← Адаб

Адаб · id 11546

المعارك الأدبية

أنور الجندي

Полный текст (707 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الدين الإسلامي والاهتداء بنور هذا الأستاذ للوقوف على تاريخ محمد وحياته الخاصة والعامة. إن كثيرين من المستشرقين الذين أخذ عنهم منصور أقل بضائعهم وأحقرها قبل أن يدونوا ما دونوا أنهم يحملون الشدائد في تعلم اللغة الدينية وانتقلوا إلى وسط إسلامي وخاطروا بحياتهم في سبيل الوصول إلى الحقيقة، وصاحبنا منصور فهمي قصد باريس مقر العلامة ليفي ليعود إلينا بالطعن في نبينا ومعتقداتنا المقدسة. وهنا ننقل لحضرته رأي العلامة فبلهاوزن الألماني مؤلف كتاب تاريخ الدولة العربية إذ يقول: إن كثيرين منا يذهبون إلى الشرق للبحث عن عيوب فيجدوا أمورًا تبدل عقيدتهم وفضائل لم تكن تخطر على بالهم فتغير آراءهم تمام التغيير. وإني أذكر منصورًا بعبارة لا بد سمعها من الأستاذ إدوار لامبير وهي قوله: "إنني قبل أن أقصد مصر كان رأيي في الإسلام مخالفا لرأيي بعد إقامتي بضعة شهور حتى إنني مضطر لتغيير ما جاء في كتبي عن الإسلام مما دونته قبل ذهابي إلى مصر". إننا نعرف المصادر التي استقى منها منصور، وبئست تلك المصادر، هي كتب بعض المتعصبين من المستشرقين الذين يرمون بكتاباتهم أغراضا سياسية أكثر منها علمية. إن حرية الاعتقاد تبيح لكل شخص أن ينتحل أي دين أو يقيم شعائر معتقده دون اضطهاد أو تعذيب وشتان بين حماية المتدين وبين الطعن في صاحب شريعة عظمى.

стр. 317

إن العاقل الكبير النفس هو الذي يرحل إلى الغرب مملوء القلب بالآمال العالية فيعود إلى وطنه وقد ازداد حبه لقومه ودينه وقد يرحل أحدنا وهو ضعيف العقيدة ويعود إلينا وهو شديد التعصب لملته وقومه. يقول منصور فهمي في مقدمة كتابه ١: "إن هذه الرسالة تعطينا فرصة لإظهار المؤثرات السعيدة التي أثرت على تفكيرنا العلمي فقد ولدت مسلما وقضيت شبابي في وسط إسلامي ثم رحلت إلى باريس وحصلت العلوم بإرشاد ورعاية العلامة ليفي بريل". ومعنى هذا أن نشأته في وسط إسلامي كان حائلا بينه وبين النور الإسرائيلي الذي أشرف عليه مجلس الأستاذ ليفي وهو فيما نعلم رجل خامل الذكر لم نسمع عن مؤلف من مؤلفاته وربما خدع منصور أفندي بما يقوله بعض أدعياء العلم في أوربا من أن النبي ﵊ تزوج عددًا عظيما من النساء بلغن الثلاثة عشر عددا حبا منه في التمتع وأنه ﵇ لم يبح لأمته إلا أربعا على أن منصور أفندي لو نظر إلى شخصيات زوجات النبي نظرة الفيلسوف العالم الباحث عن الحقيقة، الآخذ بلب الأمور المعرض عن قشورها لعلم أن هناك أسباب عليا دعت النبي محمدًا إلى التزوج من نساء يزيد عددهن عن الأربع وتلك الأسباب أولها وأهمها رغبته في ربط الأسر والعائلات الكبرى ببيته الطاهر.

стр. 318

الفصل الثاني: الخلافة وأصول الحكم معركة حول كتاب علي عبد الرازق: في أوائل عام ١٩٢٥ كانت تركيا قد ألغت الخلافة وقام في العالم الإسلامي عراك سياسي ضخم حول إعادة الخلافة. وتقدم الشريف حسين فدعا إلى نفسه بالخلافة، في مصر قام الأزهر بحملة كبرى دعا فيها إلى عقد مؤتمر لبحث الخلافة ورددت الصحف أن الملك فؤاد أصلح ملوك العالم الإسلامي لحمل لواء الخلافة وفي هذه الفترة كان الملك عبد العزيز آل سعود قد استولى على الحجاز ودعا إلى عقد مؤتمر إسلامي في مكة. وفيما كانت هذه المعركة تشغل الصحف والهيئات السياسية وتجد مداها في الصحف الأجنبية المختلفة, كان هناك تيار خفي يجري خلف واجهة حزب الأحرار الدستوريين يحمل لواء الدعوة إلى مهاجمة الخلافة والحيلولة دون قيامها ومعارضة رغبة الملك فؤاد في أن يصبح خليفة للمسلمين. وقد أخذ هذا التيار صورة علمية عندما أذاع الشيخ علي عبد الرازق قاضي محكمة المنصورة الشرعية في يونيه ١٩٢٦ كتابه الذي أثار ضجة كبيرة إذ ذاك، "الإسلام وأصول الحكم" والذي حاول فيه أن يثبت بالأدلة المختلفة أن الخلافة ليست أصلا من أصول الإسلام، وكان الشيخ عبد الرازق واحدا من أسرة عبد الرازق التي كانت دعامة من دعائم حزب الأمة قبل الحرب العالمية الأولى ثم حزب الأحرار الدستوريين من بعدها. وقد أثار كتاب "الإسلام وأصول الحكم" جدلا وضجة شديدين حيث قامت هيئة كبار العلماء بالتحقيق مع المؤلف الذي هاجمته صحف الوفد وهاجمه علماء الأزهر والغيورون على بقاء الخلافة كنظام من أنظمة الإسلام التي وافقت تطوره على الطريق الطويل. وقد انتهى التحقيق بأن أخرج علي عبد الرازق من زمزة العلماء في أغسطس ١٩٥٢ ومصادرة كتابه ووقعت من أجل هذا الكتاب أزمة أدت إلى استقالة الأحرار الدستوريين من الوزارة القائمة إذ ذاك. وليس يعنينا هنا إلا جانب المعركة الفكرية التي قامت حوله. أما أثره الفكري فذلك مكانه كتابنا "قضايا الفكر وتيارات الثقافات في الأدب العربي المعاصر".

стр. 319

آراء علي عبد الرازق: ١- إن هذه المسألة "الخلافة" دنيوية وسياسية أكثر من كونها مسألة دينية وأنها مع مصلحة الأمة نفسها مباشرة. ولم يرد بيان صريح في القرآن الكريم ولا في الأحاديث النبوية في كيفية الخليفة وتعيينه وشروط الخلافة ما هي. ٢- إنه لعجب عجيب أن تأخذ بيدك كتاب الله القرآن الكريم وتراجع النظر فيما بين فاتحته وسورة الناس فترى فيه تصريف كل مثل وتفصيل كل شيء عن أمر هذا الدين ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ثم لا نجد فيه ذكرًا لتلك الإمامة العامة أو الخلافة. إن ذلك لمحال للمقال. ليس القرآن وحده هو الذي أهمل تلك الخلافة ولم يتصد لها بل السنة كالقرآن أيضًا، قد تركتها، ولم تتعرض لها. رأي هيئة كبار العلماء: ١- جعل المؤلف الشريعة الإسلامية روحية محضة لا علاقة لها بالحكم وتنفيذ أمور الدنيا، مع أن الدين الإسلامي على ما جاء به النبي ﷺ من عقائد وعبادات ومعاملات لإصلاح أمور الدنيا والآخرة، وأن كتاب الله تعالى وسنة رسوله كلاهما مشتمل على أحكام كثيرة في أمور الدنيا وأحكام كثيرة من أمور الآخرة. ٢- زعم أن الدين لا يمنع من أن جهاد النبي ﷺ كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين ولا لإبلاغ الدعوة إلى الفاتحين. ٣- زعم أن نظام الحكم في عهد النبي ﷺ كان موضع

стр. 320

غموض وإبهام أو اضطراب أو نقص وموجبا للحيرة: ٤- زعم أن مهمة النبي ﷺ كانت بلاغا للشريعة مجردًا عن الحكم والتنفيذ. ٥- أنكر إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام وعلى أنه لا بد لسلامة من يقوم بأمرها في الدين والدنيا. ٦- أنكر أن القضاء وظيفة شريعة وقال: إن الذين ذهبوا إلى أن القضاء وظيفة شرعية جعلوه متفرغا من الخلافة. ٧- زعم أن حكومة أبي بكر والخلفاء الراشدين من بعد ﵃ كانت لا دينية وهذه جرأة لا دينية. وقد حكمت الهيئة بإخراج علي عبد الرازق من زمرة العلماء غير أن الهيئة عادت وغيرت رأيها في علي عبد الرازق عام ١٩٤٧ فطالت بالعفو عن الأثر المترتب على الحكم السابق وعين وزيرا للأوقاف "مارس ١٩٤٧". ١- رشيد رضا: صرح الدكتور منصور فهمي بأن مؤلف كتاب الإسلام وأصل الحكم وأنصاره يذهبون إلى أن الإسلام لا شأن له بمسائل الخلافة ولا بصورة خاصة من صور الحكم وصدقه فيما يحكيه عن المؤلف وأنصاره وهو في مقدمتهم. قال: "لأنه فكر على أسلوب غير أسلوبهم" وهذا خطأ محض فليس الإنكار لأسلوب من أساليب التفكير ولا لوجه من وجوه النظر في المسائل، لقد كنت أول هؤلاء المفكرين ردًا على الكتاب في بعض الصحف إنا لم ننكر أسلوبا من أساليب التفكير ووجها من وجوه النظر في مسألة من المسائل النظرية

стр. 321

في الإسلام وإنما أنكرنا على صاحب الكتاب أنه خرج في كتابه من عقائد جميع المسلمين في الخلافة وحكم الإسلام، وقرر أن الحكومة يحب أن تكون "لا دينية" في السياسة والقضاء بجميع أنواعه وفروعه لا شأن للدين في ذلك. وإنما مأخذه عندما تنتج العقول وتدل عليه تجارب الأمم. نعم إنه حاول الاستدلال على ذلك بأساليب كتابية لا تخرج عن السفسطة والتخيلات الشعرية، وإنها أساليب باطلة ولكننا تجنبنا إلى الآن البحث في تلك الأساليب لئلا تشغلنا عن الحقيقة الصريحة التي هي مخالفة دعوى المؤلف في أن الحكومة في الإسلام يجب أن تكون "لا دينية". هذا ملخص ما ننكره على صاحب هذا الكتاب فهو قد صرح فيه بمخالفة جميع المسلمين سلفهم وخلفهم فموافقة خروج من حظيرة الإسلام والمسلمين. طه حسين ١: سنعرف أهي -أي مصر- جزء من أوربا كما قال إسماعيل أم هي قلعة من الشرق المظلم كما يزعم المصريون وعرفنا وسنعرف أيستطيع الناس أن يفكروا أحرارا وأن يكتبوا أحرارًا ويعيشوا أحرارًا؟ أم هم مأخوذون بلون من التفكير والكتابة والحياة يأمنون ما حرصوا عليه فإن عدوه وأعرضوا عنه فويل لهم من عذاب أليم. لقد تألب رجال في الأزهر -فالأزهر شيء والدين شيء آخر- على الرجل فأخرجوه من زمرتهم. أفليس هذا خليقا بأن يهنأ به "علي"؟ بلى؛ وماذا يضر "عليا" أن يخرج من زمرة علماء الأزهر؟ وماذا ينفع "عليا" أن يبقى في زمرة علماء الأزهر؟ إيه أيها الطريد من الأزهر؛ تعال نتحدث ضاحكين عن هذه القصة

стр. 322

المضحكة قصة كتابك والحكم عليه وعليك وطردك من الأزهر. ما بال رجال الأزهر لم يفضوا إلى كتابك بالتحريق وقد كان يلزمنا أن نرى نسخة تجمع في صحن الأزهر أو أمام باب المزينين. ألست قد دخلت الأزهر واختلفت إلى شيخوخة وجلست فيه مجلس الأستاذ وقد أخرجوك منه لأنك لا تليق به فليمحوا آثارك منه ليطهروه، ليحرقوا كتابك من ناحية من أنحائه أو زاوية من زواياه. وأنت ماذا يصنع بك؟ يجب أن تحمد الله على السلامة فلو أننا في تلك العصور التي يحكم فيها الأحبار والكهان لأحرقت مع كتابك. دعنا نتحدث في حرية، ولا تكن أزهريا فقد أخرجت من الأزهر، نعم سنضحك منك ومن كتابك وسنضحك من الأزهر ومن الذين أخرجوك منه، ماذا قلت في هذا الكتاب؟ قلت: إن الخلافة ليست أصلا من أصول الإسلام فهلا أكملت البحث وأتممت النظرية، فالخلافة ليست أصلا من أصول الإسلام وإنما هي أصل من أصول الفقه الروماني. سترى أن الخلافة عند المسلمين ليست إلا مناصب الإمبراطورية الرومانية وأن الخليفة ليس إلا إمبراطور وأن مناصب الحكم عند المسلمين ليست إلا مناصب الحكم عند الرومانيين. تعالى نضحك فقد كان كتابك مصدرًا لتغير الأرثوزكسية في الإسلام ولست أنت الذي غيرها أيها الطريد المسكين وإنما غيرها الذين طردوك وأخرجوك من الأزهر. وقد كنا نعلم أن القاهرة مركز أهل السنة وموطن الأشاعرة ومستقر الأرثوزكسية الإسلامية.

стр. 323

ثم ما هذه الهيئة التي أخرجتك من الأزهر وما سلطتها الدينية. هما أثر من آثار الاستبداد أنشأها عباس يوم كان يريد أن يستهوي ويوم كان يريد أن يكيد. وهي أثر من آثار الاستبداد لا يليق بعصر فؤاد مصدر الدستور. الدكتور هيكل ١: لقد ذهبت الأمم العريقة في الحرية والمدنية إلى إطلاق الرأي إطلاقا لا يحد فيه قيد ولا تقف في سبيله عقبة وهؤلاء هم الكتاب في فرنسا وإنجلترا يعلنون آراءهم الاشتراكية بل الشيوعية ولا يضار أحد منهم سبب رأيه ولا يقوم في وجهه قائم لمناقشة وتفنيد آرائه. أقل ما تطمع فيه أن تكون حرية البحث العلمي والاجتهاد الديني القائم على تسامح الشريعة الغراء بحيث لا يضار أحد من ورائها ولا يترتب على مخالفة إنسان لغيره في الرأي أن يصاب بأذى أو يعتدى على حقوقه. إسماعيل مظهر ٢: قد يكون الشيخ الأستاذ علي عبد الرازق مخطئًا وقد يكون خطؤه فاحشًا فأنا مثلا لا أوافقه على القول بأن الخلافة ليست حكومة الإسلام. كذلك فصرح بأن في نظام الخلافة مناقضة صريحة لنظام الديمقراطية الممثلة في الحكومات النيابية الحديثة. ولكن هل يصح أن يجرد عالم من ألقابه العلمية لمجرد أنه دافع عن فكرة فيها شيء من روح المناقضة لما يعتقد به أصحاب المدرسة القديمة التي

стр. 324

تفكر على ذات الأسلوب الذي فكر به أسلافنا منذ أزمان بعيدة. ذلك ما لا نقر عليه هيئة كبار العلماء. علي عبد الرازق: رأيه في حكم هيئة كبار العلماء. ١- كنا١ وجلين نعجب للقوم يتهموننا في ديننا ويحاولون أن يعتدوا علينا فيه وما كنا نخاف منهم أن ينزعوا من قلبنا إيمانه ولا من أنفسنا يقينها ولو أن يخرجونا بحق من ديننا الذي ندين الله به ولكن خفنا عليهم أن يتورطوا حتى يزعموا أنهم حكام على القلوب حراس على العقائد وأن بيدهم مفاتيح هذا الدين يدخلون في حظيرته من يشاءون ويخرجون من يشاءون. ٢- أن٢ النقط السبع التي اعتصرها حضرات السادة من كتابنا اعتصارًا وحسبوها موضع مناقشة بيننا وبينهم واتخذوها حجة علينا لهم، هي خارجة عن موضوع الكتاب إلا نقطة واحدة منها. وليس يضير الكتاب ولا يطعن في موضوعه ولا ينقص من قيمة المباحث الأساسية فيه أن تكون صحيحة أو فاسدة. والواقع أننا كمؤلفين وأصحاب رأي معين ومذهب جديد في مسألة من المسائل لا يهمنا أن يكون حضرات العلماء قد أصابوا أو أخطئوا في أكثر تلك الملاحظات التي ناقشوا بها الكتاب خارج موضوعه الأصلي. ولو شئنا لوافقنا حضراتهم وقبلنا منهم تلك الملاحظات وأرضيناهم وأرحنا أنفسنا وحذفنا من الكتاب الجمل التي بنوا عليها القصور وأقاموا فوقها

стр. 325

الهياكل والقلاع ثم وجدت الكتاب بعد ذلك سليما لم يتغير ولوجدت عنوانه باقيا وصحيحا كما هو. هي الملاحظة الخامسة وحدها التي قد تتصل على نحو ما بموضوع الكتاب فأما الملاحظات الست غيرها فالحق أنها خروج عن الموضوع وتنكب عن حدود البحث. وإقزاع في الجدل لا يرضى عنه كثير. لقد قالوا إننا جعلنا الشريعة الإسلامية شريعة روحية محضة لا علاقة لها بالحكم وأنكرنا ومازلنا ننكر أننا نعتقد أن الإسلام شريعة روحية محضة. تفاصيل المعركة: بدأت السياسة في ٢٠ يونيه سنة ١٩٢٥ أول حملاتها لتأييد علي عبد الرازق ومهاجمة الأزهر وهيئة كبار العلماء. وقالت إننا نريد صيانة الدستور في روحه وفي كيانه وحماية حرية الرأي. وقال المحرر "لا نريده هو -أي الأزهر- أن يضيق الخناق على عقول فئة من الناس وتفكيرهم بدعوى من الأديان والتعويض بها مختصمة الناس وحاكمة عليهم في وقت واحد". وكتب العقاد في البلاغ فتناول المسألة من الناحية السياسية بعنوان "روح الاستبداد في الآراء١" قال: "إن من العزاء للمتشائمين من هذه الضجة التي ثارت حول كتاب الإسلام وأصول الحكم أن نعلم أن أكثر القائمين بها مدفوعين إليها بدوافع لا علاقة لها بالعقائد والآراء، وأنها لم تمنع أن يروج الكتاب بين الخاصة والعامة وأن يقبل على قراءته الذين حذروا من الاطلاع عليه، إننا لا نعرف صاحب "الإسلام وأصول الحكم" إذا رأيناه في الطريق، وليس هو من شيعتنا السياسية أو غير السياسية فنحن

стр. 326

لا ندافع عن شخصه ولا عن مذهبه السياسي حين نكتب هذه الكلمة ولكنا نود أن يعلم الذين لا يعلمون أن قد مضى الزمن الذي تتصدى فيه جماعة من الناس بأي صفة لإكراه الأفكار على النزول عند رأيها. وقالت البورص أجبسيان: إن الدوائر العليا قد أبلغت عن الأستاذ أنه يعمل لمصلحة حزب سياسي معين. وإن آراء الشيخ قد ألبست منذ الساعة الأولى لباس السياسة الممقوت. ولعل السياسة قاتلها الله هي التي لعبت كل هذه الأدوار المحزنة. وقالت الصحف البريطانية: إن الشيخ عبد الرازق هو المصلح العظيم الذي يشبه لوثر بين المسلمين. وهاجمت جريدة السياسة أعضاء اللجنة واحدًا بعد واحد وفي مقدمتهم الشيخان: شاكر وبخيت. وقالت١: إن إقدام الشيخ بخيت على ما أقدم عليه من اعتداء صريح على حرية الرأي لهو أكبر عار يسجله على نفسه في حياته لم تكن كلها مما تطمئن إليه النفوس العالية ودعا الشيخ بخيت إلى مقاطعة جريدة السياسة. وقالت جريدة الأهرام: لقد أحدث الشيخ بخيت حدثا نأمل أن تقابله الأمة بالعبوس والسخط لا بالرضا. وقالت السياسة: إن الشيخ بخيت أخ ماسوني من إخوان محفل الشيخ حسن الطويل وإنه فارس الصليب الأحمر.

стр. 327

وقالت جريدة الاتحاد: إن جمعية العلماء تأسست لحماية الدين من اعتداء جريدة السياسة برئاسة الشيخ الدجوي. وقال الشيخ "علي" ردًا على ما وجه إليه من حملات: إن فكرة الكتاب الأساسية التي حكم عليه من أصلها هي أن الإسلام لم يقرر نظامًا معينًا للحكومة ولم يفرض على المسلمين نظامًا خاصًا يجب أن يحكموا بمقتضاه، بل ترك لنا مطلق الحرية في أن ننظم الدولة طبقًا للأحوال الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي توجد فيها مع مراعاة تطورنا الاجتماعي ومراعاة مقتضيات الزمن. وقال: إن الخلافة ليست نظامًا دينيًا والقرآن لم يأمر بها ولم يشر إليها. وإن الإسلام بريء من نظام الخلافة وقد أثبت في كتابي أن النبي لم يكن قط ملكا. وأنه لم يحاول قط أن يبني حكومة أو دولة. ثم تساءل: هل أردت خدمة حزب معين؟ وأجاب: لست عضوًا في أي حزب، إني رجل دين ورجل شريعة ولم يحملني على وضع كتابي إلا غاية علمية وقد كتبته بعيدًا عن أهواء السياسة. بل ليس لموضوع الكتاب علاقة بالسياسة، وإن كثيرين يروون رأيي لا في مصر وحدها بل في العالم الإسلامي بأسره وأن الحكم الذي صدر لم يعدل طريقة تفكيري. لقد أخرجني الحكم من هيئة علماء الأزهر وهي هيئة علمية أكثر منها دينية، ولم ينشئها الدين الإسلامي، ولكن أنشأها شرع مدني لم يكن له أية صبغة دينية. ولن أكون في حسن الإيمان والإخلاص للإسلام بأقل من أولئك العلماء الذين قضوا بإخراجي.

стр. 328

وقد أشار سيد كيلاني مؤلف كتابه "فصول ممتعة" إلى هذه المعركة فقال: الحقيقة أن حزب الأحرار الدستوريين كان يضم بين رجاله كثيرًا من العناصر المنحرفة عن الدين فلطفي السيد مثلا كان الصحفي الوحيد الذي نشر في الجريدة دفاعا عن منصور فهمي "إبان حادث كتابه الذي هاجم فيه الإسلام" وطه حسين مؤلف كتاب الشعر الجاهلي. وعبد الخالق ثروت الذي تولى الدفاع عن طه حسين في مجلس النواب وأبى أن يفصله من وظيفته وهدد بالاستقالة كما أن عبد العزيز فهمي رفض فصل الشيخ علي عبد الرازق من وظيفته بعد صدور حكم هيئة كبار العلماء". وقد انتهت المعركة السياسية للكتاب ولكن المعركة الفكرية ظلت حية في آراء مختلفة أثارت معارك فرعية بين علي عبد الرزاق وبعض الكتاب. فقد كتب في أول رمضان "١٥ مارس ١٩٢٦" في السياسة مقالا عده الأمير شكيب أرسلان هجوما خفيا على الدين فكتب في كوكب الشرق بإمضاء "ش" تحت عنوان "أيهزأ أم أنا لا أفهم العربية" قال فيه: قرأت في السياسة مقالا للشيخ علي عبد الرازق عن رمضان أعدت النظر فيه كرتين فلم أقدر أن أفهم منه إلا أنه يهزأ بالدين، ويذم في معرض المدح ويشير من طرف خفي إلى أن القرآن حمل الناس على الضرر بل على المحال. فهمت أن الدين يأمر الإنسان بأمور لو أردنا تعليلها لم نجد لها تعليلا وأن أوامر الله قد تخالف العقل وتحمل المرء على ما فيه ضرره. وإذا جرى التسليم بنظرية الشيخ علي عبد الرازق هذه؛ أي أن الدين

стр. 329

مناقض للعقل وأمر بما يضر الناس كان لا بد من اتهام النقل، ومن القول بأن دينا يقول المحال ويأمر بالضرر لا يكون سماويا. وجرى سجال بين الكاتبين حتى قال شكيب، أنا آسف ولكن ضاق الصدر بكتابتك وأنت من واحدة إلى أخرى تتحكم بهواك تارة في التاريخ وطورًا في التوحيد وتوهم الناس أنك فهمت ما لا يفهم وليس الأمر كذلك.

стр. 330

الفصل الثالث: معركة الشعر الجاهلي مدخل ... الفصل الثالث: معركة "الشعر الجاهلي" أثار صدور كتاب "الشعر الجاهلي" عام ١٩٢٦ ضجة كبرى، هذه الضجة تتصل بالمشاعر الدينية من ناحية وبالصراع الحزبي من ناحية أخرى، وكانت نقطة الخطر فيه أنه ألقي على طلبة الجامعة. والجامعة يومها حديثة العهد، لم يمض عليها أكثر من عامين منذ ضمتها الحكومة إليها, كما كان صدى كتاب "الخلافة وأصول الحكم" الذي أصدره علي عبد الرازق لم يزل ماثلا في الأذهان. والكاتبان متصلان بحزب الأحرار الدستوريين وجريدة السياسة التي كانت وقته تجمع الكتاب المجددين الذين يثيرون المعارك حول التجديد ويصطدمون بعلماء الأزهر والكتاب المحافظين، لذلك قامت معركة أدبية كبرى حول الشعر الجاهلي، فقد نشرت فصول في الصحف وصدرت مؤلفات في الرد على الكتاب بأقلام محمد فريد وجندي ومحمد لطفي جمعة ومصطفى صادق الرافعي وشكيب أرسلان ومحمد أحمد الغمراوي ويوسف الدجوي وعبد المتعال الصعيدي ومحمد عبد المطلب وعبد ربه مفتاح. وكما حملت جريدة السياسة لواء الدفاع عن طه حسين حملت جريدة كوكب الشرق لواء الحملة التي بدأها شكيب أرسلان في مقال كتبه من "روما ١٩ مارس ١٩٢٦" تحت عنوان "التاريخ لا يكون بالافتراس ولا بالتحكم", ثم بدأت مقالات الرافعي في ٢٣ مارس ١٩٢٦ وامتدت وتعددت حتى كانت بعد مادة كتابة "تحت راية القرآن: الرد على الشعر الجاهلي" واشتركت مختلف الصحف في هذه المعركة فنشرت الأهرام في ٢٨ أبريل ١٩٢٦ مقالا للشيخ عبد المطلب وصمتت جريدة السياسة حتى ١٣ مايو ١٩٢٦ حينما نشرت كتاب طه حسين الذي ينص على أنه مسلم مؤمن بالله واليوم الآخر ثم عادت إلى الصمت حتى ١٦ مايو حيث نشرت حديث طه حسين مع جريدة فرنسية هي "الأنفورماسيون", وكتب طه حسين مقالا في ١٦ يوليو ١٩٢٦ في السياسة يهاجم الأزهر ونظام التعليم فيه. ومن هذه المقالات التي نشرتها جريدة كوكب الشرق ما كتبه عبد المتعال الصعيدي "١٢ مايو" وإسماعيل حسن ومحمد أحمد العدوي ١٨ مايو و٢٢ مايو و١٩ يونيه ويوسف الدجوي "٢١ مايو" وكانت هذه المقالات تحمل هذه العناوين: جماعة الملاحدة، مهزلة الجامعة المصرية، من يهد الله فهو المهتد: طه حسين يعادي التاريخ والعلم فوق عداوته للدين. حول

стр. 331

الدكتور طه حسين: نفسية شعوبية. شعوذية علي ديكارت. وعشرات المقالات بدون إمضاء. وفي الأهرام كتب عبد ربه مفتاح بعنوان "الآن وقد عصيت قبل". وامتدت المعركة في الصحف حتى شهر سبتمبر ١٩٣٦ حين تحولت إلى استجوابات في البرلمان وتحقيقات في النيابة. وقامت في هذه الفترة مظاهرات توجهت إلى مجلس الوزراء وخرج سعد زغلول ليخطب فيها ويقول "الأهرام ٧ نوفمبر ١٩٢٦": "إن مسألة كهذه لا يمكن أن تؤثر في هذه الأمة المتمسكة بدينها. هبوا أن رجلا مجنونا يهذي في الطريق فهل يضير العقلاء شيء من ذلك. إن هذا الدين متعين وليس الذي شك فيه زعيما ولا إماما حتى تخشى من شكه على العامة فليشك ما شاء ماذا علينا إذا لم يفهم البقر؟ ". وقد كتب الدكتور طه مقالا واحدًا في هذه المعركة هو المقال الذي هاجم فيه تعليم الأزهر، وكتب زكي مبارك مقالا عن ديكارت ثم طلب الدكتور إلى بعض أصدقائه ومنهم زكي مبارك أن يكفوا عن الرد فقد كان المطلوب أن تمر العاصفة بسلام. وصورت جريدة الأهرام الموقف على هذا نحو: "من المسائل١ التي ثارت حولها الإشاعات مسألة كتاب الشعر الجاهلي الذي أخرجه الدكتور طه حسين الأستاذ بالجامعة واستنكر العلماء بعض ما احتواه من العبارات الماسة بالدين، فإن كثيرين من النواب يستنكرون بقاء الدكتور طه أستاذًا بالجامعة بعد أن اجتمعت كلمة العلماء على خروجه على الدين وكان صاحب الفضيلة النائب المحترم الشيخ مصطفى الغاياتي قد أعلن عزمه على استجواب رئيس الوزراء في هذا الشأن ثم بذلت مساع حثيثة لحمله على العدول عن الاستجواب ثم إبدال الاستجواب بسؤال نشرناه منذ أيام على أن يكون الرد عليه كتابة. ولم يرد رئيس الوزارة

стр. 332

على السؤال وأشيع أن كثيرين من النواب سيعرضون مسألة الدكتور طه حسين على المجلس أثناء بحث الميزانية وقيل: إن بعضهم سيطلب إلغاء وظيفته فبذل أصدقاء الدكتور طه حسين مساعي حثيثة للوصول إلى إقناع الذين ينوون المطالب بالغاء الوظيفة بالعدول عن ذلك على أن يكتفي المجلس باستنكار عمل الأستاذ طه. وحدث أمس أن ثارت المناقشة في مجلس النواب في شأن كتاب الشعر الجاهلي ومؤلفه وألقيت الخطب مما يراه القراء بنصه في محضر جلسة المجلس. وقدم النائب المحترم عبد الحميد البنان نائب الجمالية اقتراحا من ثلاثة أقسام: ١- إبادة كتاب الشعر الجاهلي. ٢- إحالة الدكتور طه حسين إلى النيابة. ٣- إلغاء وظيفته. وقد سلم معالي وزير المعارف بالقسم الأول من الاقتراح وتكلم دولة عدلي باشا رئيس الوزراء عن القسم الثاني وجرت بينه وبين دولة الرئيس الجليل "سعد زغلول" مناقشة اشترك فيها وزير المعارف والحقانية انتهت بأن ذكر عدلي باشا أن قرار المجلس بإحالة المؤلف إلى النيابة يكون بمثابة اعتراض على تصرفات الحكومة وذكر مسألة الثقة بالوزارة. وكان جو المجلس مملوءًا كهرباء فاقترح النائب الدكتور أحمد ماهر رفع الجلسة عشر دقائق للاستراحة ولما رفعت ذهب الرئيس الجليل إلى مكتبه بمجلس النواب وتبعه إليه عدلي باشا ورشدي باشا وبقيا معه عشر دقائق. وكان دولة الرئيس الجليل سعد باشا متعبًا فاستقل سيارته إلى دراه واتفق بعض النواب على تأجيل الجلسة إلى غد. وعلى إثر انصراف دولة سعد باشا قصد دولة عدلي باشا ومعه دولة رشدي

стр. 333

باشا إلى بيت الأمة كما قصد إليها صاحب المعالي فتح الله بركات باشا ومحمد محمود باشا وتكلم عدلي باشا عن ظروف الحادث وذكر أنه قام على سوء تفاهم فإنه لم يقصد تحدي المجلس في سلطته وبعد انصرافهما سألنا بعض الوزراء عن النتيجة فقالوا لنا: إن الحادث سوي وأصبح كأن لم يكن. وقالت الأهرام: إنه في جلسة يوم الثلاثاء قال عبد الحميد البنان في مجلس النواب: "أنه قدم بلاغا إلى النيابة العمومية للتحقيق مع الدكتور طه حسين عما كتبه طعنًا على الدين الإسلامي وبناء على ذلك لم يبق محل للقسم الثاني من اقتراحي الذي قدمته أمس في المسألة. وبما أن مصادرة الكتاب لا يمكن أن تكون إلا بحكم وهذا تابع بطبيعة الحال للقضية المطلوب تحقيقها فإنه لم يبق محل للقسم الأول من اقتراحي". وتولى محمد نور "بك" رئيس نيابة مصر التحقيق مع الدكتور طه حسين وحصره في أربعة أمور هي: - أنه كذب القرآن في إخباره عن إبراهيم وإسماعيل. - أنه أنكر القراءات السبع المجمع عليها فزعم أنها ليست منزلة من الله تعالى. - أنه طعن في نسب النبي. - أنه أنكر للإسلام أوليته في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم. وقال النائب العام في تقريره أن طه حسين أدلى بردود وأدلة على النقط الثلاثة، وأجاب ردًا عما إذا كان قد استنتج هذا الكلام أم نقله: "إن هذا

стр. 334

فرض فرضته دون أن أطلع عليه في كتاب آخر وقد أخبرت بعد أن ظهر الكتاب أن شيئا مثل هذا الفرض يوجد في بعض كتب المبشرين ولكن لم أفكر فيه حتى بعد ظهور كتابي. وقد قال: إن كلامه ليس فيه طعن في نسب النبي وإن أورده بشكل غير لائق ولم يكن في بحثه ما يدعوه إلى إيراده بهذا الشكل. وقال: إنه لا ينكر أن الإسلام دين إبراهيم ولا أن له أولية في بلاد العرب وأن ما ذكره هو رأي القصاص، فقد أنشئوا حوله كثيرا من الشعر والأخبار. وقال عن القراءات: إن القرآن نزل بلغة قريش ولكن القراء من القبائل لم يكادوا يتناولونه بلهجاتهم حتى أمالوا فيه حيث لم تمل قريش. وأنكر المؤلف في التحقيق أنه يقصد الطعن على هذا الدين وذكر أنه ورد في كتابه على سبيل البحث العلمي من غير تقييد بشيء. وأنه كمسلم لا يرتاب في وجود إبراهيم وإسماعيل ولا فيما جاء عنهما في القرآن، ولكنه كعالم مضطر أن يذعن لمناهج البحث فلا يسلم بالوجود العلمي التاريخي لإبراهيم وإسماعيل. ورأى رئيس النيابة أن العقاب على الخطأ في الرأي مكروه ومن ثم حفظ القضية. وصور الدكتور طه حسين موقفه من المعركة فيما بعد فقال في كتابه "في الصيف" أنه سافر في ذلك العام على كره من قوم لو استطاعوا لأمسكوني في مصر، وأنا الآن أسافر رغم هذا الشيخ الذي نهض في مجلس

стр. 335

الشيوخ يستصرخ المسلمين، ويستغيث برئيس الوزراء علي؛ لأني -فيما زعم مسخروه- عرضت الدين للخطر. نعم، وزعم هؤلاء الشيوخ الأزهريين الذين أبرقوا إلى رئيس الوزراء من أقصى الصعيد يستغيثون به لأن الصحف نقلت إني عرضت الدين للخطر. وقال الدكتور طه أنه سافر "مغيظا محنقا على هؤلاء الناس الذين يتخذون الدين والسياسة وسيلة للكيد وبث الفساد في الأرض ليعلموا أن الدين أثبت وأمكن من أن يعرضه للخطر رجل كائنا من كان". وذكر الدكتور طه ذلك الرجل الذي لم يكن يعرفه إلا بما كان بينهما من خصومة سياسية عنيفة. والذي وقف أمام البرلمان وهو يتألف من كثرته الحزبية وقفة الحزم والمروءة والإباء والدفاع عن حرية الرأي "نعم إني لجاحد منكر للجميل إن نسيت موقف علي باشا الشمسي أمام النواب وأمام الشيوخ وأمام أولئك وهؤلاء من السعادة وأصحاب الكيد، لا يضطرب ولا يتردد ولا يفرط. "أأذكر عدلي وموقفه يوم ثارت الثائرة؟ كلا فما كنت أنتظر من عدلي غير هذا. أأذكر ثروت وموقفه يوم استقلت فرفض الاستقالة. ويوم سعى إليه الساعون وكاد عنده الكائدون فأبى إلا أن يكون وفيًا شريفًا. أهداف الكتاب: استهل الدكتور طه حسين بحثه على هذا النحو: هذا نحو من البحث عن تاريخ الجاهليين ولغتهم وأدبهم جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقا آخر سيزورون عنه ازورارًا ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث. وبعبارة أصح أريد أن أفنده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة وليس سرًا ما نتحدث به إلى أكثر من مائتين.

стр. 336

ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعا ما أعرف أن شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي، وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث ونشره في هذه الفصول، غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزور وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قومًا وشق على آخرين فسيرضي هذه الطائفة الثقيلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل وقوام النهضة الحديث وفخر الأدب الجديد. ونحن بين اثنين: إما أن نقبل من الأدب وتاريخه ما قاله القدماء لا يتناول ذلك من النقد إلا بهذا المقدر اليسير الذي لا يخلو منه كل بحث والذي يتيح لنا أن نقول: أخطأ الأصمعي أو أصاب وإما أن نضع علم المتقدمين كله موضع البحث. لقد أنسيت، فليست أريد أن أقول البحث وإنما أريد أن أقول الشك. لا ينبغي أن تخدعك هذه الألفاظ المستحدثة في الأدب ولا هذا النحو من التأليف الذي قسم التاريخ إلى عصور ويحاول أن يدخل فيه شيئا من الترتيب والتنظيم فذلك كله عناية القشور والأشكال لا يمس اللباب ولا الموضوع. وقال طه حسين إنهم لم يغيروا في الأدب شيئا أما أنصار الجديد فالطريق أمامهم موجة ملتوية تقوم فيها عقاب لا تحصى. وهم لا يطمئنون إلى ما قال القدماء وإنما يلقونه بالتحفظ والشك. وأن النتائج اللازمة لهذا المذهب الذي يذهبه المحددون عظيمة جليلة الخطر فهي إلى حياة المسلمين وميولهم وأهوائهم أكثر مما تمثل حياة الجاهلية. وصور طه حسين منهج البحث فقال: إنه سيسلك إلى هذا البحث منهج ديكارت الذي يطالب الباحث بأن يتجرد من كل شيء كان يعمله من قبل. وأنه ينسى عواطفه القومية والدينية وألا يتقيد بشيء ولا يذعن لشيء، وقال: إن علينا أن ندرس الأدب العربي غير حافلين بتمجيد العرب أو الغض منهم ولا وجلين حين ينتهي بنا هذا البحث إلى ما تأباه القومية أو تنفر منه الأهواء السياسية.

стр. 337

ثم صور طه حسين هدفه في كتاب الشعر الجاهلي فقال: إنه إنما يرمي إلى تحرير الأدب العربي من القيود التي تربطه بالعلوم العربية والعواطف الدينية وحتى يدرس الأدب لنفسه دون أن يكون وسيلة لفهم القرآن والحديث, وقال: إنه يريد أن يدرس تاريخ الآداب في حرية وشرف كما يدرس العلم الطبيعي وعلم الحيوان والنبات قال: من الذي يستطيع أن يكلفني أن أدرس الأدب لأكون مبشرًا بالإسلام أو هاديا للإلحاد وأنا لا أريد أن أبشر ولا أريد أن أناقش الملحدين. النصوص موضع الاعتراض: ١- للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا ولكن ورود هذين الاسمين في التوارة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن أثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة. ونشأة العرب المستعربين فيها ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوارة من جهة أخرى فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الإسلام بسبب ديني وسياسي أيضًا. فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي ألا يحفل بهما عندما نريد أن نتعرف أصل العربية، ونستطيع أن نقول: إن الصلة بين اللغة العربية الفصحى التي كانت تتكلمها العدنانية واللغة التي كانت تتكلمها القحطانية في اليمن كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة من اللغات السامية وأن قصة العاربة والمستعربة وتعلم إسماعيل من "جرهم" كل ذلك أحاديث أساطير لا خطر لها ولا عناء فيه "ص٢٦ من كتاب الشعر الجاهلي".

стр. 338

٢- ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه من قريش فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف وأن يكون بنو مناف صفة بني قصي، وأن تكون قصي صفوة بني قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب والعرب صفوة الإنسانية "ص٧٢ من الشعر الجاهلي". ٣- وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده، فكرة أن الإسلام يحدد دين إبراهيم، ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور, ثم أعرضت عنه لما أضلها المضلون وانصرفت إلى عبادة الأوثان "ص٨١ من الكتاب". دفاع الدكتور طه ١ عن نفسه: حديث طه حسين مع جريدة "الألفورماسيون": إن الأستاذ الذي يلقي دروسه بأمانة كثيرا ما يعرض له في المادة التي يدرسها ملاحظات ومباحث شخصية كما تعرض له في بعض الأحايين نظريات أيضا وطبيعي جدا أن يجمع هذه الملاحظات ويصوغها في قالب تحليلي يعرضه مع شيء من التفصيل على زملائه. طلبت مدفوعا بسبب مهنتي إلى أولئك الذين لا يعرفون مناهج النقد المدنية والبحث الحر ألا يقرءواكتابا لم يكتب لهم. خصومي فريقان، رجال الدين ومعلموا الآداب في مدارس الحكومة،

стр. 339

رجال الدين يرمونني بالإلحاد على أن ٩٨ في المائة ممن يتهموني لم يقرءوا كتابي. إن الآداب تعتبر لدينا حتى اليوم علما تابعا للدين فأي بلد في العالم يتهم في القرن العشرين بالإلحاد أستاذا يريد أن يدرس الآداب ذاتها. طه حسين؛ خطران: وكتب طه حسين مقاله الوحيد السياسة الذي هاجم فيه خصومه الأزهريين طالبا إلغاء الأزهر. أولهما١ الجهل وثانيهما الجمود وكلاهما عقبة كئود في سبيل الحياة الدستورية الصالحة في سبيل الحياة الصالحة من حيث هي. أحب ألا يغضب صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر ومن حوله من الشيوخ. وأنا أريد أن أصارح البرلمانيين والذين إليهم أمور مصر في هذه الأيام بأن في مصر شرًا عظيما هو جمود الشيوخ. إن واجبهم الوطني يقضي عليهم أن يتخذوا من الوسائل التشريعية والسياسية ما يحول بين الشيوخ وبين التسلط على الحياة العقلية والعلمية والسياسية. والأمر الثاني، هو استئصال هذا الجمود ووقاية الأجيال الحاضرة والمقبلة من شره. وأؤكد للبرلمان أن الشر مستمر متضاعف ما دام الأزهر قائما كما هو وأنا لا أريد أن أتدخل في شئون الأزهر. إن حياتنا العقلية والعلمية لن تصلح ولن تتجه إلى خير ما دام في مصر نوعان من التعليم يقف كلاهما في وجه صاحبه عدوا مبينا وخصما عنيدًا.

стр. 340

التعليم المدني في مدارس الحكومة وما إليها والتعليم الديني في الأزهر وملحقاته؛ هذان النوعان من التعليم يخرجان لمصر في كل عام جيشين مستعدين للخصام: أحدهما جيش المتعلمين الطامحين إلى المثل الأعلى الراغبين في الاتصال بحياة العالم الحديث والآخر جيش الجامدين المتعصبين الذين ركبت رءوسهم مدارة إلى الوراء، فهم ينظرون إلى أمس بينما ينظر خصومهم إلى غد، وسيظل هذان الجيشان في خصومة وحرب حتى يظفر أحدهما، وليس من شك في أن جيش التعليم المدني هو المنتصر، ولكن انتصاره سيكون بعيدا وسيكون عنيفا وسيكلف مصر ضروبا من الضحايا إذا تركت الأمور في مصر بحيث هي الآن. نحن بين أمرين إما أن ندع الأزهر كما هو والمدارس المدنية كما هي وأن ندع مصر تعاني هذه الخصومة المنكرة بين فريقين من أبنائها لكل منهما عقلية خاصة وفهم للحياة خاص وأن نتحمل ما يستتبعه هذا الإهمال من النتائج, وإما أن نحتاط لحماية مصر من هذه النتائج. ولنا إلى ذلك سبيلان: أحدهما إصلاح الأزهر "وليس إليه كما أعتقد سبيل" ويجب أن نلاحظ أن طلاب الأزهر وملحقاته يعدون بالألوف أو عشرات الألوف فهم في حقيقة الأمر قوة لا يستهان بها في حياة الأمة فإذا نحن تركناهم كما هم أضعنا على الأمة عددا ضخما من أبنائها وأعددنا في الوقت نفسه جيشًا ضخما يحارب العمل ويحارب الحرية ويحارب العلم نفسه. ينبغي أن نمهد السبيل لطلاب الأزهر وملحقاته حتى يستطيعوا أن يتحولوا إلى التعليم المدني أو أن يجمعوا بينه وبين التعليم الديني وسبيل ذلك:

стр. 341

أن يحال بين مناصب الدولة وبين الذين لا يحصلون على الشهادات المدنية مهما تكن هذا المناصب بحيث لا ينهض للقضاء الشرعي إلا من حصل على الليسانس ولا للتعليم إلا من حصل على دبلوم المعلمين العليا. جريدة السياسة وكتاب الشعر الجاهلي ١: رجال الدين وحركاتهم السياسية: لما صدر كتاب الدكتور طه حسين "في الشعر الجاهلي" وتناوله حضرات رجال الدين بالنقد لم نرد أن ندخل في جدل أو مناقشة لنؤيد حرية الرأي أو البحث العلمي ولو كان صاحبه مخطئا وآثرنا أن يتلافى أولو الأمر الخلاف بالحكمة والأناة. فلما طلب بعض المشايخ محاكمة الدكتور طه حسين وإخراجه من الجامعة ومصادرة كتابه أفهمهم من بيدهم الأمر أن ليس في الكتاب ما يحاكم عليه وأعلن الدكتور طه للناس أنه يؤمن بالله وكتبه واليوم الآخر. واتفق على أن تشتري الجامعة الكتاب فلا تتداوله أيدي الناس. ولم يكن أحد يتوقع أن تثور مسألة الدكتور طه وكتابه من جديد، ولكن حضرات العلماء تحركوا في المرة الأولى لم يدعوا الوزارة تطمئن إلى مجالسها في الحكم ثلاثة أيام حتى قدموا عرائض يطلبون فيها فصل الدكتور طه من الجامعة ومصادرة كتابه وإحالته إلى المحاكمة. وكنا نود أن الوزارة قوية غاية القوة مؤيدة أشد التأييد وأن محاولتهم إحراجها على هذه الصورة لن تصل بهم إلى أية نتيجة، وأنهم يقصدون

стр. 342

لغايات خاصة أو لإفساد الجو السياسي مما لم يستطيعوا الوصول إليه، وإنا لنود مخلصين أن يذر المشايخ هذه السياسة التي لا تفيدهم ولا تفيد أحدًا والتي تحرجهم ولا تحرج أحدا وأن ينصرفوا إلى التفكير في إصلاح حال المسلمين الدينية. من محضر جلسة مجلس النواب عبد الخالق عطية ١: حدث يا حضرات الأعضاء حادث بالجامعة المصرية وقام من ناحيتها صوت أفقدها عطف الكثيرين فقد أدى إلى فتنة أو كاد والأشد والأنكى أن البلاد لم ينلها حظ ولم تنلها مصالح ظاهرة من إثارة ذلك الموضوع. أظن أنكم فطنتم إلى ما أريد وتبينتم أن الصوت المعني بقولي هذا هو كتاب الشعر الجاهلي الذي تضمن طعنا ذريعا على الموسوية الكريمة والعيسوية الرحيمة وعلى الإسلام دين الدولة بنص الدستور. إن تصرف هذا الشخص كان أيضا مخالفا للذوق فإنه مدرس بالجامعة المصرية وهي معهد أميري يعيش من أموال الحكومة وهو يتقاضى مرتبه من هذه الهيئة التي دينها الإسلام فلم يكن من المفهوم ولا من المعقول أن يقوم هذا الشخص فيبصق في وجه الحكومة. إننا إذ نسلم أولادنا للحكومة ليتعلموا في دورها نفعل ذلك معتمدين على أن بيننا وبينها تعاقدًا ضمنا على أن الديانات محترمة. وأغرب ما في هذا التصرف إن صح ما بلغني أن إدارة الجامعة اشترت

стр. 343

من مؤلف هذا الكتاب كتابه، اشترته من أموال الأمة الموتورة بهذا العمل، فإن كان هذا الكتاب سيدرس في الجامعة فتلك ثالثة الأثافي. وزير المعارف: إننا لا نرمي أن تكون كراسي الأساتذة منابر تلقى منها المطاعن في أي دين من الأديان، وحادث كتاب الشعر الجاهلي وقع في عهد الوزارة السابقة, وقال مدير الجامعة: إن الجامعة منعت انتشار الكتاب بشراء جميع النسخ من المكاتب وحصرتها في مخازنها. الشيخ القاياتي: الحق إنه ما كان من المظنون أن يوجد بين المسلمين في مصر من يجرؤ على الدين إلى هذا الحد الذي بلغه الشيخ طه حسين. قبائح متعددة ما بين تكذيب لصحيح التاريخ وتكذيب لنصوص القرآن ونسبة والتحايل إلى الله وإلى النبي وإلى موسى. ثم اقترح عبد الحميد البنان مصادرة الكتاب وتكليف النيابة برفع الدعوى على طه حسين وإلغاء وظيفته في الجامعة. من تقرير النائب عن طريقة طه حسين في الكتابة: إن الذي١ نريد أن نشير إليه إنما هو الخطأ الذي اعتاد أن يرتكبه المؤلف في أبحاثه حيث يبدأ بافتراض بتخيله ثم ينتهي بأن يرتب عليه قواعد كأنها حقائق ثابتة. كما فعل في أمر الاختلافات بين لغة حمير وبين لغة عدنان, ثم في رسالة إبراهيم وإسماعيل وهجرتهما إلى مكة وبناء الكعبة. أما إذا رأى المؤلف في بحثه إنكار شيء فيقول: لا دليل عليه

стр. 344

من الأدلة التي تطلبها الطرق الحديثة للبحث حسب الخطة التي رسمها في منهج البحث. "الشك في وجود إبراهيم وإسماعيل" سئل الأستاذ في التحقيق عن أصل هذه المسألة, فقال هذا فرض فرضته أنا دون أن أطلع عليه في أي كتاب آخر، وقد أخبرت بعد أن ظهر الكتاب أن شيئا مثل هذا الفرض يوجد في كتب المبشرين "هذا المبشر هو هاشم العربي". وقد يكون للمبشر عذره في سلوك هذا السبيل لأن وظيفته التبشير لدينه وهو غرضه الذي يتكلم فيه. ولكن ما عذر المؤلف في طرق هذا الباب، وما هي الضرورة التي ألجأته أن يرى في هذه القصة نوعا من الحيلة. "الافتراض في أول الأمر ثم الجزم كأنما هي حقيقة". عندما سألناه في التحقيق عن السبب الذي دعاه أخيرًا لأن يقرر بطريقة تفيد الجزم بأن القصة حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام قال "هذه العبارات إذا كانت تفيد الجزم فهي إنما تفيده إن صح الغرض الذي قامت عليه وربما كان فيها شيء من الغلو ولكني أعتقد أن العلماء جميعا عندما يفترضون فروضا علمية يبيحون لأنفسهم مثل هذا النحو من التعبير. تورط المؤلف في هذا الموقف الذي لا صلة بينه وبين العلم لغير ضرورة يقتضيها بحثه ولا فائدة يرجوها. لا نفهم كيف أباح المؤلف لنفسه أن يخلط بين الدين وبين العلم

стр. 345

وهو القائل بأن الدين يجب أن يكون بمعزل عن هذا النوع من البحث الذي هو بطبيعته قابل للتغيير والنقص والشك والإنكار. وإننا حين نفصل بين العلم والدين نضع الكتب السماوية موضع التقديس ونعصمها من إنكار المنكرين وطعن الطاعنين ولا ندري لم يفعل غير ما يقول في هذا الموضوع؟

стр. 346

نماذج من حملات المعركة: ١- مصطفى صادق الرافعي ١: ما رأيت فئة يأكل الدليل الواحد أداتها جميعا كهؤلاء المجددين في العربية فهم عند أنفسهم كالجمرة المتوقدة لا يشبعها حطب الدنيا. ولقد كان من أشدهم غراما وشراسة وحمقا هو الدكتور طه حسين أستاذ الآداب العربية في الجامعة المصرية فكانت دروسه الأولى في الشعر الجاهلي كفرا بالله وسخرية بالناس فكذب الأديان وسفه التواريخ وكثر غلطه وجهله فلم تكن في الطبيعة قوة تعينه على حمل كل ذلك والقيام به إلا المكابرة واللجاجة؛ فمر يهذي في دروسه لا هو يثبت الحقيقة الخيالية ولا يترك الحقيقة الثانية، على أن أستاذ الجامعة إنما يقلد الهدامين من جبابرة العقول في أوربا وإنه منهم. ولكن كما تكون هذه الكرة الجغرافية المدرسية التي تصور عليها القارات الخمس من كرة الأرض التي تحمل القارات الخمس. والرجل متخلف الذهن تستعجم عليه الأساليب الدقيقة ومعانيها وأكبر ما معه أنه يتحذلق ويشداهى ويشبه بالمفكرين ولكن في ثوب الرواية. هو وأمثاله المجددين يسمون كتابا وعلماء وأدباء إذا كان لا بد لهم من نعت وسمة في طبقات الأمة غير أنهم على التحقيق غلطات إنسانية تخرجها الأقدار في شكل علمي أدبي لتعارض بها صوابا كاد يهمله الناس فيخشى الناس أن يتخيف الخطأ صوابهم أو يذهب به فيستمسكون بحبله ويشدون عليه. من أقبح ما في كتاب الدكتور طه حسين أنه يعلن في مقدمته تجرده من دينه عند البحث، يريد أن يأخذ النشء بذلك اتباعا لمذهب ديكارت الفلسفي الذي يقضي على الباحث بالتجرد من كل شيء عندما يبحث عن الحقيقة.

стр. 347

قال الأستاذ: يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها "وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به". وهذا لعمري هو منتهى الجهل فإن هناك فرقا بين البحث عن حقيقة فلسفية عقلية محضة وبين البحث عن حقيقة أدبية تاريخية قائمة على النص، وقول فلان وفلان، وإذا هو نسي دينه "وتأمل هذه العبارة" فماذا يكون من أثر هذا في التاريخ مادامت المادة التاريخية لم تجتمع له كما أسلفنا وما دام الأستاذ مبتلى من كل جهة؟ إن طه حسين مجموعة أخلاق مضطربة وأفكار متناقضة وطبائع زائفة وما من عالم في الأرض إلا وأنت واجد آراءه قائمة بمجموع أخلاقه أكثر مما هي آتية من صفاته العقلية، ولذلك قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان" , وطه رجل أرسلوا لسانه إلى أوربا فرجع بلسانه وترك قلبه هناك في خرائب روما, فيجب أن يكون نفاقه وثرثرته مقصورتين على نفسه وإذا كان عميد كلية الآداب لا يحسن من العربية شيئا ولا يفقه من هذه المباحث شيئًا ولا هو من دين الأمة في شيء فماذا نقول في الأستاذ الأديب الذكي البليغ مدير الجامعة الذي اسمه أحمد؟ والأمر الذي نخشاه من طه أنه "أداة" أوروبية استعمارية تعمل على إفساد أخلاق الأمة وحل عروتها الوثقى من دينها في أدبه ولغته وكتابه وتحقير كل من يتسم بشيء من ذلك عالما أو متعلما أو متورعا، فهو دائب على إزالة ما وقر في نفوس المسلمين من تعظيم نبيهم وكتابه وإيثار دينهم وفضيلتهم وإجلال علمائهم وسلفهم مرة بالتكذيب ومرة بالتهكم ومرة

стр. 348

بالزيادة ومرة بإفساد التاريخ ومرة بنقل الأخلاق الفاحشة المتعهرة من مدينة الفرنسيين. إن التاريخ الإسلامي إذا حمل على غير طريقته وتولاه غير أهله لم يأت منه إلا ما هو دخيل فيه وتقل الرواية ويكثر التكذيب، ويحصل الخطأ ويقع الخلل لأن الأشياء، بما كانت عليه لا بما تتوهم أنت أنها كانت عليه. وذلك هو السر في خلط المستشرقين والمسيحيين والديكارتيين من أمثال طه حسين إذا هم تعاطوا الكلام في المصدر الأول أو ما يفصل به نوعا من الاتصال في الأدب وفي الشعر أو نحوهما. وإذا كتبت الشياطين تاريخ الملائكة واتبعت مذهب ديكارت, فتجردت من قوميتها ودينها فهل تراها تقلب طبيعتها وخبثها وهل يدخل عليها الخطأ إلا من ناحية هذه الطبيعة في تركيبها على غرائز وأوصاف لا تتحول. ٢- محمد فريد وجدي ١: رأيت منه أخطاء اجتماعية وسيكولوجية وفلسفية لا يصح السكوت عليها وألفيت الدكتور لاضطراره إلى تصيد الأسباب التي حملت ذوي النفوس المريضة على اختلاق الشعر ونسبه إلى الجاهليين قد عول على كتب المستشرقين وهي قرارة الأكاذيب ومستنقع المقدمات من كل نوع فجاء كتابه بما حمل من أوزار المغتربين وبما غلا هو فيه من تقصي إغراءات المتناظرين وتسويدات المتنافسين من القادة الأعلين طامسا لمعالم أكبر ثورة اجتماعية حديثة في العالم ألا وهي ظهور الديانة الإسلامية وما استتبع انتشارها من سقوط دول وقيام دول.

стр. 349

فبينما علماء الغرب لا يتمالكون أنفسهم من الدهش من قوة هذه الحركة الاجتماعية التي انبعثت من بلاد العرب فجأة فرجت العالم كله رجة أذهلته عن كل شيء, يصعب علينا أن نرى واحدًا منه يضع كتابا بالفرض قليل الخطر وهو إثبات أن الشعر الجاهلي مختلق يكون أثره على قارئه أن يحتقر هذه الثورة الكبرى ويستخف برجالها الذين أخذوا حظا من تمثيلها والاضطلاع بأعبائها١. ٣- محمد لطفي جمعة ٢: هذا المؤلف لم يترك فضيلة للعرب في علومهم وتاريخهم وآدابهم وعقائدهم دون أن يحاول هدمها بشدة وتهكم واستهزاء لم يعد له مثيل في كتب العلماء فيخيل للقارئ أن المؤلف يلعب ويلهو بأشرف الأشخاص وأسمى المبادئ التي خلفتها المدنية العربية الإسلامية منذ أربعة عشر قرنا. وكنا نود أن نظن بكتابه خيرا فلم نجد له في الخير محملا. وحاولنا أن نلمح بصيصا أشبه بالبصيص شيئا في وسط هذه الظلمات المتكاتفة المتطالعة من أول الكتاب إلى آخره لأنه للأسف طافح بالأوهام فهو سراب يحسبه الإنسان من بعيد ماء. والحقيقة أن كتاب "في الشعر الجاهلي" عبارة عن بعض نصوص صحيحة أو مزورة وبعض أكاذيب وأساطير وشيء من التهويل وشيء من السياسة وشيء من الخرق وكثير من الشعوبية والتعصب ضد العرب وعقائدهم.

стр. 350

ولم يترك المؤلف نبيا أو صديقا أو عالما أو راوية أو شاعرًا إلا ابترك في عرضه ابتراكا ونال من شرفه وسمعته. يقول المؤلف: إنه ليس لنا أن نتمسك بالقديم لمجرد قدمه وهو يعد أعظم مفاخر المدنية العربية في القوانين والأنظمة والعلوم والآداب قديما، يجب تركه، ولا يؤيد أقواله بدليل أو مرجع صحيح أو إسناد يعول عليه. فيقول ليس لنا أن ننبذ القديم لمجرد قدمه فما كل قديم ينبذ ولا كل جديد يؤخذ، والواجب على من رأى المصلحة في القديم أن لا يتركه ما لم تقم الأدلة على صحة الجديد وهذا ما فعلته الأمم الأوروبية فلم تترك قديمها بل فتشت فيه وبعثته وأحيت العلوم والآداب التي كانت مفاخر اليونان واتخذتها أساسًا متينًا إلى الجديد في عهد إحياء العلوم على أن معظم قديمهم أساطير وخرافات وأخبار لم يستطع أحد من علمائهم تحقيقها بيد أن قديمنا معظمه حقائق وشرائع وقوانين وآداب. لقد طعنت في هدم العرب وتاريخهم وآدابهم قبل الإسلام وبعده١ بثلاثة قرون ولم تترك فرصة إلا اختلقت فيها غميزة ضد المدنية العربية وشرائعها وقوانينها وآدابها وتاريخها في عمد وإصرار كأنك تهدم بمعول الحقد الكمين بناء شاده أعداء لك ألداء وطعنت قبل كل شيء في الرواية والتواتر والإسناد وهي وسائل العلم والدين والأدب عند العرب في جاهليتهم وأسلافهم ولم يسبق لأحد من الباحثين أن طعن في تلك الوسائل من علماء المشرقيات الأجانب١.

стр. 351

٤- شكيب أرسلان ١: ليس طه حسين في هذا الرأي القائل والمنطق المقلوب إلا مقلدا لمرغليوت أو لغيره من الأوروبيين بسائق عقيدة سخيفة فاشية -وياللأسف- في الشرق وهي أن الأوروبي لا يخطئ أبدًا, وأنه من حيث اخترع الأوروبي سكة الحديد والغواصة والطيارة والسيارة وما أشبه ذلك فلا شك أنه صار يفهم أحسن مما يفهم سيبويه والخليل بن أحمد وليس في الدنيا خطأ أعظم من هذا ولا طيش يفوت هذا الطيش فكل علم له أربابه الذين هم أدرى به. إننا لا ندعي كون الشرقيين أعلم من الغربيين وحاشا أن نقول هذا بل أولئك اليوم على وجه الإجمال أعلم منا لا جدال, ولكن الحقيقة القاتلة هي أن الشرقي يتهم أخاه الشرقي في نقله ويسفهه في عقله ويحتقر رأيه ولا يقبل له قولا لمجرد أنه شرقي حتى إذا اطلع على تأليف أوروبي ولو محشوا بالهذيان تلقى ما فيه نازلا من السماء وعض عليه بالنواجذ وأبى أن يرتاب فيه أو يحاكمه، ومن هنا نشأ ما نحن فيه من الأزمة الأدبية، والاجتماعية واللغوية والتخبط الذي ترانا نتخبطه لأن حقائقنا انقلبت ضلالات بلا سؤال, وضلالات الإفرنج تلقيت حقائق بلا جدال. النظرية الجديدة غير الحقيقة العلمية. الحقائق العلمية ما تزال تتجدد وينقض آخر منها أول. الهوس بقبول الجديد.

стр. 352

مخالفة رأي الجمهور. ليس كل شيء قديم منبوذا وليس كل شيء جديد مرغوبا فيه. أني لا ألوم الدكتور طه حسين الذي قصاراه أن يسرق رأيا لمستشرق أوروبي خالف به جمهور المستشرقين فضلا عن علماء العرب وأن ينتحل هذا الرأي لنفسه متبجحا به. ٥- محمد عبد المطلب ١: سخطت وازوررت لأني أجد ضعفا في أسلوبه العربي وضعف تأليف وخطأ في اللغة وقواعد الإعراب وسخطت وازوررت ثم تنظمت وأوردت إذ رأيت أكبر أستاذ في أكبر معاهد مصر يتردد بين التناقض في الرأي والخطأ الفاحش في الفن. فأما قصور اللفظ فإني وجدت الدكتور يمنح في كل دعوى الشك والتشكيك عجزًا عن الدليل القويم ولا ينتج من المقدمات في أدلته إلا العقيم وما كان الشك والتشكيك يوما عكازًا لأحد من العاجزين، أما التقصير في الاجتهاد فإنك تراه لا يزجر نفسه ولا يكلفها شيئا من الجهد فيستمرئ الكسل عن التحقيق في أقل المواطن كلفة وأيسرها منالا ويتستر بالتعمية في الأسلوب والمراوغة في الجدال والختل في الاستدلال ولو كلف نفسه قليلا لبدا له العلم الصحيح. أما ضعف الأسلوب فإنه يجيئك بالمعنى القليل الهزيل في اللفظ الكثير والتركيب المملول. على أني حائر في الحكمة التي يرمي إليها بافتتاحه القول مغيظًا محنقا

стр. 353

بتصوير الخصومة ولا خصومة ويمعن في اللئوم روبما كان هو الحليم وبعد فإنه خرج من التمهيد الطويل العريض الذي وضع أسلافنا فيه تحت المطرقة وانهال عليهم بلا حرمة ولا مبالاة وتجرد في حقهم من آداب المؤلفين. ٦- عبد ربه مفتاح: تبرأ طه حسين بجواب أرسله إلى مدير الجامعة بعد أن قامت الأمة وقعدت لفعلته الشنيعة، تبرأ الآن من الكفر والإلحاد بعد أن سجله في مؤلفه وأذاعه بين الناس وأفسد به عقول النابتة. ولكن فات دكتور أوربا أن هذا سبيل البراءة والخلاص، وإنما السبيل أن يعلن رجوعه عن هذا الكفر الصريح وأن ينص في غير مواربة ولا لف ولا دوران أن مؤلفه باطل لا يعول عليه. وبخاصة ما يمس منه الدين. أخبرني أيها الدكتور ماذا في كتابك وما الجديد الذي أحدثته فيه، أفكرة التغير والتعديل في الشعر الخاصة وقد رادها قبلك الرواد. ٧- عبد المتعال الصعيدي ١: بين يدي الآن كتاب "مقالة عن الأحلام" لجرجيس صال الإنجليزي معربة عن الإنجليزية بقلم من يدعى هاشما العربي مطبوعة ١٨٩١ يرى فيها ما رأى الدكتور طه في قصة إبراهيم وإسماعيل وينسبه لنفسه على أنه ابتكار من ابتكاراته ورأي من آراءه الجديدة. وهو الذي أقام الدنيا وأقعدها على الأستاذ علام سلامة إذ نقل على لسان العرب ما نقل مما كتبه عن الآداب والأدباء في السياسة الأسبوعية ولم ينسبه إلى صاحبه.

стр. 354

فلماذا استحل الدكتور طه هذه السرقة الفظيعة وهو العالم الذي لا يبارى ولا يليق أن يتهجم على الكتب فيسرق منها وينسب لنفسه. يقول طه حسين "ص٢٩" أمر هذه القصة "قصة إبراهيم وإسماعيل" إذن واضح فهي حديثة العهد ظهرت قبل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني وسياسي, وإذن فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي ألا يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل اللغة العربية الفصحى. ويقول "هاشم العربي" في كتابه مقالة في الإسلام: "وحقيقة الأمر في قصة إسماعيل أنها دسيسة لفقها قدماء اليهود العرب تزلفا إليهم وتذرعا بهم إلى دفع الروم عن بيت المقدس أو تأسيس مملكة جديدة لهم في بلاد العرب يلجئون إليها". هل يليق يا دكتور أن تنقلب مبشرًا تنقل آراء المبشرين التي يمليها عليهم حقدهم في جامعة علمية. وقال عبد المتعال الصعيدي في كتابه "القضايا الكبرى في الإسلام" ص٣٩١: إن الدكتور طه أجاب في التحقيق بأنه يقرر صدق هجرة إسماعيل ﵇ إلى مكة ويؤمن بقصة بناء الكعبة كما وردت في القرآن ويؤمن بتنزيل القراءات بصفته مسلما معتقدا ولكنه لا يقرها بصفته عالما أديبا وقال: إن عدم إقرارها هو الطريق الوحيد العلمي للوصول إلى حقائق الشعر الجاهلي وتاريخه. وقال: إن الدكتور أنكر القراءات السبع المجمع عليها فزعم أنها ليست

стр. 355

منزلة من الله تعالى. وأن العرب قرأتها كما استطاعت لا كما أوحى الله بها إلى نبيه. ٨- محمد أحمد الغمراوي ١: ظهر كتابه "في الشعر الجاهلي" تحت اسم جديد بعد أن حذف منه وزيد فيه أما المحذوف فيه فهو أكثر تلك الأجزاء التي ثارت من أجلها ثائرة الناس في مصر على صاحب الكتاب فاستعدوا عليه القانون فهذا تحسن في الكتاب من غير شك يرجع الفضل بعض إلى صاحبه -أو إلى النيابة- ولكن المنقود عاد فانبعث بعد أن غير زيه وإن لم يغير من حقيقته "الأدب الجاهلي بدلا من الشعر الجاهلي" فلم نجد بدا من أن نعيد ذلك النقد ونجعله بعد التعديل نواة لنقد أوسع يتناسب مع التضخم في الكتاب المنقود. لم ينتفع صاحب الكتاب بنقد الناقدين على تعدد نقدهم وصوابه، وفي رأينا أن إعراض صاحب الكتاب عن الانتفاع بذلك النقد الكثير الصائب أدل على الروح الذي يحركه والغرض الذي يسعى إليه من كل ما نمق وينمق من زخرف يزعم به التجرد من الهوى والجري على أسلوب العلم الحديث. إن عملية تنقية الكتاب بالحذف لم تقو على تخليصه من كل ما يجافي الدين وإن خلصته فيما يظهر من كل ما يؤاخذ عليه القانون. وخلصته من الواضح الصريح الذي يمكن أن يمتد القلم إليه بالحذف أما المثبت في ثنايا جملة من التهكم الخفي فذلك ما لا يمكن أن يتناول بالحذف إلا أن يحذف أكثر الكتاب. فالكتاب وإن خلص من مثل: "للتوراة أن تحدثنا أن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا".
следующие страницы →