتعلمة تتداول مئات الكتب الأدبية التي لا يجوز ترجمة واحد منها لما فيها من الفكر الحر وإن جاء في أدب واتزان مع أن الخير كل الخير في ترجمتها وإثارة النقاش الأدبي والفكري. ٧- وظاهرة أخرى عجيبة تقرأها في كتابات من يتصدرون للنقاش وهي الجهل التام بحقائق التاريخ والعلوم والآداب الحديثة مع أنهم لو شجعوا النقل الوافي إلى لغتنا ثم التفتوا إلى الرد على ما لا يعجبهم من هذه الترجمات لجاءوا لنا بردود أقوى وأحكم, لا بمهازل سخيفة يبرأ منها الدين والعلم والأدب معا.

стр. 293

الفصل السادس: هل نقتبس أم نقلد ؟ بين منصور فهمي وطه حسين: قال زكي عبد القادر معلقًا على حديث الدكتور طه من التعليم الجامعي١ في مصر ومقارنته بفرنسا "أما الزج٢ بفرنسا وغيرها من البلاد الغربية حين يكون الكلام خاصا بمصر فكم كنت أود لو أعفانا منه الدكتور طه فإن مصر لن تكون كفرنسا وفرنسا لن تكون كمصر. والأسلوب الذي تتناول به فرنسا مشاكلها لا ينبغي أن يكون هو الأسلوب الذي تتناول به مصر مشاكلها. فإن لنا مشاكلنا الخاصة، لنا حاجتنا وبيئتنا وشعبنا وتاريخنا ونهرنا وصحراؤنا, ولنا أخيرًا عقولنا وثقفاتنا فلنعالج مشاكلنا على الأسلوب الذي نراه إلى أدنى تحقيق مصالحنا. فرد طه حسين عليه ٣ وقال: إنما أكتب اليوم لأني أرى في تفكيرنا الاجتماعي والتعليمي شيئا من العوج وأود أن نلتفت إليه ونعنى بتقويمه، فمن أشد الأشياء خطرا أن نفكر في شئوننا الاجتماعية والثقافية تفكيرا معوجا، ثم نقيم على هذا التفكير نتائج ذات خرط ثم نتخذ هذه النتائج أصولا للإصلاح الاجتماعي والثقافي. ولأضرب لذلك مثلا قريبا جدًا فالأستاذ زكي عبد القادر يريدني على ألا أذكر فرنسا ونظمها التعليمية لأن فرنسا ليست مصر ولأن ظروف فرنسا

стр. 294

ليست ظروف مصر، وهذا كلام يستقيم في ظاهره كل الاستقامة ولكنه لا يثبت للتحقيق، فإذا كان من الحق ألا نذكر فرنسا وألمانيا وإنجلترا. فقد يكون من الحق ألا نفكر في التعليم الإلزامي ولا في التعليم الجامعي الحديث، ولو أننا أردنا أن نلاحظ ظروفنا الخاصة وألا نلاحظ غير هذه الظروف فقد كان حقا علينا أن نكتفي بما كان عندنا من ألوان التعليم قبل أن ننظم الصلات بيننا وبين أوربا بتعليم الكتاتيب وتعليم الأزهر الشريف فقد عشنا قرونا على هذا اللون من ألوان التعليم حتى كون شخصيتنا أو كون جزءا عظيما من هذه الشخصية. ولكننا منذ أوائل القرن الماضي نظرنا إلى أوربا واتخذناها مثلا نحتذيه ونقلده، فاستعرنا منها فكرة التعليم الإلزامي ومجانيته وفكرة التعليم الجامعي العالي. أترى إلينا ننظر إلى أوربا نظرا متصلا ونقلدها تقليدًا مستمرًا وننكر في الوقت نفسه النظر إلى أوربا والانتفاع بما خضعت له من التجارب وما اختلف عليها من الحظوظ. منصور فهمي ١: أكاد أرجع أكثر الخصومات في الرأي حول مشاكلنا الاجتماعية إلى علة واحدة, تلك هي "الرغبة في تقليد الغربيين أو كراهية هذا التقليد". أقرأ لزميلي الدكتور طه حسين مقالا حديثًا من مقالاته في جريدة الأهرام فأجد ما يأتي "لكننا منذ أوائل القرن الماضي نظرنا إلى أوربا واتخذناها مثلا نحتذيه ونقلده، فاستعرنا منها فكرة التعليم الإلزامي ومجانيته وفكرة التعليم الجامعي العالي, أترى إلينا ننظر إلى أوربا نظرا متصلا

стр. 295

ونقلدها تقليدا مستمرا وننكر في الوقت نفسه النظر إلى أوربا والانتفاع بما خضعت له من التجارب ولما اختلف عليها من الحظوظ". وطالما قرأت لغيره من ذوي الرأي وسمعت منهم حين يتحدثون في اتخاذ طرائق الغربيين أو تجنبها، ما يخالف رأي الأستاذ الصديق ويغايره، وعندئذ يتردد إلى خاطري سؤال فأقول في نفسي: أيهما يا ترى أهدى إلى الحق وأدنى إلى سبيله؟ أذلك الذي يجد أن حياتنا الاجتماعية تظل في عوج واضطراب ما دمنا لا نحتذي أثر الغرب ونقدم على اصطناع مثله في صراحة وعزم؟ أم ذلك الذي يرى أن أمتنا ليست كأمم الغرب في كل شيء، وأن اتخاذ أكثر من نظم الغربيين لا يجدي في رقينا وإسعادنا، وقد يعود علينا بالشقوة والخسران؟ وفي الحق أنني طالما عجزت عن الجواب على هذا السؤال، وتولتني منه حيرة من هذه الحيرات التي تتجمع فيها النفس لتستعين بالله عساه يقرها إلى رأي ويسكنها إلى مذهب تجد عنده راحة اليقين وتتخلص به من ألم الحيرة. كدت أشعر أحيانا بدافع إلى الميل لرأي زميلي طه فهؤلاء ذوو الشأن فينا يتأثرون بالغربيين في غير هوادة ولا مبالاة، فأوربا إمام في التعليم وأوربا إمام في أكثر مسائل التشريع، وأوربا إمام في أكثر مظاهر الأخلاق والنظم وقد يجرنا القادة إلى اتباع أوربا فيما هو أبعد الأمور عن طباعنا, فهل من المستطاع حقا بعد ذلك أن يسهل علينا الرجعة والنكوص؟ سبحانك اللهم, أي السبيلين لنا فيه هدى وتوفيق؟ على أنني بعد هذا الجذب الذي يراد به تقريبي إلى ما يقولون. أعود فأستمع من أعماق القلب صوتا مدويا يشق سبيله إلى عقلي الحائر فأقول إلى

стр. 296

نفسي "سبحانك اللهم فليست بيئتي التي أعيش بها ولها وفيها هي بيئة الغرب. فهذه سماؤها غير سماء الغرب وهذه تربتها غير تربته وهذا موقعها في ملكوت الله غير موقعه. وهذه لغتنا غير لغته وما ورثناه من عادات ومحن وظروف وصروف غير ما ورث الغرب. فتكون مكنوناتنا، ومميزاتنا غر مميزاته وظورفنا وصروفنا غير ظروفه وصروفه، ثم يراد بنا على أن نكون كالغربيين ويحاول داعية صريح، أن يقنعنا بأن نتخذ من الغرب إماما نأتم به في كليات ما يسير عليه الغرب وفي جزئياته؟ عفوك اللهم وهداك، إن نفسي وعقلي مازالا راغبين في سبيلها، بل إن النفس لتدعوني أن أحتفظ بالخصائص التي أراد الله أن يميز بها أمة أنا من بينها وأن أتمسك بميراث انحدار إلى بلدي من قرون. وأن أستوحي به تاريخي وأن أستلهم ما يلهمني به جو بلادي وما تلهمني به تلك الأرواح الخفية الحائمة في سماواته". عند سكون نفسي إلى هذه النزعة أعود فأهمهم في شدة وحماسة: لسنا من الغرب في شيء. وإنها لكبيرة أن ننتهج في كل شيء سبيل الغربيين فللتقليد حدود فما هي يا ترى حدوده؟ ".

стр. 297

الفصل السابع: معركة فقدان الثقة بين الدكتور محمد حسين هيكل وطه حسين: عندما أصدر الدكتور هيكل كتابه "ثورة الأدب" استقبله الدكتور طه استقبالا حافلا كعادته في استقبال كتب رصيفه، غير أن الدكتور طه لم ينس بذور الخلاف التي كانت قد نشأت بينه وبين زميله القديم، وهو خلاف جوهر يتعلق بصميم العقيدة والتفكير والاتجاه، ذلك أن هيكل رأى أن الغرب قد خدعنا عن نفسه حتى تكشف لنا أنه إنما يهدف إلى تغريب الشرق وقد ظهر حين أصدر المستشرق "جب" كتابه "وجهة الإسلام" الذي كان بعيد الأثر في تحول تفكير هيكل ولكن طه حسين الذي ظل مصرا على أرائه انتهز الفرصة ليعاقب الدكتور هيكل في هذا التحول وهكذا درات هذه المعركة التي تعد نقطة ارتكاز في تمزق تيار المدرسة الحديثة. من طه إلى هيكل: وهكيل كالسيل إذا عرض لموضوع اندفع فيه فجاء بالجيد الكثير ولكن لا يسلم أحيانا من العثار فكثيرا ما يتورط في الخطأ لأنه يسرع ولا يتكلف التحقيق والتثبت. وتستطيع أن تأخذ هيكلا بطائفة غير قليلة من الخطأ الذي مصدره الإهمال والسرعة وشيء من الازدراء لتحقيق المحققين، متفق أننا بعد هذا كله مع هيكل في آرائه كلها حول القديم والجديد، ما أظن إلا أننا نتفق في أكثرها ونختلف في أقلها، ولعل اختلافنا أن يكون ناشئا من شيئين: أحدهما هذا الإهمال الذي أخذ به هيكلا والذي يدفعه إلى المبالغة ويضطره إلى التقصير أحيانا، والثاني أن هيكلا رجل أديب. ولكن اشتغاله المتصل بالسياسة قد أثر في تصوره للأشياء وحكمه عليها بعض الشيء. فهو يسرف حين يسيء الظن بما يكتبه الأوروبيون عنا حين يمسون حياتنا الأدبية ويسرف أيضا حين يحسن الظن بنا وبحظنا من الخيال وقدرتنا على الإنتاج.

стр. 298

ولكنه رجل سياسي حين يكتب في الأدب يريد أن يدافع عن مصر والشرق كما يفعل في السياسة، أما أنا فأريد أن أدافع عن مصر والشرق، وأريد أن أرضي مصر والشرق ولكن بشرط ألا يورطني هذا في تغيير الحقائق العلمية أو مسها بشيء من التشويه ولو قليلا. من هيكل إلى طه: وقد لاحظت يا أخي أن اشتغالي المتصل بالسياسة قد أثر في تصوري الأشياء وفي حكمي عليها بعض الشيء وذكرت لذلك مثلين: أحدهما، أني أسرفت حين أسأت الظن بما يكتبه الأوروبيون عن حياتنا الأدبية بينما أنت تظن أن جب وأمثاله لا يأخذون السياسة وأهواءها مقياسا لدراساتهم الأدبية والثاني إني أسرفت حين أحسنت الظن بنا وبحظنا من الخيال وقدرتنا على الإنتاج وإني فعلت ذلك لأرضي المصريين والشرقيين في الأدب كما أفعل في السياسة وأنك أنت ترى هذا شرا لأنه تغيير للحقائق العلمية وإني أؤكد لك أن في الحقائق العلمية أثر عندي أنا أيضا من كل شيء ومن كل إنسان. وإن كان اشتغالي بالسياسة قد أثر في تصوري الأشياء وفي حكمي عليها فإنما كان أثره أن زادني تقليبا للأشياء وامتحانا لها وتعمقا في بحث ما تنطوي عليه وما ترمي إليه وإذا كانت الأهواء السياسية ليست هي التي توجه دراساتهم فدراساتهم يقصد بها في كثير من الأحيان إلى خدمة تلك السياسة. وما أحسبك تخالفني يا صديقي في أن كتاب "وجهة الإسلام" الذي ألفه خمسة من كبار المستشرقين المشتغلين بالأدب الحديث في بلاد الشرق المختلفة، إنما هو كتاب سياسة مداه بحث ما وصلت إليه أوربا مما يسميه الأستاذ جب "تغريب الشرق" وما يرجى لهذا التغريب في المستقبل من نجاح

стр. 299

وأنا لا أعيب هؤلاء العلماء بهذا بل أحسدهم عليه أعظم الحسد فهم به يخدمون أوطانهم ويخدمون العلم ويخدمون الحقيقة من ناحية سياسة بلادهم ومن ناحية الحضارة الغربية التي يريدون أن تظل المدينة الحاكمة في العالم. وهذه الخدمة الجليلة التي يقومون بها لأوطانهم وللعلم ولحضارتهم حقيقة علمية يسر لي اشتغالي بالسياسة الوقوف عليها ولو أنك انقطعت للسياسة يا صديقي انقطاعي لها وأفنيت من تفكيرك ما أفنيت أنا لوافقتني على هذه الحقيقة ولم تتهمني بالإسراف إذ علمتها. أما إني أسرفت متأثرا باشتغالي المتصل بالسياسة في حسن الظن بنا وبحظنا من الخيال وقدرتنا على الإنتاج فأحسب صديقي يوافقني على أنه إذا زالت عوامل الفتور والضعف مما أشرت إليه في تضاعيف كتابي لما كان فيما قلت شيء من الإسراف. يومئذ يكون القول بقصورنا في الخيال وفي القوة على الإنتاج تجنيا على هذه البلاد وعلى الحقيقة، هذا إلا أن تكون يا صديقي من الذين يقولون بأن الأوروبيين ينتمون إلى الجنس الآري، وهم لذلك أرقى منا ونحن ننتمي إلى الجنس السامي بالطبع. وما أحسبك تقول بهذا أو تعتبره حقيقة كما يود بعض العلماء في أوربا اعتباره بل أحسبك ترى هذه حقيقة سياسية يراد بترويجها "تغريب الشرق" والقضاء عليه بأن يبقى خاضعا للغرب إلى الأبد.

стр. 300

اعترافات الدكتور هيكل ١: والآن علنا أن نستعرض القضية من أولها ذلك أن هذا التحول كان بعيد الأثر في الفكر العربي المعاصر وهو ليس هينا على النحو الذي يبدو من المساجلة ولكنه كان عميقا وخطيرًا بالنسبة للمثقفين الذين سافروا إلى أوربا واعتنقوا مذاهب الغرب في الفكر ثم فقدوا ثقتهم في هذا الفكر فيما بعد ولذلك يعرض هيكل هذه القضية عندما أصدر "جب" كتابه وجهة الإسلام قال: عاد هؤلاء "المبعوثون من شباب العرب" إلى بلادهم يبشرون بالحضارة الغربية، لكنهم ما لبثوا أن صدمتهم ظاهرتان عجيبتان أثارتا دهشتهم لتناقضها مع أصول الحضارة الغربية تناقضا بينا، الأولى هذه الحرب المنظمة التي يقوم بها الاستعمار الأوروبي لحرية العقل حرية مستندة إلى النظام الجامعي الذي يقرر البحث العلمي الطليق من كل القيود سواء أكانت دينية أم غير دينية والمستند إلى القواعد العلمية الصحيحة. وقد راعهم من هذه الحروب أنها لم تكن تقبل هوادة قط وأن ممثل إنكلترا في مصر لم يكن يأبى أن يكتب في تقاريره أن مصر بغير حاجة إلى علماء بالمعنى الغربي وإنما هي بحاجة إلى موظفين مطواعين. والظاهرة الثانية: انتشار المبشرين الغربيين في كل مكان في المدن الكبيرة والصغيرة بل في القرى يدعون إلى المسيحية ولا يأبون التعريض بالإسلام. وبالرغم من هاتين الظاهرتين ظل هؤلاء الشبان يدعون إلى الحضارة الغربية مستندة إلى أصلها الصحيح. أي إلى حرية البحث ونزاهة العلم ويدعون إلى ذلك في حرارة لم تكن من شأن الجامدين على التقليد الديني الذين رموهم بالإلحاد، إلا أن زادها قوة استعارا، ولكن مرور الزمن فتح عيونهم على حقيقة أخرى لم تكن أقل إثارة لدهشتهم من

стр. 301

الظاهرتين اللتين قدمتا. فما يصدر الغرب للشرق من آثار حضارته قد وقف أو كاد عند أسوأ ثمرات هذه الحضارة وعندما كان يؤتى بلاد الغرب من الربح المادي ما يمده بأسباب الرخاء والترف. فتجارة الرقيق الأبيض والكحول ومواد الزينة واللهو وجوقات الهذر المسرحي كانت أول ما يصدم الناظر لآثار الغرب في الشرق. ولم يقدم الغرب إلى جانب هذا من صالح ثمرات حضارته ما يستر سوآتها هذه، بل هو كما قدمنا قد وقف حائلا دون سرعة انتشار العلم الصحيح مما كان هؤلاء الشبان يجاهدون بكل ما يدخل في حدود طاقتهم لنشره والتمكين له. ثم كشفت تعاقب السنين من بعد الحرب عن الحقيقة المؤلمة المضنية، فقضية أوربا التي حاربت في سبيلها أربع سنوات تباعا والتي بذلت فيها مهج أبنائها وملايين ما كدست من الثروة على السنين، لم تكن إلا قضية الاستعمار ومن يكون له حق التوسع فيه دول الوسط أمام الخلفاء، ثم بدت حقيقة أشد من هذه الحقيقة مرارة وإيلاما، تلك أن الغرب الذي تزعم دولة أنه تحرر من قيود التعصب الديني ما زال يذكر الحروب الصليبية التي نشبت خلال القرون بين المسيحية والإسلام. وإن كلمة لورد اللنبي يوم استولى على القدس وقوله أن الحروب الصليبية قد انتهت كانت تعبر عن معنى يجول بخاطر الدول الأوروبية جميعًا. في ظل هاتين الحقيقتين الأليمتين جعلت دول الغرب التي وضعت يدها على العالم الإسلامي تمد في أسباب الجمود الديني عن طريق الجامدين المتعصبين لتزيد الشعوب الإسلامية جمودًا ليزيدها الجمود ضعفا, وجعلت تحمي الجماعات التبشيرية الدينية وتمدها بكل ما تستطيع من قوة وتحاول أن تحطم كل قلم وكل رأس يقف في وجه هؤلاء وأولئك.

стр. 302

هنا اليقظة المرعبة، يقظة هؤلاء الشبان الذين درسوا في أوربا وجاءوا ينشرون في البلاد الإسلامية لواء حضارة الغرب، ما هذا؟ إلى أي حضيض يهوي أهل الحضارة؟ كيف تطوع لهم ضمائرهم أن يستخدموا العلم الإنساني لإذلال الإنسانية وإهدار كرامتها؟ وكيف تظل أوربا على تعصبها الديني الذي انبعثت جنودها في القرون الوسطى باسمه لمحاربة المسلمين؟ وكيف تسيغ أوربا في سبيل الحياة المادية وترفها أن تحول بين شعوب كاملة. بل بين عالم بأسره وبين النور القدسي الذي يضيء به الله الأرواح والقلوب عن طريق العلم والمعرفة وكيف تطمع المسيحية في أن تكتسح الإسلام وهو أسمى الأديان التي دعت إلى الحرية الحقة ما أخذ في صفاء جوهره وما نفيت عنه هذه الترهات التي أضيفت إليه على أنها منه وليست منه. وقامت لذلك في نفوس الذين ألقي إليهم النهوض بأعباء الحركات القومية التي اهتزت بها أمم الشرق في أعقاب الحرب ثورة على هذه الأساليب التي لجأ إليها الغرب، وجعل كل يفكر. والذين يقومون بأمر الصحف في الشرق ويؤيدون هذه الأفكار الثائرة على الغرب وعلى استعماره وتبشيره كثرتهم الساحقة إن لم نقل كلهم من الذين تعلموا علوم الغرب وكانوا يبشرون بحضارته ومن الذين يؤمنون ما يزالون بأن الأساس الذي قامت عليه: حرية العقل والتفكير وحرية البحث العلمي هو خير أساس تقوم عليه حضارة على أن لا ينكر هذا الأساس حاجات الروح للاتصال بالعالم على أنه فكرة لا على أنه آلة. وعلى أن لا ينكر على العاطفة وعلى وحي النفس وإلهام الفؤاد سلطانها في الحياة.

стр. 303

ثم أشار الدكتور هيكل إلى هذا التحول من جانبه وجانب زملائه فقال: وليس أدل على ذلك مما لاحظه الأستاذ جب وزملاؤه مؤلفو "وجهة الإسلام" من أن كثيرين من الشبان الذين حملوا لواء الحضارة الغربية وصاروا يبشرون بها قد عاد الكثيرون منهم يشعرون شعورا قويا صادقا بأنهم في حاجة إلى أكثر مما تمدهم الحضارة الغربية به، وأنهم لذلك يجب أن يلجئوا إلى تراث السلف من المسلمين لالتماس ما ينقص هذه الحضارة الجديدة. وزادهم شعورًا بهذا النقص أن رأوا الفكرة القومية تقوم في الغرب على نضال اقتصادي عنيف لا يعرف هوادة ولا يقف في وجهه اعتبار من قواعد الخلق أو من الإخاء الإنساني أو من المودة والرحمة. نضال في سبيل المادة بين أهل البلد الواحد وبين الدول المختلفة هو الذي كان مثار الحروب ومثار أسباب الشقاء والتعس في هذا العصر من عصور الإنسانية فهل ترى يجد العالم في تراث الماضي ما يشفي غلة روحه مما عجزت الحضارة الغربية عن أن تقوم به وما يقيم حياة جديدة وحضارة جديدة ليس فيها هذا الجشع المادي الفظيع الذي يهوي بالإنسان إلى مرتبة لا ترضاها النفس الفاضلة. إن هذا التراث قد اختفى تحت طبقات وطبقات من أباطيل عصور الانحلال الذي أصاب العالم الإسلامي قرونا متواصلة. فليكن من عمل رجال العالم الإسلامي أن يزيحوا أكداس هذه الطبقات وأن يعيدوا إلى الوجود في إحدى صور الوجود وعلى طريقة علمية صحيحة ما يشتمل عليه هذا التراث الذي غزا العالم وغذاه بأدوات الحضارة أجيالا وقرونا طويلة. عند هذه النقطة يقف العالم الإسلامي اليوم، ومظهرها الواضح الصريح أن أولئك الذين كانوا دعاة الحضارة الغربية وحملة أعلامها والذين بلغوا

стр. 304

من إدراك حقيقتها، أن وقفوا على هذا العجز والتصور فيها، هم الذين يقومون اليوم بهذه الدعوة وكثيرون منهم هم الذين يقومون اليوم بهذا البحث، أولئك يشعرون شعور الواثق بأنهم سيجدون ولا ريب في هذا التراث ما يبعث إلى عالم اليوم الرازح تحت ظلمات المادة ضياء روحيا، هم وحدهم القديرون على بعثه من جديد لأن اتصاله بروحهم دون روح الغرب هو الذي يذكي ضياءه. ويوم يدفعون إلى هذا فسيتاح للعالم الإسلامي بموقعه الجغرافي بين الغرب والشرق وبين المسيحية والديانات الآسيوية أن يمد يدا إلى ناحية ويدا إلى الأخرى ليرتفع بهؤلاء وأولئك إلى ميادين الحضارة الصحيحة الحضارة التي تقوم على أساس الإخاء وتقول: إن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. الحضارة التي لا تعرف إسلاما لغير الله. ولا تعرف للحق حدودًا ولا لحرية العقل قيودا. والتي تنير ظلمات العيش بالرحمة والمؤخاة بين الناس جميعا أيا كانت أجناسهم وعقائدهم.

стр. 305

الفصل الثامن: الفن للفن والفن المجتمع ... لفصل الثامن: الفن للفن والفن للمجتمع؛ بين أحمد أمين وتوفيق الحكيم وعبد الوهاب عزام: جرت مساجلة حول "مستقبل الأدب العربي" حيث أنشأ أحمد أمين في مجلة الثقافة عدة مقالات في هذا الموضوع تناول فيها ضرورة إنشاء أدب جديد يعنى بالإصلاح الاجتماعي وعرض للأدب الاجتماعي الأمريكي وهاجم الأدب الذي يعتمد على التراث القديم ويستوحي أساطير اليونان والرومان. ورد عليه "توفيق الحكيم" مبينا أن الأدب الباقي وهو الذي لا يرتبط بالأحداث ولا بالمشاكل الاجتماعية العامة؛ وإنما يبقى الأدب حين يتصل بالنفس الإنسانية. وهاجم توفيق الحكيم دعوة أحمد أمين إلى "أخلاقية الأدب" وقال: إن الفنان ليس مطالبا بأن ترسم له الطريق وله أن يكون حرًا في عمله. وكان توفيق الحكيم في هذا متأثرا بالنظرية الغربية التي تفرض فصل الأدب عن المجتمع هي نظرية تخدم الاستعمار والتغريب إذا قبلناها على علاتها. أحمد أمين ١: أول واجب على الأدب العربي في نظري أن يتعرف الحياة الجديدة للأمة العربية ويقودها. ويجد في إصلاح عيوبها ويرسم لها مثلها الأعلى ويستحثها للسير إليه. إن الأدب العربي إلى الآن تغلب عليه النزعة الفردية لا النزعة الاجتماعية. وأرى أن الأدب العربي يجب أن يتجه من جديد -بقوة ووفرة- إلى النزعة الاجتماعية حتى يعوض ما فاته منها ومستقبل الأمم العربية وحاضرها في أشد الاحتياج إلى الأدب الاجتماعي ينهض بها. أطمع أن يكون لنا في الأدب العربي أمثال برناردشو في الأدب الإنجليزي وأنانول فرانس في الأدب الفرنسي وتولستوي في الأدب الروسي

стр. 306

وأمثالهم ممن وقفوا أدبهم على خدمة المجتمع وأشعاره واستثارته إلى التسامي. وهذا هو الأدب الأمريكي يحمل لواءه اليوم رجال مارسوا الحياة العلمية في شتى شئونها، ثم لم يكتبوا في خيال أو أوهام وأحلام. وإنما يكتبون أكثر ما يكتبون في مشكلاتهم المالية ومسائلهم اليومية وحياتهم الاجتماعية وأكثر هؤلاء لا يستوحون أساطير اليونان وإنما يستوحون مجتمعهم وما فيه وما يصبو إليه وللأديب العربي أن يستوحي امرأ القيس أو شهر زاد ولكن يجب أن يكون ذلك نوعا من الأدب لا كل نوع وهو النوع الغالب ولا هو الأرقي. والذي أوقع الأدب العربي في هذا النقص أن الأدب ظل من ظلال الحياة الاجتماعية وللبيئة أثر كبير في تكوينه والأمم العربية قضت عهدًا طويلا في دور قوي فيه الوعي الفردي ولم يقوَ فيه الوعي الاجتماعي شأن الأمم كلها. ولكن الأمم الحية قطعت هذه الدور، وتعلمت الوعي الاجتماعي والأمم العربية لا يزال الوعي الاجتماعي فيها في حالة التكون لم يتم ولم يقو. فالوعي الاجتماعي يكون حيث يكون شعور أفراد الأمة بعلاقاتهم وخيرهم وتجاه تفكيرهم وإرادتهم لخير المجتمع بجانب الشعور بالتفكير والإرادة في أشخاصهم. إن الأمم الشرقية في بدء عهدها بالوعي الاجتماعي يجب أن يكون لها أدباء يدفنون هذا الوعي العام إلى الإمام حتى يكمل وينضج. توفيق الحكيم ١: مع الأسف أراني مضطرا أن أقول: إن استيحاء أساطير اليونان والرومان

стр. 307

وامرئ القيس و"شهر زاد" هو النوع الأرقى في الأدب، في كل أدب، لا في الماضي وحده ولا في الحاضر بل في الغد أيضًا وبعد آلاف السنين ما دام الإنسان إنسانًا, وما دام رقيه الذهني بخير لم يصبه نكاس. فالإنسان الأعلى هو الذي يصون "الجمال الفني" من الاستغلال في أي صورة من صوره. ويحتفظ به لمتعته الذهنية وثقافته الروحية. وأن اليوم الذي يرى فيه "الأدب" قد استخدم للدعايات الاجتماعية. والتصوير استغل في معارض الإعلان عن السلع التجارية، و"الشعر" جعل أداة لإثارة الجماهير في الانتخابات السياسية، لهو اليوم الذي نوقن فيه بأن الإنسان قد كر فانقلب طفلا يضع في فمه تحف الذهن وطرف الفكر لأنه لا يدرك لها نفسًا غير ذلك النفع المادي المباشر، والأدب الأمريكي الذي يعجب به أحمد أمين هو في أغلبه صحافة راقية أكثر مما هو أدب حقيقي. والأدب الحقيقي فيه هو ما استند إلى أساطير اليونان والرومان، أي مخلوقات الإنسانية التي أبدعتها أحلامها وخيالها الرائع. فالخلاف بيني وبين الأستاذ أحمد أمين هو على معنى الرقي فأنا لا أسلم أبدا بأن رقي الإنسان هو في تقدم أسباب معايشه المادية، هذا حقا هو الرقي بالمعنى الأمريكي، ولكن الرقي بالمعنى الإنساني المثالي شيء غير ذلك. إن الإنسان الأعلى ليس ذلك الذي يضع كل شيء في فمه. ولكنه ذلك الذي يشعر بحاجته إلى متع معنوية وأغذية روحية وأطعمة ذهنية لا علاقة لها من قرب أو بعد بتطورات حياته المادية أو الجسمانية. إن مطامع الناس شاءت أن تمتد أيديها الفانية إلى هذا الجوهر السامي لتسخره في شئون الأرض فرأينا الشعر والأدب يتجهان إلى غايات نفعية. فاستخدام الشعر أحيانا لمدح الملوك والأمراء من أجل المال والثراء, أو لنشر الدعوة في الدين والسياسة من أجل الثواب أو الجزاء. ولكن كلمة الفن هي العليا دائمًا.

стр. 308

ويملك ما لا يسلم به الأستاذ أحمد أمين فهو يعتقد الفن المسخر لخدمة الضرورات اليومية في المجتمع هو الفن الأرقى متأثرا ولا ريب بتلك النظريات الحديثة في السياسة والاقتصاد التي ترمي كلها إلى تملق الجماهير ومداهنة الدهماء ومصانعة الجماعات والنقابات ومسايرة الكتل والسواد من الناس والشعوب. أما إذا كان في الإمكان وجود فن يخدم المجتمع دون أن يفقد ذرة من قيمته الفنية العليا فإني أرحب به وأسلم من الفور بأنه الأرقى. ولكن هذا لا يتهيأ إلا للأفذاذ الذين لا يظهرون في كل زمان. أحمد أمين ١: إنه -أي الأستاذ توفيق الحكيم- قلب غرضي رأسا على عقب ونسب إلي ما لم أقل. إني دعوت إلى أن يكون من مصادر الأدب حياتنا الاجتماعية التي تحياها فيكون لها روايات تمثل بؤس الشعب وأغلالها والاستبداد بها وتعدو إلى حياة أسمى من حياتنا وإلى تكسير أغلالنا والثورة على الظلم الذي ينتابنا، فاستنتج من هذا استنتاجا عجيبا, إني أدعو إلى المادية، وإلى تسخير الأدب في خدمة العيش وإني أريد -على حد تعبيره- أن أستخدم الأدب للدعايات الاجتماعية. لا يا أخي؛ فرق كبير بين الدعوة إلى أن يكون من مصادر الأدب الحياة الاجتماعية والوعي الاجتماعي وبين الدعوة إلى مادية الأدب وتسخيره للأغراض الوضعية، فالأدب الاجتماعي قد يكون في أسمى مراتب الروحانية.

стр. 309

الحق أن في الأدب الفردي ما هو مادي وما هو روحاني، وفي الأدب الاجتماعي ما هو مادي وروحاني, فتعميك بأن الأدب الاجتماعي أدب مادي، وأنه هو الذي أقصده دون سواء، ظلم في الحكم لا ترضاه. ولعل الخلاف الحقيقي بينك وبيني أنك تفضل الأدب الذي ينبع من الوعي الفردي على الأدب الذي ينبع من الوعي الاجتماعي، وأنك تفضل الأدب الذي يستوحي الحياة الاجتماعية الحاضرة وتفضل الفن للفن على الفن للمجتمع. أو من الحق أن تستلهم الأدب اليوناني والروماني وتترك استلهام قومك وهم أولى بالاستلهام، ونحن أكبر تذوقا لما يستلهم منا وأشد انتفاعا به من غير أن ينقص الفن شيئا. أيعجبك أن ينصرف الأدباء كلهم إلى وصف لوعة الحب والاستمتاع باللذة والتغزل في الخمر، ولا يتعرضون لمكبلين بالأغلال يجب أن يكفوا وإلى غارقين في الجهل يجب أن يتعلموا ومصابين بالخمول يجب أن ينشطو أو لاصقين بالأرض يجب أن يعلوا إلى السماء ثم تقول الفن للفن وماذا يضير الفن لو نظر إلى المجتمع فرفعه كما فعل برناردشو وتولستوي وأمثالهما. توفيق الحكيم ١: مناقشتنا تقوم في جوهرها على الرغبة المجردة في الوصول إلى غرض واحد. هو كيف نبلغ بأدبنا العربي قمة الكمال! النية واحدة لا ريب. ولكن السبل مختلفة فأحمد أمين يرى أن أدبنا

стр. 310

لن يصل إلى مرتبة الآداب الأوروبية إلا إذا خاض مثلها في طريق الحياة العامة. فنقد الفاسد من أوضاع المجتمع وقوم المعوج واقترح وسائل الإصلاح ونادى بالنافع من العلاج والمستحدث من النظم. وهنا يجدر بنا أن نسأل: هل من الحق أن الأدب الأوروبي بلغ مبلغه بفضل نزوله معترك الحركات الإصلاحية, أو بفضل قيمته الفنية ومزاياه الأدبية. الذي أعلمه هو أن أناتول فرانس أديب وأن برناردشو مؤلف مسرحي وأن تولستوي قصصي. وتلك هي صفاتهم التي تؤخذ على سبيل الجد أما ميول فرانس وشو الاشتراكية ونزعات تولستوي الإصلاحية فهي نواح ينظر إليها تارة بغير احتفال وتارة أخرى على أنها توابع أو ظواهر ودلائل قد تفسر على ضوئها بعض أعمالهم الأدبية أو آثارهم الفنية. لقد تحدث الأستاذ أحمد أمين في أكثر من موضع عن الرويات الغرامية وعرامة الحب بما ينم عن الازدراء. كم من المؤلفات المملوءة بالإرشاد والإصلاح. قد نشرت وظهرت ولم تحتفظ بها ذاكرة الزمان ولكنها احتفظت بقصة غرامية أو قصيدة غزل أو رواية حب عارم. كلا؛ لا ينبغي علينا أن نملي على الفن اتجاها بعينه ولا يجوز لنا أن نوصيه بارتداء لباس الحكمة الرزينة أو رداء الإصلاح الوقور. إن الآداب الأوروبية لم تحترم يوما فنانا أديبا لأنه مصلح, ولكنها قد تحترم المصلح إذا كان أديبا أو فنانا.

стр. 311

ونحن الشرقيين تبهر عيوننا دئما كلمة "مصلح" بقدر ما نستهين بكلمة فنان. إن الفنان ليس مصلحا ولكنه هو صانع المصلح. كل أولئك المصلحين ما كونهم وهيأهم لرسالات الإصلاح غير أدب الأدباء، وشعر الشعراء وفن الفنانين. وإن الفنان هو مصلح المصلح ولا شيء غير ذلك أما أن ينزل الفنان بفنه إلى الميدان فيناقش ويدافع ويهاجم وينافح, فهذا ما لم نره حتى الآن في فن استحق البقاء في أمة من الأمم أو حضارة من الحضارات. أما أن يخدم الفنان والعالم أمته وقومه فهذا واقع بالبداهة والضرورة. لأن آثار الفن والعلم لا تبقى ولا يمكن أن تبقى إلا إذا رأى الناس في بقائها منفعة. أحمد أمين: إني أوافقك تمام الموافقة على أن الأدب أخلد من العلم، ومن النظريات السياسية والاجتماعية، والعلة في هذا أن الأدب متصل بالعاطفة والعواطف بطيئة التغير. أما العقل ففي تغير مستمر ورقي مستمر، فما يصلح له أمس لا يصلح له اليوم، وما يصلح له اليوم لا يصلح له غدا. إن الأدب يجب أن يكون صورة للنزاعات كلها السامية منها والوضعية. أما أن يكون كله أو أكثره تصويرا للعلاقات الجنسية ففقر في الأدب، وضيق في الأفق. إن أدب الأمة الحق ما صور الأمة وصور الحياة في مختلف نواحيها وكما أن الحياة الحقة ما انسجمت فيها نواحيها، فكذلك الأدب الحق ما انسجم إنتاجه، فإذا كان أدب أمة واسعًا عريضًا في الحب والعلاقة الجنسية ضيقا كذا فيما عداه فهو صورة مشوهة لا تمثل الواقع. إنكم مقررون أن كل شيء صالح

стр. 312

لأن يكون موضوع أدب إذا رددتم على من يطالبكم بناحية في الأدب جديدة، ولكن في موضوع واحد هو الحب والغرام. وظيفة الأدب الحقة أن يغني نواحي الإنسانية ويرقي مشاعرها، ويعلي من مداركها ويوسع أفقها. لعل نقطة الخلاف الحقيقية بين الأستاذ توفيق الحكيم وبيني هو أنه يريد أن يقدر الفن بجماله فقط وأريد أن أقدره بجماله وأخلاقيته معًا، وقلت: لا ينبغي لنا أن نملي على الفن اتجاها بعينه ولا يجوز لنا أن نوصيه بارتداء لباس الحكمة الرزينة. وهذا حق إلى حد ما ولم أرد فيما قلت أن أرسم منهجًا للأدب أحمل الأدباء على السير فيه ولو أردت ما استطعت١.

стр. 313

الباب السادس: معارك النقد حول الكتب الفصل الأول: رسالة منصور فهيم الدكتوراه ... الباب السادس: معارك النقد حول الكتب الفصل الأول: رسالة منصور فهمي. الدكتوراه كان الدكتور منصور فهمي من أوائل المبعوثين إلى الجامعات الأوروبية. منذ سافر ١٩٠٨ إلى باريس حيث أعد أطروحة الدكتوراه تحت إشراف "ليفي برل" الإسرائيلي وموضوعها "حالة المرأة في التقاليد الإسلامية وتطوراتها" وقد طبعت هذه الرسالة في باريس ١٩١٣؛ ولم تنشر باللغة العربية وإنما أثارت ضجة حينما نقلت بعض نصوصها إلى الصحف وقد اضطرت الجامعة المصرية بعد أن راجعت نصوص الكتاب إلى الاستغناء عن منصور فهمي وتناولت جريدة المؤيد أمر هذا الكتاب بعدد من المقالات نشرتها خلال شهر يناير ومارس ١٩١٤ وكان أبرزها ما نشره محمد لطفي جمعة "وهو أحد كتابنا الذين درسوا في أوروبا وفرنسا بالذات" مفندًا أخطاء منصور فهمي وقد دافعت "الجريدة" دفاعا حارًا عن منصور فهمي كما نشرت الجريدة مقالا بعنوان حرية الفكر وأدب النقد لعبده البرقوقي ذكر فيه أنه نائب عن جمعية الطلبة المصريين بباريس ينعى فيه على من هاجموا منصور فهمي ونالوا منه وسفهوا رأيه وقال: إن الإنسان حر في معتقده. ولكن الدكتور منصور فهمي لم يلبث أن صحح معتقده وألقى خطابا في الاحتفال بعيد الهجرة "١٣٦١-١٩١٥" تحدث فيه عن أنشودة البطولة المحمدية الرائعة, وقال: إنها تهز هواطعنا لمطلع دين جديد إنساني سمح عظيم يذكرنا بروائح الجهاد البالغ من حمل رسول الله أمانته فحملها واثقا لكي يبلغها إلى الناس كاملة. وكان في خلال المرحلة التالية من حياته إلى أن توفي ١٩٥٧ مدرة للعربية والإسلام وأحد أقطاب جمعية الشبان المسلمين ومن الدعاية إلى أمجاد العرب في اعتدال رأي وحماسة صادقة. وهذه هي النصوص التي هاجمها النقاد: "ص١٥" محمد يشرع لكل الناس ويستثني نفسه ومع أنه -يعني محمدا- كان المشرع الذي ينبغي أن يخضع لما يدعو إلى تطبيقه على الآخرين إلا أنه كان له ضعفه واختص نفسه ببعض المزايا. "ص١٦" وهكذا نجد أنه -يعني محمدا- بعد أن ينام نومًا عميقا, يقوم ليؤدي صلواته دون أن يجدد طهوره ووضوءه على حين أن المؤمنين

стр. 314

الآخرين كان عليهم الشروع في وضوء وطهور جديد ومن أجل أنه يبرر الاستثناء الذي علم لصالحه اكتفى بأن قال: إن عيني تنام ولا ينام قلبي أبدًا. "ص١٨" لقد حد النبي من نظام تعدد الزوجات إلا أنه تعدى بالنسبة إلى نفسه ما وضعه من حدود للآخرين فمع أن بقية المؤمنين لم يكن في مقدورهم أن يتزوجوا بأكثر من أربع نساء فإن محمدًا أجاز لنفسه أن يتزوج بأكثر من ذلك كما أنه استلزم لشرعية الزواج دفع مهر ووجود شهود إلا أنه في زواجه أعفى نفسه من المهر والشهود. محمد لطفي جمعة ١: عاد منصور فهمي من أوربا بعد دراسة الفلسفة حاملا لقب دكتور جامعي وهي درجة في العالمية حديثة الوضع أنشأتها جامعة باريس إكرامًا لطلاب العلم الأجانب الذين يعجزون أو يضيق وقتهم عن تحصيل الدكتوراه الحقيقية التي اختص بها الفرنسيون أنفسهم وقليل من الأجانب المجدين. إن أعلى الألقاب العلمية وأشرف المناصب المعنوية لا تبيح للرجل أن ينتهك حرمة دين قوم من الأقوام أو يهاجم أمة في معتقدها أو يقلل من مجد وكرامة نبي مرسل شهد له بالفضل أعداء دينه. لا يظن منصور فهمي أننا نناقشه في رسالته مناقشة من يمكن رميهم بالتعصب وضيق الفكر من المتشددين المغالين في المحافظة على القديم إلى درجة الجمود ولكننا سنناقشه الحساب مناقشة العلم الحديث الذي بهرت بصره قشوره ولم يصل إلى بصيرته.

стр. 315

لن نجادله دينيا لأننا لو طرقنا معه باب الدين فقد كفر لمجرد قوله "إن محمدًا شرع للناس واستثنى نفسه" ص١٣ من رسالته. فهو بهذا القول ينكر الوحي وينكر العصمة ويؤكد أن محمدًا هو واضع الشرع. نحن نريد أن نتجرد عن صفتنا الدينية مؤقتا لنثبت بالعلم القديم والحديث وبالأدلة العقلية والمنطقية جهله وتعديه حقوقه وعبثه بحرية القول والفكر والاعتقاد. يقرر منصور فهمي في فاتحة رسالته أنه أنشئ مسلما في وسط إسلامي وأنه قصد باريس ففتح عليه بإرشاد العلامة ليفي الإسرائيلي فظهرت فيه المؤثرات السعيدة فدون هذه الرسالة التي بحث فيها في حالة المرأة في الإسلام. ألا يعلم حضرته أن العالم الحقيقي إذا أراد البحث والاستقصاء عن أمر من الأمور ذهب إلى مصدر الأمر واستقصى الحقيقة من نبعها الأصلي حتى إن دارون القائل بمبدأ التطور والنشوء لما أراد التثبت من مبدئه طاف جزر المحيط الهندي الخصيب منها والمجدب ليقف على طبائع ما يوجد فيها من أنواع المخلوقات. كذلك علماء الاجتماع الذين جعلوا همهم درس شئون الأمم والشعوب المختلفة لم يقولوا برأي من الآراء دون الذهاب إلى أوطانها ودرس أحوالها من قرب. فغريب جدًا من منصور فهمي الشرقي المصري المسلم أن يترك الوسط الإسلامي، وسط علماء الأزهر ووطن جلال الدين السيوطي وابن تيمية والشافعي ويذهب إلى باريس مقر الحاخام ليفي الإسرائيلي للبحث عن حقائق

стр. 316

الدين الإسلامي والاهتداء بنور هذا الأستاذ للوقوف على تاريخ محمد وحياته الخاصة والعامة. إن كثيرين من المستشرقين الذين أخذ عنهم منصور أقل بضائعهم وأحقرها قبل أن يدونوا ما دونوا أنهم يحملون الشدائد في تعلم اللغة الدينية وانتقلوا إلى وسط إسلامي وخاطروا بحياتهم في سبيل الوصول إلى الحقيقة، وصاحبنا منصور فهمي قصد باريس مقر العلامة ليفي ليعود إلينا بالطعن في نبينا ومعتقداتنا المقدسة. وهنا ننقل لحضرته رأي العلامة فبلهاوزن الألماني مؤلف كتاب تاريخ الدولة العربية إذ يقول: إن كثيرين منا يذهبون إلى الشرق للبحث عن عيوب فيجدوا أمورًا تبدل عقيدتهم وفضائل لم تكن تخطر على بالهم فتغير آراءهم تمام التغيير. وإني أذكر منصورًا بعبارة لا بد سمعها من الأستاذ إدوار لامبير وهي قوله: "إنني قبل أن أقصد مصر كان رأيي في الإسلام مخالفا لرأيي بعد إقامتي بضعة شهور حتى إنني مضطر لتغيير ما جاء في كتبي عن الإسلام مما دونته قبل ذهابي إلى مصر". إننا نعرف المصادر التي استقى منها منصور، وبئست تلك المصادر، هي كتب بعض المتعصبين من المستشرقين الذين يرمون بكتاباتهم أغراضا سياسية أكثر منها علمية. إن حرية الاعتقاد تبيح لكل شخص أن ينتحل أي دين أو يقيم شعائر معتقده دون اضطهاد أو تعذيب وشتان بين حماية المتدين وبين الطعن في صاحب شريعة عظمى.

стр. 317

إن العاقل الكبير النفس هو الذي يرحل إلى الغرب مملوء القلب بالآمال العالية فيعود إلى وطنه وقد ازداد حبه لقومه ودينه وقد يرحل أحدنا وهو ضعيف العقيدة ويعود إلينا وهو شديد التعصب لملته وقومه. يقول منصور فهمي في مقدمة كتابه ١: "إن هذه الرسالة تعطينا فرصة لإظهار المؤثرات السعيدة التي أثرت على تفكيرنا العلمي فقد ولدت مسلما وقضيت شبابي في وسط إسلامي ثم رحلت إلى باريس وحصلت العلوم بإرشاد ورعاية العلامة ليفي بريل". ومعنى هذا أن نشأته في وسط إسلامي كان حائلا بينه وبين النور الإسرائيلي الذي أشرف عليه مجلس الأستاذ ليفي وهو فيما نعلم رجل خامل الذكر لم نسمع عن مؤلف من مؤلفاته وربما خدع منصور أفندي بما يقوله بعض أدعياء العلم في أوربا من أن النبي ﵊ تزوج عددًا عظيما من النساء بلغن الثلاثة عشر عددا حبا منه في التمتع وأنه ﵇ لم يبح لأمته إلا أربعا على أن منصور أفندي لو نظر إلى شخصيات زوجات النبي نظرة الفيلسوف العالم الباحث عن الحقيقة، الآخذ بلب الأمور المعرض عن قشورها لعلم أن هناك أسباب عليا دعت النبي محمدًا إلى التزوج من نساء يزيد عددهن عن الأربع وتلك الأسباب أولها وأهمها رغبته في ربط الأسر والعائلات الكبرى ببيته الطاهر.

стр. 318

الفصل الثاني: الخلافة وأصول الحكم معركة حول كتاب علي عبد الرازق: في أوائل عام ١٩٢٥ كانت تركيا قد ألغت الخلافة وقام في العالم الإسلامي عراك سياسي ضخم حول إعادة الخلافة. وتقدم الشريف حسين فدعا إلى نفسه بالخلافة، في مصر قام الأزهر بحملة كبرى دعا فيها إلى عقد مؤتمر لبحث الخلافة ورددت الصحف أن الملك فؤاد أصلح ملوك العالم الإسلامي لحمل لواء الخلافة وفي هذه الفترة كان الملك عبد العزيز آل سعود قد استولى على الحجاز ودعا إلى عقد مؤتمر إسلامي في مكة. وفيما كانت هذه المعركة تشغل الصحف والهيئات السياسية وتجد مداها في الصحف الأجنبية المختلفة, كان هناك تيار خفي يجري خلف واجهة حزب الأحرار الدستوريين يحمل لواء الدعوة إلى مهاجمة الخلافة والحيلولة دون قيامها ومعارضة رغبة الملك فؤاد في أن يصبح خليفة للمسلمين. وقد أخذ هذا التيار صورة علمية عندما أذاع الشيخ علي عبد الرازق قاضي محكمة المنصورة الشرعية في يونيه ١٩٢٦ كتابه الذي أثار ضجة كبيرة إذ ذاك، "الإسلام وأصول الحكم" والذي حاول فيه أن يثبت بالأدلة المختلفة أن الخلافة ليست أصلا من أصول الإسلام، وكان الشيخ عبد الرازق واحدا من أسرة عبد الرازق التي كانت دعامة من دعائم حزب الأمة قبل الحرب العالمية الأولى ثم حزب الأحرار الدستوريين من بعدها. وقد أثار كتاب "الإسلام وأصول الحكم" جدلا وضجة شديدين حيث قامت هيئة كبار العلماء بالتحقيق مع المؤلف الذي هاجمته صحف الوفد وهاجمه علماء الأزهر والغيورون على بقاء الخلافة كنظام من أنظمة الإسلام التي وافقت تطوره على الطريق الطويل. وقد انتهى التحقيق بأن أخرج علي عبد الرازق من زمزة العلماء في أغسطس ١٩٥٢ ومصادرة كتابه ووقعت من أجل هذا الكتاب أزمة أدت إلى استقالة الأحرار الدستوريين من الوزارة القائمة إذ ذاك. وليس يعنينا هنا إلا جانب المعركة الفكرية التي قامت حوله. أما أثره الفكري فذلك مكانه كتابنا "قضايا الفكر وتيارات الثقافات في الأدب العربي المعاصر".

стр. 319

آراء علي عبد الرازق: ١- إن هذه المسألة "الخلافة" دنيوية وسياسية أكثر من كونها مسألة دينية وأنها مع مصلحة الأمة نفسها مباشرة. ولم يرد بيان صريح في القرآن الكريم ولا في الأحاديث النبوية في كيفية الخليفة وتعيينه وشروط الخلافة ما هي. ٢- إنه لعجب عجيب أن تأخذ بيدك كتاب الله القرآن الكريم وتراجع النظر فيما بين فاتحته وسورة الناس فترى فيه تصريف كل مثل وتفصيل كل شيء عن أمر هذا الدين ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ثم لا نجد فيه ذكرًا لتلك الإمامة العامة أو الخلافة. إن ذلك لمحال للمقال. ليس القرآن وحده هو الذي أهمل تلك الخلافة ولم يتصد لها بل السنة كالقرآن أيضًا، قد تركتها، ولم تتعرض لها. رأي هيئة كبار العلماء: ١- جعل المؤلف الشريعة الإسلامية روحية محضة لا علاقة لها بالحكم وتنفيذ أمور الدنيا، مع أن الدين الإسلامي على ما جاء به النبي ﷺ من عقائد وعبادات ومعاملات لإصلاح أمور الدنيا والآخرة، وأن كتاب الله تعالى وسنة رسوله كلاهما مشتمل على أحكام كثيرة في أمور الدنيا وأحكام كثيرة من أمور الآخرة. ٢- زعم أن الدين لا يمنع من أن جهاد النبي ﷺ كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين ولا لإبلاغ الدعوة إلى الفاتحين. ٣- زعم أن نظام الحكم في عهد النبي ﷺ كان موضع

стр. 320

غموض وإبهام أو اضطراب أو نقص وموجبا للحيرة: ٤- زعم أن مهمة النبي ﷺ كانت بلاغا للشريعة مجردًا عن الحكم والتنفيذ. ٥- أنكر إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام وعلى أنه لا بد لسلامة من يقوم بأمرها في الدين والدنيا. ٦- أنكر أن القضاء وظيفة شريعة وقال: إن الذين ذهبوا إلى أن القضاء وظيفة شرعية جعلوه متفرغا من الخلافة. ٧- زعم أن حكومة أبي بكر والخلفاء الراشدين من بعد ﵃ كانت لا دينية وهذه جرأة لا دينية. وقد حكمت الهيئة بإخراج علي عبد الرازق من زمرة العلماء غير أن الهيئة عادت وغيرت رأيها في علي عبد الرازق عام ١٩٤٧ فطالت بالعفو عن الأثر المترتب على الحكم السابق وعين وزيرا للأوقاف "مارس ١٩٤٧". ١- رشيد رضا: صرح الدكتور منصور فهمي بأن مؤلف كتاب الإسلام وأصل الحكم وأنصاره يذهبون إلى أن الإسلام لا شأن له بمسائل الخلافة ولا بصورة خاصة من صور الحكم وصدقه فيما يحكيه عن المؤلف وأنصاره وهو في مقدمتهم. قال: "لأنه فكر على أسلوب غير أسلوبهم" وهذا خطأ محض فليس الإنكار لأسلوب من أساليب التفكير ولا لوجه من وجوه النظر في المسائل، لقد كنت أول هؤلاء المفكرين ردًا على الكتاب في بعض الصحف إنا لم ننكر أسلوبا من أساليب التفكير ووجها من وجوه النظر في مسألة من المسائل النظرية
следующие страницы →